يعقد بإذن وليه إذا كان ذا رأي وأما الضعيف الرأي فلا وهذا قول ابن القاسم في الموازية، الثاني وهو قول أشهب في العتبية أنه يعقد إن كان ذا رأي أي وكان مهملا ليس عليه حجر من وصي ولا حاكم: الثالث وهو قول ابن وهب أنه إن كان له ولي فإن الولي يعقد ويستحب له إحضاره ولا تضره غيبته، قال: فإن لم يكن له ولي فعقده ماض إن كان صوابا. الباجي: يفرق بين المحجور عليه وغيره، وسوى محمد بينهما فقال: لا يرد إلا لوجه بين، وحكى ابن زرقون أن نكاح المحجور عليه فاسد قبل البناء وبعده، وحكى ابن مغيث في وثائقه عن أشهب أن إنكاحه لوليته جائز. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "بإذن وليه": وإذن وليه ليس بشرط صحة فلو عقد بغير إذنه استحسن إطلاعه عليه لينظر فيه، فإن لم يفعل مضى ومن لا ولي له يمضي فعله بلا نزاع. ذكره المواق. وأما ضعيف الرأي فهو كالميت. قاله الباجي. انتهى. وللشيخ عبد الباقي نحوه وعزاه للأجهوري، وقال عبد الباقي: وأما ضعيف الرأي فيفسخ. انتهى.
وقال الشيخ الأمير: وعقد سفيه ذو رأي بإذن وليه وإلا فله النظر. انتهى. وقال الشيخ بناني: وفي المواق وإن كان ناقص التمييز خص بالنظر في تعيين الزوج وصية وتزوج ابنته كيتيمة، ويختلف فيمن يلي العقد هل الأب أو الوصي؟ ولو عقد حيث يمنع منه نظر فإن كان حسن نظر أمضي وإلا فرق بينهما، وكذا إن كان غير مولى عليه نظر في عقده. انتهى. وهو يرد قول علي الأجهوري: ومن لا ولي له يمضي فعله بغير نزاع إلا أن يحمل على ذي الرأي فصحيح. انتهى كلام الشيخ بناني. وهذا الحمل متعين فلا اعتراض عليه. والله أعلم. وقوله: "وعقد السفيه" لخ أي نكاح وليته مجبرة أم لا كما مر عن الشيخ عبد الباقي، وأما على نفسه فهي الآتية في قوله: "ولولي سفيه فسخ عقده". قاله الشيخ عبد الباقي.
وصح توكيل زوج الجميع يعني أن جميع من تقدم ممن لا يجوز لهم عقد النكاح من جهة المرأة لمانع فيهم من رق أو أنوثة أو كفر ونحو ذلك يجوز أن يكونوا وكلاء من جهة الزوج فيباشر الطرف الآخر وهو القبول، إلا المحرم والمعتوه والمجنون والصبي غير المميز، فتقبل له المرأة والكافر والصبي المميز، ففي سماع عيسى: لا بأس أن يوكل الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة على عقد نكاحه. انتهى. زاد ابن شأس: أو صبيا، ونقله في النوادر عن ابن حبيب، ونقله عن ابن
стр. 3712
حبيب أيضا ابن أبي زمنين: قال ابن حبيب: كذلك قال من كاشفته عنه من أصحاب مالك، وقاله ابن القاسم أيضا. انظر حاشية الشيخ بناني. فإنكار ابن عرفة الصبي غير مسلم.
وبما قررت علم أن توكيل الزوج واحدا ممن مر جائز، وإنما عبر بالصحة لأجل قوله: "لا ولي إلا كهو" وقيل لا يوكل الزوج إلا من توفرت فيه الشروط كولي المرأة، وأنكر بعضهم وجوده في المذهب. قاله الشيخ أبو علي. قال: ويقول الوكيل قبلت لفلان، قال: فلو قال قبلت لم يكف في أحد القولين ولو قبل نكاحا ونوى موكله لم يقع للموكل بخلاف البيع. انتهى.
لا ولي إلا كهو؛ يعني أن ولي المرأة لا يجوز له ولا يصح أن يوكل على عقد نكاحها إلا مثله ممن توفرت فيه الشروط الستة المتقدمة، فلا يوكل عبدا ولا امرأة ولا كافرا ولا مجنونا ولا محرما ولا صبيا وإلا فسد النكاح فيفسخ قبل وبعد، وليقل الولي للوكيل -أي وكيل الزوج- زوجت من فلان ولا يقل زوجت منك. قاله الشيخ أبو علي. ولولي المرأة أن يوكل من توفرت فيه الشروط: كان بعيدا أم لا، كانت البنت في بلده أم لا، كانت الوكالة متعددة بأن يجعل للوكيل أن يوكل أم لا وهو كذلك في الجميع. قاله أبو علي. قال عن أصبغ: وليس للوكيل أن يفعل أكثر مما جعله له موكله صريحا، ونحوه في كتاب ابن حبيب قال إلا المأمور بالبيع فله قبض الثمن وإن لم يجعله إليه، فإن لم يقبضه ضمنه إن فات المبيع. انتهى. وهو نحو ما يأتي للمص في الوكالة. انتهى. وفي نقل الشيخ أبي علي أن الوكيل إذا عقد النكاح بعد عزله ولم يعلم بذلك فابن القاسم وغيره قالوا: فعله مردود وبه القضاء، وقال القاضيان أبو الفرج وابن القصار: فعله ماض إذا لم يكن علم بعزله. انتهى. وبه تعلم أن قول عبد الباقي: وهل للوكيل أن يوكل؟ وهو ظاهر قوله في الوكالة لخ تنظير مع وجود النص. والله سبحانه أعلم.
وقال الشيخ أبو علي: فإن قام الزوج بعد البناء يطلب من الوكيل ما دفع له وزعم أنه لم يشوره به، فإن قام بقرب بنائه كالعام ونحوه فعلى الوكيل البينة بالبراءة منه، وبراءته منه إقامة بينة على ابتياع الجهاز به وإيراده بيت البناء وإن قام بعد العامين ونحوهما حلف الوكيل لقد ابتاع بالنقد جهازا وأورده بيت البناء وبرئ وإن كان قيامه بعد ذلك بمدة لم يجب له على الوكيل
стр. 3713
يمين، ومن عقد نكاحا بوكالة ثم وقع الطلاق فليس للوكيل أن يردها إليه إلا بتجديد وكالة. قاله أبو عمر.
وقال غيره: إلا أن يكون الموكل جعل له ذلك عند توكيله إياه، وهل يحتاج الوكيل إلى استيمار البكر؟ روي عن مالك أنه لا يستأمرها، وبذلك قال عبد الملك. واختاره التونسي، وروي عنه - أي عن مالك - أيضا أنه يستأمرها، وفي وثائق ابن عفيف: يستأمرها إلا أن يقول الأب في توكيله وكالة مفوضة أقامه في ذلك مقام نفسه وأنزله منزلته فلا يستأمرها. انتهى. وفيه عن المتيطي أنه يقول في عقد الوثيقة وكالة مفوفة دائمة مستمرة لا ينقضها طول أمد إلا صريح العزل، ثم قال: وقولنا دائمة مستمرة لخ أحسن فإنك لو أسقطت ذلك لم ينتفع بالتوكيل إلا مدة ستة أشهر ويلزم تجديده بعد ذلك. انتهى.
وعليه الإجابة لكفؤ يعني أنه يجب على الولي إذا كان غير أب أو أبا غير مجبر أو مجبرا بشرط أن يتبين عضل في الأخير أن يجيب إلى كفؤ خطب وليته، ودعت بالغة إليه أو لم تدع إليه لكن بشرط أن ترضى به وإن لم يرض هو به، ولزمه ذلك لأنها لو لم تجب إلى ذلك مع كونها لا تباشر عقدها قد يحصل لها ضرر، والمراد بالكفؤ هنا الكفؤ في الدين وإن لم يكن كفؤا في النسب كما قاله الشيخ أبو علي. فيشمل الولى مع العربية كما صرح هو به، وهو قول المص الأتي: "والولى وغير الشريف" لخ، وقوله: "وعليه" أي الولي فالضمير عائد على ولي من قوله: "لا ولي إلا كهو". قاله الشيخ أبو علي.
وكفؤها أولى يعني أن المرأة لو خطبها كفؤان أو أكثر وعين الولي غير من عينته المرأة فإن الأمر في ذلك إليها، فتجب مساعفتها على ذلك حيث كانت غير مجبرة أو مجبرة وتبين الضرر لأنه أقرب لدوام العشرة، وقوله: "أولى" المراد به الوجوب كما صرح به الشيخ الأمير، وقال الشيخ إبراهيم: ولعل المراد بقوله "أولى" واجب، فيأمره الحاكم يعني أن الولي إذا لم يجب في المسألتين فإن الحاكم يأمره أن يزوجها من الكفؤ الذي رضيت به، وقوله: "فيأمره الحاكم" ظاهره أنه لا يجوز له أن يزوج إلا بعد إباية الولي وهو كذلك في كلام الناس. قاله الشيخ أبو علي. وقوله: "فيأمره الحاكم" فإن فعل فواضح وإن امتنع فهو ما أشار إليه بقوله: ثم بعد امتناع الولي من
стр. 3714
التزويج زوج الحاكم، ومعنى كلامه أنه إذا أمر الحاكم الولي بالتزويج في المسألتين فامتنع منه فإنه يسأله عن وجه امتناعه، فإن رآه صوابا ردها إليه وإلا زوجها الحاكم.
قال ابن عرفة: فإن أبى الولي زوجها عليه الحاكم. المتيطي وابن فتوح: على هذا عمل الناس في غير الأب في البنت البكر، وعلى المعروف وقفوه في البكر على ثبوت بكارتها وبلوغها وكفاءة الزوج ورضاها به وبالمهر، وأنه مهر مثلها وخلوها من زوج وعدة وأن لا ولي غيره، وفي الثيب على ثبوت ثيوبتها وملكها أمر نفسها وما بعد الكفاءة سوى أنه مهر مثلها، وفي الكفاءة قولان. انتهى. قاله الشيخ بناني.
قال. وقد علمت به أن الثيب لا يشترط فيها ثبوت كونه مهر مثلها، وقال قبل هذا: لا حاجة إلى إثبات الثيوبة لأن هذا الحكم غير مختص بالثيب لكن في النص ثبوت الثيوبة في الثيب والبكارة في البكر، ثم ذكر ما مر عن المتيطي وظاهر كلام المص انتقال الولاية هنا إلى الحاكم دون الأبعد، قال صاحب العمدة: ويعقد السلطان لأنه كالحاكم عليه وإن شاء رده إلى غير العاضل. انتهى. نقلد في التوضيح.
قال: فصرح بأنها تنتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد، وكذلك هو ظاهر كلامهم. انتهى. وقال أيضا: بعده: المزوج مع عضل الأب الحاكم بلا إشكال نص عليه المتيطي وغيره، وهو يبين أنه إذا امتنع الولي الأقرب تنتقل الولاية إلى الحاكم لا إلى الأبعد. نقله الشيخ بناني. وقال الشيخ أبو علي: وإنما زوج الحاكم لأنه كالحاكم بهذا الأمر. انتهى. وبه تعلم ما في كلام الشيخ الأمير.
ولا يعضل أب بكرا برد متكرر عضل المرأة: منعها من التزويج، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يعني أن أفعال الأب في ابنته البكر محمولة على السداد والنظر حتى يثبت خلاف ذلك، فلذلك لا يعد عاضلا في ابنته المجبرة إذا تكرر منه الرد لخاطب واحد أو متعدد لما جبل عليه من الحنان والشفقة ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم من حالها أو من حال الخطاب ما لا يوافق، وقوله: "برد" بالتنوين. قاله الشيخ عبد الباقي. فقوله: "لا يعضل" أي لا يعد عاضلا حتى يتحقق يعني أن الأب لا يعد عاضلا بالرد المتكرر حتى يتحقق منه العضل، فإن تحقق ولو بمرة أمره بالتزويج، فإن امتنع زوج الحاكم ولا يسأله عن وجه امتناعه إذ لا معنى
стр. 3715
للسؤال مع تحقق العضل، وتقدم أن من عضلت لا بدمن إذنها بالقول، ومفهوم قوله: "بكرا" أن من لا يجبر يعد عاضلا بأول رد، وكذا الوصي المجبر يعد عاضلا برد أول كفؤ كما يفيده ابن عرفة، فليس هو كالأب في ذلك، ومفهوم قوله: "حتى يتحقق" أنه إن زوجها الحاكم قبل تحقق العضل فسخ. قاله المواق. ثم حيث لم يتحقق ضرره وجب إنفاقه عليها، فإن امتنع جبره الحاكم عليه ولو بالحبس مع قدرته بكسبه أو بعقاره، فإن لم يكن له شيء جبره على تزويجها من غني طالب فإن أبى زوجها منه. قاله الشيخ عبد الباقي. وفهم من المص أنها لو قالت: عضلني أي لغير عذر، وقال الأب: لعذر أن القول قول الأب، وعلى البنت إثبات ما ادعت، وقال اللخمي: لا يتعرض له إن كان من أهل الصلاح وإلا سئل الجيران فإن لم يكن عذر زوجت، والأصل في قوله: "وعليه الإجابة" إلى هنا قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار (١)).
وقوله: "حتى يتحقق"، قال في المدونة: وإذا تبين ضرره قال له الإمام إما أن تزوج وإلا زوجناها
عليك؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار). قاله الشارح. وقال الشيخ إبراهيم: وإن ادعى الأب عضلها لعذر وادعت هي عدمه فالقول قوله وعليها إثبات ما ادعت، وهذا إذا كان من أهل الصلاح وإلا سئل الجيران.
وإن وكلته ممن أحب عين يعني أن المرأة إذا وكلت شخصا أن يزوجها ممن أحب فإنه لا بد أن يعين لها ذلك الرجل الذي يريد أن يزوجها منه لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال، وأولى في لزوم التعيين إن لم تقل ممن أحببت فلا بد من التعيين أيضا.
