أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، والمخلب للطائر والسبع بمنزلة الظفر للإنسان، وروي عن مالك كراهة أكل الخطاف لقلة لحمه فهو تعذيب من غير فائدة.
ونعم؛ يعني أن النعم وهو الإبل والبقر والغنم يباح أكله ولو جلالة، فهي على حكمها في الأصل في إباحة أسئارها وأعراقها ولحومها وألبانها، ولو تغيرت اللحوم والألبان. هذا هو المشهور.
وفى الحطاب قال ابن رشد: يمنع من ذبح فتيّ الإبل مما فيه الحمولة، وذبح الفتي من البقر مما هو للحرث، وذبح ذوات الدر من الغنم للمصلحة العامة.
ووحش لم يفترس؛ يعني أن الوحش وهو الحيوان البري الذي لا يألف الإنس غالبا يباح أكله إذا كان لا يفترس أي يصير حيوانا آخر فريسة أي قتيلا أو مدقوق العنق فيأكله، وافترسه: اصطاده، والحيوان الذي لا يفترس كالغزلان وبقر الوحش وحمره والضب، وعن ابن عباس ﵄ أن خالد بن الوليد ﵁ أخبره أنه دخل مع النبي ﷺ على ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته وخالة ابن عباس ﵄، فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمته إليه وكان قلما يقدم إليه طعام حتى يحدث عنه ويسمى له، فأهوى إليه بيده فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﷺ بما قدمتن له، فقلن: هو الضب، فرفع يده فقال خالد ﵁: أحرام هو يارسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر فلم ينهني (١)). رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي.
وأما الوحش البري المفترس كالأسد والنمر والفهد والضبع والهر الوحشي، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول وهو مذهب الموطإ تحريم الجميع، لما خرجه مالك وغيره: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام (٢))، والثاني أن جميع ذلك مكروه وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب، وهو ظاهر المدونة وهو الذي مشى عليه المص فيما يأتي، وسيأتي توجيهه إن شاء الله تعالى: والقول الثالث الفرق بين ما يعدو، -والعداء خاص بالآدمي والافتراس عام في الآدمي وغيره-،
стр. 3082
كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والهر والثعلب والذئب فيكره، وهذا قول ابن حبيب، ونقله عن المدنيين من أصحاب مالك. قاله الش.
كيربوع، هذا مثال للوحش الذي لم يفترس؛ يعني أن اليربوع وهو دويبة أكبر من الفأر ورجلاه أطول من يديه عكس الزرافة مما يباح أكله، وخلد؛ يعني أن الخلد مباح وهو فأر أعمى يكون في الصحاري والأجنة لا يصل للنجاسة، أعطي من الحس ما يغني عن البصر وهو مثلث الخاء مع فتح اللام وسكونها، قال الشيخ عبد الباقي: وفأر الغيضة يباح أكله، وما يصل للنجاسة كالذي في البيوت يكره أكله على المشهور إن تحقق أو ظن استعماله لها، فإن شك لم يكره، ورجيع المكروه نجس، ورجيع المباح طاهر. وقوله: يكره أكله على المشهور، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي في كتاب الطهارة من التوضيح في الفأر والوطواط ثلاثة أقوال، والقول بالتحريم هو المشهور ونقله الحطاب. وذكر عن ابن رشد أيضا أنه استظهر التحريم. انتهى ونحوه للشيخ ميارة. ونصه: وفي الفأر والوطواط التحريم وهو المشهور والإباحة والكراهة. انتهى. وذكر عن الشيخ عبد الرحمن حرمة بنت عرس.
ووبر؛ يعني أن الوبر مباح وهو دويبة من دواب الحجاز فوق اليربوع ودون السنور أي الهر، طحلاء اللون حسنة العينين شديدة الحياء لا ذنب لها، توجد في البيوت جمعها وبار، قال عنترة:
قتلت سراتكم وخسلت منكم … خسيلا مثل ما خسل الوبار
ومعنى خسلت: نفيت أو ذللت، والوبر بفتح الواو وسكون الباء آخره راء، وقال ابن عبد السلام بفتح الباء، ومعنى طحلاء اللون أنها بين البياض والغبرة، وأرنب بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح النون: دويبة فوق الهر ودون الثعلب معروفة؛ يعني أن الأرنب مباحة، وفي الخبر عن أنس ﵁ أنه قال: (أنفجنا أرنبا بمر الظهران فأدركتها، فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة ﵁ فذبحتها بمروة، فبعث معي بفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3083
فأكله، قيل له: أكله؟ قال قبله (١)). رواه في التيسير عن الخمسة، وهم في اصطلاحه: الشيخان مسلم والبخاري، وأصحاب السنن الثلاثة: أبو داوود والنسائي والترمذي.
وقنفذ؛ بضم أوله مع ضم ثالثه وفتحه بينهما نون ساكنة وآخره ذال معجمة كله شوك إلا رأسه وبطنه ويديه ورجليه وهي بهاء. ويقال له الشيهم بفتح الشين والهاء؛ يعني أن القنفذ مباح، نص على ذلك في المدونة. وضربوب؛ بضاد معجمة مفتوحة وراء ساكنة فباءين موحدتين بينهما واو ساكنة؛ يعني أن الضربوب من المباحات نص على ذلك في المدونة وهو كالقنفذ في الشوك إلا أنه يقرب من الشاة في الخلقة. وحية أن سمها؛ يعني أن الحيات مما يباح إذا أمن سمها وذكيت في موضع ذكاتها وهو حلقها الذي هو موضع الذكاة من غيرها.
وبما قررت علم أنه لابد في تذكية الحية من التذكية المعتادة في غيرها، وفي المدونة: وإذا ذكيت الحيات في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها. أبو الحسن الصغير: في موضع ذكاتها يريد حلقها وهو موضع الذكاة من غيرها. انتهى. وعبارة الأمير مشبها على المباح: كحية أمن سمها بقطع ذنبها مع رأسها مرة بعد سكون خضبها، ولابد أن يقطع من مقدم الحلقوم. انتهى. ابن بشير: يحرم ذو السم إن خيف منه وإلا حل. الباجي: لا تؤكل حية ولا عقرب. الأبهري: إنما كرهت لجواز كونها من السباع وللخوف من سمها، ولم يقم دليل على حرمتها ولا بأس بها تداويا، ولذا أبيح الترياق. وفي الطراز: المشهور إباحة العقرب، وقيل تكره، وروى ابن حبيب كراهة العقرب، وذكاتها قطع رأسها، وروى ابن القاسم في المدونة: يباح أكل الحية إن أمن سمها وذكيت في حلقها واحتيج لأكلها: وله في غيرها: وإن لم يحتج لأكلها وهو ظاهر المص. النووي: السم بفتح السين وضمها وكسرها والفتح أفصح، وجمعه سمام وسموم.
وخشاش أرض؛ يعني أن خشاش الأرض مما يباح أكله وهو ما لا يخرج من الأرض إلا بمخرج، ويبادر برجوعه لها كعقرب وخنفساء وبنات وردان ونمل ودود وسوس وحلم، ويدخل فيه الوزغ والسلحفة وشحمة الأرض فإنها من المباح وإن كانت ميتتها نجسة؛ لأن لها نفسا سائلة، وذكر الحطاب عن ابن عرفة أن الوزغ لا يؤكل، ولعله لما فيه من السم، وخشاش الأرض مثلث الخاء
стр. 3084
وبالفتح: الرجل الخفيف الرأس، ودود الطعام لا يحرم أكله معه، فإن انفرد عن الطعام فلا شك أنه يفتقر للذكاة.
وفي كتاب الشيخ الأمير: وأكل ما لا دم له كالذباب والنمل مخلوطا بطعام، فإن غلب الطعام، فإن تميز أخرج ولو واحدة إلا الحي فيؤكل بنية الذكاة مطلقا، كميت تولد منه كدود الجبن وسوس الفاكهة. انتهى. وقال الباجي: أكل الخشاش مكروه، وفي ابن بشير: المخالفون يحكون عن المذهب جواز أكل المستقذرات والمذهب خلافه.
وقال ابن هارون: ظاهر المذهب كما ذكر المخالف، وقال ابن العربي: قال مالك: حشرات الأرض مكروهة، وقال أبو حنيفة والشافعي: محرمة وليس لعلمائنا فيها متعلق، ولا للتوقف عن تحريمها معنى ولا في ذلك شك، ولا لأحد عن القطع بتحريمها عذر.
قال في الذخيرة بعد أن ذكر عن الجواهر ما قاله ابن بشير في المستقذرات ما نصه: والعجب من نقل الجواهر مع قوله في الكتاب: لا بأس بأكل خشاش الأرض وهوامها وأي شيء بقي من الخبائث بعد الحشرات والهوام والحيات. انتهى. وروى ابن حبيب: من احتاج إلى أكل شيء من الخشاش ذكاه، كالجراد والعقرب والخنفساء والجندب والزنبور والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب، وإذا كثر روث الفأر في الطعام فإنه يغتفر للخلاف فيه والمشقة، وتقدم أن دود الطعام لا يحرم أكله معه، فإن قلت: روى أبو داوود (أنه ﵊ أتى بتمر عتيق فجعل يفتشه يخرج السوس (١))، وذلك يدل على التحريم أو الكراهة، فالجواب أنه يجوز أن يكون ذلك لكونه عافته نفسه ﷺ كما فعل في الضب. قاله الحطاب.
وعصير؛ يعني أن العصير وهو ماء العنب أول عصره مباح، وهو فعيل بمعنى مفعول أي معصور، قال في المدونة: وعصير العنب ونقيع الزبيب وجميع الأنبذة ما لم تسكر من غير توقيت بزمان ولا هيئة، ولا يحد الطبخ بإذهاب الثلثين ولا بغيرهما، بل بما منع إسكار كثيرة. وفقاع كرمان؛ يعني أن الفقاع مما يباح تناوله في حال الاختيار، وهو شراب يتخذ من القمح والتمر، وقيل: ماء جعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل. وسوبيا؛ يعني أن السوبيا مباح وهو فقاع يميل إلى الحموضة
стр. 3085
بما يضاف إليه من عجوة ونحوها. وعقيد؛ يعني أن العقيد مباح وهو ماء العنب يغلى على النار حتى ينعقد ويذهب منه الإسكار، ويسمى بالرب الصامت، ولا يحد غليانه بقدر وإنما المعتبر فيه الإسكار وعدمه، كما مر عند قوله: "وعصير"، فما يمنع إسكار الكثير منه هو المعتبر: وفي الحديث: (ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام (١)). انتهى. وقوله: "عقيد"؛ فعيل بمعنى مفعول كنبيذ بمعنى منبوذ، وعصير بمعنى معصور أمن سكره؛ يعني أن محل إباحة هذه الأمور المتقدمة من قوله: "وفقاع وسوبيا وعقيد"، إنما هو حيث كان الإسكار مأمونا مذما، وأما العصير فلا يتصور فيه سكر إلا بإضافة شيء إليه، وفي بعض النسخ: سكرها، وهي أحسن. كما في الشبراخيتي.
وللضرورة ما يسد؛ هذا هو الضرب الثاني من المباح؛ يعني أنه يباح للضرورة وهي خوف الهلاك على النفس علما أو ظنا تناول كل ما يسد الجوع من جميع المحرمات إلا ما استثناه، ولا يشترط أن يصل إلى حال يشرف معها على الهلاك، فإن الأكل بعد ذلك لا يفيد. قاله غير واحد. وقال التتائي: وهل حد الاضطرار خوف الهلاك أو خوف المرض؛ قولان، ومعنى يباح: يؤذن فيه شرعا، فلا ينافي أنه يجب الأكل لإنقاذ النفس.
واعلم أنه للمضطر أن يشبع ويتزود، فإن استغنى طرح ما كان معه، وإذا تزود من خنزير لم يجد سواه ثم لقي ميتة تقدم عليه عند الاجتماع طرحه وأخذ الميتة، وقوله: "يسد"، إن حمل على سد الرمق كما هو ظاهره خلاف ما قدمته في أول الحل كان ماشيا على ما لابن حبيب وابن الماجشون، ونقله عبد الوهاب رواية عن مالك، ونقل أيضا عن ابن المواز، وعلى هذا فلا يشبع ولا يتزود، والراجح أن للمضطر أن يشبع ويتزود وإذا استغنى طرح ما تزود به، وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع، فإن استغنى عنها طرحها. انتهى. وقوله: فإذا استغنى عنها لخ؛ أي بوجود ما يقدم عليها ولو كان حراها على غيره، كطعام غير إن لم يخف القطع، وإذا أبيحت له للضرورة فيباح له الأكل منها، وإن لم يضطر حتى يجد غيرها مما يحل له ولو كان محرما على غيره. قاله الشبراخيتي. وفيه ما يفيد أن الحرام إذا غلب وتعذر تحصيل الحلال
стр. 3086
لا يمنع الأكل منه. ابن غازي: صواب. قوله "يسد": يشبع: وظاهر كلام المص يشمل العاصي بسفره، وشهره ابن زرقون، وتبعه القرافي وابن جزي، قال ابن زرقون: ووجهه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، ومقابله لابن حبيب محتجا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ الآية، ولا يقتل نفسه بل يتوب ثم يتناول الميتة بعد توبته. قوله: "وللضرورة ما يسد" اختلف في هذا هل هو من باب الإباحة أو من باب المعفو عنه؟ قال البساطي: الأول قول جمهور العلماء وهو ظاهر كلام الأئمة والأحاديث، والثاني هو التحقيق؛ إذ الميتة لا تنفك عن النجاسة وهو عين التحريم، لكن هذا تحريم لا إثم فيه لإحياء النفس. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وقد نص القرافي في فروقه على أنه إن لم يغسل فمه بطلت صلاته، ونقله ابن فرحون في ألغازه. انتهى. وقد تقدم أنه إذا أبيح له الأكل منها للضرورة صار له الأكل منها بعد ذلك، وإن لم يضطر حتى يجد غيرها مما يحل له، ولو كان محرما على غيره. قاله غير واحد. وقوله: "وللضرورة ما يسد"، قال ابن العربي: المخمصة لا يخلو إما أن تكون دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء في ذلك على قولين: الأول يأكل حتى يشبع ويتضلع. قاله مالك وغيره، والثاني يأكل بمقدار سد الرمق، وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب. انتهى. نقله الشارح.
