كأن لم يبرزها؛ يعني أن الإمام إذا لم يبرز أضحيته بأن لم يخرجها إلى المصلى ليذبحها بعد صلاته وخطبتها، فإن لم يتوان عن الذبح فالأمر ظاهر أي يعيد من سبقه أو وافقه، وإن توانى عن الذبح فإن ذلك إما أن يكون لغير عذر أو لعذر كالجهاد مثلا، فإن توانى بلا عذر أي تأخر عن الذبح لغير عذر بل اختيارا، فإنه ينتظر قدره؛ أي قدر الزمن الذي يذبح فيه الإمام، أي يؤخر إلى أن يكون ذبحه في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها يكون ذبحه بعده.
وقد مر أن الإمام يذبح بعد أن ينزل عن المنبر وتذبح الناس بعده.
وبما قررت علم أن قوله: "قدره"، ظرف متعلق بمحذوف. وبه انتظر للزوال، هذا مفهوم قوله: "بلا عذر"؛ يعني أن الإمام إذا كان تأخيره الذبح لعذر كاشتغاله بقتال عدو أو غيره، فإن الناس ينتظرون بذبحهم الإمام كي يذبح فيذبحوا بعد ذبحه إلى أن يخافوا خروج وقت الصلاة بسبب زوال الشمس بحيث يبقى قدر ما يذبحون قبل الزوال، ليلا يفوت الوقت الأفضل في اليوم الأول. ابن رشد: وكان يجري لنا البحث هل من العذر طلب الإمام للأضحية بشراء أو نحوه؟ انتهى. ولو ضحى معتقدا أن لإمامه عذرا وتبين عدمه فإنها تجزئ، كما إذا ذبح معتقدا أن لا عذر له فتبين أن له عذرا في نفس الأمر عملا بما تبين في الأولى وعملا باعتقاده في الثانية، كذا يظهر في المسألتين. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه أيضا: وانظر إذا لم يكن أقرب إمام أو كان وتعذر تحريه، هل يذبح بعد أن يصلي العيد أو يؤخر لقرب الزوال أو يذبح في أي وقت شاء؟ انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد حكم هذا المنظر فيه، فإنه قال: وإن لم يخرجها فإن توانى عن الذبم لعذر كالجهاد انتظر حتى يبقى للزوال قدر الذبح، وإلا أخر قدر ذبحه كمن لا إمام لهم يضحي بأن لا يكون أصلا أو يكون ولا يضحي. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: فتحصل مما مر أن الإمام إذا أبرز أضحيته أي -أخرجها للمصلى- ليذبحها بعد الصلاة والخطبة فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعد ذبحه، فإنه يعيد من سبقه أو ساواه، وتجري فيه الصور التسع المتقدمة في الإحرام والسلام، وهذا الحكم جار فيمن له إمام تلزمه جمعته، ولا عبرة بالتحري في هذا، فمتى حصلت المساواة أو السابقة أعاد استنانا، فإن بعد منه الأئمة بحيث لا تلزمه جمعة أحدهم فإنه يتحرى قدر ذبح أقربهم إليه، وتجزئه إن تبين
стр. 3117
أنه ذبح قبله. فإن لم يتحر لم تجزه، وأنه إذا لم يبرز الإمام أضحيته، فإنه إما أن يتوانى الإمام في الذبح أو لا، فإن لم يتوان أعاد سابقه، وإن توانى فإما أن يتوانى لعذر أو لا، فإن توانى لعذر فإنه ينتظر بالذبح إلى الزوال. وإن توانى لغير عذر فإنه ينتظر بالذبح قدر ما يذبح فيه الإمام ويذبحون حينئذ وتجزئهم، فإن لم يتحروا قدر ذبحه وتبين أنهم سبقوه أو ساووه لم تجزهم.
والنهار شرط؛ يعني أنه يشترط في إجزاء الضحية أن تذبح نهارا، فإن ذبح أحد أضحيته ليلا لم تجزه، وكذا الهدايا. وفي الحديث: (من ضحى بليل فليعد (١))، وروي عن مالك فيمن ضحى بليل أنها تجزئ، وعلى هذا الهدي إذا نحر ليلا، وقال أشهب: يجزئ الهدي ولا تجزئ الضحية، والخلاف إنما هو فيما عدا ليلة النحر، وأما هي فلا خلاف أن من نحر أو ذبح فيها لا يجزئه لعدم دخول الوقت كالليلة الرابعة لخروج الوقت، ويندب في غير اليوم الأول التأخير لطلوع الشمس، وتحل النافلة. وقوله: "والنهار"؛ أي وذبح النهار شرط، وهذا كالاستثناء من قوله: "من ذبح الإمام لآخر الثالث"، فإنه بحسب ظاهره شامل للأيام بليالها، فبين المراد بهذا. والله سبحانه أعلم.
وندب إبرازها؛ يعني أنه يندب للإمام أن يبرز أي يخرج أضحيته إلى المصلى ليذبحها فيه بعد الصلاة والخطبة وبعد نزوله عن المنبر، فيعلم الناس بذبحه فيذبحوا بعده، كما ثبت ذلك عنه ﷺ ، وكذا يندب لغير الإمام إبرازها إلا أنَّ تركَ الإمام إبرازها مكروه بخلاف غيره.
ابن المواز: ولوأن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صوابا، كما فعله عمر ﵁؛ لأنها من القرب المسنونة العامة، فالأفضل إظهارها؛ لأن فيه إحياء سنتها. قاله الخرشي.
مالك: وجه الشأن أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيذبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده، قال عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به، فوجب أن يظهر أضحيتة ليصل الناس إلى العلم بوقت ذبحه. قاله الش.
стр. 3118
وجيد؛ يعني أن مما يستحب في الأضحية الجودة؛ إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على غيره، والمراد بالجودة حسن الصورة حسنا زائدا على ما نقصه لا يمنع الإجزاء، أو أن يكون من أعلى النعم وأكمله أو من مال طيب. وسالم؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من العيوب التي لا تمنع الإجزاء، كيسير المرض وكسر القرن مع البرء ونحوهما مما لا يمنع الإجزاء، وأما السلامة من العيوب التي تمنع الإجزاء فواجبة. والله تعالى أعلم.
وغير خرقاء؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سالمة من هذه الأمور الأربعة بأن تكون غير خرقاء، والخرقاء هي التي في أذنها خرق مستدير أو المقطوع بعض أذنها من أسفلها، وشرقاء، وهي مشقوقة الأذن، يقال: شرقت الشاة أشرقها شرقا: شققت أذنها، وقد شرقت الشاة بالكسر فهي شرقاء. ومقابلة، وهي التي قطع من أذنها قبل وجهها أي قدام وترك معلقا. ومدابرة، وهي التي قطع من أذنها من خلفها وترك معلقا، فقوله: "وغير خرقاء وشرقاء ومقابلة ومدابرة"، معناه كما علمت أنه يستحب أن تكون الأضحية سليمة من هذه العيوب الأربعة، وقول الش: من أحد هذه الأمور الأربعة فيه شيء، وهذه الأمور مستفادة من قوله: "وسالم"، فهو من عطف الخاص على العام، ومحل الندب ما لم يكثر أحد هذه الأمور الأربعة، وأما إن كثر أحدها فإنها لا تجزئ كما مر، قال الشيخ إبراهيم: وإنما ذكر هذا مع علمه من ما قبله، لنص الحديث عليها، وعبر عنها بصيغة التأنيث مع ارتكاب التذكير فيما قبله وفيما بعده تبعا للفظ الحديث. انتهى.
وسمين؛ يعني أنه يستحب في الأضحية أن تكون سمينة، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يعلم منه ندب تسمينها وهو المشهور، وكرهه ابن شعبان قائلا: لأنه من سنة اليهود. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه -يعني الندب- نظر، والذي في المواق والحطاب عن عياض: الجمهور على جواز تسمينها. انتهى. ونحوه لابن عبد السلام. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
تنبيه: تسمين المرأة لا بأس به ما لم يؤد إلى الضرر بالجسم أو إفساد الطعام وقيئه فلا يجوز، وأما ما زاد على الشبع مما لا يؤدي إلى هذا فالصواب جوازه لأنه من كمال المتعة، وفي الحديث ما يدل على جواز مطلق الشبع (١)، وفيه خلاف.
стр. 3119
وفي الإكمال في شرح حديث الثلاثة (قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم فيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع كثرة الشحم والاتصاف بالسمن وكثرة اللحم. ونقل البرزلي عن شيخه: كثرة شحم المرأة لا خير فيه لأنه ثقل في الحياة ونتن بعد الممات. نقله الحطاب.
وذكر؛ يعني أنه يستحب أن تكون الأضحية ذكرا فالذكر أفضل من الأنثى، وهذا هو ظاهر المذهب، وقال في المبسوط: هما سواء. قاله الش. وأقرن؛ يعني أن الأقرن أفضل من الأجم في الضحية، وأبيض؛ يعني أن الأبيض أفضل من غيره في الأضحية، وفي الصحيحين (أنه ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحينٍ (١))، والأقرن هو الذي له قرنان، والأملح قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض، وقيل هو كلون الملح: فيه شامات سود، وقيل المتغير الشعر بالسواد والبياض كالشهبة، وقيل الأسود الذي تعلوه حمرة، وقيل الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل هو الذي في خلال بياضه طبقات سود، وفي خبر مسلم: (ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد (٢)) -زاد النسائي: (ويأكل في سواد- فأتي به ليضحي به، فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: استحديها بحجر ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد فضحى به). وروي أن هذه صفة الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام من الذبح، وروى دم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين: والعفراء: البيضاء وينبغي أن ما قارب البياض أولى مما بعد منه. قاله الخرشي.
وفحل يعني أن الفحل أفضل من الخصي في الضحية إن لم يكن الخصي أسمن؛ يعني أن محل كون الفحل أفضل من الخصي في الضحية إنما هو إذا لم يكن الخصي أسمن بأن تساويا في السمن أو كان الفحل أسمن، وأما إذا كان الخصي أسمن فإنه يكون أفضل من الفحل السمين، ولا تقدم الأنثى على الفحل ولا على الخصي ولو كانت أسمن، والخصي الأسمن يقدم على الفحل السمين ولو كان أجم والفحل أقرن، والظاهر تقديم الأسمن الأجم من الخصيان ولو كان أسود على الأقرن الأبيض الفحل السمين. قاله الخرشي.
стр. 3120
وضأن مطلقا؛ يعني أن الضأن أفضل في الضحية من سائر النعم، كان الضأن ذكرا أو أنثى فحلا أو خصيا. ثم معز؛ يعني أنه يلي الضأن في الفضل المعز فحله ثم خصيه ثم أنثاه، فهو أفضل في الضحية من الإبل والبقر. ثم هل بقر؟ يعني أنه اختلف هل يلى المعز في الفضل البقر فيكون أفضل من الإبل في الضحية، وهو قول ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب، وهذا القول هو الأظهر أي استظهره ابن رشد، أو إبل؛ أي أنه قيل إن الذي يلي المعز في الفضل الإبل لا البقر؛ وهو قول ابن شعبان، وسبب الخلاف أيهما أطيب لحما، وكل جنس من هذه الأجناس الأربعة فحله أفضل من خصيه إن لم يكن الخصي أسمن، وإلا فالخصي أفضل وخصيه أفضل من أنثاه، وهذا قدمه المص بقوله: وذكر وفحل لخ.
قال الشيخ عبد الباقي: واشتمل كلامه على اثنتي عشرة مرتبة؛ لأنها أربعة: ضأن ومعز وبقر وإبل، وكل نوع يشتمل على ثلاث مراتب: ذكر فحل فخصي فأنثى، فأعلاها فحل الضأن إن لم يكن الخصي أسمن، وأدناها أنثى الإبل أو البقر على ما مر، وإن نظرت إلى الخناثي صارت ست عشرة، والظاهر أن الخصي والمجبوب هنا شيء واحد وإلا كانت عشرين مرتبة. انتهى. قوله: وإن نظرت إلى الخناثي لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، انظر الحطاب فقد نظر في إجزاء الخنثى، وعلى تقدير الإجزاء قد نقل أن الخنثى إنما يكون من الإبل كالآدمي، زاد النووي: وفي البقر كما أخبرني به الثقة، وعليه فلا يكون في الضأن ولا في المعز، فلا يتأتى ما ذكره الزرقاني. انتهى.
