← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال: (توضع الموازين يوم القيامة، فتوضع حسنات العبد في ميزانه فتخف فيؤتى بمثل السحاب والغمام كثرة فتوضع في ميزانه فتثقل، فيقال له: هل تدري ما هذا؟ فيقول: لا: فيقال: هذا ثواب ما علمت الناس من الخير فعملوا به وعلموه من بعدك)، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال. (إن العبد الذي يعلم الناس الفقه والخير إذا عرض يوم القيامة على الله تعالى، يقول الله : مرحبا مرحبا، أنت الذي تحبب إلي عبادي وتحببني إلى عبادي، البس حلة كرامتي، فيلبس حلة لم تر العين مثلها قط، ويتوج بتاج في ركن ذلك التاج ياقوتة بيضاء تضيء مسيرة أيام وليال، ثم يقول الله جلاله: يا ملائكة الرحمة شيعوا عبدي حتئ تردوه على الذين كان يعلمهم القرآن والخير والفقه في الدنيا). واعلم أن أقسام التأليف سبعة لا يؤلف العاقل إلا في أحدها: إما شيء لم يسبق إليه يخترعه، أو ناقص يتممه، أو مستغلق يبينه، أو طويل يختصره دون إخلال بمعانيه: أو متفرق يجمعه، أو مختلط يرتبه. أو خطأ يصلحه، وللشيخ سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي: في سبعة حصروا مقاصد العقلا … من التآليف فاحفظها تنل أملا أبدع تمام بيان لاختصارك في … جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا قال الشيخ العارف بالله تعالى مولانا أبو المودة خليل رَوَحَ الله تعالى روحه وأفاض علينا فتوحه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ الكلام على البسملة من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها، وإعرابها، ومعنى تركيبها، وسبب الابتداء بها: وحكمها، وفضلها، وكتابتها: وقرءانيتها. أما معنى مفرداتها فإن الباء للمصاحبة، والمراد منها التبرك، فكأن المبتدئ بالبسملة يقول: أفعل كذا حال كوني متبركا فيه ببسم الله، فالمصطحبان هما العمل المبدوء بها أو البادئ، ومدخول الباء والتبرك منسحب على جميع العمل سواء قدر العامل عاما كأبدأ، أو خاصا كأولف أو ءاكل مثلا، ويحتمل أن تكون الباء هنا للاستعانة، والراد بذلك كون مدخول الباء واسطة في حصول العمل على الوجه المعتد به: وباء الاستعانة هي الداخلة على ءالة الفعل، نحو كتبت بالقلم بمعنى أن القلم هو الواسطة لي في حصول الكتابة. وكذا هنا، فيقال: معناها أن اسم الله تعالى هو

стр. 72

الواسطة في حصول العمل المشروع فيه لبركة الاسم الشريف، فمئال المصاحبة والاستعانة هنا واحد، وقيل. إن الباء هنا بمعنى على، والظاهر أن القائل بذلك أراد الاستعلاء المجازي، نحو: سر على اسم الله: وقيل: إنها للإلصاق، وهذان راجعان لما قبلهما، وقد قالوا: إن معاني الكتب السماوية مجموعة في القرآن، ومعاني القرءان مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها السيوطي: وجه الجمع في بائها بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، والباء للإلصاق، فهي تلصق العبد بجانب الرب، وذلك كمال المقصود. قاله الشيخ عبد الباقي. وفيه: أن الباء حرف شفهي تنفتح الشفة به ما لم تنفتح بغيره من الحروف، فالميم وإن كان شفهيا لا تنفتح الشفة به كما تنفتح بالباء حسا، وكان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية في عهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ في جواب "بلى"، فاختارها الله تعالى، ورفع قدرها، وأعلى شأنها، وجعلها مفتاح كتابه، وقرنها باسم ذاته وصفاته، وقيل: إن الباء هنا زائدة وهو مرغوب عنه، ومن الغريب أنها للقسم؛ أي القسم على أن ما في هذه السورة حق ونحوه في الغرابة قول من قال إنها للتعدية متعلقة بالحمد، يعني في الفاتحة ونحوها مما ذكر فيه الحمد بعدها، ولبعضهم في جميع معاني الباء: تعد لصوقا واستعن بتسبب … وبدل صحابا قابلوك بالاستعلا وزد بعضهم إن جاوز الظرف غاية … يمينا تحز للبا معانيها كلا فباء التعدية هي المعاقبة للهمز نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهبه، فليس معنى ذهبت بزيد أنك مصاحب له في الذهاب؛ خلافا للمبرد والسهيلي، والإلصاق هوأصل معانيها وما عداه راجع إليه؛ وهو يكون حقيقيا نحو: أمسكت بزيد، ومجازيا نحو: مررت بزيد أي ألصقت مروري بمكان يقرب منه، وقيل: للاستعلاء، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾، والسببية نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، والبدل نحو قول الأنصاري رضي الله تعلى عنه: ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة أي بدلها، والمصاحبة نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ أي معه أي كافرين، والمقابلة نحو: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وبهذا يتبين لك أنه لا تعارض بين