وإلا فلها الإجازة يعني أنه إذا قالت له زوجني ممن أحببت فزوجها ممن لم يعينه لها فلها الخيار بين أن تجيز النكاح وأن ترده، وسواء زوجها من نفسه أومن غيره، وظاهر المص ولو علم الزوج بأنه لم يعينه لها وأن تعيينه لها مطلوب، وظاهره أيضا ولو زوجها من نفسه وهو كذلك، وأما إن وكلته ممن أحبت هي وزوجها من غير تعيين فإنها كالمفتات عليها، فيصح إن قرب رضاها بالبلد ولم يقربه حال العقد لشدة الافتيات عليها أقوى من مسألة المص لإسنادها المحبة
стр. 3716
لها فيها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشارح: وظاهر كلامه سواء زوجها من نفسه أو من غيره وهو كذلك في المدونة، وزاد فيها عن ابن القاسم: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه، وإن زوجها من نفسه فرضيت جاز واستحسنه اللخمي. انتهى. وقوله: "وإلا فلها الإجازة"، هو قول مالك. ابن عرفة: ومن فوضت نكاحها لوليها من غير تعيين ففي وقفه على رضاها ثالثها إن زوجها من نفسه وعلى القول باللزوم وإن لم يعين فإنما يلزمها ذلك إذا زوجها بصداق المثل والكفؤ. قالد الشيخ أبو علي.
ولو بعد يعني أن لها أن تجيز النكاح ولو بعد ما بين العقد عليها وعلمها بأنه زوجها ممن لم يعينه لها. قاله مالك.
وقال ابن حبيب: إنما تجيز بالقرب وأما مع البعد فليس لها الرضا إلا بنكاح جديد بعد فسخ الأول، فالمبالغة في الإجازة فقط، ومفهوم قوله: "ممن أحب" أنها إذا أذنت له أن يزوجها من معين أو من جماعة معينة لقضي لها بذلك. قاله الشيخ أبو علي. والعكس يعني أنه إذا وكل الرجل شخصا ذكرا أو أنثى أن يزوجه ولم يعين له المرأة فزوجه من امرأة ولم يعينها له فإنه يلزمه ذلك النكاح إذا كانت المرأة ممن تليق به وإلا لم يلزمه، وكذا يخير بين الإجازة والرد إذا زوجته الوكيلة من نفسها.
وظاهر المص سواء كانت صيغته زوجني ممن أحببت أو زوجني وأطلق.
تنبيهان: الأول: لو وكل الرجل من يزوجه من امرأة عينها بصداق مسمى فلا إشكال، وإن قال زوجني بما تراه نظرا فلا يجاوز صداق المثل بما لا يتغابن به، وإن قال ممن تراه من النساء فله أن يزوجه من مثله في قدره وحاله بالمسمى أو بصداق المثل إن لم يسم. قاله الشيخ أبو علي.
الثاني: قال مالك في كتاب ابن المواز: لا أحب أن يزوج الوصي يتيمته من نفسه، قال في الواضحة: ولا من ابنه لأن ذلك من ناحية ما كره له من اشتراء مالها، فإن وقع نظر فيه السلطان فإن كان صوابا مضى وإلا فسخ. ابن المواز: إلا أن يتم لها ما يشبهها إذا كان كفؤا لها أو ينزل بها بعد النكاح ضرر في بدن أو مال حتى يصير الفسخ ليس بنظر لها فيمضيه استحسانا، وإذا
стр. 3717
زوج الرجل يتيما في حجره من ابنته نظر، فإن كان نظرا له جاز وإن كان غير سداد لم يجز، وهو محمول على عدم السداد حتى يعلم السداد في ذلك. قاله الشيخ أبو علي.
ولابن عم ونحوه إن عين تزويجها من نفسه مني أن الولي إذا كان ابن عم أو نحوه ممن له ولاية النكاح كمولى أعلى أو حاكم أو مولى أسفل على القول بولايته، فإنه إذا أراد تزويج وليته من نفسه يكون له ذلك إن عين لها أنه هو الزوج فيعقد عليها لنفسه ولها على نفسه، ويدخل في قوله: "ونحوه ولاية عامة مسلم"، قال عبد الباقي: وكذا وصي ومقدم قاض مع كراهة ذلك لهما وهي في الثاني أشد. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "ونحوه"، فيشمل الكافل والمولى الأعلى والأسفل على ما فيه والحاكم ومن يزوج بولاية الإسلام، ويستثنى من ذلك الوصي فإنه يكره له ذلك كما في التتائي؛ إذ كلام المص فيما هو جائز من غير كراهة. انتهى. وقال الإمام الحطاب ناقا، عن الشيخ زروق في شرح الإرشاد: يعني أن الولي إذا كان ابن عم أو وصيا أو كافلا أو مولى أعلى فأراد تزويج وليته من نفسه له ذلك، ويتولى طرفي العقد فيعقد عليها لنفسه ولها على نفسه، قال في المدونة: وليشهد على ذلك غيرهما، وللخمي عن المغيرة: لا يعقد ولا بد أن [يوكل] (١) غيره فيزوجها منه، والمشهور الأول، وعليه فلو قالت زوجني ممن أحببت فزوجها من نفسه أو غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها منه ولها أن تجيز أو ترد. انتهى.
وقال في شرح العمدة: فإذا رضيت به أشهد على رضاها خوف إنكارها ولا يشترط ذلك بل يستحب، فإن عقد عليها من غير تريفها فالمشهور أنه لا يلزمها. انتهى.
بتزوجتك بكذا الباء في بتزوجتك للتصوير؛ يعني أن صورة عقدها لنفسه أن يقول: تزوجتك بكذا من المهر وإن لم يقل بعده قبلت فهو تصوير للتزويج والتعيين معا مع ذكر الصداق. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: وترضى معناه أنه إذا عين لها نفسه والصداق وعقدها لنفسه بأن قال: تزوجتك بمهر قدره كذا فإنه لا بد من رضاها بذلك، قال الشيخ أبو علي: قوله: "وترضى" أي بالقول إن كانت ثيبا وبالسكوت إن كانت بكرا. انتهى.
стр. 3718
وعلم مما قررت أن قوله: "وترضى" قائم مقام قبولها، ويستفاد مما قررت أنه إذا بين لها قبل الصيغة المذكورة أنه يريد تزويجها من نفسه وعين لها الصداق وحصل منها الرضى، فإن ذلك بمنزلة ما إذا قال تزوجتك بكذا وترضى، إذ الرضى هنا بمنزلة القبول في مسألة المص. انظر الشبراخيتي. ونكاح التفويض بمنزلة التسمية. قاله الشبراخيتي. وقال غير واحد عند قوله "وترضى": إن كانت ممن يعتبر رضاها وإلا فالمعتبر رضا وليها.
وقوله: "وترضى" ويشهد على رضاها استحبابا خوف منازعتها: فإن لم يشهد وهي مقرة جاز، ولابد من الإشهاد على النكاح فإن لم ترض كان النكاح غير معتبر، والظاهر أن مثل تزوجتك بكذا قبلت نكاحك بكذا لأنه جواب للإيجاب الحاصل تقديرا بحسب رضاها به.
وتولى الطرفين يعني أنه إذا عقد وليته لنفسه كان له أن يتولى الطرفين أي الإيجاب والقبول، وأتى به وإن استفيد مما قبله للرد على من يقول: ليس له تولي الطرفين، وما مشى عليه المص هو المشهور وهو قول مالك وغيره من أصحابه فيكون زوجا وليا، ومقابل المشهور هو قول المغيرة حكاد عنه ابن القصار وحكاه أيضا عن أحمد أنه لا بد أن يوكل غيره. قاله الحطاب. مع شيء ممن كلام الشارح.
ونقل بعض الأندلسيين عن ابن القاسم: للمعتق أن يتزوج معتقته دون رضاها وليس عليه العمل، وعن سحنون أن ابن القاسم كان جالسا مع بعض أصحابه، فقال: اشهدوا أني زوجت معتقتي فلانة مني، فقال بعض جلسائه: حتى تستأذن، فقال: اسكت يا جاهل لا يعرف هذا مثلك.
وإن أنكرت العقد صدق الوكيل يعني أن المرأة إذا أقرت بأنها أذنت لوليها في العقد وادعى الولي الموكل على العقد أنه عقدها وأنكرت هي عقد الوكيل، بأن قالت لم تزوجني فإنه يصدق الوكيل في أنه عقدها إن ادعاه الزوج؛ يعني أن محل تصديق الوكيل في العقد إنما هو حيث وافق الزوج الوكيل بأن ادعى أن الوكيل عقد له عليها، ومفهوم قوله: "إن ادعاه الزوج" أنه إن لم يدع الزوج العقد صدقت هي، فإن أقرت بالعقد وادعت العزل قبله وادعى أنه عقد عليها قبل العزل صدق الوكيل أيضا إلا أن يطول ما بين العقد والتوكيل نحو ستة أشهر فيقبل قولها في عزله، وأما إن كان بين تنازعهما في العزل والوكالة ستة أشهر مع دعواه العقد فيها وأنه قبل العزل فلا يقبل
стр. 3719
قولها كذا ينبغي. قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ أبو علي: وإن أنكرت العلم والرضا مع الأسباب الظاهرة كالوليمة حلفت ما علمت أن ذلك لأجلها وبطل، وإن نكلت لزمها. وقيل لا يمين ولا يلزمها، وقيل تحلف ويبطل ولا يلزمها إن نكلت، فإن أذنت على شروط فزوجت بدونها خيرت في الفسخ قبل البناء. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله "إن ادعاه الزوج" ما نصه: ولا يكلف الوكيل ببينة كالبيع. انتهى.
وإن تنازع الأولياء المتساوون في العقد يعني أن أولياء المرأة إذا استووا في الدرجة بأن كانوا بنين أو إخوة أو أعماما أو بنيهم أو موالي أعلين وتنازعوا فيمن يتولى العقد عليها منهم فأراد كل منهم أن يتولاه مع اتفاقهم على الزوج، فإن الحاكم ينظر في من يتولى العقد منهم. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: نظر الحاكم فيقدم أفضلهم، وقال الخرشي: فإن السلطان ينظر فيمن يلي العقد منهم، وقال الإمام الحطاب: فإن الحاكم ينظر. نقله اللخمي عن المدونة. وقال عبد الحق عن بعض القرويين: تعين المرأة أحدهم. ابن حبيب: يقدم أفضلهم فإن استووا في الفضل فأسنهم فإن استووا فيه زوج الجميع، وهذه ثلاثة أقوال ذكرها الحطاب. قال: وزاد المتيطي والباجي عن ابن حبيب. وليس للمرأة أن تفوض إلى أحدهم دون سائرهم لأنه حق للولي، قلت: وعلى هذا اقتصر ابن الحاجب. انتهى.
وقوله: زوج الجميع، معناه - والله أعلم - فوضوا جميعا لرجل يعقد عليها. انظر الحطاب. وفيها أقوال أخر ثلاثة، أحدها للكافي أفضلهم فإن استووا عقد السلطان أو من يعينه منهم، ثانيها له أيضا أن يعين أحدهم ولا يعقد هو، ثالثها للخمي لو قيل يعقدون جميعا دون تعيين الأفضل لكان حسنا. قاله الحطاب. فهي أقوال ستة كما صرح به الحطاب، وقوله: له أي للكافي. والله سبحانه أعلم.
وقال الإمام الحطاب: ولا إشكال في صحة عقد أحدهم إن بادر وعقد، وإنما الكلام هل الأفضل يجوز له الإقدام على ذلك، قال ابن عبد السلام: ينبغي أن لا يقدم على ذلك حتى يعلم بما عند الباقين؛ لأن لكل واحد منهم مثل ما للآخر، وقال في التوضيح: لا يقدم على ذلك ابتداء، لكن مقتضى كلامه في المدونة أن لبعض الأولياء إذا كانوا في درجة أن يزوج ابتداء بغير إذن الباقين.
стр. 3720
والله أعلم. انتهى. وقال الشارح: قال اللخمي: ولو قيل إن ذلك لجميعهم من غير مراعاة من ولا فضل لكان حسنات ثم قال: ونقل عبد الحميد عن المغيرة أن الحاكم يقرع بينهم. انتهى.
وقال الشبراخيتي: ولابن ناجي فيما إذا تنازعوا في العقد أنه يقدم أفضلهم، فإن استووا في الفضل فأسنهم، فإن استووا فيه زوج الجميع. انتهى. وهذا هو الذي يجب المصير إليه وإن كان خلاف كالأم المص، ويقرب منه كلام عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: إن القائل بذلك ابن حبيب لا ابن ناجي. والله سبحانه أعلم.
وتقدم أن القول الأول من الأقوال الستة التي ذكرها الحطاب أن الحاكم ينظر، وقال الشيخ أبو علي: والمذهب الأول يعني من الأقوال لقوله ﷺ : (فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له (١)).
قال جامعه عفا الله عنه: قد مر أن معنى كلامه أن القول الأول الذي هو ينظر الحاكم أنه يكون النظر للحاكم في الذي يلي العقد منهم. والله سبحانه أعلم. وفي الرهوني تشهير ما للمص كما قال الشيخ أبو علي.
أو الزوج يعني أن الأولياء المتساوين في الدرجة إذا تنازعوا في الزوج بأن أراد كل منهم تزويجها من واحد غير من أراده الآخر ولم تعين المرأة أحدا وفوضت إليهم، فإن الحاكم ينظر فيمن يراه أحسن رأيا من الأولياء فيجيز نكاح من رآه وعينه من الزوج. قاله الشيخ بناني. وإن عينت كفؤا تعين.
