الشيخ محمد بن محمد لمين الفودي
الشيخ محمذ بن احميد الموسوي اليعقوبي
الشيخ حبيب الله بن حمود
الشيخة الصغرى بنت المسك التندغية
الشيخ محمد بن أبن عمر اليعقوبي الباركي
خامسا - مولد المؤلف واسمه ونسبه:
أ - مولده:
ولد الشيخ محمد بن محمد سالم (سنة ١٢٠٦ هـ) وقد أشار إلى ذلك بعض تلامذته بقوله:
محمد عقب ورشا وأقام … عاما وباقي قرنه وبعض عام (١)
وقيل ولد ١٢٠٢ هـ والأول أصح
ب - نسبه:
لقد بين نسبه في مقدمة كتابه: "اللوامع" الذي بين أيدينا فقال: "محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن محمد بن عمر أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يمغدش بن وديعة الله حن عبد الله بن أحمد بن يفت بن يدر بن إبراهيم المجلسي، العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي. (٢) وإبراهيم هذا يقال - والله تعالى أعلم - إنه من ولد عمر بن عبد العزيز".
وإذا كان هذا النسب من جهة أبيه؛ فإنه بيَن نسبه من جهة أمه فقال: "الحمد لله الذي تفضل علي بحسب حسيب، يقصر دونه حسيرا نسب النسيب، وفخر الأريب وتتناهى دونه محاسن البديع
_________
(١) بحساب الجمل ١٢٠٦.
(٢) هذه الأنساب الأربعة هي من جهة الأم؛ لانتمانها إلى: إدريس الأصغر، ثم الحسين السبط ثم فاطمة الزهراء كما هو مبين في نسبه من جهة الأم.
стр. 37
الغريب، فأمي مولاتنا السيدة/ حفصة بنت سيدنا ومولانا سيدي محمد بن سيدنا اكنابر بن محمد بن أبي عنكـ (كني ببنت له جميلة) بن أعمر (بضمتين) ابن أبي القبيلة المكرمة المشرفة المطهرة مولاي عامر أبي السباع الهامل الهداج بن حريز بن محرز بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن يوسف بن زيد بن عبد النعيم بن عبد الواسع بن عبد الدائم بن عمر بن زروق بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن عبد الرحمن بن سلام بن عزوز بن عبد الكريم بن خالد بن سعيد بن عبد الله بن زيد بن رحمون بن زكرياء بن عامر بن علي بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن إدريس الأصغر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسين السبط بن سيدتنا ومولاتنا فاطمة بنت سيد الأولين والآخرين عليه أفضل صلاة المصلين وأزكى سلام المسلمين".
سادسا - نشأته وبداية تلقيه العلم:
لقد نزح محمد سعيد جد محمد بن محمد سالم إلى جهة الشمال من موريتانيا عن بلد عشيرته "المدلش" في الجنوب، وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، ومعه رجال من أبناء عمومته فاستقر ببلدة "تِنيكي"" إبان ازدهارها، وتزوج من أهلها بالسيدة الدهيمه بنت الطالب اعلي الجكنية أخت الحاج المختار جد قبيلة (أهل الحاج المختار) الكريمة.
وبعد أن اندلعت الحرب هناك ذهب محمد سعيد بأسرته إلى مدينة وادان، ومعه الحاج المختار أخو زوجته التي أنجب منها أبناءه الثلاثة: محمد سالم وعمر وأحمد، وبعد وفاة محمد سعيد ودفنه بوادان، خرج محمد سالم بالأسرة متوجها إلى تيرس الغربية؛ فكانت هي المستقر ومنها يقع الانتجاع إلى الأماكن الأخرى طلبا للماء والكلأ.
وبعد جوار جمع بين الشيخ الفاضل سيدي محمد التشيتي والشيخ محمد سالم بأرض تيرس، نشأت عنه علاقة احترام وتقدير أديا إلى تزويج محمد سالم بالسيدة حفصة بنت الشيخ سيدي محمد المذكور؛ لتكون أما مربية ومعلمة كافلة لمحمد بن محمد سالم الذي توفي عنه والده وهو في السنة الرابعة من عمره، وكان أصغر إخوته وهم السادة: أحمدُ الذي أصبح عالما جليلا ماهرا بالقرآن وعلومه، وعيشة
стр. 38
البنبارية، ثم مريم، وفاطمة. تزوجت الأولى في بطن "المتغنبرين" من كنته الأكرمين: والأخيرتان في بطن "الأعمام" من بني يعقوب الأفاضل، وكان لهن حظ كبير من العلم.
وظلت حفصة تنتقل في رحاب حضرة أخيها الولي الصالح الشيخ محمد بن سيدي محمد، لتتمكن من تربية أبنائها على الوجه الأكمل وقد تحقق لها ذلك.
وقد تلقى محمد دراسته الأولية على يد والدته السيدة حفصة، فقد درس عليها القرآن وعلومه، وبعض مبادي علوم الشرع الأخرى، وهو في العقد الأول من عمره، لتؤهله للمكانة الراسخة التي تبوأها بعد ذلك.
سابعا - أساتذته وشيوخه:
تعتبر السيدة حفصة بنت سيدي محمد هي المعلمة الأولى لمحمد بن محمد سالم بالنسبة للمرحلة التي أكمل فيها القرآن وعلومه في سن مبكرة من عمره (١)؛ وقد كان سريع الفهم، قوي الذاكرة، مولعا بالمطالعة، مضرب المثل في القدرة على التعبير وفي الفصاحة والحفظ، فقد حفظ سبعة أحرف من القاموس المحيط للفيروزابادي، وقد ترك متابعة حفظه لما قال له بعضهم: إن حفظك للقاموس أقرب إلى الرياء (٢) وكان يقول بعد ذلك: "لا أعفو عمن تسبب لي في ترك حفظ القاموس". وكان يعتمد على نفسه في استخراج معاني "المختصر" من شرَّاحه.
ولم يزل كذلك معتمدا في تحصيله ودراسته على متابعة مطالعته الكتب دون الرجوع إلى شيخ؛ حتى قرأ في كتاب: "من أخذ الفقه من بطون الكتب غيَّر الأحكام ومن أخذ التصوف من بطون الكتب خرج عن دين الإسلام، ومن أخذ النحو من بطون الكتب لحن في الكلام … " (٣). فعلم أنه لا بد له من شيخ فخرج يبحث عن محضرة يتحقق له مقصوده فيها فمر ببعض المحاضر ولم يلبث بها كثيرا، وظل يتنقل إلى
_________
(١) تأليف بلاهي، م. س. ذ.
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
стр. 39
أن أناخ راحلته بين المغرب والعشاء بمحضرة العلامة الشيخ حامد بن أعمر البارتيلي (١) بموضع يسمى "الكلَيْتَاتْ" إلى الشمال الشرقي من مدينة أَكجوجت، وأول ما درس عليه نظما يجمع مسائل تجب في العمر مرة، منها البسملة والحمدلة والهيللة والاستغفار والتسبيح والتكبير والتعوذ …
ثم كان الدرس الثاني هو: "أَقفَافُ" الشهادات الثمانية من مختصر الشيخ خليل والقفُّ هو مثل الثمن في القرآن الكريم ثم: "فصل الخيار" منه في الدرس الثالث، وتابع عليه الدراسة لفترات غير متوالية، ولم تتعدّ في مجملها نحو السنة، أكمل فيها مختصر الشيخ خليل. وقد قال هو عن دراسته هذه إنه "لم تزل بينه وبين مختصر الشيخ خليل ظلمة حتى درسه على شيخه حامد بن أعمر فكان.
شيخه في الفقه، كما أخذ عن العلامة أحمد بابُ الصديقي مسائل في الفقه أيضا. وقد أورده في سلسلة سنده التي سنتعرض لها قريبا.
وما من شك في أنه كان متبحرا في علوم أخرى كثيرة، ومؤلفاته الزاخرة بمختلف المعارف الشرعية، واللغوية خير شاهد على ذلك، غير أننا لم نقف له فيها على شيخ، إلا ما قيل من أنه مكث ليالي ثلاث بمحضرة العلامة أحمد محمود بن آبيه (٢).
ولعل كثرة المطالعة، والاتصال بالعلماء، ومذاكرتهم كانت من أسباب سعة علم الشيخ محمد بن محمد سالم، وكثرة اطلاعه، ووسع باعه، ولم تثن محمد بن محمد سالم صروف الدهر، ودواهيه عن متابعة الدراسة في محضرة شيخه العلامة حامد بن أعمر، فقد عانى الكثير من الصعاب؛ فكان يصل الليل بالنهار في طلب العلم، مبالغا في خدمة الشيخ.
وقد أصيبت إبل شيخه بداء "الجرب" وهو مرض يصيب الإبل، فكان يجمع لبن نبتة اليتوع - وهو من وسائل علاج هذا الداء - في يوم، ليباشر عملية الطلاء في اليوم الآخر، واستمر هكذا إلى أن برئت إبل شيخه من الجرب، ومع ذلك ظل يواظب على جمع الحطب يوميا لإيقاد النار، لكي يتمكن من
_________
(١) العلامة دب سالم بن حبيب الله بن محمد بن محمد سالم، منبر المكارم في مآثر آل محمد سالم، مخطوط.
(٢) بحث التخرج، ص ٢٤.
