← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لك أنه يمسح الشعر الذي على عظم الصدغ، فإن لم يكن على محل النبت شعر مسح على المحل، كما أن الصلع في الرأس كالشعر فيه. (بعظم صدغيه مع المسترخي) يعني أنه يجب على المتوضئ أن يمسح ما استرخى؛ أي تدلى من حد رأسه من الشعر إعطاء للفرع حكم الأصل، كما أن ما نبت في الحرم يحكم له بحكم الحرم، وإن طال وخرج عنه إلى الحِل، وهو مذهب المدونة، والعلوم من مذهب مالك وأصحابه في المدونة وغيرها. وقيل: لا يجب مسح ما استرخى عن حد الرأس، وعزاه ابن ناجي لأبي الفرج، وابن عرفة للأبهري، وابن رشد لظاهر ما في سماع موسى بن معاوية عن مالك، وَوَجَّهَه بأن شعر الرأس ليس برأس، وإذا قلنا لا يجب مسح المنسدل فهل يسن ذلك أم لا؟ والظاهر الاستحباب؟ لأن الخروج من الخلاف مطلوب: وعارض بعضهم مذهب المدونة بقوله في الضحايا: لا بأس بصيد طائر على غصن أصله في الحرم: فلم يحكم للفرع بحكم الأصل، ورده ابن ناجي بأن وِزَانَ ما طال من الشعر طرف الغصن لا الطائر. والله أعلم. (ولا ينقض ضفره رجل أو امرأة) يعني أنه لا يجب على المتوضئ رجلا كان أو امرأة أن ينقض ضفر شعره بالضاد المعجمة الساقطة، أي مضفوره ولو اشتد الضفر بنفسه، بل ولا يندب له ذلك، وفي الرماصي: أن الضفر هنا بالفتح، وأنه بالمعنى الصدري الذي هو نسج الشعر، ويجب نقض الضفر في الغسل خاصة إذا اشتدَّ بنفسه، والفرق بين الغسل والوضوء أن المسح مبني على التخفيف، ونقض الشعر في كل وضوء مشقة بخلاف الغسل لندوره، وعملا بخبر (فإن تحت كل شعرة جنابة (١))، ولا يضر الخيط والخيطان في غسل أو وضوء بخلاف ثلاثة فأكثر، قال الشيخ الأمير: ولبعض شيوخنا:

стр. 352

إن في ثلاث الخيط يضفر الشعر … فنقضه في كل حال قد ظهر وفي أقل إن يكن ذا شده … فالنقض في الطهرين صار عمده وإن خلا عن الخيوط أبطله … في الغسل إن شد وإلا أهمله والأولى التعبير بالعقص؛ لأن العقص لا ينقض فأولى الضفر، قال الشيخ إبراهيم عند قول المص ولف شعرها ولا يضفر: الضفر نسج الشعر وغيره عريضا، وعقصه ضفره وليه على الرأس، وجمع المص في هذه الفريضة بين الرجل والمرأة دون غيرها تنبيها على أنه كالمرأة في جواز الضفر والمسح على الضفائر فلا فرق بينهما بإجماع. نقله الحطاب عن الجزولي. وحكى البلنسي في شرح الرسالة أنه لا يجوز للرجل ضفر رأسه، وعلى كلامه لابد من النقض، ابن ناجي: ولا أعرف ذلك لغيره. قاله الحطاب. ولم ينقض العقاص؛ لأن العقاص إنما يكون في القفا فأمره خفيف؛ لأن العضو يأتي عليه المسح، وما أسدل من الشعر على القفا اختلف فيه، فإذا كان معقوصا ومر المسح على ما ظهر من العقاص فهو يعد ممسوحا مع خفة أمره، ولذا لو رفعت الضفائر من أجناب الرأس وعقصت الشعر في الوسط؛ وهو لو ترك انسدل عنها، فالظاهر لا يجزئ مسحه؛ لأنه حائل دون ما يجب مسحه قاله سند. والضمير في قول المص: "ضفره" عائد على ما بعده، وهو وإن كان متأخرا لفظا متقدم رتبة، وفي الذخيرة عن المدونة: أن المرأة تمسح على الشعر المعقوص. وفي الحطاب: ولو كثرت شعرها بصوف أو شعر لم يجز أن تمسح عليه؛ لأنه مانع من الاستيعاب، وإن كانت قرون شعرها من شعر غير شعرها، أو من صوف أسود كثرت به شعرها لم يجزها مسحها عليه حتى تنزعه، إذا لم يصل الماء إلى شعرها من أجله، وفيه قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الواصلة والمستوصلة (١))، قاله ابن حبيب. ونقله عنه صاحب النوادر، وصاحب الطراز، وابن عرفة، وابن فرحون وغيرهم. وقبلوه وهو ظاهر. قاله صاحب الطراز: وإذا كان ما كثرت به مربوطا عند القفا أو نازلا عنه دخل في الاختلاف في مسح ما انسدل، قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة: قال بعض الشيوخ هذا إذا كان عقاصها مثل عقاص العرب تفتله

стр. 353

ضفائر صغارا، وتربطه بالخيط والخيطين، وأما إن فتلته على ناحيتين وأكثرت عليه من الخيوط فلابد من حله. وإن مسحت عليه لم يجزها؛ إلا على قول من يرى جواز مسح بعض الرأس، ونحوه للجزولي. نقله الحطاب. قال: وهذا -والله أعلم- إذا كان ما كثرت به شعرها ظاهرا فوق الشعر، فأما إن كان في باطن الشعر فلا يضر كما سيأتي في مسألة الحناء إن شاء الله. تنبيهات الأول: وصل الشعر حرام لا يجوز، والرجال والنساء في ذلك سواء كما نقله ابن ناجي؛ وهذا إذا وصل بما يشبه الشعر، وأما خيط الحرير الذي لا يشبه الشعر فغير منهي عنه؛ لأنه ليس بوصل ولا قصد به الوصل، وإنما المراد به التجمل والتحسين. نقله ابن ناجي عن الإكمال -والله أعلم- قاله الحطاب. وقال النووي إمام الشافعية في معنى الحديث لعن الله الواصلة والمستوصلة الواصله هي التي تصل شعر المرأة بشعر آخر والمستوصلة هي التي تطلب من تفعل بها ذلك. قال: وهذه الأحاديث صريحة في تحريم الوصل ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقا، وهذا هو الظاهر المختار. وقد فصل أصحابنا؛ إن وصلت شعرها بشعر آدمي رجل أو امرأة فهو حرام بلا خلاف لعموم الأحاديث، ولحرمة الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن جميعه، وشعر غير الآدمي إن كان ميتة فهو حرام للحديث، ولحمله النجاسة في صلاته وغيرها عمدا، وسواء في هذين النوعين المتزوجة وغيرها من النساء والرجال: وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي؛ فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فحرام، وإن كان فثلاثة أوجه، أحدها لا يجوز لظاهر الأحاديث، والثاني لا يحرم، وأصحها عندهم إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز، وإلا فحرام، وأما تحمير الوجه والخضاب فإن لم يكن لها زوج ولا سيد أو كان وفعلته بغير إذنه فحرام، وإن أذن جاز على الصحيح. هذا تلخيص كلام الشافعية في المسألة. وقال القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة فقال مالك والطبري والأكثرون: الوصل ممنوع بكل شيء، وسواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، واحتجوا بحديث جابر الذي ذكره مسلم (أن النبي ﷺ زجر أن تصل المرأة بشعرها شيئا (١))، وقال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل

стр. 354

بالشعر، ولا بأس بوصله بصوف أو خرق أو غير ذلك، وقال بعضهم: يجوز بجميع ذلك، وهو مروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والصحيح عنها كقول الجمهور، وقال القاضي: وأما ربط خيوط الحرير ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه؛ لأنه ليس بوصل، ولا هو في معنى مقصود به الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين، قال: وفي الحديث أن وصل الشعر من المعاصي الكبائر للعن فاعله، وفيه أن العين على الحرام يشارك فاعله في الإثم، كما أن المعاون على الطاعة يشارك في ثوابها. والله تعالى أعلم. ونقل القسطلاني الشافعي كلام النووي وفيه: قال مالك والطبري الوصل ممنوع بكل شيء شعر أو صوف أو خرق أو غيرها، واحتجوا بما ذكر عن مسلم من رواية قتادة عن سعيد: ينهى عن الزور، قال قتادة؛ يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق، ويؤيده حديث جابر: زجر رسول الله ﷺ أن تصل المرأة بشعرها شيئا، وذهب الليث ونقله أبو عبيد عن كثير من الفقهاء إلى أن الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر أما إذا وصلت بغيره من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي. انتهى. وفي الأجوبة المهمة للشيخ العارف قدس الله روحه سيدي الشيخ المختار الكنتي نفعنا الله به، وحفظنا من كل سوء ببركته، آمين ما نصه: ورأيت في بعض المطولات أن حشو الرأس بالتراب المحروق؛ من الوصل المنهي عنه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وإذا تأملت كلام الحطاب المتقدمَ علمت أنه مانع للوصل بكل شيء مما يصير الشر كثيرا، بحيث تحسب أن الجميع شعر. والله تعالى أعلم، وبه التوفيق. الثاني: إن مسحت المرأة على الوقاية أو حناء، أو مسح رجل على العمامة وصلى بطلت الصلاة، فإن أُخْبر من ذكر بالقرب أن ذلك لا يجوز، نزع ذلك ومسح على رأسه وأعاد غسل رجليه، وإن طال ابتدأ الوضوء؛ لأن الجاهل كالعامد لا كالساهي، وإن كان سهوا مسح متى ما ذكر، وغسل رجليه إن كان قد تذكر بالقرب، والصلاة في جميع ذلك باطلة. الثالث: وقع في كتاب الشيخ عبد الباقي والشيخ الأمير: أن الماء إذا انضاف قبل تمام غسل العضو، وبعد ملاقاته للعضو يضره ذلك، وهو خلاف ما يفيده الحطاب؛ فإنه قال: قال أبو الحسن الصغير في قوله في المدونة: حتى ينزعه، هل هو بالماء؟ كما يقوله بعض الشيوخ، وظاهر

стр. 355

الكتاب بأي شيء أزاله. الشيخ: ومن يقول بالماء ليلا ينضاف الماء الذي يمسح به، لأنه بأول ملاقاته بيديه ينضاف وليس هو بصحيح؛ لأن أكثر الناس تكون أعضاؤهم غير نقيَّةٍ من الدنس، فإذا أفرغ الماء على أول العضو لم يصل إلى آخره حتى يتغير، ولم يشترط أحد طهارة الأعضاء من الدنس. وقوله في المدونة: وإن ذهبت الحناء، أو انتثر بعضها، يدل على خلاف قول بعض الشيوخ. انتهى. ابن الحاجب: ولا يمسح على الحناء. ابن فرحون: قال ابن هارون يريد إذا كان متجسدا: وإلا جاز المسح على صبغه. انتهى. كلام ابن هارون. قال ابن فرحون: وكذلك الطيب في رءوسهن، (وكان ﵊ يرى وبيص الطيب في مفرقه (١))، وهذا لا إشكال فيه، ولا يقال إنه يضيف الماء حالة المسح؛ فإن هذا من الجهل بالسنة والتعمق في الدين ثم قال عن البجائي: وهذا يدل على أن إضافة الماء بعد بلوغه العضو لا يضر، وما زال السلف يدهنون ويتمندلون، ومعلوم أن الماء ينضاف بملاقاته للعضو عليه، ثم ذكر عن الشيخ يوسف بن عمر وغيره ما يفيد خلاف هذا؛ فإنه علل الإزالة بالماء بأنه ينضاف أول الملاقاة، وذكر عن الجزولي أن هذا المقابل أبين: ثم قال: وما قال الجزولي إنه الأبين هو الذي ضعفه أبو الحسن وابن فرحون وغيرهما، والظاهر ما قاله أبو الحسن وابن فرحون وغيرهما، ثم جلب كلاما فيه أن الحائل لا يمسح عليه إلا من ضرورة، وأن الدهن يمسح عليه إذا جعل على الرأس لعلة، ثم قال: ظاهر الكلام أنه لا يمسح على الدهن لغير علة، وهذا إنما يأتي على ما ذكره أبو الحسن عن بعض الشيوخ، فيجوز المسح عليه؛ إلا أن يكثر ويتجسد ويصير حائلا، وإذا مسحت على الحناء لعلة ثم أزالته فحكمه حكم الجبيرة، وفي كلام الطراز والقرافي وابن عرفة وابن فرحون وابن ناجي أن الملبد يجوز له المسح على الشعر الملبد، ولا يكون حائلا. وقال الجزولي: قالوا يجوز للمحرم المسح إذا لبَّد رأسَه ولا راعوا الحائل، وإنما ذلك للضرورة. أبو الحسن: وكذا القطران الذي يجعله العواتق في رءوسهن؛ لأنه أخف من الملبد، ومع ذلك قالوا يمسح عليه. انتهى. قال الحطاب: وهذا كله يرد ما نقله أبو الحسن عن بعض الشيوخ أن ذلك يضيف الماء. انتهى. قوله:

стр. 356

العواتق، قال في القاموس: العاتق الجارية أول ما أدركت عتقت تعتق، والتي لم تتزوج، والتي بين الإدراك والتعنيس، جمعها عواتق. الرابع: قال في الطراز: وإذا كان في الشعر صوف أو غيره مما يركب الشر ويمنع مباشرته، أو التصق بالشعر شمع ونحوه مما يمنع غسله ومسحَهُ، فلما رأى ذلك بعد وضوئه قرضه بمقراض غسل ذلك الموضع أو مسحه لأن ما بقي من الشعر إذا قرض يقوم مقامه، وإن نتف من أصله فموضعه يقوم مقامه. الخامس: في المسائل الملقوطة قال الشيخ أبو عمران الفاسي: وأرخص للعروس أيام أسبوعها أن تمسح في الوضوء والغسل على ما في رأسها من الطيب، وتتيمم إن كان في جسدها، لأن إزالته من إضاعة المال. انتهى. قال الحطاب: وهذا خلاف المعروف من المذهب. السادس: جاء رجل إلى سحنون فقال: توضأت للصبح وصليت به الصبح والظهر والعصر والمغرب، ثم أحدثت وتوضأت وصليت العشاء، ثم تذكرت أني نسيت مسح رأسي ولا أدري من أي الوضوءين، هو فقال له سحنون: امسح رأسك، وأعد الصلوات الخمس. فذهب وأعادها، ونسي مسح رأسه فجاءه، فقال: امسح رأسك وأعد العشاء وحدها. انتهى. وذلك واضح، لأنه إن كان ترك مسح الرأس من الوضوء الأول فالصلوات كلها برئت ذمته منها، لأنه صلاها بهذا الوضوء الأخير وهو صحيح، وإن كان من الوضوء الثاني فالأربع الأول صحيحة، لأنها صليت بوضوء تام، وبقيت العشاء متطرقا فيها الاحتمال؛ فلذا أمره بإعادتها فقط. والله سبحانه أعلم. ابن رشد: ومن صلى الخمس بوضوء وجب لكل صلاة، فذكر مسح رأسه من وضوء إحداها مسحه وأعاد الخمس، فلو أعادها ناسيا مسح الرأس مسحه وأعاد العشاء فقط، وعلم من هذا أنه لا فرق بين أن تكون الأربع كلها بوضوء واحد، وأن تكون كل واحدة بوضوء. السابع: اختلف في الرأس في خمسة عشر موضعا، الأول: هل يأخذ الماء بيديه أو بيده اليمنى؟ الثاني: هل يجدد الماء له، أو يجزئه المسح ببلل لحيته؟ الثالث: نقل الماء إليه، الرابع: إذا غسله بدلا من مسحه، الخامس: صفة مسحه، السادس: هل يمسح رأسه مرة أو ثلاثا؟ السابع: إذا حلقه، الثامن: البدء من مقدمه هل هو سنة أو مستحب؟ التاسع: هل الرد سنة أو

стр. 357

فرض؟ العاشر: إذا جف الماء في أثناء مسحه، الحادي عشر: هل يمسح ما طال من الشعر أم لا؟ الثاني عشر: إذا مسح بعضه، الثالث عشر: هل يمسح على العمامة؟ الرابع عشر: هل يمسح على القفا؟ الخامس عشر: هل يمسح بعض الوجه مع الرأس؟ وتقدم الكلام على العاشر فما بعده، ويأتي الكلام على التسعة الأوائل إن شاء الله تعالى. ويدخلان يديهما تحته في رد المسح يعني أن الرجل والمرأة إذا كان شعرهما معقوصا أو مضفورا أو مسدولا من غير ضفر ولا عقص، ومسحا عليه من مقدم الرأس إلى آخر المنسدل منه والمضفور والمعقوص؛ فإنهما إذا ردا أيديهما إلى المقدم يدخلان يديهما تحته كذا قرره الإمام الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي وغيره: الإدخال الذي يحصل به التعميم واجب كالشعر الطويل، ويخاطب بالسنة بعد ذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ لأن ذلك يقتضي أنه لابد لصاحب المسترخي من مسح رأسه ثلاث مرات، مرة لظاهره، ومغ لباطنه وهما واجبتان بهما يحصل التعميم الواجب، والثالثة لتحصيل السنة. وبهذا قال علي الأجهوري ومن تبعه وهو غير صحيح: وإن كان في الحطاب عن الشيخ زروق ما يوهم التردد في ذلك، بل الحق ما قاله الشيخ عبد الرحمن، وصرح به التتائي في شرح الرسالة من أنه إنما يمسح مرتين فقط، للفرض مرة وللسنة أخرى، وأن الإدخال من تتمة الرد الذي هو سنة وشرط فيه، ولذا قال المؤلف في رد المسح؛ ولما كان كلامه هنا لا يدل على حكم الرد في نفسه نبه عليه بعد بقوله: ورد مسح رأسه لخ، ونصوص الأئمة كالمدونة، والرسالة، وعبد الوهاب، وابن يونس، واللخمي؛ وعياض، وابن شاس، وابن الحاجب، وابن عرفة وغيرهم كلها ظاهرة فيما ذكرناه، وليس في كلام واحد منهم إشعار بما ذكره الأجهوري أصلا، وقد قالوا: إن الظواهر إذا كثرت بمنزلة النص. ويدل على ذلك أيضا أنهم عللوا الرد من أصله في مسح الرأس: بأنه يحصل به مسح باطن الشعر. قال الفاكهاني: وإنما كان الرد سنة، والغسلة الثانية والثالثة مستحبتان؛ لأن المسوح في الرد غير المسوح أولا بخلاف المغسول في حق ذي الشعر وألحق به غيره. انتهى. ونقل نحوه عن ابن بشير ثم قال: فهذا يدل على بطلان ما ادعاه الأجهوري؛ لأن صاحب المسترخي لو كان يمسح في الأولى ظاهر الشعر وباطنه كما زعم الأجهوري: لكان المسوح أولا هو المسوح ثانيا، وذلك خلاف

стр. 358

ما قاله ابن بشير والفاكهاني؛ ويلزمه على ما ذكره أن يمسح أربع مرات ليحصل التعميم في السنة أيضا ولا قائل به. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: يشهد لما ذكره الأجهوري ومن تبعه ما نقله الحطاب؛ فإنه بعد أن ذكر عن الشيخ زروق التردد في ذلك، وأن الظاهر أنه في ذلك على الوجوب قال ما نصه: قلت وفي مختصر الواضحة ما يدل على وجوب ذلك، ونصه: وسنة وضوء المرأة كسنة وضوء الرجل سواء، غير أنها إذا مسحت رأسها بدأت من أصل شعر قصتها، فتذهب بيديها على جميع شعر قصتها وأدلتها وجميع شعر رأسها، مضفورا كان أو غير مضفور، مجموعا كان أو مسدولا على ظهرها، حتى تبلغ إلى آخره، ثم تدخل يديها من تحته فتحوله حتى ترد يديها به أو بضفائرها المرسلة إلى مقدم رأسها مرة واحدة، لابد لها من ذلك فإن كان يمكنها أن تجمعه في قبضتها جمعته، وإن كان لا يمكنها إلا أن تنتقل بيديها فعلت، وإن شاءت أخذت الماء ثانية، وإن شاءت اكتفت بالأولى إن بقي في يديها من بللها شيء، وكذلك تفعل ذات القرون إذا لم تستطع أن تعم بيديها رأسها وقرونَها، فإن فرطت في ذلك فلا صلاة لها، وعليها الإعادة متى علمت قبح ما صنعت. انتهى. ونقله صاحب النوادر باختصار، ونقله ابن فرحون بتمامه. انتهى كلام الحطاب وغسله، مجزئ يعني أن المتوضئ إذا غسل ما على الجمجمة في الوضوء بدلا عن مسحه، فإن ذلك يجزئه؛ لأن الغسل مسح وزيادة وهذا بعد الوقوع، وأما ابتداء فقيل حرام، وقيل مكروه، وقيل خلاف الأولى، وما ذكره المصنف من الإجزاء هو قول ابن شعبان وهو الأقوى، وعليه اقتصر صاحب النوادر، وصرح ابن عطاء الله بتشهيره، وقيل لا يجزئ. ونقل صاحب الجمع عن ابن راشد أن القول بعدم الإجزاء أصح، والحاصل أن الأقوال ثلاثة: الأول يحرم ولا يجزئ، الثاني يكره ويجزئ، الثالث أنه خلاف الأولى، وهو الذي مشى عليه المص، وهو لابن شعبان كما مر. وقد رجح كل من الأقوال الثلاثة إلا أن القول بأنه خلاف الأولى هو الأقوى وهو الذي عليه المص كما علمت أشار له الحطاب، وأما غسل الرأس في وضوء الجنابة فلا إشكال في إجزائه. والله أعلم. ولا أنهى الكلام على الفرائض الثلاث الأول المجمع عليها، أتبعها بالكلام على الفريضة الرابعة وهي مجمع عليها أيضا فقال: وغسل رجليه يعني أنه يجب على المتوضئ كتابا وسنة

стр. 359

وإجماعا أن يغسل رجليه وقال بعض القدرية والروافض بالمسح، ولا يجوز الغسل، وحكي عن ابن عباس، وعن الطبري أنه قال بالتخيير بين الغسل والمسح، وبه قال داوود، وهذه المذاهب كلها باطلة بالإجماع. واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بالنصب وبالجر، أما النصب فبالعطف على وجوهكم، وأما الجر فبالعطف على رؤوسكم، ويكون المراد بالمسح الغسل كما يقال: تمسحت للصلاة والمراد الغسل، وعبر بالمسح عن الغسل إذ كانتا مظنة الإسراف في الماء فيقتصد في صبه عليهما، أو المراد المسح على الخفين، وحكي عن سيبويه والأخفش وجماعة من الفقهاء والمفسرين أنه مخفوض بالمجاورة، وخالفهم المحققون في ذلك؛ لأن حرف العطف حاجز بين الاسمين مبطل للمجاورة، ورأوا أن الحمل على ذلك حمل على شاذ ينبغي صون القرآن عنه، وقالوا الخفض في الآية إنما هو بالعطف على رؤوسكم، فقيل الأرجل مغسولة لا ممسوحة فأجابوا بالوجهين المتقدمين، وقوله (بكعبيه) الباء بمعنى مع متعلقة بغسل؛ يعني أن المتوضئ كما يجب عليه غسل رجليه، يجب عليه أن يغسل كعبيه، والمراد بالرجل جميع القدم للناتئين يعني أن الكعبين هما العظمان الناتئان؛ أي المرتفعان الكائنان. (بمفصلي) أي في مفصلي (الساقين) والمفصلان تثنية مفصل بفتح الميم وكسر الصاد على الصواب، وبالعكس اللسان، والساقان تثنية ساق، وهو العظم الذي يتصل القدم بأسفله والفخذ بأعلاه. والله سبحانه أعلم والكعب مأخوذة من التكعب، وهو الظهور والارتفاع: ومنه الكعبة شرفها الله تعالى، وامرأة كاعب مرتفع ثديها. واعلم أن ما مشى عليه المص من دخول الكعبين في وجوب الغسل هو المشهور، وروى ابن نافع لا يجب إدخالهما. واعلم أن الكعبين الذين إليهما حد الغسل هما العظمان الناتئان بمفصلي الساقين بالإجماع، وليس في ذلك خلاف لا داخل المذهب ولا خارجه، فالعظمان اللذان هما معقد الشراك داخلان في وجوب الغسل بلا خلاف، وإن كان يقال لهما كعبان كما نقله الحطاب عن ابن الفرس والزناتي والشارح. والله تعالى أعلم. (وندب تخليل أصابعهما) يعني أنه يندب للمتوضئ أن يخلل أصابع رجليه، ويكون بخنصره، وفي حديث: بالمسبحة بادئا بخنصر اليمنى؛ لأنها يمنى أصابعها، وبإبهام اليسرى، لأن إبهامها

стр. 360

يمنى أصابعها، ويختم بخنصر الرجل اليسرى، لأنها يسرى أصابعها، وما مشى عليه المصنف هو المشهور وهو قول ابن شعبان وابن وهب وابن حبيب، وقيل بالوجوب، ورجحه اللخمي وابن بزيزة وابن عبد السلام، كما رجحوه في اليدين لما روي (أن رسول الله ﷺ كان يخلل أصابع رجليه بخنصره (١))، وقيل بإنكار التخليل في أصابع الرجلين، كما قيل بإنكاره في أصابع اليدين، فقد روى ابن وهب عن مالك في المجموعة: لا خير في الجفاء والغلو، وفي حديث الترمذي: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك (٢))، ويخلل أصابع الرجل من أسفل كما ورد في حديث رواه الترمذي، ويعبرون عنه بالنحر، ويخلل أصابع اليدين من ظاهرهما كما مر، ويعبرون عنه بالذبح. واعلم أن المشهور وجوب تخليل أصابع الرجلين في الغسل، وندبه في الوضوء، وعلى القول بأن تخليل أصابع الرجلين لا يجب في الوضوء والغسل، فلا بد من إيصال الماء لما بين الأصابع، قاله في مختصر الواضحة. والله أعلم. قاله الحطاب. وقد علمت أنه يبدأ في تخليل أصابع الرجلين بخنصر اليمنى ثم ما يليه، وبإبهام اليسرى ثم ما يليه. ولا يعيد من قلم ظفره يعني أن من توضأ ثم قلم ظفره بعد الوضوء وهو باق على وضوئه لا يعيد غسل موضع القلم ولو طال حيث لم ينثن، ولم يتعلق به وسخ يستر بعض رأس الإصبع، فإن طال وتعلق به وسخ يستر بعض رأس الإصبع، أو انثنى على رأس الإصبع، وجب قلمه ووجب على المتوضي غسل ما تحته، بخلاف ما إذا لم يطل ولم ينثن على رؤوس الأصابع فلا يجب قلمه ولا إزالة ما تحته من الوسخ، بل هي تعمق ووسوسة وخلاف ما عليه جمهور السلف الصالح، وقد تقدم أنها إذا طالت طولا غير معتاد يجب إزالة ما تحتها من الوسخ، ويقيد بذلك قوله: ووسخ الأظفار إن تركته … ما عليك حرج أو زلته واجمع رؤوسها بوسط الكف … واغسل فإن غسل ذاك يكفي