وبما قررت علم أن قوله: نظر الحاكم جواب عن المسألتين أي ينظر الحاكم في تنازعهم في العقد أو الزوج، قال الشيخ أبو علي في المسألة الأولى: وهل لها أن توكل من شاءت منهم أو لا؟ خلاف منشؤه هل الحق لها أو لهم؟ وضعف القول بأن لها أن توكل. وقال الشارح عقب قوله "تظر الحاكم": هذه مسألة المدونة، قال فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في القعدد سواء، نظر السلطان في ذلك، هكذا لفظ البرادعي، ثم ذكر كلام الأم ثم قال: ولم يبين اختلافهم فيما [إذا وقع] (٢) هل في
стр. 3721
من يلي منهم عقد النكاح أو في الزوج؟ قال ابن سعدون: وهو محتمل لكل من الأمرين، والشيخ ﵀ كأنه نحا إلى هذا فلذلك أتى بالمسألة على الأمرين. انتهى.
وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول يعني أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا فوضت لولييها في عقد نكاحها لرجلين معينين فعقداها على الترتيب فإنه يقضى بها للرجل الذي عقد له عليها أو لا، سواء أذنت لهما معا أو مترتبين إن لم يتلذذ الثاني بلا علم يعني أنها إنما تكون للأول حيث لم يتلذذ بها الثاني أو تلذذ بها عالما بكونه ثانيا، ويثبت علمه ببينة على إقراره قبل التلذذ أنه علم بعقد الأول، وهاتان صورتان تكون فيهما للأول ويفسخ نكاح الثاني بلا طلاق، وقيل بطلاق ولا حد على الثاني بدخوله عالما بالأول كما في المعيار، وإذن المجبر لاثنين يعقدان لمجبرته كإذن غير المجبرة لوليين.
ومفهوم المص أنه إن تلذذ الثاني غير عالم بكونه ثانيا أنها تكون للثاني كما قضى به عمر بحضرة الصحابة، وقضى به معاوية للحسن على ابنه يزيد، فروى ابن أبي مليكة أن موسى بن طلحة أنكح يزيد بن معاوية أم إسحاق بنت طلحة، وأنكحها يعقوب بن طلحة من الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، فلم يمكث إلا ليلتين حتى جامعها الحسن وكان موسى بن طلحة أنكحها من يزيد قبل أن ينكحها يعقوب من الحسن، فقال معاوية: امرأة جامعها زوجها فدعوها ولم يظهر خلاف، وقال به ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء ومكحول وغيرهم، ومحل كلام المص حيث علم الأول والثاني. وقوله: "بلا علم" أي من الزوج ومثله الولي الثاني والمرأة كما نص عليه الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ أبو علي: ومثل الزوج في العلم العاقد، وإنما يعتبر علم العاقد بالبينة لا بإقراره فلغو. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: ومحل كونها للأول إذا تلذذ بها الثاني عالما إذا ثبت علمه بالبينة بأن تشهد البينة على إقراره قبل التلذذ بأنه ثان، وأما لو أقر بذلك فقط بعد التلذذ فلا تكون للأول لاحتمال كذبه وتكون للثاني زوجة، ولكنه يفسخ نكاحه عمار بإقراره ويكون بطلاق. وقوله: "بلا علم"، حال ومفهومه أنه لو تلذذ بلا علم كانت له لا للأول ولو طلقها الثاني، ويلزمه ما أوقعه من الطلاق ويفسخ نكاح الأول بطلاق وخلوته بمنزلة
стр. 3722
التلذذ؛ لأنها تجب بها العدة فإذا اختلى بها الثاني فاتت على الأول ولو تصادقا على عدم الوطء.
وروى أبو داوود بسنده عنه ﵊ أنه قال: (أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول (١))؛ والجواب أنه محمول على عدم دخول الثاني بشرطه، وأما لو ادعى وكيل الثاني أنه علم قبل العقد بأنه ثان، فإن ثبت ذلك ببينة كانت للأول وإلا فلا أثر لقوله على المعتمد، وأما دعوى المرأة بعد التلذذ بها أنها كانت عالمة بأنه ثان حين إرادة التلذذ بها أو قبل ذلك، فهل لا أثر له كما هو لا أثر له على ظاهر كلام المصنف وشراحه؛ وهو الظاهر أو كعلم الزوج في هذه الحالة فيجري فيه ما تقدم وهو تقرير بعض الشيوخ؟ وإذا وطئ الزوج مع علمه أنه ثان فلا حد عليه كما قاله الونشريسي للخلاف. انتهى. كلام الشيخ إبراهيم.
وفي المدونة: وإذا وكلت المرأة كل واحد من ولييها فزوجها هذا من رجل وهذا من رجل فالنكاح لأولهما إذا عرف إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق، وبذلك قضى عمر ﵁. واعلم أنه استشكل كونها للثاني بشروطه وجوابه قضاء عمر بحضرة الصحابة ولم ينكروه وهذا حجة لأنه إجماع سكوتي، وقضاء معاوية للحسن على ابنه يزيد ولم ينكر، وما ذكره المص من أنها تكون للثاني في تلذذه بلا علم هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: هي للأول مطلقا وبه قال المغيرة وابن مسلمة ورواه ابن عبدوس عن مالك وهو اختيار ابن لبابة وهو أقيس وهو قول الشافعي وأكثر العلماء كما في التوضيح واختاره حذاق المتأخرين. انظر الرهوني.
ولو تأخر تفويضه مبالغة في المفهوم أي مفهوم إن لم يتلذذ؛ يعني أنها تكون للثاني حيث تلذذ بها غير عالم بكونه ثانيا ولو كان التفويض أي الإذن للولي الذي عقد للثاني متأخرا عن الإذن للولي الذي عقد للأول، قوله: تفويضه من إضافة المصدر لمفعوله والأصل تفويضها له، ورد بلو على الباجي أنها تكون للأول حينئذ ويفسخ نكاح الثاني، وعلى ما مشى عليه المص يفسخ نكاح الأول بطلاق لأنه مختلف فيه كما استظهره الحطاب. وقد مر عن الشبراخيتي أن الدخول فوت
стр. 3723
ولو تصادقا على عدم المسيس فلا ترد للأول حينئذ، وقال الإمام الحطاب: ظاهر نصوصهم أن الدخول فوت يعني مع تصادقهما على عدم المسيس. والله سبحانه أعلم.
إن لم تكن في عدة وفاة شرط في مفهوم قوله: "إن لم يتلذذ الثاني" لخ أيضا؛ يعني أنه إذا تلذذ بها الثاني غير عالم بالأول فإنها تكون له أي للثاني بشرط أن لا يكون تلذذه أي الثاني في عدة وفاة من الأول، وأما إن تلذذ بها الثاني وهي في عدة وفاة من الأول فإنها لا تكون له بل تتأبد عليه وترث من الأول، ومقتضى كلام المص أنه إذا عقد عليها في العدة وتلذذ بها بعدها أنها تكون للثاني وليس كذلك بل تتأبد عليه لقوله فيما مر: "ولو بعدها" فهي إنما تكون له حيث عقد عليها في حياة الأول وتلذذ بها في حياته، أو عقد عليها في حياته وتلذذ بها بعد العدة بوطء. كما قاله اللخمي ومن وافقه. وجعله ابن أبي زيد كمن عقد في العدة، وأما لو عقد في حياة الأول وتلذذ بغير وطء بعد انقضاء العدة من الأول، فاتفق ابن أبي زيد واللخمي على عدم تأبيد الحرمة في هذه وتكون للثاني. قاله عبد الباقي. قال الرهوني: قوله فاتفق ابن أبي زيد واللخمي على عدم تأييد الحرمة في هذه وتكون للثاني لخ قال شيخنا الجنوي: ظاهر قوله وتكون للثاني أنه مفرع على قولي ابن أبي زيد واللخمي وفيه نظر بل إنما تكون له على قول اللخمي، وأما على قول ابن أبي زيد فلا معنى لكونها له لأنه يقول مهما وطئ في العدة أو بعدها تأبد عليه التحريم، وكيف يعقل مع هذا أن يقول إنها تكون له؟ انتهى.
وقال الشيخ بناني: والحاصل أن الصور اثنتا عشرة صورة؛ لأن عقد الثاني إما أن يقع في حياة الأول أو في العدة أو بعدها، فإن وقع في حياة الأول فالصور ست لأن الوطء أو التلذذ بغيره إما أن يقعا في الحياة أو في العدة أو بعدها، وإن وقع في العدة فالصور أربع لأن الوطء أو التلذذ بغيره إما أن يقعا في العدة أو بعدها، وإن وقع العقد بعد العدة فظاهر فيه صورتان فهذه اثنتا عشرة صورة يتأبد تحريمها على الثاني في خمس، وهي أن يقع الوطء أو التلذذ في العدة وقع العقد فيها أو قبلها وهذه الأربع هي مفهوم قوله: "إن لم تكن في عدة وفاة"، والخامسة أن يقع العقد فيها والوطء بعدها وهذه ترد على ظاهر المص. انتهى.
стр. 3724
وقوله: "وإن وقع العقد بعد العدة" لخ الظاهر أنه إنما ذكر هاتين الصورتين وهما ما إذا عقد بعد العدذ ووطئ أو التذ بغير وطء لتتميم أقسام الكلام بحسب ما ينجر إليه، وإلا فهما ليستا من مسألة ذات الوليين كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقوله: "إن لم تكن في عدة وفاة" قال الشيخ بناني: ينبغي أن يقرر كلامه بأن المعنى إن لم تكن حين عقد الثاني أو تلذذه في عدة وفاة. انتهى؛ يعني ليندفع عنه بذلك ما قدمته من اقتضائه أنها تكون للثاني إذا عقد عليها في عدة وفاة من الأول وتلذذ بها بعدها وليس الأمر كذلك وقد قدم قوله: "ولو بعدها".
ولو تقدم المعتد؛ مبالغة في مفهوم قوله: "إن لم تكن في عدة وفاة" يعني أن المرأة إذا كانت في عدة وفاة من الأول حين تلذذ الثاني بها فإنها لا تكون للثاني، ولو عقد عليها قبل موت الأول فيفسخ نكاحه وتتأبد عليه وترث الأول ورد بلو على ابن المواز القائل: يقر نكاح الثاني معها ولا ميراث لها من الأول بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل موته. وقوله: على الأظهر أشار به إلى قول ابن رشد: الصواب أنه في الوفاة متزوج في العدة بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجا في العدة ولا فرق بين المسألتين. قوله: "على الأظهر"، قال الحطاب: إنه غير جار على قاعدته في التعبير بالاسم، فالأليق به أن يعبر بالفعل، وناقش الرهوني في ذلك وصوب كلام المص. والله تعالى أعلم.
واعلم أن هذه المسألة على ثلاثة أقسام: أحدها أن يعقدا بزمنين ويعلم السابق منهما وهو قوله المار وإن أذنت لوليين لخ، ثانيهما أشار إليه بقوله: وفسخ بلا طلاق إن عقد بزمن يعني أن ما تقدم من التفصيل محله حيث تحقق أنهما عقدا مترتبين وعلم الأول، وأما إذا عقدا معا ولو وهما فإنه يفسخ عقد كل منهما بلا طلاق لاستحالة الشركة فيها شرعا دخلا أو أحدهما أو لم يدخل واحد منهما، خلافا لما في الشارح من أن محل فسخهما ما لم يدخل أحدهما فإن دخل كانت لمن دخل بها، قال الشبراخيتي: وما وقع في الشارح لا يعول عليه. انتهى. قوله: ولو وهما، هو لعبد الباقي وفيه نظر لأنه إذا احتمل تأخر عقد أحدهما فالاحتياط فسخه بطلاق. قاله الرهوني.
стр. 3725
أو لبينة بعلمه أنه ثان أو للتقسيم أو بمعنى الواو يعني أن الثاني إذا شهدت عليه بينة أنه دخل وهو يعلم أنه ثان وأنها في عصمة الغير قبل عقده عليها فإن نكاحه يفسخ بغير طلاق ولا حد عليه وترد للأول بعد استبرائها، وحكم ما إذا قامت البينة على علم الولي الثاني أو على علم المرأة بأنه ثان كذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "أو لبينة الظاهر"، أنه عطف على المعنى أي لعقد بزمن أو لبينة قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
لا إن أقر يعني أنه إذا لم تقم بينة بأن الثاني دخل وهو عالم أنه ثان وإنما أقر بذلك بعد تلذذه فإن الحكم لا يكون كذلك، والحكم أنه يفسخ نكاحه بطلاق بائن لاحتمال كذبه على المذهب وهو قول صاحب النوادر وابن يونس وصاحب اللباب، وصححه في المقدمات وعليه فلا تكون للأول ولا حد على الثاني، والحكم فيما إذا أقر الولي ولم تقم بينة عدم تصديقه وكذا الزوجة، وقوله: "لا إن أقر" أي وعليه الصداق كاملا. وقال عبد الملك: إنه يفسخ بغير طلاق. ابن عبد السلام: وفيه نظر.
وثالثها أشار إليه بقوله، أو جهل الزمن يعني أنه إذا جهل تقدم زمن عقد أحدهما على زمن عقد الآخر فإن النكاحين يفسخان بطلاق وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وعن سحنون أنه يفسخ بغير طلاق.
وبما قررت علم أن قوله: "أو جهل الزمن" عطف على قوله: "لا إن أقر" ومحل الفسخ في قوله "أو جهل الزمن" حيث لم يدخل واحد منهما أو دخلا معا ولم يعلم الأول، وأما إن دخل أحدهما فهي له وإن دخلا معا وعلم السابق منهما فهي له. قاله الشبراخيتي وغيره. وقول عبد الباقي: يفسخ النكاحان دخلا أو أحدهما أو لم يدخل واحد منهما قال الشيخ بناني فيه نظر إذ مذهب مالك في المدونة أن من دخل منهما يكون أحق بها ونكاحه ثابت كما في الحطاب عن اللخمي والرجراجي، ونحوه في المواق عن ابن رشد، وما ذكره الزرقاني من الفسخ مطلقا إنما هو قول ابن عبد الحكم وهو خلاف المذهب. انتهى.