стр. 40
مواصلة الدراسة على ضوئها ليلا، وكان إذا فقد الحطب في نواحي الحي، لطول مدة الإقامة به يجعل من كسائه العَدِّ للَّبس في البرد القارس أداة لجمع رقيق الحطب لتوفير ما يمكنه من السهر ليلا على الدراسة، ثم يلبسه بعد ذلك، وقد أصيب بطفح جلدي بسبب وخز أشواك ذلك الحطب الذي كان يحمله على ظهره.
وكان معتمدا على نفسه في المحضرة، مصطحبا معه ثلاث أيْنُقٍ وقيل خمسا (١) ولما رجع إلى أهله من الدراسة على شيخه، بدأ في ترتيب شؤون الأسرة، وتأسيس المحضرة، فتزوج فاطمة ابنة خالة العالم الصالح لمحمد بن الشيخ سيدي محمد: وقد أنجب منها أبناءه الأربعة: أحمد وعبد القادر وحبيب الله وعبد الله؛ وابنته رائعة، وكلهم تخرجوا عليه علماء بارزين بعد ذلك.
وقد استطاع أن يجمع حوله بعضا من أفراد عشيرته وأبناء عمومته وتلامذته، فتأسست بذلك مجموعته التي أصبحت تدعى (أهل محمد سالم)، وكان يحيط الجميع بحسن الرعاية والعناية، فيكفل الأيتام والأرامل، ويعلم الناس بحكمة وتبصر، وكان لابن عمة العلامة الحسن بن عمر دور كبير في مساعدته وعونه على القيام بهذه المهام المختلفة.
وإذا كان محمد بن محمد سالم قد برز في العلم الظاهر بمختلف فنونه؛ فإنه لم يقتصر على ذلك، بل كانت له اليد الطولى في التصوف وعلم الباطن؛ فكان يجاهد النفس في صبر وزهد؛ ومحبة وتوكل، وقد أخذ الطريقة النقشبندية (٢) على يد شيخه وخالة الولي الصالح المتقدم الذكر الشيخ محمد بن سيدي محمد التيشيتي.
_________
(١) بحث التخرج، ص ٢٣.
(٢) طريقة صوفية نشأت بتركيا والعراق وإيران، تنسب إلى محمد نقشبند البخاري (ت ٧٩١ هـ)، منح العلي، ص ٢١.
стр. 41
ثامنا - سنده في الفقه، والتصوف
أ - سنده في الفقه:
أخذ محمد بن محمد سالم عن حامد بن أعمر عن أحمد محمود ين عمر اتفغ الخطاط عن عمر اتفغ الخطاط عن القاضي بن اعلي مم السباعي، عن الفالي بن أبي الفالي الحسني عن علي الأجهوري" (١)، عن الشيخ عثمان المغربي عن عبد الرحمن الأجهوري عن شمس الدين وأخيه ناصر الدين اللقاني عن السنهوري عن البساطي عن بهرام عن الشيخ خليل بن إسحاق عن شيخه المنوفي عن أبي الحاج عن أبي إسحاق التونسي عن القرافي عن ابن الحاجب عن شمس الدين الإبياري عن إسماعيل بن عوف عن سند بن عثمان عن الطرطوشي عن أبي الوليد الباجي عن أبي طالب مكي القيسي عن ابن أبي زيد القيرواني عن محمد بن اللباد عن يحي بن عمر البلوي عن سحنون عن ابن القاسم (عبد الرحمن العتقي) عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه.
_________
(١) محمد سالم بن محمد علي بن عدود، التسهيل والتكميل. دار الرضوان، ٢٠١٣، ج ١، ص ٤٦ م.
стр. 42
أحد الأسانيد الفقهية للشيخ محمد بن محمد سالم المجلسي
стр. 43
كما أخذ عن الشيخ أحمد بابُ الصديقي (١)، قال في كتابه "اللوامع" بشأن مسألة في باب "الرهن" بعد أن بين حكمها: " … كما حدثني به أحمد بابُ الصديقي عن الأمين بن المختار بن موسى اليعقوبي عن الأمين العتروسي عن عبد الدائم بن اخطيرة عن القاضي العلوي عن الشيخ علي الأجهوري". وكان الشيخ أحمد بابُ الصديقي من شيوخ العلامة أحمدُ بن محمد سالم أخي محمد (٢).
ومن غريب الاتفاق أن ناشر هذه الموسوعة أحمد سالك بن محمد الأمين بن ابوه حفيد لهؤلاء العلماء الأربعة: الأمين بن المختار ومحمد بن محمد سالم وأحمدُ بن محمد سالم وأحمد بابُ بن الأمين (٣).
ب - سنده في التصوف:
أخذ محمد بن محمد سالم عن شيخه وخاله الولي العالم الشيخ محمد بن سيدي محمد التيشيتي عن الشيخ العالم القطب الرباني المجدد محمذ لمجيدري بن حبيب الله اليعقوبي عن الشيخ عبد الوهاب التازي عن الشيخ سيدي عبد العزيز الدباغ الذي يتصل سنده بالخضر ﵇ عن النبي ﷺ ، وقد قال محمد بن محمد سالم متوسلا بأشياخه هؤلاء:
_________
(١) نسبة إلى بطن أهل الفال نصدّيق الشرفاء اليعقوبيين
(٢) عبد القادر: وثيقة بخطه
(٣) العلامة محمد الأمين بن بلاهي بن عبد القادر بن محمد بن محمد سالم، مقدمة كتاب الريان في تفسير القرآن، ص. ي، مخطوط
стр. 44
حمدا لمن من ظلمات الوهم … يخرج من شاء بنور الفهم
ويهتدي لما به فلاحه … من التجا لمن به صلاحه
ثم الصلاة والسلام النامي … على النبي سيد الأنام
والآل والصحب سنى الوجود … والتابعين الركع السجود
يا رب أنت الله حسبي وكفى … من الذي أعيا الأساة واختفى
يا رب بالفيض الرضى استشفي … وكل ما أهمني استكفي
شيخ الشيوخ علم الأعلام … غوث الأنام حجة الإسلام
سما به من قابسي أحمدِ … سامي الفخار ساطع محمد
وشيخه القطب البهي الباهر … بحر الندى نجم الهداة الزاهر
محمد هو ابن حب الله … حاوي المناقب العظيم الجاه
وشيخه التازي ذي التبريز … شمس الضحى ذي العقل الحريز
وشيخه الدباغ ذي الصمداني … منار كل شاسع ودان
وشيخه الرائق باتباع … من الكليم رائم اتباع
وشيخه الهادى إلى دار السلام … عليه أفضل الصلاة والسلام
من كان مستمد داعي البشر … من نوره البهي يوم المحشر
يا ربنا بهؤلاء البرره … السادة المنتخبين الخيره
اسبل علينا رب وابل المنن … وجد بلطف منك صارف المحن
وصلي يا رب وسلمن على … مهمين حاز المقامات العلى
وقد أفرد شيخه وخالَه الشيخ محمد بن سيدي محمد بتوسل قال فيه:
أراك على الأكَوان أحوط حائط .... يعود على كل بأحصن حائط
стр. 45
فيمنك موفور وسيبك واسع … واسمح مزن منك واهي الروابط …
وإذا كان الشيخ العلامة حامد بن أعمر شيخا لمحمد بن محمد سالم المجلسي الذي كان رافدا أساسيا لوجود محاضر منتشرة ذات شأن عظيم مثل محضرة العلامة الشيخ يحظيه بنعبد الودود (سيبويه زمانه) فهو (أي يحظيه) تلميذ الشيخ أحمد بن محمد بن محمد سالم فإن محضرة العلامة الشيخ محمد مختار بن حبيب الله بن محمذ (آبَّ) الموسوي اليعقوبي الشهير بـ (ابُّوهْ) ذات الصيت الذائع، والشأن العظيم، لما قامت به من نشر العلوم الشرعية واللغوية في هذه البلاد، لها أيضا صلة مباشرة بالشيخ حامد بن أعمر، فهو شيخ صاحب هذه المحضرة، وكانت أيضا محضرة ابُّوهْ من الروافد المباشرة لمحاضر عديدة ذات شهرة كبيرة، وعطاء علمي متميز تفرعت منها، ومن تلك المحاضر على سبيل المثال لا الحصر:
أ - محضرة العلامة الشيخ محمد مولود بن أحمد فال (آدّ) العالم الورع ابن القضاة؛ الذي بلغ في العلم درجة الاجتهاد، ذي المؤلفات الجامعة والمعارف النافعة، يقول فيه تلميذه العلامة محمد الخضر بن حبيب الله اليعقوبي الباركي:
إن لم يكن محمد مولود … وَلِيَ شرع فالولي مفقود
ب - محاضر أبنائه (كان لمحمد مختار ابُّوه ثمانية أبناء كانوا علماء كلهم)
ج - محضرة العلامة: محمد الأمين بن أبي المعالي اليعقويي (ت ١٣٣٦ هـ)
د - محضرة العلامة: محمد بن محمد البخاري اليعقوبي (ت ١٣٨٠ هـ).
إلى غير ذلك من محاضر تلامذة هذا الشيخ التي يضيق الوقت عن تتبعها.
стр. 46
تاسعا - مكانته العلمية وأقوال العلماء عنه:
لقد كانت لمحمد بن محمد سالم المكانة المرموقة علما، وورعا وتواضعا، تنبئ مؤلفاته عن معرفته الواسعة، وإدراكه العميق لمختلف المجالات الشرعية واللغوية.
كما تؤكد ذلك محضرته الذائعة الصيت، التي أسسها ولما يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره سنة ١٢٣٠ هـ (١) بعد عودته من الدراسة، فغدت هذد المحضرة وجهة لطلاب العلم من مختلف نواحي البلاد، ومن مختلف الفئات والأعمار؛ وتجاوز عدد طلابها في بعض الفترات الألف (٢).