فتحصل مما مر أن في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور وهو قول سحنون والأكثر أنه يأكل ويشبع ويتزود، ثانيها أنه يسد الرمق وعليه فلا يشبع ولا يتزود، ثالثها أنه يشبع ولا يتزود. غير آدمي يعني أنه يباح للمضطر كل ما يرد عنه ضرورة الجوع أو العطش أو يخففها عنه من الأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمي، وأما ميتة الآدمي فلا يباح له أكلها مسلما أو كافرا، وإن كان يموت إن لم يأكلها، ويباح له أيضا تناول الدم وشرب المياه النجسة وغيرها من المائعات، وقوله: "غير آدمي"، يدخل فيه العذرة كما نص عليه الشيخ إبراهيم، وقوله: "غير"، يصح رفعه على أنه بدل من "ما"، ونصبه على أنه حال منها، وعلة حرمة ميتة الآدمي التعبد، وقدم المص ذلك بقوله: والنص عدم جواز أكله لمضطر، وكون حرمته تعبدية هو المشهور، وقيل: لإذايته لأنها إذا جافت صارت سما، وقيل: إن ميتة الآدمي يجوز أكلها مع الضرورة، وقد قدم
стр. 3087
المص ذلك أيضا بقوله: وصحح أكله أيضا، والمنع شامل لأكله من نفسه: كيده أو رجله ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه حفظا لنفسه، كمن لدغته أفعى في يده وكان يرجو الحياة بقطعها قبل سريان السم فيه فإنه يجب القطع حينئذ.
وخمر؛ يعطي أن المضطر يحل له كل ما يرفع الضرورة أو يخففها إلا ما كان من الآدمي -كما مر- والخمر، فلا بباح له استعمالهما، أما الخمر فلأنها لا تفيد في الجوع ولا في العطش بل ربما زادت العطش، وقيل: تباح لأنها قد تخفف ذلك على الجملة ولو لحظة، وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها، واختاره القاضي أبو بكر؛ يعني ابن العربي: لأنه تعالى قال في الخنزير: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، ثم أباحه في حال الضرورة بقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ الآية، وقال في الخمر: إنه رجس فتباح للضرورة كالخنزير بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ولابد أن تروي الخمر ولو ساعة وترد الجوع ولو ساعة أو مرة، وقد مر الكلام على جيفة الآدمي.
إلا لغصة؛ يعني أن الخمر لا تحل لضرورة أي ضرورة إلا ما كان من إساغة الغصة، فإنه تجوز إساغة الغصة بالخمر أي إزالتها بها عندى عدم ما يسيغها به غيرها، ويصدق في شربها لغصة إن كان مأمونا، وأولى مع قرينة صدقه، فإن قامت قرينة كذبه لم يصدق كعدم قرينة وهو متهم. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الشيخ الأمير: ولا يشرب الخمر إلا لغصة خشي منها الهلاك، وصدق المأمون وعمل بالقرائن في تكذيب المأمون وتصديق غيره أنه شربها لغصة. انتهى. وقوله: "غير آدمي"، قال الشيخ عبد الباقي: حقه أن يزيد وغير ضالة الإبل، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، والصواب ما ذكره بعد من أن ضالة الإبل تتعين إذا انفردت، وتقدم عليها الميتة عند الاجتماع. هذا هو الذي يفيده نقل المواق عن ابن القاسم. انتهى.
ثم ذكر ما إذا تيسر للمضطر محرمات في الأصل، ما الذي يقدم منها ويؤخر؟ وأن الأخف تحريما يقدم على الأشد، فقال: وقدم الميتة على خنزير؛ يعني أن المضطر إذا اجتمع عنده ميتة غير ميتة الآدمي مع خنزير فإنه يقدم تلك الميتة على الخنزير وجوبا، ولا يحل له تناول الخنزير مع وجود تلك الميتة ولو كان الخنزير مذكى؛ لأن التحريم المخفف أولى بالارتكارب من التحريم
стр. 3088
المثقل؛ لأن الخنزير لا يحل مطلقا وميتة من غير الآدمي تحل إذا كانت حية، إما اتفاقا وإما على اختلاف ولو خارج المذهب، ولذا من أكره على الزنى بمحرم أو أجنبية غير محرم يقدم الأجنبية على القول بجواز الزنى للمكره، وتقدم أنه إذا حل الخنزير للمضطر يندب له تذكيته، وأنه في كلام أبي بكر الوقار ما يقتضي الوجوب.
وصيد لمحرم؛ يعني أن المضطر كما يقدم الميتة على الخنزير يقدمها أي الميتة أيضا على ما صاده محرم، والمراد بالصيد هنا الصيد؛ يعني الحي فيأكل الميتة ولا يذكي الصيد؛ لأنه بذكاته يكون ميتة: ومحل تقديم الميتة على صيد المحرم ما لم تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها، وقوله: "وصيد لمحرم"، خالف في ذلك ابن عبد الحكم، وقال: يقدم صيد المحرم على الميتة. لا لحمه؛ يعني أن المضطر إذا وجد ميتة وصيد محرم قد ذبح فإنه لا يقدم الميتة عليه، بل يقدم أكل الصيد المذبوح، وهل ندبا وهو ظاهر الجواهر أو وجوبا وهو ظاهر التعليل، بأن لحم صيد المحرم حرمته عارضة لأنها خاصة بالإحرام؛ بخلاف الميتة فحرمتها أصلية.
قال ابن عاشر: المراد بالصيد هنا المصيد؛ يعني الحي بدليل قوله: "لا لحمه"، وأما الاصطياد فأحرى، وقوله: "لا لحمه" إذا وجده قد صاده محرم أو صيد لد وصار لحما، فلا يقدم الميتة عليه بل يقدمه عليها، ولا شك أن كلام خليل لا يشعر بهذا المعنى، فلو قال: عكس لحمه وطعام غير لأفاده صريحا. انتهى. ويفهم من هذا أن الصور تلاث: الأولى الاصطياد تقدم عليه الميتة لما فيه من حرمة الاصطياد وحرمة ذبح الصيد، الثانية الصيد الحي الذي صاده المحرم تقدم الميتة أيضا عليه فلا يجوز له ذبحه؛ لأنه إذا ذبحه صار ميتة فلا فائدة في ارتكاب هذا المحرم، الثالثة إذا كان عنده صيد صاده هو أو غيره لمحرم وذبح فهذا مقدم على الميتة ولا تقدم الميتة عليه؛ لأن لحم صيد المحرم حرمته عارضة بخلاف الميتة فحرمتها أصلية، وهذه الصورة هي المشار إليها بقوله: "لا لحمه". هذا أحسن ما يقرر به كلاهه. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وقوله: "وصيد لمحرم"، الظاهر تقديمه على الخنزير، لقول ابن عبد الحكم بتقديمه على الميتة وقال الشيخ إبراهيم: ويفهم من كلامه تقديم صيد المحرم على الخنزير، وكذا يقدم ما اختلف في تحريمه كالحمام الأهلية والخيل والبغال، وقوله: "وصيد لمحرم لا لحمه"، قد علمت تحريره،
стр. 3089
وفي كارم بعض الشراح هنا قلق بين. والله سبحانه أعلم. وعبارة الأمير: وقدم الميتة على ضوال الإبل التي لا تلتقط وعلى الخنزير وعلى صيد للمحرم فيه دخل، فإن نزل وذبحه قدمه، وهو معنى قول الأصل: "لا لحمه".
وطعام غير؛ يعني أن المضطر مسلما أو غيره إذا وجد ميتة وطعام غير فإنه لا يقدم الميتة عليه، بل يقدم طعام الغير على الميتة ندبا كان الغير مسلما أو كافرا إلا ضالة الإبل، فيقدم الميتة عليها للنهي عن التقاطها، ويتعين عليه أكل ضالة الإبل إذا انفردت حفظا للنفس كما مر وإذا أبيح له طعام الغير فهل يقتصر على ما يسد الرمق منه أو يشبع؟ قولان، واتفقا على أنه لا يتزود منه.
وفي الذخيرة: وإذا أكل مال مسلم اقتصر على سد الرمق إلا أن يعلم طول طريقه فيتزود؛ لأن مواساته تجب إذا جاع، وحيث أكل المضطر طعام الغير فلا يضمن قيمته كما نقله المواق عن الأكثر، وظاهره وجد الميتة أم لا، وقيل يضمن القيمة حيث أكل طعام الغير. نقله الشيخ محمد بن الحسن.
وقال الشيخ عبد الباقي: إنه إنما يضمن القيمة مطلقا حيث لم يبح له طعام الغير لوجود ميتة وخاف القطع: وإلا فإنما عليه قيمته إن وجدت بيد المضطر حال الاضطرار، وإلا فلا شيء عليه لوجوب بذل ربه له، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن بما حاصله أنه لا ضمان عليه وجد ميتة أم لا. إن لم يخف القطع؛ يعني أن محل كونه لا يقدم الميتة على طعام الغير إنما هو فيما إذا لم يخف أن يعد سارقا فيقطع فيما فيه القطع أو الضرب أو الأذى فيما لا قطع فيه، فإن خاف القطع أو الضرب قدم الميتة على طعام الغير، والحاصل أن ما فيه القطع كغنم المراح يشترط في أخذه أن يعلم أنهم يصدقونه مخافة أن يقطع إن لم يصدقوه، ولا يشترط أن يخفى له ذلك لأن أخذه خفية هو محل القطع، وأما ما لا قطع فيه كالثمر العلق فيشترط في أخذه أحد أمرين: أن يعلم أنه يخفى له ذلك، أو يعلم أنهم يصدقونه مخافة أن يضرب أو يوذى.
وإذا علمت هذا تبين لك أنه يجب عليه الاحتراز من الإذاية أو الضرب فيما لا قطع فيه، كما يجب عليه الاحتراز من القطع فيما فيه القطع، وما يأتي من أن من سرق لجوع لا يقطع محمول على من ثبت أن سرقته لجوع، وقول الشيخ عبد الباقي محمول على من لم يجد ميتة فيه نظر
стр. 3090
كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن لم يجد الميتة فإنه يأكل طعام الغير خاف القطع أم لا؛ لأن حفظ النفس مقدم على خوف القطع والضرب والأذى. قاله الخرشي. وفيه ما حاصله أن من أكل طعام الغير يضمن القيمة مطلقا حيث كان ممنوعا من أكله، بأن خاف القطع أو الضرب أو الإذاية، وكان معه من الميتة ما يغنيه عنه، فإن لم يخف القطع ولا الضرب ولا الإذاية وكان معه من الميتة ما يغنيه عنه، فهل لا ثمن عليه مطلقا أو عليه الثمن إن وجد؟ انتهى. وقوله: "إن لم يخف القطع"، قال الشيخ الأمير: وخوف نحو الضرب لغو. انتهى. ونحوه للرماصي، ورده بناني ودعم ما قدمته.