стр. 361

والظفر كعنق على اللغة الفصحى، وبها جاء الكتاب العزيز، وكَقُفْلِ وعِلْمٍ بكسر العين، وفيه لغة رابعة وهي أظفور كعصفور، وقلم بالتخفيف والتشديد في الجمع كقلمت أظفاري قال زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف … له لبد أظفاره لم تقلم ومقتضى كلام صاحب المحكم أنه يقال بالتخفيف والتشديد في الظفر الواحد، وقوله: "ولا يعيد من قلم" الخ مثل الوضوء في ذلك الغسل. (أو حلق رأسه) يعني أن من توضأ ثم حلق رأسه وهو باق على وضوئه لا يلزمه أن يعيد مسح رأسه، بل هو باق على وضوئه كما في مسألة قلم الظفر، وكذا لا يعيد غسله مغتسل، وما ذكره المص في مسألتي الظفر وحلق الرأس هو المذهب: وقيل يعيد مسح رأسه نقله اللخمي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وقيل يبتدئ الوضوء نقله عياض عن عبد العزيز، ونقل ابن يونس عنه أنه انتقض وضوءه كنزع الخف. وظاهر كلام صاحب الطراز أن من حلق رأسه أو قلم ظفره بعد غسل الجنابة لم يعد غسل ذلك اتفاقا؛ لأنه ساقه في معرض الاحتجاج به على الخالف، وإنما يصح الاحتجاج بما هو متفق عليه. قاله الإمام الحطاب. (وفي لحيته قولان) يعني أن من توضأ ثم حلق لحيته -نعوذ بالله تعالى من المقتضي لذلك- وهو باق على وضوئه، فقد اختلف في وجوب إعادته لغسل موضع الحلق، وعدم وجوب ذلك عليه على قولين مرجحين، ومثل اللحية العنفقة والشارب، وسواء كان ما ذكر لرجل أو امرأة كلا أو بعضا، وسواء كانت اللحية خفيفة أو كثيفة، ومثل حلقها ما إذا سقطت، والراجح من القولين عدم الإعادة، ويستفاد مما مرَّ أن الغسل متفق على عدم الإعادة فيه: أو الراجح عدمها، والفرق بين هذه والرأس أن شعره أصلي بخلاف شعرها، وقد مر عن الحطاب أن من توضأ ثم قشر قشرة من يده، أو قطعت يده لا يلزمه غسل موضع القشر ولا موضع القطع، وفي جواز حلق الرأس حيث لا ضرر، وكراهته قولان مرجحان، ولا فرق بين المعْتَمِّ وغيره، وأما الفرق بينهما بأنه يباح للمعتم لوجود عوض الشعر دون غيره فيكره له على المشهور فطريقة لابن عمر، وفي مسلم عن ابن عمر

стр. 362

رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- نهى عن القزع (١))، وهو حلق بعض رأس الصبي وتركَ بعضه، وهو بفتح القاف والزاي وهذا التفسير هو الأصح، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة من الرأس، وأجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه كرهه مالك رضي الله تعالى عنه في الجارية والغلام مطلقا، وقال بعض أصحابه: لا بأس به في القصة أو القفا للغلام، ومذهبنا كراهته مطلقا للرجل والمرأة لعموم الحديث قاله النووي، ويحرم حلق الشارب والعنفقة واللحية، وقيل يكره حلق اللحية وهذا كله في حق الرجل، وأما المرأة فيجب عليها حلق جميع ذلك كما مر، وانظر في الخنثى إذ قد يبقى على إشكاله مع نبات اللحية. وقوله: "وفي لحيته" لا فرق بين أن يحلقها هوأو غيره أو تسقط كما مر، وقد علمت أن مثل حلق اللحية العنفقة والشارب، وكذلك تحذيف المغاربة لما حوالي العارضين والشارب. واعلم أن حلق اللحية لا يجوز وكذلك الشارب، وهو مثلة بدعة، ويؤدب من حلق شاربه أو لحيته إلا أن يريد الإحرام بالحج، ويخشى طول شاربه. قال إمامنا مالك: من أحفى شاربه يوجع ضربا، وهو بدعة، وإنما الإحفاء المذكور في الحج إذا أراد أن يحرم فأحفى شاربه خشية أن يطول في زمن الإحرام ويؤذيه فقد رخص له فيه، وكذلك إذا دعت ضرورة إلى حلقه أو حلق اللحية لمداواة ما تحتها من جرح أو دمل ونحو ذلك. والله سبحانه أعلم. قاله الحطاب. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وها أنا أذكر لك كلام الأئمة في اللحية والشارب والعنفقة لتتم الفاندة فأقول معتصما بالله تعالى: قال العلقمي في شرح قوله ﷺ (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى (٢)) الفعلان بقطع الهمزة، ووصلها يقال: أحفى شاربه وحفاه إذا استأصل أخذ شعره، قال الحافظ بن حجر: وقد ورد بلفظ (انهكوا الشوارب (٣))، وبلفظ (جزوا الشوارب (٤))، وكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة، لأن الجز قص

стр. 363

الشعر والصوف إلى أن يبدو الجلد، والنهك المبالغة، ومنه قوله ﷺ للخافضة: (أشمي (١) ولا تنهكي (٢)) أي لا تبالغي في ختان المرأة. قال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك شيئا منصوصا، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير، وخالف مالك. انتهى وقال الأثرم: وكان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا، ونص على أنه أولى من القص. وقال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما رواية أحفوا فمعناه أزيلوا ما (٣) على الشفتين: قال ابن دقيق العيد: ما أدري هل نقله عن الذهب أو قاله اختيارا منه لمذهب مالك؟ وقال القاضي عياض: ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب وحلقه لظاهر قوله ﷺ (أحفوا وانهكوا)، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق، وقاله مالك، وذهب بعض العلماء إلى التخيير في الأمرين، ودليل القص ما في أبي داوود والبيهقي عن المغيرة بن شعبة: كان شاربي وَفَى فقصه على سواك (٤)، ولفظ البيهقي: فوضع السواك تحت الشارب وقص عليه (٥)، وروى البزار نحوه عن عائشة، وأخرج الترمذي عن ابن عباس، (أنه ﷺ كان يقص شاربه (٦)، وأخرج الطبراني والبيهقي من حديث شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله -صلى عليه وسلم- يقصون شواربهم: أبا أمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وعتبة بن عبد السلمي، والحجاج بن عامر، وعبد الله بن بسر (٧). ودليل الإحفاء ما في كلام ميمون بن مهران

стр. 364

عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- المجوس فقال إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم، قال: وكان ابن عمر يستقرض سبله فيجزها كما تجز الشاة أو البعير. أخرجه الطبراني والبيهقي (١)، وأخرجا عن ابن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافعا، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع ينهكون شواربهم حتى الحلق (٢). وأخرج أبو بكر الأثرم عن ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئا. وأخرج الطبراني عن أبي عثمان قال: رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله، وأخرج أيضا عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم، ويقال عفوت الشعر وأعفيته لغتان، وفي النهاية: إعفاء اللحى أن يوفر شعرها ولا يقص كالشارب من عفا الشيء إذا كثر، وزاد لغتان. انتهى كلام العلقمي. وفي المُناوى أنه يؤخذ من العنفقة والحاجب ما طال، وفي النصيحة الكافية للشيخ أحت زروق: والأحاديث متعارضة في الشارب بين الإحفاء والقص، فالأفضل الجمع، والقص أولى عند الإفراد. وقوله: الجمع؛ أي بين القص والإحفاء. قاله ابن زكريا. وأما الشعر النابت على الخد فكان الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن المنتصر لا يزيله، وكان غيره يزيله ويزال أيضا ما على الحلق بخلاف اللحي الأسفل، وعن مالك أنه كره حلق ما تحت الذقن من الشعر، وقال: هو من فعل المجوس، وكره أيضا حلق الحاجب والقفا، وقال: لا أراه حراما. قاله ابن زكري. وقال في النصيحة الكافية: وفي اللحية خصال ينهى عنها. منها: نتفها ونتف الشيب منها، وصبغها ليغر، وتبييضها كذلك، وكذا قص غير ما طال منها. انتهى. قوله: وفي اللحية خصال ينهى عنها، قال في الإحياء: هي خصال مكروهة: وبعضها أشد من بعض. وقوله: منها نتفها قال في الإحياء: نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس مكروه مشوه للخلقة، ونتف الفكين بدعة؛ وهما جانبا العنفقة. ورد عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، وابن أبي ليلى شهادة من ينتف لحيته، ورد عمر بن عبد العزيز شهادة رجل كان ينتف فكيه، وقوله: ونتف

стр. 365

الشيب منها (قد نهى النبي ﷺ عن نتف الشيب: وقال هو نور المؤمن (١))، ورجح النووي تحريمه لثبوت الزجر عنه، وجزم المص في شرح الرسالة بمنع نتفه وحلقه، وأما نتف اللحية في أول نباتها تشبيها بالمرد فهو من المنكرات الكبار، وقوله: وصبغها ليغر، قال في الإحياء: خضابها بالسواد منهي عنه، قال النبي ﷺ : (خير شبابكم من تشبه بشيوخكم؛ أي في الوقار لا في تبييض الشعر، وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم (٢))، وتزوج رجل على عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- وكان قد خضب بالسواد، فنصل خضابه وظهرت شيبته، فرفعه أهل المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضربا، وقال: غررت القوم بالشباب ولبست عليهم بشيبك. ويقال: أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله، وعنه ﷺ أنه قال: (يَكونُ في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (٣))، وخضب بالسواد بعض العلماء ولا بأس بذلك إذا صحت النية ولم يكن فيه هوى وشبهة، وفي الرسالة: ويكره من غير تحريم. قال المص: ظاهره الكراهة مطلقا، وفصل بعضهم إن كان للتغرير منع، وإن كان للجهاد ندب، وإن كان للتشابب كره، وإن كان مطلقا فقولان بالجواز والكراهة، فالجواز من قوله ﵊: (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود (٤))، والكراهة من قوله ﷺ حين رأى أبا قحافة كأنه ثغامة من الشيب: (غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد (٥)) رواه مسلم، وقوله: وتبييضها كذلك؛ أي ليغر إظهارا لعلو السن توصلا إلى التوقير وقبول الشهادة والتصديق في الرواية عن الشيوخ وترفعا عن الشبان وإظهارا لكثرة العلم ظنا أن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات لا يزيد كبر السن الجاهل إلا جهلا. وقوله: وكذلك قص ما طال منها، قال في الرسالة: وأمر أن تعفى اللحية وتوفر ولا تنقص. قال المص: فاعل أمر رسول الله

стр. 366

- ﷺ لحديث (انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى (١))؛ أي اتركوها موفرة. ومعنى توفر تترك على حالها دون نقص؛ لأنها وجه الإنسان وزينته، ويمنع حلقها، واحترز بقوله: غير ما طال مما طال منها فلا بأس بقصه بل يستحب، قال في الرسالة: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين، قال الأبي في الحديث (إن الله تعالى زين بني آدم باللحى (٢)): وإذا كانت زينة فالأحسن تحسينها بالأخذ منها طولا وعرضا، وتحديد ذلك بما زاد على القبضة، كما كان ابن عمر يفعل، وهذا فيمن تزيد لحيته، وأما من لا تزيد لحيته فيأخذ من طولها وعرضها بما فيه تحسين فإن الله جميل يحب الجمال، فإن قلت: تحسينها بالأخذ منها طولا وعرضا مناف لقوله: أعفوا اللحى، قلت: الأمر بالإعفاء إنما هو لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا يحلقونها، ومخالفتهم تحصل بعدم أخذ شيء البتة، وبأخذ اليسير الذي فيه تحسين فالصواب ما ذكرنا. انتهى قاله ابن زكري. تنبيهان الأول: قال الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن من توضأ أو اغتسل ثم قشر قشرة من جلده: أو جرح أو بثرة، أو قطع قطعة لحم من أعضاء وضوئه أو غسله، أو قطعت يده أو نحو ذلك لم يلزمه غسل ما ظهر من ذلك، ولا غسل موضع القطع، ولا موضع القشرة، خلافا للخمي. انتهى. وتعقب غير واحد كلام اللخمي، ورده سند، وقال إنه فاسد، واحتج بأن الصحابة كانت تلحقهم الجراح ويصلون بحالهم، ولا يعرف أن أحدا طهَّرَ فَمَ جرحه بمكان وضوئه أو غسله، وفي صحيح البخاري أنه رُمي رجل بسهم في الصلاة فنزفه الدم فمضى في صلاته. الثاني: قال ابن ناجي: وأما ما ينبت بإزاء الظفر الذي يسمى بالتنتيف فلا يجب غسل محله إذا زال، بذلك أفتى شيخنا الشبيبي، وقال للسائل: بهذا قال صاحب هذه الدار؛ يعني ابن أبي زيد إذ سئل عن ذلك عند دار الشيخ المذكور المدفون بها، ولا يجري قول اللخمي في هذه، لندور مسألته، وكثرة وقوع مسألتنا والله أعلم. قاله الحطاب. ولما ذكر الفرائض الأربع القرآنية المجمع عليها، أتبعها بالكلام على الفرائض المختلف فيها، وبدأ بالدلك؛ لأنه قد قيل

