وفي تقدمها بيسير خلاف يعني أن محل النية عند أول مغسول، فإن تأخرت عنه فسدت بلا خلاف، وكذلك إذا تقدمت عن محلها بكثير؛ فإن تقدمت بيسير فإن الشيوخ اختلفوا في إجزائها وعدمه على قولين شهر كل منهما. قال ابن رشد: والقول بالإجزاء هو المشهور، وقال ابن عبد السلام وهو الأشهر: ومقتضى الدليل خلافه، والقول بعدم الإجزاء قال المازري إنه الأصح، وقال ابن بزيزة: هو المشهور، وقال الشبيبي: هو الصحيح، ومن الفصل اليسير؛ من مشى إلى الحمام أو إلى النهر ناويا غسل الجنابة، فلما أخذ في الطهر نسيها، قال عيسى عن ابن القاسم: يجزئه فيهما، وشبهه ابن القاسم بمن أمر أهله فوضعوا له ماء يغتسل به من الجنابة، وقال سحنون: يجزئه في النهر لا في الحمام، وقال ابن رشد: وجهه أن النية بعدت لاشتغاله بالتحميم قبل الغسل، وكذلك لو ذهب إلى النهر ليغسل ثوبه قبل الغسل فغسله ثم اغتسل، لم يجزه على مذهبه، ولو لم يتحمم قبل الغسل في الحمام لأجزاه كالنهر، ووجه ما قاله ابن القاسم أنه لما خرج إلى الحمام بنية أن يتحمم ثم يغتسل لم ترتفض عنده النية. انتهى ونقل القرافي قولا بعدم الإجزاء في النهر والحمام. قاله الحطاب. ولبعضهم:
من استقبل الحمام للغسل فاغتسل … ولم يتحمم غسله ما به خلل
فإن يتحمم قبل لم يجز غسله … إذا لم يجدد نية حين يغتسل
وإن يقصد التحميم والغسل بعده … أجاز له ابن القاسم الغسل إن فعل
وما عند سحنون يجوز اغتساله … إذا لم يجدد نية الطهر إذ بطل
وقال الشيخ عبد الباقي ممثلا لليسير: كنية خروجه من بيته إلى حمام مثل حمام المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم؛ لأن مالكا حده كذلك وهو بالمدينة فما أشبهها من قرية صغيرة كذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لم نر من نقل عن مالك في ذلك شيئا، وإنما نقله ابن عرفة والتوضيح والمواق والحطاب عن ابن القاسم، وليس في كلامهم تحديد ولما أنهى الكلام على الفرائض شرع في السنن فقال: (وسننه: غسل يديه أولا) أولا يعني أن من سنن الوضوء أن يغسل المتوضئ يديه أولا؛ أي عند ابتداء الوضوء توضأ من الإناء أو النهر، فقولهم:
стр. 387
قبل دخولهما في الإناء غير مقصود، هذا هو الظاهر. والله أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الحطاب: قوله: "أو لا"يريد في أول وضوئه قبل أن يدخلهما في الإناء لقوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (١))، وعبارة الأمير: وسننه غسل اليدين للكوعين أولا قبل إدخالهما الراكد القليل من تتمة السنة فيه، وأما تقديمهما على المضمضة فترتيب سنن مستحب كما في الشبراخيتي. انتهى.
فتحصل من هذا أن غسلهما قبل إدخالهما في الماء القليل من تمام السنة، وأما غسلهما قبل المضمضة فمن ترتيب السنن فهو مستحب، وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: واستشكل جعل أولا مما تتوقف عليه السنة مع جعل ترتيب السنن في أنفسها أو مع الفرائض مستحبا، فإذا تمضمض أولا ثم غسل يديه فإنه يستحب، والجواب أن الترتيب والتنكيس إنما يكون بعد تحقق سنتين أو أكثر، وفيه أن قوله: "أولا" يحتمل أن معناه: قبل إدخالهما في الإناء، وعلى هذا فهو من جملة ما تتوقف عليه السنة، لكن إن كان الماء قدر ءانية وضوء أو غسل وأمكن الإفراغ منه، وإلا أدخلهما إن كانتا طاهرتين أو مشكوكا فيهما، وكذا إن كانتا نجستين نجسا لا يغير الماء، وهل ولو أمكنه التحيل على الماء بفمه أو كمه؟ وهو ظاهر الباجي، أو مع عدم إمكان التحيل، وإلا قدمه وهو ظاهر ابن رشد، ويمكن حمل ما للباجي عليه، فإن كان يتنجس منهما تحيل إن أمكن، وإلا تركه وتيمم؛ لأنه كعادم الماء، وأما إن كان الماء جاريا أو مطلقا كثيرا فلا تتوقف السنة على غسلهما قبل إدخالهما في الإناء. انتهى. ونقل الحطاب عن سند: أن غسل اليد إنما شرع مقدما على إدخالها في الإناء، هذا وضعه في الشرع. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وإنما يكون غسلهما سنة إن تيقن طهارتهما قال ابن عرفة: وسننه غسل يديه الطاهرتين قبل إدخالهما
стр. 388
إناءه. أبو عمر: المشهور كراهة تركه. أشهب: ليس ذلك عليه. وسمع ابن القاسم: من أدخلهما من نوم في إنائه فلا بأس بمائه. التونسي: أفسده ولو كان طاهرَهما.
واعلم أنه إذا لم يمكن الإفراغ من الإناء فإنه يدخل يديه فيه إن لم يعلم بهما دنسا، ولا يأخذ الماء بفيه ليغسلهما؛ إذ ليس ذلك من عمل الناس، فإن كانت نجسة فلا يدخلها حتى يغسلها، وليحتل في ذلك بأن يأخذ الماء بفيه أو بثوب أو بما يقدر عليه، ولا يقال نقله بفيه يضيف الماء؛ لأنه وإن كان يضيفه ينفعه في إزالة عين النجاسة فلا يتنجس الماء بإدخالهما بعد ذلك، وإن لم يقدر على ذلك بحيلة وكان يغير الماء فلا يدخل يده فيه، وحكم هذا حكم من ليس عنده ماء فيتيمم، وإن كان لا يغيره فليدخل يده فيه، ثم يغسل يده بما يغرف بها من الماء، ثم يتوضأ أو يغتسل؛ لأنه ماء يسير حلته نجاسة ولم تغيره فإنما يكره مع وجود الغير. انتهى. كلام الحطاب باختصار وتغيير.
واعلم أن الذي يتحصل من تتبع كلامهم أن المراد بقوله: "أولا" قبل إدخالهما في الإناء لا أن المراد به قبل فعل شيء من أفعال الوضوء. والله سبحانه أعلم.
ثلاثا يعني أن غسل اليدين الذي هو سنة يكون ثلاث مرات، والثلاث من تمام السنة، وقوله: "ثلاثا" هذا هو المعروف، وقال الجزولي اختلف هل يغسلهما ثلاثا أو اثنتين؟ وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث قاله الحطاب. وما ذكره المص من سنية غسل اليدين هو المشهور، وقيل مستحب، وقيل إن كان عهده قريبا بالماء فهو مستحب، وإن كان بعيدا فسنة، وفيه خارج المذهب أقوال أحدها أنه واجب لظاهر الحديث فالأمر للوجوب، ثانيها يجب على المنتبه من النوم دون غيره، ثالثها إن كان من نوم الليل وجب، وإلا فلا لقوله في الحديث: (أين باتت يده (١))، والبيات إنما يستعمل في الليل، الرابع إن كان جنبا وجب، وإلا فلا. قاله الحطاب. وقوله تعبدا يعني به أن غسل اليدين في الوضوء قبل إدخالهما في الإناء تعبدٌ؛ أي ليس بمعقول المعنى. قاله ابن القاسم وهو المشهور. وقال أشهب معقول المعنى فالغسل عنده للنظافة، وقوله -صلى الله
стр. 389
عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده (١)) تعيين الثلاث يدل للتعبد، والتعليل بكونه لا يدري أين باتت يدد يدل على أنه معقول المعنى، فهو معلل بالنظافة، وقوله: تعبدا مفعول لأجله، قاله الشبراخيتي.
بمنطلق متعلق بقوله: "غسل"؛ يعني أنه لا تحصل السنة في غسل اليدين إلا إذا غسلهما بماء طهور. ونية يعني أنه لا تحصل السنة في غسل اليدين إلا إذا نوى بذلك الغسل سنة الوضوء، وقوله: "ونية" الظاهر أنه منصوب على أنه مفعول معه. والله أعلم. ولو نظيفتين يعني أنه يسن غسل اليدين ثلاثا ولو كانتا نقيتين وهذا مفرع على المشهور من أن غسلهما تعبد، وأما على أن الغسل للنظافة كما يقوله أشهب فلا يسن له غسلهما حيث كانتا نظيفتين.
أو أحدث في أثنائه يعني أنه يسن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لمن أحدث في أثناء الوضوء على المشهور خلافا لأشهب، فهو مفرع على التعبد، وقال الإمام الحطاب عن سند: من أحدث في أثناء وضوئه فإنه يسن له أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في إنائه. انتهى. وذكر بعض الشافعية أن من تيقن طهارة يده فإن شاء أفرغ عليها، أو أخذ بها الماء وغسل يده، ورد عليه سند وقال: هذه قولة متهافتة؛ لأن غسل اليد إنما شرع مقدما على إدخالها في الإناء هذا وضعه في الشرع، وأما من قال يدخلها ثم يغسلها فلا يعرف في السلف ولا يلتفت إلى مثله. انتهى. وصرح بذلك اللخمي في أوائل كتاب الطهارة، وقاله أيضا في المسألة السابعة من سماع أبي زيد من كتاب الطهارة: ويتفرع على التعبد. أيضا قوله مفترقتين يعني أنه يندب للمتوضي في غسل اليدين الذي هو سنة أن يغسلهما مفترقتين، وقد علمت أن التعبد هو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه يغسلهما مفترقتين، وليس قولا له، وقال ابن المنير: وسنة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء أن يفرغ ثلاثا على اليمنى، ثم يفرغ بها على اليسرى فيغسلها. انتهى. وفي الطراز: واختلف في الترتيب بين اليدين وغسلهما قبل إدخالهما في الإناء، فروى أشهب عن مالك أنه يغسل اليمنى ثم يدخلها في الإناء فيفرغ على اليسرى، وقال ابن القاسم في رواية عيسى: أحب
стр. 390
إلي أن يفرغ عليهما فيغسلهما كما جاء في الحديث (١). قاله الحطاب. وأما في بقية الوضوء فاختار مالك أن يدخل يديه في الإناء جميعا، فيغرف بهما جميعا لوجهه ثم لسائر أعضائه، وظاهر قول ابن القاسم أنه يدخل يده الواحدة فيغرف بها على الثانية فيغسل بها وجهه، ثم يفعل كذلك في سائر أعضاته، وهو أحسن من قول مالك؛ لأنه أمكن له من أن يغرف بيديه جميعا، ولعل الإناء يضيق عن ذلك، وإنما يغرف بيديه جميعا في الغسل لقوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه (٢)). والله أعلم. قاله ابن رشد. قاله الحطاب. وقد صرح الأئمة بأن غسلهما مفترقتين مبني على قول ابن القاسم، فيكون ابن القاسم ناقض أصله، وأجاب ابن مرزوق بأن غسلهما مجتمعتين لا ينافي التعبد، وهو ظاهر، وأما غسلهما مفترقتين فإنه يناسب التعبد، ولكن ليس قولا لأشهب، إنما هو روايته عن مالك كما مر قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب حكاية ومَوْعِظَةٌ: ذكر أن بعض المتعبدين لما سمع قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يده (٣))، قال كالمستهزئ: أنا أدري أين باتت يدي، كانت على الفراش، فأصبح يده في دبره إلى ذراعه. ذكر ذلك ابن المفضل في شرح مسلم. انتهى. وَمَضْمَضَةٌ يعني أن السنة الثانية من سنن الوضوء المضمضة: وهي مركبة من ثلاثة أشياء: إدخال الماء فاه، وخضخضته، ومجه، وأصلها في اللغة التحريك والتردد، ومنه قولهم مضمض النعاس في عينيه إذا تردد فيهما، ومضمض الماء في الإناء إذا حركه، قال الشاعر:
وصاحب نبهته لينهضا … إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا … يمسح بالكفين وجها أبيضا
стр. 391
قوله تمضمض أي جال وتردد، وظاهر كلام صاحب الطراز أنه يقال: مصمصه بالصاد المهملة، فإنه قال: المضمضة معجمة، وغير معجمة بمعنى؛ وهي جعلك الماء في الإناء ثم تحركه. انتهى. وفي الصحاح والمصمصة بالمهملة مثل المضمضة إلا أنها بطرف اللسان، والمضمضة بالفم كله. انتهى. وتقدم تعريفها شرعا؛ وهو أنها إدخال الماء فاه وخضخضته ومجه، هكذا عرفها عياض، ولفظ إدخال يقتضي أنه لا بد من تسبب في إدخاله، فإن دخل من غير سبب فاعل لم تعدَّ مضمضة وخضخضة الماء هي تحريكه وإدارته، وهي مشترطة عندنا، وأما عند الشافعية فلا، وفي الزاهي: ولا يمج الماء حتى يخضخضه في فيه، وقال الأبي في شرح مسلم: المضمضة تحريك الماء في الفم بالأصبع، أو بقوة الفم، زاد بعضهم: ثم يمجها، فأدخل في حقيقتها المج. انتهى. والمج هو الدفع من الفم بقوة، فلو فتح فاه ونزل الماء دون دفع، فقولان: بالاكتفاء بتلك المضمضة: وعدمه كما في مجهول الجلاب، وهو الشرمساحي، ولو ابتلع الماء، فقولان. وفي الحطاب بعد تحرير وجلب نقول: فتحصل من هذا أن الظاهر من كلام أهل المذهب اشتراط الخضخضة كما قال الفاكهاني، وأن في ابتلاع الماء قولين، يظهر من كلام الفاكهاني ترجيح الاكتفاء بذلك. وذكر الشيخ سيدي زروق عن شيخه القوري أنه كان يأخذ عدم اشتراط المج من قول المازري: رأيت شيخنا يتوضأ في صحن المسجد فلعله كان يبتلع المضمضة حتى سمعته منه، وإذا قلنا: إن الظاهر إجزاء الابتلاع، فكذلك يكون الظاهر من القولين في إرسال الماء دون دفع الإجزاء. والله أعلم. قاله الحطاب وفي المدخل: ولا يصوت بمج الماء فإن ذلك بدعة ومكروه. قاله الحطاب. وفي شرح عبد الباقي: ولا يصوت بمج الماء كما لا يصوت بالأكل فإن ذلك بدعة.
