الشبراخيتي أن قوله: "وصحح أنه زنى"، ضعيف، وقال الأمير: وفسخ إن وهبت نفسها إلا أن يبني بها فالمثل على الراجح.
واستحقته بالوطء يعني أن المرأة في نكاح التفويض تستحق صداق المثل بالوطء حيث لم يفرض لها شيئا وترضى به، وعلم من هذا التقرير أن الضمير عائد على صداق المثل؛ لأن ضمير الغيبة يعود على مذكور لفظا أو معنى، فتستحق صداق المثل بالوطء ولو كان الوطء حراما بشرط أن يكون من بالغ لطيقة حية لا ميتة. وانظر التحكيم هل تستحق فيه صداق المثل بالوطء أو لا تستحق إلا ما يحكم به المحكم، ولو حكم به بعد موت أو طلاق فإن تعذر حكمه بكل حال فينبغي أن لها صداق المثل بالدخول. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم.
لا بموت يعني أن المرأة في نكاح التفويض لا تستحق شيئا من الصداق بموت واحد منهما قبل البناء، فيسقط الصداق بالكلية وترثه ويرثها فالساقط بالموت إنما هو الصداق لا الإرث، والأصل في هذا ما روى مالك عن نافع أن ابنة كانت لعبيد الله بن عمر ﵄ وأمها بنت زيد بن الحطاب، وكانت تحت ابن لعبد الله بن عمر فمات عنها ولم يقربها ولم يسم لها صداقا، فجاءت أمها تبغي من عبد الله صداقها، فقال لها ابن عمر: لا صداق لها ولو كان لها صداق لم أمسكه ولم أظلمها، فأبت أن تقبل منه فجعلوا بينهم زيد بن ثابت ﵁ حكما، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث، وقوله: "لا بموت" هو المشهور، وقيل يجب بالموت واختاره ابن العربي وغيره.
أو طلاق يعني أن الرجل إذا نكح المرأة تفويضا، ثم إنه طلقها قبل أن يمسها ولم يفرض لها فإنها لا شيء لها من الصداق، لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وقوله: "أو طلاق" هذا مما لا خلاف فيه.
إلا أن يفرض وترضى يعني أن محل سقوط الصداق في نكاح التفويض بالموت والطلاق إنما هو حيث لم يفرض الزوج للمرأة قدرا وترضى به، وأما إن فرض لها قدرا ورضيت به فإنه يتشطر بالطارق ويتكمل بالموت، وإنما يعتبر رضاها حيث فرض أقل من صداق المثل، وأما إن فرض صداق المثل فلا يعتبر رضاها كما سيذكره، وحينئذ فيتشطر بالطلاق ويتكمل بالموت.
стр. 4062
ولا تصدق فيه بعدهما يعني أن المرأة إذا فرض لها زوجها في نكاح التفويض أقل من صداق المثل ثم طلقها أو مات قبل أن يبني بها، وادعت أنها رضيت بذلك قبل الطلاق أو الموت، فإنها لا تصدق في دعواها الرضا فلا شيء لها من الصداق، فقوله: "فيه" أي الرضى، وقوله: "بعدهما" ظرف لغو متعلق بتصدق، والضمير في بعدهما يعود على الطلاق والموت؛ أي لا تصدق بعد الطلاق والموت في أنها رضيت قبل الموت والطلاق بما فرضه لها وهوأقل من صداق المثل، وإن لم يعلم فرضه بعد الموت إلا من قولها لم تصدق سواء ادعت أنه فرض لها صداق المثل أو أقل منه أو أكثر.
ولهذا طلب التقدير يعني أن المرأة في نكاح التفويض لها أن تطلب من الزوج التقدير أي الفرض أي لها أن تطلبه أن يعين لها قدرا يجعله صداقها، ويكره لها أن تمكنه من نفسها قبل أن يقدم لها ربع دينار، وإذا فرض لها فليس لها منع نفسها حتى تقبضه وتجبر على التمكين. هذا هو الذي لابن شاس. فإنه قال: لها حبس نفسها للفرض لا لتسليم المفروض انتهى وسوى اللخمي بين التسمية والتفويض فقال لها منع نفسها قبل قبضه إلا أن تكون العادة أن المهر مقدم ومؤخر فلا تمنع نفسها إذا فرض الزوج وقدم النقد المعتاد، فإن رضيت بتمكينه قبل أن يفرض لها شيئا جاز إن دفع لها ربع دينار. انظر حاشية الشيخ بناني.
وقال الشيخ إبراهيم: التخيير هنا في مقابل الوجوب لا في مقابل الأحسنية؛ أي لا يجب عليها طلب التقدير فلا ينافي أن تمكينها قبل قبض ربع دينار مكروه أو خلاف الأولى، وقال الشارح لها طلب التقدير قبل البناء لتعلم قدره ولها حبس نفسها حتى يفرض، وظاهر قوله: "ولها" أن ذلك من حقها [وأن (١)]، لها أن لا تطلب ذلك، وهذا ما لم يقصد الدخول وإن قصد فلا تمكنه حتى يفرض، وقال ابن عرفة: ابن محرز عن ابن القصار: إن فرض الزوج مهر المثل وأبى دفعه حتى يأخذها إليه وأبت تسليم نفسها إليه حتى تقبضه، فالذي يقوى في نفسي أن يوقف الحاكم المهر حتى تسلم نفسها إليه إلا أن يجري عرف بتسليمه لها إذا بذلت نفسها. ابن شاس: لها حبس نفسها للفرض لا لتسليم المفروض، قلت: انظر هل الخلاف في تعجيل دفعه قبل البناء أو قبل أن
стр. 4063
تتهيأ له؛ والأول ظاهر لفظ ابن محرز ونص كلام ابن بشير، والثاني ظاهر كلام ابن شاس وظاهره أن الخلاف في النقد لا في كل الهر. اللخمي: لها منع نفسها قبل قبضه لخ.
ولزمها فيه يعني أن الزوج إذا فرض لزوجته في نكاح التفويض صداق المثل فإنه يلزمها ما فرضه لها الذي هو صداق المثل، ومعنى ذلك أنه يلزمها النكاح بصداق المثل الذي فرضه لها، وليس لها أنما تمتنع من ذلك.
وفي تحكيم الرجل يعني أن الرجل إذا نكح امرأة على صداق صرف قدره إلى ما حكم به هو وفرض لها صداق المثل فإنه يلزمها النكاح، فقوله الرجل المراد به الزوج، فلو صرح به لكان أولى. قاله الشبراخيتي.
وبما قررت علم أن قوله: إن فرض المثل قيد في المسألتين أي يلزم المرأة في نكاح التفويض وفي نكاح التحكيم حيث كان المحكم الزوج ما فرضه الزوج في المسألتين بشرط أن يكون صداق المثل فأكثر، ويلزم من ذلك لزوم النكاح في المسألتين، ومفهوم قوله: "إن فرض المثل" أنه إن فرض أقل من صداق المثل فإنه لا يلزمها النكاح في المسألتين، بل لها أن تفسخ النكاح ولا شيء لها، ولها أن ترضى بما فرضه لها إن بلغ ما يحل به البضع. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وتحكيم" أي وفي تحكيم، والأولى أن لو أعاد حرف الجر مع المعطوف على الضمير المجرور؛ لأنما مذهب الجمهور الوجوب. انظر الشارح.
ولا يلزمه يعني أن الزوج في المسألتين لا يلزمه أن يفرض للزوجة صداق المثل، بل له أن يطلق ولا شيء عليه لا نصف ولا غيره، وليس المراد أنه لا يلزمه ما فرضه بعد فرضه؛ إذ بعد فرضه المثل يلزمه كما (١) يلزمها. قاله الشيخ عبد الباقي.
وهل تحكيمها أو تحكيم الغير كذلك يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا كان المحكم غير الزوج من زوجة أو ولي أو أجنبي، فمنهم من تأول المدونة على أن تحكيم من ذكر كتحكيم الزوج، فإنما فرض المثل لزمها النكاح، ولا يلزم الزوج ما فرضه المحكم إلا برضاه، فإذا فرضت الزوجة
стр. 4064
المحكمة صداق المثل أو فرضه من حكم من ولي أو أجنبي لزم المرأة النكاح، ولا يلزم الزوج بل له الخيار، وهذا تأويل لبعض الصقليين، وحكاه في الواضحة عن ابن القاسم وأصبغ وابن عبد الحكم.
أو إن فرض يعني أن من الأشياخ من تأول المدونة على خلاف ذلك، فقال: إن فرض المحكم وليا أو أجنبيا المثل لزمها أي لزم الزوجين ما فرضه المحكم؛ أي يلزمهما النكاح بصداق المثل المفروض، وإن فرض الغير أقل من صداق المثل لزمه أي لزم النكاح الزوج بما فرضه الغير المحكم لكونه أقل من صداق المثل فقط. أي إنما يلزم النكاح في فرض الغير أقل من صداق المثل الزوج دون الزوجة فلها الخيار؛ لأنه لم يبلغ لها صداق مثلها، وفهم من كلام المص أنه لو كان المحكم الزوجة وفرضت أقل فإن النكاح يلزم الزوج كما قاله القابسي. انظر الشبراخيتي. ولزومه لها هي واضح مما مر. والله سبحانه أعلم. وإن فرض الغير أكثر من صداق المثل فالعكس أي فإن النكاح يلزم حينئذ المرأة دون الزوج، وهذا التأويل لابن محرز. قاله غير واحد.
أو لا بد من رضى الزوج والمحكم يعني أن من الأشياخ من تأول المدونة على خلاف التأويلين المتقدمين، فقال: لا يلزم نكاح التحكيم حيث كان المحكم غير الزوج إلا فيما اتفق عليه الزوج والمحكم، فلا بد من رضاهما كان المحكم زوجة أو غيرها، فيلزم المرأة ما فرضاه ولو أقل من صداق المثل، وهذا التأويل لأبي محمد وابن رشد وغيرهما، ولهذا قال: وهوأي التأويل الثالث الأظهر عند ابن رشد، وقوله: تأويلات أي في ذلك تأويلات ثلاث.
والرضا بدونه للمرشدة يعني أنه يجوز للمرشدة أن ترضى بدون صداق المثل في نكاح التفويض كما يجوز لها ذلك في نكاح التسمية، والمرشدة هي التي رفع عنها الحجر كانت ذات أب أم لا، وسواء رشدها أبوها أو حكم الشرع بترشيدها، ولو قال: للرشيدة كان أولى. قاله الشيخ إبراهيم. تنبيه: وقع في الخرشي ما نصه: وكلام المؤلف في نكاح التفويض، وأما نكاح التسمية فلا يجوز الرضا بدون صداق المثل لا قبل البناء ولا بعده إلا للأب فقط. انتهى. قال محمد بن الحسن: وهو غير صواب، بل المرشدة لها هبة الصداق كله أو بعضه بعد البناء وقبله فأحرى أن ترضى بدون
стр. 4065
صداق المثل، وسيقول المص: "وإن وهبت له الصداق أو ما يصدقها به" لخ، وقال الشارح: لا إشكال أن للمالكة أمر نفسها وهي المراد بالمرشدة أن ترضى بدون صداق المثل.
وللأب يعني أن الأب له في نكاح التفويض أن يرضى بدون صداق المثل في محجورته مجبرة أم لا. كما قاله غير واحد. وكذا السيد في أمته. ولو بعد الدخول يعني أن ذلك للأب في محجورته مطلقات سواء دخل بها الزوج أم لا، وهذا هو قولها في النكاح الثاني وهو تأويل اللخمي وهو المشهور، ورد بلو قولها في النكاح الأول إنه ليس له الرضا بدون صداق المثل بعد البناء وهو تأويل ابن يونس وابن رشد، وأما السيد في أمته فله الرضا بدونه مطلقا. وقوله: "ولو بعد الدخول" جعله عبد الباقي راجعا للمسألتين يعني قوله: "للمرشدة"، وقوله: "للأب" قال محمد بن الحسن: فيه نظرت إذ لم أر من ذكر الخلاف في الأولى. انتهى.
وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: قيل وظاهر التوضيح أن محجورته لسفه غير مجبرة لا بد من رضاها معه، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ليس في التوضيح ما يظهر منه ذلك، وإنما كلامه مطلق مثل ما هنا فراجعه. انتهى.
وللوصي قبله يعني أن الوصي له في نكاح التفويض أن يرضى بدون صداق المثل في السفيهة المولى عليها حيث كان ذلك نظرا لها، كرجاء حسن عشرة الزوج لها ودوامها وإنما يكون له ذلك قبل الدخول لا بعده، ولو كان مجبرا لأنه تقرر بالوطء، فإسقاط شيء منه غير نظر فليس كالأب، وظاهر المص أنه لا يعتبر رضاها مع رضي الوصي، قال عياض: وهو الصحيح عند شيوخنا على منهج المذهب، ومقابله هو أنه لا يتم إلا برضاهما، وهو ظاهر المدونة واعتمده أبو الحسن وصرح به ابن الحاجب. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وقال الشارح عند قوله: "وللوصي قبله": وأما بعده فلا، وقد حصل بعضهم فيها وفي ذات الأب ثلاثة أقوال: قول بصحة الرضا منهما قبل البناء وبعده، وقول بعدم الصحة، والثالث المشهور صحة الرضى من الأب بدون صداق المثل مطلقا ومن الوصي قبل البناء فقط، وظاهر كلام ابن شاس أنه لا بد مع الوصي من رضا الزوجة. عياض: وهو ظاهر المدونة إلا أن الصحيح عند شيوخنا على منهاج المذهب أنه يمضي على رضا الوصي وهو الذي في كتاب ابن حبيب، ولا
стр. 4066
يلتفت إلى رضاها إذ النظر في المال له وهذا وفاق ما هنا. انتهى. وقال الشبراخيتي: وللوصي الرضا في محجورته قبل الدخول لا بعده لقوة تصرف الأب دونه، والمراد بالوصي ما عدا الأب من وصي أو مقدم قاض، ونحوه لعبد الباقي.