стр. 367

إنه داخل في حقيقة الغسل، فقال: (والدلك) يعني أن من فرائض الوضوء الدلك، وهو إمرار اليد على العضو: وقيل إمرار العضو على العضو والراجح الأول؛ وعليه ففي إجزاء دلك الرجل بالرجل وعدمه قولان، الإجزاء لابن القاسم، وعدم الإجزاء روايته عن مالك. وأما دلك غير إحدى الرجلين بغير اليد فلا يجزئ قطعا، والظاهر أن المراد باليد باطن الكف، فالدلك بمرفقيه مع إمكانه بباطن كفه لا يجزئ. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الدلك يكون باليد ظاهرها وباطنها أو بالذراع أو بخرقة أو بحك إحدى الرجلين بالأخرى خلافا لتخصيص الأجهوري، وذكر نحو هذا عن أبي علي محتجا بقول الفاكهاني: الدلك إمرار اليد وما يقوم مقامها. انتهى. قال بعده: وقول الفقهاء الدلك باليد جرى على الغالب خلافا للأجهوري ومن تبعه. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. ويكفي الدلك ولو بعد صب الماء، وتندب المقارنة هنا دون الغسل، وتجوز الاستنابة لضرورة، وتمنع لغيرها بلا خلاف، وإن وقعت الاستنابة لغير ضرورة ففي الإجزاء قولان، وتجوز الاستنابة على صب الماء اتفاقا ولو لغير ضرورة، ودليله (أنه ﷺ كان يصب عليه الماء (١)). وقوله: "والدلك" فلا يكفي الانغماس والصب مجردا ذلك عن إمرار اليد، وقد مر أن المقارنة في الوضوء مندوبة فلو دلك بعد صب الماء. وقبل مفارقة الماء للعضو أجزأ ذلك على الصحيح خلافا للقابسي القائل باشتراط مقارنة الدلك لصب الماء. وتقدم أن الاستنابة من غير ضرورة فيها قولان، وشهر كل منهما، قال الطحاوي: ويظهر من مذهب مالك في هذه المسألة الإجزاء إلا أن يفعله استنكافا عن عبادة الله واستكبارا عنها. انتهى. ويدل للإجزاء غسل الجواري رجلي عبد الله بن عمر، قيل لمالك: ألا تخاف أن يكون ذلك من اللمس؟ قال: لعمري وما كان ابن عمر يفعل إلا من شغل أو عذر يجده، وفيه دليل لمالك على عدم النقض باللمس إلا بلذة أو قصد. ابن رشد: ولو التذ مولانا ابن عمر لما صلى بذلك الوضوء. قاله الحطاب. وفي نوازل ابن هلال أن من كان بيده عذر يمنعه من استعمال الماء للوضوء والغسل أو فيهما معا يجب عليه الاستنابة، وإن بأجرة. انتهى. والله سبحانه أعلم. وما ذكره المص من وجوب الدلك

стр. 368

لنفسه هو المشهور، وهو قول مالك في المدونة لقوله ﷺ لعائشة ﵂: (وادلكي جسدك بيدك (١))، والأمر على الوجوب، وقيل لا يجب، قاله ابن عبد الحكم، وقيل إنه واجب لا لنفسه، بل لتحقق إيصال الماء إلى البشَرَة، فمتى تحقق إيصال الماء لها لطول مكث أجزأه. قاله أبو الفرج. والخلاف في الغسل كالخلاف في الوضوء، وظاهر كلام أبي عمر بن عبد البر أن الخلاف في الغسل فقط دون الوضوء فيجب بلا خلاف، وحكى المناوي أنه سنة، فتلك خمسة أقوال: الوجوب لنفسه فيهما، الوجوب فيهما لتحقق إيصال الماء إلى البشرة، عدم الوجوب فيهما، الوجوب في الوضوء بلا خلاف، وفي الغسل مختلف فيه، والخامس القول بالسنة. وحجة القول بالتفرقة بين الوضوء والغسل أن أحاديث الوضوء كلها تدل على التدلك، وأحاديث الغسل إنما فيها: أفاض الماء واغتسل، وحجة القول بالوجوب ما تقدم، مع أن أهل اللغة قد فرقوا بين الغسل والانغماس، وأما القائل بعدم الوجوب فإنه قال: يصدق اسم الغسل بدون تدلك، وتفهم حجة القول بالسنة من هذا، ولم تشترط مقارنة الدلك لصب الماء على الصحيح كما مر؛ لأن الماء إذا صب على الجسد يبقى زمانا، فإذا تدلك عقب الصب والماء يسيل على جسده كان كمن تدلك مع الصب. وقد تقدم أن التيمم في الاستنابة كالوضوء، وحكى الطحاوي عن طائفة من أهل العلم أن الأفضل أن يلي المغتسل أو المتوضئ أو المتيمم ذلك بنفسه لنفسه، فإن ولي ذلك غيره أجزأه، ومن توضأ على نهر وخضخض رجليه في الماء لا يجزئه ذلك، فلو غسل فيه إحداهما بالأخرى أجزأه ذلك. قاله ابن القاسم. وقد روي عن محمد بن خالد أنه قال: لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه، وقد مر أن المستنيب هو الذي ينوي فلا عبرة بنية النائب، ولا تجزئ نية المستنيب إلا إذا وقعت عند ابتداء الطهارة، فإن نواها بعد غسل بعض أعضاء وضوئه أمر بإعادة الوضوء، وكذا الصلاة إن كان قد صلى، وإن كان إنما صلى بعد أن أعاد ذلك العضو وحده أجزأته صلاته؛ لأنه كالمنكس، هذا إن أعاد غسله بالقرب، وإلا كان مفرقا للطهارة عمدا فلا يجزئه. قاله الحطاب.

стр. 369

تنبيه: نقل الماء إلى العضو إن أريد به إيصال الماء إلى العضو فالمذهب لزومه، فلو أرسل الماء من يده ثم مر بها على وجهه أو غيره من أعضائه لم يجزئه اتفاقا؛ لأنه مسح وليس بغسل. قاله ابن رشد. وإن أريد بالنقل حمل الماء باليد إلى العضو فالمشهور من المذهب أنه لا يجب، فلو أصاب المطر أعضاء وضوئه أو جسده، أو خاض برجله في الماء أو توضأ في الماء وتدلك في ذلك كله أجزأه، وقد أجمعوا أن الجنب إذا انغمس في الماء وتدلك فيه للغسل أن ذلك يجزئه، وإن لم ينقل الماء بيديه إليه ولا صبه عليه. قاله الحطاب عن ابن رشد. ومن نصب يديه للمطر فحصل فيهما ما ينقله إلى وجهه وسائر أعضائه غاسلا له، ومن بلته ما يمسح به رأسه فلا اختلاف في صحة وضوئه: ولو لم ينقل بيديه، وإنما غسل أعضاء وضوئه بما أصابها من المطر، ومسح رأسه بما أصاب رأسه من المطر، ففي ذلك قولان: مذهب ابن القاسم الجواز، وهو الذي يفهم من المدونة في مسألة الخائض، ومثله في سماع موسى ومحمد بن خالد، ومذهب ابن حبيب- ورواه عن ابن الماجشون- أنه لا يجوز. قاله ابن رشد. ونقل الباجي خلاف هذا في مسح الرأس؛ ففي المنتقى: لو مسح بما على رأسه من بلل مطر أو غيره لم يجزه. قاله ابن القاسم. انتهى. ومن بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهرا فدلكهما فيه بيديه ولم ينو إتمام وضوئه لم يجزه حتى ينويه؛ لأنه لما نسيهما وفارق محل وضوئه على أنه أكمله ارتفضت النية المتقدمة فلزمه تجديدها، ولو أبقاهما قاصدا لغسلهما في النهر لم يحتج لتجديد نية. انتهى. قاله الحطاب. ومعنى أبقاهما ترك غسلهما لكونه يريد غسلهما في النهر. والله أعلم. وقال ابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب: ينقل الماء إليه، لا يعني لما يعطيه ظاهر اللفظ من رفع الماء بيده، أو يد من يستنيبه، بل حصوله على سطح الوجه كيفما اتفق حتى لو ألقى وجهه إلى ميزاب، [أو مطر وابل (١)]، وأتبع الدلك لكفاه، وكذا المنقول في هذه الصورة، وفي الحطاب بعد جلب كثير من النقول: فتحصل من هذا أن نقل الماء إلى العضو بمعنى إيصال الماء إليه واجب اتفاقا، وأما حمل الماء باليد فلا يجب، أما في مسألة انغماس الجنب في النهر فباتفاق: وأما في مسألة من أصاب المطرُ أعضاء وضوئه أو جسمه

стр. 370

أو خاض برجله في الماء أو توضأ في الماء فعلى الراجح، وهو مذهب ابن القاسم المفهوم من المدونة وغيرها، إلا في مسألة مسح الرأس، فالراجح أنه لا يكفي مسحه بالبلل الحاصل عليه. والله أعلم. ومسحه ببلل لحيته أو ذراعيه قد مر أنه من الماء المستعمل في الحدث على خلاف فيه؛ يعني حيث أمكن به المسح لكثرته ككون لحيته كثيفة، ولم يضَف والله أعلم. انظر الحطاب. وهل الموالاة يعني أن الشيوخ اختلفوا في حكم الموالاة بين فرائض الوضوء؛ وهي الإتيان بجميعها في زمن متصل، أو ما هو في حكمه من التفريق اليسير فلا يضر ولو عمدا، فمنهم من ذهب إلى أنها واجبة وعزاه الفاكهاني لمالك وابن القاسم وشهره، وقال ابن ناجي في شرح المدونة: هو المشهور ومحل الوجوب إن ذكر وقدر فإن انتفى القيدان أو أحدهما سقط الوجوب، واستدل للوجوب بأن الفاء تقتضي الترتيب من غير مهلة، وعطف الأعضاء بعضها على بعض يقتضي جعلها في حكم جملة واحدة؛ فكأنه قال: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء، وبأن الأمر في الآية للفور، وبأن الخطاب ورد بصيغة الشرط والجزاء، ومن حق الجزاء أن لا يتأخر عن الشرط، وبقوله ﷺ : وقد توضأ مرة مرة في فور واحد (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (١))، فنفى القبول عند انتفائه قال الإمام الحطاب بعد أن جلب ما جلب من النقول. فتحصل أن المعتمد من المذهب أن من فرق الطهارة عامدا أعاد الوضوء والصلاة أبدا، ومن فرقها عاجزا أو ناسيا بنى: والتفريق غير المتفاحش لا تأثير له عمدا كان أو سهوا. عبد الحق: ولا خلاف في ذلك. ابن الحاجب: والتفريق اليسير مغتفر، قال في التوضيح: حكى عبد الوهاب فيه الاتفاق، وحكى صاحب الطراز قولين، وقال: إن المشهور أنه لا يضر، وقال ابن الجلاب: يمنع البناء، والقولان مبنيان على الخلاف فيما قارب الشيء هل يُعطَى حكمه أم لا؟ وفي المجموعة عن مالك أنه كان يتنشف من وضوئه قبل غسل رجليه، وفي حديث البخاري (أنه -صَلَّى الله تعالى عليه وسلم- اغتسل ثم تنحى فغسل قدميه (٢))، وفي حديث المغيرة (أنه ﷺ توضأ وعليه جبة شامية ضيقة الكم فترك ﷺ وضوءه وأخرج يده من كمه من تحت ذيله حتى