واعلم أنه لابد في المضمضة من النية كما مر. واستنشاق يعني أن الاستنشاق من سنن الوضوء، ولابد فيه من النية أيضا، والاستنشاق لغة: الشم، وشرعا: جذب الماء بنَفَسه، وما ذكره المصنف من أن المضمضة والاستنشاق سنتان هو المعروف، وذكر المازري أن بعض المتأخرين ذهب إلى أنهما فضيلتان، وقال الإمام الحطاب: ورأيت في بعض كتب الحنفية أنهما واجبتان عند مالك في الوضوء والغسل. وهذا ليس بمعروف في المذهب. انتهى. ويجري في المضمضة والاستنشاق أنه
стр. 392
يفعلهما ولو أحدث في أثنائه، ويأتي فيهما وفي اليدين وهل تكره الرابعة أو تمنع خلاف، وأن كلا من الثانية والثالثة مستحب. قاله الشيخ عبد الباقي.
وبالغ مفطر يعني أن المتوضئ تستحب له المبالغة في المضمضة والاستنشاق إذا كان مفطرا وأما الصائم فتكره له المبالغة فيهما، قال الشيخ زروق: ويستحب للمتوضئ المبالغة برد الماء إلى الغلصمة إلا أن يكون صائما فيكره له ذلك خوفا مما يصل إلى حلقه، فإن وقع وسبقه لزمه القضاء، وإن تعمد كفر. والمبالغة في الاستنشاق كالمبالغة في المضمضة، بل هي الأصل للحديث: (وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (١))، وحكم المبالغة فيهما في الصوم الكراهة. انتهى. ابن فرحون: المبالغة في المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يجعله وجورا، والمبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء إلى أقصى الأنف ولا يجعله سعوطا.
وفعلهما بست أفضل يعني أن فعل المضمضة والاستنشاق بست غرفات أفضل مما عداها، وما ذكره المصنف يصدق بفعل ثلاث المضمضة متوالية، وثلاث الاستنشاق كذلك بعدها، وبفعل المضمضة مرة ثم الاستنشاق مرة، وبغير ذلك، والأولى أفضل عند بعض لحصول الموالاة فيها، وما عداها مستوٍ فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وفعلهما بست أفضل" الذي جزم به ابن رشد، بل ظاهره أنه متفق عليه أن الأفضل فعلهما بثلاث غرفات يفعلهما بكل غرفة منها، وأن فعلهما بست من الصور الجائزة. انتهى قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الحطاب: وظاهر كلام المصنف في التوضيح وابن راشد في شرح ابن الحاجب وابن عبد السلام: أن فعلهما بست متفق على أنه الأفضل، وقد مر عن ابن رشد أنه جزم بأن تداخلهما بثلاث غرفات أفضل، قال وتداخلهما بثلاث هو ظاهر الحديث، واتباع ظاهر الحديث أولى. انتهى.
وجازا يعني أنه يجوز للمتوضئ أن يفعل المضمضة والاستنشاق بتثليثهما بغرفة واحدة؛ بأن يتمضمض بغرفة واحدة ثلاثا على الولاء، ثم يستنشق من تلك الغرفة كذلك أو يتمضمض منها مرة، ثم يستنشق منها مرة، وهكذا كما في الشبراخيتي ويكفيه ذلك.
стр. 393
واحدة: يعني أنه يجوز للمتوضئ أن يفعل واحدة من المضمضة والاستنشاق بتثليثها بغرفة واحدة: والأخرى بتثليثها بغرفة واحدة أو اثنتين أو ثلاث هذا ظاهره، والذي شرح به الحطاب قوله: "أو إحداهما": أنه يشير به إلى أنه يجوز أن يتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة، ثم يستنشق ثلاثا بغرفة واحدة. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو إحداهما بغرفة" والأخرى بأخرى أو بثلاث. انتهى. وبما قررت علم أن قوله: "بغرفة" متعلق بقوله: "وجازا" فهو راجع للفرعين. والله أعلم. والجواز في كلام المصنف على خلاف الأولى؛ لأن الأفضل فعلهما بست لكن تحصل السنة بذلك الجائز. وعبر المصنف بالجواز ليفيد أن هذا ليس بمكروه كما عرفت، وأنث في قوله أو إحداهما باعتبار أن كلا منهما نافلة؛ أي سنة إحدى السنتين، وفي العارضة: أخبرني شيخنا محمد بن يوسف القيسي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت له: أجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة، قال: نعم. قاله الحطاب. وذكر ابن الفاكهاني في شرح الرسالة أن اختيار مالك أن يتمضمض ثلاثا من غرفة واحدة ثم يستنشق ثلاثا من غرفة، قال: وهو أولى: ليكون الاستنشاق كله بعد المضمضة كلها، ويسلم من التنكيس. انتهى نقله الحطاب. قال: وكون اختيار مالك هذا غريب. انتهى. وفيه: وبقي صفة لم أر من ذكرها؛ وهي أن يأخذ غرفة فيتمضمض منها مرتين، ثم غرفة ثانية فيتمضمض منها الثالثة، ثم يستنشق منها المرة الأولى، ثم غرفة ثالثة يستنشق بها مرتين، والظاهر جوازها. انتهى. وقال في الطراز: ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه وهو متفق عليه، ومأثور عن النبي ﷺ ، وقال في الزاهي: وحمل لذلك يعني المضمضة والاستنشاق باليمنى خاصة. قاله الحطاب. ومن لم يستطع ذلك يعني المضمضة والاستنشاق من علة تمنعه لم يلزمه. وفي الرسالة: ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق -والنهاية أحسن- الفاكهاني: وكذا مغسولات الوضوء كلها، وكأن مراده بقوله والله أعلم: والنهاية أحسن، من الاثنين لا الواحدة؛ إذ الاقتصار على الواحدة مكروه، وليس بين الكراهة والحسن صيغة أفعل، ولو قال: ويجزئه الاقتصار على اثنين لكان أبين. انتهى قاله الحطاب. وقال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة: ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق؛ يعني بحيث يفعل لكل واحدة، واحدة أو لواحدة أكثر من الأخرى، أو
стр. 394
اثنتين اثنتين، وسواء الفعلات في المضمضة والاستنشاق، وهو المقصود هنا، أو الغرفات. انتهى. وفي الزاهي: ومن احتاج إلى أكثر مما قدمنا من العدد فعله ولا حرج. قال الإمام الحطاب بأن يكون في فمه أو أنفه نجاسة أو غيرها ولم تخرج إلا بأكثر من ذلك. والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف؛ وهو ملء الكف وقرأ أبو عمرٍو ونافع ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَة﴾ بفتح الغين، والباقون بضمها، ويحكى أن أبا عمرٍو طلبه الحَجاج بشاهد على قراءته من أشعار العرب فهرب منه إلى اليمن، فخرج ذات يوم فإذا هو براكب ينشد قول أمية بن أبي الصلت:
ربما تكره النفوس من الأمـ … ـر له فَرجة كحل العقال
قال: فقلت له ما الخبر؟ قال: مات الحجاج، قال أبو عمرٍو: فلا أدري بأي الأمرين كان فرَحِى أكثر: موت الحجاج، أو قوله فرجة؛ لأنه شاهد لقراءته أي كما أن مفتوح الفرجة هنا بمعنى المنفرج، وكذا مفتوح الغرفة بمعنى المغروف، فقراءة الضم والفتح يتطابقان. قاله الشبراخيتي. واستنثار يعني أن من سنن الوضوء الاستنثار، وهو السنة الرابعة، ولا بد له من نية؛ وهو لغة: طرح الماء من الأنف بالنفَس مأخوذ من نثرت الشيء إذا طرحته، وقيل إنه مأخوذ من تحريك النثرة وهي طرف الأنف، وفي الشرع: طرح الماء من أنفه بنفَسه مع وضع أصبعيه على أنفه، وكرهه مالك دون وضع يده على أنفه، وقال: هكذا يفعل الحمار، قالوا: وإنما يمسكه من أعلاه، ثم يمرهما لآخره؛ لأنه الذي ينظف ويشد أصابعه بالإخراج، وكون ذلك باليسار هو الأولى، والأصبعان المذكوران هما الإبهام والسبابة من اليد اليسرى؛ لأنها المعدة لإزالة الأوساخ. وقال صاحب الطراز ويفعل المضمضة والاستنشاق باليمنى وهو متفق عليه، ويستنثر باليسرى وهو مروي عنه ﷺ (١)، وعلم مما مر أن وضع الأصبعين من تمام السنة وهو كذلك، ونحوه للشاذلي، وقيل مستحب. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الصحيح: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه (٢)) متفق عليه، وما ذكره الشيخ من أن
стр. 395
الاستنثار سنة هو الذي ارتضاه ابن رشد في المقدمات، والقاضي عياض في الإكمال، وفي كلام ابن عبد السلام، والمصنف في التوضيح ميل إليه، وفي الإكمال: الاستنشاق والاستنتار عندنا سنتان، وعدهما بعض شيوخنا سنة واحدة: وقد مر أن مالكا كرهه دون وضع يده على أنفه، ابن رشد: ليلا يسيل الماء الذي استنشقه على فيه أو لحيته.