وإن ماتت وجهل الأحق ففي الإرث قولان هذا مفرع على قوله: "أو جهل الزمن" يعني أنه إذا ماتت المرأة وجهل الذي يقضي له بها منهما وهو الأول إن لم يدخلا فقد اختلف في ثبوت الإرث
стр. 3726
لهما معا ميراث زوج واحد مقسوما بينهما لتحقق الزوجية وجهل مستحقها لا يضر وعدم إرث واحد منهما بالكلية بناء على أن الشك في تعيين المستحق كالشك في سبب الإرث، والقول الأول لابن محرز والثاني لأكثر المتأخرين ورجحه التونسي، ومحل القولين حيث جزم كل منهما أنه الأول فإن جزم بذلك أحدهما وقال الآخر لا أدري جرى القولان في الجازم، ولا إرث لمن قال لا أدري كما أنه لا إرث لواحد منهما إن قال كل لا أدري للشك في الزوجية، وأما في مسألة عقدهما في زمن فلا إرث اتفاقا.
وعلى الإرث فالصداق يعني أنه إذا فرعنا على القول بثبوت الإرث فإنه يلزم كلا منهما الصداق كاملا لأنه مقر بوجوبه عليه فلا يستحق شيئا إلا بعد دفعه. وإلا أي وإلا لم نقل بالإرث بل قلنا بعدم الإرث فاللازم لكل واحد منهما زائدة أي زائد الصداق على ما يرث منها أن لو كان يرث، فإن لم يزد الصداق على إرثه فلا شيء عليه ولا يأخذ ما زاد على صداقه من الإرث أن لو كان يرث، فلو تزوج أحدهما بمائة والآخر بخمسين وخلفت زائدا على ذلك خمسين ولم تترك ولدا فصاحب المائة يدفع خمسة وعشرين؛ لأن الواجب له من المائة والخمسين نصفها وهو خمسة وسبعون يفضل عنها من المائة التي عليه خمسة وعشرون هي ما زاد من الصداق على قدر ميراثه منها لو ورث، ولا شيء على ذي الخمسين لأن الواجب له من مجموع الخمسين التي عليه، والخمسين المخلفة خمسون فلا شيء عليه ولا شيء له. قاله غير واحد.
وهذا المثال لا يفترق فيه القول بالإرث والقول بعدمه، وإنما يفترقان حيث كان الصداق أقل من الإرث كما لو كان صداق كل منهما عشرة وخلفت هي عشرين مثلا، فأما على القول بعدم الإرث فلا عليهما ولا لهما، وأما على القول بالإرث فيأخذان من مالها خمسة يقتسمانها فعلم أنهما يتفقان على عدم أخذ شيء حيث كان إرث كل منهما أقل من الصداق أو قدره، ويختلفان حيث كان إرث كل منهما زائدا على الصداق فعلى الأول يأخذ زائد الإرث وعلى الثاني لا شيء له كما لا شي، عليه، ويظهر أيضا أثره إذا تساويا ولكن كان المتروك مخالفا لنوع الصداق كما لو تركت أصلا أو عرضا وصداقها عين وقيمة متروكها مساوية لصداقها، فعلى القول بالإرث يدفع نصف الصداق ويكون له نصف المتروك إن كان إرثه منها النصف، وعلى القول بعدمه لا شيء له ولا عليه. انظر
стр. 3727
الرهوني. ومحل كلام المص إذا ادعى كل منهما أنه الأول، فإن شكا فلا غرم فإن لم تترك شيئا غرم كل واحد منهما نصف الصداق، والذي يظهر من كلامهم أن القول بعدم الإرث هو الراجح لأنه هو الذي رجحه التونسي، وقال ابن عبد السلام: عليه الأكثر وقال الشيخ الأمير: وإن ماتت وجهل الأحق فالأكثر لا إرث وعلى كل من الصداق ما زاد على إرثه، وقيل يشتركان في نصيب زوج فعلى كل الصداق كاملا.
إن مات الرجلان فلا إرث يعني أنه إذا مات الرجلان أو أحدهما عند جهل الأحق فإن المرأة لا ترث شيئا ولا صداق؛ يعني أنها كما لا ترث من واحد منهما بالكلية لا صداق لها على واحد منهما سواء ماتا أو أحدهما، وقوله: "وإن مات الرجلان فلا إرث ولا صداق" محله ما لم يقر أحدهما أنه الأول وتصدقه المرأة وإلا فلها الصداق عليه، وفي إرثها منه إن مات قولان، فإن طلقها من صدقته فهل لها النصف لإقراره أو لا لأنه فاسد طلق فيه قبل الدخول، وينبغي أن تعتد هذه المرأة عدة وفاة حيث كان يفسخ بطلاق وذلك حيث حصل إقرار الثاني بعد التلذذ بأنه تلذذ وهو يعلم أنه ثان أو جهل الزمن، فإن كان يفسخ بلا طلاق كما لو عقدا بزمن فتعتد عدة طلاق، ولا تجب عليها العدة في هذه الحالة إلا إن حصل دخول. والفرق أن نكاحها في الأول من المختلف في فساده. قاله علي الأجهوري قاله عبد الباقي.
وأعدلية متناقضتين ملغاة يعني أنه لو شهد لكل واحد من الزوجين بينة أنه الأحق سقطتا وصار الزوجان كمن لا بينة لهما، وسواء كانت البينتان متساويتين أو إحداهما أعدل من الأخرى، فكون إحدى البينتين أعدل من الأخرى ملغى لا عبرة به، فلو أقام أحدهما بينة أن نكاحه سابق ونكاح غيره لاحق، فأقام الآخر بينة على عكس ذلك وكانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى فإن زيادة العدالة ملغاة لأنها بمنزلة شاهد واحد وهو لا يفيد في النكاح، وحينئذ فيكون بمنزلة ما لو جهل الزمن وعدمت البينة فيفسخ النكاحان معا بطلاق.
ولو صدقتها المرأة يعني أنه لا يقضى بالأعدل من البينتين ولو صدقتها المرأة لأن البينتين لما سقطتا صار الزوجان بلا بينة، فلا يلتفت إلى قول المرأة حينئذ، وقيل يقضى بقولها، وقال أشهب: يقبل قولها ما لم تدع الأرفع وأنكره أصبغ ولابد من حذف في كلام المص، وتقديره: وأعدلية إحدى
стр. 3728
بينتين فحذف المضاف والمضاف إليه الذي هو الموصوف وأبقى صفته، وقوله: "ملغاة" أي خلافا لغول سحنون: يقضى بقول الأعدل كما في البيع، وحكى بعضهم ثالثا أنه لا يقضى بذلك في بيع ولا نكاح، قال أحمد بن عبد الله الدميري تاج الدين بهرام: وقول سحنون هو الظاهر لأن مزيد العدالة موجب للترجيح في البابين كما في الدماء والعتق وغيرهما. انتهى. وقوله: "ولو صدقتها المرأة" قال ابن ناجي: وعارض أبو إبراهيم هذا بقولها في الولاء: إذا أقام رجلان كل منهما بينة أن فلانا مولاه وهو مقر لأحدهما فإقراره عامل، وفرق أبو عبد الله المسناوي بأنا إذا ألغينا البينتين بقيت الدعوى مجردة فلا تفيد في النكاح لأنه يفتقر إلى الإشهاد، بخلاف الولاء فإنه استلحاق فالاعتراف كاف وارتضاه أبو مهدي عيسى الغبريني. انتهى. والظاهر أن الفرق وجوب الاحتياط في الفروج مع اختلاف أغراض النساء في الرجال وتعلق قلوبهن ببعض دون بعض. والله تعالى أعلم.
ابن عاشر: اعلم أن الخلاف المشار إليه جار في كل بينة صدقتها المرأة، وعبارة المص تقتضي أن خلاف أشهب خاص بما إذا كانت الصدقة أعدل. قاله الشيخ بناني.
ولهذه المسألة نظائر تفوت المرأة فيها بالدخول على الأول وهي تسع ونظمها الش فقال:
عليك بتسع قد عددن من النسا … يفوتهن الوطء في سالف الدهر
فأولها ذات الوليين حيثما … يزوجها كل لشخص ولا تدري
إذا جامع الثاني ومن أسلمت ولم … يحل زوجها في الظن عن ملة الكفر
فيظهر أن قد كان أسلم قبلها … عقيب زواج مع جماع بلا نكر
وزوجة مفقود يجيء وقد غدت … بوطء من الزوج الأخير على حجر
كمعتقة تختار ثم تزوجت … لثان فجامعْها ولم يخش من وزر
فما شعرت حتى أتى العبد مثبتا … لإعتاقه من قبلها يا أخا الفكر
كذلك من قد طلقت ثم روجعت … وقد خرجت من عدة وهي لا تدري
стр. 3729
إلى أن بنى زوج بها وكذا التي … غدا زوجها من بعد ذلك في أسر
وقد وطئت بعد الزواج لكونه … تنصر إلا أنه بان عن جبر
كذا أمة قد جومعت بعد عدة … بملك ولم تعلم برجعته فادر
كزوجة من قد قال أمرك كائن … إذا غبت شهرا في يديك مدا الدهر
فغاب فقامت بالطلاق وجومعت … عقيب زواج صح في ظاهر الأمر
فيأتي ذاك الزوج يثبت أنه … قبيل انقضاء الشهر قد جا إلى المصر
وبعد كتبي لهذا تأملت النظم فإذا التاسعة ساقطة من النسخة التي بيدي وهي المشار إليها بقول المص: "أو ظهر أنهن أخوات ما لم يتزوجن أي ويدخل بهن" وألحقها بهن من قال:
كذاك اللواتي فارق الزوج واصطفى … عليهن أزواجا يحلين بالشذر
فكان من أمر الله أن قد بدا له … أخوة مختاراته اللاء كالدر
فبان له أن يسترد من اللوى … تركن فألفاهن صرن على حجر
بوطء من الأزواج قد حل ظاهرا … فظلت دموع العين تجري على النحر
وفسخ موصى يعني أن نكاح السر ممنوع نهى رسول الله ﷺ عنه وإذا وقع فسخ ما لم يدخل ويطل. ابن عبد السلام: ولا خلاف أعلمه في المنع منه. انتهى. وفسر المص نكاح السر بأنه النكاح الموصى بكتمه، وبالغ على منع نكاح السر بقوله: وإن بكتم شهود يعني أنه لا فرق في منع النكاح الموصى بكتمه وفسخه بين أن يكون الموصى بكتمه الشهود وبين أن يكون الوصى بكتمه غير الشهود ممن حضر العقد وغيرهم فكل ذلك نكاح سر أي استكتام الشهود نكاح سر واستكتام غيرهم نكاح سر.
стр. 3730
واعلم أن مقتضى ما قاله الشيخ محمد بن الحسن أن ما قبل المبالغة وفسخ نكاح موصى فيه بكتم الشهود وغيرهم أو موصى فيه بكتم غير الشهود، وما بعد المبالغة ما أوصي فيه بكتم الشهود فقط. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ أبو علي: والأولى أن ما قبل المبالغة هو إيصاء الشهود بكتمه عن الناس من غير خصوص زمان أو مكان وقوله: "وفسخ موصى" اعلم أن المضر إنما هو استكتام الزوج، وأما استكتام الولي والمرأة فلا يؤثر شيئا، ولابد في كون الإيصاء مضرا من كونه قبل العقد أو فيه، وأما لو أوصى الزوج الشهود بعد العقد فليس بنكاح سر، وأمر الشهود بإشهاره وقيده أشهب بما إذا لم تكن له نية قبل العقد أو فيه، وإنما طرأت بعده وإلا فارق، قال الحطاب: أي استحسانا لا وجوبا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: والظاهر أن وكيل الزوج الذي أوصاه أن يوصي شاهدي العقد بكتمه يفسخ عقده أيضا لا إن تبرع الوكيل بإيصائهما بكتمه. انتهى.
وفي الحطاب وغيره عن الباجي أنه إذا اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يعلموا البينة بذلك فهو نكاح سر. انتهى. قال الحطاب: وقاله المص في التوضيح؛ وما ذكره المص في تفسير نكاح السر هو المشهور، فما أوصي فيه بكتم الشهود فنكاح سر، قال الباجي عن عيسى عن ابن القاسم وأصبغ: ولو كانوا ملء المسجد الجامع. وعند يحيى بن يحيى: أن نكاح السرهو أن لا يشهد فيه شاهدان فأكثر، وقال الشارح: واختلف في حكم نكاح السر فالمعروف المشهور من المذهب أنه باطل، وعن بعضهم أنه رأى لأصحاب مالك أن هذا النكاح جائز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. انتهى. ولعله يريد النكاح الذي شهد فيه فيكون هو قول يحيى السابق إلا أنه لا يسمى على هذا الوجه نكاح سر فيكون الخلاف مبنيا على تفسير نكاح السر ما هو، وأما إذا لم يشهد فيه فلا يقول به أحد من أصحاب مالك فيما أعلم. انتهى.
من أمرأة يعني أنه لا فرق في فسخ النكاح المذكور بين أن يكون الزوج أوصى الشهود أن يكتموه عن امرأة واحدة، وبين أن يكون أوصاهم أن يكتموه عن أكثر، وظاهر المص سواء كانت زوجة الموصي أو غيرها وهو ظاهر ما حكاه المؤلف عن الواضحة، وفي كلام ابن عرفة: امرأة له، واقتصر الشيخ الأمير على ما لابن عرفة، وقال الشيخ عبد الباقي: إذا كانت المرأة لغيره لا يكون سرا إلا أن ينضم لها الكتم عن غيرها فلا بد من جمع. انتهى. وقال الشبراخيتي: امرأة له.