لا المهملة يعني أن البكر المهملة وهي التي لا أب لها ولا وصي ولا مقدم من جهة القاضي ولم يعلم رشدها من سفهها لا يجوز رضاها بأقل من صداق المثل، قال الشارح: لا المهملة فإن رضاها بدونه غير معتبر، وقاله ابن القاسم في المدونة خلافا لغيره فيها، والمراد بالمهملة التي مات أبوها ولم يوص عليها أحدا، وهي محمولة عند الأشياخ على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، ولذا لم يصرح في المدونة بسفهها ولا غيره. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله: "لا المهملة": إنها من مات أبوها ولم يوص عليها ولم يقدم القاضي عليها أحدا ولم يعلم لها رشد من سفه، فليس لها الرضى بدون صداق المثل. انتهى. وقال محمد بن الحسن: قوله لم يعلم لها رشد ولا سفه صحيح، وأصله لابن عبد السلام ونصه على نقل التوضيح: حكى في المدونة القولين ولم يصرح بسفه المرأة وإنما فرضها في البكر التي لا أب لها ولا وصي، والمسألة محمولة عند الشارحين على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، والمشهور فيها -وهو قول ابن القاسم- أنه لا يجوز رضاها بأقل من صداق المثل، وكذلك لا يجوز لها أن تضع منه شيئا بعد الطلاق، وقال غيره: يجوز رضاها به وطرحه سحنون. انتهى.
واعلم أن المهملة المذكورة تكون رشيدة بمضي عام من دخولها أو تعنيسها، ونظم ذلك بعضهم فقال:
مهملة ترشيدها فيما نقول … تعنيس أو مضي عام من دخول
يعني عند جهل حالها كما يأتي في باب الحجر إن شاء الله: وقولهم هنا: لم يعلم لها رشد من سفه، فلو علم رشدها فهو قوله: "والرضى بدونه للمرشدة" ولو علم سفهها لمنع رضاها بدون صداق المثل بالأولى من هذه، فيتفق القولان على أنه لا يجوز لها الرضا بدون صداق المثل كما قاله عبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
стр. 4067
وإن فرض في مرضه فوصية لوارث يعني أن الرجل إذا نكح المرأة نكاح تفويض وهي حرة مسلمة وكان قد عقد عليها وهو صحيح ثم مرض وفرض لها في مرضه الذي مات فيه ولم يدخل بها، فإن ذلك الفرض يبطل لما فيه من شبه الوصية لوارث؛ لأن النكاح صحيح وهي لا تستحق الصداق بالموت، فإن أجاز الوارث ما فرضه لها فهو عطية وترثه مطلقا أجيز ما فرض لها أم لا. وأما إن عقد عليها تفويضا في مرضه وفرض فيه فلها الأقل من المسمى وصداق المثل؛ لأنها غير وارثة لفساد العقد.
وبما قررت علم أن قوله: "فوصية لوارث" معناه حكم فرضه في مرضه حكم الوصية لوارث، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة. قاله عبد الباقي.
ابن عبد السلام: لو سمى لها في مرضه ثم [صح (١)] ثم مات لزمه ذلك يريد وإن زائدا على صداق المثل. قاله الحطاب. وسيأتي قول المص: "ولزم إن صح".
وفي الذمية الأول قولان مبتدأ مؤخر وخبر مقدم؛ يعني أن الرجل إذا نكح في صحته تفويضا ذمية أو أمة مسلمة، ثم إنه فرض لها في مرضه الذي مات منه قبل البناء، فإن الشيوخ اختلفوا في صحة فرضه وعدمها على قولين، أحدهما: لا شيء لها لأنه إنما فرض لأجل الوطء ولم يحصل فلم يسم ذلك على أنه وصية بل على أنه صداق وهي لا تستحقه بالموت وهو لابن الماجشون، ثانيهما يكون [لها (٢)] ما فرض من الثلث. قاله ابن المواز. ونقله عن مالك وإنما عادل بين القولين مع أن الثاني لمالك؛ لأن الأول صوبه اللخمي. قاله ابن عاشر. نقله بناني.
وقال الأمير: وإن فرض في مرضه فوصية لوارث فتمضي للذمية والأمة على الأظهر مما في الأصل، والقولان منصوصان كما في الشارح وهو الذي في المتيطية وأبي الحسن والتوضيح وهو ظاهر نقل المواق، وكونهما مخرجين أصله لابن عرفة، وقول عبد الباقي: إن القول الثاني يكون لهما ما فرض ولو زاد على مهر المثل لكن المثل من رأس المال وزائده من الثلث. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الجميع من الثلث كما صرح به المواق عن اللخمي وأبو الحسن عن ابن
стр. 4068
يونس والمص في التوضيح، ونصه: واختلف إن لم يدخل وكانت ذمية أو أمة، فقال ابن المواز: ونقله عن مالك يكون لها ما فرض من الثلث، وقال ابن الماجشون: يبطل لأنه لم يسم لها ذلك على سبيل الوصية، فإن دخل كان لها المسمى لمن رأس المال إن كان صداق المثل بلا اختلاف، وإن فرض لها أكثر من صداق المثل كان صداق المثل من رأس المال ويبطل الزائد إلا أن يجيزه الورثة. انتهى.
وردت زائد المثل إن وطئ يعني أنه إذا عقد في صحته تفويضا على حرة ولو كتابية أو على أمة مسلمة، وفرض لكل في مرضه أزيد من مهر مثلها فإن كلا من الحرة المسلمة والكتابية والأمة المسلمة ترد الزائد من المسمى على صداق المثل لزوما إن وطئ إلا أن يجيزه الورثة ويكون مهر المثل لها من رأس المال، فلو كان المسمى مثل صداق المثل لكان لها من رأس المال بلا خلاف.
وقوله: "وردت زائد المثل" وكذا ترد ما زاد به مهر المثل على المسمى فلها الأقل من المسمى وصداق المثل، وكونها لها الأقل المذكور من رأس المال لا يخالف ما تقدم في نكاح المريض من أن عليه الأقل من السعى وصداق المثل في الثلث؛ لأن العقد هنا في الصحة ولو عقد في صحته ووطئ في مرضه قبل الفرض ثم مات فلها صداق مثلها من رأس المال، ولو عقد في المرض ثم مات بعد الوطء وقبل الفرض لكان لها الأقل من المثل والثلث، وما تقدم من أن القولين فيما قبل البناء منصوصان وأن ما بعد البناء يلزم المسمى من رأس المال إن كان قدر صداق المثل بلا خلاف هو طريقة، ونقل ابن عرفة عن ابن رشد: إن فرض لها مهر مثلها أو أقل ورضيت ومات بعد بنائه وجب لها ذلك اتفاقا، وإن كان فرض أكثر من مهر مثلها وصح من مرضه فلها جميع ما فرض، وإن مات منه سقط ما زاد على مهر مثلها إلا أن يجيزه الورثة؛ لأنها وصية لوارث إلا أن تكون ذمية أو أمة ففي ثبوت ذلك في ثلثه وسقوطه قولا محمد من روايته وابن الماجشون، ولو مات من مرضه قبل بنائه سقط ما فرضه إلا أن يجيزه وارثه، ولو كانت ذمية أو أمة ففي ثبوته في ثلثه القولان تخريجا. انتهى.
стр. 4069
وقال الشارح: عند قوله: "وردت زائد المثل إن وطئ" ما نصه: لا خلاف أنه إذا وطئها ثم فرض لها صداق المثل أو أقل في مرضه أن ذلك ماض، وإن فرض أكثر ردت الزائد عليه إلا أن يجيزه الورثة.
ولزم إن صح يعني أن محل بطلان الفرض ورد الزائد إنما هو حيث مات من مرضه الذي فرض فيه، وأما لو صح من مرضه الذي فرض فيه صحة بينة فإنه يلزم جميع ما فرضه، ولو زاد على صداق المثل فلا ترد منه شيئا، قال الشارح: أي ولزمه جميع ما سمى إن صح من مرضه الذي فرض فيه، ولا خلاف فيه إن كانت الزوجة حية. قاله في البيان. واختلف إن ماتت في حياته ولم يبن بها فقيل: لا شيء لورثتها من الصداق، وقال فضل: إن صح من مرضه كان لورثتها وإلا كان لهم من الثلث لأنها وصية لغير وارث، وقال أصبغ: إن صح من مرضه كان لهم وإلا لم يكن لهم شيء. انتهى.
وقال عبد الباقي: ولزم الزائد على صداق المثل إن صح صحة بينة ولو بعد موت الزوجة على الراجح ويدفع لورثتها. انتهى.
ألا إن أبرأت قبل الفرض يعني أن الزوجة في نكاح التفويض إذا أبرأت زوجها من الصداق أو بعضه قبل أن يفرض لها شيئا، ثم فرض لها بعد الإبراء أو وطئها فإن ذلك الإبراء لا يلزمها، فيلزمه أن يؤدي إليها صداقها لأنها إنما أسقطته قبل وجوبه، ولهذا لو أبرأته بعد الدخول للزمها ذلك لأنها بالدخول يجب لها مهر المثل، وقوله: "لا إن أبرأت قبل الفرض" لا مفهوم للزوجة إذ الأب والوصي كذلك. قاله الشبراخيتي. وقوله: "لا إن أبرأت قبل الفرض"، وقيل يلزمها ذلك لجريان سبب الوجوب وهو العقد. انتهى. نقله الشارح.
أو أسقطت شرطا قبل وجوبه وعطف قوله: "أو أسقطت" على قوله: "إن صح" والفاعل في المعطوف الإسقاط، وفي المعطوف عليه الزائد أو المفروض؛ يعني أن المرأة إذا شرط لها الزوج أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى عليها أو نحو ذلك وإن فعل فأمرها بيدها، ثم إنها أسقطت عنه ذلك الشرط قبل وجوبه أي قبل أن يتزوج عليها أو يتسرى مثلا، فإن ذلك الإسقاط يلزم، فإذا تزوج عليها مثلا فإنه لا يكون أمرها بيدها وهذا هو المشهور، وقيل: لا يلزمها ذلك وحمله على الأول
стр. 4070
هو الظاهر، وإن كان خلاف ظاهر المص ليوافق المشهور، وليوافق قوله الآتي: "بخلاف ذات الشرط تقول: "إن فعله زوجي فقد فارقته"، والفرق بين هذه والتي قبلها حيث كان المشهور في الأولى عدم اللزوم وفي الثانية اللزوم، أنه في الثانية استند ما فعلته لزوجها لكونها نائبة عنه وهو يملك الطلاق إن شاء أوقعه وإن شاء أن لا يوقعه، فكذلك هي لجعله ذلك إليها، والأولى ليست كذلك. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "لا إن أبرأت قبل الفرض أو أسقطت شرطا قبل وجوبه"، اعلم أنه لا خلاف في عدم اللزوم إن أبرأت أو أسقطت قبل العقد كما قاله الشارح.
ولما جرى له دكر صداق المثل فيما مر أخذ يبينه فقال: ومهر المثل ما يرغب به مثله فيها يعني أن مهر المثل هو "ما" أي القدر الذي يرغب به مثل الرجل في المرأة، والظاهر أن الباء في قوله: باعتبار دين سببية أو للآلة؛ يعني أن من الصفات التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها الدين وهو المواظبة على أفعال الخير من صلاة وصوم وغيرهما، فليست ذات الدين كغيرها، وفي الحديث: (فاظفر بذات الدين تربت يداك (١)) قال الشبراخيتي: أي افتقرت إن خالفت ما أمرتك به، يقال: ترب الرجل إذا افتقر وهي كلمة جارية على ألسنتهم لا يريدون بها حقيقتها. انتهى.
وذكر المص ما تعتبر به المثلية في حق المرأة ولم يذكر ما تعتبر به المثلية في حق الرجل، قال في المدونة: وينظر ناحية الرجل فقد يزوج فقير لقرابته وأجنبي لماله، فليس صداقهما سواء، ومثله لابن الحاجب. قاله محمد بن الحسن. ولا يعتبر الدين إلا في المسلمة.
وجمال يعني أنه يعتبر في المرأة الجمال الحسي وهو حسن الصورة، والمعنوي كحسن الخلق لتبعيته غالبا لجمال الصورة، فليست الجميلة كغيرها فذات الدين وذات الجمال يرغب فيهما أكثر مما يرغب في غيرهما ويزيد ذلك في صداقهما.
وحسب يعني أنه كما يعتبر في مهر المثل ما مر يعتبر فيه أيضا حسبها وهو ما يعد من مفاخر الآباء كجود ومروءة في المسلمين فالذمية إنما يعتبر فيها المال والجمال لا الدين كما مر، ولا يعتبر
стр. 4071
النسب فيها حيث كان أصولها كفارا، وتفسير الحسب بما مر متعين لا ما يعد من مفاخرها كما لبعضهم للاستغناء عنه بقوله: "وجمال" لشموله للعقلي كما مر.