ومسح وجهي كل أذن يعني أنه يسن للمتوضي أن يمسح وجهي الأذن اليمنى ظاهرها وباطنها، ووجهي الأذن اليسرى ظاهرها وباطنها، فمسحهما معا هو السنة الخامسة: ومسح وجهي إحداهما بعض سنة لا سنة، وما ذكره المص من أن مسح الأذنين سنة هو المشهور، وذهب ابن مسلمة والأبهري إلى أن مسحهما فرض، وقال عبد الوهاب: داخلهما سنة، وفي ظاهرهما خلاف، ونقل ابن رشد الاستحباب، ولم يذكر المصنف مسح الصماخين مع أنه سنة اتفاقا، وهو سنة مستقلة زائدة على مسح وجهي كل أذن. اللخمي: والصماخان سنة اتفاقا، وفي فرض ظاهر أشرافهما وباطنهما قولا ابن مسلمة، مع قولها: الأذنان من الرأس وابن حبيب. انتهى. وعلى ما ذكره عبد الوهاب فاختلف في الظاهر، فقيل ما يلي الرأس، وقيل ما يواجه به، ومنشأ الخلاف النظر إلى الحال، أو إلى أصل الخلقة كالورد ثم تنفتح وما أحسن قول ابن المنير:
الأذن كالوردة مفتوحة … فلا تُمِرَنَّ عليها الخنا
فإنه أنتن من جيفة … فاحرص على الوردة أن تُنتِنَا
وإنما يحسن النظر في هذا الخلاف على القول بأن مسح ظاهرهما مخالف لمسح باطنهما. قاله ابن عبد السلام. قال الإمام الحطاب: ويظهر من كلام ابن الحاجب ترجيح القول بأن ظاهرهما مما يلي الرأس على كل قول، فإنه قال الرابعة: أن يمسح أذنيه بماء جديد ظاهرهما بإبهاميه، وباطنهما بإصبعيه، ويجعلهما في صماخيهما، ثم قال: وظاهرهما مما يلي الرأس، وقيل ما يواجه به قال في التوضيح: قوله بإصبعيه؛ أي سبابتيه. ابن حبيب: ولا يتبع غضونهما أي كالخفين.
стр. 396
انتهى. وهذا يوافق حديث ابن عباس: (باطنهما بالسبابة، وظاهرهما بالإبهام (١)). الشيخ زروق: وكره ابن حبيب تتبع غضونهما؛ لأن مقصود الشارع بالمسح التخفيف، والتتبع ينافيه، والاقتصار على إحدى الجهتين من الظاهر أو الباطن يجري على الخلاف في فرض ذلك وسنيته، وفي الرسالة: يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه، وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. انتهى. وأتى المصنف بلفظة: "كل" ليلا يتوالى تثنيتان، لو قال وجهي أذنين، ولأنه لو قال كذلك لم يتناول مسح باطنهما، وقد علمت أن المصنف غلب الوجه على الباطن.
وتجديد مائهما يعني أنما تجديد الماء لمسح الأذنين سنة مستقلة، وهي السنة السادسة، فإذا جدد لهما الماء ومسحهما به أتى بسنتين، وإذا مسحهما بماء الرأس أتى بسنة واحدة، وهي سنة المسح، وترك سنة تجديد الماء. وفي الأذنين ثلاث سنن: مسح ظاهرهما وباطنهما، وتجديد الماء لهما، ومسح صماخيهما، وما ذكره المصنف هو لابن رشد وعبد الوهاب، وظاهر ابن الحاجب أن المسح والتجديد سنة واحدة، وعليه الأكثر من الأشياخ. قاله التتائي والشاذلي فإن لم يجدد فهو كمن ترك المسح. قاله ابن حبيب. وفي التوضيح: المشهور لابد من تجديد الماء. انتهى. وهذا إنما يظهر على القول بأن المسح والتجديد سنة واحدة، قاله الحطاب. وقال ابن مسلمة: هو مخير في التجديد وعدمه، وقال مالك في المختصر: إن المسح سنة والتجديد مستحب. ابن رشد: والمنصوص لمالك أن الأذنين من الرأس، وإنما السنة تجديد الماء لهما، وقد قيل في غير المذهب إنهما من الرأس تمسحان معه ولا يجدد لهما الماء، وقد قيل إنهما من الوجه تغسلان معه، وقيل باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس.
ورد مسح رأسه: هذه هي السنة السابعة؛ يعني أنه يسن للمتوضي إذا أوعب مسح رأسه الفرضَ أن يمسحه ثانية، فيرد يديه في مسح الرأس إلى المحل الذي بدأ منه، فإن بدأ من مقدم رأسه كما هو المستحب في ذلك ردهما من المؤخر إلى المقدم الذي بدأ منه، وإن بدأ بالمسح من مؤخر رأسه وترك المستحب في ذلك فالسنة أن يردهما من المقدم إلى المؤخر كما صرح بذلك ابن القصار، ونقله
стр. 397
اللخمي وعبد الحق. اللخمي: والفرض في مسح الرأس واحد، وهو بلوغ اليدين إلى مؤخره، ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يرده لأجزأه، والسنة ردهما إلى مقدم الرأس. انتهى. وقيل إن رد اليدين من منتهى المسح لمبدئه فضيلة. قاله الحطاب. قوله: "ورد مسح رأسه" كان عليه شعر أم لا: ونقل الأبي عن النووي: أن من لا شعر له لا يستحب له الرد، لأنه لا فائدة فيه. انتهى.
واعلم أن رد مسح الرأس ولو طال إنما يكون بعد تعميمه بالمسح، فمن طال شعره بحيث لا يعم مسحه إلا بإدخال يديه تحته في رد المسح، يسن في حقه إذا عمم المسح أن يرد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر ما للشيخ محمد بن الحسن عند قوله: ويدخلان يديهما تحته في رد المسح: ومحل كون الرد سنة حيث بقي بيده بلل من المسح الواجب، وإلا لم يسن ولا فائدة فيه، ويكره تكرار المسح بماء جديد، والظاهر أنه إذا بقي بيده بلل يكفي بعض الرأس يسن له المسح بقدر البلل لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١)). قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة المصنف في غاية الحسن؛ لأنه يفيد أن الرد سنة سواء ابتدأ في المسح الفرض من القدم أو المؤخر، وعبارة ابن الحاجب: رد اليدين من مؤخر رأسه إلى مقدمه، تقتضي أن الرد لا يكون سنة إلا إذا كان من المؤخر إلى المقدم، وليس كذلك، ويلزم عليه أن يكون الابتداء من مقدم الرأس سنة، وهو خلاف ما يأتي له؛ يعني ابن الحاجب. قاله الحطاب والأكثر على أن مسح الرأس لا يزيد على اثنتين: الأولى فرض، والثانية سنة أو فضيلة كما مر. اللخمي: واختلف في رد اليدين ثالثة، فقيل لا فضيلة في ذلك وعلى هذا غير واحد من البغداديين، وقال إسماعيل القاضي: جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في مسح الرأس ثلاثا (٢): ويمكن أن يكون ذلك أن يمر اليدين من المقدم إلى المؤخر، ثم يردهما إلى المقدم، ثم يردهما إلى المؤخر، نحو ما روي عن عطاء يريد ولا يستأنف الماء للثانية ولا للثالثة، ولا فائدة في إعادة اليد الثانية أو الثالثة، إلا أن يكون قد بقي في اليد بلل، والغالب بقاء البلل في اليد. انتهى وإنما كان الرد سنة، والغسلة الثانية والثالثة مستحبتان؛
стр. 398
لأن الممسوح في الرد غير الممسوح أولا بخلاف المغسول، هذا في حق ذي الشعر وألحق به غيره. قاله الفاكهاني.
وترتيب فرائضه يعني أن ترتيب الفرائض من سنن الوضوء، ومعنى ترتيبها أن يأتي بها على ترتيب القرآن؛ بأن يقدم الوجه، ويثني بغسل اليدين إلى المرفقين، ويثلث بمسح رأسه، ويربع بغسل رجليه إلى الكعبين وهذا هو المشهور في المذهب. وقيل واجب حكاه ابن زياد عن مالك، وقاله أبو مصعب، ومال إليه ابن عبد السلام، وعزاه في الذخيرة للشيخ أبي إسحاق. وقيل واجب مع الذكر، وعزاه ابن راشد والمص في التوضيح لابن حبيب. وقيل مستحب، وعزاه في الذخيرة لابن حبيب، فتلك أربعة أقوال. ووجه المشهور أن الله تعالى عدل عن أحرف الترتيب وهي: الفاء وثم إلى الواو التي لا تقتضي إلا مطلق الجمع، وقول علي ﵁: (ما أبالي إذا أتممت وضوءي بأي أعضائي بدأت (١))، وقول ابن عباس (بالبداءة بالرجلين قبل اليدين (٢)) أخرجهما الدارقطني مع صحبة علي ﵁ لرسول الله ﷺ طول عمره، فلولا اطلاعه على عدم الوجوب لما قال ذلك، وكذا ابن عباس وحيث انتفى الوجوب قلنا إنه سنة لمواظبة النبي ﷺ على ذلك، واستدل للوجوب بأنه ﷺ توضأ على الترتيب، وقال (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به (٣))، وبقوله ﷺ : (توضأ كما أمرك الله (٤)) وبأنه ﷺ (توضأ على الترتيب (٥))، وفعله محمول على الوجوب، والجواب أن هذه تقتضي أن الترتيب مطلوب، ونحن نوافق على ذلك، ووجه القول بالوجوب مع الذكر أن الترتيب يرجع إلى النهي عن التنكيس، والنهي يفترق عمده من نسيانه، ووجه الاستحباب أنه حيث انتفى الوجوب حمل على الندب؛ إذ هو الأصل في الهيئات، كالابتداء بمقدم الرأس، وبأول العضو، وباليمين قبل اليسار. وإذا قلنا إن الترتيب واجب فنكس وضوءه،
стр. 399
فحكى في التوضيح عن الجواهر أنه اختلف فيه هل يبتدئ الوضوء؟ قاله الحطاب فيعاد المنكس يعني أنه إذا قلنا إن الترتيب سنة، فمن نكس بعض أعضاء وضوئه بأن قدمه عن محله المشروع فيه كما لو غسل اليدين أولا ثم ختم وضوءه فإنه يعيد العضو المنكس، وقد علمت أن المنكس هو المقدم عن محله المشروع له، وقوله: "المنكس" ولو حكماكما لو وضأه أربعة مثلا بلا ترتيب، وسواء كان المنكس عضوا أو بعضه وحده يعني أنه إنما يعيد غسل العضو المنكس وحده ولا يغسل غيره من أعضائه، وإذا أعاد غسله فإنما يغسله مرة واحدة، وإنما يعيد المنكس إذا كان فرضا كما هو الموضوع، وأما السنة المنكسة فلا تعاد من بعد يعني أن محل إعادة المنكس وحده إنما هو حيث بعُدما بين الإعادة والوضوء الذي نكس فيه بجفاف يعني أن البعد الذي لا يعاد معه إلا المنكس وحده محدود بجفاف أعضاء بزمن اعتدلا ويعتبر اعتدال المكان، وقد مر أنه يستلزمه اعتدال الزمان، والمعتبر جفاف الأخير من الأعضاء. وإلا أي وإن لم يبعد ما بين إعادة المنكس وغسل العضو الأخير من الوضوء الذي وقع فيه التنكيس؛ بأن لم يحصل الجفاف المذكور فإنه يعيد المنكس مرة لا وحده، بل يعيده مع تابعه شرعا مرة أيضا لا فعلا، لكن إعادة المنكس سنة، وإعاده ما بعده مستحبة، وقد تقدم أن تنكيس بعض العضو كتنكيس العضو، فمن غسل يديه لكوعيه في أول وضوئه ثم لم يعد غسل كفيه بعد غسل وجهه إن كان قصد بغسل يديه أولا السنية فلا يجزئه وليعد ما صلى بذلك، وإن قصد بذلك الفرض فإنه تجزئه صلاته إلا أنه يصير كمن نكس وضوءه، ومحل الطلب في القسمين؛ أي قسمي القرب والبعد إن أراد البقاء على الطهارة، أو ليفعل بها ما يتوقف عليها، فإن أراد نقضها فلا؛ لأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع، ولو غسل وجهه أولا، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، ثم غسل يديه فإنه يعيد الرأس والرجلين فقط، ولا يشترط الترتيب بينهما لتقدمه، وما ذكره المص في القسمين واضح حيث كان التنكيدى نسيانا، وكذا إن كان عمدا على الأصح، وقيل إن تباعد وجف وضوءه أعاد الوضوء والصلاة أبدا، وقيل إن تباعد وجف فإنما يعيد الوضوء ولا يعيد الصلاة. قاله ابن حبيب. والقول بأنه لا يعيد الوضوء ولا الصلاة مع البعد هو قول مالك في المدونة، وجعل ابن رشد
стр. 400
الجفاف هنا حد البعد في العمد والنسيان، وقد تقدم في الموالاة أن التفريق عمدا لا يحد بالجفاف بل دون ذلك، وينبغي أن يقال هنا كذلك. قاله الحطاب.