وقاتل عليه؛ يعني أن المضطر إذا ظفر بطعام الغير ولم يكن ذلك الغير مضطرا إلى ذلك الطعام فليطلبه منه بثمن في ذمته ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع غصبه منه، فإن دفعه المالك جاز للمضطر دفع المالك، وإن أدى ذلك إلى قتل المالك ويكون حينئذ دم المالك هدرا، ولو قتل المالك المضطر اقتص منه إن كان المقتول مكافئا، ويلزم رب الطعام بذله للمضطر إن دفع له ثمن المثل، فإن امتنع أن يبيعه إلا بأكثر من ثمن المثل فاشتراه للضرورة فهو كالمجبور. نقله التاودي عن الجواهر. وقوله: "وقاتل عليه"؛ أي جوازا، ومحله ما لم يكن معه من الميتة ما يستغني به عنه، كما يرشد له ما مر من قوله: "إن لم يخف القطع"، وقوله: "وقاتل عليه"، ظاهره سواء كان المضطر مسلما أو كافرا، وقد تقدم في أول الحل أن المضطر يطلب الطعام من ربه بثمن في ذمته، وقد قال المص: "وله الثمن إن وجد"، قال الشيخ الخرشي: يحمل قوله: "وله الثمن إن وجد" على ما إذا لم يمتنع من دفعه، أو على ما إذا ظن المضطر أنه يدفعه له من غير قتال ولا غصب، فإن ظن أنه لا يدفعه له إلا بذلك فإنه يطلبه أولا بالثمن في ذمته لأنه أخف من المقاتلة والغصب، وارتكاب أخف الضررين واجب. انتهى. وفيه عن ابن حبيب: وإن لم يجد إلا ما لا يؤكل كالثياب والعين فلا يجوز له أخذ شيء منه لأنه لا يؤكل، سواء وجد ميتة أم لا، ولو وجد مضطران وهناك ما يسد رمق أحدهما ولا يمكن قسمة فالقرعة لأيهما يقدم. انتهى. وفي المدونة في مسافرين مروا بماء فمنعهم أهله الشرب منه أن للمارة قتال أهل ذلك الماء، وإن لم يقدر المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل
стр. 3091
المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب. انتهى. ولم يقتص منهم لتأولهم.
ولما أنهى الكلام على ما يباح تناوله في حال الاختيار والاضطرار، أتبعه بالكلام على ما يحرم تناوله في حال الاختيار، فقال: ولمحرم النجس؛ يعني أن النجس والمتنجس من المحرم تناوله في حال الاختيار، سواء كان ذلك الطعام النجس أو التنجس من المائعات أو الجامدات، لكن المائع يلقى جميعه بحلول النجاسة فيه إن أمكن تحللها، والجامدات يطرح منها بحسب ما سرت فيه النجاسة تحقيقا أو ظنا، وأكل الباقي إلا أن يطول مقامها فيه بحيث يمكن سريانها بجميعه تحقيقا أو ظنا لا شكا أو وهما؛ لأن الطعام لا يطرح بالشك وقد تقدم هذا، وفي أبي داوود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه (١))، ففرق ﷺ بين المائع والجامدت لأن الجامد لا تتعدى فيه موضعها ولاسيما إن أخرجت من ساعتها، بخلاف المائع وحمل على السمن غيره مما في معناه. قاله الشارح. وشمل النجس الدم المسفوح؛ قال اللخمي: ودم ما لا يؤكل لحمه يحرم قليله وكثيرة، وليس أعلى رتبة من لحمه، ودم ما يؤكل لحمه قبل الذكاة كذلك وبعدها يحرم المسفوح، وفي الذخيرة: يوجد في وسط صفار البيض أحيانا نقطة دم، فمقتضى مراعاة السفح في نجاسته لا تكون نجسة، وقد وقع البحث في هذا مع جماعة ولم يظهر غيره. انتهى.
وقال في الجلاب: ومن وجد عنده خمر من المسلمين أريقت عليه وكسرت ظروفها أو شقت تأديبا له. انتهى. وفي القوانين: واختلف في ظروف الخمر، قيل: تكسر جميعها أو تشق: وقيل: يكسر منها ويشق ما أفسدته الخمر، ولا ينتفع به دون ما ينتفع به إذا زالت منه الرائحة، وقيل: أما الزقاق فلا ينتفع بها وأما القلال فيطبخ فيها الماء مرتين وينتفع بها. قاله الحطاب. وقوله: "النجس"، دخل فيه الخمر وهو السكر، وعند أبي حنيفة: ما كان من غير التمر والكرم لا يحرم
стр. 3092
أسكر أم لا، وما كان من التمر والزبيب يحرم ما أسكر منه لا القليل، ومذهب صاحبيه وبه الفتوى: حرمة ما أسكر من تمر وزبيب أو غيرهما. قاله الشيخ إبراهيم.
وخنزير؛ يعني أن الخنزير حرام لحمه وشحمه بلا خلاف، وعلى ذلك اجتمعت الأمة أي اجتمعت على تحريم أجزائه من لحم وعصب وغيرهما، وصرح بذلك في اللباب وابن جزي وخص داوود الحرمة باللحم لظاهر النص، وكذا يحرم جلده وعصبه وجميع أجزائه، وقوله: "وخنزير"، أي بري، وأما البحري فسيأتي أنه مكروه، والمعتمد إباحته كما مر. وبغل؛ يعني أن البغال يحرم أكلها وهذا هو المشهور، وحكي فيها الكراهة نقلت عن الإمام، وفرس؛ يعني أن الخيل يحرم أكلها وهذا هو المشهور، وحكي فيها الإباحة والكراهة، قوله: "وفرس"؛ يعني ولو برذونا، وقوله: "وفرس"، هو الواحد من الخيل للذكر والأنثى وهي فرسة، جمعه أفراس وفروس، وراكبه فارس أي صاحب فرس، كلابن جمعه فوارس شاذ. وحمار؛ يعني أن الحمر الأهلية يحرم أكلها على المشهور، وقيل بكراهتها، وروي عن مالك. قال في الموطإ: أحسن ما سمعت في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لقول الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، يريد لأن ذلك جاء في سياق الامتنان وهو يوجب ذكر جميع منافعها، فلو كانت تؤكل لذكره كما ذكره في الأنعام، فلما اقتصر فيها على الركوب والزينة علم أنه المقصود منها دون الأكل، وفي الخبر: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير (١)). نقله في الجامع الصغير.
ولو وحشيا دجن؛ يعني أن الحمر المتأنسة يحرم أكلها ولو كان تأنسها طارئا، فيلغى توحشها الأصلي وتصير كالحمر الأهلية، فقوله: "دجن"؛ أي تأنس، ورد بلو قول ابن القاسم: لا يكون ذلك التأنس ناقلا بل الإباحة باقية، ووجهه أنه لو كان ناقلا للزم ذلك في الأهلي إذا توحش فيؤكل، ولا قائل بجواز أكل الأهلي إذا توحش أي لا قائل به من أصحاب القول بالتحريم قبل أن يتوحش؛ إذ هو قبل التوحش قيل بكراهته. والله تعالى أعلم. وقوله: ووجهه أنه الخ، رد بمواعاة الاحتياط في الأول دون الثاني. قاله غير واحد.
стр. 3093
ولما أنهى الكلام على المباح بقسميه وعلى المحرم بقسميه، أتبعه بالكلام على المكروه في حال الاختيار، فقال: والمكروه سبع؛ قال الإمام الحطاب: مناط الكراهة في هذه كلها الافتراس، وأصل الافتراس في اللغة دق العنق، ثم استعمل في كل قتل؛ يعني أن السبع وهو الحيوان المفترس يكره أكله وهو مذهب المدونة: وقيل: السباع حرام وهو مذهب الموطإ، ولابن حبيب: ما يعدو كالأسد والنمر حرام، وما لا يعدوا كالضبع والهر مكروه، وقد مر أن العداء خاص بالآدمي والافتراس عام في الآدمي وغيره، وفي التيسير: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع (١)). أخرجه الستة. وفي رواية عن ابن عباس: وكل ذي مخلب من الطير، ووجه مذهب المدونة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية، وحمل أكل في الحديث الشريف على أنه مصدر أضيف إلى الفاعل فيكون كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾. والله تعالى أعلم. قاله الشارح.
وضبع؛ يعني أن الضبع مكروه لأنه من السباع، وفي ابن هشام أن الضبع اسم الأنثى خاصة، والذي يؤخذ من القاموس أنه يطلق على الذكر والأنثى، وأن المؤنث إنما هو اللفظ ومثله في المصباح. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي التيسير عن خزيمة بن جزء ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: أويأكل الضبع أحد) (٢)؟ وثعلب؛ يعني أن الثعلب مكروه كسائر السباع، وذئب؛ يعني أن الذيب يكره أكله، وفي الحديث: (أو يأكل الذئب أحد فيه خير (٣))؟ رواه في التيسير. وهر؛ يعني أن الهر وهو القط من المكروهات وهو من السباع لافتراسه باعتبار الفأر وشبهه. وإن وحشيا؛ يعني أن الهر يكره أكله، ولا فرق في ذلك بين الإنسي والوحشي.
والحاصل مما تقدم أن السباع فيها ثلاثة أقوال: الأول الكراهة وهو الذي مشى عليه المص وهو مذهب المدونة، ولا فرق بين عاديها وغيره؛ قال في الشامل: وهو الأصح، الثاني المنع مطلقا وهو مذهب الموطإ: الثالث التفصيل بين ما يعدو كالأسد والفهد والنمر والذيب والكلب فهو حرام،
стр. 3094
وكراهة غيره كالدب والثعلب والضبع والهر، وصحح ابن عبد البر تحريم الكلاب والسباع العادية، قال الحطاب: ولم أر في المذهب من نقل إباحة الكلاب.
تنبيهات: الأول: قال البرزلي: نزلت مسألة وهي أن قطا عُمِّرَ (١) ففرغت منفعته فاستفتي فيه شيخنا الإمام فأفتى بوجوب إطعامه وأن لا يقتل، وكذا ما أيس من منفعته لكبر أو عيب، وكذا ذبح القطط الصغار والحيوان الصغير لقلة غذاء [أمهاتها] (٢))، والصواب في ذلك كله عندي الجواز لارتكاب أخف الضررين، لقوله ﷺ : إذا التقى ضرران نفى الأصغر الأكبر. وسئل عز الدين عن قتل الهر المؤذي، هل يحرم أم لا؟ فأجاب: إذا خرجت إذايته عن عادة القطط وتكررت إذايته جاز، واحترز بالأول عما في طبعها مثل أكلها اللحم إن كان خاليا أو عليه شيء يمكن رفعه للهر، فإذا رفعه وأكل فلا يقتل بهذا، ولو تكرر منه لأنه طبعه. واحترز بالثاني مما إذا وقع ذلك منه فلتة فلا يوجب ذلك قتله. وعن أبي حنيفة: إذا آذت الهرة فلا تعذب ولا تخنق، بل تذبح بموسى حادة لقوله ﷺ : (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة (٣))، ومن هذا الباب ذبح ما لا يؤكل إن أيس من حياته، وأجمع الناس على منع ذلك في حق الآدمي وإن اشتدت آلامهم لشرف الآدمي، وإذا رميت السفينة بالنار، ففي المدونة: لا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر لأنهم فروا من موت إلى موت، ولم يره ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أوأمن فلا بأس وإن هلك فيه، وعن ربيعة: إن صبر فهو أكرم، وإن اقتحم فقد غرق (٤) ولا بأس به، وسيأتي للمص في باب الجهاد أنه يجوز انتقال من موت لآخر.
الثاني: قال القرطبي في شرح مسلم: الحاصل من هذه الأحاديث أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرت بالمسلمين، فإن كثر ضررها وغلب كان الأمر على الوجوب، وإن قل وندر فأي كلب أضر وجب قتله؛ لأنه سبع لا منفعة فيه، وأقل درجاته توقع الترويع وأنه
стр. 3095
ينقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطان، فأما المروع منهن غير المؤذي فقتله مندوب إليه، وأما الكلب الأسود ذو النقطتين فلابد من قتله للحديث المتقدم، وقلما ينتفع بمثل تلك الصفة. انتهى. وسئل مالك عن قتل الكلاب أترى أن تقتل؟ قال: نعم أرى أن يؤمر بقتل ما يؤذي منها في المواضع التي لا ينبغي أن تكون فيها، وأما كلاب الماشية فلا أرى ذلك. قال ابن رشد: ذهب مالك ﵀ في قتل الكلاب إلى ما رواه في موطئه عن نافع عن عبد الله بن عمر (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب (١))، ومعنى ذلك عنده وعند من سواه ممن أخذ بالحديث في الكلاب النهي عن اتخاذها، وقد جاء ذلك مفسرا في الأحاديث فلا اختلاف في أنه لا يجوز قتل كلاب الماشية والصيد والزرع، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يقتل من الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم، لما روي عن عبد الله بن معقل (أن رسول الله ﷺ ، قال: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود) (٢)، وقال من ذهب إلى هذا المذهب: الأسود البهيم من الكلاب أكثر أذى وأبعدها من تعلم ما ينفع، وروي أيضا (أنه شيطان) (٣)؛ أي بعيد من الخير والمنافع قريب الأذى، وهذا شأن الشياطين من الجن والإنس: وقد كره الحسن وإبراهيم قتل الكلب الأسود، وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يقتل منها شيء الأسود ولا غيره إلا أن يكون عقورا مؤذيا، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بقوله ﷺ : (لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا (٤)) فعم ولم يخص كلبا من غيره، واحتجوا بالحديث الصحيح في الكلب الذي كان يلهث عطشا فسقاه الرجل فشكر الله وغفر له، وقال: (في كل كبد رطبة أجر (٥))، قالوا: فإذا كان الأجر في الإحسان إليه فالوزر في الإساءة عليه، ولا إساءة إليه أعظم من قتله، قالوا: وليس في قوله ﷺ : (الكلب الأسود البهيم شيطان) (٦) ما يدل على قتله؛ لأن شياطين الجن والإنس كثير ولا يجب قتلهم، وقد رأى رسول الله ﷺ
стр. 3096
رجلا يتبع حمامة، فقال: (شيطان يتبع شيطانة (١))، وما ذهب إليه مالك أولى؛ لأن الأمر بقتله قد جاء عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر. وبالله تعالى التوفيق. قاله الحطاب.