وقوله: "وضأن مطلقا" لخ، خلافا للإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة القائلين: الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم، لقوله ﵊: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا (١)). الحديث. والجواب أنه ﵊ لم يعين في أي باب فيحمل على ما هو مجمع عليه وهو الهدايا، وقال ﷺ : (خير الأضحية الكبش (٢))، والمطلوب إحياء قصة إبراهيم
стр. 3121
وولده صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما، لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾، قيل: جعلناه سنة للآخرين، وقوله: "ثم هل بقر" لخ، قال ابن غازي: صرح ابن عرفة بمشهورية الأول، ولا أعلم من شهر الثاني. انتهى. وفي شرح الأقفهسي أن الخلاف في ذلك خلاف في حال أيهما أطيب لحما، والظاهر طيب البقر، وما نسبه التتائي لابن عرفة من تشهير القول الثاني سبق قلم. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الخرشي ما نصه: واستشكل تعليل تقديم البقر على الإبل بطيب لحمها على لحم الإبل مع ورود أن لحمها داء، ويجاب بأنه يمكن حمله على البلاد الحارة، وقوله: خلاف مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف، وقد علمت أن الذي يظهر من كلامهم أن الأول هو الراجح، ولذا اقتصر عليه الشيخ الأمير. والله سبحانه أعلم.
وترك حلق وقلم لمضح عشر ذي الحجة؛ يعني أنه يندب لمن أراد أن يضحي أن يترك حلق شعره من سائر جسده وقصه وإزالتُه بنؤرة كذلك، ويندب لمن أراد أن يضحي أيضا أن يترك قلم ظفره ويترك ما ذكر من الحلق والقلم عشر ذي الحجة أي الليالي العشر الأول من ذي الحجة موافقة للحاج، ومبدأ الترك من أول الليلة الأولى من العشر، وغاية الترك إلى أن يضحي أو يضحى عنه أو ينيب في الذبح ويحصل بالفعل، فالتعبير بالعشر باعتبار الليالي أو تغليبا إذ المراد تسع إن أراد التضحية في اليوم الأول، وأما الثاني فالعشر على حقيقته لا في الثالث وإن ندب فيه أيضا ترك الحلق والقلم.
وقوله: "ذي الحجة"، بفتح الحاء وكسرها، والكسر أكثر سماعا كما في الحطاب، وقوله: "لمضح"، أي لمريد تضحية حقيقة أو حكما، فيشمل المدخل في التضحية بالشروط المتقدمة، فيندب له ما يندب لمالكها، وفي الحديث: (إذا دخل عشر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئا (١))، وروي: (فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا)، وحمل الأئمة الثلاثة الإبقاء على الندب مع قول أبي حنيفة بوجوب الضحية، وحمل أحمد الإبقاء على الوجوب حملا للنهي على التحريم، وفي الحديث أيضا: (خير أضحيتك أن يعتق الله بكل جزء
стр. 3122
منها جزءا منك من النار)، والشعر والظفر من الأجزاء فتترك حتى تدخل في العتق، وأما في غير عشر ذي الحجة فيندب نتف إبطه من الجمعة إلى الجمعة إن احتيج له، وغاية تركه كالعانة أربعون. قاله الشيخ عبد الباقي.
وفي النصيحة الكافية: ومن السنة استعمال خصال الفطرة. انتهى. قال شارحها ابن زكري: يشير به إلى الحديث المتفق عليه، ولفظه في صحيح البخاري: (الفطرة خمس أو خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب (١))، والشك من سفيان، والفطرة هنا بمعنى السنة؛ لأنه وقع التعبير في بعض الروايات السنة بدل الفطرة، وأصل الفطرة الاختراع أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، والظاهر حمل السنة في المتن على معناها المشهور، لقوله في شرح الرسالة: وأما نتف الجناحين فهو السنة، وأما حلق العانة فسنة.
وقال أبو حامد والماوردي وغيرهما: المراد بالسنة في بعض الروايات الطريقة لا التي تقابل الواجب، وقال أبو بكر بن العربي: عندي أن الخصال الخمس في هذا الحديث كلها واجبة، وكذلك نقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء، وفهم من إطلاقه استعمال ما ذكر أنه لا حد له. قال القاضي عياض: لا حد لأقل الترك عند العلماء، والمستحب من الجمعة إلى الجمعة، وينبغي أن لا يترك ذلك أكثر من أربعين يوما.
قال الأبي: ذكر النيسابوري من حديث أنس، قال: (وقت رسول الله ﷺ أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع ولا يدع شاربه، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة، وأن يتعاهد البراجم كلما توضأ فإن الوسخ إليها سريع (٢)). فالضابط بحسب هذا الحديث الحاجة والطول، فإذا طال شيء من ذلك أزيل، والعانة تحلق، ونتفها يورث الجذام ويرخي العصب ويضر بالإنعاظ، وقال ابن دقيق العيد: الأولى في إزالة الشعر هنا الحلق ويجوز النتف وقال النووي وغيره السنة في إزالة شعر العانة الحلق بالموسى في حق الرجل
стр. 3123
والمرأة معا ولكن يتأدى أصل السنة بكل مزيل وحكى النووي في وجوب الإزالة إذا طلب الزوج منها ذلك وجهين أحدهما الوجوب.
ابن العربي: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى، وإن كانت كهلة فأولى في حقها الحلق. وفي ابن زكري بعد جلب نقول: فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما من الشعر، وقال ابن العربي: حلق ما حول الدبر لا يشرع، ونتف الجناحين، قال ابن حجر: يستحب البدء بالجهة اليمنى بأصابع اليسرى وكذا اليسرى إن أمكن وإلا فباليمنى، وقال مالك: ويغسل رائحته من يده استحبابا، ويقوم التنور مقام الحلق.
وفي النصيحة الكافية: ولا بأس بالنؤرة إلا أنها تضعف الذكر، والدوام عليها ليس من السنة، وليس من السنة حلق الجناحين، وما نقل عن الشافعي من ذلك فقد علل بأنه لا يقدر على النتف.
ابن حجر: ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه تستحب البداءة بمسبحة اليمنى ثم بالوسطى ثم بالبنصر ثم بالخنصر ثم بالإبهام، وفي اليسرى البداءة بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ومذهب إمامنا مالك أن الأيام كلها لله تعالى. وقال في الإحياء: (وجاء في حديث النهي عن تقليم الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص). قاله ابن زكري.
وفي النصيحة: ويتقي الأيام التي جاء النهي عن التقليم فيها، وفي الشبراخيتي: قال الفاكهاني، يندب الاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط كل جمعة على قدر الحاجة، فمتى طال أزاله، وأما حديث أنس: (وقت لنا فيها أن لا نتركها أكثر من أربعين ليلة)، فمعناه أن لا يتأخر عنها لا أنه يندب تأخيرها أربعين. قاله عياض. والنووي. انتهى. وقوله: "لمضح"، يدخل فيه من تسن في حقه الضحية من معتمر وحاج فاته الحج وتحلل منه بفعل عمرة، وقد مر أنه يدخل فيه المدخل في الضحية فيندب له ما يندب لمالكها.
стр. 3124
وضحية على صدقة؛ يعني أنه يندب تقديم الأضحية على الصدقة فلا يترك أحد الأضحية ليتصدق بثمنها. وقاله في المدونة. وعتق؛ يعني أن الضحية تقدم على العتق ندبا، فلا يترك أحد الضحية ليشتري بثمنها عبدا ليعتقه، أو ليستعين بثمنها في شراء عبد ليعتقه؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع.
ابن حبيب: وهي -يعني الضحية- أفضل من العتق ومن عظيم الصدقة؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع. انتهى. ولو نذر الثلاثة ولا قدرة له عليها فقضية تفضيل الضحية تقديمها عليهما والعتق أولى من الصدقة ما لم يكن الزمن زمن مسغبة فتكون الصدقة أولى. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "وضحية على صدقة"، وروي عن مالك أن التصدق أفضل، وقوله: "وضحية على صدقة وعتق"، الظاهر أن المراد هنا بندب التقديم السنية؛ إذ لا معنى لكونها سنة وتقديمها على ما ذكر مندوب أشار له بناني، ونص المص على ما ذكر دفعا لما يتوهم من كون ما ذكر أفضل من الضحية؛ لأن السنة والندب قد يكونان أفضل من الفرض، كما قال:
الفرض أفضل من تطوع عابد … حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا التطهر قبل وقت وابتدا … ء بالسلام كذاك ابرا معسر
وذبحها بيده؛ يعني أنه يستحب للإنسان أن يذبح أضحيته بيده، كان الذابح ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، اقتداء به ﷺ ، فيندب ذلك لمن أطاق، فإن لم يهتد لذلك إلا [بمرافق] (١) فلا بأس أن [يرافق (٢)]، ولا بأس أن يمسك بطرف الآلة ويهديه الجزار بأن يمسك الجزار رأس الحربة ويضعه على المنحر أو العكس، لخبر أبي داوود المفيد لذلك، ففيه: (أنه ﷺ أتي بالبدن، فقال: ادعوا لي أبا الحسن فدعي له علي، فقال له: خذ أسفل الحربة وأخذ النبي ﷺ بأعلاها ثم طعن بها البدن (٣)). فإن لم يحسن شيئا
стр. 3125
استناب، وندب أن يحضر عند نائبه، وتكره الاستنابة مع القدرة، وفي الش: فإن وكل من يذبح له مع القدرة أجزأه وبئس ما صنع.
وقوله: "وذبحها بيده"، قال الشيخ إبراهيم ونحوه للشيخ الخرشي: إذا كان يحسن الذبح، فإن لم يكن يحسنه ووكل فيه فليشهده، لما رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد (أنه ﷺ قال لفاطمة: قومي لأضحيتك فاشهديها، فإنه بأول قطرة من دمها يغفر الله لك ما سلف من ذنبك (١)). انتهى. وظاهره أنه يؤمر بذبح أضحيته ولو امرأة أو صبيا إن أطاق، لفعله ﵊، وهو من التواضع لله تعالى. وكان أبو موسى الأشعري ﵁ يأمر بناته بذلك. محمد: إلا من ضرورة أو ضعف. ابن حبيب: أو كبر أو رعشة. قاله الشيخ إبراهيم. وعبارة الشيخ الأمير: وذبحها بيده وإن مع معين إن عجز.
وللوارث إنفاذها؛ يعني أن من عين أضحية ومات عنها قبل أن يذبحها، فإنه يندب لورثته أن ينفذوها أي يذبحوها، تنفيذا لقصد الوصي كسائر القربات التي مات ولم ينفذها ولا تجزئ عن الوارث وهذا ظاهر، وقوله: "وللوارث إنفاذها"، هذا في ضحية لم تعين بنذر، كلله علي أو علي ضحية، ولا التزام كلله علي نحر هذه ضحية، وإلا وجب عليه إنفاذها. قاله الشيخ الخرشي. وقد علمت أن هذا؛ أي قول المص: "وللوارث إنفاذها"، قبل الذبح، وسيأتي حكم ما إذا مات بعد أن ذبحت.
وجمع أكل وصدقة وإعطاء؛ يعني أنه يستحب للمضحي أن يجمع بين هذه الأمور الثلاثة، فيأكل ويتصدق ويعطي، فيهدي لمن يستحق الإهداء، ويتصدق على الفقراء، ويأكل، فإن أكلها كلها أو تصدق بها كان تاركا للأفضل على المذهب، وكذا إذا اقتصر على اثنين من الثلاثة، وقال ابن المواز: التصدق بجميعها أفضل وحكى عبد الوهاب رواية شاذة بوجوب الأكل.
ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر أضحيته: وقال عثمان وابن المسيب وابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق. قاله الش. وقوله: "وصدقة وإعطاء"؛ أي مع صدقة ومع إعطاء، وقوله: "وإعطاء" لو عبر بإهداء بدل إعطاء لكان أولى؛ لأن الإعطاء يجامع الصدقة.
стр. 3126
قاله الشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي. وبه عبر الشيخ الأمير، وفي الحديث: (أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم (١)) وفي حديث آخر: (أطيب لحم لحم الظهر (٢)). انتهى. قاله الشيخ الخرشي.
بلا حد، الظاهر أنه ظرف مستقر في موضع الحال من أكل وما عطف عليه. والله سبحانه أعلم. يعني أنه لا حد في شيء من هذه الثلاثة؛ يعني الأكل والصدقة والإعطاء بثلث ولا بربع ولا بنصف ولا بغيرها. واليوم الأول أفضل؛ يعني أن اليوم الأول بتمامه أي الذبح فيه أفضل من الذبح في اليومين بعده اتفاقا فيما قبل الزوال، وعلى المشهور فيما بعده، ومقابله أن أول اليوم الثاني أفضل من آخر اليوم الأول، وقد علمت أن الآخر ما بعد الزوال للغروب، والأول ما عدا ذلك. والله سبحانه أعلم.