وقد ذكر بعض الباحثين أن قبيلة واحدة من القبائل الموريتانية بلغ عدد طلابها الذين يدرسون بهذه المحضرة مائة وخمسين طالبا، بينما بلغ عدد طلاب مجموعة أخرى مائة وعشرين، في حين بلغت الثالثة مائة وخمسة (٣).
وقد وجد مختصر الشيخ خليل مكتملا من بدايته إلى نهايته بهذه المحضرة في ألواح الطلبة وفي وقت واحد. أما الفنون الأخرى التي كانت تدرس بها فلعل خير من يتحدث عنها العلامة الأديب الشريف سيدي أحمد بن الصبار حيث يقول من قصيدة طويلة:
بهمُ ليالي الأصبحية أصبحت … وعويص أصل الدين فُكً حِجَابُهُ
بهمُ كتاب الله أتقن حفظه … تأويله، تجويده، إعرابُهُ
علم القواعد والأصول قد أحكما … عَلم البيان بهم أذل صعابُهُ
وكذا التصوف والحديث وقد أضا … علم النهى إشكاله، إعرابه
والسيرة الغراء أكمل علمها … غزواته وبحوثه، أنسابه …
_________
(١) مقدمة كتاب "الريان" ص /ي.
(٢) بحث التخرج ص ٢٧.
(٣) إبراهيم وافي، الدراسات القرآنية بالمغرب (في: ق ١٤ هـ) ط ١ جامعة ابن زهر، أكادير، ١٩٩٩، المملكة المغربية، ص. ١١٧.
стр. 47
وكان الشيخ محمد بن محمد سالم يجلس للتدريس مبكرا، مرتبا الإقراء بادئا بعلم الكلام (التوحيد) ثم بالفقه، ثم باقي العلوم الأخرى؛ وكانت هذه المنهجية متبعة في محاضر أبنائه الأربعة، وأبنائهم … وكان، رحمه الله تعالى، يجمع بين التدريس، والتأليف وترتيب شؤون مجموعته ولمكانة هذه المحضرة كان بعض العلماء ينتقل إليها لإكمال دراساته المتخصصة.
أ - بعض أقوال العلماء عنه:
لقد أشاد العلماء، والأدباء، والمستشرقون بهذا الشيخ وبما حباه الله به، من علم وورع وخلق، وتتعدد أوجه التعبير عن ذلك من خلال المؤلفات المتعددة والمحضرة المشهود لها بالامتياز، والتدريس المرتكز على غزارة العلم، والاستخدام الذكي لملكة التعبير، والاختيار الموفق لطريقة الإلقاء، وكان ذلك مدعوما بتسخير الغوص في بحر المدارك؛ لاستخراج مخبآت نفائس المعارف، ذلك ما كثر التنويه به شعرا ونثرا، من أهل الفضل والعلم، الذين يدركون قيمة التزكية ويقدرونها حق قدرها، ومن ذلك على سبيل المثال:
أ - شهادة العلامة الشيخ سيدي الكبير له بأنه: أعلم أهل القطر الشنقيطي؛ وذلك عندما أوفد إليه الشيخ محمد ابنه أحمد ليتابع عليه الدراسة؛ فكان الشيخ سيديا لا يسأله عن شيء إلا وجده خبيرا به، فقال له:
"ارجع إلى والدك فلن تجد أنفع لك منه ولا أعلم في هذا القطر الشنقيطي" (١).
٢ - وكان العلامة: محمذن فال بن متالي، وهو من هو، يأمر بعض طلابه البارزين بالتوجه إلى محضرة الشيخ محمد بن محمد سالم للتوسع في دراسة مختصر الشيخ خليل عليه (٢)، ومعلوم أن محضرة العلامة الشيخ محمد فال بن متالي كانت وجهة الطلبة الوافدين من كل حدب وصوب، لدراسة مختلف العلوم الشرعية، واللغوية.
_________
(١) بحث التخرج ص ٢٨.
(٢) بحث التخرج ص ٢٩.
стр. 48
٣ - قول الشيخ العلامة محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي: "إن مدرسة الظاهر في زمنه من فقه، وتوحيد كانت قيادتها لابن محمد سالم المجلسي" (١)، كما وصفه بقوله: "شيخ الإسلام في الظاهر والباطن" (٢) وفيه يقول:
أحق قطب بتقريظ وتابين … من فاق في المهد بدءا داية الدين
حدث ولا حرج في نهج سالمنا … محمد خير قاف للنبيئين
٤ - فوزه بالورع وذلك عندما "كان المهتمون بالعلم في غرب البلاد الموريتانية يقولون: ليتنا نجمع خمسة علماء في رجل واحد فيصير قمة لا يدانيها بشر، يكون لذلك الرجل المثالي عربية محمد بن الطلبة، وفقه الجدود بن اكتوشني ونباهة محمد محمود بن حب الله بن القاضي ومُتمَّات محنض بابه بن عبيد (من منطق وبيان وبديع … ) وورع محمد بن محمد سالم. ولما سمع الشيخ سيديا ابن الهيبة هذا الكلام، وهو من قمم العلم الشامخة يومها، قال: "فاز المجلسي" يعني محمد بن محمد سالم لوصفهم إياه بالورع (٣).
٥ - قول العلامة الشيخ محمد المامي بن البخاري:
نهج اللوامع مثله مفقود … ومُدّعيه بين الأنام حسود
جادت به من نجل سالم فكرة … ما إن لها في العالمين وجود
أبدي غوامض من خليل مالها … من قبله في السالفين ورود
كنت المبجل والوحيد ومن له … بين الورى في الصالحين خلود
لا زلت تقتاد العلى بزمامه … بطل النوائب والرجال رقود
_________
(١) الحياة العمرانية ص ٦٥.
(٢) المرجع نفسه.
(٣) محمد سالم بن محمد عالي (عدود)، في دراسات في الشعر الموريتاني (حول ديوان محمد بن الطلبة اليعقوبي) دار الرضوان، ٢٠١٣، ص ٨
стр. 49
تترى إليك من الورى هاماتها … ولدى فنائك ركع وسجود
وقوله أيضا:
الحمد لله رب العلمين على … سعي الامامين في تحديد ما اندرسا
محنض باب لكشف الأمهات سعى … حتى سنى البحث في الامصار قد طمسا
ونجل سالم أبدى الاعهدين لنا … حتى تخلص منها كل ما التبسا
وقوله:
فما حمل الحدوج على الجمال … وما حمل النساء من الرجال
كمثلك يا محمد بشرتنا … بك الأيام فيها والليالي
٦ - قول العلامة الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل:
لمعت لومعُنا اللوامعَ كالدرر … فسقى لنا الريان ريان النهر
بحر تقاذف دره من موجه … أكرم ببحر موجه كلا درر
وقوله لما قدم عليه محمد، وابنه أحمد في زيارة:
لما حللتم بنا قلنا بأجمعنا … يا مرحبا ذات تبذير وإسراف
ألف وألف وآلاف ويتبعها … من الترحب ألف ألف آلاف
٧ - قول العلامة الشريف بن سيد أحمد بن الصبار من قصيدة طويلة:
مزج الشريعة بالحقيقة حلة … إذ صار قفرا لا يحل جنابه
عدل الأشج ونور آل محمد … لاحا عليه فما اختفت أنسابه …
стр. 50
٨ - قول العلامة الشيخ محمد فال بن محمد مولود (ادّدَوْ) من قصيدة:
بَنَت هِمَمُ العالي على من يفاخره … له في الورى سورًا فقل مفاخره
تمطى رجال كي ينالوا مقامه … وقد فاتهم مما أرادوا أواخره
تحلوا وحلوا باللوامع وارتووا .... ورووا بريان تسح مواطره
وبالنهر الجاري غدا لنبينا … لبي النهر الجاري جنى الدر ناظره ..
٩ - قول العلامة زياد بن بابي الكمليلي من قصيدة طويلة:
بدومس ضريح الشيخ شيخي محمد … فيا ليتني أضحى بدومس محتد
به حل قطب الدين والمجد والثرى … هنيئا له من مكرم ومحمد
كفاه من التكريم در"لوامع" … و"در نظيم" شاع في البيد والندى
فمن جاور الاشياخ اشياخنا على … أخلائه يعلو بدون تردد
ببابهم رأب الامور وتجتنى … مسائل علم حسنها كالزبرجد …
١٠ - قول العلامة الشبيه بن ابُّوه:
بنو محمد الهادي الأمين وأبنا … ء الأشج، وأخيار من أخيار
هم حافظو العلم نقاد العويص به … ولا ثوى فيهم للجهل والعار
هم حافظو العلم لا يالونه عملا … وتاركو الشر آبى الضيم للضاري
ونحوهم فاطلبه إن عندهم … في المذهبين لإيراد وإصدار
إن "الثمان" لفي أصدافها درر … "لوامع" واضح "ريانها" الجاري
стр. 51
١١ - قول العلامة محمذ فال بن محمذ بن أحمد بن العاقل (ببها) علما:
طربت شوقا وما شوقي إلى الحور … ولا اللمى بذوات الدَّل والخفر
ولا لربع بذات الضال من أجلا … ولا أجارع من أنجاد ذي عشر
لكن طربت إلى روض كساه أبو … عذر المسائل ألوانا من الزهر
من كان ذا نظر ألهته رؤيته … وطيب أزهاره عن ذلك الوطر
فزره إن شئت تبصر كل ما عجب … بين "اللوامع"و"الريان" و"النهر"
١٢ - قول العلامة محمد الامين بن امينه اليعقوبي من قصيدة يقول فيها:
أنوار وجهك بين الناس بدر "يَدٍ" … بين النجوم بوقت الصحو في السحر
إذ حزت ما حزت من نحو ومن لغة … ومن بيان ومن ذكر ومن أثر
وفقت أهل التقى والعلم قاطبة … وحزت بينهم "لوامع الدرر"
وصمت لله لا للغير محتسبا … وخصك الله ب "الريان" و"النهر" ..