ومال يعني أنه كما يعتبر في مهر المثل ما مر يعتبر فيه أيضا المال فليست ذات المال كغيرها، وفي الشارح: وشطاط بشين معجمة وطاءين مهملتين بينهما ألف أي اعتدال وحسن قامة. (وبلد) يعني أنه كما يعتبر في المرأة جميع ما مر يعتبر فيها أيضا بلدها؛ لأن الرغبة في المرأة قد تختلف باختلاف البلدان، قال عبد الباقي: إذ الرغبة في المصرية بخلاف الرغبة في غيرها، وكذلك يعتبر الزمن، ومعنى اعتبار الزمن أنه رب زمن شدة تقل قيه الرغبة فيهن فيرخص مهرهن، وزمن خصب تكثر فيه الرغبة في النساء فيكثر مهرهن.
(وأخت شقيقة أو لأب) يعني أنه إذا كان للمرأة أمثال في الأوصاف المذكورة من قومها وأمثال فيها من غير قبيلتها، فإنه يعتبر فيها ما يتزوج به أمثالها من قبيلتها كأختها الشقيقة أو التي للأب ونحوهما، وإن زاد على صداق أمثالها من غير قبيلتها أو نقص، واحترز بالشقيقة والتي للأب عن التي للأم. وقوله: "باعتبار دين وجمال" لخ محل هذا حيث اختلفت الرغبة به في الموصوفة بالأوصاف المذكورة ومقابلها، فإن كان قوم لهم عادة لا يحطون لفقر وقبح ولا يزيدون ليسار وجمال حملوا عليه. وقد مر أن المص بين ما تعتبر به المثلية في حق المرأة ولم يذكر ما تعتبر به المثلية في حق الرجل، قال في المدونة: وينظر ناحية الرجل فقد يزوج فقير لقرابته وأجنبي لماله؛ فليس صداقهما سواء ومثله لابن الحاجب. لا الأم يعني أن مهر المثل لا ينظر فيه إلى أم المرأة المستحقة لصداق المثل إلا أن يجري العرف بالنظر إلى صداق الأم، فيجب اعتباره وكذلك غير الأم كالجيران فيتبع في ذلك العرف، وإنما لم يعتبر مهر الأم حيث لا عرف باعتباره لأنها قد تكون قرشية وأمها من الوالي.
والعمة يعني أنه لا يعتبر في مهر المثل أخت أبي المستحقة لصداق المثل من أمه؛ لأنها من قوم آخرين، وأما أخته الشقيقة أو التي للأب فتعتبر كما مر. وعلم مما مر أن فائدة الإتيان بقوله: "وأخت"شقيقة أو لأب بعد ذكر ما قبله من الصفات أن المعتبر في تلك الصفات نساء قومها حيث اشتركن مع غيرهن فيها. والله سبحانه أعلم. قال ابن رشد: المعتبر أختها وعمتها إذا كان
стр. 4072
صداقهما أكثر من صداق مثلها من قوم آخرين. انتهى. أي إذا كان للمرأة أمثال في الأوصاف المذكورة من قبيلتها وأمثال كذلك من غير قبيلتها، اعتبر فيها ما يتزوج به أمثالها من قبيلتها وإن زاد على صداق أمثالها من غير قبيلتها أو نقص. قاله محمد بن الحسن. وقال عن ابن رشد: وقد تأول بعض الناس على مالك أنه إنما ينظر إلى أمثالها من النساء في جمالها ومالها وعقلها، ولا ينظر إلى نساء قومها وليس ذلك بصحيح على ما بيناه من مذهبه في المدونة. انتهى.
وقال ابن عرفة: الباجي يعتبر في مهر المثل أربع صفات: الدين والجمال والمال والحسب، ومن شرط التساوي مع ذلك الأزمنة والبلاد، فمن ساواها في هذه الصفات ردت إليه بمهر مثلها وإن لم يكن من أقاربها. انتهى. قال ابن عرفة: ففي اعتبار موضعها المكاني ولغوه نقل الباجي، وظاهر تفسير قولها: فيها وموضعها بالحسب وفي اعتبار نساء قرابتها طريقا ابن رشد والباجي. نقله العلامة بناني. وهذا التقرير الذي قرر به محمد بن الحسن قوله: "وأخت شقيقة أو لأب" غاية في الحسن، ودعمه بالنقل وهو الذي شرحت به كلام المص تبعا له. والله الموفق.
وفي الحطاب عن ابن رشد: مذهب مالك أن يعتبر في فرض صداق المثل في نكاح التفويض بصدقات نسائها إذا كن مثل حالها من العقل والجمال والمال، ولا يكون لها مثل صداق نسائها إذا لم يكن على مثل حالها ولا مثل صداق من لها مثل حالها إذا لم يكن لها مثل نسبها، والدليل على ذلك من مذهبه، قوله في المدونة: ولكن ينظر إلى أشباهها في قدرها وجمالها وموضعها. أي موضعها من النسب. انتهى المراد منه. قال الشبراخيتي: وهذه الأوصاف إنما تعتبر إذا كان يرغب في وجودها وإلا فلا تعتبر، كما إذا كانت الفقيرة وذات المال سواء. انتهى. وفي الفاسد يوم الوطء يعني أن النكاح الفاسد يعتبر فيه مهر المثل يوم الوطء اتفاقا، فينظر إلى المرأة يوم بني بها فيه أي في النكاح الفاسد، وتعتبر فيها الأوصاف المذكورة على ما مر وكذا يعتبر يوم الوطء في مهر المثل اللازم في وطء لم يصحبه عقد، وقوله: "وفي الفاسد" أي العقد الفاسد ولو مختلفا فيه، وأما النكاح الصحيح تسمية أو تفويضا فيعتبر فيه مهر المثل يوم العقد على ظاهر المذهب، وقيل يعتبر في الصحيح إن دخل ويوم الحكم إن لم يدخل، مثال النكاح الصحيح الذي يجب فيه صداق المثل مع التسمية ما لو نكحها على صداق مثل.
стр. 4073
ولما كان لوطء الشبهة حكم النكاح في غالب الأحوال أشار إلى ما تتحد الشبهة فيه فيتحد مهره، وإلى ما تتعدد فيه فيتعدد بقوله: واتحد المهر إن انحدت الشبهة يعني أن الرجل إذا وطئ امرأة ليست بزوجته ولا بأمته بشبهة وتعدد ذلك منه، فإن اتحدت الشبهة فإنه لا يكون لها عليه إلا مهر واحد ومعنى اتحاد الشبهة كونها بزوجية فقط أو بملك فقط، فإذا وطئ أجنبية غلطا يظنها زوجته عمرة ثم وطئها مرة أخرى قريبة من الأولى أم لا يظنها عمرة الأولى أو زوجته زينب، فإنه يتحد عليه المهر ولو كثر ذلك حيث كانت غير عالمة، وإذا وطئ أجنبية يظنها أمته مارية ثم وطئها مرة أخرى قربية من الأولى أم لا يظنها أمته مارية أو بريرة، فإنه يتحد عليه المهر ولو كثر ذلك حيث كانت غير عالمة بأن كانت نائمة أو اعتقدت أنه زوجها.
وإلى هذا أشار ممثلا للشبهة بقوله: كالغالط بغير عالمة أي مثال ذلك ما لو وطئ امرأة غلطا يظنها زوجته أو أمته فإذا هي غير واحدة منهما واعتقدت هي أنه زوجها، ومحل اتحاد المهر فيما إذا اتحدت الشبهة ما لم يتخلل بين الشبهتين عقد للموطوءة أو التي اشتبهت بهاة كما إذا وطئ أجنبية يظنها زوجته ثم عقد عليها فوطئها أو لم يطأها ثم طلقها ووطئها غالطا فعليه المهر في الظن الثاني، كما أن لها المهر في الظن الأول، ويتعدد أيضا إذا وطئ الأجنبية يظنها زوجته عمرة ثم طلق عمرة طلاقا بائنا ثم أعادها لعصمته فوطئ الموطوءة الأولى ثانية يظنها زوجته عمرة أيضا كما استظهره ابن عرفة كما في أحمد.
وإلا تتحد الشبهة بل تعددت، كما لو وطئها غير عالمة يظنها زوجته ثم وطئها ثانية يظنها أمته تعدد المهر عليه، وتحصل مما مر أنه إذا وطئها يظنها زوجته زينب ثم وطئها يظنها زينب أيضا، فإنه يتحد المهر ما لم يطلق زينب طلاقا بائنا ثم يعيدها لعصمته ثم يطأ موطوءته الأولى يظنها زينب كما استظهره ابن عرفة، ويتعدد أيضا إن تخلل بين الشبهتين عقد للموطوءة بالاشتباه، ويتحد أيضا إن وطئ الأجنبية يظنها زوجته عمرة ثم وطئها يظنها زوجته زينب، خلافا لما استظهره ابن عرفة في تعدده بتعدد الزوجات، فإن مقتضى التوضيح والشارح وحلولو اعتبار وحدتها بالنوع، فما كان بالتزويج نوع وما كان بالملك نوع آخر، خلافا لما ذكره التتائي من
стр. 4074
أنه إذا وطئ امرأته يظنها أمته فلانة ثم وطئها مرة أخرى يظنها أمته الأخرى فإنه يتعدد عليه المهر. انتهى. وأنه إذا وطئ أجنبية يظنها زوجته زينب ثم وطئها يظنها أمته فإنه يتعدد عليه.
وشبه لإفادة التعدد قوله: كالزنى بها يعني أن من زنى بامرأة غير عالمة فإنه يتعدد عليه المهر بتعدد الوطء، فالضمير المجرور عائد على غير العالمة بأن تكون نائمة أو تعتقد أنه زوجها، أو بالمكرهة يعني أن من زنى بامرأة مكرهة يتعدد عليه الصداق بتعدد وطئه لها، سواء كان هو المكره لها أو غيره لكن إن أكره الواطئ فالصداق عليه إن أيسر نظرا لانتشاره، فإن أعسر أخذته ممن أكرهه ثم لا رجوع له على الواطئ، ومفهوم المص أنه لو زنى بطائعة عالمة بأنه غير بعلها فلا مهر لها وهو كذلك، بل لا مهر لها ولو كان واطئها غير زان بل ذا شبهة.
وتحصل مما مر أن الأقسام أربعة، أحدها: علمهما معا فلا شيء لها وهو زنى محض، الثاني: علمها دونه فهي زانية لا شيء لها وهذان يفهمان من قوله: "كالغالط بغير عالمة"، الثالث: جهلهما معا وهو منطوق قوله: "كالغالط بغير عالمة فيتحد المهر إن اتحدت الشبهة وإلا تعدد"، الرابع: علمه دونها وكجهلها إكراهها ولو أكره هو فيتعدد عليه المهر بتعدد وطئه، فالأوجه كلها مأخوذة من كلامه منطوقا ومفهوما. ومجرد الإيلاج وطء موجب للصداق وإن لم يكن إنزال هذا هو الصواب. كما [قاله بناني (١)].
وموضوع الأقسام الأربعة أن الواطئ وفى غير حل له في نفس الأمر وطئا متعددا في واحدة فقط، وأما لو كانت الموطوءة متعددة فإنه يتعدد عليه الصداق بتعددها ولو اعتقد أن الجميع زوجته أو أمته المتحدة أو أجنبية واحدة اعتبارا بتعدد المحل. قاله عبد الباقي.
قوله: أجنبية لخ، صحيح إلا أنه غير متوهم. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم. وظاهر قوله: "واتحد المهر إن اتحدت الشبهة" ولو أدى المهر الأول قبل الوطء الثاني، أو حكم بالأول حاكم يرى التعدد قبل الوطأة الثانية، والذي يظهر خلافه وأنه يتعدد كما للشافعية.
واعلم أن المهر متحدا أو متعددا يكون للمرأة لا لزوجها؛ لأنه لا يستحق منها إلا الاستمتاع، ومحل جميع ما تقدم حيث كانت الموطوءة حرة وإن كان الواطئ يظنها أمة، وأما واطئ الأمة
стр. 4075
فعليه ما نقصها إن كانت بكرا وإن ظنها زوجته أو أمته وإن كانت ثيبا فلا شيء عليه، وقيل عليه ما نقصها مطلقا وهو لابن يونس، وقيل لا شيء عليه إن طاوعته ولو بكرا ففي الطائعة ثلاثة أقوال، وفي الشبراخيتي عن الأجهوري أن واطئ الأمة عليه ما نقصها مطلقا، وتفصيل ابن يونس ضعيف. انتهى.
واستظهر الحطاب ما صوبه ابن يونس وهو الظاهر فقد رجحه ابن يونس والحطاب والأجهوري، واعلم أنه إنما يعلم اتحاد الشبهة وتعددها من قوله، فيقبل قوله فيهما بغير يمين وإذا بعد ما بين الوطئات الموجبة للتعدد، واختلف مهر مثلها عند كل وطأة فيعتبر كل صداق مع الوطء الذي أوجبه، وأما لو اتحد مهر مثلها بأن اتحدت الشبهة فهل تعتبر الوطأة الأولى؟ وهو ظاهر كلام الأصحاب، أو الأخيرة أو الوسطى، انظر حاشية الشيخ بناني.
وقال الشبراخيتي: واعلم أن من وطئت عالمة طائعة لا مهر لها ولو وطئت بشبهة، وأما من وطئت غير عالمة أو مكرهة، فإن كان الواطئ زانيا تعدد المهر بتعدد وطئه، وإن كان ذا شبهة فإن اتحدت اتحد وإلا تعدد، وقال الشارح: ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي تعدد المهر إذا تخلل بين الوطأتين وطء مباح ظاهرا أو باطنا، فوطئها غالطا ثم تزوجها فوطئها أو لم يطأها ثم طلقها، ووطئها غالطا ما لم تكن موطوءة بعد الطلاق بشبهة مستندة للطلاق كما قالوا في المشهور إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها ووطئها فليس عليه إلا صداق واحد، والقياس وهو القول الشاذ أن عليه صداقا ونصفا. انتهى. وهذا يفيد أن تخلل العقد بين الوطأتين كتخلل الوطء المباح بينهما.