وفي حاشية الشيخ ابن رحال على شرح ميارة ابن عاصم ما نصه: وأما اتخاذ الكلب فحاصل ما ذكره المازري أن اتخاذ ما لا منفعة فيه ممنوع، وللصيد وحراسة الزرع والضرع جائز، والخلاف إنما هو فيما احتيج إليه في حراسة الدور، فقيل بالجواز للحاجة، وقيل بالمنع لأنه يؤذي من لا يسرق. انتهى.
الثالث: يقال أكلت أربع أربعا فأورثتها أربعا، أكلت النصارى لحم الخنزير فأورثهم عدم الغيرة، وأكل الفُرْس لحوم الخيل فأورثتها الغلظة في القلب والقساوة وقلة الرحمة، وأكلت السودان القردة فأكسبتهم الرقص، وأكلت أهل مصر الفأر فأكسبهم الخيانة. وفي الخبر: (الرضاع يغير الطباع (٢))، والسبع بضم الباء وسكونها لغتان مشهورتان. وفيل؛ يعني أن الفيل من المكروهات في حال الاختيار: وصحح في التوضيح الإباحة فيه. وفي كل ما قيل إنه ممسوخ، وقد حكى اللخمي وابن بشير في الفيل التحريم والإباحة، وقد ذكر ابن الحاجب فيه الإباحة والتحريم أيضا، وفي بعض نسخه ذكر فيها ثلاثة أقوال: الإباحة والتحريم والكراهة. قال الش: ولا أعرف من شهر في الفيل الكراهة، وقوله: "وفيل"، قال الشيخ محمد بن الحسن: تشهيره الكراهة في الفيل فيه نظر. انتهى. والصحيح إباحة الضب، صححها في التوضيح، لما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يارسول الله؟ فقال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فأخذته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر (٣)). المحنوذ: المشوى، وفي بعض
стр. 3097
طرق مسلم قال: (لا أدري ولعله من القرون التي مسخت (١)). انتهى. قال الش: ومن هنا أخذ الشيخ ما صححه. انتهى.
وقوله: "والمكروه سبع"، هو مفهوم قوله: "ووحش لم يفترس"، وكلب ماء؛ يعني أن كلب الماء مما يكره أكله وهذا ضعيف، والمعتمد أنه من المباح، وأما الكلب الإنسي فقد مر أنه مختلف في كراهته وتحريمه، وأن ابن عبد البر صحح القول بالتحريم، وقال الشيخ داوود: يؤدب من نسب إباحة الكلب لمالك. وخنزيره؛ يعني أن خنزير الماء من المكروهات وهذا ضعيف أيضا، والمعتمد أنه من المباح. ابن القاسم: وإنما أتقيه ولا أرى أكله حراما، ومن المباح آدمي الماء كما مر. وشراب خليطين؛ يعني أنه يكره شرب أو استعمال خليطين خلطا عند الشرب، والحال أنه قد نبذ كل منهما وحده، كتمر أو زبيب أو زهو أو بسر مع رطب، وكحنطة مع شعير أو أحدهما مع تين أو عسل، قال في الذخيرة وغيرها: ولا ينبذ تمر مع زبيب ولا زهو مع رطب ولا حنطة مع شعير ولا أحدهما مع تين أو عسل؛ لأن خلطهما يسرع شدتهما لما في مسلم (أن النبي ﷺ نهى عن شرب الخليطين (٢))، ونسب المواق للمدونة أنه لا يجوز نبذهما معا، قال الباجي: ظاهرها التحريم، وحملها قوم على الكراهة، قال الشيخ محمد بن الحسن: وعلى الثاني فيعمم في كلام المص. انتهى. أي يقال: يكره شراب خليطين خلطا عند الشرب أو عند الانتباذ، وعمم الشيخ عبد الباقي أول الكلام وخصص آخره فتناقض كلامه، وأما طرح العسل في نبيذ العسل أو طرح التمر في نبيذ التمر أو طرح شيء مما ذكر في نبيذه فجائز كما في المدونة، وخلط اللبن بالعسل قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به، فلم يره انتباذا بل خلط مشروبين. قاله الحطاب. وقال وفي جواز خلط الزبيب والتمر وكراهته قولان، لسماع أشهب ورواية ابن عبد الحكم. انتهى.
وعلم مما مر أن المكروه إنما هو خلط شرابين ينبذان وخلطا عند الشرب أو غيره من الاستعمال، وكذا لو خلطا عند الانتباذ على ما حمل عليه قوم المدونة، وقال الباجي: ظاهر المدونة المنع وهو
стр. 3098
المشهور كما صرح به الأجهوري، وأما خلط شرابين ليسا بنبيذين كخلط اللبن بالماء وخلط اللبن بالعسل فلا يكره كما يفيده الحطاب والخرشي، وعليه فيجوز خلط الرب والخل. ولابن حبيب: لا يجوز شرب الخليطين ينبذان ويخلطان عند الشرب، وهل النهي عن شرب الخليطين تعبد وهو ظاهر الموطإ أو لاحتمال تخمر أحدهما بمخالطة الآخر وخفائه قولان. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: ومحل الكراهة حيث يمكن الإسكار ولم يحصل بالفعل، فإن لم يمكن لقصر مدة الانتباذ فلا كراهة، ولا يكره خلط اللبن بالعسل ليشرب لأنه لا يحصل به إسكار، فإن حصل به حرم. انتهى. وظاهر كلام المؤلف أنه لو نبذ كل على حدة وشرب واحد بعد واحد لا يكره. قاله الشيخ الخرشي. وعبارة الشيخ الأمير: وكره خلط مبلولين وليس منه اللبن بالعسل. انتهى. وفي الخرشي: وفي جواز خلط الزبيب والتمر للخل وكراهته قولان.
ونبذ بكدباء؛ يعني أن الانتباذ في الدباء ونحوها كالآنية الزفتة مكروه، ومثل الدباء الحنتم والنقير، لورود الحديث الصحيح فيهما، والدباء: اليقطين، والمزفت: ما طلي بالزفت وهو المقير أي المطلي بالقار أي الزفت، والحنتم: الجرار الحمر، وقيل الخضر، وقيل الفخار كيف كان وهو جمع حنتمة وهي الجرة. وقوله: "بكدباء"، هو بضم الدال المهملة وتشديد الباء الوحدة والمد ويجوز القصر، والظاهر أنه منصرف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال مفسرا كلام المص: أي يكره أن يضع فيه ماء ثم يلقي فيه تمرا أو تينا أو زبيبا أو نحو ذلك. قاله المواق. أي يكره نبذ شيء واحد أو شيئين لا يحصل من واحد منهما إسكار، وإن طالت مدته في دباء، ودخل بالكاف حنتم والنقير والمقير، قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع فيه التتائي، واعترضه الرماصي قائلا: الصواب قصر الكاف على الزفت فقط وهو المقير وعدم إدخال الحنتم والنقير ليوافق مذهب المدونة والموطإ، وإدخالهما يوجب إجراء كلام المص على غير المعتمد؛ لأنه لا تعرف كراهتهما إلا من رواية ابن حبيب في النقير.
وفي المواق من المدونة: لا ينبذ في الدباء والمزفت ولا أكره غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف انتهى، وفي الخرشي أنه قال فيها: ثبت نهي رسول الله ﷺ عن الدباء والمزفت (١)
стр. 3099
فلا ينتبذ فيهما، ولا أكره غير ذلك. والنقير المنقور وهو جذع النخلة ينقر، قال الشيخ عبد الباقي: وعلة الكراهة في الجميع خوف أن يعجل السكر ما ينبذ فيه، وأما نبذ شيئين يحصل من كل منهما ما يسكر فيحرم، ولو نبذ في غير الدباء. انتهى.
واعلم أن أسماء الأنبذة أربعة عشر: أحدها الفضيخ وهو بسر يرض ثم يلقى عليه الماء، ويقال له: الفضوخ، إشارة إلى أنه يفضخ الرأس والبدن، الثاني البتع بالكسر وكعنب وهو نبيذ العسل، الثالث المزر بالكسر وتقديم المعجمة يتخذ من البر والشعير، الرابع الغبيراء، وفي الحديث: (إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم (١)) وهو شراب الذرة يصنعه الحبش، الخامس السكركة بضم السين وسكون الكاف وقد تضم والكاف الثانية مفتوحة وهي الغبيراء، السادس الغير وهو ما يغير بالنار أو ما يلقى فيه حتى يسكن غليانه وينحرف عن حاله إلى ما هو أضر بالبدن، السابع الحفة وهو شراب الشعير، الثامن الباذق بكسر الذال وفتحها، التاسع الطلاء، العاشر البختج، الحادي عشر [الجمهور] (٢) والظاهر من كلام الحطاب أنها أسماء مترادفة ومعناها المطبوخ كله حتى يرجع إلى النصف والثلث. والله سبحانه أعلم. الثاني عشر المندا وهو نبيذ البسر وقيل هو النبيذ في المزفت، الثالث عشر المقدي بتخفيف الدال شراب ينسب إلى مقدية حصن بدمشق معروف أو بتشديدها منسوب إلى مقد قرية بالشام، الرابع عشر الصعف محركة وهو أن يشدخ العنب ثم يعمل في وعاء حتى يغلى وقد يتخذ من الدبس وهو عسل التمر. وكل مطعوم فإنه يمكن أن يتخذ منه نبيذ، وقد أراح الله من ذلك على لسان نبيه فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام (٣)).
وفي كره القرد والطين ومنعه قولان؛ يعني أنه اختلف في كراهة أكل القرد والطين ومنع أكلهما على قولين، أما القول بالكراهة فحكي في الجواهر عن الباجي، وقال القاضي أبو الوليد: الأظهر عندي من مذهب مالك أنه ليس بحرام، واحتج بعموم الآية، وأما القول بتحريمه فعن ابن المواز أنه حرام، وكذا في الواضحة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمنه.
стр. 3100
وجلب من الشام إلى المدينة قرد فأمر عمر أن يخرج إلى الموضع الذي جلب منه، وفي المتيطية: ما لا يصح ملكه لا يصح بيعه بإجماع، كالحر والخمر والخنزير والقرد والميتة والدم وما أشبه ذلك، ونقل الجزولي عن ابن يونس: ثمن القرد حرام كاقتنائه. وقال ابن رشد: إن أهل العلم أجمعوا على أن لحم القرد لا يؤكل، وأما الطين فذكر في الجواهر كراهته، وعن ابن الماجشون تحريمه، ونقل في المدخل تشهير القول بمنع الطين، ونقل البرزلي عن ابن عرفة تشهير القول بأنه لا يجوز أكل التراب، وفي كتاب الشيخ الأمير: وهل يباح القرد واستظهر، فلذا عيب على الأصل إسقاطه أو يكره أو يمنع أقوال. انتهى. وفيه: وفي الدخان خلاف والورع تركه خصوصا الآن، فقد كاد درء المفاسد أن يحرمه.
ولما أنهى الكلام على الذكاة وهي متعلقة بالحيوان وكان أغلبه مذكورا في باب المباح فذيل به باب الذكاة لشدة التعلق، أتبع ذلك بالكلام على الأضحية لأنها إنما تكون من النعم، فقال:
стр. 3101
باب: يذكر فيه حكم الأضحية والمخاطب بها وما هي منه
وما يجزئ فيها وما لا، وزمنِها. والأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء وبكسر الهمزة أيضا، وجمعها أضاحي بتشديد الياء، ويقال أضحاة وجمعها أضاح، ويقال أضحية بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء، سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى ووقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه ذلك الوقت.
وأشار المص إلى حكمها بقوله: سن؛ يعني أن الأضحية تسن عينا، وهذا هو المشهور لقول مالك: الضحية سنة وليست بواجبة، نص على ذلك في الموطإ والمختصر، وفي الحديث عنه ﷺ : (أمرت بالنحر وهو لكم سنة (١))، وروي عن مالك في كتاب ابن المواز أنها سنة واجبة، فمن الأشياخ من حمل الوجوب على تأكيد السنة، ومنهم من قال: واجبة وتجوز في لفظ السنة؛ ومنهم من يحكي الخلاف في المذهب بالوجوب والسنة؛ وربما زاد بعضهم الاستحباب، وقال الشيخ زروق في قول الرسالة: والأضحية سنة واجبة: يعني العمل بها بحيث لو اتفق أهل بلد على تركها قوتلوا لامتناعهم منها، وما ذكره هو كذلك في التلقين والكافي والعلم والمقدمات وهو المشهور، وفي الموطإ: سنة غير واجبة، وروى السيوطي في الجامع الصغير عن الترمذي وابن ماجه والحاكم: (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا (٢)).