وفي أفضلية أول الثالث على آخر الثاني تردد؛ يعني أن أول اليوم الثاني أفضل من اليوم الثالث، وأما آخره أي اليوم الثاني وهو من زواله لغروبه، فإنه اختلف فيه مع أول اليوم الثالث، هل يجري فيه الخلاف الذي بين أول اليوم الثاني وآخر اليوم الأول كما للقابسي واللخمي أو لا يجري فيه الخلاف المذكور؟ بل يتفق على رجحان أول اليوم الثالث على آخر الثاني وهو لابن رشد، فهو من التردد في فهم النقل، وقد علمت أن المراد باليوم هنا خصوص النهار، وفي الشبراخيتي ما نصه: لنا فاضل باتفاق وهو من طلوع الشمس إلى الزوال في اليوم الأول: ومفضول باتفاق وهو من زوال الشمس في اليوم الثالث إلى الغروب، واختلف فيما عدا هذين على قولين، والمشهور أن ما بعد الزوال من اليوم الأول أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني. انتهى. وذبح ولد خرج قبل الذبح؛ يعني أنه لو أراد أن يضحي فعين للذبح ضحية فولدت قبل أن يذبحها، فإنه يستحب له أن يذبح الولد، وحكم لحمه وجلده حكمها. قاله غير واحد. وبعده جزء؛ يعني أنه لو ذبح الأضحية فخرج الولد بعد ذبحها ميتًا فإن الولد حكمه حكم جزء منها إن حل بتمام خلقه ونبات شعره، فلا يفعل به إلا ما يفعل بها، وإن خرج بعد ذبحها
стр. 3127
حيا حياة مستمرة وجب ذبحه لأنه استقل بحكمه كما مر عند قوله: "وإن خرج حيا ذكي"، وقوله: "وذبح ولد خرج قبل الذبح" إحدى الممحوات الأربع؛ لإن الإمام كان يقول أولا: يندب ذبحه من غير تأكيد، ثم أمر بمحوه وأثبت تأكيد ندب ذبحه وهو الراجح دون الممحو، والراجح المثبت أيضا في المسألة الثانية من الأربع وهي: إذا تزوج المريض كان يقول يفسخ، ولو صح المريض ثم رجع إلى أنه إذا صح المريض صح النكاح، والراجح الممحو في الاثنتين الباقيتين، إحداهما وهي الثالثة: من حلف لا يكسو زوجته ثم افتَكَّ ثيابها المرهونة، فقال أولا: يحنث ثم أمر بمحوه، وقال: لا يحنث. ابن القاسم: وأنا أرى إن لم تكن له نية أنه يحنث، ومحل الحنث الذي هو الراجح إن لم تكن له نية، وأولى إن نوى عدم نفعها، فإن نوى خصوص الكسوة لم يحنث بفك المرهونة، الرابعة: من سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء كان يقول: تقطع رجله اليسرى ثم رجع إلى قطع يده اليسرى، وسيقول المص: "ومحي ليده اليسرى".
ونظم ابن مرزوق الممحوات بقوله:
المحو في الأيمان والأضاحي … وفي كتاب القطع والنكاح
ولم يبين الراجح منها، وذيله علي الأجهوري مع زيادة بيان، فقال:
والراجح الممحو في اثنتين … قطع وأيمان بغير مين
ثم الذي أثبت في الأضاحي … تأكيد ندب ذبحه يا صاح
والمحو في الأيمان حنثه إذا … لم ينو شيئا وهو قول محتذى
أي مختار، والأمر بمحو ما أمر بمحوه مبالغة في طرحه، والصواب في القول المرجوع إليه ووقعت المسامحة في بقائه وعليه صورة شطب؛ لأنه يصح أن يذهب إليه المجتهد يوما وهذا هو الموجب لتدوين الأقاويل التي يرجع عنها المجتهد، نبه على هذا ابن عبد السلام. قاله الشيخ عبد
стр. 3128
الباقي. وقوله: "وذبح ولد خرج قبل الذبح"، عورضت هذه المسألة بقوله في الوصايا: إذا أوصى بعتق أمة فولدت قبل موته فهو رقيق، ظاهره: ولا يستحب عتقه والجامع بينهما تعلق القرب بالأمهات، ويجاب بأن يقال: إن الوصية منحلة بالإجماع، والضحية قيل إنها تتعين بالشراء.
ولما أنهى الكلام على ما أراده من المندوبات، أتبعه بالمكروهات، فقال: وكره جز صوفها قبله؛ يعني أنه يكره لمالك الأضحية أن يجز صوفها قبل أن يذبحها؛ لأن جز الصوف نقص من جمالها إن لم ينبت للذبح؛ يعني أن محل كراهة جز صوف الضحية إذا لم يكن بين الجز والذبح من الزمن مقدار ما ينبت فيه مثل صوفها، وأما إذا كان الزمن بعيدا بحيث ينبت فيه مثله أو قريب منه فلا كراهة، ولم ينوه حين أخذها؛ يعني أن محل الكراهة أيضا حيث لم ينو جز الضحية حين أخذها من شريكه أو بشراء، وكذا حين إرثها، ومثله حين قبولها بعطية كما يرشد له المعنى، وأما إذا نوى الجز حين أخذها فلا كراهة، وظاهره منطوقا ومفهوما سواء كانت منذورة أم لا، وقيده بعض شيوخ أحمد بغير المنذورة، وأما هي فيحرم سواء نواه أم لا، وكذا لا كراهة إن تضررت به لحر أو غيره، قال ابن غازي: لو قال المص: وكره جز صوفها قبل الذبح إن لم ينبت له، لكان أوضح.
واعلم أن نية الجز حين الشراء لها ثلاثة أحوال: الأولى أن ينوي أن يجزها قبل ذبحها فتعتبر هذه النية فلا يكره الجز، الثانية أن ينوي أنه يجزها بعد الذبح فتبطل؛ لأنها مناقضة لحكم الضحية فيكون كمن لم ينو، وحينئذ فيمنع الجز بعد الذبح إذا كان ليتصرف فيه التصرف الممنوع، وإلا جاز مطلقا شرطه في نيته أم لا. الثالثة أن ينوي أن يجزها ولم يقيد بقبل ولا بعد، وحكمها حكم الأولى فلا كراهة. وعبارة الشيخ الأمير: وكره جز صوفها إن لم ينبت قريب منه قبل الذبح فأولى مثله وهو النص، والقاعدة أن ما قارب الشيء يعطى حكمه ولم ينوه أي الجز حين تعيينها. انتهى. وهي عبارة حسنة وافية، بالمراد لشمولها لما كان في ملك وغيره والله سبحانه أعلم.
وبيعه؛ يعني أنه يكره بيع الصوف الذي يكره جزه، وأما الذي جز بعد الذبح فلا يجوز بيعه، ولو نوى حين الشراء جزه بعد الذبح ومثل البيع عمله جبة، وفي الخرشي وغيره: وأما غير
стр. 3129
المكروه الجز فهو قسمان، قسم لا يكره بيعه ويصنع به ما شاء وهو ما إذا نبت للذبح أو نواه حين أخذها وجزه قبل الذبح، وقسم حكمه حكمها وهو ما إذا نواه حين أخذها وجزه بعد الذبح، فصار الصوف على ثلاثة أقسام.
وشرب لبن؛ يعني أنه يكره لمن عين ضحية أن يشرب لبنها نواه حين أخذها أم لا، أضر بالولد أم لا؛ بأن شربه بعد ريه، ويحلبها إن أضر بقاؤه بها ويتصدق به، ولو أكله لم يكن عليه شيء.
قال غير واحد: وينبغي تقييد المص بغير المنذورة وإلا جرى فيها نحو ما تقدم في الهدايا من قوله: "وغرم إن أضر بشربه الأم أو الولد موجب فعله". انتهى. وإنما كره له شرب اللبن لأنها خرجت قربة.
نكتة: قال ابن القاسم: إن سمن البقر والمعز إذا شرب مع العسل فإنه ينفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب، وإذا شرب اللبن مع السكر فإنه يحسن البدن جدا. قاله الشيخ الخرشي.
وإطعام كافر: يعني أنه يكره للمضحي أن يطعم الكافر من أضحيته لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، وروي عن مالك الإباحة ثم رجع عنها إلى الكراهة، وهل إن بعث له أو ولو في عياله تردد؟ يعني أنه اختلف، هل محل الخلاف المذكور من كراهة إطعام الكافر وإباحته من الأضحية حيث بعث بلحمها إلى الكافر، وأما إذا كان في عياله أو غشيهم وهم يأكلون وأكل معهم فلا بأس به دون خلاف وهذه طريقة ابن رشد، والخلاف المذكور مطلق فلا يقيد بمن في عياله ولا بغيره وهي طريقة ابن الحاجب، ونص ابن رشد في البيان عند قول العتبية: سئل عن النصرانية تكون ظئرا للرجل فتأتي فتريد أن تأخذ فروة أضحية ابنها، قال: لا بأس بذلك أن توهب الفروة وتطعم من اللحم، قال ابن القاسم: رجع مالك، فقال: لا خير فيه، قال ابن القاسم: والأول أحب قوليه. انتهى. ابن رشد: اختلاف قول مالك هذا إنما معناه إذا لم تكن في عياله فأعطيت من اللحم ما تذهب به على ما يأتي في رسم اغتسل، فأما لو كانت في عياله أو غشيتهم وهم يأكلون لم يكن بأس أن تطعم منه دون خلاف. انتهى.
стр. 3130
وكلام ابن الحاجب: وتكره للكافر على الأشهر، وقال ابن حبيب: لا خلاف بين قولي مالك، بل يكره البعث إليهم إذا لم يكونوا في عياله، ويجوز إطعامهم إذا كانوا في عياله، ولا يصح أن يكون المص أشار بالتردد إلى طريقة ابن حبيب وابن رشد؛ لأن عبارة المص تفيد أن محل التردد من هو في عياله وابن حبيب أيضا من المتقدمين فلا يشار إليه بالتردد. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وعلم مما تقدم أن ابن حبيب وابن رشد متفقان على الإباحة في عياله، وعلم من كلام ابن رشد المتقدم أنه سوى بين البعث إليه وبين إعطائه ما يذهب به إلى بيته. والتغالي فيها؛ يعني أنه يكره التغالي في ثمن الضحية بأن يزيد على غالب شراء أهل البلد؛ كأن يجد ضحية تباع بعشرة فيشتري ضحية بأربعين وذلك قيمتها، وكذا يكره التغالي في عددها، والعلة في المسألتين خوف المباهاة، والأقسام ثلاثة: الكراهة إن خاف قصد المباهاة، والمنع إن تحقق قصد المباهاة، والندب إن نوى فضيلة وزيادة ثواب بزيادة ثمنها أو عددها. وفي الحديث: (أفضل الرقاب أغلاها ثمنا (١)). واعلم أن ما قصد به الرياء من العبادات يحرم، وما في عبد الباقي غير ظاهر. ابن الجوزي عن بعض التابعين: لا يماكس في ثمن الأضحية ولا في شيء مما يتقرب به إلى الله تعالى. قاله الشيخ عبد الباقي.
فائدة: قال العلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: سمعته؛ يعني الشيخ العارف عبد العزيز الدباغ ﵁، يقول: وكان اليوم يوم العيد الأكبر -أنه ينزل في هذا اليوم ملائكة لقبض أرواح الضحايا، فترى فوق كل بلدة أو مدينة أو موضع يذبح فيه الضحايا ملائكة كراما يحومون لا ينزلون إلا في هذا اليوم، فإذا ذبحت الضحية أخذوا روحها وذهبوا بها إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كانت نية صاحبها صالحة في ذبحها، وأنه لم يرد بها إلا وجه الله خالصا ولم يرد بها فخرا ولا كبرا ولا رياء ولا خيلاء أخذوا روح أضحيته وذهبوا بها إلى قصوره في الجنة، فتصير من جملة نعمه التي في الجنة، وإن كانت نية صاحبها على العكس من ذلك وكانت نيته فاسدة وعمله لغير وجه الله أخذوا روح أضحيته وذهبوا بها إلى جهنم، وتصير نقمة من النقم التي أعدت
стр. 3131
له في جهنم، وإذا نظرت إلى تلك الروح رأيت كبشا بذاته وصورته المعلومة وبقرونه وصوفه، والكل نار حامية فصوفه نار وقرونه نار وذاته كلها نار. نسئل الله السلامة. قاله في الذهب الإبريز.
وفعلها عن ميت؛ يعني أنه يكره للإنسان أن يضحي عن ميت؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف، وأيضا فإن المقصود بذلك غالبا المباهاة، ومحل الكراهة ما لم يكن وقف وقفا وشرطها فيه، وإلا وجب فعلها عنه؛ لأن شرط الواقف يتبع إن جاز أو كره، ومحلها ما لم يعينها قبل موته، وإلا ندب للوارث إنفاذها كما مر.