وقوله: ظاهرا كما لو دخل بها، وقوله: أو باطنا، أراد به العقد المتخلل بين الوطأتين فيما إذا طلقت قبل الدخول، ولو قال بدل قوله ظاهرا أو باطنا: حقيقة أو حكما لكان أظهر، وقوله: فوطئها هذا هو الظاهر، وقوله: أو لم يطأها هذا هو الباطن، وقوله: ثم طلقها ينبغي طلاقا بائنا لا رجعيا؛ لأن الرجعية زوجة، وقوله كما قالوا لخ مثال لقوله ما لم تكن موطوءة لخ. انتهى كلام الشبراخيتي.
стр. 4076
وجاز شرط أن لا يضر بها في عشرة وكسوة ونحوهما يعني أنه يجوز أن يشترط في صلب العقد على الزوج أن لا يضر بالمرأة في معاشرته وفي كسوتها ونفقتها ونحو ذلك من كل شرط يقتضيه العقد كالسكنى، فإن كان لا يقتضيه حرم إن ناقضه كما تقدم في قوله: "أو على شرط يناقض كأن لا يقسم لها أو يؤثر عليها وألغي"، وإن لم يناقضه كره كما تقدم في قوله: "ولا يلزم الشرط وكره"، كذا يجوز شرطه هو عليها أن لا تضر به في عشرة.
تنبيهات: الأول: علم من هذا ومما مر أن شروط النكاح على ثلاثة أقسام، الأول: الشرط المنافي للعقد وهو الذي قدمه المص بقوله: "أو على شرط يناقض" فيفسخ النكاح قبل ويثبت بعد بمهر المثل ويلغى الشرط كما مر، الثاني: ما لا يناقضه بل يقتضيه العقد وإن لم يكن، كشرطه أن ينفق عليها أو يبيت عندها أو لا يؤثر عليها ونحو ذلك، ووجود هذا وعدمه سواء لا يوقع في العقد خللا ويحكم به إن ترك أو ذكر، إلا أنه إن شرط أن لا يضر بها مثلا ثم أثبت الضرر فلها أن تطلق نفسها من غير رفع لحاكم، وإن لم يشترط ففي اشتراط الرفع للحاكم وعدم اشتراطه قولان كما يقوله الناظم. قاله الشيخ ميارة يشير إلى قول الناظم في التحفة:
وحيثما الزوجة تثبت الضرر … ولم يكن لها به شرط صدر
قيل لها الطلاق كالملتزم … وقيل بعد رفعها للحكم
قال ميارة في شرح هذين البيتين: إن الشرط الذي يقتضيه العقد اشتراطه وعدمه سواء، وإنما يظهر اشتراطه فيما إذا ثبت الضرر، فإن كان شرطا في العقد فلها تطليق نفسها من غير رفع للحاكم ولم يتعرض الناظم لهذا، وإنما يؤخذ من مفهوم كلامه وإن لم يكن شرطا ففي افتقار تطليقها نفسها للرفع للحاكم وعدم افتقاره قولان، الثالث: ما لا تعلق له بالعقد فلا يقتضيه ولا ينافيه وللمرأة فيه غرض، كشرط أن لا يتزوج عليها فذكر ابن الحاجب أنه مكروه ويجوز التطوع به. فالشرط الأول لا يجوز اشتراطه في العقد ولا التطوع به، وما يقتضيه العقد يجوز شرطا وطوعا وما لا يقتضيه ولا ينافيه يكره شرطا ويجوز طوعا، ولابن عاصم ﵀:
стр. 4077
وما ينافي العقد ليس يجعل … شرطا وغيره بطوع يقبل
وفي الوثائق المجموعة: كره مالك الشروط، وقال: لا أرى لأحد أن يكتب شهادته في كتاب فيه الشروط ويلزم النكاح وإن كانت بعقد يمين، كقوله الداخلة طالق أو أمرها بيدها، والطوع فيها أحسن من أن ينعقد بشرط وهي محمولة على الطوع حتى يثبت أنها كانت مشترطة في عقد النكاح، واختلف أهل العلم في النكاح بالشروط فرأى قوم فسخه ورأى مالك ومن ذهب مذهبه أن النكاح بها مكروه، فإن نزل بها لزمت وجاز النكاح، ولهذا الاختلاف يكتب قوم من الموثقين، شرط فلان لزوجته شروطا طاع بها بعد أن ملك عصمة نكاحها. انتهى. نقله ميارة.
الثاني إذا تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها أو تسرى فأمرها بيد مولاها فهلك مولاها فلا شيء بيدها، وينتقل إلى ورثته ولو جعل الأمر بغير يد مولاها فهلك فلا ينتقل لورثته ويرجع الأمر إليها. قاله الحطاب. وقال ابن سلمون: فإن اشترط أبو الزوجة على صهره أن لا يتزوج عليها فإن فعل فأمرها بيد أبيها ففعل ذلك الزوج وأراد الأب أن يفرق وأرادت البنت البقاء، فالاختيار في ذلك للأب إلا أن يرى السلطان أن ذلك الفراق ليس بنظر للبنت فيمنعه وينظر في ذلك، وإن كان الزوج جعل ذلك بيد أبيها من غير أن يشترط ذلك عليه الوالد فإن القول في ذلك قول البنت، ويمنع أبوها من الفراق إن أحبت هي البقاء، بخلاف الأول فإنه حق للأب لا يخرج من يده إلا بنظر السلطان.
الثالث: إن التزم الزوج للمرأة التصديق بالضرر من غير يمين، فقال ابن رشد: اختلف في ذلك فروى سحنون أنه قال أخاف أن يفسخ النكاح قبل البناء، فإن دخل بها فلا يقبل قولها إلا ببينة على الضرر، وحكي عن ابن دحون أنه كان يفتي بأن ذلك لا يلزم ولا يجوز إلا بالبينة، ولا اختلاف أنه إذا لم يكن مشترطا في أصل العقد أنه جائز. انتهى نقله الحطاب.
стр. 4078
الرابع: في الحديث: (لا تسئل المرأة طلاق أختها لتستفرغ بذلك صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها (١))، رواه مالك في الموطإ، قال ابن عبد البر: فقه الحديث أنه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقدها طلاق غيرها. انتهى. وقوله: أختها، يريد أختها في الدين، قاله الباجي. وقال النووي: المراد غيرها سواء كانت أختها في النسب أو في الإسلام أو كانت كافرة. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.
الخامس: للرجل السفر بزوجته إذا كان مأمونا عليها، قال ابن عرفة: بشرط أمن الطريق والموضع المتنقل إليه وجري الأحكام الشرعية فيه، وقال البرزلي: الذي استقر عندي من أحوال قرى القيروان حيث كنت مقيما بها أنها لا تنالها الأحكام الشرعية، فلا تمكن الفارة من زوجها من الخروج إلى القرى أو إلى الجبال التي حولها وبلاد هوازة مثل برقة. انتهى. فلو كان الطريق مخوفا أو الموضع المنتقل إليه لم يجبرها على السفر، فلو رضيت بالسفر معه للموضع المخوف وأراد أبوها منعها، فهل له ذلك؟ لم أرفيه نصا.
ووقعت وأفتى فيها بعض المالكية والشافعية بأن له منعها، ويمكن أن يوجه بأنه لما كان الموضع أو الطريق مخوفا سقط جبر الزوج إياها على السفر وصارت هي المختارة للسفر، وقد صرح في التوضيح في باب الجهاد وغيره بأن للأبوين المنع من سفر الخطر أو البحر فيكون له المنع، وتوقف والدي فيها ولكنه مال إلى أن له المنع. والله أعلم. قاله الحطاب.
قال جامعه عفا الله عنه: تحصل مما أورده هذا الإمام أن له المنع. والله سبحانه أعلم.
(ولو شرط أن لا يطأ أم ولد أو سرية: لزم في السابقة منهما) يعني أنه لو شرط لزوجته التي في عصمته أو لمخطوبته التي يريد أن يتزوجها أنه لا يطأ أم ولد له أو لا يطأ سرية له، وأنه إن فعل ذلك فأمرها بيدها أو تكون الموطوءة حرة فإن ذلك يلزم في السابقة منهما باتفاق ابن القاسم وسحنون، أما السابقة منهما فتصورها ظاهر، وأما اللاحقة فتصورها ظاهر في السرية، وأما أم الولد فيتصور كونها لاحقة بالنظر لوقت الحلف بتكلف كما لو طلق المحلوف لها غير بتات ثم أولد أمة بعد طلاقها ثم راجعها بعقد ثم وطئ الأمة التي أولدها، فيلزمه ما علق على وطئها ما
стр. 4079
دام من العصمة المعلق فيها شيء، فمعنى لاحقة في أم الولد متجددة بعد الحلف، وإن كانت غير متجددة حين الوطء الموجب لخيارها مثلا.
على الأصح أي يلزم ذلك في السابقة منهما على القول الأصح وهو الذي اتفق عليه ابن القاسم وسحنون، وأولى اللاحقة في اللزوم، فإن قيل في ذكر من حكاية الاتفاق بينهما ينافي قول المص على الأصح، قلت: يمكن أن يكون المص اطلع على قول لغيرهما. قاله محمد بن الحسن. وقال الشارح عند قوله: "على الأصح" في نصه: وقيل لا يلزمه ذلك، وله أن يطأ من شاء منهما تقدمتا أو تأخرتا. انتهى.
لا في أم ولد سابقة في لا أتسرى يعني أنه إذا حلف لزوجته لا يتسرى وإن فعل فأمرها بيدها مثلا، ثم وطئ أم ولد له سابقة للحلف فإنه لا يلزمه شيء ولا خيار لها حيث وطئ أم ولده السابقة، ومثل أم الولد في ذلك السرية، ومفهوم قوله: "سابقة" أنه يلزم في اللاحقة منهما وهذا قول سحنون وهو ضعيف، والمشهور قول ابن القاسم أنه يلزم في السابقة منهما واللاحقة في لا أتسرى؛ لأن التسري هو الوطء، فحكم ما إذا شرط أن لا يتسرى حكم ما إذا شرط أن لا يطأ على المذهب، وإن شرط أن لا يتخذ أم ولد أو سرية لزمه في اللاحقة دون السابقة باتفاق.
والحاصل أن الصيغ ثلاث: لا يطأ لزم في السابقة واللاحقة باتفاق ابن القاسم وسحنون، لا يتسرى يلزم في السابقة واللاحقة عند ابن القاسم وهو المشهور ويلزم في اللاحقة دون السابقة عند سحنون قائلا: من وطئ بعض جواريه يوما لا يقال عرفا تسرى فلان اليوم على زوجته، لا يتخذ يلزم في اللاحقة دون السابقة باتفاق ابن القاسم وسحنون. فالمسألة على طرفين وهما: لا يطأ ولا يتخذ، وواسطة وهي: لا يتسرى، قال ابن القاسم هي كلا يطأ، وقال سحنون: هي كلا يتخذ. وقد نظم بعضهم ذلك في بيتين فقال:
وطء تسر مطلقا قد لزما … كلاحق مع اتخاذ علما
تلخيصه لزوم كل ما عدا … من سبقت مع اتخاذ وجدا
стр. 4080
قاله الشيخ بناني.
فرع: من شرط لزوجته أن لا يتسرى معها، قال ابن سلمون: فإن زنى بامرأة فلها أن تأخذ بشرطها لأنها إنما شرطت عليه أن لا يجامع معها امرأة سرا، فإن تزوج عليها وقد اشترطت عليه التسرى فلا يمنع من ذلك، وما جعل لها من بيع السرية غير لازم لأنها بمنزلة الوكيل يعزلها عن ذلك متى شاء، وقيل ليس له عزلها وكذلك إن قال لها أن تدبرها عنه أو هي صدقة لم يقض عليه بها. انتهى. قاله الحطاب.
ولها الخيار ببعض شروط بالتنكير؛ يعني أن من شرط لزوجته أنه إن تزوج عليها أو تسرى عليها أو أخرجها من بلدها مثلا فأمرها بيدها وفعل بعض ذلك يثبت لها الخيار بذلك، إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته، وهذا ثابت لها حيث قال الزوج: فإن فعلت شيئا من ذلك فأمرها بيدها ويثبت لها الخيار أيضا.
ولو لم يقل الزوج إن فعل شيئا منها كما لو قال: فإن فعلت ذلك فأمرها بيدها على ما قاله محمد بن الفخار وغيره أن الحكم في ذلك سواء، وللمرأة أن تأخذ بشرطها إذا فعل واحدا من الجملة في الوجهين؛ لأن الحنث في الأيمان يقع بالبعض، قال محمد بن عمر: (١) وقد قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ إلى قوله: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾، ولم يقل ومن يفعل شيئا من ذلك، أليس (٢) أنه يستحق العقاب بفعل البعض كما يستحقه بفعل الجميع؟ كذلك يجب للمرأة الأخذ بشرطها، وتستحق ذلك بفعل أحد الضررين كما تستحقه بفعل الضررين جميعا.