واعلم أن صور الوضوء أربع وعشرون صور منها صورة مرتبة، وباقيها منكس وذلك؛ لأن الفرائض المغسولة والممسوحة أربع، ففيما إذا ابتدأ الوضوء بالوجه ست، وكذا إذا ابتدأ بالذراعين، وكذا إذا ابتدأ بالرأس، وكذا إذا ابتدأ بالرجلين كما يظهر ذلك بالتأمل ومن ترك فرضا أتى به وبالصلاة يعني أن من ترك فرضا من فرائض الوضوء عضوا أو لمعة مغسولا أو ممسوحا فإنه يأتي به وبالصلاة المفعولة قبل الإتيان به؛ لأنها باطلة لكونه صلى محدثا لأنه لم يتمم الوضوء، ويأتي بالفرض المذكور بنية إكمال الوضوء، ويعيد ما بعده إن ذكر بالقرب، وإن ذكر بالبعد فإنما يأتي به وحده، وقوله: "أتى به" إن ترك ذلك ناسيا أتى به مطلقا طال التفرق أم لا، ويأتي به بنية كما مر كعامد أو عاجز لم يطل بغير نية فيهما، فإن طال ابتدأ الوضوء وجوبا كما إذا طال تذكره بعد نسيانه، وقد تقدم أنه يأتي بما بعد المتروك إن ذكر بالقرب، وكذا يأتي بما بعده في العمد، والعجز مع القرب، فإن بعد أتى به وحده في النسيان، وبطل في العمد والعجز كما مر، ويأتي به ثلاثا، وبما بعده مرة مرة إن كان قد فعله مرتين أو ثلاثا، وإلا فبما يكمل الثلاث، فيخص قوله: وهل تكره الرابعة لخ بغير هذا. وقوله ومن ترك فرضا أي تركه تحقيقا أو ظنا كشك لغير المستنكح، وإلا لم يعمل به وقوله: ومن ترك فرضا لخ الكلام فيه كالكلام في الموالاة من غير فرق، وقد مر. وقوله: ومن ترك فرضا، يعني غير النية وإلا بطل وضوءه.
وسنة فعلها لا يستقبل يعني أن من ترك سنة من سنن الوضوء تحقيقا أو ظنا كالشك لغير المستنكح يفعلها لما يستقبل من الصلوات ما دام باقيا على طهارته، ولا يعيد ما صلى بذلك الوضوء الذي ترك منه السنة إن كان الترك سهوا، واستحسن اللخمي أن يعيد الناسي في الوقت، والمعروف أن لا إعادة. والسنن التي تفعل إذا تركت: المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وتجديد الماء والترتيب بخلاف مسح الرأس؛ لأن الإتيان به يوقع في مكروه؛ وهو مسح الرد بماء جديد وبخلاف غسل اليدين أولا، لأن لها بدلا فإنه قد ناب عنها الفرض، وهو غسلهما بمرفقيه، وبخلاف الاستنثار، وتقدم أن من ترك سنة يفعلها لما يستقبل من الصلوات، وكذا ما يتوقف على
стр. 401
الطهارة فيما يظهر ولا يؤمر بفعلها إذا أراد نقض الطهارة أو البقاء عليها فقط، أو مع قراءة القرآن متوضئا بغير مصحف، ويعيد الصلاة في الوقت إن تعمد الترك على المعتمد، وقيل يعيد أبدا، وقيل لا إعادة عليه، ومحل كلام المصنف حيث طال الترك فإن لم يطل الترك كما لو ذكر المضمضة والاستنشاق بعد شروعه في غسل وجهه أو بعد تمامه، فإن كان الترك نسيانا تمادى وأتى بهما بعد تمام الوضوء. قاله الشبيبي والبرزلي، وأفتى أبو يوسف الزغبي برجوعه فأنكر عليه فتواه لفتوى من ذكر بخلافه، وأوقف على نص الموطإ فتمادى على فتواه لموافقته له، ونص الموطإ: وسئل مالك عن رجل توضأ فنسي وغسل وجهه قبل أن يتمضمض، قال: يتمضمض ولا يعيد غسل وجهه، فحمل البرزلي قول مالك على غير السهو، قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الوطإ فنسي صريح في رد ما للبرزلي. انتهى. وإن كان الترك عمدا رجع لما تركه قبل تمام وضوئه ولم يعد غسل وجهه، وفي المدونة: ومن ترك المضمضة والاستنشاق ومسح داخل أذنيه في الوضوء والجنابة حتى صلى أجزأته صلاته، وأعاد ما ترك لما يستقبل. انتهى. ولا يعيد في الوقت على المشهور، وأما بعد الوقت فلا إعادة عليه بلا خلاف أعلمه. قاله الحطاب. يعني فيما إذا كان الترك نسيانا. والله سبحانه أعلم. وتقدم أن من تعمد الترك يعيد على المعتمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الحطاب: هو المنصوص لابن القاسم، وقال البساطي إنه المشهور، والقول بأنه لا إعادة عليه في الوقت ولا بعده. قال ابن رشد إنه الصحيح، والقول بأنه يعيد أبدا مضعف، وقد تقدم أن الترك يحصل بالشك في غير المستنكح، وأما المستنكح فقال يوسف بن عمر: يبني على الخاطر السابق، قال الحطاب: هذا على القول الذي مشى عليه ابن الحاجب، وأما على المشهور فإنه يطرح ويلهى عنه. وأما التحقيق فإنه يستوي فيه المستنكح وغيره، وقوله: أتى بها ولا يعيد ما بعدها. وإذا قلنا يجب مسح الأذنين فتركهما سهوا حتى طال فلا يختلف المذهب أنه تصح صلاته. ابن رشد: وجه ذلك مراعاة الخلاف. قاله الإمام الحطاب. ولا فرغ من السنن، وهي لغة الطريقة خيرا كانت أو شرا. وفي اصطلاح الفقهاء لا تستعمل إلا في الخير، وهي ما فعله -صلى الله عليه- وسلم مظهرا له مداوما عليه مع قيام الدليل على نفي وجوبه، أتبعها بذكر الفضائل فقال وفضائله موضع طاهر يعني أن من فضائل الوضوء أي مستحباته أن يكون الموضع الذي يتوضأ فيه
стр. 402
طاهرا، ويكره الوضوء بمحل الخلاء ولو كان طاهرا، ومن فضائل الوضوء أيضا: استقبال القبلة، وموضع مرتفع ليلا يتطاير عليه ما ينزل في الأرض، واستشعار النية في جميعه، والجلوس للتمكن. وقوله: "موضع طاهر"، أي بالفعل، وشأنه الطهارة فيخرج محل الخلاء فيكره به كما مر. وبما قررت علم أن المراد بقوله: "فضائله" مستحباته، وأما فضائله بمعنى ثمراته وفوائده، ففي الموطإ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواننا فقالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بلي أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، فقالوا يا رسول الله: كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل محجلة في خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول فسحقا فسحقا فسحقا (١)) في أيضا: عن عثمان أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها (٢))، قال مالك: أُراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ وفيه أيضا: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، قال ﷺ : ثم كان مشيه إلى
стр. 403
المسجد وصلاته نافلة له (١)؛ أي زيادة له على ما ذكر، وفيه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يده كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيتة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب (٢)). قوله: بطشتها أي عملتها، والبطش الأخذ بعنف، وقوله: مشتها؛ أي مشى لها بهما. وقوله: مع الماء أو مع لخ شك من الراوي. والله سبحانه أعلم.
وقلة ماء يعني أن من مستحبات الوضوء تقليل الماء ولو كان على حافة نهر، فقوله: "قلة ماء"؛ أي ما يتوضأ به وإن كان على جانب نهر، وبهذا يجاب عما قيل إن الأولى تقليل؛ لأنه الفعل المندوب، ولا تكليف إلا بفعل وأن عبارته توهم أن الوضوء في الماء الكثير كالبحر مكروه وإن قلل الأخذ منه: مع أنه غير مراد قطعا بلا حد يعني أنه ليس لهذا التقليل المندوب حد يوقف عنده، بل المطلوب من ذلك ما يحصل به الإسباغ على حسب حال المتوضئ في رفقه وخرقه ونشافته ورطوبتة، خلافا لمن قال لابد أن يسيل أو يقطر عنه، وأنكره مالك، وقال: قطر قطر روي بالفعل والمصدر المنون إنكارا للتحديد به، يعني أنه أنكر السيلان عن العضو لا السيلان عليه، إذ لابد منه ليعم البشرة وإلا كان مسحا، وليس ما يتوضأ به محدودا بمد أيضا خلافا لابن شعبان كالغسل يعني أن الغسل كالوضوء في أنه يستحب كونه في موضع طاهر وفي أنه يندب فيه تقليل الماء المستعمل به، وليس ذلك التقليل محدودا بحد خلافا لمن قال: لابد أن يسيل الماء عن العضو أو يقطر عنه، وخلافا لقول ابن شعبان إنه محدود بصاع، قال: لأنه لا أحد أرطب من أعضاء رسول الله ﷺ ، ولابن العربي في العارضة وهي شرحه للترمذي: وأقل المقدار ما كان يكتفي به سيد الناس ﷺ ، فلا يمكن في الوجود أعلم منه ولا أرفق ولا أحوط ولا أسوس بأمور الشرع ومكارم الأخلاق والصاع أربعة أمداد بمده ﷺ ،
стр. 404
وعلم مما قررته أن قوله: "كالغسل" تشبيه في الحكمين السابقين، وهما استحباب كونه في موضع طاهر، وتقليل الماء المستعمل كما قاله الشبراخيتي. وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وتطهر بصاع (١))، وذلك بيان لفعله ﷺ لا تحديد، ومعنى قوله: بمد؛ أي بمكيل مد لا بوزنه، فالمراد القدر الذي يبلغ من الآتية بقدر ما يبلغ المد من الطعام منها بأن يأخذ من الطعام، وهو الشعير الوسط المقطوع الذنب، وزن رطل وثلث وهو المد، ويضعه في إناء ويأخذ من الماء القدر الذي يشغل من الإناء قدر ما شغله ذلك الطعام منه، فهذا هو المد من الماء. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وروي (أنه ﷺ توضأ بنصف المد (٢)) وذلك لا يقدر عليه إلا العالم السالم من وسوسة الشيطان، وما ذكره المصنف هنا لا يخالف قول الرسالة: وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة؛ لأن السنة هنا ضد البدعة، قاله الشيخ يوسف بن عمر. الشيخ زروق؛ يعني سنة؛ يستحب العمل بها، وسلم مما تقدم أن الواجب عند مالك الإسباغ، ومعناه التعميم، وعلم أيضا أن التقليل مع الإحكام؛ أي الإتقان للغسل سنة وليس الناس في ذلك سواء، وإنما يراعى القدر الكافي في كل واحد فما زاد على قدر ما يكفيه فهو بدعة، وإن اقتصر على ما يكفيه فقد أدى السنة. ابن الفاكهاني: ولا معنى للتحديد بالمد والصاع، وإنما الشأن على حسب المستعمل وعادته في الاستعمال؛ لأن الله سبحانه أمر بالغسل ولم يقيده بمقدار معين لطفا منه، إذ لو كان فيه حد للزم الحرج؛ لأن من الناس من يكفيه اليسير لرفقه، ومنهم من لا يكفيه إلا الكثير لإسرافه، فلو كان فيه حد لوجب أن يفارق كل أحد عادته فيستعمل من يكفية اليسير زيادة على ما يحتاج إليه، ويقتصر من لا يتمكن من أداء الواجب إلا بالكثير على ما لا يمكنه أداء الواجب معه وهذا فاسد، وإذا علم ذلك فالمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل الماء ولا يستعمل زيادة على الإسباغ انتهى. وقد مر أن معنى الإسباغ التعميم. قال الإمام الحطاب: علم من هذا أن السرف هو ما زيد بعد تيقن الواجب، وهو مكروه على ما نص عليه أكثر الشيوخ، ويؤخذ من القول الذي يذكره المصنف في الرابعة أنه ممنوع. وفي الرسالة: والسرف
стр. 405
منه غلو وبدعة. قال الشيخ زروق: السرف الإكثار في غير حق، والغلو الزيادة في الدين، والبدعة لغة: الأمر المحدث، وفي الشرع إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه، ومرجعه اعتقاد ما ليس بقربة قربة على وجه الحكم بذلك، وهذا منه لمن يراه كمالا، فأما من يعتريه ذلك من وسوسة يعتقد نقصها وأن ما يفعله من ذلك مخالف للأصل، فلا يصح كونه منه بدعة إلا من حيث صورته. ثم البدعة محرمة ومكروهة، ولا يمكن أن يبلغ بهذه حد التحريم، لأنها لم تعارض واجبا، ولا رفعت حكما أصليا، وقد نص في النوادر على الكراهة. انتهى. وقال البرزلي: روينا عن النووي الإجماع على أنه لا يجوز السرف في الطهارة ولو كان على ضفة النهر وهو معنى ما في الرسالة: والسرف منه غلو وبدعة، وهذا كله في غير الموسوس. وأما الموسوس فهو شبيه بمن لا عقل له، فيغتفر في حقه لما ابتلي به، انتهى. وقوله في الرسالة: وقد توضأ بمد يريد بعد الاستنجاء، وقوله وتطهر بصاع، وذلك بعد إزالة الأذى.