стр. 371

غسلها (١))، وإذا قلنا: إن التفريق اليسير لا يضر فظاهر كلامهم أنه لا كراهة في ذلك. قاله الحطاب. قال. وقال ابن ناجي ولا خلاف أن التفريق اليسير مكروه، وظاهر كلام الجلاب أنه ممنوع، ولا أعرف له موافقا، وصرح الشبيبي في شرح الرسالة بالكراهة من غير ضرورة، قال: ولا يفسد بلا خلاف الحطاب: ووجهه ظاهر، والتفريق اليسير عمدا لا يحد بجفاف الأعضاء كما حد في حق العاجز بذلك. بل هو أقل منه لعدم عذره. الحطاب هذا هو الظاهر من كلام أهل المذهب، وما قاله ابن فرحون من أن حد اليسير ما لم تجف أعضاء الوضوء غير ظاهر، ولما ذكر أن الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة أخذ يبين حكم ما إذا ترك الموالاة نسيانا أو عجزا، وبدأ بالنسيان فقال: وبنى بنية من نسي يعني أن من نسي عضوا من أعضاء وضوئه، أو ترك منها لمعة فإنه يبني على وضوئه المتقدم بالنية؛ أي يتممه ولا يستأنف الوضوء، بل يأتي بما ترك منه عضوا أو لمعة مطلقا طال التفريق أم لا، يريد: ويعيد ما بعد ذلك العضو أو تلك اللمعة لن أعضاء وضوئه مفروضا أو مسنونا، وهذا إذا ذكر بالقرب قبل جفاف أعضائه، وإن ذكر بعد الطول بجفاف أعضائه لم يعد ما بعد ذلك العضو ولا ما بعد تلك اللمعة، واستغنى المص عن هذا بما سيذكره في الترتيب من إعادة المنكس وحده إن بعد بجفاف وإلا مع تابعه، فحكم الإعادة في المنكس والمنسي سواء؛ لأن إعادة ما بعده إنما هي لأجل الترتيب، فلو لم يعد ما بعده لم يكن عليه شيء، وحكم الإعادة السنة في هذا وفي مسألة الترتيب: والظاهر أن قوله: مطلقا نائب عن المصدر منصوب بقوله: "وبني"؛ أي وبنى بناء مطلقا أي غير مقيد بتفريق يسير، فيبني بالنسيان ولو طال التفريق، وتقدم أنه يعيد ما بعد المنسي من مسنونات الوضوء إن ذكر بالقرب، وذلك لأنه بحكم التبع للفرائض، ومعنى قوله: "بنية" أنا إذا قلنا بالبناء على ما تقدم من وضوئه فلابد له من النية، فلو حصل غسل العضو المنسي بلا نية لم يجزه ذلك، وقوله: "وبنى إن نسي" الخ حكم البناء السنة. وفي حكم النسيان ما إذا أعد من الماء ما جزم بأنه يكفيه فتبين خلافه، أو أراقه شخص، أو غصبه، أو أريق منه بغير اختياره، أو أكره على التفريق، والظاهر أن الإكراه هنا يكون بما يأتي في

стр. 372

الطلاق من خوف مولم فأعلى؛ إذ هذا الإكراه هو المعتبر في العبادات. قاله الرماصي: ومن عجز لمرض، فإن وجد من يستنيبه، وجب عليه أن يستنيبه فإن لم يجد من يستنيبه فالظاهر أنه كالإكراه، فحكمه كالنسيان. قاله الرماصي: وفي الحطاب بعد جلب نقول: فظهر من هذا أن العاجز إذا أعد من الماء ما يكفيه ثم غصبه أو أهريق أو أهراقه بغير تعمد أو أكره على التفريق يبني وإن طال، كالناسي بلا خلاف عند بعضهم، كما يظهر من كلام اللخمي وابن رشد، وعند بعضهم على الراجح، وإن فرق بعد التذكر ابتدأ وضوءا آخر، وما تقدم من أن حكم البناء السنة قاله الشيخ عبد الباقي، وهو يفيد أن البناء على الوضوء سنة، فإذا رفض ما فعل منه وابتدأ وضوءا آخر كان مخلا بالسنة، وقد صرحوا بأن المتوضئ مخير في إتمام وضوئه وتركه، ونظموا ما يجب إتمامه بالشروع وما لا يجب إتمامه فقالوا: صلاة وصوم ثم حج وعمرة … طواف عكوف بالشروع تحتما وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن … فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن عجز يعني أن المتوضئ إذا غسل بعض أعضاء وضوئه فعجز عن إتمامه لكونه ظن أن الماء الذي أعده لوضوئه يكفيه فلم يكفه، فإنه يبني؛ أي يتم وضوءه. ما لم يظن يعني أن هذا العاجز إنما يبني إذا لم يطل ما بين العضو الذي عجز عنده والقدرة على إكمال وضوئه، والطول الذي يمنع البناء ويوجب الاستيناف محدود بجفاف أعضاء أي يبسهما بتقدير وقوع الوضوء في زمن معتدل هو والشخص المتوضي، ولذا قال: اعتدلا بألف التثنية؛ أي الشخص صاحب الأعضاء والزمن، ومعنى اعتدال الشخص أن يكون معتدل المزاج، وأما كونه بين الشباب والشيخوخة فمن صور اعتدال المزاج غالبا، ومعنى اعتدال الزمان كونه بين الشتاء والحر، وأما اعتدال المكان فيستلزمه اعتدال الزمان، وما مشى عليه المص هو المشهور، وهو نص المدونة. قاله الحطاب. وصرح الجزولي والشيخ يوسف بن عمر بأن المشهور في الطول التحديد بالعرف، ولو غسل وجهه ويديه ثم وقع فصل ثم مسح رأسه قبل جفاف ماء اليدين وبعد جفاف ماء الوجه، فالظاهر من كلامهم اغتفار ذلك، وكذا لو غسل الغسلة الأولى والثانية ثم تذكر فغسل

стр. 373

الثالثة ثم غسل العضو الذي يلي الثالثة بعد مدة تجف فيها بلة الأولى دون الثالثة، فالظاهر من كلامهم أيضا اغتفار ذلك أيضا. وقوله: وإن عجز بنى استنانا. قاله الشيخ عبد الباقي. وفيه ما تقدم. والله تعالى أعلم. وفي حكم العجز ما إذا ذكر بعد نسيان ولم يجد فإنه يبني ما لم يطل بجفاف أعضاء بزمن اعتدلا ولو أعد من الماء ما ظن أنه لا يكفيه أو شك في ذلك فإنه يبتدئ وضوءه ولا يبني على المشهور، وكذا لو أعد ما جزم أنه لا يكفيه فإنه لا يبني؛ لأنه متعمد طال التفرق أم لا إلا في اليسير الذي يغتفر للمتعمد. قاله الحطاب. وقال الشيخ الأمير: فإن علم عدم كفايته ومنه ظنه فلا يبني وإن قرب؛ للتلاعب والدخول على الفساد وعدم جزم النية فهو أشد من عمد التفريق المغتفر فيه القربُ كما في على الأجهوري والحاشية وغيرهما. انتهى. وقوله: "وإن عجز ما لم يطل" يحمل على صورة واحدة كما مثلتُ، ولا يحتاج العاجز لنية، والفرق بينه وبين الناسي أن الناسي لما كان عنده الإعراض عن الوضوء احتاج إلى تجديد النية، بخلاف العاجز فإنه لما لم يعرض عن الوضوء ولم يذهل عنه لم يحتج لنية: وما تقدم من أنه إنما يبني في صورة العجز التي مثلتُ بها: هو الذي قاله الشيخ محمد بن الحسن تبعا للإمام الحطاب. وقال إنه حمل قول المص على تلك الصورة فقط وهي ما إذا أعد ما ظن أنه يكفيه فقصر به، ثم قال: وهذا كله على ظاهر المص في التفريق بين العاجز والعامد، والمعتمد خلافه. وإذا ذكر بعد نسيان بادر، فإن أخر عمدا بطل وضوءه إن تفاحش، وإلا لم يبطل، فإن ذكر اللمعة أو العضو في موضع لم يجد فيه ما يغسلهما به بنى ما لم يطل بجفاف أعضاء كما تقدم، وقيل يبني مطلقا وجد الماء قريبا أو بعيدا إذا لم يفرط، ومضى مبادرا، فإن ذكر ما نسي ثم نسي بعد ذكره فهل يبني في النسيان الثاني كالأول أم لا؟ قولان وظاهر المدونة أنه لا يعذر بالنسيان الثاني، وهو خلاف ما تقدم عن ابن رشد في مسألة من صلى الخمس بوضوء وجب لكل صلاة، ثم ذكر مسح رأسه من وضوء إحداها أنه يمسحه ويعيد الخمس، فإن أعاد الخمس نَاسيا لمسح رأسه، قال ابن رشد: يمسحه ويعيد العشاء فقط، وإذا كانت اللمعة من مغسول الوضوء غسلها ثلاثا، وكذلك إن نسي عضوا غسله ثلاثا، فإن كان ذلك بالقرب أعاد ما بعده مرة مرة، وإن ذكر بعد البُعد غسل موضع اللمعة فقط أو العضو فقط إلا أن يكون إنما غسل تلك الأعضاء أولا مرة مغ فإنه يعيدها

стр. 374

مرتين، وإذا تذكر موضع اللمعة غسلها خاصة وإن لم يتحقق موضعها غسل العضو كله. نقله الحطاب. قال: وهذا إذا تيقن أنه ترك لمعة أو عضوا، فإن لم يتيقن ذلك بل شك فيه فقال في المدونة: ومن شك في بعض وضوئه فلم يتيقن أنه غسله فليغسل ما شك فيه، قال اللخمي إن كان ذلك بحدثان وضوئه نظر؛ فإن كان على العضو بلل كان ذلك دليلا على أنه غسله، وإن لم يكن به بلل غسله، وإن كان ذلك بعد طول مما يجف فيه لو كان غسله فإن عليه غسله إلا أن يكون ممن يتكرر ذلك عليه، ومن ذكر لمعة من غسله أو عضوا فحكمه حكم من ذكر ذلك من وضوئه إلا أنه لا يعيد ما بعد ذلك ولا يغسلها ثلاثا، ومن ذكر لمعة من الوضوء من إحدى يديه لا يدري من أي يد هي إلا أنه يعلم موضعها من إحدى اليدين غسل ذلك الوضع من يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، وأعاد بقية وضوئه إن كان بالقرب، وإن طال غسل ذلك الموضع من اليدين جميعا، ومن ذكر مسح رأسه لم يجزه أن يمسحه بما في ذراعيه أو لحيته من بلل لقلة ما يتعلق بذلك من الماء، إلا أن تكون لحيته عظيمة بحيث يكون فيها من الماء ما فيه كفاية للمسح، فأجاز ذلك ابن الماجشون، ومنعه مالك في المدونة، وخرج ابن رشد وصاحب الطراز ذلك على حكم الماء المستعمل، وكذا اللخمي وابن بشير. قال الحطاب: وفي التخريج نظر؛ لأن المشهور في الماء المستعمل الكراهة مع وجود الغير فينبغي أن يحمل كلامه في المدونة على ما إذا لم يكن فيها كفاية، أو كان متغيرا، أو كان الماء قريبا، وأما إن كان الماء كثيرا أو ليس عنده غيره فإنه يتعين عليه أن يستعمله، ويكون قول ابن الماجشون حينئذ تفسيرا لها لا خلافا والله سبحانه أعلم. أو سنة عطف على قوله واجبة؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الموالاة سنة، وشهره في المقدمات في ذلك خلاف وعلى القول بالسنة إن فرق ناسيا فلا شيء عليه، وكذا عامدا عند ابن عبد الحكم، ولابن القاسم يعيد الصلاة والوضوء أبدا. قال الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن المعتمد من المذهب أن من فرق الطهارة عامدا أعاد الوضوء والصلاة أبدا، ومن فرقها ناسيا أو عاجزا بنى، فالخلاف إنما هو في التعبير كما مر في حكم إزالة النجاسة فتأمله منصفا. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي إنه خلاف معنوي، وقال الشيخ محمد بن الحسن: إنما يظهر أنه معنوي إن راعينا قول ابن عبد الحكم على السنة، وأما على المشهور وهو قول ابن القاسم في العمد يعيد

стр. 375

الوضوء والصلاة أبدا فهو لفظي، وهو الحق. انتهى. وقيل إن الموالاة فرض على الإطلاق، وعليه تجب إعادة الوضوء والصلاة على من فرقه ناسيا أو عامدا، وقيل فرض فيما يغسل، سنة فيما يمس، وقيل واجبة في المغسول والممسوح البدلي دون الأصلي، وقيل واجبة إذا توضأ في وقت الصلاة. وغير واجبة إذا توضأ قبل الوقت. واعلم أن الإمام مالكا يقول: لا أحب فيما لا يجوز عنده بوجه، وكان العلماء يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام فيما طريقه الاجتهاد، ويكتفون بقولهم. ولا أحبه، ولا بأس به، وما أشبه هذا من الألفاظ فيكتفَى بذلك من قولهم. قاله الحطاب. واعلم أن إدمان الوضوء موجب لسعة الخلق، وسعة الرزق، ومحبة الحفظة، ودوام الحفظ من المعاصي والمهلكات. فقد جاء: الوضوء سلاح المؤمن وهو مجرب، وتأخير غسل الجنابة يمَكِّن الخوف من النفس، ويقلل البركة من الحركات. واعلم أن الحضور في الصلاة بقدر الحضور في الوضوء، ويقال إن الأكل على الجنابة يورث الفقر، والكلام في الخلاء يورث الصمم. (ونية رفع الحدث) هذه هي الفريضة السابعة وأخرها لطول الكلام عليها؛ يعني أن المتوضئ يلزمه أن ينوي رفع الحدث أي إذهابه وإزالته، والحدث هنا هو الوصف الحكمي القدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية، ويصح أن يراد به المنع المرتب على الأعضاء، وهما متلازمان، فإذا ارتفع أحدهما ارتفع الآخر، وفي الحطاب: أن التيمم لا تصح صلاته حتى ينوي استباحة الصلاة المعينة، ويأتي ما يخالفه (عند وجهه) يعني أن النية إنما تكون عند أول مغسول، فتكون عند الوجه إن بدأ به، وقيل عند يديه، وجمع بعضهم بين القولين فقال: يبدأ بالنية أول الفعل، ويستصحبها أول الفرض، وسيأتي أن ما تقدم من السنن غسل الوجه لابد فيه من النية، وهو أربع: اليدان، والمضمضة، والاستنتناق: والاستنثار، وأن ما بعده منها يندرج في نية الوضوء (أو الفرض) يعني أن المتوضئ لا بد أن ينوي رفع الحدث كما مر، أو ينوي الفرض أي امتثال أمر الله بأداء ما افترضه عليه؛ فإن الله تعالى فرض عليه أن يتوضأ إذا قام إلى الصلاة، والفرض له معنيان أحدهما ما تتوقف صحة العبادة عليه، والثاني ما يثاب على فعله ويترتب العقاب على تركه، والرأد هنا الأول ليشمل وضوء الصبي والوضوء للنافلة والوضوء قبل الوقت، وإذا نوى الفرض ولم يلاحظ أحد المعنيين السابقين، أي ما