ورد المص "بلو" قول محمد بن العطار وغيره من الموثقين: إنه إذا لم يقل الزوج ذلك فليس لها القيام بفعل الزوج بعض الشروط، وصوبه المتيطي وانتقد ذلك أبو عبد الله محمد بن الفخار وغيره، وقالوا: الحكم في ذلك سواء لأن الحنث في الأيمان يقع بالبعض، ونقل عن بعض الموثقين أنه قال إن كانت الشروط انعقد عليها النكاح فالحكم كما قال ابن الفخار، وإن طاع الزوج بها فالقول قوله مع يمينه. والله أعلم. قاله الحطاب.
стр. 4081
وقال عبد الباقي: يحتمل أن قوله: "ولو لم يقل" به تم الكلام، وقوله: "إن فعل" لخ شرط من المص في قوله: "لها الخيار" وبه صدر التتائي، وحذف مقول القول وهو إن فعلت شيئا منها للعلم به من الشرط من قوله: "لها الخيار ببعض شروط"، ويحتمل أن قوله: "إن" لخ مقول القول أي لها الخيار ببعض شروط في صورتين، إحداهما: أن يذكرها معطوفة بالواو ثم يقول إن فعلت شيئا منها فأمرك بيدك، الثانية: أن يذكرها معطوفة بالواو من غير أن يقول إن فعلت شيئا منها كأن يقول متى تسريت عليك وتزوجت وأخرجتك من بلدك فأمرك بيدك، ومثل ذلك كتب الموثق أنه علق على نفسه شروطا عينها وجعل لها الخيار بها فإن لها الخيار ببعضها.
وما ذكره هنا موافق لقوله في اليمين: "وبالبعض"، ولكن ما هنا ضعيف، والمذهب أنه لا خيار لها في الشروط المتعاطفة بالواو حيث لم يقل إن فعلت شيئا منها إلا بوقوع الجميع منه كتعليق التعليق المشار إليه بقوله فيما يأتي: "وإن قال إن كلمت إن دخلت لم تطلق إلا بهما" وعليه القرافي بشرح التنقيح والوانوغي، وبه أفتى الناصر اللقاني قائلا: إذا أراد أن لا يلزمه شيء جمعها بالواو، ولا يقول إن فعلت شيئا ولا يفعل جميعها بل بعضها فقط، وظاهر كلام من ذكر علق لها ذلك بوثيقة عند مالكي أم لا، ومن تعليق التعليق ما إذا شرط عليه أنه إن تزوج عليها وثبت ذلك وحضرت وأبرأته من قدر كذا تكون طالقا فإنها لا تطلق إلا بجميع ذلك. انتهى. وقوله: ببعض شروط أي متعاطفة بالواو كما علم من التقرير، وأما المعطوفة بأو فلها الخيار ببعضها، قال: إن فعل شيئا منها أو لم يقل. انتهى.
وناقش الرهوني في أن المعتمد مقابل المص، وقال: إنه يجب التعويل على ما للمص، وكلام المص أيضا فيما إذا كان المعلق الخيار أوأمرها بيدها كما هو ظاهره فإن كان المعلق الطلاق أو العتق وقع بفعل بعضها من غير خيارها، ولو وكل الزوج من يعقد له فعقد له ونطق الوكيل بشروط من غير أن يوكله عليها وكتب الموثق الشروط بعد قوله عقد له وكيله في العقد المذكور ولم يذكر توكيله في الشروط ولا نطق الزوج بها لم يلزمه، فإن وكله على العقد والشروط فنطق الوكيل بها لزمت الزوج كذا يظهر. وهي واقعة حال. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وما قاله المص خلاف ما قاله المشدالي والوانوغي، وأفتى به الناصر اللقاني أنه ليس لها القيام إلا بجميع الشروط. انتهى.
стр. 4082
وهل تملك بالعقد النصف يعني أنه اختلف هل تملك الزوجة بالعقد عليها نصف الصداق وهو ظاهر المدونة وشهره جماعة وهذا القول هو الراجح والنصف الآخر باق على ملك الزوج وعليه فالوطء مكمل والطلاق محقق، ويتفرع عليه أن تكون الزيادة لهما والنقص عليهما ولهذا قال: فزيادته بعد العقد وقبل الطلاق كنتاج للحيوان وغلة له وللدور والأرضين وثمر الحائط، وعطفه على النتاج يفيد أن النتاج ليس بغلة وهو المشهور خلافا للسيوري القائل بأن الولد غلة ونقصانه كموت وتلف لهما راجع للزيادة؛ يعني أنه يتفرع على القول الراجح وهو أن المرأة تملك بالعقد النصف أن تكون الزيادة بينهما حيث طلقها قبل البناء؛ وعليهما عطف على قوله: "لهما" وهما خبر عن المعطوف والمعطوف عليه على اللف والنشر المرتب، والمعنى أن النقص يكون عليهما حيث طلق قبل البناء، ولذا قال ابن عاشر: صوابه (١) وضع هذه المسائل بعد قوله: وتشطر لخ، وهذا إذا انتفت التهمة بكون الصداق مما لا يغاب عليه أو قامت بينة على التلف وإلا فمن الذي بيده أولا تملك بالعقد شيئا وهذا هو المشهور عن ابن شاس وابن رشد، (٢) وعليه فزيادته له ونقصه عليه فإذا طلق وقد تلف فإنه يدفع لها قيمة نصفه، وإن زاد فالزيادة له. قاله الشارح.
وقال: ولما كان تشهير ابن شاس وغيره مخالفا لظاهر المدونة ساق الشيخ المسألة على ما هي عليه جريا على قاعدته وشهر جماعة مذهب المدونة. ابن عبد السلام: وقد اضطرب المذهب فيها اضطرابا يعسر معه تمييز المشهور. انتهى.
خلاف مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف، وقد مر أن الراجح الأول تبعا للشبراخيتي ومحمد بن الحسن: ويحتمل أن معنى قول المص "أولا" أو لا تملك بالعقد النصف بل تملك الجميع بالعقد وعليه فالزيادة لها ونقصانه عليها فهذه ثلاثة أقوال، والراجح الأول. والله سبحانه أعلم. والقول الثالث لعبد الملك. قاله الشبراخيتي. وقال محمد بن الحسن: الذي يدل عليه كلامهم أن قوله: "فزيادته" الخ إنما محله إذا وقع الطلاق قبل البناء، ولذا قال ابن عاشر: صوابه (٣) وضع هذه المسائل بعد قوله: "وتشطر" لخ كما صنع ابن الحاجب، وأما إن فسخ قبله فالزيادة
стр. 4083
والنقصان للزوج وعليه، وإن دخل بها أو وقع موت فهما للزوجة وعليها، والحاصل أنه في التلف حيث انتفت التهمة بكونه مما لا يغاب عليه أو قامت بينة على التلف فالضمان ممن هو له أيا كان وكذا حكم الزيادة وهذا هو المشهور، وأما ما بنوه على القول الثاني والثالث فضعيف، وقد ذكر المص حكم الضمان هنا في مواضع ومحصله ما ذكرناه وفي كلامه تكرار. والله أعلم.
وقوله: "كنتاج" لخ ظاهره كابن الحاجب أن الولد كالغلة يأتي فيه التفريع المذكور وليس كذلك، بل الولد حكمه حكم الصداق على كل قول؛ لأن الولد ليس بغلة، وصنيع ابن عرفة يدل على ذلك؛ لأنه حكم بأن الولد كالمهر ثم ذكر الخلاف في الغلة والبناء فيها على القولين وكذا صنيع المدونة، وفي التوضيح أن كون الولد ليس بغلة هو المشهور في المذهب، وقد نص في المدونة على أن ولد الأمة ونسل الحيوان يكون في الطلاق بينهما. انتهى. وما قدمته من أن الغلة تكون للزوج على القول بأنها لا تملك بالعقد شيئا تبعت فيه الشارح وغيره، واعترضه الرماصي قائلا: لم أر من فرع على أنها لا تملك شيئا أن الغلة تكون للزوج، وإنما فرعوا حكم الغلة على القولين الأخيرين فقط أنها تملك بالعقد الجميع أو النصف. انتهى.
وعليها نصف قيمة الموهوب والمعتق يومهما يعني أنها لو أعتقت عبدا من الصداق ثم إنه طلقها قبل البناء فإنه يكون عليها نصف قيمته يوم أعتقته، وكذا لو وهبت مقوما من الصداق ثم طلقها قبل البناء فإنه يرجع عليها بنصف قيمته يوم الهبة؛ لأن يوم العتق والهبة هو يوم الإتلاف وهذا بناء على أنها تملك بالعقد النصف وهو الراجح كما تقدم وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقيل عليها نصف قيمتهما يوم القبض بناء على أنها تملك بالعقد الجميع.
واعلم أن القيمة تتعين في ذوات القيم والمثل في ذوات الأمثال، فإذا وهبته أو أعتقته أو دبرته أو تصدقت به أو أعتقته إلى أجل أو أخدمته إلى غير ذلك مما هو مثل ما ذكر فعليها نصف قيمته يوم فعلت هذه الأفعال وكان عليها نصف قيمة الموهوب ونحوه، ولم يكن عليها قيمة نصفه لأنه تبين بطلاقه أنها تصرفت في غير ملكها فشدد عليها لأن قيمة النصف قد تكون أقل من نصف قيمة الجميع.
اللخمي: للزوجة التصرف في مهرها بالبيع والهبة والصدقة اتفاقا. انتهى. قاله الحطاب.
стр. 4084
وبما قررت علم أن الضمير في قوله يومهما عائد على العتق والهبة ونصف الثمن في البيع يعني أن الزوجة إذا باعت الصداق أو شيئا منه ثم طلقها الزوج قبل البناء، فإنه يكون عليها نصف الثمن للزوج إن باعته بغير محاباة وإلا رجع عليها بنصف المحاباة مع مضي البيع في المسألتين وإن لم يفت البيع ولا يرجع في عين البيع. قاله غير واحد.
ولا يرد العتق يعني أن المرأة إذا أعتقت رقيق الصداق ثم طلقها الزوج قبل البناء فإن عتقها لا يرد موسرة أو معسرة؛ لأنها إن كانت موسرة يوم العتق لم يكن للزوج كلام، وإن كانت معسرة يوم العتق وقد علم الزوج فتركه ذلك رضا قاله في المدونة. واستثنى من ذلك قوله: إلا أن يرده الزوج لعسرها يوم العتق يعني أن ما تقدم من أن عتقها لرقيق الصداق لا يرد محله ما لم تكن المرأة معسرة يوم العتق، وأما إن كانت معسرة يوم العتق فإن للزوج أن يرده قبل الطلاق، وأما بعد الطلاق فقال اللخمي: وإن لم يعلم الزوج حتى طلقها وهي الآن معسرة وكانت يوم الهبة والعتق موسرة مضى، وإن كانت معسرة ذلك اليوم إلى اليوم كان له أن يرد هبتها وعتقها هذا هو المعروف.
قال الحطاب: قال في المدونة: وإن كان عبدا فأعتقته غرمت نصف قيمته يوم العتق ولا يرد العتق موسرة كانت أو معسرة؛ لأنها إن كانت موسرة يوم أعتقت لم يكن للزوج كلام، وإن كانت معسرة يوم العتق وقد علم الزوج فتركه ذلك رضا، ولو قام حينئذ رده إن شاء إن زاد على ثلثها ولم يعتق منه شيء. قال أبو الحسن الصغير: اللخمي: وإن لم يعلم الزوج حتى طلقها وهي الآن معسرة وكانت يوم العتق والهبة موسرة مضى، وإن كانت معسرة ذلك اليوم إلى اليوم كان له أن يرد هبتها وعتقها، وهذا هو المعروف من قوله وهو مبني على أن النصف مترقب، وأما على القول بأنه من العقد وجب جميعه فلا رد له ولا مقال؛ لأن مقاله كان قبل الطلاق لحقه في مال الزوجة فزال بالطلاق، وصار حقه من أجل الدين وهو [طارئ (١)] بعد الطلاق. انتهى. والظاهر أن مراده بقوله: كان له أن يرد على المعروف أي يرد النصف من ذلك وهو ظاهر، وعلى هذا فقول المص:
стр. 4085
"يوم العتق" متعلق "بعسرها" يعني أن تكون يوم العتق معسرة يريد أو كان العبد أكثر من ثلثها، فإن الزوج له رد العتق في جميعه كما سيأتي في باب الحجر.
قال المص: "وله رد الجميع إن تبرعت بزائد"، فإذا رد الزوج العتق فلا يعتق من العبد شيء، وكذلك لو كان العبد غير صداق وكان أكثر من ثلثها، ويفهم ذلك من التوضيح وليس هذا الحكم خاصا بالعتق بل وكذلك الهبة والصدقة، وأما وقت الرد فلم يفهم من كلامه ونقول يريد ما لم يعلم به ويسكت. والله أعلم انتهى.
وقال محمد بن الحسن عند قوله: "لعسرها": أي قبل الطلاق وله أيضا بعد الطلاق أن يرد عتقها إن لم يعلم به حتى طلقها وكانت معسرة يوم العتق واستمر عسرها إلى يوم الطلاق هذا هو المعروف عند اللخمي. انظر الحطاب. وقال الشبراخيتي: إن قوله "يوم العتق"، متعلق "بعسرها"، قال: ولا عبرة بملائها ولا عدمها قبله يعني يوم العتق، ومحل رده ما لم يعلم وسكت، فإن لم يعلم حتى طلق فلا رد له إلا أن يستمر عسرها من يوم العتق إلى يوم الطلاق فله رد نصفه. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "إلا أن يرده الزوج لعسرها يوم العتق" ما نصه: وإذا رد عتقها لعسرها بقي النصف على ملكها، وقد علمت مما مر أن مثل العسر يوم العتق ما إذا كان العبد أكثر من ثلثها يوم العتق، وحينئذ فالمراد بعسرها أن يكون العبد مثلا أكثر من ثلثها. والله سبحانه أعلم.