стр. 3731
أو بمنزل يعني أنه لا فرق في فسخ النكاح المذكور بين أن يوصي الزوج بالكتمان عن أهل منزل بخصوصهم وبين أن يوصي بكتمه عن أكثر منهم، أو أيام يعني أنه لا فرق في فسخ النكاح المذكور بين أن يوصي الزوج بكتمانه ثلاثة أيام وبين أن يوصي بكتمانه أكثر من ذلك. وما قاله نحوه لابن حبيب، ومقتضاه أن كتمانه يومين موصى به لا يضر، وجعل اللخمي اليومين كالأيام، واقتصر الشيخ الأمير على ما للخمي، وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر كلام المص أن اللخمي مقابل، وقد مر أن ما قررت به كلام المص لمحمد بن الحسن، ونحوه لأبي علي وقرره عبد الباقي على أن المبالغة راجعة لقوله: "من امرأة"، قال: "لا لكتم شهود" حتى يتوهم أن الموصى إذا كان غيرهم ممن حضر العقد يفسخ أيضا مع أنه لا يفسخ، وكذا إن أوصى واحدا فقط من شاهدي العقد، ثم قال ولو اتفق الزوجان والولي على كتمه دون إيصاء الزوج الشهود لم يكن نكاح سر. انتهى.
قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في هذا المواق بناء على أن ما أوصي بكتمه غير الشهود ليس نكاح سر، واستدل على ذلك بقول ابن عرفة: نكاح السر باطل والمشهور أنه ما أمر الشهود حين العقد بكتمه. انتهى. وفيه نظر والصواب ايقاء عبارة المص على ظاهرها، وأن استكتام غير الشهود نكاح سر أيضا كما في التوضيح عن الباجي ومثله في الحطاب، ولعل من فرضه في الشهود أراد التنصيص على محل الخلاف. انتهى.
وقوله: "وفسخ موصى وإن بكتم شهود" قال الشيخ الأمير: واغتفر لخوف ساحر أو ظالم. انتهى.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ومعنى قوله: "ساحر" أنه يخشى إذا ظهر النكاح من ربط الزوج عن زوجته. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: لا يضر الكتم لخوف ظالم، وحكى المازري عن أبي حنيفة أنه تزوج امرأة سرا فاتهمته امرأته الأولى بذلك فأنكر، فلما أنكرت عليه أمر الجديدة أن تأتيه بداره وتسأله عن هذه المسألة فأتت إليه في داره، وقالت له: أصلحك الله عندي زوج أراد أن يتزوج علي أيحل له ذلك قال: نعم ذلك جائز له بالشرع، فكذا هذه تتهمني بهذا، كل ما هو خارج عن هذه الدار فهو طالق ثلاثا فطابت نفسها بذلك. انتهى. نقله الشبراخيتي.
стр. 3732
إن لم يدخل وبطل يعني أنه يترتب على نكاح السر أمران، أحدهما أنه يفسخ كما مر ومحله حيث لم يدخل أو دخل ولم يطل، ومفهوم المص عدم الفسخ إن دخل وطال أي حصل الأمران معات ولها المسمى بالدخول، والطولُ ما يحصل به الفشو. كما قاله الشيخ الأمير. وقال الشبراخيتي عن شيخه الأجهوري أن الطول هنا بالعرف، وقوله: "إن لم يدخل ويطل" هو المشهور، ورأى اللخمي أنه يمضي بالعقد، وذكر ابن الحاجب أنه يفسخ وإن طال على المشهور، قال الشارح: ولم يوجد ذلك في المذهب فضلا عن أن يكون هو المشهور، نعم وقع في المدونة والمبسوطة لمالك أنه يفسخ وإن دخل ولم يقيده بطول ولا غيره. انتهى. أبو الحسن: وهو مقيد بعدم الطول، قال الشارح: وإن حمل على إطلاقه فهو موافق لابن الحاجب، ثانيهما أشار إليه بقوله: وعوقبا يعني أن الزوجين يعاقبان في هذا النكاح إن حصل دخول ولم يعذرا بجهل، وأما إن لم يحصل دخول أو حصل وعذرا بجهل فإنهما لا يعاقبان، وهذا في الزوجة غير المجبرة وإلا عوقب مجبرها والزوج. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ما لم يكونا مجبرين وإلا فالعقاب على الأولياء. انتهى.
والشهود بالنصب مفعول معه كما قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الشهود على هذا النكاح يعاقبون إن دخل الزوجان ولم يعذر الشهود بالجهل وإلا لم يعاقبوا، قال في التوضيح عن المدونة: لا يعاقب الشاهدان إن جهلا ذلك. انتهى. وقال ابن عرفة: روى ابن وهب: يعاقب عامد فعله منهم، وفي الشارح: وقال مالك لا يعاقب الشهود إن جهلوا ذلك، وقال أبو الحسن: يعاقب الزوجان لدخولهما على ما ضارع السفاح والبينة لإعانتها على ذلك وهذا كله بعد البناء. انتهى. نقله الشيخ بناني. وبه تعلم أن ما في كلام عبد الباقي من التوقف في بعض ما تقدم غير ظاهر. والله سبحانه أعلم. وظاهر المص أن الشهود يعاقبون ولو شهدوا عند من يرى جواز ذلك؛ لأن الإنسان لا يجوز له أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه، وأما حضوره من غير إشهاد فلا يمتنع على ما يستفاد من هذه العبارة. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقبل الدخول وجوبا يعني أن النكاح يفسخ في هذه المسائل الخمس وجوبا قبل الدخول ويثبت بعده، إحداها النهارية وإليها أشار بقوله: على أن لا تأتيه إلا نهارا يعني أنه إذا نكح المرأة
стр. 3733
على شرط أن لا تأتيه أو لا يأتيها إلا نهارا أو ليلا أو بعض ذلك فإن النكاح يفسخ وجوبا قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل، مالك: لا خير في النهارية وهي أن يتزوجها على أن لا يأتيها إلا نهارا أو ليلا وأجازها الحسن وعطاء، وكرهها الحكم وابن سيرين. نقله الشيخ أبو علي. وقال الشيخ عبد الباقي: تبعا للشارح، وأتى بقوله: "وجوبا" ليلا يتوهم أن هذا النكاح لما كان يمضي بالدخول يكون الفسخ مستحبا، وقال الشيخ محمد بن الحسن: أظهر منه أن يقال نبه به على أن قول الإمام لا خير فيه محمول على الوجوب، أو قال وجوبا للرد على المخالف في المعطوف الأخير وهو قوله: "وما فسد لصداقه"؛ لأن مذهب العراقيين أن فسخه قبل البناء مندوب لا واجب، ومذهب المغاربة الوجوب وعليه مشى المص وهو ظاهر. انتهى.
وقوله: "وعلى أن لا تأتيه إلا نهارا" من مسألة شرط يناقض الآتية، والظاهر أنه إنما أفردها بالذكر للخلاف فيها بين المنع والكراهة والجواز، وقد علمت أن الإمام قال: لا خير فيه ولم يصرح بالمنع ولم يرد هذا الخلاف في غيرها من الشروط المناقضة. قاله الشيخ أبو علي. وما مر من أن لها مهر المثل بالدخول، قال في البيان: هو الأظهر، وقيل لها المسمى، وما مشى عليه المص في النهارية هو الذي يأتي على مذهب المدونة، وبه قال أصبغ وحكاه عن مالك وأصحابه، وقال عيسى: يفسخ ولو دخل. والفرق بين هذا ونكاح المتعة أنه هنا دخل على أن يكون النكاح بيده إلى الممات، ولا كذلك نكاح المتعة. انظر الشارح. قوله: "على أن لا تأتيه" متعلق بمحذوف أي وفسخ نكاح عقد على أن لا تأتيه لخ.
أو بخيار الباء بمعنى: على. قاله الشيخ أبو علي؛ يعني أن النكاح يفسخ قبل الدخول وجوبا إذا وقع عقده على الخيار إلا خيار المجلس فيجوز اتفاقا، وإذا دخل في الخيار الممنوع ثبت النكاح بالمسمى إن وجد وهو حلال وإلا فصداق المثل وحيث يجوز لا إرث فيه فأولى المتنع. وجوز اللخمي الخيار فيما قرب جدا لقول محمد عن ابن القاسم: إن شرط مشورة من قرب بالبلد بإتيانه من فورهما جاز. انتهى. وله ترك المشورة ومخالفة رأي المستشار حيث اشترط ذلك، والإرث بعد الرضى والمشورة قبل البناء أو بعده. قاله الحطاب. وقال أبو علي: والخيار بعد المجلس المعلوم
стр. 3734
منعه، اللخمي إن كان يوما أو يومين أو ثلاثة ففيها منعه وعلى القول بجوازه في الصرف يجوز في النكاح. انتهى. قال: والخلاف في اليومين والثلاثة قوي.
لأحدهما أو غير يعني أنه لا فرق في منع النكاح المذكور وفسخه قبل البناء بين كون الخيار لأحد الزوجين أو لهما معا أو لغيرهما، وشمل الولي والأجنبي. أو على إن لم يأت بالصداق لكذا فلا نكاح وجاء به هذه المسألة جعلها بعضهم من باب الخيار للزوج؛ لأنه إن شاء أتى به فيحصل النكاح وإن شاء لم يأت به فلا نكاح. قاله الشيخ أبو علي. ومعنى كلام المص أن النكاح يفسخ قبل الدخول وجوبا إذا تزوجها على شرط أنه إن لم يأت بالصداق الذي وقع به العقد أو بعضه لأجل سمي فلا نكاح بينهما وجاء بالصداق قبل الأجل أو عنده، ولا يصحح النكاح مجيئه بالصداق قبل الأجل أو عنده وهذا هو المشهور في هذه وكذا التي قبلها كما علمت، وإن دخل ثبت بالمسمى إن وجد وحل وإلا فصداق المثل.
وقوله: أو على إن لم يأت بالصداق" لخ، وقيل لا يفسخ إن جاء به قبل الأجل أو عنده، والخلاف فيها وفي التي قبلها إنما يتصور إذا أتى بالصداق عند الأجل واختار من له الخيار قبل انقض الأجل، وأما إن لم يأت الزوج بالصداق عند الأجل أو لم يختر من له الخيار حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما قولا واحدا. قاله ابن رشد. قاله الشارح. فيفسخ قبل وبعد فيهما كما قاله عبد الباقي، وإن وهبت له الصداق وقبله فالظاهر أنه كحكم ما إذا أتى به من التفصيل. قاله الشيخ عبد الباقي.
وما فسد لصداقه يعني أن النكاح يفسخ قبل الدخول وجوبا ويثبت بعده بمهر المثل حيث فسد لأجل صداقه، إما لكونه لا يملك شرعا كخمر وخنزير وميتة أو يملك ولكن لا يصح بيعه، كآبق وبعير شارد أو يملك ويصح بيعه ولكن فيه تفريق الصفقة كعبد يساوي ألفين على أن تعطيه ألفا. قاله التتائي. قال عبد الباقي: لعل تسميته تفريق صفقة مع أنه جمع بيع ونكاح في صفقة أن القصد بصفقة النكاح وحدتها وكذا بصفقة البيع، ففرق صفقة [واحدة] (١) وجعلها بينهما، وما مشى عليه المص هو المشهور، قال الشارح ما معناه: إذا وقع النكاح بصداق لا يجوز بيعه لتحريم عينه
стр. 3735
أو لغرره كالخمر والخنزير وكالآبق والشارد فسخ النكاح قبل الدخول ويثبت بعده على المشهور، وهل فسخه على الوجوب أو على الاستحباب؟ قولان. وروى أنه يفسخ بعد الدخول، وقال ابن الماجشون: إن كان مع الفاسد متمول بربع دينار أو ربع دينار لم يفسخ وإلا فسخ. انتهى. وفي العتبية: سئل مالك عن الرجل ينكح المرأة ويصدقها صداقا ويشترط في صداقها إن لم يأت به إلى أجل كذا فأمرها بيدها؟ فقال: هذا النكاح ليس بحسن وأراه مفسوخا، فقيل له أيفسخ الشرط ويثبت النكاح فقال لا ولكن يفسخ النكاح. أشهب: يفسخ الشرط ويثبت النكاح، وقال سحنون: النكاح جائز دخل أو لم يدخل وهو قول المدنيين والتونسيين. ابن رشد: قوله ولكن يفسخ النكاح، يريد قبل الدخول ويثبت بعده، وكذلك قال ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى، ورواه عن مالك في كتاب ابن المواز، وإذا ثبت بعد الدخول بطل الشرط وكان فيه المسمى. وقول أشهب: يفسخ الشرط ويثبت النكاح يريد قبل الدخول وبعده بالصداق المسمى، وقول سحنون: النكاح جائز دخل أو لم يدخل يريد والشرط لازم، ومثله روي عن ابن القاسم وأشهب وهو أظهر الأقوال الثلاثة. قاله الشارح.
وقوله: "وما فسد لصداقه" لم يعطفه بأو كغيره لأن ما قبله وما بعده فاسد لعقده. قاله الشيخ أبو علي.
أو على شرط يناقض عطف على قوله: "أن لا تأتيه إلا نهارا"، وهو من هذا القسم وقد تقدم وجه إفراده عنه؛ يعني أن النكاح يفسخ قبل الدخول وجوبا ويثبت بعده بمهر المثل إذا تزوجها على شرط يناقض المقصود الشرعي من النكاح، ومفهوم قوله: "يناقض" أنه إن كان لا يناقض فإن اقتضاه كشرط إنفاقه عليها وقسمه ونحوهما فوجوده كعدمه فيقضى به على كل حال شرط أو لا، ولا يؤثر اشتراطه ولا عدمه خللا في العقد وإن كان لا يقتضيه ولا ينافيه كأن لا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها فمكروه؛ لأن فيه تحجيرا ولا يفسخ، وندب الوفاء به لخبر: (إن أحق الشروط أن
стр. 3736
توفوا بها ما استحللتم به الفروج (١))، ومحل عدم اللزوم في القسم الثالث حيث لم يعلق عليه طلاق أو عتق أو نحوهما وإلا لزم ما علق عند وقوع المعلق عليه.
ومثل للشرط الناقض بقوله: كأن لا يقسم لها يعني أن من الشروط المناقضة ما إذا تزوجها وشرط في صلب العقد أن لا يقسم لها في البيت مع زوجة له فأكثر قديمة أولا؛ بأن شرطأن لا تكون لها ليلة ويوم فيفسخ قبل وجوبا ويثبت بعد بمهر المثل كما عرفت.