واعلم أن الوسوسة بدعة، وأصلها جهل بالسنة أو خبال في العقل. وقال مشايخ الصوفية: لا تعتري الوسوسة إلا صادقا؛ لأنها تحدث من التحفظ في الدين، ولا تدوم إلا على جاهل أو مهوس؛ لأن التمسك بها من اتباع الشياطين. قاله الحطاب. عن الشيخ زروق. وإنما كان السرف مكروها خوف الاتكال عليه والتفريط في الدلك، أو إبطانه حتى تفوته الجماعة، أو إضراره بغيره من مريد الطهارة، أو موالفته ذلك فلا تمكنه الطهارة مع قلة الماء، أو إيراثه الوسواس فلا يمكنه زوال الشك. قال الشيخ زروق: وقد جربنا ذلك. نقله الشبراخيتي وغيره. وقد مر أنه لابد من سيلان الماء على العضو لأنه لا بد من إيعاب الماء البشرة، وإلا كان مسحا كما نص عليه غير واحد. (وتيمن أعضاء) يعني أنه يستحب في الوضوء التيمن في الأعضاء أي الابتداء بغسل اليمين منها فيما يسهل فعله على التعاقب، ويعسر فعله دفعة وذلك اليدان والرجلان لا في غير ذلك مما يسهل فعله دفعة كالخدين والفودين والأذنين والصدغين، والفودان هما جانبا الرأس، وإنما ندب التيامن في أعضاء الوضوء لقوله ﷺ : (إذا توضأ أحدكم فليبدأ بيمينه (١)) رواه ابن
стр. 406
وهب، وأدخله سحنون في الكتاب؛ ولأنه متفق عليه. قاله الحطاب. ولقوله ﷺ : (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم (١)) نقله الإمام الحطاب. والفرق بين اليدين والرجلين يستحب فيها التيامن دون غيرها كالخدين والفودين ونحو ذلك، هو كما علمت سهولة غسل الخدين والفودين ومسح الأذنين دفعة بخلاف اليدين والرجلين، فإنه يصعب غسلهما دفعة، وأما التعليل بقوة اليمنى من اليدين والرجلين دون الخدين والفودين ونحوها لا تفاوت فيها، فأصله للقرافي؛ وهو مردود بأنه ﷺ (كان يبدأ في الاكتحال بالعين اليمنى)، وقال العلماء إنه كان يبدأ في حلق رأسه بالجانب الأيمن، ويندب في السواك البدء بالجانب الأيمن، وقد قالوا في صفة الغسل من الجنابة: يبدأ بغسل الأذن اليمنى قبل الأذن اليسرى لعدم تأتي غسلهما دفعة واحدة. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "وتيمن أعضاء" وإن أعسر أو أضبط، وقال ابن بشير: وأما البداءة بالميامن فهي من نوافل الخير ولا يختص ذلك بالوضوء بل يستحب الابتداء باليمنى في كل أفعال الخير. قاله الحطاب. وفي الأمير عن الشعراني: أن من شمر بيديه ليلابس عبادة شمر يمينه أولا، وإلا فبيسراه. انتهى وإناء يعني أن المتوضئ يستحب له أن يكون الإناء الذي يتوضأ منه عن يمينه، وهذا كان الإناء الذي فيه الماء قد فتح وقد نص ابن يونس وابن رشد على أن جعل الإناء عن اليمنى من فضائل الوضوء. قال في الذخيرة: لفعله ﵊ ولأنه أمكن ومعنى قوله: "فتح" أنه تدخل فيه اليد بسهولة، ومفهوم قوله: "فتح" أن ما ضاق عن إدخال اليد فيه فالاختيار فيه لأهل العلم وضعه على اليسار. قاله عياض. ونقله ابن عرفة وابن ناجي وغيرهما. قاله الحطاب. وقوله: "وإناء إن فتح" هذا في الأيمن والأضبط، وأما الأعسر فيضعه على يساره. قاله الشيخ علي الأجهوري.
تنبيه لو ابتدأ بغسل اليسرى قبل اليمنى أجزأه. قاله اللخمي وغيره. وهو ظاهر، ولا يعيد غسل اليسرى؛ لأن التيامن مستحب، والزيادة على الثلاثة ممنوعة أو مكروهة على الخلاف الآتي. والله أعلم. قاله الحطاب.
стр. 407
وبدء بمقدم رأسه يعني أنه يستحب للمتوضي أن يبدأ في مسح رأسه بمقدمه، وقيل البداءة بمقدم الرأس سنة. حكاه ابن رشد. ومثل الرأس غيره من الأعضاء وإنما خص الرأس لما فيه من الخلاف؛ إذ قيل يبدأ من مؤخره، وقيل إنه يبدأ من وسطه ثم يذهب إلى حد منابت شعره مما يلي الوجه، ثم يردهما إلى قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ انتهى. وأما غيره من الأعضاء فلم أر فيه خلافا. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "وبدء بمقدم رأسه" قد مر أن غيره من الأعضاء مثله، فمن بدأ بمؤخر رأسه أو بالذقن أو بالمرفقين أو بالكعبين وعظ وقبح عليه إن كان عالما وعُلِم الجاهل. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وفي حديث عبد الله بن زيد: مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر بدأ بمُقدَّم رأسه (١)). انتهى. ومقدَّم الرأس ومؤخَّره بفتح ثانيهما وتشديد الدال والخاء هذا هو المعروف، وثمَّ لغة أخرى مقدِم ومؤخِر مخفف، والثالث مكسور. قاله الإمام الحطاب. وقوله في الحديث: أقبل بهما وأدبر، قيل الواو لا تقتضي الترتيب، والمراد أدبر بهما وأقبل، وكذلك وقع في بعض طرق الحديث، وعلى الرواية المشهورة، فقال ابن بشير: بدأ بذكر الإقبال تفاؤلا، وقيل المراد أقبل بهما على قفاه، وأدبر بهما عن قفاه. قاله الإمام الحطاب. (وشَفعُ غسله) الضمير في غسله للوضوء؛ يعني أن الغسلة الثانية في الوضوء مستحبة، وهذا حيث أسبغ بالأولى، وأما إذا لم يسبغ بها فالثانية فريضة فيما لم يعمه الماء مستحبة في غيره فيعمه في الرابعة، ولا يعم جميع العضو فيها؛ لأنه حينئذ يلزم غسله أربعا فيدخل في النهي. قاله القرافي. قاله الشبراخيتي.
(وتثليثه) يعني أن الغسلة الثالثة في الوضوء مستحبة كالثانية فهما فضيلتان وهذا هو المشهور، وقيل إنهما سنتان، وقيل الثانية سنة والثالثة فضيلة، وقيل إن الثانية فضيلة والثالثة سنة قدمت الفضيلة في هذا القول على السنة اهتماما بالثانية، فيأتي بها وإن كانت فضيلة ليتمكن من الإتيان بالثالثة التي هي سنة، واحتج له بعضهم بترتيبه الفضل على الثانية، وبقوله في الثالثة: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي (٢)). قاله البرزلي. قال الحطاب: فكأنه يعني بترتيب الفضل على
стр. 408
الثانية ما ورد في بعض الأحاديث أنه ﵊ قال: (من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين (١))، وثم قول خامس وهو وجوب الثانية.
تنبيه أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده، وأبو بكر المروزي، والبزار عن [حمران (٢)] مولى عثمان ﵁ قال: دعا عثمان ﵁ بوضوء في ليلة باردة وهو يريد الخروج إلى الصلاة فجئته بماء فأكثر ترداد الماء على وجهه ويديه: فقلت: حسبك قد أسبغت الوضوء والليلة شديدة البرد، فقال: صب فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٣)). قال الإمام الحطاب: الإسباغ لغة الإتمام، البخاري: ابن عمر: إسباغ الوضوء الإنقاء. ابن حجر: هو تفسير باللازم؛ إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة. انتهى. وقوله: "وشفع غسله وتثليثه" وكذا المضمضة والاستنشاق، فالأولى منهما سنة، والثانية والثالثة مستحبتان، ولا بد أن يفعل في الثانية والثالثة من جميع ما ذكر، كما يفعل في غسل الفرض من دلك وتخليل وتتبع مغابن، وإلا لم يكن آتيا بالمندوب. واختلف هل يفعل الثانية والثالثة بنية الفضيلة، أو بنية فعل ما أمكن تركه في الأولى، أو بنية إكمال الفرض كإعادة الفذ جماعة، أو بنية الوجوب؟ على أربعة أقوال: الأول للمازري عن الأكثر، والثاني والثالث لبعض المتأخرين، والرابع للبيان. ابن بشير: وبأي نية يكرر لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يتيقن أنه عم بالأولى نوى بالزائد الفضل، وإن تيقن أنه لم يعم نوى بالزائد الفرض، فإن شك نوى بالزائد الفرض أيضا؛ لأن الطهارة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها إلا بيقين، ومتى شك وجب عليه الإكمال فينوي الوجوب فإن نوى الفضيلة في موضع يجب عليه الفرض فقولان: الإجزاء: وعدمه. الشبيبي: إن شك هل وقع الإسباغ بالأولى، وجب عليه أن ينوي بالثانية الوجوب فيما شك قولا واحدا، وإن بقيت لمعة علم موضعها خصها بالغسل ثلاثا إن كان بعد إكمال الوضوء، وإن كان قبل إكماله نوى بالتي تليها، أي المرة الأولى الوجوب في موضعها قولا
стр. 409
واحدا، وما زاد على موضعها فعلى الخلاف. انتهى. قاله الحطاب. وأجاز مالك في المدونة أن يتوضأ مرة إذا أسبغ وقال: لا أحب الواحدة إلا من العالم، وقال في سماع أشهب: الوضوء مرتان أو ثلاث: قيل له فالواحدة. فقال: لا. واختلف في الاقتصار على الواحدة على أربعة أقوال: أحدها الجواز لمن غير كراهة، الثاني الكراهة، الثالث الكراهة للعالم خاصة، الرابع عكسه. انتهى. قال الشبيبي: وقوله من غير كراهة؛ أي شديدة لأنه لا خلاف في ثبوت فضيلة التكرار كما في الطراز، وإذا ثبت أن التكرار فضيلة فلا شك أن في تركه كراهة. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو غسل وجهه ثلاثا وترك منه موضعا لم يصبه الماء إلا في الثالثة، فإن لم يخص الثالثة بنية الفضيلة أجزأه، ويكرر الماء على تلك اللمعة دون جميع العضو، وإن خص الثانية بنية الفضيلة فيجري على الخلاف في طهارة المجدد. قاله في الطراز. وفيه: هل يؤمر المتوضئ أن ينوي بالثانية والثالثة الفضيلة؟ الظاهر أنه لا ينوي شيئا معينا. انتهى قاله الحطاب. وقد مر الخلاف في ذلك على أربعة أقوال عن الحطاب أيضا.
(وهل الرجلان كذلك) يعني أن الشيوخ اختلفوا في الرجلين، فالذي عليه الأكثر أنهما كالوجه واليدين فيندب فيهما الشفع والتثليث وهو المشهور الثابت في الصحيح (١)، وما ورد مطلقا يرد إليه، فالأولى للمصنف الاقتصار ضليه. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الشيخ الأمير: والشفع والتثليث وإن بالرجلين بعد الإنقاء على الراجح.