ثم إن طلقها عتق النصف يعني أن الزوج إذا رد عتق الرقيق لأجل عسر المرأة يوم العتق أي لكونه أكثر من ثلثها يبقى على ملكها، ثم بعد ذلك إن طلقها الزوج قبل البناء وبعد أن رد عتق العبد فإن النصف الذي وجب للمرأة بالطلاق يعتق؛ لأن المانع من العتق حق الزوج وقد زال، ومعنى يعتق أنها تؤمر بعتقه أي بعتق ذلك النصف، بدليل قوله: بلا قضاء، وليس معنى قوله: "عتق" أنه صار حرا بنفس الطلاق كما عرفت، بل معناه أنها تؤمر بعتقه فإن أعتقته فالأمر واضح وإن لم تعتقه لم يحكم عليها بعتقه بل يبقى عبدا، وإنما أمرت بالعتق لأن رد الزوج رد إيقاف وإنما لم يقض عليها بذلك لعسرها يوم العتق، ورد الحاكم لعتق الدين رد إيقاف، وأما رد الولي لأفعال المحجور فإبطال باتفاق، وقيل: إن رد الزوج رد إبطال وعليه فلا يعتق من العبد شيء وهو مذهب أشهب، وإذا رد العتق مع تشوف الشارع للحرية فأحرى الصدقة والهبة ونحوهما، والرد
стр. 4086
في ذلك رد إبطال فإذا طلقها لا يلزمه إخراجه بل يبقى نصفه ملكا لها، كما أنه أي الموهوب ونحوه يبقى ملكا لها إذا مات قبل أن يطلقها.
وعلم من قول المص: "عتق النصف" أنه لم يبن بها، وأما لو بني بها فإنه إذا طلقها بعد أن رد العتق أو مات بعد ذلك عتق العبد كله عليها بلا قضاء، وقوله: "عتق النصف بلا قضاء" وإذا أجابت بالعتق فهل يكمل عليها الباقي أم لا محل نظر.
وتشطر يعني أن الصداق يتشطر على الزوج أي يلزمه أن يغرم للمرأة نصفه بالطلاق قبل المس إن كان لم يدفعه لها، ويكون لها النصف يبقى لها ملكا إن كان قد دفعه لها، لقوله : ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، ويأخذ النصف الآخر إن كان قائما، فإن أفاتته رجع عليها بقيمته في القوم ومثله في المثلي، وقوله: "وتشطر" بناء على أنها تملك بالعقد الجميع أو لا تملك شيئا، وكذا على أنها تملك به النصف، ويراد بالتشطر تمييزه عن النصف الثاني.
ومزيد بعد العقد يعني أن الرجل إذا زاد المرأة شيئا بعد عقد النكاح على ما أصدقها به قبل ذلك والحال أنه زاده لها على أنه من الصداق، فإن حكمه حكم الصداق في بعض الوجوه يتشطر بالطلاق قبل المس، ويتكمل بالبناء لأنه ما زاده إلا على حكم الصداق فيتشطر، سواء كان من جنس الصداق أم لا، اتصف بصفاته حلولا وتأجيلا أم لا، قبضته المرأة أم لا، فأجروه في بعض الوجوه مجرى الصداق كما رأيت، وفي بعضها لم يجروه مجرى الصداق وهو ما إذا مات الزوج أو فلس قبل قبضه فحكموا له بحكم العطية فيبطل كما يأتي فلا ترجع به الزوجة، وفهم من قوله: "بعد العقد" أن ما زيد قبل العقد أو حينه صداق أي من كل الوجوه، وقوله: "وتشطر ومزيد بعد العقد" هذا في النكاح الصحيح وفي الفاسد لعقده إذا لم يؤثر خللا في الصداق، كنكاح المحرم والنكاح بلا ولي، فهذا كالصحيح كما تقدم عند قوله: "وموت واحد" عن نوازل ابن رشد، وأعاده الزرقاني عند قوله: "وضمانه إن هلك ببينة". قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الإمام الحطاب: قال البرزلي في مسائل النكاح: سئل اللخمي عمن يزيد في صداق زوجته هل ينتفع بذلك عند موت أو فراق أو فلس أو رجوع عن هبة؟ فأجاب: الزيادة لازمة للزوج ليس له رجوع
стр. 4087
عنها ولها أخذه بذلك ما لم يقع فلس أو موت فتبطل لكونها هبة لم تقبض، قلت: ويتخرج على القول بأن الهبة جائزة غير لازمة أن له الرجوع فيها متى أحب، وعلى مذهب آخر أنها كالبيع فلا تبطل مطلقا وأحفظ هذا خارجا عن المذهب حكاه في القبس. انتهى. كلام الحطاب. ولابن عاصم ﵀:
وزائد في المهر بعد العقد لا … يسقط مما زاده إن دخلا
ونصفة يحل بالطلاق … من قبل الابتناء كالصداق
وموتة للمنع منه مقتض … فإنه كهبة لم تقبض
ونحوه في المدونة والمقدمات وابن الحاجب، وقوله: "ومزيد بعد العقد" قال الشارح: وهو المشهور، وفي الجلاب: القياس عندي أن تجب لها الزيادة ونحوه للأبهري وغيره من العراقيين. وهدية اشترطت لها أو لوليها قبله يعني أن الهدية إذا اشترطت قبل العقد أو فيه فإنها تتشطر بالطلاق قبل المس، سواء اشترطت للمرأة أو لوليها أو لغيرهما، وكذا ما أهدي قبل العقد من غير شرط أو فيه لأنها مشترطة حكما، والشرط إنما يكون قبل تمام العقد وما كان بعد تمامه فهو متطوع به، وأما ما أهدي بعد العقد لغيرها فلا يتشطر، ويكون لمن أهدي له لخبر أبي داوود: (أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة، فما كان منها قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته وأخته (١)).
فتحصل أن الهدية على تسعة أقسام: لأن الهدية إما لها أو لوليها أو لغيرهما، وفي كل إما أن تقع قبل العقد أو فيه أو بعده، فإن وقعت قبل العقد أو فيه فحكمها حكم الصداق تتشطر بالطلاق قبل المس وتتكمل بعد البناء وهي للمرأة مطلقا، كانت لها أو للولي أو لغيرهما، فهذه
стр. 4088
ستة أقسام وإن وقعت بعد العقد فهي لمن أعطيها من ولي أو غيره للخبر المار، وإذا كانت لها فهل تتشطر بالطلاق قبل المس أم لا؟ سيأتي حكمها في قول المص: "وفي تشطر هدية بعد العقد وقبل البناء"، وما بعد العقد لا يقال له مشترط وهذا إذا نص عليها، وأما إن لم يكن إلا مجرد العرف فهو قوله: وفي القضاء بما يهدى عرفا قولان، ويأتي الكلام على الهدية إذا حصل فسخ إن شاء الله.
وقوله: "ومزيد بعد العقد" أي مزيد للمرأة كما مر، أما ما زيد بعد العقد لغيرها فهو لمن زيد له ولا يتشطر كما يفهم من مسألة الهدية، وقوله: "قبله" أي قبل تمام العقد، فيصدق بما قبله وفيه لأنها لأجل النكاح والهبة لأجل النكاح أو البيع داخلة في حكم الصداق والثمن. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: وأما ما أهدي للولي بعد العقد فهو له ولو فسخ النكاح ولا تشطر، وكذلك ما أهدي له بعد الدخول.
ولها أخذه منه يعني أن لها أخذ الشطر من الزوج أي شطر الصداق وشطر المزيد بعد العقد على أنه من الصداق وشطر هدية اشترطت لها أو لوليها أو غيرهما قبل العقد، وما قررته به من أن الضمير في قوله: "منه" عائد على الزوج. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "منه": أي ممن هو في جهته وهو الزوج إن كان لم يدفعه والولي إن كان قبضه. اهـ.
بالطلاق قبل المسيس قوله: "بالطلاق" متعلق بتشطر والباء للسببية والظرف متعلق بالطلاق؛ يعني أن ما ذكر من مهر ومزيد وهدية اشترطت لخ يتشطر بالطلاق قبل الوطء أو ما يقوم مقامه كإقامة سنة.
وضمانه إن هلك ببينة أو كان مما لا يغاب عليه منهما يعني أن الزوج إذا طلق زوجته قبل البناء فإن الصداق إذا هلك يكون ضمانه منهما في ثلاثة أقسام: أحدها أن تقوم بينة على تلفه من غير تفريط ممن هو بيده منهما، كان بيدها أو بيده أو بيد أمين، كان مما يغاب عليه أم لا، وحينئذ فلا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء. ثانيها أن يكون مما لا يغاب عليه ولم تقم بينة على هلاكه وإذا كان الأمر كذلك فلا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء أيضا. ثالثها: أن يكون بيد أمين ولم تقم بينة على هلاكه ولا رجوع لأحدهما على الأخر بشيء أيضا.
стр. 4089
وموضوع المص كما علمت أن الصداق هلك وأن الزوج طلق قبل البناء، وقوله: "أو كان مما لا يغاب عليه" أي إذا لم يظهر كذب من هو بيده منهما. قاله الشبراخيتي. وإنما لم يضمن فيما مر لأن الضمان للتهمة وقد زالت بالبينة وعدم الغيبة؛ أي بكون الصداق مما لا يغاب عليه وكونه بيد أمين، وهل يحلف من كان بيده أنه ما فرط قال المص ينبغي أن يجرى على أيمان التهمة.
ثالثها: يحلف المتهم دون غيره. قاله الشبراخيتي. وقوله: "أو كان مما لا يغاب عليه" كالحيوان والشجر والأرض والدور ونحو ذلك وما يغاب عليه كالثياب والنقود ونحو ذلك. وإلا بأن كان الصداق مما يغاب عليه وهو بيد أحدهما ولم تقم بينة على هلاكه، فضمانه من الذي بيده من زوج أو زوجة، فإذا طلق قبل البناء وتلف بيدها رجع عليها بنصفه أي بقيمته إن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا، وإن كان بيده رجعت عليه كذلك، وإن فسخ قبل البناء ولو لغير فساد كاختيار المعتقة تحت عبد وكان بيدها رجع الزوج عليها بقيمة الصداق أو مثله، وإن تلف بيده بعد أن بني رجعت عليه بقيمته أو مثله للتهمة هنا لكونه مما يغاب عليه وهو بيد أحدهما ولم تقم بينة على هلاكه، فلم يجعلوه في هذا كالوديعة بل جعلوه كالعارية، وأما لو كان مما لا يغاب عليه أو كان مما يغاب عليه وقامت بينة على هلاكه، أو كان بيد أمين وتلف بعد البناء في هذه الثلاث فإن ضمانه يكون من الزوجة فقط لانتفاء التهمة، ويكون ضمانه أيضا من الزوج فقط فيما إذا فسخ قبل وقامت بينة على هلاكه أو كان بيد أمين أو كان مما لا يغاب عليه.
وقوله: "وضمانه إن ملك ببينة أو كان مما لا يغاب عليه" لخ، قال عبد الباقي: هو في النكاح الصحيح أو الفاسد لعقده إذا وجب فيه المسمى وطلق، فإذا وجب فيه صداق المثل أو كان فاسدا لصداقه فتقدم في قوله: "وضمنته بعد القبض إن فات". انتهى. وقال الشارح: وما ذكره المص من أن الضمان عليهما مع قيام البينة هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يضمنه من هو بيده منهما، وذكر ابن حارث قولين فيما إذا مات العبد بيد الزوجة ثم طلقها، أحدهما: قول أشهب وابن نافع أنه لا يرجع بشيء، والثاني وهو رواية أشهب أنه يرجع بنصف قيمته. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولهذه المسألة نظائر في التفرقة بين ما يغاب عليه وغيره الرهن والعارية والمبيع
стр. 4090
بخيار والمحبوسة للثمن والمصنوع بيد الصانع ونفقة المحضون عند الحاضنة والمقسوم من التركة بين الورثة ثم ينقض القسم لدين أو غلط، ونظمها التتائي فقال:
صداق ورهن والمعار ومثله … مبيع خيار ثم محبوسة الثمن
وقابض إنفاق لمحضونه وما … لنقض اقتسام في المواريث لا تهن
وضف صانعا إن يدعي كل واحد … هلاكا فخذ واحفض سلمت مدا الزمن
فيضمن منها ما يغاب عليه لا … سواه إذا الإتلاف يحصل فاعلمن
وزاد في الشرح مسألة المغصوب وذيلها بقوله:
ومغصوب أن يشريه من غاصب له … ويجهل ذا ضفها له فتكملن
وتعين (١) ما اشترته من الزوج يعني أن الزوج إذا أصدق زوجته عينا فاشترت منه بها شيئا يصلح أن يكون جهازا لها أم لا، فإنه يتعين للتشطر ما اشترته منه نما أو نقص لا الأصل الذي هو العين، فليس له أن يطلب نصف الأصل ولا لها هي أن تجبره على نصف الأصل، وإنما يجوز بتراضيهما، قال في المتيطية: وإن اشترت بالصداق ما لا يصلح لجهازها وطلق قبل البناء رجع بنصف العين عليها ولم يكن له في المتاع شيء، إلا أن تكون ابتاعت ذلك من الزوج أو من غيره بإذنه فيكون حكمه حكم ما يصلح لجهازها، ويأخذ نصفه ولا يكون له سواه. قاله في المدونة. وهو بمنزلة ما أصدقها إياه.