أو يؤثر عليها يعني أن من الشروط المناقضة لمقتضى العقد ما إذا تزوجها وشرط عليها أن يوثر عليها في القسم غيرها، كقسمه لضرتها بليلتين ولها ليلة، ودخل بالكاف ما إذا سمى لها في العقد نفقة معلومة كل يوم أو شهر أو على أن لا ميراث بينهما أو جعل أمرها بيدها أو شرطت عليه في العقد أن ينفق على ولدها، وكذا لو شرط أن لا ينفق عليها أو أن تكون النفقة على غيره كما لو شرطت نفقة زوجة العبد على السيد، وكما لو شرطت نفقة الزوج الصغير أو السفيه على الولي، وقيل ذلك جائز ومحل الخلاف إنما هو إذا لم يقع بيان إن مات الأب قبل بلوغ الصبي أو الولي قبل رشد اليتيم؟ فسقطت النفقة لموتهما هل تعود النفقة في مال الصغير ومال اليتيم أو لا تعود عليهما إلى بلوغ الصغير ورشد اليتيم فإن شرط عودها في مالهما جاز النكاح اتفاقا، وإن شرط سقوطها إلى بلوغ الصغير ورشد اليتيم كان النكاح فاسدا اتفاقا، وإنما الخلاف إذا وقع الشرط مبهما. قاله الحطاب وغيره. وسيأتي أن الصبي تلزمه النفقة بالدخول، ولو تطوع بها متطوع بعد العقد أب أو سيد أو غيرهما جاز، وسقطت بالموت لأنها هبة لم تقبض، ولو اختلفا في الطوع والشرط في صلب العقد فالقول قول مدعي الشرط للعرف. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره.
وقال الإمام الحطاب: ولو شرط النفقة في نكاح الكبير المالك أمر نفسه في نفس العقد على غيره فسخ قبل البناء. قال ابن حبيب: إلا أن ترضى المرأة بكون النفقة على الزوج ويثبت بعده وتكون النفقة على الزوج ولا يدخله الذي في المسألة الأولى، ولا يجوز النكاح على إعطاء الزوج حميلا بالنفقة لأنها ليست بدين ثابت في ذمته كالمهر: فإن وقع عليه فسخ قبل البناء ويثبت بعده بمهر المثل، ولو وقع في مسألة اشتراط النفقة على غير الزوج بيان رجوعها على الزوج إن مات من
стр. 3737
شرطت عليه أو طرأ عليه دين أو ما يبطل النفقة عنه جاز النكاح على قياس ما تقدم، وقيل يفسخ قبل البناء على كل حال؛ لأن شرطها على غير الزوج خلاف السنة ويمضي بعده بمهر المثل ويبطل الشرط، وإليه نحا الأبهري، وما قلناه أظهر. انتهى. قاله ابن رشد. انتهى. كلام الحطاب وقال: واختلف في اشتراط النفقة على السيد، فمنعه في كتاب محمد وأجازه أبو مصعب. انتهى.
وقوله: وألغى يعني أنه وقع النكاح على شرط يناقض المقصود ودخل الرجل بالمرأة فإنه يثبت النكاح ويلغى الشرط في جميع ما مر، وتكون النفقة على الزوج سواء وقع الشرط مبهما أو قيدوه في مسألتي الصغير والسفيه ببلوغ الصغير ورشد السفيه، وكذا العبد إن اشترطت نفقة زوجته على سيده فإنه إذا دخل ثبت النكاح وبطل الشرط؛ إذ هو كما علمت داخل في قول المص أو على شرط يناقض. وقد مر عن أبي مصعب أنه يجيز اشتراط نفقة زوجة العبد على سيدها.
وسئل ابن رشد عن من تزوج عبده وأشهد على نفسه تطوعا بعد العقد أنه ينفق عليها مدة الزوجية ثم مات هل توقف تركته لذلك أم لا وكيف إن كان في أصل العقد واختلفا في ذلك؟ فأجاب بأنه لا شيء في تركة السيد لأنه متطوع، وإنما تجب عليه مدة الزوجية ما دام حيا وبعد الموت هبة لم تقبض، ولو شرط في أصل النكاح لكان فاسدا يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بمهر المثل ويبطل الشرط وتكون على العبد، وقيل لا يفسخ إذا أسقطت شرطها والنفقة على الزوج، ووجه الأول الغرر إذ قد يموت السيد قبل انقطاع العصمة، ولو شرط أنه إن مات قبل انقضاء العصمة لرجعت على العبد لجاز، ولو اختلفا هل كان شرطا أو تطوعا؟ فالقول قول من ادعى الشرط لشهادة العرف له. هذا الذي أقول به على منهاج مالك. انتهى. ومثله يقال في الصبي والمولى عليه. والله أعلم. قاله الحطاب.
ونقل عن اللخمي أنه إن تزوجها على أن لا يأتيها إلا نهارا أو على أن يوثرها على غيرها أو على أن لا يعطيها الولد أو لا نفقة لها أو لا ميراث بينهما أو على أن أمرها بيدها فهذه شروط لا يصح الوفاء بها، واختلف في النكاح فقيل يفسخ قبل وبعد وقيل يفسخ قبل ويثبت بعد ويمضي على سنة النكاح ويسقط الشرط، وقوله: "أو على شرط يناقض" والفسخ فيه بطلاق لأنه مختلف
стр. 3738
فيه كما في الحطاب، وقوله: "وألغي" هو كذلك في بعض النسخ، وفي بعضها: وإلا ألغي؛ أي وإن لم يناقض العقد فإنه يلغى وذلك كالشرط الذي يقتضيه العقد، كشرط نفقتها عليه والإلغاء باعتبار أن الشرط وجوده وعدمه سواء. انظر شرح أبي علي. ونقل أبو علي عن ابن يونس قال مالك رحمه الله تعالى: كل نكاح يكون للولي أو لأحد الزوجين أو غيرهما إمضاؤه أو فسخه، فإن فسخه إياه بطلاق وتكون طلقة بائنة ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ مثل التي تتزوج بغير أمر الولي فيطلقها الزوج قبل البناء أو بعده، فإنه يلزمه ما طلقها: وكذلك إن خالعها على مال أخذه منها قبل أن يجيز الولي ثم أبى الولي أن يجيز فإن الزوج يحل له ما أخذ منها. انتهى. ولو شرطت المرأة على الزوج بعد العقد نفقة ولدها فإنها تلزمه كما إذا التزمها بعد العقد أمد الزوجية: فإن طلقها بائنا أو رجعيا وانقضت عدتها ثم أعادها عاد عليه الشرط أو الالتزام الكائن ذلك بعده ما بقي من العصمة المعلق فيها شيء، ولا ينفعه شرطه في عقده الثاني أنه لا يلزمه شيء؛ لأن حق الولد ليس لها إسقاطه بخلاف التزامه لها ذلك وجعله من حقوق الزوجية فلها إسقاطه أو التزام نفقته مدة معلومة ثم طلقها على إسقاطها ثم راجعها فلا تعود عليه إلا أن تشترط عليه عند الراجعة. قاله الشيخ عبد الباقي. وإلى هذا أشار في التحفة بقوله:
وما امرؤ لزوجة يلتزم … مما زمان عصمة يستلزم
فذا إذا دون الثلاث طلقا … زال وإن راجع عاد مطلقا
مثل حضانة والانفاق على … أولادها ومثل شرط جعلا
ومطللقا كالنكاح لأجل هذا هو النكاح المسمى بنكاح المتعة، وسمي نكاح المتعة لانتفاعها بما يعطيها وانتفاضه بقضاء شهوته وكل ما انتفع به فهو متاع ومتعة؛ ولا يقال النكاح الشرعي كذلك لأن المقصود من هذا إنما هو التمتع بخلاف الشرعي فالمقصود منه أمور. قاله الشيخ أبو علي. وقال الشبراخيتي: وسمي متعة لانتفاعه هو بقضاء شهوته وهي بما يعطيها، أو لأن الغرض منه مجرد التمتع لا التوالد ولا غيره من أغراض النكاح. انتهى. ومعنى كلام المص أن النكاح الفاسد
стр. 3739
لعقده غير ما مر يفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، وذلك مثل النكاح لأجل ونكاح المحرم والنكاح بلا ولي ونحو ذلك، فالكاف في قوله: "كالنكاح" اسم بمعنى مثل.
وقوله: "مطلقا" بمعنى قبل الدخول وبعده، وهو معطوف على قوله: "وقبل الدخول"، ومعنى النكاح لأجل أن يتزوجها إلى سنة أو أقل أو أكثر فينفسخ النكاح، والمراد بالأجل المدة المؤقتة للنكاح فعلم من هذا أن نكاح المتعة هو ما شرط فيه الأجل صريحا أو كالصريح، كأن يعلمها عند العقد أنه يفارق بعد سفره ويفسخ نكاح المتعة بغير طلاق لأنه مجمع على فساده، لقول المازري: تقرر الإجماع على منع نكاح المتعة ولم يخالف فيه أحد إلا طائفة من المبتدعة. انتهى.
وما حكي عن ابن عباس من أنه كان يقول بجوازه فقد رجع عنه، قال أبو الحسن: ثبت عن ابن عباس رجوعه عنه، وقال ابن عمر: المشهور رجوع ابن عباس لما عند الناس، وقال ابن عرفة: وفي بقاء [خلاف] (١) ابن عباس خلاف مشهور، أبو عمر أصحابه من أهل مكة واليمن يرونه حلالا. انتهى. نقله الشيخ بناني. وقال الشارح: ولا خلاف عندنا أن النكاح المؤجل وهو نكاح المتعة يفسخ بعد البناء ويعاقب فيه الزوجان ولا يبلغ بهما الحد والولد لاحق، واختلف هل فسخه بطلاق أو بغير طلاق؟ وهل لها المسمى بالدخول أو صداق المثل؟ انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ويفسخ بغير طلاق وقيل بطلاق. قاله في التوضيح. وهو يفيد أنه مجمع على فساده على الراجح، وحينئذ فمن نكح امرأة متعة ولم يتلذذ بها له أن يتزوج أمها ووقعت وأفتى علي الأجهوري بذلك.
والمذهب لا حد في نكاح المتعة ولو على العالم ولكن يعاقب، وهل فيه المسمى بالدخول أو صداق المثل؟ قولان. انتهى. وقال البرزلي: ومن استمتع بالزوجة عالما بالتحريم لا يحد ويعاقب. قاله في المدونة. وعن ابن نافع أن فيه الرجم على المحصن والجلد على غيره مع العلم. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "لأجل" ظاهره قرب الأجل أو بعد، وقال ابن عرفة: وظاهرها مع غيرها ولو بعد الأجل بحيث لا يدركه عمر أحدهما، ومقتضى إلغاء الطلاق إليه إلغاء ما يفيته فلا يكون النكاح به متعة لولا أن المانع الواقع في العقد أشد منه تأثيرا واقعا بعده. انتهى.
стр. 3740
وظاهر كلام أبي الحسن أن الأجل البعيد الذي لا يبلغه عمرهما أو عمر أحدهما لا يضر، قال -في قوله: فعنه في المدونة لا يجوز النكاح إلى أجل قرب أو بعد- الشيخ: معناد يبلغه (١) عمرهما أو عمر الزوج. انتهى. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: حقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ مطلقا أن يقع العقد مع ذكر الأجل من الرجل للمرأة أو وليها بأن يعلمها بما قصده كما مرة وأما إذا لم يقع ذلك في العقد ولكنه قصده الرجل وفهمت المرأة ذلك منه فإنه يجوز. قاله مالك. وهي فائدة حسنة تنفع المتغرب. وفي الشارح والشامل: التصدير بالفساد إذا فهمت منه ذلك وظاهر علي الأجهوري ترجيح الصحة فيه لاقتصاره على القول بالصحة تبعا لجده، وحكاه الشارح عن مالك بعد ما صدر بالفساد، فإن لم يصرح ولم تفهم فليس بمتعة اتفاقا، فالأقسام ثلاثة. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي.
أو إن مضى شهر فأنا أتزوجك يعني أن من قال لامرأة إذا مضى شهر فأنا أتزوجك فرضيت هي ووليها وقصدا انبرام العقد بذلك اللفظ ولا يأتنفان غيره فإن نكاحهما باطل يفسخ قبل وبعد، والمنع في هذه على ما فهمه الأكثرون إنما هو لتوقيت الإباحة بزمان دون زمان، فكان كالمتعة. وفهمها صاحب البيان على أنه ليس هنا عقد منبرم وإنما هو عقد فيه خيار، والبطلان فيه من أجل الخيار أي لأنها لا رضيت هي ووليها انبرم العقد من جهتهما وكان الخيار للزوج لأن العقود إذا وقعت بصيغة المضارع لا يلزم فيها حكم وغايته أن يكون وعدا، ولو كان عقدا منبرما لقال فقد تزوجتك.
وذكر أبو الحسن هنا أنه يؤخذ من قول المدونة: فأنا أتزوجك، أن لفظ المستقبل في النكاح كالماضي بخلاف البيع. نقله غير واحد. واقتصر الشيخ الأمير على صيغة الماضي، ولفظه: أو تزوجتك بعد شهر، وقال ابن الحاجب: يفسد على المشهور، قال في التوضيح: لم أجد له مقابلا. نقله أبو علي.