١٣ - قول العلامة محمد عبد الجليل بن حرمة العلوي:
وإني لمشتاق مزار محمد … وأبنائه الغر الكرام النقارسى
وأشتاق مرْأى منهم كل ساعة … فمرآهم من موجبات الفرادس …
١٤ - قول العلامة محمد بن محمودا بن سيدي أحمد:
أما ونصيص اليعملات الرواسم … تجوب الفيافي داميات الواسم …
لفي مجلس العليا محمد سالم … سجايا عُلى من قبل عقد التمائم …
стр. 52
١٥ - قول العلامة محمد الأمين بن أبي المعالي اليعقوبي لمن قصيدة مطلعها:
لله ما أبداه بدر الدجى … محمد نجل الرضى سالم
في "النهر الجاري" و"ريانه" … وفي "اللوامع" من الطاسم …
١٦ - قول الشاعر:
رب اللوامع أحيا ميتة الدين … بين المساجد أهل المغرب والصين
سر الكتاب نماه في "لوامعه" … ما شئت عن مالك والشيخ سحنون
لا يوجد العلم إلا في لوامعه … كذلك التبر إلا في المعادين
١٧ - قول د/ محمد حجي: "وجدُّ هذه الأسرة التي اشتهرت بالتدريس والتأليف في العصور المتأخرة هو محمد بن محمد سالم ألذي كانت له مدرسة متنقلة على الطريقة الصحراوية يسير في ركابه فيها طلبة كثيرون من مختلف جهات الصحراء" (١).
١٨ - قول العلامة المختار السوسي: "السالمية الصحراوية من أعاظم الأسر القاطنة في صحراء سوس تناسل فيها العلم من أجيال، وهي ذات خزانة طافحة بنوادر الكتب، وهم من أنفسهم قضاة ومؤلفون ومدرسون في خيام كبرى، تتنقل، تنقل حيهم للانتجاع على عادة أرباب الخيام" (٢).
١٩ - قول الكاتب الفرنسي: "إن محمدا كان علماء عصره يعتقدون أنه الأعلى والوحيد في العلم" (٣).
٢٠ - قول العلامة محمد المامي بن محمذن من قصيدة يقول فيها:
_________
(١) مجلة المناهل. وزارة الشؤون الثقافية، المملكة المغربية العدد: ٢٨/ ١٣٨٣، ص ١١.
(٢) محمد المختار السوسي، سوس العالمة، ص ٤١.
(٣) بحث التخرج ص ٢٨.
стр. 53
قد سرتُ في أفق البلاد فلم أجد … أحدا تكون صَلاته كصَلاته
وصيامه كصيامه وقيامه … كقيامه وصِلاته كصِلاته
غوث الخلائق كلها فحياتها … بحياته ومَمَاتُهما بمَماته
٢١ - قول آخر من قصيدة طويلة:
فأصبح ريانا به كل طالب … من القوم قبل الشيخ ازرى به الجهل
تواضع للرحمن مذ هو ناشئ … فأصبح فوق الناس منزلة يعلو
فلم يُدْعَ إلا باسمه من تواضعٍ … فلا طالبٌ يدعوه شيخا ولا نجل
ألا إن عبأ الشيخ قد شق حمله … فليس له من غير فتيته حمل
وإن دموع الدر يلمع باكيا … لكالنهر الجاري تفيض وتنهل
٢٢ - قول آخر من قصيدة طويلة:
إمام حباه الله نافع علمه … فعف ولم يأخذ على علمه أجرا ....
٢٣ - قول العلامة محمد مولود بن اغشممت:
فكم شوحوا من غامض قبل شرحهم … وكم أربحوا فهما إلى فهمهم تَجَرْ
وكم اوضحوا من مشكل وكم أفصحوا … وكم نصحوا لله في السر والجهر
وكم ذل للأفكار للقهر منهم … عزيزات علم لا تذللها انفكر
стр. 54
وكم هذبوا ما كان غير مهذب … وكم جددوا من داثر طالما اندثر …
فسل غائبا أو حاضرا عن حلاهم … وليس الذي قد غاب مثل الذي حضر
نعم وسل "الريان" تخبر وإن تشأ … سل "النهر الجاري" فيخبرك النهر
ولم أستكمل ما يقال عن الشيخ محمد بن محمد سالم، كما أنني لم أتعرض إلى ما يحكى عنه من الكرامات والمآثر تمشيا مع مناهج البحث المعاصر من جهة، وخوف الإطالة من جهة أخرى.
عاشرا - تلامذته:
كان من أوائل تلامذة الشيخ محمد بن محمد سالم أبناؤه الأربعة، أحمد (ت ١٣٢٨ هـ) وعبد القادر (ت ١٣٣٧ هـ) وحبيب الله (ت ١٣٣٧ هـ) ثم عبد الله (ت ١٣٢٩ هـ). الذين تخرجوا على يده وكان من فضل الله أن عاشوا معه ودرسوا في حياته. وكانوا يساعدونه في التدريس في المحضرة، لكثرة الطلاب الوافدين من مختلف الجهات، وبخاصة ابنه الأكبر أحمد الذي قال للشيخ الوالد لما بلغ:
"سأقوم عنك بما يقبل النيابة من أمور الدنيا والآخره لتتفرغ للتأليف والعبادة" (١) وكان التمييز بين تلامذة الشيخ محمد وتلامذة أبنائه وخريجي هذه المحضرة متعذرا، وقد ينطبق ذلك على الأبناء وأبنائهم … وهذه أسماء بعض العلماء والشيوخ الأجلاء من تلامذة الشيخ محمد بن محمد سالم طبقا للمراجع التي وقفت عليها (٢)، وما هو معروف عندنا:
١ - الشيخ سيدي محمد بن داداه الابيري (ت ١٣٦٠ هـ).
٢ - العلامة محمد العاقب بن مايابى الجكني (ت ١٣٢٧ هـ).
٣ - العلامة محمد مولود بن أغشممت المجلسي (ت ١٣٢٧ هـ).
_________
(١) بذلك حدثني والدي النيني رحمه الله تعالى.
(٢) المنبر. بحث التخرج.
стр. 55
٤ - العلامة محمد عبد العزيز بن الشيخ محمد المامي اليعقوبي الباركي (ت ١٣٤٠ هـ)
٥ - العلامة محمد عالي بن سعيد الملقب (مع) الحبلي (ت ١٣١٠ هـ).
٦ - العلامة محمد عبد الله بن يحظيه القناني مؤلف "فتح الجليل في شرح خليل".
٧ - القاضي سيدي أحمد بن أبو بكر.
٨ - العلامة المختار بن محمد سعيد الملقب (ابياه)، الحبلي (ت ١٣٣٦ هـ) وقد نسخ كتاب "اللوامع" في فترة دراسته وكان موجودا في محضرتهم.
٩ - العلامة صلاحي بن الشيخ محمد المامي اليعقوبي الباركي.
١٠ - العلامة الشريف بن سيدي أحمد بن الصبار المجلسي (ت ١٣٤٠ هـ).
١١ - العلامة سيدي بن أحمد بابُ بن الامين الصديقي اليعقوبي.
١٢ - العلامة الشيخ محمد عبد الحي بن الصبار المجلسي (ت ١٣٤٤ هـ).
١٣ - العلامة الشيخ عبد المعطي السباعي (ت ق ١٤ هـ).
١٤ - العلامة محمد أفلواط بن الخطاط بن أفلواط اليعقوبي الباركي.
١٥ - العلامة حم لمين بن سيدي يوسف الزركي.
١٦ - العلامة الشيخ أحمد بابَ بن البخاري اليعقوبي الباركي.
١٧ - العلامة عبد الحي بن احميد الموسوي اليعقوبي.
١٨ - العلامة محمد عبد الله بنزين الملقب ديدي (ت ١٣٦١ هـ) القناني.
١٩ - العلامة أحمد فال بن المختار السباعي.
٢٠ - العلامة محمد بن أحمد محمود بن العيدي الأبييري.
٢١ - العلامة زياد بن بابي الكُمْليلي.
٢٢ - العلامة محمد محمود بن احظانه الحسني.
٢٣ - العلامة أحمد بن ابد بن أحمد (ت ق ١٤ هـ).
стр. 56
٢٤ - العلامة محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي اليعقوبي الباركي.
٢٥ - العلامة أحمد باب بن عينين التندغي.
٢٦ - العلامه أحمد بن ابيه التندغي.
٢٧ - العلامة محمذ آبَّ بن احميد الموسوي اليعقوبي.
٢٨ - العلامة (ادَّدَوْ) محمد فال بن أحمد مولود المباركي.
٢٩ - الشيخ سيدي بن النعمان بن سيدي محمد
وقد تابعت المحضرة عطاءها المتميز على أيدي أبناء محمد العلماء البررة؛ فكان كل واحد منهم يقوم بالتدريس بمحضرته. فتعدد المتخرجون من هذه المحضرة وأسسوا محاضر متعددة كان لها - هي الأخرى - عطاؤها المتميز وما زال متواصلا حتى اليوم.