قال الشيخ أبو عمران: يعني أنها بينت للزوج أنها تشتري ذلك بالصداق، قال بعض الموثقين: وقول أبي عمران هذا جيد إذا قبضت صداقها وافترقا من المجلس، ولو اشترت ذلك منه في
стр. 4091
المجلس لما احتيج إلى بيان أن ذلك من الصداق. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وما اشترته من الزوج صادق بصورتين، إحداهما أن يدفع لها العين أو يعينها لها فتشتري منه بها شيئا، ثانيتهما أن تكون العين المجعولة صداقا في ذمته فتأخذ من الزوج متاعا بدلها، بدليل قوله: وهل مطلقا يعني أن ما ذكره من تشطر ما اشترته من الزوج هو مذهب المدونة، واختلف الشيوخ هل تحمل المدونة على إطلاقها فيتعين تشطر ما اشترته من الزوج مطلقا ولا يجوز تشطر الأصل إلا برضى الزوجين، ومعنى مطلقا سواء قصدت المرأة التخفيف على الزوج حيث لم تلزمه العين السماة فاكتفت منه بالمتاع الذي دفعه لها بدلها أو قصدت الرغبة فيما اشترته منه بالعين التي أصدقها.
وعليه الأكثر يعني أن هذا التأويل الذي هو حمل المدونة على إطلاقها هو الذي عليه الأكثر من الشيوخ. أو إن قصدت التخفيف يعني أن من الشيوخ من قيد المدونة بما إذا قصدت المرأة بالشراء من الزوج التخفيف على الزوج بعدم إلزامه العين المسماة للصداق، وأما إن قصدت الرغبة في المشتري بفتح الراء فيتعين تشطر الأصل وهذا التأويل للقاضي إسماعيل وهي محمولة على التخفيف مع جهل الحال عند القاضي إسماعيل.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان جاريان فيما اشترته من الزوج يصلح أن يكون جهازا لها أم لا، كما يدل له ما في المواق ونحوه لعبد الباقي، وفي التوضيح كالحطاب ما هو ظاهر في أن محل التأويلين فيما لا يصلح أن يكون جهازا، وأما ما هو كذلك فلا ترجع إلا بنصفة لا بنصف الأصل، وقال عبد الباقي عند قول المص "تأويلان": فإنهما جاريان فيما اشترته منه يصلح لجهازها أم لا، وقصره التتائي وأحمد والشيخ سالم تبعا للشارح على ما لا يصلح لجهازها لدفع تكراره مع ما بعد، وسيأتي عن البساطي دفعه بنحو ما قررناه، وثمرة تشطير الجهاز أنه ليس للزوج طلبها بتشطير الأصل ولا لها جبره على دفع شطر النقد، وإن تراضيا على شيء من هذين عمل به هذا هو الموافق لكلام المص وهي محمولة على التخفيف مع جهل الحال عند إسماعيل القاضي والمتيطي، وعلى عدم قصده عند ابن شاس. انتهى.
стр. 4092
وقوله: وقصره التتائي وأحمد لخ، قال محمد بن الحسن: ما قصره عليه هؤلاء هو الذي يدل عليه كلام ابن الحاجب الذي ينسج المص على منواله غالبا، ونصه: ويتعين ما اشترته من الزوج به من عبد أو دار أو غيره نما أو نقص أو تلف وكأنه أصدقها إياه، ولذلك لم يكن لها أن تعطيه نصف الأصل إلا برضاه بخلاف غيره، وكذلك ما اشترته منه أو من غيره من جهاز مثلها. انتهى. فشرح في التوضيح الأول بقوله يعني إذا أصدقها عينا فاشترت من الزوج شيئا لا يصلح لجهازها من عبد أو دار أو غيره لخ، ثم ذكر التأويلين وقال في الثاني: وأما إذا اشترت ما يصلح للجهاز فلا فرق بين الزوج وغيره فلا يرجع إلا بنصفه لأنها مجبورة على شراء ذلك. انتهى. فهو ظاهر في أن محل التأويلين ما اشتري منه مما لا يصلح للجهاز فقط، وبنحوه شرح الحطاب فهو الذي ينبغي في كلام المص لكن في المواق ما يوافق مختار الزرقاني. انتهى.
وقوله: "تأويلان" قال محمد بن الحسن: هذا التأويل الثاني للقاضي إسماعيل ورجحه ابن عبد السلام. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكلام القاضي حسن وتأويل الأكثر بعيد جدا كما قاله ابن عبد السلام. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: الأول تأويل الأكثر كما ذكره، والثاني تأويل القاضي إسماعيل ورجحه ابن عبد السلام. انتهى. ونحوه للشارح. وقوله: "وما اشترته من الزوج" هو مذهب المدونة، وقال عبد الملك: إذا طلقها قبل البناء يرجع بنصف الأصل. ابن عبد السلام: والأصل قول عبد الملك. قاله الشارح.
وما اشترته من جهازها يعني أنه يتعين تشطير ما اشترته المرأة من غير الزوج مما يصلح أن يكون جهازا لها، "ومن" في قوله: "من جهازها تبيين لما، وبالغ على تعين ما اشترته من الجهاز للتشطر بقوله: وإن من غيره الضمير يرجع للصداق، ومن بمعنى الباء. قاله عبد الباقي؛ يعني أنه يتعين للتشطر ما اشترته من غير الزوج، وهو يصلح أن يكون جهازا وإن كانت اشترته بغير الصداق، وإن جعلت إن للمبالغة وجعل الضعير للزوج يتكرر ما قبل المبالغة مع المسألة التي قبل هذه، وحينئذ فلا تكون وإن للمبالغة بل تكون للحال؛ إذ بجعلها للحال يندفع التكرار أي يتعين للتشطر ما اشترته من جهازها، والحال أنها اشترته من غير الزوج، وأما ما اشترته من الزوج فهو قوله: "وما اشترته من الزوج".
стр. 4093
والحاصل أن ما اشترته مما يكون جهازا يتعين للتشطر ولا فرق فيه بين شرائه من الزوج أو من غيره، ويفترقان فيما اشترته بالصداق ولا يصلح أن يكون جهازا فيتشطر إن اشترته من الزوج، فإن كان من غيره تشطر الأصل، وقال الشارح عند قوله: "وما اشترته من جهازها وإن من غيره": أي وكذا يتعين ما اشترته بالصداق مما يتجهز به مثلها، فإذا طلقها قبل البناء فليس لها إلا نصفه، وسواء كان الشراء منه أو من غيره لأنها مجبرة على شرائه، وقيد اللخمي هذا بما إذا لم يكن بها أحد العيوب الأربعة، فإن كان بها ذلك فإنه إذا طلقها أو ردها يرجع بنصف العين لأنها متعدية في الشراء، كما إذا اشترت به من غير الزوج ما لا يصلح لجهازها من عبد أو دار ونحوهما. انتهى.
وفهم من قوله: متعدية أنها تضمنه وإن هلك ببينة، كما قال الشبراخيتي: قال: فإذا أحب الزوج أخذ نصف ما اشترته أو ضمنها ما قبضته، ولم يعتبر المص تقييده، وقال الشبراخيتي عند قوله: "وإن من غيره": الواو للحال أو أن ضمير غيره للصداق، ويتصور ذلك فيما إذا اشترط عليها جهازا زائدا على مهرها أو جرى العرف به وأبقت مهرها بيدها واشترت بمثله. انتهى. وسقط الزيد فقط بالموت يعني أنه لو تزوجها وسمى لها ثم بعد عقد النكاح زادها شيئا على أنه من الصداق ومات قبل أن يبني بها وقبل أن تقبض ما زادها، فإن ذلك المزيد يسقط بموت الزوج وكذا بفلسه الحاصل قبل ما ذكر، وسقط المزيد بما ذكر، ولو أشهد الزوج عليه لأنه عطية لم تقبض إلى حصول المانع، والإشهاد الكافي في الهبة في غير هذا إنما هو إذا استصحبها قاصدا دفعها أو أرسلها وليس هذا من ذلك، ولو ماتت الزوجة فالجاري على ما في الهبة أنها تامة، سواء أشهد الزوج أم لا لحصول القبول قبل الموت، وليست كمسألة الهبة المشار إليها بقوله: "أو استصحب هدية أو أرسلها ثم مات" أو المعينة له إن لم يشهد لأنها لم يحصل فيها قبول من الموهوب له بل قبوله محتمل، واحترز بقوله: "فقط" عن المشترط في العقد من الهدية فإنها لا تسقط بالموت بل تتكمل به أو بالدخول فلها حكم الصداق من كل وجه قاله في التوضيح والشارح في الكبير. قاله الحطاب.
стр. 4094
وبما قررت علم أن "أل" في قوله "المزيد" للعهد أي المزيد المتقدم وهو المزيد بعد العقد على أنه من الصداق. انظر الشبراخيتي. وقال الشارح عند قوله: "وسقط المزيد فقط بالموت" أي إذا زاد في صداق زوجته شيئا بعد العقد ثم مات الزوج يريد أو فلس فإنه يسقط لأنه عطية لم تقبض وهو المشهور، وفي الجلاب: والقياس عندي أن تجب لها الزيادة ونحوه للأبهري وقد تقدم. انتهى.
وفي تشطر هدية بعد العقد وقبل البناء يعني أن الزوج إذا تطوع لزوجته بهدية بعد العقد ثم طلقها قبل البناء والنكاح صحيح، فإنه اختلف هل يرجع عليها بنصفها وهو لمالك وهذا القول لا يفرق بين القيام والفوات وإن طلق بعد البناء فلا شيء له منها ولو قائمة. أو لا شيء له يعني أن من العلماء من ذهب إلى خلاف هذا فلا شيء له من هديته فلا يرجع فيها، وإن كانت قائمة طلق قبل البناء أو بعده؛ لأنه طلق باختياره ولو شاء لم يفعل فلا شيء له مما أعطى، وهي رواية ابن نافع عن مالك وبها قال ابن القاسم قيل وهو ظاهر المذهب. قاله الشارح. واقتصر عليه ابن رشد ولم يحك فيه خلافا.
وإن لم تفت أي لا شيء له من هديته الكائنة بعد العقد وإن لم تفت بأن كانت قائمة.
فرع: لو خطب شخص امرأة ودفع لها الصداق قبل العقد فتجهزت به ثم لم يحصل عقد لمنازعتهما: فالظاهر أنه يرجع بما اشترته إن أذن لها أو علم أو جرى به عرف، وإن انتفى ذلك رجع بالنقد. قاله الشيخ عبد الباقي.
وعلم مما قررت أنه إذا طلقها بعد البناء فلا شيء له فيها، وإن كانت قائمة على كلتا الروايتين. إلا أن يفسخ قبل البناء فيأخذ القائم منها الاستثناء منقطع؛ يعني أن الزوج إذا أهدى لزوجته هدية بعد عقد النكاح وقبل أن يبني بها، ثم فسخ النكاح المذكور لفساد فإنه يرجع على المرأة بالقائم من هديته دون الفائت منها فلا يرجع به، وأما إن لم يفسخ النكاح المذكور إلا بعد البناء فإنه لا يكون له شيء منها، وإلى ذلك أشار المص بقوله: لا إن فسخ بعده أي بعد البناء، وإنما لم يكن له شيء من هديته حيث فسخ النكاح المذكور بعد البناء؛ لأن الذي أهدى لأجله قد حصل والفسخ كطلاق حادث، قال الإمام الحطاب: الذي حصله ابن رشد في هذه المسألة في ثاني مسألة
стр. 4095
من سماع أصبغ من كتاب النكاح أن من أهدى (١) لامرأته هدية قبل البناء ثم طلقها قبله أو بعده فلا رجوع له في هديته، وإن كانت قائمة لأنه طلق باختياره ولو شاء لم يفعل فلا شيء له فيما أعطى ولم يحك في ذلك خلافا، وأما من لم يجد النفقة فطلق عليه، فقال في السماع المذكور: لا يرجع، قال ابن رشد: وهو على أصله في أن ذلك طلاق يجب للمرأة فيه نصف الصداق، قال: وهو على قول ابن نافع الذي لا يرى للمرأة في ذلك شيئا ويرى الطلاق فيه، كفرقة الجنون والجذام يكون له أن يرجع في هديته إن كانت قائمة.