وقوله: "وفعلها عن ميت"، قال الشيخ عبد الباقي: ومحل الكراهة أيضا إن قصد به الميت فقط، فإن فعلت عنه وعن الحي لم تكره، واستدل له بخبر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد (١))، ومن آله أولاده الذين كانوا ماتوا. انتهى. قوله: فإن فعلت عنه وعن ميت لم يكره لخ، فيه نظر بل غير صحيح؛ لأن الصواب أن التشريك إنما يصح فيمن طلب بها، والميت ليس بمطلوب بها، وأيضا تعليلهم الكراهة بعدم الوارد في ذلك شامل لصورة الإفراد وصورة التشريك، وأيضا شروط التشريك المتقدمة غير مجتمعة هنا. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
كعتيرة؛ يعني أن العتيرة مكروهة، ومثل العتيرة الفرع. والعتيرة بوزن عظيمة من العتر بمعنى الذبح، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، أو هي الرجبية ذبيحة كانوا يذبحونها في الجاهلية في رجب يتقربون بها لأصنامهم، فلما جاء الإسلام صاروا يذبحونها لله تعالى. وفي الحديث: (لا فَرَعَ ولا عتيرة (٢)). وورد في رواية النسائي والإسماعيلي (نهي رسول الله ﷺ عن الفرع والعتيرة (٣))، والفرع بالفاء والراء المهملة المفتوحتين بعدهما عين مهملة: أول ولد تلده الناقة أو الشاة، كانوا يذبحونه في الجاهلية فيأكلون منه ويطعمون، واختلف في قول النبي ﷺ : (لا فرع ولا عتيرة (٤))، فقيل إنه نهى عنهما، وقيل نسخ للوجوب، ويؤيد كونه نهيا رواية
стр. 3132
النسائي والإسماعيلي المتقدمة، واحتج القائلون بأنه نسخ للوجوب بحديث: من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء أعتر ومن شاء لم يعتر. وبحديث وكيع عن عامر بن لقيط (١) أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: إنا كنا نذبح ذبائح في رجب فنطعم من جاءنا، قال النبي ﷺ : (لا بأس (٢)) قال وكيع: لا أتركها أبدا. وحمل ابن غازي والمواق العتيرة على أن المراد بها الطعام الذي يصنع لأهل الميت للنياحة، وأما لهم لا لها فمندوب، وهذا الحمل يرجح عليه الحمل الأول، فإنه لو كان ذلك مراده لذكره في الجنائز؛ إذ ذكره هنا يرجح الحمل الأول، والظاهر أن المص ترجح عنده القول بأن الحديث نهي وفهمه على التنزيه. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
وقال ﷺ لما سئل عن الفرع: (أن تدعه حتى يكون شعريا خير من أن تنحره فيلصق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك (٣))، يقول ﷺ : خير لك أن تتركه حتى يشتد ولا تذبحه صغيرا فيختلط لحمه بوبره فتحزن ناقتك وينقطع لبنها بذبح ولدها، فيكفأ إناؤك إذا لم يكن لك لبن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وفي الشبراخيتي أن الرجل كان إذا بلغت إبله مائة نحر منها بكرا لصنمه يسمونه: الفرع، وفيه عن أبي داوود والنسائي وابن ماجه والحاكم أن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: (اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا لله وأطعموا الفقراء وغيرهم (٤)). انتهى. وفي الخرشي أنه روي عنه ﷺ أنه قال بعرفة: (يأيها الناس على كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة هل تدرون ما العتيرة (٥))؟ قال الراوي للحديث: فلا أدري ما كان من ردهم عليه، قال: هي التي يقول الناس الرجبية.
وإبدالها بدون يعني أنه يكره للشخص أن يبدل أضحيته قبل أن يذبحها بما هو دونها، وهذا ما لم يعينها بالنذر، وإلا فيمتنع البدل والبيع، ولا ينافيه ما يأتي من أن المشهور أنها لا تتعين
стр. 3133
بالنذر؛ لأنه محمول على عدم إلغاء العيب الطارئ، ومفهوم إبدالها بدون أن إبدالها بمساو أو أفضل جائز.
وفي التوضيح: وينبغي أن يكون إبدالها بخير منها مستحبا، وفي الخرشي عن الأجهوري أن الراجح أن إبدالها بمساو مكروه كالدون، وإن كان ظاهر كلام المص الجواز وإن كان موافقا لما في تهذيب البرادعي لكنه متعقب. انتهى. وفي الأمهات: فلا يبدلها إلا بما هو خير منها، وكذا في شرح الشيخ عبد الباقي أن إبدالها بمساو مكروه على الراجح، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في التوضيح أن إبدالها بمثلها جائز وإن كان لفظ الأم لا يبدلها إلا بخير منها، وقوله: "بدون"، يشمل إذا أبدل الشاة بالبقرة كذا ينبغي. قاله الخرشي. وفيه: ويستحب لآخذ الأدون أن يبدله بالأفضل، ويستحب أن يزيد من ماله شيئا في ثمنها. انتهى. وقد مر أن المنذورة يمتنع إبدالها وبيعها فحكمها حكم الهدي، فيجوز الأكل منها إن لم يسمها للمساكين، فإن سماها لهم امتنع الأكل منها. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.
واعلم أنه يكره الاستفضال من الثمن الذي عينه لشراء الأضحية، وكذا من باع أضحيته فاشترى ببعض ثمنها وفضلت له فضلة فهو مكروه، فمن باع أضحيته واشترى أقل منها بدون الثمن تصدق بما استفضل من الثمن، وبما زادت قيمة التي أبدل على قيمة التي ضحى بها، وإن اشترى أفضل منها أو مثلها بأقل من الثمن الذي باع به تصدق بما استفضل من الثمن، وإن اشترى دونها بمثل الثمن أو أكثر تصدق بما بين القيمتين لا أكثر، والصدقة في جميع هذه الأقسام مستحبة، وإذا اشترى أفضل منها ولم يبعها فأتى يوم النحر والأولى أفضل، فإنه يذبح الأفضل منهما كانت الأولى أو الأخيرة. قاله الإمام الحطاب.
وإن لاختلاط؛ يعني أنه يكره لمن اختلطت أضحيته بدونها قبل الذبح أن يترك الأفضل لصاحبه ويأخذ الأدنى، فلا فرق في كراهة الإبدال بدونٍ الواقِع قبل الذبح بين أن يكون اختيارا ابتداء أو لأجل اختلاط الضحية بغيرها، سواء طرأ الاختلاط بعد تمييز ما لكل أو لم يكن طارئا. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 3134
واعلم أن الأضحيتين إذا اختلطتا قبل الذبح لا يخلو إما أن تتساويا أم لا، فإن تساوتا فلا إشكال أن كل واحد منهما يذبح ما نابه، ولا بأس أن يصطلحا على أن يأخذ هذا شاة وهذا شاة أخرى، وإن لم تتساويا فمن أخذ الأفضل ذبحه، ومن أخذ المفضول فإن ترك الأفضل لصاحبه من غير حكم عُدَّ كأنه أبدل الأعلى بالأدنى فيكره له ذلك، وأما إن كان بحكم القرعة فالظاهر أنه لا كراهة عليه، ولكن إن اقتصر على الأدنى الحاصل بالقرعة كره له ذلك، بل يستحب له أن يبدله بمثل الأعلى هذا هو الظاهر، ولا بأس أن يعطي شخص أضحيته أمه ويشتري مثلها أو أفضل، ومن اشترى ضحايا يسميها له ولغيره فلا بأس أن يذبح لنفسه ما سمى لغيره إن كان أفضل، ويكره ذبحه لغيره ما سمى لنفسه لأنه أدنى، والاختيار أن يشتري له مثل ما سمَّى له أو أفضل.
وبما قررت علم أن قوله: قبل الذبح، ظرف لقوله: "وإبدالها" لا لاختلاط؛ لأن الكلام هنا في حكم الإبدال بدون قبل الذبح كان لاختلاط أم لا، وفي الشبراخيتي: وظاهره أن إبدالها بدون مكروه ولو كان ذلك على حكم القرعة مع أنه لا كراهة فيه حينئذ، لكنه يكره له ذبحها ضحية، فإن أبدلها بدون من غير حكم القرعة تعلقت الكراهة بها من وجهين، وإن أبدلها بدون بحكم القرعة وذبحها ضحية تعلقت الكراهة بها من وجه واحد فقط، ومن ابتاع كبشا يضحي به فأفلت منه فدخل بعض الأذواد ولم يعرفه صاحب الذود ولا مشتريه، قال ابن القاسم: يكون مشتريه شريكا لصاحب الذود، فإن كانت غنمه مائة أعطي جزءا من مائة جزء. قاله الشيخ إبراهيم.
وجاز أخذ العوض إن اختلطت بعده؛ يعني أنه يجوز لرجلين اختلطت أضحيتاهما بعد الذبح أن يأخذ كل منهما العوض من الجنس بأن يأكلاهما كما خرجه اللخمي، وقيل يتصدقان بهما وجوبا، قال ابن عبد السلام: والجواز أقرب وإلى استقراب ابن عبد السلام للجواز أشار المص بقوله: على الأحسن، ومقابله الذي هو وجوب التصدق ليحيى بن عمر وتجزئهما الشاتان المذكورتان. ابن القاسم: وإذا سرقت الضحية أو استهلكت يستحب أن لا يغرم السارق، وقال عيسى: تؤخذ القيمة ويتصدق بها، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: تؤخذ ويصنع بها ربها ما شاء، فإن حمل الاختلاط على غير حقيقته بأن يراد به التلف بتعد أو سرقة كما
стр. 3135
حمله عليه المواق يكون المص أشار بقوله: "على الأحسن"، إلى ما نقله ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون، وحمله على الاختلاط الحقيقي كما تقدم، هو الظاهر.
قال بعض الشيوخ: وأما أخذ أحدهما القيمة في الاختلاط الحقيقي عوضا عن أضحيته ويتركها لصاحبه فلا أظن أحدا يجيزه في المذهب، وقوله: "وإن لاختلاط قبل"، إلى قوله: "على الأحسن"، لا فرق فيه بين اختلاط الكل والبعض، ولو اختلطت رءوس الأضحيتين في الفرن فأكل كل واحد منهما رأس الآخر ثم يعلم ذلك تحللا، ولا شيء على الذي أكل أفضل من متاعه، لمن طلبه فضل متاعه وإن اختلط الخبز واللحم من غير الأضاحي في الفرن فلا يعلم الرجل لمن هذا الذي سبق إليه ولا عند من صار متاعه، فإنه يجب عليه أن يبيعه ويوقف ثمنه على حكم اللقطة إذا لم تبق ووجد لها ثمن هذا حكم الخبز المأخوذ، وأما الفران فإن اعترف أن الخبز ليس هو فله تغريمه؛ لأنه قد نص ابن رشد في ضمان الصناع على أنه إن ضيع الخبز ضامن فرط أو لم يفرط، وإن ادعى أن الموجود خبز هذا الرجل، فالقول قوله.
ابن الحاج: إذا احترق الخبز في الفرن، فقال الفران: هو لفلان، وقال صاحبه: هو ليس لي، فالقول قول الفران، قال ابن زرب: ولا ضمان عليه. البرزلي: وهو ظاهر المدونة، وعن اللخمي أنه إن كان لا يعمل إلا للناس صدق، وإن كان يعمل لنفسه لم يصدق، وفي الخف والنعل إذا تبدل ثلاثة أقوال. أشهب وابن الماجشون: يحل له الخفان. أصبغ وابن وهب: يتصدق بثمنهما على المساكين، وقيل: إن كان أجود من الذي له فلا يلبسه. ابن المواز: ويتصدق بذلك الخف لأنه لا يدري أن ربه أخذ خفه أم لا. وإذا قتلت أم الولد، فقيل: لا قيمة على قاتلها؛ إذ لا يجوز بيعها، وقيل: إن عليه قيمتها وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، ولم يقل أحد إنه يأخذ القيمة ويتصدق بها، ولا فرق في ذلك بين العمد والخطإ، وكره مالك في كتاب محمد للرجل إذا اختلطت رءوس الضحايا في الأفران أن يأكل متاع غيره، ولم يحرم ذلك لأن حكم ذلك حكم لقطة ما لا يبقى من الطعام حيث لا يوجد له ثمن؛ إذ لا يجوز بيعه، فأكله جائز إذ لم يعلم
стр. 3136
صاحبه وخشي عليه الفساد، لقوله ﷺ في الشاة: (هي لك أو لأخيك أو للذيب (١))، والتصدق بذلك أفضل. قاله الحطاب.