لحر؛ يعني أن الضحية إنما تسن في حق الحر ذكرا أو أنثى، وأما العبد فإنه لا يخاطب بها كان قنا أو فيه شائبة رق، واستحسن مالك التضحية لهم إذا أذن لهم السيدة وظاهر كلام المص أن الأضحية يخاطب بها الكافر، وهو على القول المشهور من أنهم مخاطبون بفروع الشريعة. غير حاج؛ يعني أن الضحية إنما تسن في حق الحر إذا لم يكن حاجا، وأما المعتمر فتسن في حقه، واحترز بذلك من الحاج فإنه لا يخاطب بها مطلقا، سواء كان من أهل منى أو مزدلفة أو عرفة أو غير ذلك، كما لا يخاطب بصلاة العيد، (لأنه ﵊ قلد وأشعر ما ساقه من الهدايا
стр. 3102
ولم يضَحِّ بشيء منه (١)). بمنى؛ يعني أن الحر إذا كان بمنى تسن في حقه الضحية إذا لم يكن حاجا وأحرى إذا كان بغير منى، فقوله: "بمنى"، صفة لحر هكذا أعربه الشيخ علي الأجهوري، وتعلقه بحاج لا يصح؛ لأن الحاج لا تسن في حقه مطلقا كان بمنى أو غيرها.
والحاصل أن المدار في سقوطها على الإحرام بالحج فإذا فسد أو فاته تسن له إن تحلل بفعل عمرة أيام النحر، فإن استمر على إحرامه حتى فاتت أيام النحر لم تسن له.
فتحصل من هذا أن من لم يحج من أهل عرفة أو منى أو مكة فكأهل الآفاق تسن له الأضحية، لأن دليل الأضحية يتناول كل مستقر في وطنه، وخرج الحاج من ذلك وبقي من عداه.
ضحية، نائب "سن"، فيسن له أن يضحي عن نفسه وعن أبويه الفقيرين وولده الصغير الذي لا مال له، لا عن زوجته ولا عن رقيقه، ويستمر خطابه بها عمن ذكر إلى سقوط نفقتهم، خلاف ما في شرح الشيخ عبد الباقي من أنه تسقط عنه بمجرد احتلام ابنه ولو فقيرا عاجزا عن الكسب، وبمجرد دخول الزوج بالأنثى، ومن ولد في يوم النحر واليومين بعده فإنه يضحى عنه، وكذا من أسلم لبقاء وقت الخطاب نص عليه غير واحد.
لا تجحف؛ يعني أن محل كون التضحية سنة إذا كانت الضحية أي الذات المضحى بها لا تجحف بالمضحي بأن لا يكون محتاجا إلى ثمن ما يضحي به، فإن أجحفت به بأن احتاج ولو في أي زمن -من يوم العيد إلى تيسر شيء له في عامة أو بعده إلى مثله- لم تسن له، والإجحاف الإتعاب، وهل يطلب من الفقير تسلف ثمنها أم لا؟ خلاف، والذي يفهم من المص أنه لا يطلب منه ذلك، والفرق عليه بينها وبين زكاة الفطر وجوبها وسنة الضحية. قاله الخرشي.
وإن يتيما مبالغة في قوله: "لحر"؛ يعني أن الضحية تسن في حق الحر ذكرا أو أنثى، مسافرا أم لا، كبيرا أو صغيرا، وإن كان ذلك الصغير يتيما فيخاطب الولي بفعلها عن اليتيم من ماله، ويقبل قوله أنه ضحى عنه، كما يقبل قوله في تزكية ماله والنفقة عليه. قاله الخرشي. ويرفع لمالكي إن خشي تغريم غيره ولا يتسلف لها ولو رجا الوفاء، بخلاف الفطر. قاله الشيخ الأمير.
стр. 3103
وفيه: ومن أيسر قبل مضي زمنها خوطب بها، واليتم في الآدمي من جهة الأب، وفي البهائم من جهة الأم، وفي الطير من جهتهما.
وقد مر أن من ولد في أيام الأضحى يضحى عنه، وكذلك من أسلم لبقاء وقت الخطاب وقوله: "ضحية"، بمعنى التضحية كما علمت والضمير في قوله: "لا تجحف" يعود على الضحية بمعنى الذات المضحى بها، ففي كلامه استخدام. وعرف ابن عرفة الأضحية بقوله: الأضحية اسما ما تقرب بذكاته من جذع ضأن وثنى سائر النعم سليمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار عاشر ذي الحجة أو تالييه بعد صلاة إمام عيده له، وقدر زمن ذبحه لغيره ولو تحريا لغير حاضره، فتخرج العقيقة والهدي والنسك في زمنها. وقوله: اسما. الأجهوري: لما ذكر اسما ولم يذكر مصدرا دل ذلك على أنها تعرف اسما دائما وأنها لا تكون مصدرا. انتهى. وقوله من جذع لخ، بيان للمتقرب به بالذكاة وذلك شرط فيه، وقوله: سليمين، صفة لا قبله، وقوله: مشروطا، حال من المتقرب به يخرج به العقيقة وما شابهها من الهدي والنسك في زمنهما، وقوله: بعد صلاة، معمول لذكاة، والضمير في عيده عائد على عاشر ذي الحجة، وله يعود على الإمام، وقوله: وقدر، معطوف على صلاة؛ أي وبعد قدر زمن ذبح الإمام احترز به من ذبح غير الإمام قبل ذبح الإمام تحريا، وقوله: لغير حاضره، متعلق بقدر، وأدخل به من لا إمام لهم إذا تحرى ذبح الإمام؛ فإنه يصح.
وأصل الأضحية فداء إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ثم جعل ذلك سنة في أولاده، وكل واحد من الهدي والأضحية أصل في بابه، والفرق بينهما أن الهدي يجب فيه الجمع بين الحل والحرم، ومن سنته التقليد والإشعار، ويختص بالمكان والزمان، والأضحية تختص بالزمان فقط، والأفضل فيها طيب اللحم لا كثرته بخلاف الهدي، ولذلك أهدى النبي ﷺ البدن وضحى بالغنم وحكمهما في الأكل والادخار سواء.
وأركان الضحية ثلاثة: المذكى والوقت والمذكي. قاله الخرشي. وفيه: وسئل مالك عن اليتيم يكون له ثلاثون دينارا؛ أيضحي عنه وليه بالشاة بنصف دينار ونحوه؟ قال: نعم ورزقه على الله. ابن رشد: وهذا كما قال إلا أن يكون المال يسيرا وثمن الأضحية كثيرا يخشى عليه الحاجة.
стр. 3104
بجذع ضأن، متعلق بقوله: "ضحية"؛ لأنه بمعنى تضحية؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من الضأن ما دون الجذع، وفي مسلم وأبي داوود والنسائي (أن النبي ﷺ ، قال: لا تذبحوا إلا السنة إلا أن يعسر فتذبحوا جذعة من الضأن (١))، والسنة هي الثنية، وفي المدونة: ولا يجزئ ما دون الثنية من الأنعام في الضحايا والهدايا إلا الضأن فإن جذعها يجزئ.
وثني معز؛ يعني أنه لا يجزئ من المعز في الضحية ما دون الثني، ويجزئ منه الثني فما فوقه. وبقر؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من البقر ما دون الثني، ويجزئ منه الثني فما فوقه. وإبل؛ يعني أنه لا يجزئ في الضحية من الإبل ما دون الثني ويجزئ منها الثني فما فوقه. ذي سنة، يعني أن الجذع من الضأن والثني من المعز كل منهما هو ما أوفى سمنة ودخل في الثانية، لكن يشترط في المعز أن يكون دخوله في السنة الثانية بينا، والظاهر أن المراد بالبين ما يُلقِح فيه وحَدَّه بعضهم بكالشهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي شرح الشيخ إبراهيم: والمراد بالبين ما كان كالشهر والشهرين، وأما الضان فيكفي دخوله في الثانية دخولا ما كما صرح به الشيخ الأمير.
وبما قررت علم أن قوله: "ذي سنة"، راجع لقوله: "بجذع ضأن وثني معز"، وقد مر أن قوله: "بجذع"، متعلق بقوله: "ضحية"، والباء للتعدية كقولك: ذهبت بزيد أي صيرته ذاهبا، وضحيت بجذع ضأن أي صيرته ضحية.
وثلاث؛ يعني أن الثني من البقر هو ما أوفى ثلاث سنين، فهو راجع لقوله: "وبقر"، وهو شامل للجاموس. قاله الشيخ إبراهيم. وخمس؛ يعني أن الثنى من الإبل هو ما أوفى خمس سنين، فهو راجع لقوله: "وإبل"، والمراد في جميع ما مر السنون القمرية، قال العلماء: والسر في كون الضأن يجزئ منه الجذع دون غيره، هو أن الجذع منه يُلقِح أي يُحمَل منه أي يطلع الذكر على الأنثى؛ بخلاف غيره فلا يُحمل منه إلا الثنيَّ. انتهى. وذكر الضأن يحمل منه بتمام سمنة، وقوله: "ذي سنة"، هو من باب اللف والنشر المرتب. وقد جاء في الفصيح من الكلام كثيرا، كقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقد ذكر قبل ذلك الليل والنهار، فالأول للأول والثاني للثاني.
стр. 3105
واختلف في سن الجذع من الضأن فالمشهور أنه سنة كما قال المص، وقيل ابن عشرة أشهر، وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن ستة أشهر، وقيل سبعة أشهر، وهذا الخلاف يجري في المعز أيضا، واختلف في سن الثني من البقر أيضا، فقيل هو ابن ثلاث سنين كما قال هنا، وهو بمعنى قوله في الرسالة: والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة، وعن ابن حبيب أنه ابن أربع سنين، وعن القاضي عبد الوهاب هو الذي دخل في السنة الثالثة، والثني من الإبل هو ابن خمس سنين، وقال ابن حبيب هو ابن ست، والتحاكم في ذلك إلى اللغة. وإنما اختلفت أسنان الثنايا لاختلافها في قبول الحمل والنزو، فإن ذلك لا يحصل غالبا إلا في الأسنان المذكورة. قاله الش. قال الإمام الحطاب: وانظر التضحية بالخنثى فإني لم أقف على نص فيه في المذهب، وذكر عن النووي أنه أفتى في خنثى من البقر ليس لها فرج الأنثى ولا ذكر، وإنما لها خرق عند ضرعها يجري منه البول بجواز التضحية بها لأنها ذكر أو أنثى. قال الإمام الحطاب: قلت وما قاله ﵀ محتمل للبحث، فقد يقال إن هذا عيب يوجب الخيار للمشتري في البيع، فيحتمل أن يمنع الإجزاء وانظر قول المص: "وفائت جزء غير خصية هل يؤخذ منه الإجزاء. والله أعلم. انتهى.
وفي الخرشي عن بعضهم أن ما أفتى به النووي قواعد المذهب تقتضي خلافه؛ لأنه إذا دار الأمر بين الإجزاء وعدمه غلب جانب العدم احتياطا. بلا شرك؛ يعني أنه يشترط فيما يضحى به أن لا يكون لمالكين فأكثر، بل يكون كله ملكا لشخص واحد فيضحي به عن نفسه فقط أو عن نفسه وغيره بالشروط الآتية، فلو كانت الضحية مشتركة بين اثنين أو أكثر أو اشتروها واشتركوا في اللحم لم تجز عن واحد ممن ذكر. إلا في الأجر؛ يعني أن محل كون الاشتراك يمنع الإجزاء إنما هو إذا كان في الملك، وأما إن كان في الأجر بأن أشرك غيره في الأجر في أضحية نفسه قبل الذبح فإن ذلك يصح، وتسقط المخاطبة بالضحية عمن أشركهم ولو أغنياء بالشروط الآتية والاستثناء متصل، وأما لو أشرك بعد الذبح فلا تسقط عن المشرك بالفتح وتسقط عن ربها، وهذا بخلاف إهداء ثواب صدقة ونحوها للميت بعد فعلها فإنه يصح واللحم للمالك، ولو في الحالة التي تسقط الضحية فيها عن الشرك بالفتح لأنه إنما نابهم الأجر فقط، ولو اشترى شخص أضحية من مال
стр. 3106
نفسه وجعلها شركة في الأجر لأخوين يتيمين أو أكثر لصح ذلك من غير مراعاة الشروط الآتية، ويدل له خبر: (اللهم هذا عمن شهد لي بالبلاغ وشهدت له بالتصديق).
وإن أكثر من سبعة؛ يعني أنه تجزئ الضحية عمن أشركهم الضحي معه في أجر الأضحية، وإن كان الذين أشركهم في الأجر أكثر من سبعة فتجزئ الضحية عنه وعنهم، قال في المدونة: وإن ضحى بشاة أو بقرة أو بعير عن نفسه وعن أهل بيته أجزأهم وإن كانوا أكثر من سبعة، وأحب إليَّ إن قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، واستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر دون حديث أبي أيوب، وحديث ابن عمر: كان لا يضحي عمن في البطن، وأما من كان في غير البطن فيضحي عن كل نفس بشاة، وحديث أبي أيوب: (كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس فصارت مباهاة (١)).