الحادي عشر - مؤلفاته ومنهجه في التأليف:
أ - مؤلفاته:
لقد كان الشيخ محمد بن محمد سالم من المؤلفين الأفذاذ؛ فلم يشغله التدريس، ولا الإفتاء عن التأليف، ومن مؤلفاته ما هو موجود رما هو مفقود؛ ومن المؤلفات الوجودة:
١ - "الريان في تفسير القرآن" من سبعة أجزاء ضخام يقارب حجم "اللوامع" (مخطوط)؛
٢ - "النهر الجاري علي صحيح البخاري في سبعة أيضا" يقارب سابقيه (مخطوط)؛
٣ - "لوامع الدرر في هتك أستار المختصر" وهو الذي بين أيدينا؛
٤ - "منح العلي على شرح الأخضري" (طبع)؛
٥ - "الدر النظيم في مدح المولى العظيم" بدأه بقوله: "الحمد لله المتعالي عن مشابهة الكون بجلال صمديته، المنزه عن سمات الحدوث بعلو قيوميته وأحديته، المتأزر بالعظمة والكبرياء المنفرد بالعزة والجبرياء … وفي آخر ما اطلعت عليه منه قوله: … "هبط من خشيته الحجر، وبإذنه تشقق فخرج
стр. 57
منه الماء وانفج، يمنح النعم الفاخرة، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة". موجود بمكتبتنا بخط والدي الشيخ النيني ولد عبد الله ولد محمد ولد محمد سالم رحمهم الله تعالى، وقد كتب في آخره: "هذا ما وجدت منه ولم أعلم هل هذا آخره أم لا"
٦ - رسالة في الطريقة النقشبندية بدأها بقوله: "اعلم بأن الطريقة النقشبندية هي أفضل الطرق كلها، وهي طريقة سيدنا أبي بكر الصديق ﵁ أخذها عن النبي ﷺ تسليما ليلة مبيتهما في الغار … وختمها بقوله: اللهم يا مفتح الأبواب مقلب القلوب والأبصار، يا دليل المتحير … ، والإخلاص لله تعالى شرط في جميع التعبدات انتهى" وهي موجودة بمكتبتنا.
أما المفقودة فمنها:
١ - تفسير القرآن الكريم، ألفه قبل تفسيره "الريان"، وقد ذكره العلامة/ محمد عبد الله بن البخاري (١).
٢ - نظم في العقيدة (٢) ويصل مائتي بيت.
٣ - نظم قي قواعد المذهب المالكي.
٥ - الدليل المستنير في الصلاة على البشير النذير.
وقد ألف هذه الكتب في ظروف لا تساعد على ذلك من حيث الوسائل المادية كالأوراق والمرجعية كالمصادر في وقت تضطرب فيه الأحوال البدوية لكثرة الترحال من جهة، ولعدم توفر الأمن من جهة أخرى، وكان يبدأ في التأليف بعد الفراغ من التدريس في المحضرة، وربما كان ذلك أثناء رعي الإبل؛ فيتقدم أمامها بكتبه فيجلس للتأليف، وإذا تجاوزته اتبعها وهكذا، وإذا كان في الليل يأمر طلابه بإيقاد النار ليتابع عليها تأليفه. وكان إذا خبت النار يخاطب تلميذه الشيخ زياد الكمليلي قائلا: "يا زيادْ ديرْ عُودْ". باللهجة الحسانية أي ضع على النار عود حطب ليزداد ضوؤها.
_________
(١) الحياة العمرانية، مخطوط.
(٢) المختار بن حامد، حياة موريتانيا الثقافية، ص ٢١.
стр. 58
ب - منهجه في التأليف:
إن لمحمد بن محمد سالم منهجا اتبعه في مؤلفاته، يتركز في معاله الأساسية على سمات متعددة منها: أنه بعد البسملة والصلاة على النبي ﷺ ، يفتتح معظم مؤلفاته بالبيتين التاليين:
(ولم أقف على قائلهما)
الله عظّم قدر جاه محمد … وأناله فتحا عليه عظيما
في محكم التنزيل قال لخلقه: … صلوا عليه وسلموا تسليما
ثم يذكر نسبه، بعد حمد الله تعالى، مُتْبعًا إياه بسجع يمهد به لموضوع التأليف، ثم يتناول المقصود فإن كان يحتاج إلى مقدمة أتى بها، وقد تكون بمثابة كتاب مستقل كما هو الحال في مقدمة كتابه "الريان في تفسير القرآن" التي اشتملت على ستة وثلاثين ما بين "باب" و "فصل"، ضمنها جميع علوم القرآن، والكثير من العلوم الأخرى، وقد كانت مقدمة "الريان" هذه موضوع بحث أعددته لنيل الإجازة من المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية (نواكشوط - موريتانيا) بعنوان: " تحقيق مقدمة الريان في تفسير القرآن" للسنة الجامعية ٩٢ - ٩٣.
وتختلف المقدمة من موضوع لآخر، ففي كتاب "النهر الجاري على صحيح البخاري" جاء بمقدمة كبيرة تناولت جميع علوم الحديث دراية ورواية، والكثير من العلوم الأخرى، بينما اشتمل كتاب "اللوامع" الذي بين أيدينا على مقدمة كبيرة هي الأخرى تناولت فضل العلم، وشراح "المختصر" والعقيدة الإسلامية. مبينة الإيمان، والإسلام والإحسان وكل ما يتعلق بذلك؛ ثم بعد المقدمة، يبدأ الشيخ في تناول الموضوع كتابا أو سنة أو غيرهما، بطريقة تفصيلية مستفيضة ذاكرا كلام العلماء وأنقالهم.
ثم يقوم بعملية الجمع بين الأقوال، فإن لم يمكن الجمعُ بَيًنَ الراجحَ منها بالأدلة، مع الاعتناء ببيان المذهب المالكي فيها، وبخاصة، إذا كان الموضوع التفسير، أو الحديث مستخدما عبارات تبين ذلك منها:
стр. 59
- "هذا مذهب إمامنا مالك".
- "هذا يخالف مذهبنا"
إلى غير ذلك مما يستخدمه المؤلف، وله حضور متميز في كل ما يتناوله، بتقديم آرائه، واجتهاداته وذلك باستخدامه مصطلحات تختلف من موضوع لآخر، ففي القرآن الكريم - مثلا - يقول:
- "قال مفسره عفا الله عنه "
- وفي الحديث الشريف يقول: "قال صاحب هذا الشرح"
- وفي الفقه يقول: "قال جامعه عفا الله عنه"
ويضيف إلى ذلك في هذه المؤلفات وغيرها من تصانيفه الأخرى عبارات مختلفة لبيان الغرض نفسه، منها قوله:
- "يظهر لي"
- "عندي"
- "يتحصل من كلامهم"
- "عُلِم مما قَرَّرْتُ"
"كما يتعرض لبيان وجه الارتباط فيما بينه ترابط؛ ففي التفسير" يقول مثلا:
أ - "وجه صلة هذه الآية بما قبلها … "
ب - " … ولما ذكر … بيَّن"
ج - "ولما أنهى الكلام … أتبعه … "
د - " … ولما بين … ذكر … "
كما يهتم بيان الفروع، والتنبيهات، والفوائد: فيقول:
هـ - "فرع" بالمفرد، والتثنية، والجمع
و- "تنبيه" كذلك
стр. 60
ن - "فائدة" كذلك
إلى غير ذلك من المصطلحات. ولا ينتهي من "السورة" في القرآن حتى يتبعها بسجع يتناولها فيه، مثل قوله: " … انتهت هذه السورة البهية … ".
ويتابع الشيخ مؤلفاته التي بدأها بـ "اللوامع" ثم أتبعه "الريان" ثم "النهر" … على هذا النسق بأسلوب يميل إلى الإيضاح أكثر من الاختصار: بقصد بيان المسائل وتحريرها؛ فقد قال هو نفسه في مقدمة كتاب اللوامع " … فأردت أن أبين من ذلك [يعني ما يحتاج إلى التوضيح والتحرير] ما ظهر لي مستعينا بحفظ المهيمن واسترشاده بشرح أبذل جهدي في تحريره وتوضيحه لكلام المصنف وتقريره … ". وقد قال في اللوامع ابن أخيه العلامة الأديب عبد الله بن أحمدو
خَرَّصْتْ اللوامع بيان … أحد اكري ماه احذاه
كيف امنادم ماش عجلان … إخاصم والسان خلاه
المعنى: خرصت: نظرت.
إكري: يقرئ: يدرس.
ماه احذاه: ليس لديه.
كيف: مثل.
امنادم: شخص.
ماش عجلان إخاصم: يسير بسرعة ليكسب الخصام.
والسان خلاه: وقد ترك لسانه.
وعلى ذلك المنهج سار حتى أكمل كتابه "اللوامع" وهو ما ينطبق على جميع مؤلفاته.
الثاني عشر - وفاته:
стр. 61
بعد اكتمال مؤلفاته العظيمة النفع، وبعد عطاء متميز وتفرغ للعبادة، انتقل الشيخ محمد بن محمد سالم إلى الرفيق الأعلى، وكان ذلك يوم الجمعة بعد صلاة الظهر آخر يوم من شهر ذي الحجة (١٣٠٢ هـ)، وذلك ما يرمز إليه بالحروف الشيخ محمد الخضر بن المكي بقوله:
قي عام شسب قد توى المجدِّدُ … نجل محمد سالم محمدُ
ولما توفي بموضع يسمى "آمدَكن" بين منطقة تيرس المغربية و "الكْرَبْ" قام أبناؤه وتلامذته الكثيرون بنقله حملا على الأعناق إلى مكان يسمى "دُومِسْ" في منطقة تيرس؛ يبعد حوالي ٨٥ كلم من "آوسْرِدْ" التابع لمدينة. "الداخلة".