وصح إنابة، قد تقدم قوله: "وذبحها بيده"، والكلام الآن فيما إذا ذبح الأضحية غير ربها، وذلك على قسمين: قسم تجزئ وقسم لا تجزئ، وبدأ بالأول ومعنى كلامه أن من استناب غيره على ذبح أضحيته فذبح عنه ذلك الغير الذي استنابه، فإن تلك النيابة تصح فتجزئ مالكها، ومعنى أنابه واستنابه استخلفه، وتكره الاستنابة مع القدرة كما مر، ومثل الضحية، الهدي والفدية والعقيقة. بلفظ؛ يعني أن الاستنابة تحصل بأحد أمرين؛ أحدهما اللفظ كاستنبتك أو وكلتك أو اذبح عني ونحو ذلك، ويقبل الآخر إن أسلم؛ يعني أن صحة الاستنابة مقيدة بأن يكون النائب مسلما، واحترز بذلك من الكافر فلا تجزئ من المجوسي اتفاقا، ولا من الكتابي على مذهب المدونة وهو الأشهر؛ لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، وقال أشهب بالإجزاء اعتبارا بنية المالك، فإن أمر رجلا يظن أنه مسلم ثم تبين أنه نصراني، فعن مالك أنه يعيد، فإن غر اليهودي أو النصراني بأن تزيا بزي المسلمين الذين يذبحون ضمن ذلك وعاقبه السلطان، وموضع المنع أن يلي الذمي الذبح، فأما السلخ وتقطيع اللحم فلا. قاله سند. ثم إن كان الكافر الذابح مجوسيا لم تؤكل، وإن كان كتابيا جرى فيه القولان المتقدمان. ولو لم يصل؛ يعني أن المسلم تصح إنابته ولو كان تاركا للصلاة لأنه فاسق وهو لا يؤثر في ذلك نقصا، وقيل: لا يصح بناء على كفره، فإن استناب من يضيع الصلاة استحب أن يعيد للخلاف في صحة ذكاته.
أو نوى عن نفسه؛ يعني أن الضحية تجزئ عند الإمام مالك عن ربها الذي استناب غيره، ولو نوى التضحية بها عن نفسه وهي غير منذورة، أو منذورة معينة اعتبارا بنية ربها، وقيل لا تجزئ المالك وتجزئ الذابح ويضمن قيمتها، كمن تعدى على أضحية رجل فذبحها عن نفسه وهو لأصبغ، وقيل: لا تجزئ عن واحد منهما وهو لفضل بن مسلمة، فإن كانت مضمونة لم تسقط عنه كذا في شرح الشيخ عبد الباقي، وقوله: فإن كانت مضمونة لم تسقط لخ؛ إذا كان المعتبر نية ربها كما علل به ابن رشد كمن أمر رجلا أن يوضئه، فالمعتبر نية الآمر الموضإ بالفتح
стр. 3137
لا نية المأمور الموضئ بالكسر، فلا فرق بين المضمونة وغيرها، وكان المسناوي يرتضي الإطلاق ويرد ما للزرقاني، وقول المص: "أو نوى عن نفسه" عمدا، وأولى إن غلط.
وأشار إلى الأمر الثاني من أمري الاستنابة بقوله: أو بعادةِ كقريبٍ؛ يعني أن الاستنابة كما تصح باللفظ وهو الاستنابة الحقيقية تصعح بالعادة وهي الاستنابة المجازية، ومعنى ذلك أن من عادته أن يتولى أمورك وذبح بغير أمرك أضحيتك، فإنها تجزئك بشرط أن يكون من أقاربك ونحوهم، كالصديق الملاطف الذي عادته القيام بأمورك، والقريب كولدك أو والدك أو أخيك ونحوهم، وكالصديق الملاطف عبدك وأجيرك وجارك القائم بحقوقك، فهؤلاء تصح تضحيتهم عنك لاعتيادهم القيام بأمورك؛ ولأنهم أقاربك أو مثل أقاربك، وقوله: "أو بعادة كقريب"، هذا هو الأصح، وقيل: لا يصح أن يضحوا عنك، وقوله: "أو بعادة كقريب"؛ أي مثل قريب، فالكاف اسم، وعادة مضافة إليها.
وأدخل المص بين الاستنابة الحقيقية والمجازية أحكاما تعمهما وهي قوله: "ولو لم يصل" لخ، وقوله: "أو بعادة كقريب"، قال الشيخ إبراهيم: المراد من العادة أن يكون عادته القيام بأموره كما في التوضيح. الباجي: ولا بد أن يثق رب الأضحية بأن يذبحها عن ربها. انتهى. وقال الإمام الحطاب عند قوله: "أو بعادة": ظاهر كلامه أن الاستنابة تصح بالعادة؛ يعني أن عادته أن يتولى أموره. وفي المدونة: ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك، فأما ولدك أو بعض عيالك ممن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك يجزئ، وإلا بأن كان الذابح للأضحية عن ربها قريبا للمالك ولم يكن من عادته القيام بأمور المالك أو كان أجنبيا ولكن من عادته القيام بأمور المالك، ففي الإجزاء وعدمه تردد؛ أي طريقان إحداهما تحكي الاتفاق على الإجزاء في القريب، وأن الخلاف في غير القريب وهذا هو مقتضي كلام ابن بشير، والأخرى تحكي الاتفاق على عدم الإجزاء في غير القريب والخلاف في القريب، ونقلها ابن عرفة وغيره عن اللخمي، خلاف ما نقل عنه التوضيح والتتائي، وحكى في التوضيح في الاستنابة بالعادة طريقين أخريين، إحداهما أن الخلاف في القريب وغيره وهي للخمي، والأخرى أنه لا خلاف في المسألة لا في القريب ولا غيره، وأن مناط الحكم القيام بجميع الأمور، فمن كان قائما بجميع الأمور أجزأ ذبحه قريبا كان أو غيره، ومن لا فلا، وهي للباجي،
стр. 3138
وأما الأجنبي الذي لم يكن من عادته القيام بأمور المالك فلا تجزئ الضحية التي ذبحها عن ربها بلا تردد، ويكون المالك بالخيار بين أن يضمنه قيمتها، وبين أن يأخذها وما نقصها، ويصنع بقيمتها ما شاء.
فتحصل من كلام المص أن الذابح للضحية عن ربها بغير إذنه إن اجتمع فيه وصفان بأن كان قريبا أو نحوه وعادته القيام بأمور المالك فإنها تجزئ عن ربها بلا تردد، وأنه إن كان أجنبيا وعادته القيام بأموره أو قريبا ولا عادة له ففي الإجزاء تردد وأنه إن كان الذابح لها أجنبيا ولا عادة له فإنها لا تجزئ بلا تردد. والله سبحانه أعلم. وقولي: في القريب الذي عادته القيام بأمور المالك إنها تجزئ بلا تردد، إنما هو على ما للمص؛ إذ لا يصح أن يكون قد أشار بالتردد إلى جميع الطرق الأربع لجزمه بالإجزاء في القريب الذي عادته القيام بأمور المالك، فلو أراد الإشارة إلى الجميع لحكى التردد في الاستنابة بالعادة مطلقا. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "وإلا فتردد"، قال الشيخ إبراهيم: وعلى القول بعدم الصحة يخير ربها بين أخذها وما نقصها، وتركها وأخذ قيمتها.
لا إن غلط؛ يعني أنه لو ذبح شخص أضحية آخر معتقدا أنها له ونوى أنه مضح بها عن نفسه، فإن الحكم فيها ليس كالحكم فيما إذا ذبح بالاستنابة، فإن الحكم في هذه أعني فيما إذا غلط وذبح عن نفسه أنها لا تجزئ عن واحد منهما، لا عن مالكها لعدم نيته ولم يحكوا في ذلك خلافا، ولا عن الذابح الذي اعتقد أنها له لعدم ملكها قبل الذبح، ولربها تضمينه القيمة أو أخذها مذبوحة، ويتصرف فيها أو في قيمتها كيف شاء. وقوله: "فلا تجزئ عن واحد منهما"، هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم كما قاله الشيخ إبراهيم وغيره، وقيل: تجزئ الذابح إذا أخذ المالك القيمة، بخلاف ما لو أخذ لحمها وهو لأشهب، وقيد به ابن المواز قول ابن القاسم، وقوله: "فلا تجزئ عن واحد منهما"، فإذا أخذ المالك القيمة فقال ابن القاسم في سماع يحيى: ليس للذابح في اللحم إلا الصدقة أو الأكل لأنه ذبحها على وجه الضحية. انتهى.
ولو غصب شخص شاة -مثلا- وضحى بها عن نفسه وأخذ ربها القيمة وفي معنى ذلك ما لو ذبح أضحية غيره عن نفسه تعديا كما قاله الشيخ بناني، فهل تجزئه كما نقله ابن محرز عن ابن
стр. 3139
حبيب عن أصبغ أم لا؟ قولان. عبد الحق: والإجزاء أبين، وقال الحطاب والشيخ عبد الباقي: إن من تعدى على أضحية رجل وذبحها عن نفسه أنها تجزئ الذابح ويضمن لربها القيمة، فظاهر كلامهما تباين المسألتين لذكرهما لكل واحدة بانفرادها على وجه يؤذن بتخالف الحكم فيهما. والله أعلم. وأما لو اشترى شاة -مثلا- واستحقت وأجاز ربها البيع فإنها تجزئ قطعا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "لا إن غلط" لخ؛ أي بخلاف الهدي لأنه يتعين بالإشعار والتقليد وهذه لا تتعين إلا بالذبح، وانظر لو عينها بالنذر والظاهر أنه إذا ذبحها غيره غلطا تجزئه مضمونا أو معينا وإن تعمد ذبحها عن نفسه، فإن كان معينا سقط، وإن كان مضمونا بقي في الذمة. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله "فلا تجزئ عن واحد منهما":
وحاصل المسألة أن الأضحية إذا ذبحها غير ربها فإما بوكالة أو لا، الأول هو محل التفصيل في قوله: "أو بعادة كقريب" لخ، والثاني وهو أن ينوي عن نفسه، فإما غلطا وهو قوله: "لا إن غلط"، وإما عمدا، وهو ما نقله عبد الباقي عن ابن محرز. انتهى؛ يعني الخلاف الذي قدمته عن أصبغ وغيره.
ومنع البيع؛ يعني أنه يمنع بيع كل شيء من الأضحية من لحم أو جلد أو شعر أو غيره. قاله في المدونة. وقاله الأئمة؛ لأنها صارت قربة لله تعالى، والقرب لا تقبل المعاوضة، والأصل في ذلك ما خرجه الصحيحان وأبو داوود والنسائي وابن ماجة عن علي ﵁، قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على [بدنه (١)] وأن أتصدق بلحمها وجلدها و [أجلَّتها (٢)]، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من عندنا (٣)). قاله الش. وقال الشيخ إبراهيم: ومنع البيع من الأضحية والعقيقة والنسك لجلد أو شعر أو لحم أو ودك أو عصب أو غيره ولو بماعون لأنها قربة فلا تقبل العوضية، وإنما أكل منها بالسنة، وقوله: "ومنع البيع"؛ يعني كلا أو بعضا
стр. 3140
بعد الإيجاب، وأما قبله فجائز كلا أو بعضا. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ومنع البيع للأضحية إذا ذبحت من لحم أو جلد أو شعر أو غيره كخرزة بقرة، ولذا لم يقل بيعها ليلا يتوهم أن المنع لجملتها فقط، وكودك ولو بماعون، ولا يعطى الجزار منها في مقابلة جزارته أو بعضها. انتهى. وقوله: كخرزة بقرة، قال الشيخ محمد بن الحسن: نقل ابن ناجي منع بيعها عن فتوى الغبريني والبرزلي، قال الشيخ ميارة: والخرزة هي التي تسمى بالورس، توجد في مرارة البقرة على شكل أصفر البيض يباع بثمن غال، قيل إنه يسمن عليه النساء. انتهى.
وإن ذبح قبل الإمام؛ يعني أنه لا فرق في منع بيع الأضحية إذا ذبحت بين أن تكون مجزئة وبين أن لا تكون مجزئة، كمن ذبح يوم التروية يظنه يوم النحر أو ذبح يوم النحر لكن ذبح قبل ذبح الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. فلا يباح له بيع شيء منها، هكذا نص عليه القابسي، فقال: لا يجوز بيعها وإن كانت لا تجزئ، لقوله ﵊ لأبي بردة في العناق: (هي خير [نسكيك (١)] (٢))، فسمى ما أجزأه وما لم يجزه نسكا، ونص بعض الأشياخ على الجواز، فقال: وإنما أطلق على ما لم يجزه نسكا باعتبار قصد الذابح، ويدل عليه قوله ﵊، (ومن ذبح قبل الإمام فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء (٣)). قاله الش. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وإن ذبح قبل الإمام": أي في يوم النحر، وأما لو ذبح قبله قبل يوم النحر في اليوم الثامن أو التاسع فله أن يصنع بها ما شاء. انتهى. وهو يتمشى على ما قدمته عن الش عن بعض الأشياخ إلا أنه عمم وهذا خصص، وما للشبراخيتي نحوه للأمير تبعا لابن رشد. والله سبحانه أعلم.
أو تعيبت حالة الذبح؛ يعني أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية، وإن تعيبت حالة الذبح، بأن أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها، أو أصابت السكين عينها ففقأتها وذبحها فهي وإن لم تجز لا يباح بيع شيء منها، وقوله: "أو تعيبت حالة الذبح"؛ أي عيبا يمنع الإجزاء، وأما عيب لا يمنع الإجزاء فلا إشكال في المنع. وقوله: "حالة الذبح"؛ أي قبل فري أوداجها
стр. 3141
وحلقومها. قاله الخرشي والشبراخيتي. أو قبله؛ يعني أنه لا فرق في منع بيع الضحية المعيبة إذا ذبحت بين أن تتعيب حالة الذبح كما قدمه وبين أن تتعيب قبل الذبح، فيمنع بيعها إن ذبحها عالما بالعيب، وبالحكم ناويا القربة بأن ذبحها على وجه الضحية، فإن لم يذبحها فإنه يصنع بها ما شاء كما يأتي في قوله: "ولا تجزئ إن تعيبت قبله وصنع بها ما شاء"، فلا معارضة خلافا للمواق.