إن سكن معه؛ يعني أنه يشترط فيمن يجوز للمضحي أن يدخله معه في أضحيته ثلاثة شروط: الأول أن يكون ساكنا معه في منزل واحد فلو كان خارجا عنه لم يصح الاشتراك المذكور لشبهه حيننذ بالأجانب، الثاني أن يكون من أقاربه ولو حكما كزوجة وأم ولد ورقيق؛ لأن الزوجة وإن لم تكن من الأقارب فهنالك من المودة والرحمة ما جعله الله سبحانه يقوم مقام القرابة، بخلاف الأجير المستأجر بطعامه فإنه لا يجوز له إدخاله في الأضحية، وإلى هذا الشرط الثاني أشار بقوله: وقرب له. وفي نوازل سحنون أنه ليس على الرجل أن يضحي عن زوجته، وإنما هي سنة لا ينبغي له تركها، فإن أدخلها في أضحيته أجزأها وإلا كانت عليها، الثالث أشار إليه بقوله: وأنفق عليه؛ يعني أنه يشترط فيمن يجوز للمضحي أن يدخله معه في أضحيته أن يكون ممن ينفق عليه المضحي؛ أي يشترط في الإجزاء أن يكون المضحى عنه في نفقة المضحي بالكسر. وإن تبرعا؛ يعني أنه لا فرق بين أن يكون الإنفاق المذكور لازما للمضحي الذي أدخل غيره كأبويه العاجزين ونحوهما، وبين أن يكون تبرعا كالغني من أولاده وأخيه وابن أخيه وأخته وابن أخته وجده
стр. 3107
وجدته إذا كان جميع من ذكر في نفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإن ذلك يجزئهم، ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين وإن كانا أخوين.
الباجي: عندي أنه يصح له التشريك وإن لم يعلمهم بذلك، ويدخل فيها صغار ولده وهم لا يصح منهم قصد القربة، وإن أدخل من لم يجز إدخاله لم يجز عن واحد منهما كما قاله اللخمي. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وفي المدونة: ولو اشترى أضحية عن نفسه ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي. ابن حبيب: يلزم الإنسان أن يضحي عمن تلزمه نفقته من ولد ووالد، وفي العتبية: ذلك غير لازم، وقد مر أنها تسقط عن المُدخَل بالفتح ولو كان مليا كما في الحطاب، وقوله: "بلا شرك"، هو المذهب، ونبه بذلك على خلاف الشافعي وأبي حنيفة ﵄، قالا: إن البقرة والشاة تجزئ عن سبعة. قاله الخرشي.
وتحصل مما مر خمسة أقسام: القريب اللازم النفقة فعليه أن يضحي عنه إما بانفراده بضحية أو بإشراكه معه في الأجر على ما مر. الثاني: القريب المتطوع بنفقته كالأبوين مع اليسار والإخوة والأخوات وأبنائهم وابن العم فليس عليه الضحية عنهم، وله أن يشركهم في الأجر على ما مر ويكفيهم ذلك عن الضحية.
الثالث: الأجنبي المتطوع بنفقته إن أشركه في الأجر لم تجز عن واحد منهما.
الرابع: الأجنبي الواجب النفقة كالأجير بطعامه إن أشركه في الأجر لم تجز عن واحد منهما إلا الزوجة لأنه يشملها اسم الأهل.
الخامس: الأجنبي الذي لا ينفق عليه لا يشركه في الأجر وإلا لم يجز عن واحد منهما.
وقوله: "إن سكن معه"، قال الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي: هذا فيمن ينفق عليه تبرعا لا لزوما، فلا يعتبر سكناه معه حينئذ. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من أين لهما هذا القيد؟ ولم أر من ذكره غير ما نقله الطخيخي عن العوفي مستدلا بكلام ابن حبيب الذي في المواق ولا دليل له فيه أصلا، والظاهر من كلام المدونة والباجي واللخمي وغيرهم: أن السكنى معه شرط مطلقا انتهى.
стр. 3108
وإن جماء، مبالغة في صحة الضحية؛ يعني أن الجماء وهي التي لا قرن لها من جنس ماله قرن يجوز أن يضحى بها، وهذا مما لا خلاف فيه، فإن الجماء يضحى بها إجماعا أي إذا كان ذلك خلقة، وأما إن كانت مستأصلة القرنين دون إدماء ففي إجزائها وعدمه نقلا الشيخ عن كتاب محمد وابن حبيب. قاله ابن عرفة. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
ومقعدة لشحم؛ يعني أن المقعدة وهي العاجزة عن القيام إذا كان عجزها لأجل كثرة شحم فإنها تجزئ، نص على ذلك سحنون، قال الش: وهو ظاهر. ومكسورة قرن؛ يعني أن مكسورة القرن واحدا أو أكثر تجزئ في الضحية ولو استؤصل قرناها، خلافا لابن حبيب كما مر. لا إن أدمى؛ يعني أن محل الإجزاء في مكسورة القرن إذا لم يكن قرنها مدميا بأن يكون قد برئ، فإن لم يبرأ فلا تجزئ كما في المدونة، فالمراد بالإدماء عدم البرء، وقال أشهب: لا يضحى بها فإن فعل أجزأه، وإنما أجرأت مع البرء لأن ذلك ليس نقصا في الخلقة ولما في اللحم؛ لأن النعاج لا قرن لها والإجزاء هو الذي عليه أكثر الشيوخ.
وعلم مما قررت أن المراد بالإدماء عدم البرء لا السيلان، فلو قال: إن برأ، لكان أحسن وأخصر. قاله الشيخ علي الأجهوري.
كبين مرض؛ تشبيه في النفي وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ يعني أن ما كان من النعم مريضا مرضا بينا لا يجزئ إذا ضحى به، لقوله ﷺ : (أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي)). انتهى. وهذه العيوب الأربعة مجمع عليها، وإذا كثر عيب من غير هذه العيوب الأربعة فالمذهب قياسه عليها، وقصر ذلك البغداديون على الأربعة. وقوله: "كبين مرض"، بين المرض هو الذي لا تتصرف معه كتصرف السليم من نوعها؛ لأنه يفسد اللحم ويضر بمن يأكله، واحترز بالبين من الخفيف، فإنه لا أثر له، وما اختلف فيه من ذلك فللاختلاف هل هو كثير أم لا؟ قاله الش.
وجرب؛ يعني أن الجربة البينة الجرب بأن يكون ذلك لها مرضا؛ بأن كان يعمها حتى يمرض جميع جسدها لا تجزئ في الضحية. قاله الش. وقوله: "وجرب"؛ عطف على قوله: "مرض"؛
стр. 3109
أي وبين جرب كما قررت، وهو من عطف الخاص على العام. وبشم؛ يعني أن البشمة وهي التي تصيبها التخمة لا تجزئ إذا كان بشمها بينا، وإلا أجزأت. قاله الش. وقال الشيخ عبد الباقي: والرض الناشئ عنه لا ينفك عن كونه بينا، وهذا ما لم يحصل لها إسهال. انتهى. وجنون، يعني أن ما كان من النعم به جنون لا يجزئ، قال الإمام الحطاب: كان الأولى أن يقول: ودائم جنون؛ لأن الجنون غير الدائم لا يضر قاله في التوضيح. انتهى.
وأما الثولاء وهي التي تدور في موضعها ولا تتبع الغنم، فقال أبو عمران: لا بأس بها إن كانت سمينة، والثول بالتحريك جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم وتستدير في مرتعها. قاله في الصحاح. قاله الحطاب.
وجعل الشيخ عبد الباقي قوله: "وجنون" عطفا على "مرض"، وهزال عطف على قوله: "مرض"؛ يعني أن الأضحية لا تجزئ إذا كانت هزيلة هزالا بينا، وهو معنى قوله ﷺ : (والعجفاء التي لا تنقي) أي لامخ في عظامها لشدة هزالها. قاله أهل اللغة. ابن حبيب: هي التى لا شحم فيها، وفسرها ابن الجلاب وغيره بالوجهين. وعرج؛ يعني أن العرجاء لا تجزئ إذا كان عرجها بينا وهو الذي لا تسير معه بسير السليمة، وأما الخفيف وهو الذي لا يمنعها أن تسير بسير السليمة فإنه لا يمنع الإجزاء، ولهذا قال في الحديث: البين ضلعها بفتح الضاد واللام، وروي بالظاء المشالة أي عرجها. قاله الش. وعورة عطف على قوله: "مرض"؛ يعني أن العوراء البين عورها كما في الحديث لا تجزئ ضحية، والعوراء هي التي ذهب بصر إحدى عينيها ولو كانت المعين باقية، وإن كانت بعينها بياض على الناظر لا يمنعها أن تنظر أو كان على غير الناظر فإنه لا يمنع الإجزاء. الباجي: وكذا عندي أي لا تجزئ لو ذهب أكثر بصر عينها.
وفائت جزء؛ يعني أنه لا يجزئ من الأضحية ما خلق بغير يد أو رجل، أو خلق ناقص عضو أو فاقد جزء أي جزء، أو قطع منه ذلك كان الجزء أصليا أو زائدا، إلا نقص الخصية، ولهذا قال: غير خصية، وأما نقص الخصية فلا يضر كان بخلقة أو بقطع إن لم يحصل به مرض، وإلا لم يجز، والظاهر أن المراد بالخصي هنا ما ليس له أنثيان كما في كلام أبي عمران وما ليس له ذكر
стр. 3110
وما ليس له واحد منهما، وحرره. كذا في شرح الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ أحمد: والخصي ما قطعت خصيتاه أي جلدتا البيضتين. انتهى.
قال الشيخ عبد الباقي: قوله: جلدتا أي مع البيضتين، وقد تسل الخصيتان فقط مع بقاء جلدتهما. انتهى. وفي نوازل ابن هلال بعد كلام ما نصه: فالحامل أن الخصي المجزئ عنده في الأضحية هو الموجوء لا الخصي المجبوب. انتهى.
وصمعاء جدا؛ يعني أن الصمعاء جدا لا تجزئ في الضحية، وهي صغيرة الأذنين جدا بحيث تقبح بهما الخلقة فكأنها خلقت بغير أذن، ومعنى قوله: "جدا" أنها صغرت أذناها بحيث تصير كالتي لا أذن لها، فإنها لا تجزئ كما إذا خلقت بغير أذنين، ومفهوم قوله: "جدا" أنها إذا كانت صمعاء لا جدا فإنها تجزئ. وذي أم وحشية؛ يعني أنه لا تصح الضحية إلا بما كان من بهيمة الأنعام، فلذلك لا يصح أن يضحى بما تولد من النعم والوحش، فإذا كانت الأم وحشية والأب من النعم فالإجزاء ساقط، كما لو ضربت فحول الغنم في إناث الظباء أو فحول البقر الإنسية في إناث بقر الوحش وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن الحيوان غير الناطق إنما يلحق بأمه، وكذا ما أمه إنسية وأبوه وحشي فإنه لا يجزئ على الأصح كما في الشامل وهو المعتمد، فلا مفهوم لقوله: "أم"، وعلى المحرم الجزاء فيهما. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وقال الشارح: ومفهوم كلامه أن الأم لو كانت من النعم والأب من الوحش أجزأ، وحكى الشيخ أبو الطاهر في ذلك قولين: الإجزاء ابن شعبان: وهو الذي أقول به؛ لأن أكثر الأحكام أن الولد تابع لأمه، وقيل بعدم الإجزاء لأن مورد الشوع ما خلص من الأنعام وهذا لم يخلص. انتهى. كلام الش.
وفي الخرشي عن بعض الشراح أن الإجزاء فيما إذا كانت الأم من النعم والأب من الوحش هو المذهب، وأن تصحيح بهرام في الشامل لعدم الإجزاء ضعيف. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما لا يجزئ: ونسل وحش ولو بوسائط، ولا مفهوم للأم في الأصل.