стр. 376

تتوقف صحة العبادة عليه، وما يثاب على فعله ويعاقب على تركه فالظاهر الصحة، ولو قبل الوقت؛ لأن كل متوض يعلم أن صحة العبادة تتوقف عليه. كما قاله الشيخ إبراهيم. وكذا لو نوى الوضوء الذي أمر الله به. واعلم أن الصبي له أن يصلي بوضوئه بعد بلوغه. قاله الأمير في حاشيته أو أستباحة ممنوع يعني أن كيفية النية ثلاثة أوجه كل واحد منها كاف، اثنان تقدما، والثالث أن ينوي بوضوئه استباحة ما كان الحدث مانعا له، والنية من باب الإرادات والقصود فهي من كسب العبد. واعلم أن للنية محلا، وحقيقة، وفائدة، وحكما، ومتعلقا، ومجل وقوع؛ فَمَحلها: القلب، وسيأتي له مزيد بيان، وحقيقتها: أن يقصد بقلبه ما يريد فعله وليس عليه نطق بلسانه، وفائدتها: تمييز ما يحتمل العبادة وغيرها كالغسل عبادة ونظافة وتمييز أنواع الفعل الواحد، وحكمها: الفريضة هنا، وحكى ابن رشد عليه الاتفاق، وجعله المازري المشهور، ومتعلقها: رفع الحدث أو الفرض أو استباحة ممنوع، وَمَحَلُّ وقوعها: الوجه، وقيل عند غسل يديه إلى الكوعين، وجمع بينهما بأن يستصحبها للوجه، وقد مر ذلك، فإن جمع المتوضي بين الثلاثة أي نية رفع الحدث والفرض واستباحة ممنوع أجزأ كما لو جمع بين اثنين منها ناسيا للآخر، أو خطر بباله واحد منها ناسيا لاثنين لا إن أخرج للتنافي فتبطل؛ كأن يقول: أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة، أو أستبيح الصلاة ولا أرفع الحدث، وتكون النية كالعدم، ودليلُ وجوب النية قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١))، فأفاد بالجملة والأخيرة أنه لابد في حصول كل عمل من نية تخصه، وتمام الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينحكها فهجرته إلى ما هاجر إليه، واستدل لها أيضا بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية ووجه الاستدلال بها أن الله تعالى أمر بالوضوء لأجل الصلاة، ولا معنى للنية إلا فعل أمر لأجل فعل آخر، وقد تقدم أنها واجبة في الوضوء اتفاقا عند ابن رشد ونحوه لابن حارث، وقال المازري على

стр. 377

الأشهر، وقال ابن الحاجب على الأصح. ابن فرحون واعترض على ابن الحاجب قوله على الأصح؛ لأنه يقتضي أن مقابله صحيح وهو شاذ في غاية الضعف، فكان ينبغي أن يقول على المشهور: وأجيب بأنه يطلق الأصح على المشهورة والنية تقدم أنها من باب الإرادات، والقصود يقال. نواك الله بحفظه أقي قصدك، والإرادة قد تتعلق بفعل الغير بخلاف النية، فتقول أريد مغفرة الله: والفرق بين النية والعزم أن العزم تصميم على إيقاع الفعل، والنية تمييز له فهي أخفض منه رتبة وسابقة عليه، وقد تقدم أن محل النية القلب فمن شج في رأسه مأمومة أو موضحة خطئا فذهب عقله فله على مذهب إمامنا مالك دية العقل، ودية المأمومة أو الموضحة لا يدخل بعض ذلك في بعض؛ إذ ليس الرأس عنده محل العقل وإنما محله في مذهب مالك القلب، وهو قول أكثر أهل الشرع، فهو كمن فقأ عين رجل وأذهب سمعه في ضربة، وعلى مذهب ابن الماجشون إنما له دية العقل؛ لأن محله عنده وعند أبي حنيفة الرأس وهو مذهب الفلاسفة، وأما عمدا فيقتص من الموضحة فإن ذهب فواضح، وإلا فالدية في مال الجاني كما يأتي إن شاء الله، وفي المأمومة ديتها ودية العقل. واعلم أن الجسم قالب للنفس هي فيه كالسيف في الغمد، وكالسلطان الجالس بقبته فالقلب سريره والدماغ كرسيه، وجعل الله في الرأس عشر حواس: خمسا ظاهرة العين والأذن والشم والذوق واللمس، ويشاركه في هذا سائر البدن، وخمسا باطنة هي الحس المشترك، ومركزه مقدم الدماغ، والقوة المصورة، وهي أعلى منه، والقوة الخيالية؛ وهي في وسط الدماغ، والقوة الحافظة، والقوة الوهمية أعلى منها، والحواس الظاهرة توصل إلى الباطنة وهي توصل للنفس، والمحرك للحواس هو القلب اللحماني، والنفس والروح بمعنًى. نقله الحطاب عن ابن رشد. واعلم أن الإنسان يثاب على نيته حسنةً واحدة، وعلى فعله عشر حسنات؛ لأن الأفعال مقاصد، والنيات وسائل؛ وهي أخفض رتبة من المقاصد. واعلم أن الشريعة إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه، والمطلوب نواهٍ وأوامر، فالنواهي يخرج الإنسان من عهدتها بعدم فعلها وإن لم يشعر بها فضلا عن القصد إليها، فإن نوى تركها لله حصل الثواب مع الخروج من العهدة، فالنية شرط في

стр. 378

الثواب فقط لا في الخروج من العهدة، والأوامر منها ما صورة فعله كافية كأداء الديون والودائع ونفقات الزوجات والأقارب؛ فإن المقصود منها انتفاع أربابها، وذلك لا يتوقف على نية، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها، لكن لابد في حصول الثواب فيها من نية الامتثال كما قال القائل (١)): وليس في الواجب من نوال … عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط … وغير ما ذكرته فغلط يعني أن الواجب الذي لا تتوقف صحة فعله على نية لا نوال فيه؛ أي لا أجر إذا لم ينو فاعله حين التلبس به امتثال أمر الله ، وذلك كالإمامة في الصلاة، والإنفاق على الزوجات والأقارب والدواب، ورد المغصوب والعواري والودائع ودفع الديون؛ فهي وإن وقعت واجبة مبرئة للذمة لا ثواب فيها، ومنها ما لا يكون صورة فعله كافية في تحصيل المقصود منه كالصلاة والطهارة والصيام والنسك والزكاة، فإن المقصود منها تعظيم الله تعالى والخضوع له، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله، وهذا القسم هو الذي أمر الشارع فيه بالنيات، وإذا وجدت النية ففيه الثواب وإن لم ينو الامتثال خلافا للقرافي؛ فإنه لابد عنده في الثواب من نية الامتثال توقفت صحة الفعل على نية أم لا، ولابد أن تكون النية مقارنة لأول الفعل إلا الصوم لإتيان أول الصوم حالة النوم فيجوز تقديمها على ما يأتي، والنية حقيقة واحدة لكنها تنقسم باعتبار ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة، فإن نوى المكلف في أول العبادة فهذه نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها فهي نية حكمية؛ بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، وكذلك الإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية، ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها حتى لو مات الإنسان مغمورا بالمرض، يحكم له صاحب الشرع بالإسلام المتقدم بل بالولاية والصديقية وجميع المعارف،

стр. 379

وعكسه يحكم له بالكفر ثم يكون يوم القيامة كذلك، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ مع أنه لا يكون يوم القيامة أحد مجرما ولا كافرا. واعلم أن المنوي من العبادة ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة، والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان: مقصود لغيره مقصود في نفسه كالوضوء؛ فإنه نظافة مطلوب للصلاة مكمل لحسن هيئاتها، والثاني مقصود لغيره كالتيمم فلو نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان للعلماء أحدهما لا يجزئه؛ لأنه نوى ما ليس مقصودا في نفسه، والثاني يجزئه لكونه عبادة، ويتحير المكلف في المقصود لنفسه ولغيره بين قصده لكونه مقصودا في نفسه، وبين قصده للمقصود منه، فالأول كقصد الوضوء: وقد تقدم أنه إذا نوف الوضوء الذي أمر الله به صح، كما أنه يصح إذا نوى الصلاة أو شيئا لا يقدم عليه إلا بارتفاع الحدث الذي هو الاستباحة. واعلم أن المراءاة فيما ليس من العبادات كتحسين الثوب ونحو ذلك قد تكون مذمومة وقد تكون مباحة، وذلك على حسب الغرض المطلوب عنه، فإذا أنفق الرجل ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة، بل ليقال ويعتقد أنه سخي فهذا مراءاة ليس بحرام، وكذلك أمثاله: إلا أنه نظر فيه الشيخ العارف بالله تعالى أبو محمد بن عبد الرحمن بن محمد قدس الله تعالى سره لما في حديث مسلم الذي فيه: (ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأُتِىَ به فعرفه الله نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار (١)). واعلم أن الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة من واجبات الصلاة، وأجمعوا مع ذلك على أن من توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل، ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة، وصلى من غير أن يجدد فعلا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته، وفي الحطاب بعد جلب نقل عن العلماء: فهذا صريح في أن المتوضئ ينوي بغسل يديه والمضمضة والاستنشاق والاستنثار أنها سنن للوضوء، ولو فعل

стр. 380

ذلك من غير نية لم تحصل السنة، ثم ينوي عند وجهه رفع الحدث، وفي المواهب اللدنية للقسطلاني أنه ليس بين العلماء اختلاف في وجوب النية في المقاصد، وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل، فخالف الحنفية في اشتراطها في الوضوء، وخالف الأوزاعي في اشتراطها للتيمم، ولا يحتاج الإيمان للنية وكذا سائر أعمال القلوب من خشية الله وتعظيمه ومحبته وإن مع تبرد مبالغة في إجزاء النية، يعني أن النية المذكورة إذا صحبها قصد التبرد فإنها صحيحة ولا يضرها ما صحبها، ولو قال: بكتبرد لكان أشمل لشموله لتدف أو نظافة أو تعلم أو تعليم للناس كيفية الوضوء، لكن الثلاثة الأول مباحة، والرابع مندوب، وقيل لا يجزئ؛ لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله فقط، وها هنا الباعث الأمران، وكان الجاري على قاعدة المص أن يأتي بلو فإن الخلاف في ذلك في المذهب قاله الحطاب. أو أخرج بعض المستباح يعني أن المتوضئ إذا أخرج في نيته بعض ما يبيحه الوضوء فإن ذلك لا يضر، كما إذا نوى الوضوء لمس المصحف لا للصلاة أو العكس فله الصلاة به على المشهور؛ إذ لا يقطع المسبب عن سببه الشرعي كأتزوج ولا يحل لي الوطء، والحاصل أن له بذلك الوضوء فعل النوي وغيره، وأولى لو نوى شيئا ولم يخرج غيره، وما ذكره المص هو المشهور، وقيل لا يستبيح به شيئا، وقيل يستبيح ما نواه، ومن أمثلة المسألة ما لو نوى أن يصلي به الظهر ولا يصلي به العصر. أو نسي حدثا يعني أن الشخص إذا نوى حدثا ناسيا لغيره فإن ذلك يجزئه ولو لم يحصل منه إلا المنسي، ومثل الحدث سببه فإن نوى غير ما حصل منه عمدا لم يصح وضوؤه لتلاعبه، ومثل ما إذا نسي حدثا ما إذا ذكره ولم يخرجه إذا أخرجه يعني أنه إذا أخرج في نيته حدثا من الأحداث فإن وضوءه يبطل؛ كأن يقول في نيته: أنا رافع لحدث البول لا الغائط، بخلاف ما لو ذكره ولم يخرجه كما مر، وقوله: "لا أخرجه" سواء تيقن حصول ما نواه وما أخرجه أو شك فيهما أو في أحدهما فالصور أربع. قوله: "لا أخرجه" أي حدثا حصل منه يقينا أو شكا فإن تيقن عدم حصوله لم يضره إخراجه. وعلم مما قررت أن المراد بالحدث هنا الأفراد بخلاف قوله: ونية رفع الحدث، فإنه الوصف الحكمي أو المنع كما مر.