فتحصل من هذا أنه لا فرق بين الماضي والمضارع فيفسد النكاح فيهما على الراجح، وقوله: "فأنا أتزوجك" وأما لو كان ما ذكر وعدا منهما ثم عقدا بعد ذلك فلا إشكال في صحة النكاح، وينسب
стр. 3741
إلى الشيخ سيدي محمد اليدالي نفعنا الله به هذا البيت في بيان الأصدقة اللازمة في هذه الأنكحة الثمانية الفاسدة:
مسمى صداق مع مسمين بعده … صداقان ثم اثنان جا فيهما الخلف
أي في الأول منها المسمى وهو نكاح السر المشار إليه بقوله: "وفسخ موصى" لخ وفيما بعده على الترتيب ما ذكر في البيت على الترتيب الثاني للثاني والثالث للثالث والرابع للرابع، وهكذا إلى آخره. ثم أجاب المص عن أربعة أسألة وهي: هل الفسخ بطلاق أولا؟ وهل التحريم بعقده أو وطئه؛ وهل فيه الإرث أم لا؟ وهل للمرأة إذا فسخ شيء أم لا؟ فأجاب: عن الرابع بقوله: "وما فسخ بعده فالمسمى" لخ، وعن ما قبله بقوله: "وفيه الإرث" لخ، وعن ما قبله بقوله: والتحريم بعقده الخ، وعن الأول بقوله: وهو طلاق إن اختلف فيه، الضمير المنفصل عائد على الفسخ يعني أن الفسخ في النكاح الفاسد يكون بطلاق إذا كان فساده مختلفا فيه بين العلماء والمذهب قائل بالفساد ولا بد من كون الخلاف قويا ويكون الفسخ طلاقا، ولو قال الزوج فسخت بلا طلاق أو تركنا هذا النكاح وما أشبهه فيلزمه الفسخ فيكون طلاقا، ولا يحتاج الفسخ في النكاح المختلف في فساده وصحته إلى حكم حاكم حيث فارق الزوج، فإن امتنع حكم عليه بالفسخ والطلاق في ذلك بائن وفائدة احتياجه لحكم حاكم أنه إذا عقد عليها شخص قبل الحكم بالفسخ حيث لم يفارق الزوج لم يصح عقده؛ لأنها زوجة قبل الحكم بالفسخ أو مفارقة الزوج الأول لها، وإنما احتاج النكاح المختلف في فساده إلى الفسخ حيث امتنع الزوج من الفراق مراعاة للقول بصحته. انظر الشبراخيتي.
وقال ابن القاسم: وإذا أراد الولي أن يفرق بينهما فعند الإمام إلا أن يرضى الزوج بالفراق دونه. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وهو طلاق إن اختلف فيه" مخالف لما اختاره سحنون من أن كل نكاح كان الزوجان مغلوبين على فسخه ففسخه بغير طلاق. قاله الشيخ أبو علي. وقال الشيخ إبراهيم: واعلم أن فسخ المختلف فيه بطلاق ولو قال الزوج فسخته بلا طلاق إلا أن يقلد من
стр. 3742
يفسخه بلا طلاق فله ذلك. وقوله: "فيه" الضمير عائد على النكاح وهو على حذف مضاف أي في صحته ويقابل الصحة الفساد. قاله الشيخ إبراهيم.
ومثل للفساد المختلف فيه بقوله: كمحرم وشغار يعني أن من النكاح المختلف في فساده وصحته نكاح المحرم بضم الميم وكسر الراء ونكاح الشغار، أما نكاح المحرم فقد مر أن مذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم فساده وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أن الإحرام لا يمنع من عقد النكاح وقد تقدم دليل كل من الجمهور وغيرهم، وأما نكاح الشغار فالخلاف إنما هو في فسخه بعد الوقوع وعدمه، وأما في الابتداء فلا خلاف في منعه كما نص عليه غير واحد، ولهذا قدرت المضاف في المجرور في صحته فقد علمت أن المراد بالمختلف فيه المختلف في فساده وصحته وإن كان متفقا على منعه؛ ولذا قال المص: "لا اتفق على فساده" ولم يقل لا اتفق على تحريمه. وفي الحطاب ما نصه: وإذا قلد الزوجان من يرى صحة هذا النكاح يعني النكاح المختلف في فساده وصحته أو ترافعا إلى قاض يرى صحته فإنهما يقران عليه. قاله ابن عبد السلام. انتهى. وأقسام النكاح خمسة: صحيح لا خيار فيه، وصحيح فيه خيار ولا خلاف فيه: وصحيح فيه خيار مختلف فيه، وفاسد مجمع عليه، وفاسد مختلف فيه. فالفراق في الأول بطلاق والذي فيه الخيار ثلاثة أقسام: الأول نكاح المفتات عليه يعلم بالقرب خير بين الإجازة والرد، ورده فسخ بغير طلاق لأنه لم ينعقد. الثاني: ما كان الخيار فيه لحق تقدم العقد كما لو اطلع أحد الزوجين على عيب متقدم على العقد فرد، قال ابن القاسم: ذلك طلاق، وقال الأبهري: إذا وجد الرجل المرأة مجنونة أو مجذومة كان له الرد بغير طلاق، وعلى ما للأبهري لو ردته هي بالعيب لكان فسخا بغير طلاق، ولو قال: رددت بالعيب هي طالق لم يقع طلاق، ولو قال: أنا راد بالعيب هي طالق لزم الطلاق لوقوعه في العصمة دون الأول، وكذا لو وكل وكيلا يزوجه بألف فزوجه بألفين فرد.
ابن القاسم: فرقته طلاق وعن غيره أنه فسخ بغير طلاق، وكذا رد السيد نكاح عبده، فقال مالك وابن القاسم: فرقته طلاق، وعلى قول الأبهري يكون فسخا. الثالث: ما كان الخيار فيه لحق حدث بعد العقد كما لو حدث بالزوج عيب بعد العقد أو قامت المرأة بالفراق لعدم نفقة أو لضرر
стр. 3743
أو عتقت الأمة فذلك جميعه طلاق، وأما النكاح الصحيح الذي فيه خيار يختلف فيه كالتي [تزوج] (١) بغير إذن وليها وكان الولى بالخيار ورد فإن رده طلاق، وأما الفاسد مجمعا عليه أو مختلفا فيه فهوما ذكره المص بقوله: "إن اختلف فيه"، وبقوله: "لا اتفق على فساده".
وقد مر أن الفرقة في النكاح الصحيح بطلاق ويصح أن تكون الفرقة في النكاح الصحيح إذا كانت بأمر طارئ فسخا كملك أحد الزوجين للآخر وما أشبه ذلك، والمشهور في ارتداد أحد الزوجين أنه طلاق بائن، واختلف في اللعان ويحتاج إلى هذا على القول بأنه إذا أكذب نفسه بعد اللعان له أن يتزوجها فترجع إليه على نكاح مبتدإ على القول بأنه فسخ، وعلى القول بأنه طلاق ترجع على طلقتين. انتهى. قاله الحطاب.
والتحريم بعقده يعني أن الحرمة بالمصاهرة في النكاح المختلف فيه تكون بالعقد في اللواتي يحرمن بالعقد في النكاح الصحيح كالأم فإنها تحرم بالعقد على بنتها في المختلف فيه كالصحيح، وإذا عقد على امرأة عقدا مختلفا فيه حرمت على أبنائه وءابائه كالصحيح. ووطنه يعني أن التحريم بالمصاهرة في النكاح المختلف فيه تارة يكون بالعقد كما مر وتارة يكون بالوطء لا بالعقد، وذلك في اللواتي لا يحرمن بالعقد الصحيح بل بالوطء أو مقدماته كالبنت، فإذا تزوج الأم وهو محرم مثلا وبنى بها وفسخ نكاحها فإنه يحرم عليه نكاح ابنتها، فإن فسخ قبل التلذذ لم تحرم.
والحاصل أن المختلف فيه كالصحيح، فعلم أنه لا يستغنى عن قوله: "ووطئه" بقوله: "بعقده" كما ادعى التتائي تبعا للشارح. قاله الشيخ عبد الباقي.
وفيه الإرث يعني أن النكاح المختلف في فساده يكون فيه الإرث بين الزوجين إن مات أحدهما قبل الفسخ دخل أم لا، وأما لو فسخ قبل الموت فلا إرث دخل أم لا وهو ظاهر لأن طلاقه بائن سواء وقع من الحاكم أو من الزوج، وقد مر أن نكاح الخيار حيث يجوز كخيار المجلس لا إرث فيه لأنه منحل، فكيف به حيث يمنع؟ إلا نكاح المريض يعني أن النكاح المختلف في فساده يكون فيه الإرث إن مات أحد الزوجين قبل الفسخ إلا أن يكون هذا النكاح المختلف فيه نكاح
стр. 3744
مريض فإنه لا إرث فيه، وإن اختلف في فساده لأنه إنما فسخناه مخافة إدخال وارث وسواء في ذلك مات الصحيح منهما أو المريض وهذا على القول بالفساد، وأما على القول بصحته ففيه الإرث كما نص عليه في التوضيح.
وإنكاح العبد والمرأة الاسم الثاني مضاف إليه ما قبله والثالث معطوف عليه، والأول بالنصب عطف على قوله: "إلا نكاح المريض" كما نص عليه الشيخ أبو علي والشيخ محمد بن الحسن، وهو مصدر مضاف إلى فاعله يعني أن النكاح الذي وقع فيه الولي عبدا أو امرأة أوجبت لنفسها أو لامرأة أخرى لا إرث فيه حيث مات أحد الزوجين دخل أم لا، وإن كان مختلفا فيه لضعف الاختلاف فيه: قال الشيخ محمد بن الحسن: كأنه اعتمد قول أصبغ كما اعتمده ابن يونس، ونصه: قال في كتاب محمد فيما عقده العبد على ابنته أو غيرها أو فيما عقدته المرأة في ابنتها أو بنت غيرها أو على نفسها، يفسخ قبل البناء وبعده، وإن ولدت الأولاد وطال زمانه أجازه الولي أو لا كان لها خطب أو لا فيفسخ بطلقة ولها المسمى إن دخل بها.
أصبغ: ولا إرث فيما عقدته المرأة أو العبد وإن فسخ بطلاق لضعف الاختلاف فيه انتهى. وقد اعتمد قول أصبغ ورجحه الشيخ أبو علي بأن ابن القاسم اضطرب قوله في المدونة في إنكاح المرأة نفسها أو غيرها وإنكاح العبد، فقال مرة: لا طلاق فيه ولا إرث، وقال مرة: فيه الطلاق والإرث. وأصبغ توسط بين القولين فالتابع له لم يخرج عن مذهبها، ووجه قول أصبغ بالاحتياط لأن من الاحتياط أن يفسخ بطلاق والاحتياط لا ميراث بالشك نقله الشيخ بناني وقال الشيخ أبو علي: هنا والمص جهبذ نقاد ممن يكون عليه الاعتماد.
لا اتفق على فساده معطوف على قوله: "إن اختلف فيه"، والمراد بالاتفاق هنا الإجماع بدليل مقابلته بالمختلف فيه، لكن تقدم أنه لابد من كون الخلاف قويا وإلا لم يعتبر؛ يعني أن النكاح المجمع على فساده أو ما كان كالمجمع على فساده لضعف المخالف فإن الحكم فيه بالنسبة للأمور الثلاثة أعني الطلاق والتحريم والإرث ليس كحكمها في المختلف فيه، ولهذا قال: فلا طلاق يعني أن النكاح المجمع على فساده لا طلاق في فسخه، ولو قال الحاكم أو الزوج أو الولي فسخته بطلاق كما أن فسخ المختلف فيه بطلاق ولو قال من ذكر فسخته بغير طلاق.
стр. 3745
والحاصل أن النكاح المجمع على فساده فسخه بغير طلاق سواء وقعت الفرقة جبرا على الزوج أو باختيار منه ومن وقت المفاسدة تكون العدة، ولا بد من إشهادهما على الفسخ لتشهد لهما البينة بذلك إن رفعا إلى الحاكم بعد مضي زمن الاستبراء، فإن امتنعا أو الزوج من الفسخ رفعاه إلى الحاكم وفسخه حينئذ ومن وقت الفسخ تكون العدة، قال ابن الحاجب: ويجب على الحرة عدة المطلقة من كل نكاح فاسد بعد الدخول من حين فرق بينهما، قال في التوضيح: قوله من كل نكاح أي سواء كان مجمعا على فساده أم لا، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل يكفي في المتفق على فساده حيضة فالنكاح المجمع على فساده لا يحتاج لحكم حاكم في فسخه إلا إذا لم يوافق الزوج على الفسخ فيحتاج إليه كما في الحطاب عن ابن عبد السلام. كما أنه لا يحتاج إلى حكم حاكم في النكاح المختلف في فساده حيث وافق الزوج على الفسخ دون الحاكم، بل لو طلق وهو يظن أنه صحيح كفى ذلك ولا تكون فيه رجعة، وأما إذا امتنع من الفسخ فلا بد فيه من حكم الحاكم.
وفي الحطاب أن قول ابن الحاجب المتقدم من حين فرق بينهما قال في التوضيح معللا له: لأنه قد يتوهم أن النكاح المجمع على فساده لما كانت الفرقة فيه لا تحتاج إلى حكم حاكم كانت في كل وقت كأجنبية فتكون العدة من آخر وطء. انتهى. كلام الحطاب. قال: وقد ذكروا في البيع الفاسد أن المجمع عليه لا يحتاج فسخه إلى حكم حاكم، واختلف في المختلف فيه فقيل يكفي تراضيهما بالفسخ، وقيل إنما يكفي تراضيهما مع الإشهاد، وقيل لابد من الحاكم، حصل الأقوال الثلاثة ابنُ عرفة في الصرف الفاسد. انتهى.
وفي الشبراخيتي: لو تزوج شخص تزوجا مختلفا فيه وطلق من تزوجها ثلاثا ثم تزوجها قبل زوج فلا يفسخ نكاحه عند ابن القاسم. نقله في التوضيح آخر باب الصداق فانظره فإنه مستغرب. ونحوه للعلامة البرموني فوقوع الطلاق مراعاة لمذهب المخالف القائل بالصحة، فإذا تزوجها بعد ذلك قبل زوج لم يفسخ بل يستمر؛ لأنا لو فسخنا لزم أن يراعى مذهب المخالف مرتين ولا قائل به. انتهى.
стр. 3746
ولا إرث يعني أن النكاح المجمع على فساده كما لا طلاق في فسخه لا إرث فيه إن مات أحدهما قبل الفسخ دخل أم لا.