(أو المطلوب الإنقاء) يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الرجلين ليسا كاليدين والوجه، فالمطلوب فيهما إنما هو الإنقاء من الوسخ ولو زاد على ثلاث، ولا يندب فيهما شفع ولا تثليث. قال ابن راشد في شرح ابن الحاجب: أخبرني من أثق به من الأشياخ أن فرضهما الإنقاء، قال: وهو المشهور، ويؤيده حديث عبد الله بن زيد في صحيح مسلم، (وغسل رجليه حتى أنقاهما (٢))، وكذلك ذكر سند أن المشهور في الرجلين نفي التحديد، وأشعر قوله الإنقاء أن الخلاف في غير النقيتين، وأما النقيتان فكسائر الأعضاء اتفاقا كما قاله ابن عرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وبعضهم
стр. 410
جعل الخلاف في النقيتين، وعليه فأراد بقوله: "أو المطلوب الانقاء." أنه لا يطلب فيهما شفع ولا تثليث، وإنما الواجب فيهما غسلة واحدة تعمهما إرادة مجازية. انتهى. وما مر من أن معنى قوله: "الإنقاء" من الوسخ المراد به: الوسخ الحائل الذي يطلب إزالته في الوضوء كطين مثلا، أما مطلق الأوساخ غير الحائلة فلا تطلب إزالتها في الوضوء. بهذا قرره الشيخ المسناوي. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح أن ابن عمر ﵄ كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات. وكأنه بالغ فيهما دون غيرهما؛ لأنهما محل الأوساخ غالبا لاعتيادهم المشي حفاة. والله تعالى أعلم. انتهى. نقله الحطاب. وَهَل تُكرهُ الرابعةُ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الغسلة الرابعة، فمنهم من ذهب إلى أنها مكروهة نقله في التوضيح عن صاحب المقدمات وابن الحاجب، وقال النووي: أجمع العلماء على الكراهة، وعليها اقتصر الأمير وابن عاشر، فقال ابن عاشر:
وكره الزيد على الفرض لدى … غسل وفي المسح على ما حددا
قوله: الفرض المراد به التقدير الشرعي؛ أي تكره المسحة الثالثة ففوق في الرأس، والثانية ففوق في الأذنين، والغسلة الرابعة في الأعضاء الثلاثة الوجه واليدين والرجلين. أو تمتع يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الغسلة الرابعة تمنع. نقله عبد الوهاب واللخمي والمازري. ونقل عن ابن بشير أن الرابعة ممنوعة إجماعا، ونقل سند اتفاق المذهب على المنع، ودليله ما رواه أبو داوود والترمذي: (فمن زاد واستزاد فقد تعدى وظلم (١))، والمراد بالرابعة الغسلة الزائدة على ثلاث غسلات حصل بكل واحدة منها استيعاب العضو، وأما لو لم يستوعب العضو إلا بغرفتين فهو غسلة واحدة فيطلب بغسلتين يوعب العضو بكل منهما. وقوله في الحديث: فمن زاد واستزاد يحتمل معنيين: أحدهما التأكيد، والثاني أن المراد بقوله زاد: فيمن يتوضأ بنفسه فزاد الرابعة، وقوله: استزاد، فيمن يوضئه غيره فطلب من الذي يوضئه زيادة الرابعة. ونقل اللخمي وغيره المنع
стр. 411
عن المذهب. خلاف أي في ذلك خلاف. قوله: "الرابعة" يعني المأتي بها للعبادة، وأما المأتي بها لتبرد أو تدف أو تنظف فلا تكره ولا تمنع، وهذا الخلاف جار في الوضوء المجدد قبل فعل شيء بالأول مما يتوقف على الطهارة كالصلاة؛ لأنه يصدق على أول غسلة منه أنها رابعة إلا إذا حصل بالمجدد تثليث الأول فلا منع ولا كراهة، ولو قال المصنف الزائدة لكان أحسن لشموله لما زاد على رابعة مع أنه مثله في الاختصار، وقوله: "خلاف" حذف مثله من المسألة الأولى لدلالة هذا عليه، والأنسب في الثانية التعبير بتردد؛ لأن كلا من الشيوخ المذكورين نقل ما ذكره على أنه المذهب، ولم يحك خلافا، وشهر منه أحد القولين فيناسب التعبير بخلاف. والله سبحانه أعلم.
وترتيب سننه يعني أن ترتيب سنن الوضوء في أنفسها مستحب بأن يقدم غسل اليدين إلى الكوعين على المضمضة، ويقدم المضمضة على الاستنشاق والاستنشاق على الاستنثار والاستنثار على مسح الأذنين، فلو استنشق ثم تمضمض لكان تاركا لترتيبها. قاله الشبراخيتي. فمقتضاه أن تقديم الاستنثار على الاستنشاق إنما يفوت مندوبا؛ بأن يدخل الماء الماء في أنفه بلا نية استنشاق ثم يستنثره بنية سنة الوضوء وهو ظاهر المص كغيره. وقد مر القول بأن الاستنشاق والاستنثار سنة واحدة فتأمل ما يقتضي، وما نص عليه المص هنا من أن ترتيب السنن في أنفسها مستحب لم يذكر في التوضيح فيه خلافا، وكذا ابن ناجي في شرح المدونة. ونقل ابن زرقون عن ابن حبيب: يعيد عامد تنكيسه في مفروضه أو مسنونه فأوجب رعي الترتيب في المسنون. قاله الإمام الحطاب. ولما كان ألا يلزم من ترتيب السنن في أنفسها ترتيبها مع فرائضه قال: (وترتيب سننه أو مع فرائضه) يعني أنه يستحب ترتيب السنن مع الفرائض، والمراد بترتيب السنن مع الفرائض فعل السنن في المحل الذي يطلب فعلها فيه مع الفرائض؛ بأن يقدم السنن الأول على الوجه، يعني السنن التي تفعل قبله، والفرائض الثلاث أعني الوجه واليدين ومسح الرأس على مسح الأذنين. فمن رتب السنن في أنفسها ورتبها مع الفرائض أتى بمستحبين، ومن رتبها في أنفسها ولم يرتبها مع الفرائض أتى بمستحب واحد، فمن بدأ بغسل يديه لكوعيه ثم غسل الوجه ثم أتى بباقي السنن التالية لها على ترتيبها ولكنه قدم مسح أذنيه على مسح رأسه أو مسحهما بعد مسح رأسه فعل مستحبا؛ وهو ترتيب السنن في أنفسها وفاته مستحب وهو ترتيب السنن مع الفرائض، ومن رتب السنن
стр. 412
مع الفرائض ولم يرتبها في أنفسها فعل مستحبا وفاته مستحب كمن غسل يديه لكوعيه ثم استنشق ثم تمضمض ثم أكمل وضوءه مرتبا. والله سبحانه أعلم.
وسواك يعني أن السواك أي الاستياك من مستحبات الوضوء، ويفعل قبل المضمضة ليخرج ماؤها ما حصل به. والسواك بكسر السين المهملة يطلق على الفعل وعلى العود، وعلى أن السواك الفعل فهو مصدر ساك فمه يسوكه سوكا، فإن قلت استاك لم تذكر الفم، وجمع السواك بمعنى العود سُوُك بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز سؤك بالهمز، والسواك قيل إنه مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل من قولهم: جاءت الإبل تتساوك؛ أي تتمايل هزالا، والسواك في اصطلاح العلماء: استعمال عود ونحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها. والله سبحانه أعلم.
والكلام في حكمه ووقته وآلته وكيفيته وحكمتة وفوائده، أما حكمه: فالمعروف في المذهب أنه مستحب. ابن عرفة: والأظهر أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته ﷺ عليه- وإظهاره والأمر به انتهى. والمثابرة بالثاء المثلثة والباء الموحدة: المواظبة، ولا شك أن الأحاديث الواردة في الأمر به والمواظبة عليه كثيرة منها، حديث أبي هريرة ﵁: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (١)) متفق عليه، ومجمع على صحة إسناده رواه البخاري من طريق مالك، ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، ورواه أيضا أبو داوود والنسائي وابن ماجه (٢) وفي الموطإ: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك (٣))، ورواه الشافعي عن مالك مرفوعا، وقوله: لأمرتهم؛ أي على جهة الوجوب دون الندب؛ إذ هو مندوب إليه وليس في الندب إليه مشقة؛ لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفعله لا فيه من جزيل الثواب، وفي حديث ابن شهاب: (لولا أن يُشَق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٤)) وفي الإكمال: لا خلاف أنه مشروع عند الوضوء، وعند الصلاة مستحب فيهما لنصه أنه لم يأمر به، إلا ما ذكر عن داوود أنه واجب لظاهر
стр. 413
قوله ﵊: عليكم بالسواك (١)، وقوله ﷺ : (استاكوا (٢)). وقال النووي: السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة، ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع. وقد حكي عن داوود أنه أوجبه للصلاة. وقال الماوردي: هو عنده واجب ولو تركه لم تبطل صلاته: وقد أنكر المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داوود وقالوا إن مذهبه أنه سنة كالجماعة: ولو صح إيجابه عن داوود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون، وأما إسحاق فقد حكي عنه أنه واجب إن تركه عمدا بطلت صلاته لكن لم يصح ذلك عنه، وَأما وقته فهو مستحب في جميع الأوقات، وتأكد بوضوء وصلاة بطهارة أم لا كمن لم يجد ماء ولا صعيدا على القول بأنه يصلي، وعند قراءة قرآن، ويقظة من نوم، وعند تغير فم بترك أكل وشرب: وبأكل ماله رائحة كريهة، وبطول السكوت وكثرة الكلام، ولو بقرآن ولطهارة ترابية. وأما آلته فهي عيدان الأشجار؛ لأنه سنته ﷺ وسنة السلف، وأفضله الأراك سواء كان العود رطبا أو يابسا إلا لصائم فيكره بأخضر نهارا لم يجد له طعما، وحرم على صائم بجوزة محمرة فإن لم يجد أراكا فبشيء خشن. وفي المغني: وأفضل ما يستاك به عود الأراك، وكونه باليد اليمنى وليس في السواك قسم جائز جوازا مستوي الطرفين، وندب كون السواك متوسطا بين الليونة واليبوسة، ولا يزاد على شبر فلو زاد ولو قدر إصبع ركب الشيطان على الزائد فقط. ويحتمل عليه بتمامه، وركوبه يحتمل الحقيقة وغيرها كوسوسة لصاحبه. وأما كيفيته فإنه يندب كونه باليد اليمنى، وجعل الإبهام والخنصر تحته والثلاثة فوقه، ولا يقبض عليه، أي حال استياكه فقط فيما يظهر، لأنه يورث البواسير والنسيان، ويمره على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا. ويندب بدء به من الجانب الأيمن من فيه، وتسميته في بدئه، وكونه عرضا في الأسنان حتى باطنها مخالفة للشيطان، وطولا في اللسان والحلق. وفي المغني أنه يستحب أن يكون إبهامه تحت العود، والسبابة فوقه، وبقية الأصابع تحته. واستبعده الحطاب. ويروى عن النبي -صلى الله عليه
стр. 414
وسلم-: (واستاكوا عرضا وادهنوا غبا (١))؛ أي يوما بعد يوم، (واكتحلوا وترا (٢)) فالسواك عرضا أسلم للثة من التقلع، والادهان إذا كثر أفسد الشعر. نقله الحطاب. عن القرافي. وفيه عنة أيضا: والسواك وإن كان معقول المعنى فعندي ما عري عن شائبة تعبد، من جهة أن الإنسان لو استعمل الغاسولات الجلاءة عوضا من العيدان لم يأت بالسنة. انتهى. وفي الحطاب: والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح، ولا رطب لا يزيل، ويستحب أن يستاك عرضا ولا يستاك طولا ليلا يدمى لحم أسنانه، فإن خالف واستاك طولا حصل السواك مع الكراهة. انتهى. وقال في المدخل: وإذا أراد أن يستاك بسواكه غسله، إلا أن يكون عند فراغه من السواك الأول غسله، والأطيب للنفس غسله مطلقا إلا أن يكون بين ثيابه، أو بموضع تطيب به نفسه. والله أعلم. وورد في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ (أنها سئلت بأي شيء يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته فقالت بالسواك (٣))، قال في الإكمال: معناه تكراره لذلك ومثابرته عليه، وأنه كان لا يقتصر فيه في نهاره وليله على المرة الواحدة بل على المرار المكررة، وخص بذلك دخوله بيته، لأنه مما لا يفعله ذو المروءات بحضرة الناس، ولا يحب عمله في المسجد، ولا في المجالس الحفلة. انتهى. ورد الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد هذا المعنى بحديث أبي موسى ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو يستاك وطرف السواك على لسانه يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع (٤))، وقال: إن بعضهم ترجم على هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته، ورجح هذا المعنى. وأن السواك من باب العبادت والقرب فلا يطلب إخفاؤه. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقد مر عن ابن عرفة أن الأظهر أنه سنة لمثابرته عليه ﷺ ، ولإظهاره والأمر به، قال الشيخ الأمير: وهو وجيه وإن كان خلاف المشهور. انتهى. وقد مر عن القرافي أن من استعمل الغاسولات الجلاءة لم يأت بالسنة وقال ابن العربي: ظن بعض الناس أن كل سواك يصبغ اللثات والشفاه مكروه لا في ذلك من