أو ذبح معيبا جهلا؛ يعني أنه يمنع بيع الأضحية التي ذبحها ربها معيبة جاهلا بعيبها أي بكونها معيبة، أو جاهلا بأن العيب يمنع الإجزاء، بأن اعتقد أنه لا يمنع الإجزاء، فقوله: "جهلا"، يشمل الجهل بالحكم والجهل بالعيب، كذبحه معتقدا أنه سليم فتبين أنه معيب.
وبما قررت علم أن قوله: "أو قبله"، فيما إذا ذبحها عالما بالعيب والحكم، وقوله: "أو ذبح معيبا جهلا"، فيما إذا ذبح العيب جاهلا بالعيب أو بالحكم أو بهما فلا تكرار. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "أو ذبح معيبا جهلا"؛ أي فيمنع بيع كل شيء منها، وكذا يقال فيما قبله كما مر.
والإجارة؛ يعني أنه تمنع إجارة جلد الأضحية بعد ذبحها، وكذا غير الجلد منها كما يمنع بيع لحمها وغيره منها وهذا هو الصحيح، وأجاز سحنون مؤاجرة جلدها وكذا جلد الميتة. التونسي: وفيه نظر لأن بيع جلدهما لا يجوز واستيجارهما انتهاك لأعيانهما، فيؤدي ذلك إلى بيع أعيانهما شيئا فشيئا. وقيد ابن أبي زيد قوله في جلد الميتة بما إذا دبغ. قاله الش. وقال الشيخ عبد الباقي: والذي لسحنون واقتصر عليه ابن عرفة والصقلي جواز إجارة جلدها بعد ذبحها، كما تجوز إجارة كلب الصيد. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وأما إجارة الأضحية قبل ذبحها فلا تمنع، فلا يصح حمل كلام المص عليها، وإن الذي مشى عليه المص من المنع هو المذهب عند ابن شاس كما في المواق، وجعل قول سحنون مقابلا. انتهى.
وفي الحطاب: قال ابن عرفة: وفي سماع ابن القاسم لا بأس بإعطاء الظئر النصرانية تطلب فروة أضحية ابنها فروتها. انتهى. وهو يدل على إعطاء القابلة والفران والكواش بالواو ونحوهم، ومنعه بعض الشيوخ، والفران هو الخباز، والكواش هو صبي بين يدي الفران. انظر الحطاب.
стр. 3142
والخرشي. وفي الخرشي والشبراخيتي أن إجارة الأضحية في حياتها غير ممنوعة، غايته أن إجارتها قبل الذبح تكره كشرب لبنها. انتهى.
والبدل؛ يعني أنه لا يجوز إبدال الشيء من الأضحية بعد ذبحها بشيء آخر كجلدها بجلد آخر لأنه شبيه بالبيع، ومنع مالك الحذاء أن يدهن شراك النعل بدهن الأضحية؛ لأنها بالدهن تحسن فيكون له حصة من الثمن، وما مر من كراهة إبدالها بدون فيما قبل الذبح. وقوله: "والبدل"، عطف على البيع، وهذا يقتضي المغايرة، فالبدل شبيه بالبيع والهدايا كالضحايا. إلا المتصدق عليه؛ يعني أن محل منع ما ذكر في الضحية من البيع والإجارة والبدل إنما هو لرب الأضحية، وأما من وهبت له الضحية أو شيء منها أو تصدق عليه بذلك أو أهدي له فله البيع لما ملك منها من لحم أو غيره، وكذلك له الإجارة والبدل. ولو قال المص: إلا لمعطى، لكان أحسن. قاله الشيخ محمد بن الحسن. قال: وقول الزرقاني عن التتائي: وانظر المهدى إليه هل كالمتصدق؟ لخ قصور، ولا فرق بين الهبة والصدقة كما في التوضيح والحطاب، والهدية هي الهبة لغير الثواب، وقد عبر ابن عرفة بالعطية الشاملة للهدية، وما ذكره المص من الجواز هو قول أصبغ، وشهره ابن غلاب، وقال اللخمي: هو أحسن، ومقابله المنع لمالك، وشهره في التوضيح. انتهى. ونقل الش عن ابن المواز: ولا يتصدق بلحمها على من يعلم أنه يبيعه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "إلا المتصدق عليه": أو موهوب له فيجوز جميع ما تقدم منعه وكراهته على ربها، ولو علم المتصدق أن المتصدق عليه يبيعه خلافا لابن المواز، ولو قال: إلا المعطى، لكان أشمل. انتهى.
وفسخت؛ يعني أن العقدة المشتملة على ما ذكر من بيع أو إجارة أو بدل تفسخ إذا اطلع عليها حيث عثر على ذلك قبل الفوات ورد الثمن في البيع والبدل في البدل، وانظر هل من مفوتات البيع دبغ الجلد وطبخ اللحم مطلقا أو بأبزار؟ والظاهر أن ذلك من المفوتات، وربما يستفاد ذلك من قوله في البيع "بتغير ذات غير مثلي"، وما ذكره من أن تغير السوق مفوت له يفيد أن الدبغ والطبخ مثله أو أشد. قاله الشيخ إبراهيم.
وتصدق بالعوض في الفوت؛ يعني أنه لو فات المعوض عنه وهو المبيع أو المبدل منه المضحى بهما، فإنه يتصدق بعوضهما إن كان عوضهما قائما، فإن فات عوضهما تصدق بعوضه من قيمة أو
стр. 3143
مثل بالشرط الآتي: ويستفاد من جعلهم تغيير السوق فوتا أن الدبغ والطبخ للحم ولو من غير أبزار فوت، إن لم يتول غير بلا إذن وصرف فيما لا يلزم، الواو في قوله: "وصرف" بمعنى: مع، وصرف مصدر معطوف على مدخول الباء، وليس مدخولا للنفي، أو فعل ماض مبني للمفعول. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "إن لم يتول"، شرط في قوله: "وتصدق بالعوض في الفوت"، ومعنى كلام المص أن المضحي يلزمه التصدق بثمن الضحية إذا فاتت الضحية المبيعة إن كان الثمن باقيا: فإن فات الثمن فإنه يلزمه التصدق بعوضه من قيمة أو مثل، فيما إذا تولى المضحي صرفه بنفسه، أو تولاه غيره بإذنه صرفه فيما يلزمه أم لا، أو بغير إذنه وصرفه فيما يلزمه، فهذه أربع صور يلزم المضحي فيها التصدق بعوض عوض الضحية، وهذه الصور الأربع هي منطوق المص، ومفهومه صورة واحدة وهي ما إذا تولى الغير صرف الثمن بغير إذن المالك، وصرفه فيما لا يلزم المالك فلا يلزم المضحي أن يتصدق بعوض الثمن الفائت. فقوله: "إن لم يتول غير"؛ أي يلزم المضحي التصدق في غير هذه الصورة، وهي ما إذا تولى ذلك الغير صرف الثمن بغير إذن الضحي مع أنه لم يصرفه فيما يلزمه، فهذه الصورة لا يلزم المضحي إخراج عوض الثمن من عنده،
ابن عبد السلام: وينبغي إذا سقط عن المضحي أن لا يسقط عن الأهل الذين تولوا البيع، وفي غير هذه الصورة يلزم المضحي إخراج عوض الثمن من عنده وهي الصور الأربع المتقدمة، وجعلي لها أربعا لا ينافي ما ذكروه من أنها ثلاثة وهي: أن يتولى المالك صرفه، أو تولاه الغير بإذنه، يلزم التصدق فيهما بلا تفصيل، فإن تولاه بغير إذنه فكذلك إن صرفه فيما يلزمه، وإلا لم يلزمه كما لا يخفى على من له أدنى تأمل.
وعبارة الشبراخيتي: والحاصل أنه إذا كان التولي هو المالك تصدق ببدله بلا تفصيل، وكذا إن كان المتولي غيرد بإذنه مطلقا أو بلا إذنه مع صرفه فيما يلزمه، وإن تولى بلا إذنه وصرفه فيما لا يلزم المالك فلا يلزم المالك أن يتصدق ببدله. انتهى.
وقد علمت مما مر أن قوله: "إن لم يتول"، شرط في وجوب التصدق حيث فات عوض المعوض عنه، وقوله: "في الفوت"، جعله الشيخ إبراهيم والشيخ عبد الباقي في فوت العوض ليلائم
стр. 3144
الشرط، وقال الشيخ بناني: إنه غير صواب، بل المراد فوت المعوض عنه وهو المبيع أو المبدل منه. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر شموله لفوت العوض والعوض عنه، ويكون الشرط راجعا للأول. والله سبحانه أعلم. وشبه بمنطوق المسألة قوله: كأرش عيب لا يمنع الإجزاء؛ يعني أنه لو اشترى أضحية فلما ذبحها أو نحرها اطلع على عيب بها لا يمنع الإجزاء، فإنه يرجع على بائعها بالأرش أي بما يقابل عيبها من الثمن، فإن أخذه منه فإنه يجب عليه أن يتصدق بذلك الأرش الذي قبضه من البائع، وقيل حكمه حكم لحمها وهو الذي في ابن الحاجب تبعا لابن بشير، لكنه خلاف مذهب ابن القاسم الذي سيأتي أنه المعتمد. وفي القاموس: والأرش الدية وما نقص العيب من الثوب لأنه سبب للأرش. انتهى. والعيب الذي لا يمنع الإجزاء ككونها خرقاء أو شرقاء ونحو ذلك مما لا يمنع الإجزاء، ومحل كلام المص إن لم يوجبها، فإن أوجبها فحكمه حكم لحمها، وأما أرش العيب الذي يمنع الإجزاء فإنه يصنع به ما شاء. وفي شرح الشيخ عبد الباقي والخرشي أنه يندب التصدق به، وقال الشيخ بناني: لم أقف على من ذكره؛ يعني ندب التصدق بأرش العيب الذي يمنع الإجزاء. وقوله: "لا يمنع الإجزاء" بإثبات لا هي نسخة ابن غازي، قال الإمام الحطاب: والذي في غالب النسخ، وشرح عليه بهرام والبساطي بإسقاط "لا". انتهى. فعلى الأولى يكون تشبيها بالمنطوق كما علمت، وعلى الثانية يكون تشبيها بمفهوم إن لم يتول؛ لأن المنقول عن ابن القاسم، وهو المعتمد أن الأرش إن منع عيبه الإجزاء صنع به ما شاء وإلا تصدق به، وأما الشاة فإن لم يمنع العيب الإجزاء فواضح، وإن منع الإجزاء فالمذهب عدم جواز بيعها كما في التوضيح وقد تقدم، "أو تعيبت حالة الذبح أو قبله". انتهى. وإن كان العيب يمنع الإجزاء، فإن كانت أيام النحر باقية فعليه بدلها بتمامها، فإن فاتت فهو بمنزلة من لم يضح.
وإنما تجب بالنذر؛ يعني أن الضحية إنما تجب بأحد أمرين: أحدهما النذر، ونقل المواق أن المشهور عدم وجوبها بالنذر، وأنها إنما تجب بالذكاة فقط كذا قال الشيخ عبد الباقي. قوله: ونقل المواق أن المشهور عدم وجوبها بالنذر لخ صحيح، ونحوه قول المقدمات: لا تجب الأضحية
стр. 3145
إلا بالذبح وهو المشهور في المذهب. انتهى. لكن هذا باعتبار الوجوب الذي يلغى طرو العيب بعده كما ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، فإذا نذرها ثم أصابها عيب قبل الذبح فإنها لا تجزئ؛ لأن تعيين المكلف والتزامه لا يرفع ما طلب منه الشارع فعله يوم الأضحى من ذبح شاة سليمة من العيوب، وليس المراد عدم وجوب الضحية بالنذر مطلقا، بل نذرها يوجب ذبحها، ويمنع بيعها وبدلها، فكان على المؤلف إسقاط النذر، ويقتصر على وجوبها بالذبح كما فعل غيره؛ لأن كلامه في الوجوب المانع طرو العيب. وقد علمت ما في النذر، وكأنه غره ما في التوضيح عن الذخيرة: المشهور تجب بالنذر والذبح، مع أن كلام الذخيرة يحمل على الوجوب الذي يمنع البيع لا طرو العيب.