وأما إن فسخ النكاح قبل البناء فإنه يرجع في هديته إن كانت قائمة ولو كان النكاح مما يثبت بعد البناء؛ لأن ما أهدى له قد بطل كما قال سحنون في جامع البيوع فيمن وضع من ثمن سلعة باعها بسبب خوف المبتاع تلفها أو خسارته فيها فسلم من ذلك أن له الرجوع بما وضع، ومثل سماع يحيى في الأيمان (٢) بالطلاق فيمن يؤخر في الحق بسبب فلا يتم له السبب، ولابن القاسم في الدمياطية لا يرجع بها ولو كان النكاح صحيحا فيجد في الزوجة عيبا يجب له به ردها فردها به قبل البناء لكان له الرجوع في هديته، على ما في الصرف من المدونة في الهبة لأجل البيع أنه إذا رد السلعة لعيب رد الهبة أيضا خلافا لسحنون في قوله: لا يرجع بالهبة، قال: ولا اختلاف في أنه إذا فسخ النكاح بعد البناء أنه لا شيء له في الهدية وإن كانت قائمة إلا أن تكون الهدية بعد الدخول والفسخ بحدثان ذلك فله أخذها، وأما إن طال الزمن بعد السنتين أو السنين قبل الفسخ ثم فسخ فلا شيء له، وهذا كله في الهدية التي يتطوع بها الزوج من غير شرط ولا جرى في عرف. (٣)
وأما المشترطة فحكمها حكم الصداق في جميع الأحوال والتي جرى بها العرف أجراها ابن حبيب على القول بوجوب القضاء بها مجرى الصداق يرجع بنصفها في الطلاق، فعلى قوله: إن طلق قبل أن يدفعها يلزمه نصفها وأبطلها مالك عن الزوج في الموت والطلاق، وعلى القول بأنه لا
стр. 4096
يحكم بها حكمها حكم التي يتطوع بها من غير شرط. انتهى. وقال في الشامل: ولا يرجع بشطر هدية طاع بها بعده يعني بعد العقد ولو كانت قائمة على الأصح. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وتشطر بالطلاق قبل المس كمزيد فيه بعد العقد وهدية اشترطت لها أو لغيرها قبل العقد؛ إذ الشرط إنما يكون قبل تمام العقد ولها أخذه منه إلا أن تجيزه رشيدة، وما أهدى للولي بعده له وإن فسخ وفي تشطر هدية لها بعد العقد أو لا شيء له ورجح لأن الطلاق باختياره قولان، وأخذ القائم منها ولو تغير إن فسخ قبل البناء، وأما بعد البناء فلا شيء له لأنه انتفع وقضى بالعرف في الهدية والوليمة وأجرة الماشطة على الأظهر في ذلك كله وأولى الشرط، وتعين للتشطير ما اشترته من جهازها أو من الزوج وإن لم تقصد التخفيف عند الأكثر واشترت الجهاز من غير الصداق. وقوله: روايتان فيما قبل "إلا"، ولابن عاصم ﵀:
وكل ما يرسله الزوج إلى … زوجته من الثياب والحلى
فإن يكن هدية سماها … فلا يسوغ أخذه إياها
إلا بفسخ قبل أن يبتنيا … فإنه مستخلص ما بقيا
وإن تكن عارية وأشهدا … من قبل سرا فله ما وجدا
ومدع إرسالها كي تحتسب … من مهرها الحلف عليه قد وجب
ثم لها الخيار في صرف وفي … إمساكها من الصداق فاعرف
ومدع الإرسال للثواب … شاهده العرف بلا ارتياب
قال الشيخ ميارة: يعني أن ما يرسله ويبعثه الزوج لزوجته قبل البناء من الثياب والحلى وغير ذلك ثم يقع الفراق بطلاق أو فسخ فهل يرجع الزوج بذلك أو تستبد به المرأة؟ في ذلك تفصيل، فإن سمى ذلك هدية فليس له ارتجاعه وكان للزوجة إلا إن فسخ النكاح بينهما قبل البناء بوجه من وجوه الفسخ فله حينئذ استخلاص ما بقي دون ما ضاع منها فلا تطالب به، وعلى هذا نبه
стр. 4097
بالأبيات الثلاثة الأول، وإن أشهد الزوج سرا بأن ذلك عارية للزوجة فله استرجاع ما وجد منها في الطلاق والفسخ وبقاء العصمة، وإن ادعى إرسالها لها لتحسب له من المهر حلف على ذلك، وكانت الزوجة مخيرة بين صرف ذلك للزوج ورده له أو تحبس ذلك وتحسبه من المهر كما زعم الزوج، وإن ادعى أن ذلك هبة للثواب رجع ذلك للعرف، فإن شهد له العرف صدق في دعواه وإلا فلا.
قال في النوادر: ومن العتبية روى عيسى وأصبغ عن ابن القاسم فيمن أهدى هدية لزوجته ثم طلق قبل البناء والهدية قائمة فلا شيء له فيها: ولو عثر على فساد النكاح ففسخ فما أدرك منها أخذه وما فات فلا شيء له فيه. قاله أصبغ. ولو طلق عليه لعدم النفقة وشبه هذا فهو كطوعه بالطلاق فلا شيء له فيه، وكذلك قال ابن حبيب: إذا أهدى ثم طلق قبل البناء، وفي النوادر: من كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن بعث إلى زوجته متاعا وحليا وأشهد أنه عارية ولم يعلم أولياؤها فذلك على ما أشهد، إن أدركه أخذه وإن تلف ولم تكن علمت بما أشهد حتى تقبله على العارية فلا ضمان عليها، وفي النوادر أيضا: من الواضحة: وما أهدى الناكح من حلي وثياب ثم أراد أن يحسب ذلك في الصداق فليس له ذلك إذا سماه هدية، وإن لم يسمه هديته حلف ما أرسله هدية وما بعثه إلا لينقصه من الصداق فذلك له، فإن شاءت الزوجة قاصته به أو ردته. قاله أصبغ. عن ابن القاسم. وقاله غيره من أصحاب مالك.
وفي المقرب قال مالك: وليس بين الرجل وامرأته ثواب في الهبة إلا أن يعلم أنها أرادت بذلك الثواب، مثل أن يكون الرجل الموسر تكون لامرأته الجارية الفارهة، فطلبها منها فتعطيه إياها لتستغزر عطيته، وكذلك الرجل فيما يهب لامرأته. وفي الوثائق المجموعة: فإن لم يسم هدية ولا أعلن بها وادعى أنه أرسل إليها ثيابا ليكافأ عليها فإنه ينظر إلى حال أهل البلد، فإن كان التعارف عندهم أن الرجال إنما يهدون إلى نسائهم ليكافئوا على ذلك كان القول قوله، فإن لم تكن في البلد سيرة بالمكافأة ولا ريء من الزوج أن ذلك كان منه على طلب المكافأة ولا ذكر وجها غير طلب المكافأة ولم ير في وقت الهدية ما يدل على إرادته التي ذكر لم يكن له فيها قيام. انتهى.
стр. 4098
وفي القضاء بما يهدى عرفا قولان مبتدأ وخبره قوله في القضاء؛ يعني أنه اختلف فيما جرى به العرف أن يهدى للزوجة بعد العقد وقبل البناء كالخفاف، هل يقضى على الزوج به وهو لابن عتاب أو لا يقضى على الزوج به وهو لابن القاسم؟ فعلى القضاء يتشطر بالطلاق ويتكمل بالموت وقيل يسقط بهما، وعلى القول بعدم القضاء فهي هدية لا بد فيها من الحوز وتكون كالهدية المتطوع بها بعد العقد، وأما ما يهدى عرفا في العقد أو قبله فكالصداق، وأما ما اشترط إهداؤه فيتفق على القضاء به، وقوله: "قولان" أجرى المص عليهما ما جرت العادة عندنا به بمصر في عيد الفطر والأضحى والمواسم، واستظهر القضاء بذلك لأن العرف كالشرط. قال الشيخ عبد الباقي: وإنما كان ذلك إجراء لا من عين ما فيه القولان لأنهما فيما يهدى من تعلقات العرس كالخفاف كما مر. انتهى. وقوله: "وفي القضاء بما يهدى عرفا قولان" في المواق: لو قال المص في هذه روايتان وفي التي قبلها قولان لكان أحسن.
فرع: ذكر ابن سلمون أنه يقضى على المرأة بكسوة الزوج إذا جرى بها عرف أو اشترطت، ونحوه نقله صاحب الفائق عن نوازل ابن رشد لكن قال في التحفة:
وشرط كسوة من المحظور … للزوج في العقد على المشهور
وعللوه بالجمع بين النكاح والبيع: وقال ابن الناظم في شرح التحفة: ما لابن سلمون خلاف المشهور لكن جرى به العمل. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ ميارة في شرح هذا البيت: يعني أن اشتراط الزوج على زوجته كسوة له في نفس عقد النكاح محظور وممنوع على مشهور المذهب؛ لأنه جمع بين النكاح والبيع وذلك ممنوع لافتراق أحكامهما؛ لأن البيع مبني على المكايسة وتجوز فيه الهبة والنكاح مبني على المكارمة ولا تجوز فيه الهبة فافترقا، فإذا جمعا لم يدر ما ينوب البضع ولا ما ينوب الكسوة مثلا مما أعطى الزوج، فآل ذلك إلى جهل بالصداق وبعوض الكسوة والجهل في ذلك ممنوع، وقيل في وجه المنع أيضا إن الكسوة قد تساوي ما أعطى الزوج فيخلو البضع عن الصداق والقائل بهذا يمنع من ذلك، ولو كان فيما أعطى الزوج
стр. 4099
فضل كثير على ما أعطت المرأة حماية للذرائع، فإن وقع ذلك فسخ قبل البناء وثبت بعده بصداق المثل. وفهم من قوله: "وشرط كسوة" أن ذلك يجوز طوعا بعد العقد، وللزوج يتعلق بشرط، قال الشارح: في وثائق ابن سلمون تقرير العمل بهذه المسألة وكأنه ارتكب فيها غير المشهور. والله أعلم. انتهى.
وصحح القضاء بالوليمة يعني أن بعض العلماء صحح أنه يقضى على الزوج بالوليمة وهو أبو الأصبغ بن سهل، فإنه قال: الصواب عندي أن يقضى بالوليمة على الزوج لقوله ﵊ لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة (١)). قاله الشارح. وقوله: "وصحح القضاء بالوليمة". أي حملا للأمر في الحديث على الوجوب، والراجح ندبها كما قال ابن القاسم ولا تلزمه الوليمة إن أبى، ودرج عليه المص في باب الوليمة حيث قال: "الوليمة مندوبة"، فابن القاسم حمل الأمر في الحديث على الندب فلذلك لم يلزمه الوليمة إن أبى، فإنه قال: يؤمر بها من غير قضاء. والله سبحانه أعلم.
دون أجرة الماشطة يعني أن أجرة ماشطة رأس المرأة لا يقضى على الزوج بها ومثلها ضارب الدف والكبر والحمام وثمن ورقة النكاح، فلا يقضى على الزوج بشيء من ذلك إلا لعرف أو شرط، وترجع عليه بنصف نفقة الثمرة يعني أن المرأة إذا أصدقها الرجل ثمرة ثم طلقها قبل البناء وبعد إنفاقها على الثمرة فإنها ترجع عليه بنصف نفقة الثمرة، والعبد يعني أن الزوج إذا أصدق زوجته عبدا ثم طلقها قبل البناء فإنها ترجع عليه بنصف نفقة العبد وهو كذلك يرجع عليها بنصف نفقة الثمرة والعبد حيث أنفق على ذلك، فالحاصل أن من أنفق منهما على الصداق ثم وقع الطلاق قبل البناء فإن النفق يرجع على من لم ينفق بنصف النفقة وهذا في النكاح الصحيح، وما يأتي من أن المرأة ترجع بجميع ما أنفقت إنما هو فيما فسخ قبل البناء، وقوله: "وترجع عليه بنصف" لخ بناء على أنها تملك بالعقد النصف وقد مر أنه المشهور، وأما على أنها تملك بالعقد الجميع فلا ترجع عليه بشيء لأنه لم يملك نصفه إلا يوم الطلاق، وأما على أنها لا تملك شيئا
стр. 4100
بالعقد فإنها ترجع بجميع النفقة لأنها لم تملك نصفه إلا يوم الطلاق، قال التتائي: وهل غلة العبد والأمة بينهما أو لها فقط قولان. انتهى. نقله عبد الباقي. وقال: لكن الأول واضح على أنها تملك بالعقد النصف، والثاني إنما يظهر على أنها تملك الجميع، وأما على أنها لا تملك شيئا فزيادته ونقصانه له وعليه إلى يوم الطلاق. انتهى. وقال الشارح عند قوله "وترجع عليه بنصف نفقة الثمرة والعبد": أي إذا أصدقها ثمرة أو عبدا فأنفقت عليهما ثم طلقها قبل البناء فإنها ترجع عليه بنصف النفقة؛ لأن نصف الصداق قد تبين بقاؤه على ملكه، وقال ابن المواز وابن حبيب: لا ترجع بشيء. ابن شاس (١): وقيل من أنفق يرجع منهما، وقال ابن المواز أيضا: إن كانت له غلة فالنفقة وإلا فلا رجوع لها على الزوج. انتهى.
وفي أجرة تعليم صنعة قولان يعني أن الزوج إذا أصدق زوجته رقيقا أو دابة ثم إنه طلقها قبل البناء وبعد أن استأجرت من يعلم الرقيق أو الدابة صنعة شرعية وارتفع بها ثمن ما ذكر، فإنه اختلف هل ترجع الزوجة عليه أي على الزوج بنصف ما استأجرت به على تعليم تلك الصنعة، أو لا ترجع به عليه على قولين؟ فالقول بالرجوع لمالك في المبسوط: والقول بعدمه حكاه اللخمي عن محمد، وحكاه ابن يونس عن مالك وابن القاسم، لا غير شرعية كضرب عود: ولا إن كانت هي المعلمة ولا إن لم يرتفع ثمنه بها، ومن الصنعة الكتابة، وخرج بصنعة ما إذا علمته علما أو حسابا أو قرآنا بأجرة فلا ترجع فإن هذه علوم لا صنعة، وينبغي جريانهما فيما إذا كان المعلم الزوج. قاله الشيخ عبد الباقي.
وفي الخرشي إدراج الكتابة في العلم لأنها من طرقه، وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد أن الراجح من القولين الرجوع، فإنه قال مشبها في الرجوع: كأجرة تعليم الصنعة المباحة المروجة في القيمة على الأظهر من القولين في الأصل. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "قولان": ومحلهما إذا كانت الصنعة شرعية لا كضرب عود وغناء ورقص. انتهى.