стр. 415
التشبه بالنساء وهذا ضعيف، فإن الكحل جائز، وفيه التشبه بهن. وقال بعض المتأخرين من الأئمة: من تمضمض بغاسول لا يجزئه، وهذا لا يصح، لأن الغرض إزالة القلح فبأي وجه حصل جاز انتهى نقله الحطاب قال وفي رده كراهة ذي الصبغ نظر لأن مالكا كره الاكتحال للتشبه بهن وإن لم يجد غير الإصبع، واستاكَ بها فلا يدخلها الإناء خوف إضافة الماء وكره الاستياك بالشمال لأنها مست الأذى، وقيل إن الاستياك باليد اليسرى، وليتق في ذلك أن يكون بقوة؛ لأنه يزيد في البلغم ويضيف الماء بما يتقلع منها، وربما أجرى دما أو أثار رائحة كريهة. وفي سماع أشهب: استحباب غسلها مما عسى أن يكون بها. خلافا لابن عبد الحكم فإن أدخلها قبل غسلها فقال مالك: لا بأس به، واستخفه ليسارة ما عليها، وفضل الأخضر للمفطر. وظاهر التلقين: هماله سواء. وفي التوضيح: وفضل الأخضر لكونه أبلغ في الإنقاء. قاله الإمام الحطاب. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وابلع ريقك من أول ما تستاك، فإنه ينفع من الجذام والبرص وكل داء غير الموت، ولا تبتلع بعده شيئا فإنه يورث الوسوسة، ولا تمس بالسواك شيئا فإنه يورث العمى، ولا تضع السواك إذا وضعته عرضا وانصبه نصبا؛ فإنه روي عن سعيد بن جبير: من وضع سواكه بالأرض فجن فلا يلومن إلا نفسه، ولا يستاك بعود رمان أو ريحان لتحريكهما عرق الجذام، ولا بقصب لتوليده الأكلة والمرض، ولا بقصب الشعير والحلفاء والعود المجهول مخافة أن يكون من المحذر منه، ولا يفعل في المسجد كراهة. وأما حكمته: فاعلم أن الحكمة في مشروعيته تطييب الفم للملائكة الحافظين، والذي يضع فاه على فيك عند قراءة القرءان. وأما فوائده فإن فيه خصالا: يذهب الحفر؛ أي فساد أصول الأسنان: ويجلو البصر ويشد اللثة؛ وهي لحم الأسنان، ويطيب الفم، وينفي البلغم، وتفرح به الملائكة، ويرضي الرب، ويوافق السنة، ويزيد في حسنات الصلاة، ويصحح الجسد، ويزيد الحافظ حفظا، وينبت الشعر، ويصفي اللون، وتبلغ الصلاة بالسواك والتخلل من أثر الطعام -لتأذي الملائكة ببقاياه عند صلاة الإنسان- مائة صلاة، سبعون للسواك، وثلاثون للتخلل. وعن كعب: من أحب أن يحبه الله فليكثر من السواك
стр. 416
والتخلل فإن الصلاة بهما مائة صلاة (١)) ويسهل طلوع الروح ويذكر الشهادة عند الموت، قال الشيخ إبراهيم -ولعل لهذا أشار ناظم مقدمة ابن رشد-:
وفي السواك خصلة جميله … لكنهم عدوه في الفضيله
ودخل سيدنا علي ﵁ على سيدتنا فاطمة ﵂ فرآها تستاك فأنشد:
هنئت يا عود الأراك بثغرها … ما خفت مني يا أراك أراكا
لو كان غيرك يا سواك قتلته … ما فاز منى يا سواك سواكا
وإن بأصبع يعني أن الإصبع تحصل به سنة السواك، وظاهره سواء كان السواك بالإصبع في مضمضة أو كان من غير ماء فالأول قال سند: يقوم مقام السواك الخفيف؛ فإنه يؤثر زيادة على محض المضمضة في التنظيف انتهى. والثاني قال سند: ذكر ابن الصباغ فيه خلافا، فقال بعض أهل العراق ذلك سواء، وأنكره غيره، وقال ليس الأصبع بأن يكون سواكا للسن بأولى من أن يكون السن سواكا للإصبع. انتهى. قاله الحطاب. ولأفضلية غير الأصبع على الأصبع بالغ عليها، ولذا قال في التوضيح. ما ذكره ابن الحاجب من أرجحية غير الأصبع عليه هو الذي عند أهل المذهب. وظاهر أبي محمد أن الأصبع كغيره. انتهى قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وفي الحطاب: وأما الأصبع فإن كانت خشنة حصل بها السواك، وإن كانت لينة لم يحصل بها. انتهى. وقوله: "وإن بأصبع" قال الشيخ عبد الباقي: مع المضمضة ليكون ذلك كالدلك، ونحوُه قول الرسالة: وإن استاك بأصبعه فحسن، روي بالإفراد؛ أي السبابة، وبالتثنية؛ أي السبابة والإبهام من اليمنى. وقوله: "وإن بأصبع" محله: إذا لم يجد غيره من آلات الاستياك، ففي سماع ابن القاسم: فإن لم يجد سواكا فبأصبعه يجزئ. قاله غير واحد.
стр. 417
تنبيه لا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، ويستحب أن يعود الصبي السواك ليعتاده. قاله الإمام الحطاب. وتحصل مما مر أنه إن استاك بأصبع حرشاء من غير ماء، ففي إجزائه قولان ذكرهما سند كصلاة بعدت منه أي من السواك، يعني أن السواك يستحب لكل صلاة بعدت من السواك بمعنى الاستياك: فالسواك في كلام المصنف بالمعنى المصدري، وقوله: "كصلاة بعدت منه" سواء كان متطهرا بماء أو تراب أو غير متطهر، كمن لم يجد ماء ولا ترابا على القول بأنه يصلي كذلك، فتندب له إعادة السواك إلا بمسجد.
وتسمية يعني أنه يستحب للمتوضئ أن يأتي بالبسملة عند ابتداء وضوئه، وهل يتمها؟ قولان: قال عبد الباقي: ومفاد الفاكهاني وابن المنير أن إتمامها أفضل. انتهى. قال البناني: بل هو صريح كلامهما، ففيه عنهما ما معناه: وإتمامها أفضل: فبسم الله الرحمن الرحيم أفضل من بسم الله فقط كما هو صريح كلام الفاكهاني وابن المنير، ولا يصلي على النبي ﷺ ، ولفظ ابن المنير: وفضائله ست: البسملة مكملة بخلاف الذبيحة، ولما ذكر الفاكهاني أنها لا تكمل في الذبح قال بخلاف التسمية عند الأكل والشرب والوضوء والقراءة ونحو ذلك، فإنه يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله خاصة أجزأه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقيل لا يكمل البسملة، وفي الشاذلي، أنهما قولان مستويان. قاله الشيخ عبد الباقي. وهذا الخلاف جار في التيمم أيضا كما نص عليه الشيخ عبد الباقي، ومن فضائل الوضوء أيضا الصمت إلا عن ذكر الله ، واستقبال قبلة، وجلوس على مرتفع، وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (١))، ورواه أبو داوود وابن ماجه، وقالا فيحسن الوضوء. زاد أبو داوود: ثم يرفع طرفه إلى السماء ثم يقول إلخ. وفي الجامع الكبير: (من قال حين يفرغ من وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات لم يقم حتى تمحى ذنوبه حتى يصير كما ولدته أمه (٢))، وقد تقدم ما زاده أبو داوود ثم يرفع طرفه إلى السماء، ثم يقول
стр. 418
لخ رواه الترمذي كأبي داود. وزاد فيه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وتكلم فيه. انتهى. زاد السيوطي في عمل اليوم واليلة أن يقول بعد ذلك: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع في داري، وبارك في رزقي، وقنِّعني بما رزقتني ولا تفتني بما زويت عني، ويصلي على النبي ﷺ ، ويقرأ سورة القدر ثلاثا (١))، انتهى. وقال الحافظ المنذري: وعن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا [أنت (٢)] أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة (٣)) رواه الطبراني في الأوسط، ورواته رواة الصحيح. نقله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
واعلم أن ما يقال عند كل عضو حديثه ضعيف جدا لا يعمل به، فقول الأقفهسي إنه مستحب فيه نظر، وفي المنهاج: وحديث الأعضاء لا أصل له. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وتسمية" وروي الإباحة والإنكار، وصيغة رواية الإنكار أهو يذبح ما علمت من يفعل ذلك.
واعلم أن من الأفعال ما شرعت فيه التسمية سواء كان قربة كالطهارة، أو مباحا كالأكل، ومنها ما لا تشرع فيه كالأذان والحج والذكر والدعاء، ومنها ما تكره فيه كالمحرمات والمكروهات؛ لأن المقصود بها البركة، والحرام والمكروه لا يراد الإكثار منهما. قاله في التوضيح.
وتشرع يعني أن هذه الأمور التي تذكر تشرع فيها التسمية؛ أي تطلب شرعا، فيشمل الواجب والمسنون والمندوب كما سأبينه إن شاء الله تعالى، وقد تقدم أنها تجب في الذكاة مع الذكر والقدرة، وتسقط مع العجز والنسيان، وتسن في الأكل والشرب، وتندب فيما عدا ذلك، ثم إن الواجب في الذكاة إنما هو مطلق ذكر اسم الله، ولو قال الله لكفى ذلك. والله سبحانه أعلم.
في غسل متعلق بتشرع؛ يعني أن التسمية تشرع في الغسل، أي الاغتسال، ومعنى تشرع في الغسل تندب فيه أي تندب في ابتدائه ولو من حرام وتيمم يعني أن التيمم تشرع في ابتدائه التسمية أي
стр. 419
تندب في ابتدائه وهل يكملها بأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم يجري فيه الخلاف الجاري في الوضوء وقد تقدم قريبا فراجعه إن شئت وأكل يعني أن الأكل تشرع التسمية في ابتدائه أي تسن فيه وهذا هو الراجح، وقيل إنها مستحبة في الأكل، وعلى أنها سنة في الأكل فالراجح أنها سنة عين، وقيل إنها سنة كفاية. قاله الشيخ إبراهيم.
وشرب يعني أن التسمية تشرع في ابتداء الشرب أي تسن فيه، وهي فيه سنة عين قطعا. قاله الشيخ إبراهيم. وندب الجهر بها ليذكر الغافل ويعلم الجاهل: وإن كان المأكول أو المشروب غير لبن زاد على التسمية: (اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا خيرا منه، وإن كان لبنا قال: وزدنا منه، فإن نسي التسمية في أوله قال في أثنائه، بسم الله في أوله وآخره (١)). رواه أبو داوود والترمذي وابن حبان. فإن لم يتذكر حتى فرغ قرأ سورة الإخلاص فإن الشيطان يتقايأ ما أكله، وصرح في المقدمات بأن الحمد عند الفراغ من الأكل سنة، وذكر بعض شراح الرسالة أنه مستحب: وينبغي أن يكون سرا ليلا يخجل الحاضرين. وكان ﷺ يقول عند فراغه من الأكل: (الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه (٢))، قاله الشيخ إبراهيم، (وأمر النبي ﷺ الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية أن اذكروا اسم الله عليه وكلوا فأكلوا فلم يصب أحدا منهم شيء (٣)). رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين. وإن أكل مع مجنون أو ذي عاهة فقال: (بسم الله ثقة بالله وتوكلا لم يضره (٤)) رواه أبو داوود والترمذي، وإذا أكل طعاما فليقل: (اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، فإن كان لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه (٥))، وفي الحديث: فإذا فرغ من الأكل والشرب قال: (الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مَكْفِىٍ ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا (٦))، وفيه: الحمد لله الذي كفانا وآوانا
стр. 420
وأروانا غير مكفي ولا مكفور (١)) قاله في الحصن الحصين، وفيه: وإذا غسل يديه قال: (الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم منَّ علينا بهذا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا (٢))، وعزاه للنسائي وابن حبان. وفيه أيضا: ويدعو لأهل الطعام: (اللهم بارك لهم فيما زرقتهم واغفر لهم وارحمهم (٣))، وفيه أيضا: (اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني (٤)). انتهى.