стр. 381

(أو نوى مطلق الطهارة) يعني أن المتطهر إذا نوى بوضوئه مطلق الطهارة ملاحظا دورانها بين الحدث والخبث فإن ذلك الوضوء لا يجزئه كما قال الشيخ الأمير، وفي الحطاب قال في التوضيح عن المازري: لو قصد الطهارة المطلقة فإن ذلك لا يرفع الحدث: وذكر صاحب الطراز وغيره أن ذلك يجزئه، ثم قال بعد جلب نقول: فإن كان مراد المص والمازري أن المتطهر تعلق قصده بالطهر بقيد كونه أعم من الخبث والحدث فما قالاه ظاهر، وإن أرادا أن المتطهر قصد الطهارة ولم يرتبط قصده بكونها من حدث فالظاهر الإجزاء كما قال صاحب الطراز، ونقله عن أكثر الأصحاب. انتهى باختصار. قال الشيخ محمد بن الحسن: واعترض بأن كلام المازري صريح في الثاني. قال جامعه عفا الله عنه: والذي تحصل عندي من هذه النقول أنه إن نوى الطهارة ملاحظا دورانها بين الحدث والخبث لم يجزه ذلك، وإن نوى مطلق الطهارة ولم يلاحظ حدثا ولا غيره أجزأه ذلك عند صاحب الطراز، ونقل ذلك عن أكثر الأصحاب لا عند المازري والمص، وأما إن نوى أنه متطهر من الحدث والخبث فقد مر أن ذلك مجزئ على المعتمد. والله أعلم. والظاهر أن مطلق الوضوء كمطلق الطهارة قاله الشيخ عبد الباقي. (أو استباحة ما ندبت له) يعني أن المتوضئ إذا نوى بوضوئه استباحةَ فعلٍ ندبت له الطهارة فإنه لا يرتفع عنه الحدث بذلك الوضوء، فلا يستبيح به شيئا مما منعه الحدث؛ لأن الفعل الذي قصد إليه يصلح فعله مع بقاء الحدث، فلم يتضمن القصد إليه القصد لرفع الحدث؛ كقراءة القرءان لغير الجنب، والدخول على السلطان والأمير، والنوم، وكتعليم العلم وتعلمة، وقراءة حديث رسول الله ﷺ ، ورد السلام والدعاء، (لأنه ﷺ سَلَّمَ- عليه رجل فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه (١))، ولأن أبا موسى الأشعري سأل النبي ﷺ أن يدعو لعمه أبي عامر (فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه ودعا له (٢))، ولا إشكال في هذا؛ لأن هذا الوضوء يرفع الحدث بالنسبة لا فعل له، وإن لم تبح به الصلاة كما في غسل الذمية للوطء، ووضوء الجنب للنوم، فمعنى الاستباحة هنا أن يستبيح ما هو

стр. 382

ممنوع منه على جهة الندب، والقاعدة في هذا أن من نوى ما لا يصح إلا بطهارة كالصلاة ومس المصحف والطواف فيجوز أن يفعل بذلك الطهر غير النوي له، ولن نوى شيئا لا تشترط فيه الطهارة كالنوم وقراءة القرآن لغير الجنب فلا يجوز أن يفعل بذلك الوضوء غيره على المشهور، وقيل يستبيح لأنه نوى أن يكون على أكمل الحالات فنيته مستلزمة لرفع الحدث عنه. انتهى قاله الحطاب. وظاهر كلامهم أنه يحصل له ثواب من فعل هذه الأشياء على طهر، وأما ما لا تشرع الطهارة له فلا يرفع الحدث من باب أولى كتبرد وتنظف، ولا يرد بخبر الترمذي مرفوعا (إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم (١)؛ لأن المطلوب النظافة لا في خصوص أعضاء الوضوء أو قال إن كنت أحدثت فله يعني أن من كان متوضئا وشك هل أحدث أم لا؟ وشرع في وضوء آخر، وقال في نيته إن كنت أحدثت فهذا الوضوء لذلك الحدث، فإن هذا الوضوء لا يجزئه لعدم جزم النية سواء تبين حدثه أم لا؛ لأن الشاك يؤمر أن يأتي بنية جازمة، فمن شك في الحدث واعتقد وضوءه قد بطل بالشك فإنه ينوي رفع الحدث جزما، وحينئذ يجزئه وضوءه تبين حدثه أم لا، وفي الأمير عند قوله: "أو قال إن كنت أحدثت فله" لتردد النية، فإنه علقها بالحدث المحتمل له، وإن كان الشك ناقضا إلا أنه لم يعتبر في نيته، فليس مبنيا على عدم نقض الشك. انتهى. أو جدد يعني أن من توضأ بنية تجديد الوضوء فلما جدد وضوءه تبين حدثه فإن هذا الوضوء لا يستبيح به ما كان ممنوعا منه؛ لأن ما يندب لا يجزئ عن الواجب، ولو نوى المجدد الفرضَ أو رفعَ الحدث فمقتضى العلة صحة وضوئه: ولكن ظاهر كلامهم أنه باطل أيضا، وما ذكره المص في التجديد هو المشهور، وقيل يجزئه؛ لأن نيته أن يكون على أكمل الحالات، وذلك مستلزم رفع الحدث، وبما قررت علم أن قوله: "فتبين حدثه" خاص بقوله: "أو جدد"، وأما قوله: "إن كنت أحدثت فله" فقد مر أنه لا يجزئه ذلك تبين حدثه أم لا أو ترك لمعة يعني أن الشخص إذا ترك لمعة من مغسول الوضوء في الغسلة الأولى فانغسلت تلك اللمعة المتروكة في الغسلة الثانية أو الثالثة

стр. 383

بنية الفضل، فالمشهور أنه لا يجزئه ذلك، ولا بد من غسله بنية الفريضة، فإن أخر غسلها عمدا حتى طال بطل الوضوء، ومثل الغسل المسح، فلو ترك لمعة من الرأس فمسحت بنية السنة لم يجزه، فقوله: "فانغسلت بنية الفضل" أي مثلا، فالمراد عدم نية الفرض، وقد علمت أن قوله: "أو ترك لمعة" لخ هو المشهور، ومقابله الإجزاء. قال ابن عبد السلام: والقولان يشبهان القولين في مسألة الوضوء المجدد، ونقل الحطاب عن سند: لو غسل وجهه ثلاثا وترك منه موضعا لم يصبه الماء إلا في الثالثة: فإن لم يخص الثالثة بنية الفضيلة أجزأه، وإن خصها بنية الفضيلة فيجري على الخلاف في طهارة المجدد. انتهى. فتحصل من هذا أن المراد بنية الفضل أو السنة نية يحدثها عند فعل الفضيلة أو السنة لا المندرجة في نية الوضوء كما صرح به غير واحد. والله أعلم. واللمعة بالضم قال في القاموس: قطعة من النبات أخذت في اليبس، والموضع لا يصيبه الماء في الوضوء أو الغسل. انتهى قاله الحطاب. أو فرق النية على الأعضاء صورتها أن يغسل وجهه بنية رفع الحدث عنه ولا نية له في إتمام وضوئه، ثم يبدو له بعد غسل وجهه فيغسل يديه بنية وهكذا إلى آخر وضوئه، وكذا لو فعل ما عدا العضو الأخير بنية، ولا نية له في إتمام الوضوء، ثم يبدو له فينوي غسله، وهذا القول هو الصحيح من المذهب. وقال ابن بزيزة إنه المنصوص، ومقابله يصح وضوءه وهو لابن القاسم، واستظهره ابن رشد وإلى ذلك أشار بقوله: (والأظهر في) الفرع (الأخير) وهو قوله: "أو فرق النية على الأعضاء" (الصحة) يعني أن ابن رشد استظهر قول ابن القاسم بالصحة فيما إذا فرق النية على الأعضاء، وما قررت به المص هو ما قرره به الحطاب. وقال محمد بن الحسن: هذا مشكل؛ إذ ابن رشد لم يستظهر في مسألة التفريق شيئا أصلا ولم يتكلم عليها، وإنما استظهر قول ابن القاسم: يرفع الحدث عن كل عضو بانفراده، ولما بنى ابن الحاجب الإجزاء في التفريق على هذا القول الذي استظهره ابن رشد نسب له الاستظهار في التفريق، وهو غير ظاهر، إذ قد لا يسلم ابن رشد التفريع المذكور لجواز أن يقول: إن رفع الحدث عن كل عضو بانفرداه مشروط عنده بتقدم نية الوضوء بتمامه، ونص ابن الحاجب: أو فرق النية على الأعضاء، فقولان: بناء على رفع الحدث عن كل عضو، أو بالإكمال، ولو جزأ النية أرباعا. ابن مرزوق: وهذا تلاعب لأن ربع النية لا يرفع الحدث في اعتقاد المتوضي، ولو نوى عند وجهه

стр. 384

ثم عند اليدين فهذا تجديد للنية لا تفريق، واستشكل كل من القولين المتقدمين بأن القول بأنه لا يرتفع الحدث إلا بكمال الطهارة يلزم عليه عدم تأثير الحدث في الأثناء، فإذا بال بعد غسل الرجل اليمنى، لم يلزمه غير غسل اليسرى، وذلك باطل، والجواب أن الحدث من موانع الوضوء فوقوعه في أثنائه يمنع صحة ما فعل قبله، وإن لم يرتفع الحدث، ولا يسمى حينئذ ناقضا. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. واستشكل ابن العربي الآخر بأنه يلزم عليه جواز مس المصحف لمن غسل وجهه ويديه فقط في الوضوء، وهو خلاف الإجماع، والجواب أن المشترط في مس المصحف ليس طهارة العضو بل طهارة الشخص لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فالعضو قد طهر بالفراغ منه، ولا يمس المصحف حتى يطهر الشخص، وبنحو هذا الجواب أجاب ابن عطية والقرافي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعزوبها بعده الهاء الأولى للنية والثانية للوجه، وعزوب النية هو انقطاعها والذهول عنها وقوله: "وعزوبها" مبتدأ، وخبره مغتفر الآتي، ومعنى كلام المص أن الذهول عن النية بعد الإتيان بها في محلها عند غسل الوجه؛ أي أول مغسول مغتفر؛ أي لا يضر، فالوضوء صحيح، ولفظ "مغتفر" يعطي أن الأصل استصحابها إلى آخر الطهارة وهو كذلك، وإنما سقط عنه للمشقة، وهذا ما لم يأت ما يضادها، إما نية مضادة لها كما مر فيما إذا انغسلت لمعة من الغسلة الأولى بنية الفضل، وإما بأن يعتقد انقضاء الطهارة وكمالها ويكون قد ترك بعضها ثم يأتي به من غير نية فلا يجزئ كما تقدم في الموالاة، ورفضها عطف على قوله: "عزوبها": يعني أن رفض النية في الوضوء، أي نبذها وتقديرها كالعدم بعد أن أتى بها في محلها لا يضر، وبما قررت علم أن قوله: "مغتفر" راجع لمسألتي العزوب والرفض، والرفض في اللغة الترك، وهو هنا تقدير ما وجد من العبادة والنية كالعدم، وظاهر كلام المصنف أن رفض النية لا يضر سواء كان بعد كمال الوضوء، أو في أثنائه إذا رجع فكمله بنية رفع الحدث بالقرب على الفور، أما إذا رفض النية في أثنائه ثم لم يكمله أو كمله بنية التبرد أو التنظف أو نية رفع الحدث بعد طول، فلا إشكال في بطلان وضوئه، وأما إذا كمله بالقرب فالذي جزم به عبد الحق أن ذلك لا يضر، ويظهر أن المصنف اعتمده هنا، والذي جزم به ابن جماعة وصاحب الطراز أن ذلك مبطل للوضوء، وهو الذي عليه أكثر الشيوخ، وقال ابن ناجي: الذي نقله عبد

стр. 385

الحق بعيد من غرائب أنقاله، وأما إن رفع بعد كمال الوضوء فالذي جزم به ابن جماعة التونسي أن رفض الوضوء بعد كماله لا يؤثر، ولم يحك في ذلك خلافا، وحكى اللخمي في ذلك الخلاف، قال في التوضيح: والخلاف جار في الصلاة والصوم والحج، وذكر القرافي عن العبدي أن المشهور في الوضوء والحج عدم الرفض عكس الصلاة والصوم. قال الحطاب: صرح القرافي بأن الخلاف جار في كل من الوضوء والصلاة والصوم والحج، وأنه جار في الرفض قبل كمال العبادة وبعد كمالها وهو مشكل؛ فإن الإحرام سواء كان بحج أو بعمرة أو بهما أو بإطلاق لا يرتفض، ولو رفضه في أثناته ولم أر في ذلك خلافا، قال سند في كتاب الحج: مذهب الكافة أنه لا يرتفض وهو باق على حكم إحرامه، وقال داوود: يرتفض وهو فاسد؛ لأن الحج لا ينعدم بما يضاده حتى لو وطئ بقي على إحرامه، وغاية رفض العبادة أن يضادها، فما لا ينتفي مع ما يفسده لا ينتفي مع ما يضاده. انتهى. وقال القرافي: وإذا رفض إحرامه لغير شيء فهو باق عند مالك والأئمة خلافا لداوود، ولم يحك ابن الحاجب ولا ابن عرفة ولا غيرهما في ذلك خلافا، وإذا لم يؤثر الرفض وهو في أثنائه فأحرى بعد كماله، وأما الصلاة والصوم فظاهر كلام غير واحد أن الخلاف جار فيهما سواء وقع الرفض في أثنائهما أو بعد كمالهما (١)، وإذا كان الرفض في أثناء الصلاة والصوم فالمعروف من المذهب البطلان، وفي كلام صاحب الطراز في باب غسل الجنابة ما يقتضي أن العبادات كلها الوضوء والغسل والصلاة والصوم والإحرام لا يرتفض منها شيء بعد كماله، وأن الجميع يرتفض في حال التلبس إلا الإحرام، وبذلك صرح ابن جماعة التونسي، وظاهر كلام الباجي أن الغسل لا يرتفض بلا خلاف. قاله الحطاب. وقال الأمير: وارتفض وضوء وغسل في الأثناء فقط على الأرجح، ويغتفر بعت الفراغ. وعليه يحمل الأصل كصلاة وصوم في الأثناء اتفاقا، وقيل يرتفض هذان مطلقا ورجح، ولا يرتفض حج وعمرة، والتيمم والاعتكاف كالوضوء على الظاهر، ويحتمل رفض الأول مطلقا وجريان الثاني على الصوم. انتهى.