والله الموفق
стр. 62
صور من خط المؤلف
стр. 63
اختصارات المؤلف
المص - المصنف
الش - الشارح بهرام
стр. 64
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، اللهم الإعانة اللهم الإعانة؛
يقول العبد الفقير إلى الله تعالى المالكي الأشعري محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد بن محمد بن عمر بن أبي السيد بن أبي بكر بن علي بن يَمَغْدِشْ بن وديعة الله بن عبد الله بن أحمد بن يفت بن يدَرْ بن إبراهيم المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي وإبراهيم هذا يقال- والله أعلم- إنه من ولد عمر بن عبد العزيز، وإنما عرفت بنفسي لقول القائل:
ومن كتب الكتاب لم يذكر اسمه … كبنت لها أم وليس لها أب:
الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، مفصل الآيات لقوم يفقهون، ما هو بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، بل هو معبود بالحق عبدناه، نَعَّمَ قلوب أوليائه بحبه فلهم إليه شوق وحنين، وتململوا من هول المطلع فلهم زفير وأنين، وأبعد المحروم بلا علة فهو بدين الحرمان يدين وشغل الجهول أيام عمره وأعماه عن الحق المبين، وطبع على قلوبهم فطردهم عن بابه وجعلهم مبعدين، كل ميسر إلى ما سبق في علمه، ومقود إليه بزمام قهره وحكمه، فنَعَّمَ المقربين بالمسامرة وأظهر لهم من سره الأمر العجيب، وفجر من قلوبهم ينابيع الحكمة فنبع من العرفان كل معنى غريب، عزيز جلت صفاته، ملك لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى كمالاته ومعلوماته، محيط بما تحت تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، وبغير ذلك من جميع المعلومات والكائنات، لا تدركه الأوهام، ولا تحيط به الأفهام، أحمده حمد من علم أن لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأشكره شكر من تحقق أن خير الدنيا والآخرة بيديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده المطهر، وحبيبه السراج الأنور، ورسوله وباب حضرته الأكبر؛ شهادة أعدها لأهوال القيامة، وأتقي بها الحسرة والندامة، يوم يبعثون، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم واختصر له اختصارا سيدنا محمد الذي أُمِرَ بإعلاء كلمة الحق وخَفْضِ كلمة البهتان
стр. 65
فتقلد سيف النصر وصدع بما أمر به جهارا، من تفجر بمولدد بحور الرغبوت، وضحكت بجماله الزاهر ثغور الرحموت، مطلع شموس التجليات الاجتبائية، ومغرس أغصان التدليات الاصطفائية، من تدفقت من بحار كماله جداور الأنوار، وتفتقت من بهجته مونقات الأزهار، وتبرقعت بجماله عوالم الملكوت، وترعرعت في رياض بهجته أطفال أسرار الجبروت. وحيعل بجامع العز والحبور، وأوضح بالقول والفعل سبيلا للأمن والسرور: وهو الطريق الأقوم: الذي لسالكه الفوز والمغنم، من حاد عنه انتكس وارتدى، وعمهوا في ضلالتهم ولن يهتدوا إذا أبدا.
أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، لكون معرفة الله تعالى وعبادته يتوقفان عليه، والخير منوط بهما والشر منوط بعدمهما، وحينئذ فأهم ما يشتغل به الإنسان ما يرشده إلى تحقيق ذلك ويوصله إليه، فعلى العاقل أن يجتهد بعد معرفة الله تعالى فيما يعلم به كيفية العبادة.
والعبادة هي: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وعلم الفقه هو الكفيل ببيان الأوامر والنواهي على أتم الوجود وأكملها، وجدير بذلك مذهب إمام الأئمة مولانا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه. فقد أجاد في ذلك كل الإجادة، مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة، بين الحلال والحرام والمسنون والمندوب والمكروه والمباح من الأحكام، فجزاه الله بأحسن الجزاء عن أهل الملة الإسلامية. وخصوصا عنا معاشر المغاربة فقد أفاض علينا من مواهبه الربانية، وأسبغ علينا من تحفه الإحسانية، ومن أعظم ما صنف فيه مختصر السيد الأجل، والحبر البارع الأحفل، مولانا أبي المودة خليل، فكم كشف عن معضلات وأبرد الغليل، بيَّن ما به الفتوى ت وما هو الراجح الأقوى، مع كثرة الجمع والإيجاز العجيب، وحسن اللفظ وفخامته وتناسب المعنى الغريب، غير أنه لفرط الإيجاز، كاد يعد من جملة الألغاز، وقد اعتنى بحل ألفاظه الجهابذة النقاد، من كل حبر بارع أجاد وأفاد، فشرحوا وأجادوا، ونقحوا وأفادوا، ومنهم من حلى بعض الشروح بأبدع من در النحور، ولآلئ تتلهب مثل الشموس والبدور.
وبالجملة فقد بقيت في الكتاب مواضع كثيرة تحتاج إلى التقرير، والبيان والتوضيح والتحرير، وبحسب تتبع كلامهم يظهر من ذلك ما لم يكن مبينا في كتاب بانفراده، فأردت أن أبين من ذلك
стр. 66
ما ظهر لي مستعينا بحفظ المهيمن واسترشاده، بشرح أبذل جهدي في تحريره، وتوضيحه لكلام المص وتقريره، وسميته بلوامع الدرر، في هتكَ أستار المختصر، وإني لأعلم علم تحقيق وإيقان، بأني لست من خيالة هذا الميدان، لكن نظر رحمة الله تعالى إلى المرموق بعين الازدراء والتحقير، أكثر من نظرها إلى المرموق بعين الإجلال والتوقير.
إن لله رحمة وأحق النـ … ـاس منه بالرحمة الضعفاء،
والله أسأل أن ينفع به من كتبه أو قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه، وأتوسل إليه في ذلك بجاه سيدنا محمد ﷺ .
وأثبت هنا رؤيا للشيخ القدوة أحمد بابَ بن البخاري بن الفلالي رحمهم الله تعالى، وهي أنه أرسل إلي رسالة قال فيها: رأيت بعدك - وأنا في النوم - أن الناس تتحدث أن العلماء أهل المذاهب يؤتون المذاهب من أصل الروضة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنت - أصلحك الله وذريتك ووقاك وإياهم كل مكروه في الدنيا والآخرة - ممن أعطي المذهب المالكي من أصل الروضة المكرمة.
ثم إني بعد أن ثبت عندي هذا مشيت حتى أتيت الروضة الشريفة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وكنت أقرأ كتابي في الصلاة عليه ﷺ حتى خرج لي من القبر الشريف وكلمته ﷺ . فالذي عندي أن هذا إذْنٌ في اشتغالك بالفقه المالكي، وإيذَانٌ بقبول شرحك على مختصر الشيخ خليل ﵀ ورحمنا ببركته وبركة أوليائه. اه
اعلم وفقني الله وإياك - أن المقصود من تعلم العلم وتعليمه، عبادة الله تعالى به لتوقفها عليه، فلذا كان الاشتغال به أفضل الأعمال، ولا يصلح عمل إلا بإخلاص النية لوجه الله تعالى، قال جل من قائل. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه (إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١))، قال الشيخ
стр. 67
أحمد بن عبد العزيز الهلالي نفعنا الله به: فقد دلت الآية الكريمة على أن صورة العبادة الظاهرة من الاشتغال بالعلم أو غيره لا عبرة بها إلا مع إخلاص النية لوجهه الكريم؛ فالنية والعمل بهما تمام العبادة، فهي أحد جزأي العبادة لكنها خير الجزأين؛ لأن الأعمال بالجوارح إنما طلبت ليميل القلب إلى الخير وينفر عن الشر، فالمراد بالسجود: خضوع القلب لا مجرد وضع الجبهة على الأرض، والمراد بالزكاة. إزالة رذيلة البخل لا إزالة الال عن ملك الغني.
ودل الحديث الشريف على أن الأعمال معتبرة بالنية؛ فمن نوى بها خيرا كانت له خيرا، ومن نوىَ بها شرا كانت عليه شرا: ومن أراد بها مباحا كانت ضائعة، وإن كانت صورتها صورة عبادة فالسجدة مثلا تكون عبادة إذا كانت لله، وكفرا إذا كانت لصنم ومعصية دون الكفر إذا كانت لتعظيم سلطان من غير اعتقاد ربوبية.
والاشتغال بالعلم يكون أفضل أعمال البر إذا نُوِيَ به امتثال أمر الله تعالى في تعاطيه وفي العمل به، ويكون معصية إذا قصد به التكبر على الأقران، واجتلاب الال من وجه حرام، كالرشوة، وقبض الأعطية من الأموال المغصوبة، وشبه ذلك، ويكون فضولا إذا نوي به الفضول كاجتلاب المباح المستغنى عنه.
فأهم الأشياء على العاقل - ولا سيما في جانب تعاطي العلم - تصحيح النية، بأن ينوي بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه امتثال أمر الله ، وبفعل المباح أو تركه الاستعانة على الطاعة، لتكون جميع حركاته وسكناته طاعة، وتنميتها بأن ينظر فيما عزم عليه من فعل أو ترك، فإن وجده يحتمل وجوها من الخير نواها كلها. حكى في المدخل عن بعض الشيوخ أنه كان مع صاحب له في حائط. فدق شخص الباب، فقام إليه الصاحب فلحقه الشيخ، وسأله بأي نية قام. فقال: لأفتح الباب، قال: لا غير؟ قال: هو ذاك، فعاب عليه الشيخ، وقال: إنما قمت أفتح الباب. وكذا وكذا: وعدد له من النيات، فإذا هي خمس وعشرون.