وبتراء؛ يعني أن البتراء وهي التي لا ذنب لها خلقة أو طروا من جنس ماله ذنب لا تجزئ ضحية، وللغزاة أن يضحوا من غنم الروم لأن لهم أكلها ولا يردونها للمقاسم. وبكماء؛ يعني أن البكماء لا تجزئ في ضحية، وهي فاقدة الصوت من غير أمر عادي؛ لأن الناقة إذا مضى لها
стр. 3111
أشهر من حملها تبكم فلا تصوت ولو قطعت. وبخراء؛ يعني أنه يشترط في الذات المضحى بها أن لا تكون بخراء وهي منتنة الفم لنقصان الجمال، ولاستلزامه تغير اللحم أو بعضه إلا ما كان أصليا كبعض الإبل. ويابسة ضرع؛ يعني أنه يشترط في الأنثى المضحى بها أن لا تكون يابسة الضرع أي جميعه. وأما التي ترضع ببعضه فتجزئ، والظاهر أن مثل يبسه خروج دم ونحوه منه. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. ومشقوقة أذن؛ يعني أن المشقوقة الأذن من النعم لا تجزئ في الضحية وهذا إذا كانت أذنها مشقوقة أكثر من الثلث، فإن كان المشقوق من أذنها ثلثا فدون فإنها تجزئ على المشهور؛ لأنها تجزئ مع ذهابه كما يأتي، ولو شق من كل أذن ثلثها هل يمنع الإجزاء وهو الأحوط أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. وجزم الشيخ الأمير بأن ذلك لا يضر، فقال: وظاهره اغتفار الأقل فيهما. انتهى؛ يعني الأقل مما فوق الثلث. ومكسورة سن؛ يعني أن ما كسرت سنة من النعم لا يجزئ في الضحية وظاهره واحدة أو أكثر، وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "ومكسورة سن": أي اثنتين أو أكثر أو الجميع، وأما كسر من واحدة فصحح في الشامل الإجزاء. انتهى. وفي الحطاب: ظاهره أن كسر الواحدة عيب، وظاهر كلامه في التوضيح وفي الشامل أنه ليس بعيب، ثم نقل كلام الشامل، وفيه: وفي السن الواحدة قولان وصحح الإجزاء، وقيل إلا في الثنية والرباعية. انتهى.
لغير إثغار؛ يعني أن محل كون الأسنان يضر سقوطها إنما هو إذا كان سقوطها لغير إثغار، وأما إن كان سقوطها لأجل الإثغار فإن ذلك لا يضر في باب الضحايا، وكذا لا يضر حفر الأسنان كما روى ابن القاسم. أو كبر؛ يعني أن المضر إنما هو سقوط الأسنان لغير الإثغار أو الكبر، وأما إن كان السقوط من أجل الإثغار أو الكبر فإنه لا يضر، قال في الشامل في العيوب: وسقوط الأسنان لا للإثغار اتفاقا، وكذا للكبر على الأصح. انتهى.
وفي التوضيح: قال اللخمي: لا تجزئ إذا كانت ذاهبة الأسنان لكسر أو شبهه، وتجزئ إذا كانت من إثغار، واختلف إذا كان لكبر، فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بها، وفي المبسوط: لا يصح بها، ومحمل قوله على الاستحسان؛ لأنها من العيوب الخفية. قاله الإمام الحطاب.
стр. 3112
وقوله: "لغير"، متعلق بمقدر تقديره ومقلوعتها. قاله الشيخ عبد الباقي. وذلك ظاهر لأن الإثغار لا يناسبه إلا السقوط. والله سبحانه أعلم.
وذاهبة ثلث ذنب؛ يعني أن ما ذهب ثلث ذنبه من النعم لا يصح أن يضحى به، ذهب بقطع أو مرض، لا أذن؛ يعني أن ذهاب ثلث الأذن لا يضر في الضحية. الباجي: هذا هو الصحيح أي أن ذاهبة ثلث الذنب لا يضحى بها، وذاهبة ثلث الأذن يضحى بها؛ لأن الذنب لحم وعظم والأذن طرف جلد لا تكاد تستضر به لكن ينقص الجمال كثيرة، ولهذا لو ذهب أكثر من ثلث الأذن فإنها لا تجزئ، وقد مر أن شق أكثر من ثلثها يضر، فما ظنك بذهاب أكثر من ثلثها؟
من ذبح الإمام، متعلق "بسن"، أو صفة "لضحية"، أو خبر مبتدإ محذوف؛ أي وابتداء وقت ذبحها في اليوم الأول لغير الإمام؛ من ذبح الإمام يعني أن ابتداء وقت الذبح للضحية بالنسبة لغير الإمام من ذبح الإمام الحاصل بعد صلاته وخطبته، أو قدره إن لم يذبح كما يفيده ابن ناجي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشارح عند قوله: "من ذبح الإمام": وهذا إذا ذبح الإمام وإلا فالمعتبر الصلاة، وكذا في التوضيح أيضا أن المعتبر الصلاة إن لم يذبح. وفي الذخيرة: إذا ذبح أهل المسافر عنه راعوا إمامهم دون إمام بلد المسافر، ولا يراعى الإمام في الهدي، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه تجري هنا الصور التسع التي في تكبيرة الإحرام، فمتى ابتدأ بالذبح قبله لم تجز، ختم قبله أو معه أو بعده، وكذا إن ابتدأ معه مطلقا، وكذا إن ابتدأ بعده وختم معه أو قبله احتياطا، لا إن ختم بعده فتجزئ ضحية. انتهى.
قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: وكذا إن ابتدأ بعده وختم معه، فيه نظر، وقد تقدم صحة الصلاة في هذه إن ابتدأ بعده. انتهى. وظاهر قوله: "من ذبح الإمام"، ولو تبين أن ذبحه أو نحره لا يجزئه ضحية، وانظر إذا تعمد ذلك وتبعوه في ذبح ما يجزئهم، فهل يُكتفى بذبحهم لأنهم ذبحوا بعده في الجملة أو لا؟ لأنهم ذبحوا قبل ذبحه المعتبر شرعا، ومن كان حين ذبح الإمام غير مخاطب بها لفقر أو رق أو كفر ثم زال عذره أثناء أيامها طلب بها، كمولود أثناءها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: فإن لم يكن للإمام ضحية ودفعت له لينحرها بدل ضحية نفسه لم تجز حيث كان أقرب يتحرى. انتهى. وهو صريح في أن من لم يضح إمامه
стр. 3113
يتحرى أقرب الأئمة إليه، وقد مر أن ابتداء وقت الضحية لمن لم يضح إمامه بعد الصلاة أو الخطبة، ولم يقيد بغير من له أقرب إمام والله سبحانه أعلم.
لآخر الثالث؛ يعني أن وقت الذبح والنحر ابتداؤه من ذبح الإمام أو نحره، ويستمر وقت الذبح لهم وللإمام إلى آخر اليوم الثالث من أيام النحر، ويفوت وقت ذبح الضحية ونحرها بغروب الشمس من اليوم الثالث على الإمام وغيره، فالحاصل أن الأيام الثلاثة يوم الصلاة واليومين بعده أوقات التضحية للإمام وغيره، فلا تفوت حتى تغرب الشمس من اليوم الثالث وأن ابتداء وقت الذبح والنحر مختلف، فالإمام وقت ذبحه بعد الصلاة والخطبة، وغير الإمام ابتداء وقت ذبحه من ذبح الإمام الكائن بعد الصلاة والخطبة إن ذبح وإلا فالمعتبر قدر ذلك والصلاة على ما مر. والله سبحانه أعلم.
فتحصل من هذا أن ابتداء الذبح مختلف وانتهاؤه متفق وبالله تعالى التوفيق. وفي الحديث: (من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم (١))، وفيه أيضا (أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر كل من نحر قبله أن يعيد ولا ينحر حتى ينحر النبي ﷺ (٢))، وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي ﷺ .
وقوله: "من ذبح الإمام" اعلم أنه اختلف فيمن زبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام، فذهب مالك والشافعي والأوزاعي إلى أنه لا يجوز للحديث المتقدم، وقيل: يجوز ذلك، وأما قبل الصلاة فقد قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، لقوله ﷺ : من ذبح قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم. انظر الشارح. وفي الحطاب قال مالك: والصواب ذبح الإمام كبشه بالمصلى بعد نزوله عن المنبر ثم يذبح الناس بعده في منازلهم، ولغير الإمام ذبح أضحيته بالمصلى بعد الإمام. انتهى.
стр. 3114
وهل هو العباسي؛ يعني أن الإمام الذي يعيد من ذبح قبل ذبحه هو إمام الطاعة أي أمير المؤمنين إذا كان إمام الطاعة يتولى صلاة العيد، فإن تولاها غيره فقيل: المعتبر ذبح من يقيمه إمام الطاعة مقامه لذلك في بلده أو عمله في بلد من بلدانه ولا عبرة بالمتغلبين. قاله اللخمي. وعلى هذا القول يعتبر أهل كل بلد عاملها. أو إمام الصلاة؛ أي ومنهم من ذهب إلى أن المعتبر إمام صلاة العيد إذا كان مستخلفا عليها استخلف على غيرها معها أم لا قولان؛ أي في ذلك قولان: الأول للخمي، والثاني لابن رشد. وقوله: "وهل هو العباسي"، صوابه إمام الطاعة، وتبع في التعبير بالعباسي اللخمي وابن الحاجب، وهما إنما عبرا به لأنهما في زمن ولاية بني العباس، بخلاف المؤلف، وقد وهَّمَتْ عبارته هنا الشارح في باب القضاء، فقال: يجب في الإمام الأعظم كونه عباسيا وتبعه الأجهوري، وقد خرجا بذلك عن أقوال المالكية. قاله الرماصي.
واعلم أنه يظهر مما تقدم أن الخلاف لفظي؛ لأن اللخمي يقول: المعتبر إمام الطاعة أو من هو نائب عنه ممن يقيمه، وابن رشد يقول: إن المعتبر إمام الصلاة إذا كان مستخلفا عليها، ولا شك أن إمام الصلاة المستخلف هو قول اللخمي أو من هو نائب عنه ممن يقيمه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلى هذا فالمعتبر إمام الصلاة الذي استخلفه الإمام عليها حين لم يؤم الإمام أي إمام الطاعة، ففي كلام المص على هذا نظر، وهو الذي قاله البناني. قال الرهوني: هو الصواب، وكلام ابن رشد هذا في البيان، قال: ويمكن أن يكون المص وابن عرفة أشارا إلى كلام ابن رشد في نوازله، وحملاه على إطلاقه ولم يرداه إلى ماله في البيان، فإنه قال فيها: المعتبر إمام الصلاة حين سئل هل المعتبر إمام الطاعة أو إمام الصلاة؟ وعليه فمعنى المص وهل المعتبر إمام الطاعة؟ وذلك شامل لمن أقامه عليها، فإن أم هو اعتبر، وإن لم يؤم اعتبر من أقامه عليها أو المعتبر إمام الصلاة ولو لم يقمه وهذا أسعد بظاهر المص. والله أعلم. وما مر من أنه لا عبرة بالمتغلبين ويكون الناس معهم كمن لا إمام لهم فيتحرون أقرب الأئمة إليهم هو للخمي كما عرفت، ونظر فيه ابن عبد السلام بأن نصوص المذهب نفوذ أحكامهم وأحكام قضاتهم. انتهى. ومن لا خليفة لهم يعتبر إمام صلاتها حينئذ قطعا، وفي الشبراخيتي وغيره أيضا أن الخلاف لفظي.
стр. 3115
ولا يراعى قدره في غير الأول؛ يعني أنه لا يراعي قدر الوقت الذي يذبح فيه الإمام أضحيته في اليوم الثاني والثالث ولو أراد الإمام الذبح في أحدهما، وإنما يُرَاعى ذلك في اليوم الأول فالضمير في "قدره". لذبح الإمام المتقدم في قوله: "من ذبح الامام": وما ذكره المص هنا هو المشهور، ونقله الباجي عن ابن حبيب عن مالك، ونصه: قال ابن حبيب عن مالك: ويستحب أن يؤخر أضحيته في اليوم الثاني والثالث إلى أن تطلع الشمس وتحل السبحة، وليس عليه أن ينظر قدر صلاة الإمام في اليوم الأول، يريد لأن ما قبل طلوع الشمس مختلف فيه، هل هو من الليل أو من النهار، ويستحب الخروج من الخلاف، فإذا طلعت الشمس أخر إلى أن يتمكن طلوعها، ولو فعل بعد طلوع الفجر أجزأه، وقال أصبغ: إذا طلع الفجر في هذين اليومين جاز الذبح.
وأعاد سابقه؛ يعني أنه لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام، ومن فعل ذلك أعاد أضحيته على وجه السنية سواء ذبح قبل الصلاة أو بعدها، وقد تقدم الكلام على هذا قريبا مستوفى فراجعه إن شئت. والضمير في "سابقه" عائد على الإمام، ومحل قوله: "وأعاد سابقه"، حيث أبرزها الإمام أي أخرجها إلى المصلى ليذبحها بعد الصلاة والخطبة، والتحري وعدمه في حالة الإبراز سواء إلا ما استثناه بقوله: إلا المتحري أقرب إمام؛ يعني أن الحكم المتقدم وهو إعادة من سبق الإمام بالذبح مخصوص بمن لهم إمام، فأما من ليس لهم إمام فإنهم يتحرون وجوبا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحون بعده، فإن لم يتحروا لم تجزهم، وإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم؛ لأن التحري فعل ما هو واجب عليه لعسر اطلاعه على ذبح الإمام وهذا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه إذا تحرف فأخطأ لا تجزئه، وعلى الأول فالفرق بينه وبين ما تقدم من قوله: ولا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها للفجر أن إعادة الأضحية مما يشق بخلاف إعادة ركعتي الفجر، والظاهر أن الفرق بين هذا وبين الأسير إذا التبست عليه المشهور وتحرى شهرا وصامه فتبين أنه قبل رمضان، فإنه لا يجزنه اتفاقا أنه يستخف في السُّنَّة ما لا يستخف في الفرض. والله أعلم. وعبارة الشيخ الأمير: فإن أخرج الإمام ضحيته وتحراه إنسان فكالإحرام إلا أن لا يلزمه جمعته فتجزئه مطلقا. انتهى. قال في تقييده: وهو محمل الأقرب في الأصل. انتهى.