وذكاة يعني أن التسمية تشرع في الذكاة أي تجب فيها مع الذكر والقدرة بأنواعها الأربعة: ذبح، ونحر، وعقر، وما يموت به نحو الجراد، ولا يقول هنا الرحمن الرحيم، وتسقط التسمية في الذكاة مع العجز والنسيان، ويزيد والله أكبر، وقد علمت أن الواجب في الذكاة إنما هو مطلق ذكر اسم الله، انظر تحقيق ذلك في باب الذكاة إن شئت وركوب دابة يعني أن التسمية تشرع عند ركوب الدابة؛ أي تندب، ويزيد على ذلك ما رواه الطبراني عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (من قال إذا ركب دابة بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء سبحانه ليس له سمي سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعليه السلام قالت الدابة بارك الله عليك من مؤمن خففت على ظهري، وأطعت ربك وأحسنت إلى نفسك، بارك الله في سفرك، وأنجح حاجتك (٥)) انتهى من مسالك الحنفاء. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي.
وسفينة؛ يعني أن التسمية تشرع عند ركوب السفينة؛ أي تندب مع زيادة بسم الله الملكُ لله، وما قدروا الله حق قدره الآية، وقال اركبوا فيها بسم الله الآية. قال ابن عباس: وهي أمان للسفينة من الغرق قال أبو زميل: وصلت إلى ساحل تونس فوجدت بالساحل اثنين وعشرين سفينة موسقة بالطعام، فدخلت في إحداهن، وقلت الكلمات، وقرأت الآيات، فجرت السفن بريح طيبة إلى ثلث الليل، ثم عصفت الريح وعظم الموج فما وصل إلى ساحل الأندلس غير السفينة التي كنت فيها،
стр. 421
ولم ير لباقيهن أثر. وفي رواية أنه قال من قال حين يركب البحر: بسم الله الملك لله يا من له السماوات خاضعة، والأرضون السبع طائعة، والجبال الشامخة خاشعة، والبحار الزاخرة خاضعة، احفظني فأنت خير حافظا، وأنت أرحم الراحمين، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وقال اركبوا فيها الآية. ثم التفت ابن عباس إلى أصحابه وقال: إن غرق قائلها أو عطب فعلي ديته. وعن عبد الله بن عمر قال: أمان من الغرق والتعب أن يقول من ركب البحر: بسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره الآية: وقال اركبوا فيها بسم الله الآية، فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك الآية، إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا الآية، إني توكلت على الله ربي وربكم الآية، والله من ورائهم محيط الآية: قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي.
ودخول وضده لمنزل يعني أن التسمية تشرع أي تندب عند دخول المنزل، وكذلك تشرع أي تندب عند الخروج من المنزل: فقوله: "وضده" مراده به الخروج من المنزل. وقوله: "لمنزل" راجع للأمرين، وهما الدخول والخروج. والله سبحانه أعلم. ويزيد في الدخول: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا. وفي الخروج: توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إني أعوذ بك أن أضل أوأضل، أو أزِل أو أزَل، أو أظلِم أو أظلَم، أو أجهل أو يُجهل علي، بسم الله التكلان على الله لا حول ولا قوة إلا بالله. قاله الشبراخيتي وقوله: "لمنزل" الظاهر أنه ظرف مستقر في موضع الصفة لما قبله. والله سبحانه أعلم ومسجد عطف على قوله "لمنزل"؛ يعني أن التسمية تشرع عند الدخول في المسجد أي تندب، وكذلك تشرع أي تندب عند الخروج منه، ويزيد في الدخول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وكذا في الخروج لكن يقول: أبواب فضلك، اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده، قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. ويقول أيضا عند دخول المسجد: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 422
ولبس بضم اللام؛ يعني أن التسمية تندب عند لبس الثوب، وكذا تندب عند نزعة. وفي الشامل: ولبس ثوب ونزعه. قاله الإمام الحطاب. ومثل الثوب نحوه من رداء وعمامة، ويزيد عند اللبس: اللهم إني اسألك من خيره وخير ما هو له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له، الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، وإن كان جديدا قال: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه اسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، قاله الشيخ إبراهيم. وجاء من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قالد الشيخ عبد الباقي.
وغلق باب يعني أن التسمية تندب عند غلق الباب وكذا فتحه فيما يظهر. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي. وإطفاء مصباح يعني أن التسمية تشرع أي تندب عند إطفاء المصباح، وكذا وَقِيده كما استظهره الشيخ أحمد الزرقاني. وقال الإمام الحطاب: وأما عند إغلاق الباب وإطفاء السراج ففي الحديث أنه يقول: بسم الله، فإن اقتصر عليه أجزأه، وانظر هل الأولى إضافة الرحمن الرحيم إلى ذلك في هذا الموضع الخاص، أو الاقتصار على ما يفهم من الحديث المذكور. انتهى ووطء يعني أن التسمية تندب عند الوطء المباح، وأما الوطء المحرم أو المكروه فهل تحرم فيهما، أو تكره فيهما، أو تحرم في المحرم وتكره في المكروه؟ أقوال ثلاثة، ومثلوا للوطء المكروه بوطء الجنب: ثانيا قبل غسل فرجه، ومنه وطؤه المؤدي إلى انتقاله للتيمم على ما يأتي في قوله: "ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض وجماع مغتسل". وإذا قلنا إن التسمية في الوطء المباح مندوبة فيزيد معها: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ويقرأ قبله الإخلاص ثلاثا، ويسبح ويهلل ويكبر ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللهم ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدا يخرج من صلبي، ويُجْرِي على قلبه وقت الإنزال: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، ولا يتلفظ به. وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقيض بينهما ولد لم يضره
стр. 423
الشيطان أبدا (١)). عياض: قيل المراد به أنه لا يصرعه الشيطان، وقيل لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره، ولم يحمل على العموم في جميع الصور لوجود الوسوسة والإغراء؛ يعني الحمل على فعل المعاصي. انتهى. وهذا التأويل الأخير يرده الحديث الذي فيه أنه لا ينجوا من ذلك إلا عيسى ابن مريم وأمه صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢))، وقال الداوودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر.
وصعود خطيب منبرا يعني أن التسمية تندب للخطيب عند صعوده للمنبر، وكذا تندب في التلاوة: والنوم: وابتداء الطواف، وصلاة نافلة، ودخول خلاء، وخروج منه: ولا تشرع في حج، وعمرة، وأذان، وذكر، وصلاة فرض، ودعاء.
وتغميض ميت يعني أنه يندب لمن يغمض الميت أن يقول عند تغميضه بسم الله، ويزيد: وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه. قاله الشبراخيتي. وفي الحصن الحصين: عن مسلم (وإذا غمضه و (٣) دعا لنفسه بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما يقول اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة وفيه أيضا عنه: (اللهم اغفر لفلان وارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوره فيه (٤)).
ولحده يعني أنه يندب لمن يضع الميت في لحده أن يقول عند لحده؛ أي إلحاده؛ أي وضعه في اللحد: بسم الله قال أشهب: يستحب أن يقول بسم الله، وعلى ملة رسول الله (٥))، وإن دعا بغير ذلك فحسن. انتهى قاله الحطاب. وفي الحصن الحصين عن الحاكم في المستدرك: وإذا وضع في القبر قال: منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، بسم الله، وفي سبيل الله،
стр. 424
وعلى ملة رسول الله (١)). وفي الحديث: لا وضوء لمن لم يسم الله (٢)). ابن حبيب: يعني بالتسمية أن ينوي طهر الصلاة، فمن لم ينو ذلك لم تجزه الصلاة، وإن كان سابغا مثل أن يتوضأ تنظفا وتبردا، وكذلك قال مالك. قاله الحطاب. ويقال مع التسمية عند إلحاده أيضا: اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت عنه فأنت أهل للعفو، أنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر [حسنته (٣)]، واغفر سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. نقله الشيخ إبراهيم. وفي الرياض أنه ليس يصحب المؤمن في قبره شيء خير من الاستغفار الكثير، وفيه أن عذاب القبر من ثلاثة أشياء: من الغيبة، والنميمة، والبول، وفيه: وليتعاهد قراءة تبارك الذي بيده الملك في كل ليلة، فإنه جاء (أنها المانعة من عذاب القبر (٤)).
ولا تندب إطالة الغرة يعني أن إطالة الغرة؛ وهي الزيادة في مغسول الوضوء على محل الفرض لا تندب، بل هي مكروهة؛ لأنها غلو في الدين. قاله ابن مرزوق. وأما خبر الصحيحين: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٥)) لا حجة فيه للمخالف؛ لأن قوله: فمن استطاع مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة كما نقله ابن تيمية وابن القيم وابن جماعة عن جمع من الحفاظ. وقال الحافظ بن حجر: لم أر هذه الزيادة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة؛ وهم عشرة، ولا من رواه عن أبي هريرة غير زيادة نعيم بن عبد الله هذه. انتهى؛ أي فهي شاذة، ولو سلم عدم الإدراج وعدم الشذوذ فلم يصحبه عمل أهل المدينة وهو عندنا من أصول الفقه، والمراد بالإطالة في الحديث: إدامة الوضوء
стр. 425
والمواظبة عليه لكل صلاة فتقوى غرته بتقوية نور أعضائه، والمنفي عندنا الزيادة على محل الفرض، وندب الوضوء لكل صلاة معلوم من باب التجديد، ولا يعلم من المصنف عين الحكم، وقد علمت أنه الكراهة. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عبد السلام: ينبغي عَدُّ إطالة الغرة من الفضائل لا ثبت فيها. قاله الشيخ إبراهيم، وقال هو وغيره: إن هذه الزيادة مما انفرد بها أبو هريرة، ولم يذكرها أحد ممن وصف وضوءه ﵊. انتهى. وقد مر الكلام على الغرة والتحجيل أول الفصل فراجعه إن شئت.
ومسح الرقبة يعني أن مسح الرقبة لا يندب في الوضوء، بل يكره لعدم وروده في وضوئه ﵊، وقال أبو حنيفة: إنه مندوب لخبر أبي نعيم عن أبي هريرة: (من توضأ ومسح يديه على عنقه أمن من الغل (١)). وترك مسح الأعضاء يعني أنه لا يندب للمتوضئ ترك مسح الأعضاء أي لا يندب له ترك تنشيفها بخرقة، بل يجوز خلافا للشافعية في استحبابهم ترك ذلك وكراهتهم له، وفي المدونة: لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء: وقيل لمالك: أيفعل ذلك قبل غسل رجليه ثم يغسل رجليه بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعله، وظاهر الجلاب منعه قبل تمامه لتفريق الطهارة من غير عذر، ولا حجة لندب عدم المسح في خبر ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوضا: (من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به: ومن لم يفعل فهو أفضل؛ لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال (٢))؛ لأنه ضعيف الإسناد: ولا حجة أيضا فيما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أنه كَرِهَ المنديل بعد الوضوء، وقال هو يوزن؛ لأنه قول مجتهد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: قيل لمالك أيفعل ذلك الخ أبو الحسن: إنما توهمه لما فيه من الشغل عن الوضوء وتفريقه، وقد جوز في الصلاة الشغل اليسير: وعفي عنه فيها، فكيف بالوضوء؟ وقد قالوا فيما يتعلق بالجبهة والكفين من التراب في الصلاة: إن له أن يزيل ذلك داخلها وأحرى خارجها: وقيل إنما يزيل ذلك خارج الصلاة، والأول شهره ابن ناجي، وفيها: ومن كثر التراب بجبهته أو كفيه فله مسحه. انتهى، فظاهرها مطلقا. قاله الثسيخ محمد بن الحسن.