وقد ذكر في المدخل في قضاء حاجة الإنسان - الذي هو أهون الأمور من الضروريات - نيفا وسبعين خصلة، فإذا نواها الإنسان حين خروجه للخلاء يحصل له نيف وسبعون حسنة فإذا منعه مانع من فعلها فقد ربح تلك الحسنات في نيته، وإذا فعلها حصلت له سبع مائة حسنة
стр. 68
ونيف؛ لحديث الصحيحين: (من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات (١)).
وكل ما يعرض للإنسان من حركة أو سكون فلا يخلو من أن يكون مأمورا به وجوبا أو ندبا، أو منهيا عنه تحريما أو كراهة، أو مباحا وأقل ما ينوي العاقل بفعل الأول بقسميه امتثال أمر الله في فعله، وفي الثاني بقسميه امتثال أمر الله تعالى بتركه، وفي الثالث أن الله تعالى تفضل عليه بإباحته، وأنه لو نهاه عنه ما فعله، فإن قدر على تنمية تلك النيات فله بحساب ما نوى، فينوي بدخول المسجد والجلوس فيه مثلا أنه زائر لبيت ربه ويرجو إكرامه؛ لأن الكريم المزور يكرم، فما ظنك بأكرم الأكرمين؟ وينوي المرابطة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، فقد قيل هي انتظار الصلاة بعد الصلاة، وينوي الجوار؛ فإنه مستحب، ولا يشترط فيه الصوم ولا إتمام النهار، وينوي الخلوة ودفع الشواغل المانعة من التفكر في الآخرة والاستعداد لها، وينوي إفادة العلم واستفادته أو كليهما، كتنبيه من قصر في شيء من أحكام صلاته، وأن يشغل نفسه عن المعاصي وعن الفضول، وأن يقتدي به غيرد في فعل الخير وغير ذلك، وكذا سائر أعمال البر فينوي طالب العلم - تفصيلا إن قدر في كل مسألة، وإلا فإجمالا - أداء المفروض عليه بتعلمه ما يلزمه في خاصة نفسه، وما زاد ينوي به القيام بفرض الكفاية، ولا يقتصر على نية الندب؛ لأن أجر الفرض أعظم بكثير، وينوي أن يعمل بما علَّمه الله في خاصة نفسه، وأن يعلمه كل من أمكنه تعليمه، وينوي نفع الطبقات بالوسائط علما وعملا إلى يوم القيامة، وأن يشغل نفسه بطاعة الله عن معصيته، وعن الفضول الذي فيه تضييع العمر الذي هو رأس المال؛ وفيه مع ذلك شغل الكرام الكاتبين بما لا خير فيه، وقراءته على رؤوس الأشهاد حين يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فيخجل في موقف الأهوال والشدائد وهو جوعان عطشان عُريان، وتشتد حسرته لكونه لم يشتغل بالعمل الصالح الذي هو في غاية الاضطرار إليه في ذلك الموقف، وفيه أيضا توبيخه بأن يقال له لم فعلت كذا أو قلت كذا؟
стр. 69
فتنقطع حجته بين يدي علام الغيوب، ويبهت ولا يجد جوابا، وإذا كان هذا حاله في الفضول، فكيف في المعاصي. نسأل الله العفو والعافية.
واعلم أن في الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١)).
وفيه: (من علم آية من كتاب الله أو بابا من العلم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة (٢)): قال العلماء في بيان كون العلم لا ينقطع بالموت: إنه إذا علم العالم شخصا، فعمل المتعلم بعد موت العالم بما علمه. يكتب له أجر تسببه، وهكذا في كل من عمل به إلى يوم القيامة، وإذا علم المتعلم آخر حصل للشيخ أجران؛ لأنه تسبب لتلميذه وتلميذ تلميذه في حصول الأجر لهما، فإذا علم التلميذ الثاني ثالثا حصل للشيخ الأول أربعة أجور زيادة على ما مر، لأنه تسبب للتلميذ الأول في أجرين ولكل من الثاني والثالث في الأجر، فإذا علم الثالث رابعا حصل للشيخ الأول ثمانية أجور فإذا علم الرابع خامسا فللأول ستة عشر، وفي السادس اثنان وثلاثون، وفي السابع أربع وستون. وفي الثامن ثمانية وعشرون ومائة، وفي التاسع ست وخمسون ومائتان، وفي العاشر اثنا عشر وخمس مائة. فإن ضممت ما في العاشر إلى ما قبله كان ثلاثة وعشرين وألفا - والحسنة بعشر أمثالها - فيكون ذلك ثلاثين ومائتين وعشرة آلاف.
وهكذا يتضاعف له الأجر في كل مرتبة إلى منتهى السلسلة، وهذا في نفس تعليم مسألة واحدة لمتعلم واحد، فإذا تعدد التعليم والمتعلمون في كل طبقة تضاعفت الأجور بقدر ذلك، وتتضاعف بحسب تعدد العمل بذلك وفي الحديث: (من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل (٣))، فتتناهى إلى غاية لا يعلمها إلا واهب ذلك،
فالحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده:
والمرء في ميزانه أتباعه … فاقدر إذا قدر النبي محمد
стр. 70
صلى الله عليه وسلم تسليما وعلى آله وصحبه، وفي الحديث: (ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهادُ في طلب العلم إلا كبصقة في بحر (١))، وروى القرطبي في تذكرته عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (مسألة واحدة يتعلمها المؤمن خير له من عبادة سنة وخير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل، وإن طالب العلم والمرأة المطيعة لزوجها والولد البار لوالديه يدخلون الجنة بغير حساب (٢))، قال العلماء. والتعليم يكون بالمشافهة وبالتأليف والتدوين، فكل من فهم مسألة من التأليف فمؤلفه معلمه إياها، ومن هنا يظهر أن التعليم بالتأليف أكثر ثوابا منه بالمشافهة، لأن في التأليف ما فيها وزيادة ما يحصل بالكتاب لبقائه وانقطاعها، ولله در سيدي عبد الواحد بن عاشر حيث يقول:
لله من صنعه في خلقه عجب … كادت حقائق في الوجود تنقلب
كِلْمٌ بعين ترى لا الأذن تسمعها … خطابها حاضر وأهلها ذهبوا
ولله در القائل:
لنا جلساء لا يمل حديثهم … ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم من مضى … وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة … ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أحياء فلست بكاذب … وإن قلت أموات فلست مفندا
وفي رياض الصالحين عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: (فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم الورع (٣))، وعنه ﷺ أنه قال: (الدال على الخير كفاعله (٤))،
стр. 71
وقال: (توضع الموازين يوم القيامة، فتوضع حسنات العبد في ميزانه فتخف فيؤتى بمثل السحاب والغمام كثرة فتوضع في ميزانه فتثقل، فيقال له: هل تدري ما هذا؟ فيقول: لا: فيقال: هذا ثواب ما علمت الناس من الخير فعملوا به وعلموه من بعدك)، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال. (إن العبد الذي يعلم الناس الفقه والخير إذا عرض يوم القيامة على الله تعالى، يقول الله : مرحبا مرحبا، أنت الذي تحبب إلي عبادي وتحببني إلى عبادي، البس حلة كرامتي، فيلبس حلة لم تر العين مثلها قط، ويتوج بتاج في ركن ذلك التاج ياقوتة بيضاء تضيء مسيرة أيام وليال، ثم يقول الله جلاله: يا ملائكة الرحمة شيعوا عبدي حتئ تردوه على الذين كان يعلمهم القرآن والخير والفقه في الدنيا).
واعلم أن أقسام التأليف سبعة لا يؤلف العاقل إلا في أحدها: إما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو ناقص يتممه، أو مستغلق يبينه، أو طويل يختصره دون إخلال بمعانيه: أو متفرق يجمعه، أو مختلط يرتبه. أو خطأ يصلحه، وللشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي:
في سبعة حصروا مقاصد العقلا … من التآليف فاحفظها تنل أملا
أبدع تمام بيان لاختصارك في … جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا
قال الشيخ العارف بالله تعالى مولانا أبو المودة خليل رَوَحَ الله تعالى روحه وأفاض علينا فتوحه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ الكلام على البسملة من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها، وإعرابها، ومعنى تركيبها، وسبب الابتداء بها: وحكمها، وفضلها، وكتابتها: وقرءانيتها.