ومثل للمجمع على فساده بقوله: كخامسة يعني أن نكاح الخامسة ونحوها كأم امرأته أو أختها أو عمتها أو خالتها لا إرث فيه كما لا طلاق في فسخه فيمن تحل بعد ذلك، فإذا تزوج خامسة مثا، بعد الفسخ تزوجا صحيحا كانت معه بعصمة جديدة، وإذا وقع عقد صحيح بعد عقد فاسد مجمع على فساده صح الثاني ولا يفتقر إلى فسخ الأول إذ لا حرمة له. قاله عبد الباقي.
قال جامعه عفا الله عنه: وهذا واضح في غير المدخول بها وإلا فقد تقدم أنه لابد لها من العدة وعدتها إنما تكون من حين فرق بينهما وذلك عند رضا الزوج بالفسخ وعند فسخ الحاكم.
وفي المدونة: من تزوج معتدة ولم يبن بها ثم تزوج أمها أو أختها أقام على نكاح الثانية لأن نكاح المعتدة غير منعقد. انتهى. ولو وكل الأب من يعقد على مجبرته ثم إن الأب عقد عليها لشخص فتبين أن بين البنت وبين من عقد له الأب عليها رضاعا فإن نكاح الوكيل يصح. قاله الشيخ عبد الباقي. وما قدمته من أن الخامسة مجمع على تحريمها قاله ابن عرفة، قال الشيخ أبو علي: إنما مثل بالخامسة إشارة إلى أن الخلاف الضعيف لا عبرة به فيكون الذي لا خلاف فيه أحرى، وخلاف الظاهرية في الخامسة ضعيف جدا ولذلك يحد متزوجها، قال ابن عرفة: وتزويجه الخامسة حرام إجماعا.
وحَرَّمَ وطؤُه فقط يعني أن النكاح المتفق على فساده إنما يحرم وطؤه فقط لا عقده، واحترز بقوله: "فقط" عن العقد، وأما المقدمات فيقع بها التحريم كالوطء، فإذا عقد على امرأة عقدا فاسدا مجمعا على فساده وتلذذ بها حرمت على آبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها وبناتها، ولا يحرم شيء من ذلك بمجرد ذلك العقد الفاسد. والله سبحانه أعلم. ولا يحرم وطء الصبي ولو في النكاح الصحيح وإن راهق، وإنما يحرم عقده في الصحيح والمختلف فيه في اللواتي يحرمن بالعقد، وسيأتي للمصر: "وفي الزنا خلاف".
وما فسخ بعده فالمسمى يعني أن النكاح الفاسد إذا فسخ بعد البناء فإنه يكون فيه المسمى إن كان وحل كما يستفاد من قوله: المسمى؛ إذ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. وإلا يكن مسمى كصريح
стр. 3747
الشغار أو كان ولم يكن حلالا كخمر أو خنزير أو نحو ذلك مع فساده لعقده أيضا؛ إذ الكلام فيما يفسخ بعد كما في الحطاب فاللازم فيه بالدخول صداق المثل، فتحصل من هذا أن الفاسد لعقده فقط إذا فسخ بعد البناء فيه المسمى، وأنه إذا فسد لصداقه فقط أو لصداقه وعقده معا فيه صداق المثل، قال الإمام اللخمي: إذا دخل كان لها صداق المثل إن كان الفساد من قبل صداقه أو من قبل صداقه وعقده، واختلف إذا كان الفساد في العقد وحده هل يكون لها المسمى أو صداق المثل؟ انتهى.
وسقط بالفسخ قبله يعني أن النكاح إذا فسخ قبل البناء فإنه يسقط عن الزوج الصداق بذلك ولا خصوصية للنكاح الفاسد بهذا، بل مثله الصحيح حيث فسخ قبل البناء كنكاح السفيه ونحوه إذا رد قبل البناء، وكذا يسقط الصداق بالموت قبل الفسخ في النكاح حيث فسد لصداقه باتفاق أو خلاف خلافا لأصبغ في الغرر، كإن اتفق على فساده لعقده كإن اختلف فيه وأثر خللا في الصداق كنكاح المحلل أو على أن لا ميراث بين الزوجين، فإن لم يؤثر فيه كنكاح المحرم فلها الصداق بالموت.
إلا نكاح الدرهمين يعني أن النكاح الفاسد ليس على الزوج فيه صداق حيث فسخ قبل الدخول إلا أن يكون فساده إنما وقع من أجل نقصان الصداق عما يحل به البضع كالدرهمين ونحوهما مما لا يبلغ الصداق الشرعي الذي يحل به البضع وامتنع الزوج من إتمامه، فاللازم فيه إذا فسخ قبل البناء نصفهما أي الدرهمين وكذا غيرهما مما لا يبلغ الصداق الذي يحل به البضع،
والحاصل أن فيه نصف المسمى وإنما لم يسقط بالفسخ قبل البناء لأن المشهور أنه لا يتحتم فسخه بل يخير الزوج في أن يتمه أو يفسخ النكاح بنصف ما وقع عليه العقد، ففي إطلاق الفساد عليه تسامح، فعلم من هذا أنه إنما لزمه نصف المسمى في هذه المسألة لأنه كالمختار للطلاق، وإنما كان الزوج مخيرا في هذه دون ما عداها مما فسد لصداقه؛ لأن التحديد بربع دينار لم يرد به نص بل ظاهر النص خلافه لقوله: (التمس ولو خاتما من حديد (١)). قاله الإمام الحطاب.
стр. 3748
ومثل نكاح الدرهمين ما إذا ادعى الزوج الرضاع المحرم وأنكرته المرأة فيفسخ وعليه نصف الصداق، وكذا إذا حصلت فرقة بين متلاعنين قبل البناء فعلى الزوج نصف الصداق، قال الشيخ عبد الباقي: وهذه لا ترد على حصر المص لأن النكاح فيها صحيح ابتداء وطرأ له ما فيه فرقة وكلامه في الفاسد ابتداء. انتهى. وقوله: "إلا نكاح الدرهمين" نكاح الدرهمين عندهم لقب لكل ما نقص الصداق فيه عما يحل به البضع، هذا الذي يظهر من كلامهم، وفي بعض أنه إنما اقتصر على الدرهمين مع أن مثلهما ما لا يبلغ الصداق الشرعي تبعا للمدونة. والله سبحانه أعلم. وذكر قوله: "فنصفهما" لدفع توهم أن الصداق إنما يتنصف حيث كان شرعيا أو لدفع توهم أن الاستثناء من الفسخ فقط، وأما لو كان دونه فلها نصف صداق المثل. وقوله: "إلا نكاح الدرهمين فنصفهما"، وقيل إن نكاح الدرهمين لا شيء فيه إن فسخ قبل البناء، وصوبه ابن المكاتب وصوب الأول القابسي، قال الرماصي: وإنما اقتصر المص على الأول لقول المتيطي: قال به غير واحد من القرويين. قاله الشيخ بناني.
كطلاقه يعني أن النكاح المستحق للفسخ إذا طلق فيه الزوج بعد البناء اختيارا ففيه المسمى إن كان وحل وإلا فصداق المثل، وإن طلق قبل البناء فلا شيء فيه إلا نكاح الدرهمين فنصفهما.
وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "كطلاقه" عائد على النكاح المستحق للفسخ وقيد ابن رشد كون طلاقه قبل البناء لا شيء فيه بما إذا كان فساده لصداقه أو لعقده وله تأثير في الصداق كنكاح المحلل وأما إذا فسد لعقده ولم يؤثر في الصداق وكان مختلفا فيه كنكاح المحرم بضم الميم فيتشطر بالطلاهـ ويتكمل بالموت ومقتضى التوضيح أن كلام ابن رشد هو المذهب. وأما المتفق على فساده فلا شيء في طلاقه ومثل الفسخ قبل الدخول الموت قبله فلا شيء فيه إلا في الفاسد لعقده وكان مختلفا فيه ولم يؤثر خللا في الصداق فإنه يتكمل الصداق بالموت فيه قبل الفسخ كما مر عن ابن رشد ونحوه للخمي، ونقله ابن عرفة عن سماع أبي زيد. قاله الحطاب.
ابن رشد: الفاسد قسمان قسم فسد لصداقه فالصحيح من المذهب أنه لا شيء فيه للمرأة إلا بالدخول، وروي عن أصبغ فيمن تزوج بغرر ثم مات قبل البناء لها صداق مثلها وإن طلقها فلا شيء لها، فجعله كنكاح التفويض على قول من أوجب فيه صداق المثل بالموت، وأما الفاسد
стр. 3749
لعقده فإن اتفق على فساده كنكاح ذات محرم والمعتدة والمرأة على عمتها أو خالتها وما أشبه ذلك فلا صداق فيه بالموت ولا يجب نصفه بالطلاق اتفاقا، وإنما يوجبه الدخول فإن اختلف فيه ولا تأثير لعقده في الصداق كنكاح المحرم والمرأة بغير ولي فهل يقع فيه الطلاق وتجب فيه الموارثة ويفسخ بطلاق أو لا؟ في الثلاثة قولان.
فعلى القول بوجوب الميراث والطلاق يجب المسمى بالموت ونصفه بالطلاق، وعلى القول الآخر لا يلزم الصداق بالموت ولا نصفه بالطلاق ولا خلاف أنه لو عثر على هذا النكاح وفسخ قبل البناء أنه لا شيء لها، ولو قلنا إن فسخه طلاق لأن الفرقة هنا مغلوب عليها، وَقِسْمٌ له تأثير في الصداق كنكاح المحلل ونكاح الأمة على أن ولدها حر وعلى أن لا ميراث بينهما، فقيل: للمرأة بالدخول صداق المثل وقيل المسمى لأن فساده بالعقد وهذا لا يجب للمرأة فيه من الصداق شيء بالموت والطلاق قبل البناء. انتهى. المراد منه.
وتعاض المتلذذ بها يعني أن المرأة المتلذذ بها في النكاح الفاسد بدون الوطء تعاض أي تعطى شيئا عوض المتلذذ بها بحسب ما يراه الإمام والناس إذا فسخ نكاحها قبل البناء. قاله الشارح. والظاهر أن الواو في قوله: والناس بمعنى أو. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وتعاض المتلذذ بها"، قال في الوثائق المجموعة: وكذلك النكاح الفاسد إذا تلذذ الناكح قبل أو باشر ولم يطأ وتصادقا على ذلك لم يكن على الناكح شيء من الصداق وتعوض المرأة التلذذ بها، وكذلك الخصي إذا تلذذ بالمرأة ولم تعلم أنه خصي ففارقته عوضت من تلذذه. وقوله: "وتعاض المتلذذ بها" هو ظاهرها في إرخاء الستور، وظاهر كلام ابن القاسم في غيره من المدونة أنه لا شيء لها، وله في كتاب العدة أنها تعاض خلافا لغيره، وأما ما روي أنه ﷺ قال: (من كشف امرأة فنظر إلى عورتها (١))، وفي رواية: (إلى وركها فقد وجب الصداق)، وما روي أيضا عنه ﵊ (من كشف خمار امرأة فنظر إليها وجب الصداق دخل أو لم يدخل) (٢) فهما حديثان ضعيفان عند
стр. 3750
الأئمة مع مخالفتهما لظاهر القرآن. قاله الشارح. والشبراخيتي. ورواية الشارح: إلى عورتها، والشبراخيتي: إلى وركها.
ولولي صغير فسخ عقده هذا شروع منه ﵀ في أحد ركني المحل الذي هو الزوج وقد مر الكافى م على الصيغة والولي؛ يعني أن الصغير الحر المذكر المميز إذا تزوج بغير إذن وليه بأن عقد لنفسه ولم يأذن له في ذلك فإن الولي من أب أو وصي أو مقدم قاض يخير في الفسخ والإمضاء حيث استوت المصلحة في الفسخ والإمضاء وإلا تعين ما فيه المصلحة منهما واعلم أن رد الولي لنكاح الصغير طلاق، واللام في قوله: "ولولي صغير" للتخيير والاختصاص، ويجري هنا ما يأتي في السفيه من قوله: "ولو ماتت وتعيين لموته".
واعلم أنه لا يجب تزويج الصبي وإن طلب التزويج. قاله الشيخ أبو علي. وفهم من قوله: "ولولي صغير" أي مميز أن نكاحه صحيح وهو كذلك، وصح لجريه مجرى المعاوضة ولم يصح طلاقه لأن الطلاق حد من الحدود ولا حد عليه. نقله الشيخ بناني عن المشدالي. وقوله: "ولولي صغير" لخ ظاهره وإن لم يقو على الجماع وهو الذي مشى عليه أبو الحسن وذكره في التوضيح، قال الحطاب: وهو الظاهر، وقال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: وفي التقريب على التهذيب أنه إذا لم يقو على الجماع لم يجز له تزويجه ولا إجازته لأنه ضرر عليه بلا فائدة، إلا أن تكون الزوجة قريبة له يرغب له فيها أو ذات منصب ومال فينظر وصية في ذلك. نقله الحطاب. وعلل القول بأنه إنما يزوج أو يجاز نكاحه إن قوي على الجماع، بأنه إذا قوي على الجماع قد يكون له فيه نفع؛ لأن البلوغ خفي، فربما يبلغ ولا يفطن فيقع فيما لا ينبغي شرعا إن لم يزوج، وفي هذه الحالة يستأنس بالمرأة وتعلمه الزوجة أمورا كثيرة مما يتعلق بالمعاش فيتفطن لأمور نافعة. قاله الشيخ أبو علي. وقوله: "لولي صغير" لخ ما مشى عليه المص من أنه إذا أجاز الولي نكاحه جاز هو المشهور، وقال سحنون: يفسخ على كل حال سواء أمضاه نظرا أم لا، وهذا الخلاف إنما هو في الصبي المميز، وأما غير المميز فلا يصح عقده.
واعلم أنه يشترط في النكاح شروط صحة وشروط استقرار، فشروط الصحة أربعة: الأول الإسلام لأن الكفر مانع من استيلاء الكافر على فروج المسلمات والتمييز والعقل فيخرج عقد الصبي غير المميز