واعلم أن كلام التوضيح وتبعه التتائي يقتضي أن لفظ أوجبتها ليس بنذر، وفيه نظر، بل هو نذر كما يفيده كلام ابن عبد السلام، (١) ولأن النذر ليست له صورة محصورة. وبما تقدم علم أن قول الحطاب: فلو نذرها ثم تعيبت قبل الذبح لم أر فيه نصا قصور، وقوله: الذي يظهر أنها تجزئ غير ظاهر، وكأنه -والله أعلم- فهم أن قوله: أو جبتها ليس بنذر، فلذا قال ما قال، وقد علمت ما فيه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
الثاني: الذبح، وإليه أشار بقوله: والذبح، الواو بمعنى: أو؛ يعني أن الضحية إنما تجب بالنذر أو الذبح، ومعنى وجوبها بالذبح وجوب أحكامها بالذبح، فيحرم بيعها وإجارتها وإبدالها، وقد مر ما في وجوبها بالنذر وأنها لا تجب به بالنسبة لطرو العيب، وأنها إنما تجب بالذبح فقط، فلا تجزئ إن تعيبت قبله؛ يعني أنها لما كانت لا تجب إلا بالنذر أو الذبح لا تجزئ من ضحى وهي معيبة قبله أي الذبح أو النذر، أما الذبح فواضح أنها لا تجزئ إن تعيبت قبله، وأنها تجزئ إن تعيبت بعده، وأما النذر فمقتضى كلامه أنها إن تعيبت بعده وقبل الذبح أجزأت وفيه نظر، وقد مر أنها لا تجزئ إن تعيبت بعد النذر وقبل الذبح بما فيه كفاية. فراجعه إن شئت.
стр. 3146
وصنع بها ما شاء يعني أنها إن تعيبت قبل الذبح فإنها لا تجزئ ضحية، وحينئذ فإنه يباح له أن يصنع بها ما شاء من بيع وغيره حيث لم يذبحها على أنها ضحية، فإن ذبحها على أنها ضحية فهو قوله: "أو تعيبت حالة الذبح أو قبله"، فهذا مفهوم ما تقدم إذ ما هنا لم يذبحها ضحية وما مر ذبحها ضحية. والله سبحانه أعلم. وظاهر قوله: "وصنع بها ما شاء"، ولو كانت منذورة. قاله الشيخ عبد الباقي. وانظره مع ما يأتي عند قوله: كحبسها حتى فات الوقت؛ يعني أن من حبس أضحيته حتى انقضت أيام النحر يصنع بتلك الأضحية ما شاء من بيع وغيره، وكذا من ضلت أضحيتة ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء، وليس لأحد أن يضحي بعد أيام النحر، ولو وجدها في أيام النحر فليذبحها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فليصنع بها ما شاء، ومحل كلام المص هنا في غير المنذورة، وأما المنذورة فيلزمه ذبحها كما نقله ابن عرفة عن الجلاب، ولا يصنع بها ربها ما شاء، ويفيده ما تقدم من أن النذر يمنع البيع والبدل.
وبما تقدم عن الجلاب يسقط تنظير بعض الشراح حيث يقول: وانظر لو أوجبها بالنذر فضلت حتى ذهبت أيام النحر ثم لقيها ماذا يفعل بها؟ انتهى.
إلا أن هذا آثم؛ يعني أن هذا الذي حبس الأضحية وأخر ذبحها إلى أن انقضت أيام النحر آثم. قاله ابن القاسم في المدونة وتعقب بأن الإثم من خصائص الوجوب، وأجيب عنه بثلاثة أوجه: أولها أن التأثيم أو الاستغفار في كلامهم ليس خاصا بالوجوب بل يطلقون التأثيم كثيرا على ترك السنن ويقولون في تارك بعضها: يستغفر الله كما قاله في المدونة في تارك الإقامة، ثانيها وهو الذي ذكره المص أنه محمول على أنه كان أوجبها، ثالثها أن تركه للأضحية دليل على أنه ارتكب ذنبا يأثم فيه حتى فوته الله بسببه هذا الثواب؛ لأن الله يحرم الإنسان القربة بذنب أصابه.
ولما قدم منع المعاوضة في الأضحية ذكر جواز قسمها، فقال: وللوارث القسم؛ يعني أنه يجوز للورثة قسم الضحية بالقرعة حيث مات الوروث ولم يوجبها لكنهم أنفذوها بأن ذبحوها عنه حيث عينها قبل موته، وقد علمت أنهم يندب لهم إنفاذها، فإذا أنفذوها فإنه يجوز لهم قسمها
стр. 3147
بالقرعة لا بالتراضي؛ لأنه بيع، وكذا لو مات قبل الذبح وبعد أن أوجبها لوجوب ذبحها، وأما إن مات قبل الذبح وقبل أن يوجبها ولم يفعل الورثة المستحب لهم فهي مال من أموالهم.
ولو ذبحت، أي يجوز لهم القسم ولو مات الموروث بعد أن ذبحت أضحيته، وقد علمت أن الذي للورثة هنا هو قسم القرعة، وهل هو على الرءوس؟ وعلى هذا يكون حظ الأنثى من زوجة وغيرها كحظ الذكر إذا تساويا في الأكل فالقسمة على الرءوس على قدر ما يأكلون، أو هو على المواريث فللذكر مثل حظ الأنثيين، وتعطى الزوجة منها ما ينوبها من ربع أو ثمن؟ قال الإمام الحطاب: والظاهر أن المص مشى على أنهم يقسمونها على الرءوس؛ لأنه قول ابن القاسم، وقال التونسي إنه أشبه القولين. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر المص القسم على الإرث وهو سماع عيسى وصوبه اللخمي. انتهى. قوله: وظاهر المص القسم على الإرث لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: أي لأن ذلك هو الظاهر من قسم الورثة إذا أطلق، وقوله: "وللوارث القسم"، ولو ذبحت، خلافا لمن قال: يأكلها أهل بيته على نحو أكلهم في حياته وإن لم يكونوا ورثة.
وما قررت به المص من أن معنى قوله: "ولو ذبحت"؛ مات الموروث بعد أن ذبحت هو الذي يظهر من تقرير الحطاب وقال عبد الباقي عند قوله ولو ذبحت أي ذبحها الوارث أو موروثه المضحي بها قبل موته. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعلم أن في المسألة ثلاثة أقوال ذكرها ابن رشد ولخصها ابن عرفة، فقال: ابن رشد: في أكلها أهل بيته على نحو أكلهم في حياته وإن لم يكونوا ورثة وقسمتها ورثته على الميراث، ثالثها يقسمونها على قدر ما يأكلونه لسماع ابن القاسم وسماع عيسى وظاهر الواضحة، وللرماصي هنا كلام وهم فيه الحطاب ووهمه بناني في توهيمه للحطاب. وقال الشيخ الأمير: وللوارث القسم على الراجح ولو ذبحت بالقرعة حينئذ. انتهى.
لا بيع بعده في دين؛ يعني أن الميت إذا مات عن أضحيته بعد أن ذبحت وعليه دين فإن الورثة يقسمونها، وليس للغرماء بيعها في دينهم الذي على الميت، وأما لو مات قبل أن تذبح فإنها تباع
стр. 3148
في الدين سواء أوجبها أم لا، وإذا ذبحت وقام عليه الغرماء فليس لصاحبها أن يأخذها، لقوله في الفلس: أو ذبح كبشه.
ولما أنهى الكلام على الضحية أتبعه بالكلام على العقيقة لإحالتها على الضحية، فقال: وندب ذبح واحدة؛ يعني أنه يندب للأب من ماله أن يعق عن ولده أي يذبح أو ينحر عنه واحدة من النعم كان الولد ذكرا أو أنثى، وقوله: "واحدة"؛ أي كاملة فلا يجزئ بعض واحدة، وهذه الذبيحة تسمى عقيقة من العق وهو القطع، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وقال أبو عبيد: العقيقة الشعر الذي يكون على رأس المولود: كأن بقاءه عقوق في حق الجنين، وكذا جاء في الحديث: (أميطوا عنه الأذى (١))، فسميت عقيقة لأنها تذبح عند حلقه، وهذا من تسمية العرب صوف الجذع وشعر المولود من الناس والبهائم الذي يولد عقيقة وعقيقا وعقا بالكسر، ثم نقل من الشر إلى ما يذبح للولادة ولا تندب للأب من مال ولده، وقيل: إنها في مال الولد، فإن لم يكن له مال ففي مال الأب، ولا تندب لغير الأب كالأخ إلا الوصي فتندب له من مال اليتيم بما لا يجحف كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي.
وينبغي أيضا الرفع لمالكي إن كان حنفي لا يراها عن يتيم وإلَّا السيد فيندب إذنه لعبده أن يعق عن ولده، ولا يعق عنه بغير إذن سيده ولو مأذونا له في تجارة، قال كرام: ولا تلزم السيد عن رقيقه كالأضحية.
وظاهر المص تعلق الندب بالأب ولو كان لا مال له وللولد مال، ولعله حيث وجد من يسلفه ويرجو الوفاء وإلا لم يخاطب بها، ولو أيسر بعد مضي زمنها كما يظهر، وكذا الظاهر سقوطها بمضي زمنها ولو موسرا فيه، وقوله: "واحدة"، محله إن اتحد الولد، فإن تعدد كتوأمين أو أكثر أو غير ذلك كتعدده من نساء تعددت العقيقة، فلا يجزئ أن يجمع اثنين في شاة مثلا، بل يعق عن كل مولود بواحدة ذكرا أو أنثى واحدا كان أو أكثر، وقوله: "واحدة"، هذا هو المشهور لخبر أبي داوود عن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن كبشا وعن الحسين
стр. 3149
كبشا (١))، قال: وهو صحيح، ولخبر الترمذي عن علي: (عق ﷺ عن الحسن بكبش (٢))، ونحوه في البخاري، وقياسا على الأضحية لتساوي الذكر والأنثى فيها، وقال الشافعي وأحمد: هي عن الغلام بشاتين.
ابن رشد: من عمل به فما أخطأ، ولقد أصاب لخبر الترمذي وصححه: أمر ﷺ أن يعق عن الغلام بشاتين متكافئتين وعن الجارية بشاة، وجوابه أن خبر الترمذي السابق عن علي عن فعله ﵊ تأيد برواية البخاري، فقدم على خبره الذي فيه أمر.
واعلم أن نفع العقيقة عائد على الأب لكون الولد يشفع له بسببها، فلهذا كان مخاطبا بها ولو كان الولد موسرا، بخلاف أجرة الرضاع في الصوم فإنها في مال الولد الموسر؛ لأن الولد الموسر ولو رضيعا لا تجب نفقته على أبيه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وندب ذبح" لخ، ما ذكره من أن حكم العقيقة الندب هو المشهور، ولم يحك ابن الحاجب غيره، وحكى في المقدمات سنيتها عن ابن حبيب، وحكاه بعض الأندلسيين عن مالك، ووقع لمالك في العتبية أن من ليس عنده يوم النحر إلا شاة فإنه يعق بها ولا يضحي، فظاهره أن العقيقة آكد، وتأوله في البيان على ما إذا كان يرجو وجود أضحية قبل مضي أيام النحر وإلا فليضح بها، قال: لأن الأضحية آكد عند مالك وجميع أصحابه؛ لأنه قيل إنها سنة واجبة، وقيل مستحبة، ولو كان ذلك في آخر أيام النحر لكانت الضحية أولى. قاله الخرشي.
فائدة (٣): روى الإمام أحمد بسند جيد أنه ﷺ قال: كل غلام مرهون بعقيقته، قال الإمام أحمد: إن الولد محبوس عن أن يشفع لوالديه ما لم يؤديا عنه العقيقة، وقال بعضهم: هو محبوس عن الخيرات ما لم يودوا عنه العقيقة. قاله صاحب المحيط. وقال في شرح المصابيح: معناه كل غلام محبوسة سلامته من الآفات بعقيقته. قاله العدوي في حاشيته على كفاية الطالب.
стр. 3150
تجزئ ضحية؛ يعني أنه يشترط في العقيقة أن تكون مما يجزئ في الضحية بأن تكون من النعم الذي توفرت فيه شروط الضحية المشار إليها، بقوله: "بجذع ضأن وثني معز وبقر وإبل" إلى آخر ما مر، فهي مثلها إجزاء وإكمالا كما في الخرشي، فإنه قال: تجزئ ضحية من صنف على المشهور غنم وبقر وإبل، فغلب الذبح على النحر، وسن من جذع وثني وصفة وجوب واستحباب. وجملة قوله: "تجزئ ضحية"، صفة لواحدة، ومعنى تجزئ: تكفي، فهو فعل لازم، وضحية منصوب على نزع الخافض؛ أي تكفي في الضحية، ويحتمل أن تكون ضحية حالا من فاعل تجزئ العائد على واحدة، وضحية مصدر وكل من النصب على نزع الخافض، ومجيء المصدر حالا موقوف على السماع. انتهى.
ولو قال المص: وندب ذبح واحدة كالضحية، لدخل فيه استحباب سلامتها من العيوب التي لا تمنع الإجزاء وكان أخصر، وكلام المؤلف قاصر على العيوب التي تمنع الإجزاء. قاله الخرشي. وقوله: "تجزئ ضحية"، هو المشهور، وقال ابن شعبان: لا تكون إلا من الغنم لأنه الوارد في الأحاديث. وأجيب بحملها على التخفيف لأمته.