أما معنى مفرداتها فإن الباء للمصاحبة، والمراد منها التبرك، فكأن المبتدئ بالبسملة يقول: أفعل كذا حال كوني متبركا فيه ببسم الله، فالمصطحبان هما العمل المبدوء بها أو البادئ، ومدخول الباء والتبرك منسحب على جميع العمل سواء قدر العامل عاما كأبدأ، أو خاصا كأولف أو ءاكل مثلا، ويحتمل أن تكون الباء هنا للاستعانة، والراد بذلك كون مدخول الباء واسطة في حصول العمل على الوجه المعتد به: وباء الاستعانة هي الداخلة على ءالة الفعل، نحو كتبت بالقلم بمعنى أن القلم هو الواسطة لي في حصول الكتابة. وكذا هنا، فيقال: معناها أن اسم الله تعالى هو
стр. 72
الواسطة في حصول العمل المشروع فيه لبركة الاسم الشريف، فمئال المصاحبة والاستعانة هنا واحد، وقيل. إن الباء هنا بمعنى على، والظاهر أن القائل بذلك أراد الاستعلاء المجازي، نحو: سر على اسم الله: وقيل: إنها للإلصاق، وهذان راجعان لما قبلهما، وقد قالوا: إن معاني الكتب السماوية مجموعة في القرآن، ومعاني القرءان مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها السيوطي: وجه الجمع في بائها بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، والباء للإلصاق، فهي تلصق العبد بجانب الرب، وذلك كمال المقصود. قاله الشيخ عبد الباقي. وفيه: أن الباء حرف شفهي تنفتح الشفة به ما لم تنفتح بغيره من الحروف، فالميم وإن كان شفهيا لا تنفتح الشفة به كما تنفتح بالباء حسا، وكان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية في عهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ في جواب "بلى"، فاختارها الله تعالى، ورفع قدرها، وأعلى شأنها، وجعلها مفتاح كتابه، وقرنها باسم ذاته وصفاته، وقيل: إن الباء هنا زائدة وهو مرغوب عنه، ومن الغريب أنها للقسم؛ أي القسم على أن ما في هذه السورة حق ونحوه في الغرابة قول من قال إنها للتعدية متعلقة بالحمد، يعني في الفاتحة ونحوها مما ذكر فيه الحمد بعدها، ولبعضهم في جميع معاني الباء:
تعد لصوقا واستعن بتسبب … وبدل صحابا قابلوك بالاستعلا
وزد بعضهم إن جاوز الظرف غاية … يمينا تحز للبا معانيها كلا
فباء التعدية هي المعاقبة للهمز نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهبه، فليس معنى ذهبت بزيد أنك مصاحب له في الذهاب؛ خلافا للمبرد والسهيلي، والإلصاق هوأصل معانيها وما عداه راجع إليه؛ وهو يكون حقيقيا نحو: أمسكت بزيد، ومجازيا نحو: مررت بزيد أي ألصقت مروري بمكان يقرب منه، وقيل: للاستعلاء، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾، والسببية نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، والبدل نحو قول الأنصاري رضي الله تعلى عنه: ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة أي بدلها، والمصاحبة نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ أي معه أي كافرين، والمقابلة نحو: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وبهذا يتبين لك أنه لا تعارض بين
стр. 73
الآية، وقوله ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله (١))؛ لأن الباء في الحديث للسببية والباء في الآية باء العوض، وإنما لم تكن الأولى للسببية، لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا. والمسبب لا يوجد بدون السبب، وقالت المعتزلة قبحهم الله تعالى: إن الباء في الآية للسببية. والاستعلاءُ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾، وباء الاستعلاء هي التي يصلح في موضعها على: والزائدة نحو، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ونحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: ونحو: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، والتبعيض نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. والعجاوزة نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ والظرف نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾: والغاية نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾، أي إلي، وقيل: ضمن معنى لطف واليمين نحو بالله لأفعلن أو بالله هل قام زيد؟ أي أسألك بالله مستخبرا. وهذا الأخير هو القسم الاستعطافي.
والاسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى مَّا فيتناول الاسم النحوي وقسيميه. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ يتناول جميع ذلك، والمسمى هو مدلول اللفظ، ومسألة الاختلاف في الاسم، هل هو عين المسمى، أو غيرة؟ مسألة طويلة الذيل قليلة النيل؛ إذ الخلاف فيها لفظي، وفي الحديث أنه ﷺ قال لعمر بن أبي سلمة، وهو صغير ويده تطيش في الصحفة: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك (٢))؛ أي اذكر اسم الله. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ أي وضعت لها هذا الاسم، وعينته للدلالة عليها، ومنه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وبنى بعضهم على الخلاف المتقدم أن من قال لزوجته: اسمك طالق، تطلق على اتحادهما، لا على الآخر، وأن من قال: بسم الله لأفعلن، تلزمه اليمين على الاتحاد، لا على الآخر، والجاري على مذهبنا عدم لزوم اليمين والطلاق إلا إذا نوى بالاسم الذات مجازا. والله أعلم. ولكون الاسم غير السمى حسن التمني في قول الشاعر:
وقد زعم الواشون أن قد شتمتني … ويا حبذا من فيك لو علموا الشتم
لقد قبل اسمي فاك حين ذكرتني … فليت المسمى مثل ما زعموا الإسم
стр. 74
ولفظ اسم هنا جنس أضيف إلى معرفة، فيعم جميع أسماء الله تعالى، فالتبرك بمصدوقه وهو جميع الأسماء قاله الشيخ الهلالي.
والله: علم خاص بذات مولانا جل وعز المعبود بالحق المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وأكثر العلماء على أن الاسم الأعظم هو الله، قال الشيخ الحطاب: وبه وقع الإعجاز حيث لم يتسَمَ به أحد، واختار النووي تبعا لجماعة أنه: الحي القيوم، وعلى كل فتخلف الإجابة لكثير من الداعين بهما لتخلف شروطها التي منها: أكل الحلال.
ونقل عن سيبويه أن اسم الجلالة أعرف المعارف؛ لأنه لا يقبل الشركة بوجه، وحكي عنه أنه ريء في النوم فأخبر أن الله تعالى فعل به خيرا كثيرا، لقوله: هوأعرف المعارف، ولكون هذا الاسم الشريف جامعا للذات والصفات لا ينتقل الكافر إلى الإيمان إلا به، فلو أنه قال: لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو إلا الملك، أو إلا القدوس لم يخرج من كفره. قاله الخرشي.
وللتفتازاني: اعلم أنه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته، فكذا في اللفظ الدال عليه ، هل هو اسم أو صفة؟ مشتق أو غير مشتق عربي أو معرب؟ وقال الإمام الفخر: المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم لله تعالى، وأنه ليس بمشتق؛ وهو قول الخليل وسيبويه، وأكثر الأصوليين، والفقهاء، قال السيد في شرح المواقف: وهو المروي عن أبي حنيفة، والشافعي، والخطابي، والغزالي، واختاره ابن العربي وغيره، قال الغزالي: وكل ما قيل في اشتقاقه فيه تعسف.
واختلف القائلون بالاشتقاق اختلافا كثيرا، ولا دليل قطعي لأحد منهم، وأكثرهم يقولون إله بمعنى مألوه: أي معبود، يقال: أله يأله إلهة كعبد يعبد عبادة وزنا ومعنى، ثم حذفت همزته شذوذا وعوض عنها حرف التعريف وجعل علما، وقيل: أصله الإله، وقد أنكر ابن مالك هذين القولين وبالغ وتقرير إبطالهما، فالأولى عدم التعرض لاشتقاقه. والله تعلى أعلم.
ويفخم لامه بعد غير الكسرة لا بعدها على الراجح، وقيل: يفخم مطلقا للتعظيم ويترجح قطع همزته في النداء للتعظيم أيضا، ويكثر تعويض الميم من حرف النداء الداخل عليه نحو: اللهم، وقد يحذف حرف الجر الداخل عليه في الشعر، ويحذف أل ويبقى الجر كقوله:
стр. 75
لاه ابن عمك لا فضلت في حسب … عني ولا أنت دياني فتخزوني
أي لله ابن عمك، وقد تقلب ألفه المحذوف في الخط ياء، وتقدم عليها الهاء مع حذف حرف الجر وأل، فيقال: لهي أبوك؛ أي لله أبوك بفتح اللام وسكون الهاء وفتح الياء، مبني لتضمنه معنى حرف التعجب.
والرحمن: هو المنعم بالنعم التي لا تدخل تحت كسب العباد؛ كبعث الرسل، والتوفيق للإيمان، وخلق الجنة ونعيمها، ويدل لهذا المعنى اختصاصه بالله تعالى: فإنه لا يجوز إطلاقه شرعا على غيرد ، واستعمال أصحاب مسيلمة إياه فيه لعنة الله عليهم تحريف له عن موضعه، كما حرفوا لفظ النبي فاستعملوه فيه، وقال الحطاب: ومن تسمى به؛ أي الرحمن هلك، وأصله صفة مشتقة من الرحمة، وفي كونها في حقه تعالى بمعنى الإنعام نفسه، أو بمعنى إرادة الإحسان خلاف: الأول للباقلاني. والثاني للإمام الأشعري، وعلى ما للباقلاني يقال: اللهم اجمعنا وأحبتنا في مستقر رحمتك؟ أي الجنة؛ لا على ما للأشعري.
والرحيم: هو المنعم مطلقا، فلذا صح إطلاقه على غير الله ، وذكر بعد الرحمان ليتناول ما لم يتناوله. لأنه تعالى هو المنعم بكل نعمة ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فمتعلق الثاني شامل لمتعلق الأول وزيادة وقيل: الرحمن المنعم بجلائل المنعم، والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية فيهما، وقيل: الرحمن ذو الرحمة العامة لكل مربوب، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بكل محبوب. وأخر عن الأول إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه - كما في الحديث (١) لأن في تخصيص الرحمة بالمحبوبين ترهيبا من سلوك سبيل المغضوب عليهم، فقد اشتملت البسملة إجمالا على ما حصل في الفاتحة من الإشارة إلى أصول العبادة وفروعها، والترغيب، والترهيب، وأحوال المعاد. والإشارة إلى درجات السعداء، ودرك ضدهم، ولا مانع من كونهما للمبالغة، والمبالغة في أسماء الله تعالى راجعة إلى كثرة التعلق التنجيزي. قاله الهلالي.