стр. 386

وفي تقدمها بيسير خلاف يعني أن محل النية عند أول مغسول، فإن تأخرت عنه فسدت بلا خلاف، وكذلك إذا تقدمت عن محلها بكثير؛ فإن تقدمت بيسير فإن الشيوخ اختلفوا في إجزائها وعدمه على قولين شهر كل منهما. قال ابن رشد: والقول بالإجزاء هو المشهور، وقال ابن عبد السلام وهو الأشهر: ومقتضى الدليل خلافه، والقول بعدم الإجزاء قال المازري إنه الأصح، وقال ابن بزيزة: هو المشهور، وقال الشبيبي: هو الصحيح، ومن الفصل اليسير؛ من مشى إلى الحمام أو إلى النهر ناويا غسل الجنابة، فلما أخذ في الطهر نسيها، قال عيسى عن ابن القاسم: يجزئه فيهما، وشبهه ابن القاسم بمن أمر أهله فوضعوا له ماء يغتسل به من الجنابة، وقال سحنون: يجزئه في النهر لا في الحمام، وقال ابن رشد: وجهه أن النية بعدت لاشتغاله بالتحميم قبل الغسل، وكذلك لو ذهب إلى النهر ليغسل ثوبه قبل الغسل فغسله ثم اغتسل، لم يجزه على مذهبه، ولو لم يتحمم قبل الغسل في الحمام لأجزاه كالنهر، ووجه ما قاله ابن القاسم أنه لما خرج إلى الحمام بنية أن يتحمم ثم يغتسل لم ترتفض عنده النية. انتهى ونقل القرافي قولا بعدم الإجزاء في النهر والحمام. قاله الحطاب. ولبعضهم: من استقبل الحمام للغسل فاغتسل … ولم يتحمم غسله ما به خلل فإن يتحمم قبل لم يجز غسله … إذا لم يجدد نية حين يغتسل وإن يقصد التحميم والغسل بعده … أجاز له ابن القاسم الغسل إن فعل وما عند سحنون يجوز اغتساله … إذا لم يجدد نية الطهر إذ بطل وقال الشيخ عبد الباقي ممثلا لليسير: كنية خروجه من بيته إلى حمام مثل حمام المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم؛ لأن مالكا حده كذلك وهو بالمدينة فما أشبهها من قرية صغيرة كذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لم نر من نقل عن مالك في ذلك شيئا، وإنما نقله ابن عرفة والتوضيح والمواق والحطاب عن ابن القاسم، وليس في كلامهم تحديد ولما أنهى الكلام على الفرائض شرع في السنن فقال: (وسننه: غسل يديه أولا) أولا يعني أن من سنن الوضوء أن يغسل المتوضئ يديه أولا؛ أي عند ابتداء الوضوء توضأ من الإناء أو النهر، فقولهم:

стр. 387

قبل دخولهما في الإناء غير مقصود، هذا هو الظاهر. والله أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الحطاب: قوله: "أو لا"يريد في أول وضوئه قبل أن يدخلهما في الإناء لقوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (١))، وعبارة الأمير: وسننه غسل اليدين للكوعين أولا قبل إدخالهما الراكد القليل من تتمة السنة فيه، وأما تقديمهما على المضمضة فترتيب سنن مستحب كما في الشبراخيتي. انتهى. فتحصل من هذا أن غسلهما قبل إدخالهما في الماء القليل من تمام السنة، وأما غسلهما قبل المضمضة فمن ترتيب السنن فهو مستحب، وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: واستشكل جعل أولا مما تتوقف عليه السنة مع جعل ترتيب السنن في أنفسها أو مع الفرائض مستحبا، فإذا تمضمض أولا ثم غسل يديه فإنه يستحب، والجواب أن الترتيب والتنكيس إنما يكون بعد تحقق سنتين أو أكثر، وفيه أن قوله: "أولا" يحتمل أن معناه: قبل إدخالهما في الإناء، وعلى هذا فهو من جملة ما تتوقف عليه السنة، لكن إن كان الماء قدر ءانية وضوء أو غسل وأمكن الإفراغ منه، وإلا أدخلهما إن كانتا طاهرتين أو مشكوكا فيهما، وكذا إن كانتا نجستين نجسا لا يغير الماء، وهل ولو أمكنه التحيل على الماء بفمه أو كمه؟ وهو ظاهر الباجي، أو مع عدم إمكان التحيل، وإلا قدمه وهو ظاهر ابن رشد، ويمكن حمل ما للباجي عليه، فإن كان يتنجس منهما تحيل إن أمكن، وإلا تركه وتيمم؛ لأنه كعادم الماء، وأما إن كان الماء جاريا أو مطلقا كثيرا فلا تتوقف السنة على غسلهما قبل إدخالهما في الإناء. انتهى. ونقل الحطاب عن سند: أن غسل اليد إنما شرع مقدما على إدخالها في الإناء، هذا وضعه في الشرع. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وإنما يكون غسلهما سنة إن تيقن طهارتهما قال ابن عرفة: وسننه غسل يديه الطاهرتين قبل إدخالهما

стр. 388

إناءه. أبو عمر: المشهور كراهة تركه. أشهب: ليس ذلك عليه. وسمع ابن القاسم: من أدخلهما من نوم في إنائه فلا بأس بمائه. التونسي: أفسده ولو كان طاهرَهما. واعلم أنه إذا لم يمكن الإفراغ من الإناء فإنه يدخل يديه فيه إن لم يعلم بهما دنسا، ولا يأخذ الماء بفيه ليغسلهما؛ إذ ليس ذلك من عمل الناس، فإن كانت نجسة فلا يدخلها حتى يغسلها، وليحتل في ذلك بأن يأخذ الماء بفيه أو بثوب أو بما يقدر عليه، ولا يقال نقله بفيه يضيف الماء؛ لأنه وإن كان يضيفه ينفعه في إزالة عين النجاسة فلا يتنجس الماء بإدخالهما بعد ذلك، وإن لم يقدر على ذلك بحيلة وكان يغير الماء فلا يدخل يده فيه، وحكم هذا حكم من ليس عنده ماء فيتيمم، وإن كان لا يغيره فليدخل يده فيه، ثم يغسل يده بما يغرف بها من الماء، ثم يتوضأ أو يغتسل؛ لأنه ماء يسير حلته نجاسة ولم تغيره فإنما يكره مع وجود الغير. انتهى. كلام الحطاب باختصار وتغيير. واعلم أن الذي يتحصل من تتبع كلامهم أن المراد بقوله: "أولا" قبل إدخالهما في الإناء لا أن المراد به قبل فعل شيء من أفعال الوضوء. والله سبحانه أعلم. ثلاثا يعني أن غسل اليدين الذي هو سنة يكون ثلاث مرات، والثلاث من تمام السنة، وقوله: "ثلاثا" هذا هو المعروف، وقال الجزولي اختلف هل يغسلهما ثلاثا أو اثنتين؟ وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث قاله الحطاب. وما ذكره المص من سنية غسل اليدين هو المشهور، وقيل مستحب، وقيل إن كان عهده قريبا بالماء فهو مستحب، وإن كان بعيدا فسنة، وفيه خارج المذهب أقوال أحدها أنه واجب لظاهر الحديث فالأمر للوجوب، ثانيها يجب على المنتبه من النوم دون غيره، ثالثها إن كان من نوم الليل وجب، وإلا فلا لقوله في الحديث: (أين باتت يده (١))، والبيات إنما يستعمل في الليل، الرابع إن كان جنبا وجب، وإلا فلا. قاله الحطاب. وقوله تعبدا يعني به أن غسل اليدين في الوضوء قبل إدخالهما في الإناء تعبدٌ؛ أي ليس بمعقول المعنى. قاله ابن القاسم وهو المشهور. وقال أشهب معقول المعنى فالغسل عنده للنظافة، وقوله -صلى الله

стр. 389

عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (١)) تعيين الثلاث يدل للتعبد، والتعليل بكونه لا يدري أين باتت يدد يدل على أنه معقول المعنى، فهو معلل بالنظافة، وقوله: تعبدا مفعول لأجله، قاله الشبراخيتي. بمنطلق متعلق بقوله: "غسل"؛ يعني أنه لا تحصل السنة في غسل اليدين إلا إذا غسلهما بماء طهور. ونية يعني أنه لا تحصل السنة في غسل اليدين إلا إذا نوى بذلك الغسل سنة الوضوء، وقوله: "ونية" الظاهر أنه منصوب على أنه مفعول معه. والله أعلم. ولو نظيفتين يعني أنه يسن غسل اليدين ثلاثا ولو كانتا نقيتين وهذا مفرع على المشهور من أن غسلهما تعبد، وأما على أن الغسل للنظافة كما يقوله أشهب فلا يسن له غسلهما حيث كانتا نظيفتين. أو أحدث في أثنائه يعني أنه يسن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لمن أحدث في أثناء الوضوء على المشهور خلافا لأشهب، فهو مفرع على التعبد، وقال الإمام الحطاب عن سند: من أحدث في أثناء وضوئه فإنه يسن له أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في إنائه. انتهى. وذكر بعض الشافعية أن من تيقن طهارة يده فإن شاء أفرغ عليها، أو أخذ بها الماء وغسل يده، ورد عليه سند وقال: هذه قولة متهافتة؛ لأن غسل اليد إنما شرع مقدما على إدخالها في الإناء هذا وضعه في الشرع، وأما من قال يدخلها ثم يغسلها فلا يعرف في السلف ولا يلتفت إلى مثله. انتهى. وصرح بذلك اللخمي في أوائل كتاب الطهارة، وقاله أيضا في المسألة السابعة من سماع أبي زيد من كتاب الطهارة: ويتفرع على التعبد. أيضا قوله مفترقتين يعني أنه يندب للمتوضي في غسل اليدين الذي هو سنة أن يغسلهما مفترقتين، وقد علمت أن التعبد هو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه يغسلهما مفترقتين، وليس قولا له، وقال ابن المنير: وسنة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء أن يفرغ ثلاثا على اليمنى، ثم يفرغ بها على اليسرى فيغسلها. انتهى. وفي الطراز: واختلف في الترتيب بين اليدين وغسلهما قبل إدخالهما في الإناء، فروى أشهب عن مالك أنه يغسل اليمنى ثم يدخلها في الإناء فيفرغ على اليسرى، وقال ابن القاسم في رواية عيسى: أحب

стр. 390

إلي أن يفرغ عليهما فيغسلهما كما جاء في الحديث (١). قاله الحطاب. وأما في بقية الوضوء فاختار مالك أن يدخل يديه في الإناء جميعا، فيغرف بهما جميعا لوجهه ثم لسائر أعضائه، وظاهر قول ابن القاسم أنه يدخل يده الواحدة فيغرف بها على الثانية فيغسل بها وجهه، ثم يفعل كذلك في سائر أعضاته، وهو أحسن من قول مالك؛ لأنه أمكن له من أن يغرف بيديه جميعا، ولعل الإناء يضيق عن ذلك، وإنما يغرف بيديه جميعا في الغسل لقوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه (٢)). والله أعلم. قاله ابن رشد. قاله الحطاب. وقد صرح الأئمة بأن غسلهما مفترقتين مبني على قول ابن القاسم، فيكون ابن القاسم ناقض أصله، وأجاب ابن مرزوق بأن غسلهما مجتمعتين لا ينافي التعبد، وهو ظاهر، وأما غسلهما مفترقتين فإنه يناسب التعبد، ولكن ليس قولا لأشهب، إنما هو روايته عن مالك كما مر قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب حكاية ومَوْعِظَةٌ: ذكر أن بعض المتعبدين لما سمع قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يده (٣))، قال كالمستهزئ: أنا أدري أين باتت يدي، كانت على الفراش، فأصبح يده في دبره إلى ذراعه. ذكر ذلك ابن المفضل في شرح مسلم. انتهى. وَمَضْمَضَةٌ يعني أن السنة الثانية من سنن الوضوء المضمضة: وهي مركبة من ثلاثة أشياء: إدخال الماء فاه، وخضخضته، ومجه، وأصلها في اللغة التحريك والتردد، ومنه قولهم مضمض النعاس في عينيه إذا تردد فيهما، ومضمض الماء في الإناء إذا حركه، قال الشاعر: وصاحب نبهته لينهضا … إذا الكرى في عينه تمضمضا فقام عجلان وما تأرضا … يمسح بالكفين وجها أبيضا
следующие страницы →