وعلق بندب قوله: في سابع الولادة؛ يعني أن ذبح العقيقة إنما يندب في يوم سابع الولادة، فلا تندب قبله اتفاقا، ولا تندب بعده في سابع ثان أو ثالث كما قيل بكل، وأما الرابع فقال فيه الإمام الحطاب، لم أقف على قول في المذهب أنه يعق فيما بعد السابع الثالث، ومحل ندبها في سابع الولادة ما لم يمت المولود قبله أو فيه، وإلا لم يعق عنه على المشهور، وأهل العراق يعقون عن الكبير. وقول الجزولي: وقيل يعق وإن كان كبيرا الظاهر أن مراده خارج المذهب، فإنه كثيرا ما ينقل الأقوال الخارجة عن المذهب ولا يعزوها. انتهى. ولا تندرج العقيقة في ضحية، بخلاف وليمة نكاح فتندرج في ضحية عند القصد؛ لأنها لم يندب فيها ذبح، وإنما هي طعام عرس، بخلاف العقيقة فيشترط فيها ما يشترط في الضحية، فضعف جانب الضحية عن اندراج العقيقة فيها. قاله عبد الباقي. وفي الحطاب: فإذا ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة فإنها لا تجزئ بخلاف ما لو أطعمها وليمة.
стр. 3151
ولما أطلق المؤلف اليوم القدر في قوله: "سابع الولادة"، على مجموع الليل والنهار احتاج إلى قوله: نهارا؛ يعني أنه يشترط في العقيقة أن تذكى نهارا أي من طلوع الفجر للغروب، وكونه بعد الشمس مستحب، وذكر في الشامل أنها إذا ذبحت قبل الشمس لا تجزئ على المشهور لكنه متعقب. قاله الشيخ علي الأجهوري. ونحو ما للشامل للفيشي على العزية، والظاهر أن المستحب يحصل بمجرد طلوع الشمس، وإن لم تحل النافلة. قاله الشيخ عبد الباقي. وذكر في المقدمات أن ذبحها على ثلاثة أقسام: مستحب وهو من ضحوة إلى الزوال، ومكروه وهو ما بعد الزوال للغروب وما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مع الإجزاء فيهما، وممنوع فلا تجزئ وهو أن تذبح بالليل.
وألغي يومها إن سبق بالفجر؛ يعني أن يوم الولادة يلغى أي لا يحسب من الأيام السبعة إن سبق المولود بالفجر بأن ولدته أمه بعد طلوع الفجر فتحسب سبعة أيام غيره، وإنما يحسب يوم الولادة من الأيام السبعة إن ولدته أمه بالليل بأن ولدته قبل طلوع الفجر أو مع الفجر بأن تقارنا.
والتصدق بزنة شعره؛ يعني أنه يندب في سابع الولادة حلق رأس المولود والتصدق بزنة شعر رأسه الذي حلق ذهبا أو فضة عق عنه أم لا، ويفعل ذلك في سابع الولادة قبل العقيقة فيمن يعق عنه، وانظر لو أرادوا أن يتحروا وزن شعر رأسه من غير حلق، هل يندب لهم التصدق به أم لا؟ وهو ظاهر ما لهم هنا، وندب أن يسبق إلى جوف المولود حلاوة كما فعل ﵊ بعبد الله بن أبي طلحة، فإنه حنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه، والذكر والأنثى في حلق شعره والتصدق بزنته سواء، وفي الحديث (أنه ﷺ لما عق عن الحسن بشاة، قال: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة (١))، قال علي ﵁: فوزناه فكان درهما أو بعض درهم.
وجاز كسر عظامها؛ يعني أنه يجوز كسر عظام العقيقة وليس بمسنون ولا مستحب، وقيل: يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية، فقد كانوا لا يكسرون لها عظما مخافة ما يصيب الولد بزعمهم، فجاء الإسلام بنقيض ذلك. الفاكهاني: ويجب ترك شعار الجاهلية إذ لا فائدة فيه إلا اتباع
стр. 3152
الباطل، ولا يلتفت لقول من قال: فائدته التفاؤل بسلامة الصبي؛ إذ لا أصل لذلك من كتاب ولا سنة ولا عمل. انتهى. قال عبد الباقي: قوله: ويجب؛ أي فيما يحرم علينا، فلا ينافي قول المص: "وجاز كسر عظامها".
وكره عملها وليمة؛ يعني أنه يكره أن تجعل العقيقة وليمة يدعى الناس إليها، بل يأكل منها أهل البيت والجيران والغني والفقير ويطعم الناس في مواضعهم، وتمنع المعاوضة في العقيقة، ومنع غير واحد إعطاء القابلة منها لأنها إجارة، وأشعر قوله: "عملها"، أن عمل طعام غيرها وليمة غير مكروه، واستحسن ابن حبيب أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام لما روي عن مالك: عققت عن ولدي فذبحت بالليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني ثم ذبحت شاة العقيقة فأهديت منها لجيراني فأكلوا وأكلنا، فمن وجد سعة فليفعل مثل ذلك، وسئل مالك: أيدخر لحم العقيقة؟ فقال: شأن الناس أكلها وما بذلك بأس، ولا حد فيما يأكل من العقيقة، بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وهو أفضل من الدعوة، وإن أكلوا العقيقة ولم يطعموا منها أحدا أجزأهم وقد فاتهم الأفضل. وقوله: "وكوه عملها وليمة"؛ أي لخوف الفخر فتفسد النية فيما هو طاعة لله تعلى. ونقل عن ابن حبيب إباحة عملها وليمة لأنه طعام سرور فأشبهت الولائم.
قال ابن عرفة: وفي سماع القرينين: من وافق يوم عقيقة ولده يوم الأضحى ولا يملك إلا شاة عق بها. ابن رشد: إن رجا الأضحية في تالييه وإلا فالأضحية لأنها آكد انتهى. وإذا ذبح للأضحية والعقيقة لا يجزئه. نقله الحطاب. واعلم أن حكم لحم العقيقة وجلدها كالأضحية، وسئل مالك عنها وعن الأضحية: أيطعم منهما كافر؟ فقال: أحب إلي أن لا يطعم أحدا منهم.
ولطخه بدمها؛ يعني أنه يكره أن يلطخ المولود بدم العقيقة، لما في البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى (١))، وقد فسر بعضهم إماطة الأذى عنه بترك ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تلطيخ رأسه بدمها، وبعض بالحلق والتصدق بزنته، وروي عن يزيد بن عبد الله عن أبيه أنه قال: كنا في الجاهلية إذا ولدنا الغلام
стр. 3153
ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولدناه ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بالزعفران، وإلى هذا أشار صاحب الرسالة بقوله: وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت الجاهلية تفعله فلا بأس بذلك.
وختانه يومها؛ يعني أنه يكره أن يختن المولود يوم العقيقة وهو سابع الولادة كما مر وأحرى يوم الولادة، والختان: قطع الجلدة التي فيها الحشفة. ابن يونس: كره مالك ذلك يوم الولادة ويوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود ولم يكن من عمل الناس، وكان لا يرى بأسا بأن يفعل لعلة يخاف على الصبي منها، قال مالك: وحد الختان من حين الأمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر، وقال في جامع الكافي: لا حد في وقته إلا أنه قبل الاحتلام، وإذا أثغر فحسن أن ينظر له في ذلك، ولا ينبغي أن يجاوز به عشر سنين إلا وهو مختون. انتهى. وروى اللخمي: يختن يوم يطيقه.
الباجي: اختار مالك وقت الإثغار، وقيل عنه من سبع إلى عشر، وكل ما عجل بعد الإثغار فهو أحب إلي. انتهى. قاله الحطاب. واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه، هل يختتن أم لا؟ واختلف إذا ولد مختونا، هل يمر عليه الموسى أم لا؟ وفي الأجهوري ما يفيد ترجيح أنه لا يمر عليه الموسى، وكذا في الشبراخيتي. والله أعلم.
واعلم أن ختان الذكور سنة لما في الصحيحين أنه ﷺ ، قال: (الفطرة خمسة (١): الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط (٢)). ابن حبيب: لا تجوز إمامة تاركه اختيارا ولا شهادته، الباجي: لأن المروءة تبطل بتركه، وأما خفاض الأنثى فمستحب وهو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا تنهك لخبر أم عطية: (اخفضي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج (٣))، قوله: أسرى للوجه أي أشرق للون الوجه، وقوله:
стр. 3154
أحظى لخ؛ أي ألذ عند الجماع لأن الجلدة تشتد مع الذكر مع كمالها فتقوى الشهوة لذلك، وإذا لم تكن كذلك فالأمر بالعكس.
وفي الشادلي أن هذا في نساء المشرق لا في نساء المغرب. انتهى. ومن ابتاع أمة فليخفضها إن أراد حبسها، فإن كانت لبيع فليس عليه ذلك. مالك: النساء يخفضن الجواري. قاله الإمام الحطاب. وهل يختتن الخنثى المشكل أم لا؟ وإذا قلنا يختتن، ففي أي الجهتين أو فيهما؟ الفاكهاني: لم أر لأصحابنا فيه نصا، واختلف فيه أصحاب الشافعي، فقيل: يجب اختتانه في فرجيه بعد البلوغ، والأظهر عندهم الوقف حتى يتبين.
ابن ناجي: لا يختتن لا علم من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي بعد نقله ما لابن ناجي: ولعل وجه الحظر أن الذكر يختنه الرجال والأنثى يخفضها النساء، والخنثى إن اطلع عليه رجل لزم رؤيته لفروج النساء، وإن اطلعت عليه أنثى لزم رؤيتها لذكر الرجل. انتهى. قوله عن ابن ناجي: لا يختتن لما علم لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا حظر فيه لجواز نظر كل إليه رضيعا. انتهى.
واعلم أن في الحديث أنه إذا التقى الختانان يجب الغسل، والختانان واحدهما ختان، وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه في حال الختان، وأما ختان المرأة فاعلم أن مدخل الذكر هو مخرج الحيض والولد والمني، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل إحليل الرجل هو مخرج البول وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل ورقة بين الشفرين والشفران محيطان بالجميع، وهذه الجلدة العليا التي هي مثل الورقة هي موضع ختان المرأة، فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، فالمحاذاة هي التقاء الختانين، وليس المراد به التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بذلك بإجماع الأمة. انظر كبير الخرشي.
стр. 3155
واعلم أن مقتضى القواعد وجوب التسمية كما في الحطاب، وهي حق للأب، ويندب تأخيرها ليوم سابعه إن أراد أن يعق عنه وإلا سمى في أي وقت أراد، ويجوز أن يختار له اسما قبل السابع، ثم يضعه عليه فيه قبل ذبح العقيقة أو بعدها أو معها، وقد ورد في الحديث الأمر بتسمية المولود يوم سابعه (١)، وفيه سعة لحديث: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم (٢))، وللحديث الذي فيه: (أتِيَ ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة فحنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه (٣))، ويحتمل حمل الأول على منع تأخير التسمية عن سابعه فتتفق الأخبار، وتكره تسمية السقط كما مر، وذكر ابن عرفة في تسميته -وفي كون من مات قبل السابع يسمى لأنه ولد ترجى شفاعته أم لا- قولان.
قال الشيخ العدوي في حاشيته على كفاية الطالب: الراجح القول بالتسمية كما يفيده الأجهوري، ومن أفضل الأسماء ذو العبودية، لخبر (أحب أسمائكم إلي عبد الله وعبد الرحمن (٤))، وقد سمى ﵊ بحسن وحسين، ويمنع بما قبح كحرب وحزن، وبما فيه تزكية كبرة، ومنعها مالك بالمهدي فقيل له: والهادي؟ فقال: هذا أقرب لأن الهادي هادي الطريق، وتحرم بمالك الأملاك، لحديث: (هو أخنع الأسماء عند الله (٥)) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة أي: أذل الأسماء؛ أي إذا وضع على مخلوق لأنه لا مالك الأملاك إلا الله، وغير ﷺ عزيزا وحكيما للتشبيه بأسماء الله تعالى، قال علي الأجهوري: وانظر هل يحرم أو يكره؟ ويدل له أنهم منعوا إطلاق بعض أسماء الله تعالى على غيره، كلفظ الله والرحمن ولم يمنعوا غير ذلك، وقد وقعت التسمية بعلي ولم ينكره أحد، وفي سماع أشهب: لا ينبغي تسمية بيسين. ابن رشد: للخلاف في كونه اسما لله أو للقرآن، أو هو بمعنى إنسان. ابن عرفة: ومقتضى هذا التحريم: وروى العتبي أن أهل مكة يتحدثون: ما من بيت فيه اسم محمد إلا رأوا خيرا أو رزقوا. وفي