стр. 3116
كأن لم يبرزها؛ يعني أن الإمام إذا لم يبرز أضحيته بأن لم يخرجها إلى المصلى ليذبحها بعد صلاته وخطبتها، فإن لم يتوان عن الذبح فالأمر ظاهر أي يعيد من سبقه أو وافقه، وإن توانى عن الذبح فإن ذلك إما أن يكون لغير عذر أو لعذر كالجهاد مثلا، فإن توانى بلا عذر أي تأخر عن الذبح لغير عذر بل اختيارا، فإنه ينتظر قدره؛ أي قدر الزمن الذي يذبح فيه الإمام، أي يؤخر إلى أن يكون ذبحه في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها يكون ذبحه بعده.
وقد مر أن الإمام يذبح بعد أن ينزل عن المنبر وتذبح الناس بعده.
وبما قررت علم أن قوله: "قدره"، ظرف متعلق بمحذوف. وبه انتظر للزوال، هذا مفهوم قوله: "بلا عذر"؛ يعني أن الإمام إذا كان تأخيره الذبح لعذر كاشتغاله بقتال عدو أو غيره، فإن الناس ينتظرون بذبحهم الإمام كي يذبح فيذبحوا بعد ذبحه إلى أن يخافوا خروج وقت الصلاة بسبب زوال الشمس بحيث يبقى قدر ما يذبحون قبل الزوال، ليلا يفوت الوقت الأفضل في اليوم الأول. ابن رشد: وكان يجري لنا البحث هل من العذر طلب الإمام للأضحية بشراء أو نحوه؟ انتهى. ولو ضحى معتقدا أن لإمامه عذرا وتبين عدمه فإنها تجزئ، كما إذا ذبح معتقدا أن لا عذر له فتبين أن له عذرا في نفس الأمر عملا بما تبين في الأولى وعملا باعتقاده في الثانية، كذا يظهر في المسألتين. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه أيضا: وانظر إذا لم يكن أقرب إمام أو كان وتعذر تحريه، هل يذبح بعد أن يصلي العيد أو يؤخر لقرب الزوال أو يذبح في أي وقت شاء؟ انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد حكم هذا المنظر فيه، فإنه قال: وإن لم يخرجها فإن توانى عن الذبم لعذر كالجهاد انتظر حتى يبقى للزوال قدر الذبح، وإلا أخر قدر ذبحه كمن لا إمام لهم يضحي بأن لا يكون أصلا أو يكون ولا يضحي. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: فتحصل مما مر أن الإمام إذا أبرز أضحيته أي -أخرجها للمصلى- ليذبحها بعد الصلاة والخطبة فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعد ذبحه، فإنه يعيد من سبقه أو ساواه، وتجري فيه الصور التسع المتقدمة في الإحرام والسلام، وهذا الحكم جار فيمن له إمام تلزمه جمعته، ولا عبرة بالتحري في هذا، فمتى حصلت المساواة أو السابقة أعاد استنانا، فإن بعد منه الأئمة بحيث لا تلزمه جمعة أحدهم فإنه يتحرى قدر ذبح أقربهم إليه، وتجزئه إن تبين
стр. 3117
أنه ذبح قبله. فإن لم يتحر لم تجزه، وأنه إذا لم يبرز الإمام أضحيته، فإنه إما أن يتوانى الإمام في الذبح أو لا، فإن لم يتوان أعاد سابقه، وإن توانى فإما أن يتوانى لعذر أو لا، فإن توانى لعذر فإنه ينتظر بالذبح إلى الزوال. وإن توانى لغير عذر فإنه ينتظر بالذبح قدر ما يذبح فيه الإمام ويذبحون حينئذ وتجزئهم، فإن لم يتحروا قدر ذبحه وتبين أنهم سبقوه أو ساووه لم تجزهم.
والنهار شرط؛ يعني أنه يشترط في إجزاء الضحية أن تذبح نهارا، فإن ذبح أحد أضحيته ليلا لم تجزه، وكذا الهدايا. وفي الحديث: (من ضحى بليل فليعد (١))، وروي عن مالك فيمن ضحى بليل أنها تجزئ، وعلى هذا الهدي إذا نحر ليلا، وقال أشهب: يجزئ الهدي ولا تجزئ الضحية، والخلاف إنما هو فيما عدا ليلة النحر، وأما هي فلا خلاف أن من نحر أو ذبح فيها لا يجزئه لعدم دخول الوقت كالليلة الرابعة لخروج الوقت، ويندب في غير اليوم الأول التأخير لطلوع الشمس، وتحل النافلة. وقوله: "والنهار"؛ أي وذبح النهار شرط، وهذا كالاستثناء من قوله: "من ذبح الإمام لآخر الثالث"، فإنه بحسب ظاهره شامل للأيام بليالها، فبين المراد بهذا. والله سبحانه أعلم.
وندب إبرازها؛ يعني أنه يندب للإمام أن يبرز أي يخرج أضحيته إلى المصلى ليذبحها فيه بعد الصلاة والخطبة وبعد نزوله عن المنبر، فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعده، كما ثبت ذلك عنه ﷺ ، وكذا يندب لغير الإمام إبرازها إلا أنَّ تركَ الإمام إبرازها مكروه بخلاف غيره.
ابن المواز: ولوأن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صوابا، كما فعله عمر ﵁؛ لأنها من القرب المسنونة العامة، فالأفضل إظهارها؛ لأن فيه إحياء سنتها. قاله الخرشي.
مالك: وجه الشأن أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيذبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده، قال عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به، فوجب أن يظهر أضحيتة ليصل الناس إلى العلم بوقت ذبحه. قاله الش.
стр. 3118
وجيد؛ يعني أن مما يستحب في الأضحية الجودة؛ إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على غيره، والمراد بالجودة حسن الصورة حسنا زائدا على ما نقصه لا يمنع الإجزاء، أو أن يكون من أعلى النعم وأكمله أو من مال طيب. وسالم؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من العيوب التي لا تمنع الإجزاء، كيسير المرض وكسر القرن مع البرء ونحوهما مما لا يمنع الإجزاء، وأما السلامة من العيوب التي تمنع الإجزاء فواجبة. والله تعالى أعلم.
وغير خرقاء؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من هذه الأمور الأربعة بأن تكون غير خرقاء، والخرقاء هي التي في أذنها خرق مستدير أو المقطوع بعض أذنها من أسفلها، وشرقاء، وهي مشقوقة الأذن، يقال: شرقت الشاة أشرقها شرقا: شققت أذنها، وقد شرقت الشاة بالكسر فهي شرقاء. ومقابلة، وهي التي قطع من أذنها قبل وجهها أي قدام وترك معلقا. ومدابرة، وهي التي قطع من أذنها من خلفها وترك معلقا، فقوله: "وغير خرقاء وشرقاء ومقابلة ومدابرة"، معناه كما علمت أنه يستحب أن تكون الأضحية سليمة من هذه العيوب الأربعة، وقول الش: من أحد هذه الأمور الأربعة فيه شيء، وهذه الأمور مستفادة من قوله: "وسالم"، فهو من عطف الخاص على العام، ومحل الندب ما لم يكثر أحد هذه الأمور الأربعة، وأما إن كثر أحدها فإنها لا تجزئ كما مر، قال الشيخ إبراهيم: وإنما ذكر هذا مع علمه من ما قبله، لنص الحديث عليها، وعبر عنها بصيغة التأنيث مع ارتكاب التذكير فيما قبله وفيما بعده تبعا للفظ الحديث. انتهى.
وسمين؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سمينة، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يعلم منه ندب تسمينها وهو المشهور، وكرهه ابن شعبان قائلا: لأنه من سنة اليهود. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه -يعني الندب- نظر، والذي في المواق والحطاب عن عياض: الجمهور على جواز تسمينها. انتهى. ونحوه لابن عبد السلام. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
تنبيه: تسمين المرأة لا بأس به ما لم يؤد إلى الضرر بالجسم أو إفساد الطعام وقيئه فلا يجوز، وأما ما زاد على الشبع مما لا يؤدي إلى هذا فالصواب جوازه لأنه من كمال المتعة، وفي الحديث ما يدل على جواز مطلق الشبع (١)، وفيه خلاف.
стр. 3119
وفي الإكمال في شرح حديث الثلاثة (قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع كثرة الشحم والاتصاف بالسمن وكثرة اللحم. ونقل البرزلي عن شيخه: كثرة شحم المرأة لا خير فيه لأنه ثقل في الحياة ونتن بعد الممات. نقله الحطاب.
وذكر؛ يعني أنه يستحب أن تكون الأضحية ذكرا فالذكر أفضل من الأنثى، وهذا هو ظاهر المذهب، وقال في المبسوط: هما سواء. قاله الش. وأقرن؛ يعني أن الأقرن أفضل من الأجم في الضحية، وأبيض؛ يعني أن الأبيض أفضل من غيره في الأضحية، وفي الصحيحين (أنه ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحينٍ (١))، والأقرن هو الذي له قرنان، والأملح قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض، وقيل هو كلون الملح: فيه شامات سود، وقيل المتغير الشعر بالسواد والبياض كالشهبة، وقيل الأسود الذي تعلوه حمرة، وقيل الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل هو الذي في خلال بياضه طبقات سود، وفي خبر مسلم: (ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد (٢)) -زاد النسائي: (ويأكل في سواد- فأتي به ليضحي به، فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: استحديها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد فضحى به). وروي أن هذه صفة الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام من الذبح، وروى دم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين: والعفراء: البيضاء وينبغي أن ما قارب البياض أولى مما بعد منه. قاله الخرشي.
وفحل يعني أن الفحل أفضل من الخصي في الضحية إن لم يكن الخصي أسمن؛ يعني أن محل كون الفحل أفضل من الخصي في الضحية إنما هو إذا لم يكن الخصي أسمن بأن تساويا في السمن أو كان الفحل أسمن، وأما إذا كان الخصي أسمن فإنه يكون أفضل من الفحل السمين، ولا تقدم الأنثى على الفحل ولا على الخصي ولو كانت أسمن، والخصي الأسمن يقدم على الفحل السمين ولو كان أجم والفحل أقرن، والظاهر تقديم الأسمن الأجم من الخصيان ولو كان أسود على الأقرن الأبيض الفحل السمين. قاله الخرشي.
стр. 3120
وضأن مطلقا؛ يعني أن الضأن أفضل في الضحية من سائر النعم، كان الضأن ذكرا أو أنثى فحلا أو خصيا. ثم معز؛ يعني أنه يلي الضأن في الفضل المعز فحله ثم خصيه ثم أنثاه، فهو أفضل في الضحية من الإبل والبقر. ثم هل بقر؟ يعني أنه اختلف هل يلى المعز في الفضل البقر فيكون أفضل من الإبل في الضحية، وهو قول ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب، وهذا القول هو الأظهر أي استظهره ابن رشد، أو إبل؛ أي أنه قيل إن الذي يلي المعز في الفضل الإبل لا البقر؛ وهو قول ابن شعبان، وسبب الخلاف أيهما أطيب لحما، وكل جنس من هذه الأجناس الأربعة فحله أفضل من خصيه إن لم يكن الخصي أسمن، وإلا فالخصي أفضل وخصيه أفضل من أنثاه، وهذا قدمه المص بقوله: وذكر وفحل لخ.
قال الشيخ عبد الباقي: واشتمل كلامه على اثنتي عشرة مرتبة؛ لأنها أربعة: ضأن ومعز وبقر وإبل، وكل نوع يشتمل على ثلاث مراتب: ذكر فحل فخصي فأنثى، فأعلاها فحل الضأن إن لم يكن الخصي أسمن، وأدناها أنثى الإبل أو البقر على ما مر، وإن نظرت إلى الخناثي صارت ست عشرة، والظاهر أن الخصي والمجبوب هنا شيء واحد وإلا كانت عشرين مرتبة. انتهى. قوله: وإن نظرت إلى الخناثي لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، انظر الحطاب فقد نظر في إجزاء الخنثى، وعلى تقدير الإجزاء قد نقل أن الخنثى إنما يكون من الإبل كالآدمي، زاد النووي: وفي البقر كما أخبرني به الثقة، وعليه فلا يكون في الضأن ولا في المعز، فلا يتأتى ما ذكره الزرقاني. انتهى.
وقوله: "وضأن مطلقا" لخ، خلافا للإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة القائلين: الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، لقوله ﵊: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا (١)). الحديث. والجواب أنه ﵊ لم يعين في أي باب فيحمل على ما هو مجمع عليه وهو الهدايا، وقال ﷺ : (خير الأضحية الكبش (٢))، والمطلوب إحياء قصة إبراهيم