стр. 73

الآية، وقوله ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله (١))؛ لأن الباء في الحديث للسببية والباء في الآية باء العوض، وإنما لم تكن الأولى للسببية، لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا. والمسبب لا يوجد بدون السبب، وقالت المعتزلة قبحهم الله تعالى: إن الباء في الآية للسببية. والاستعلاءُ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾، وباء الاستعلاء هي التي يصلح في موضعها على: والزائدة نحو، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، ونحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: ونحو: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، والتبعيض نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. والعجاوزة نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ والظرف نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾: والغاية نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾، أي إلي، وقيل: ضمن معنى لطف واليمين نحو بالله لأفعلن أو بالله هل قام زيد؟ أي أسألك بالله مستخبرا. وهذا الأخير هو القسم الاستعطافي. والاسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى مَّا فيتناول الاسم النحوي وقسيميه. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ يتناول جميع ذلك، والمسمى هو مدلول اللفظ، ومسألة الاختلاف في الاسم، هل هو عين المسمى، أو غيرة؟ مسألة طويلة الذيل قليلة النيل؛ إذ الخلاف فيها لفظي، وفي الحديث أنه ﷺ قال لعمر بن أبي سلمة، وهو صغير ويده تطيش في الصحفة: (سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك (٢))؛ أي اذكر اسم الله. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ أي وضعت لها هذا الاسم، وعينته للدلالة عليها، ومنه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وبنى بعضهم على الخلاف المتقدم أن من قال لزوجته: اسمك طالق، تطلق على اتحادهما، لا على الآخر، وأن من قال: بسم الله لأفعلن، تلزمه اليمين على الاتحاد، لا على الآخر، والجاري على مذهبنا عدم لزوم اليمين والطلاق إلا إذا نوى بالاسم الذات مجازا. والله أعلم. ولكون الاسم غير السمى حسن التمني في قول الشاعر: وقد زعم الواشون أن قد شتمتني … ويا حبذا من فيك لو علموا الشتم لقد قبل اسمي فاك حين ذكرتني … فليت المسمى مثل ما زعموا الإسم

стр. 74

ولفظ اسم هنا جنس أضيف إلى معرفة، فيعم جميع أسماء الله تعالى، فالتبرك بمصدوقه وهو جميع الأسماء قاله الشيخ الهلالي. والله: علم خاص بذات مولانا جل وعز المعبود بالحق المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وأكثر العلماء على أن الاسم الأعظم هو الله، قال الشيخ الحطاب: وبه وقع الإعجاز حيث لم يتسَمَ به أحد، واختار النووي تبعا لجماعة أنه: الحي القيوم، وعلى كل فتخلف الإجابة لكثير من الداعين بهما لتخلف شروطها التي منها: أكل الحلال. ونقل عن سيبويه أن اسم الجلالة أعرف المعارف؛ لأنه لا يقبل الشركة بوجه، وحكي عنه أنه ريء في النوم فأخبر أن الله تعالى فعل به خيرا كثيرا، لقوله: هوأعرف المعارف، ولكون هذا الاسم الشريف جامعا للذات والصفات لا ينتقل الكافر إلى الإيمان إلا به، فلو أنه قال: لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو إلا الملك، أو إلا القدوس لم يخرج من كفره. قاله الخرشي. وللتفتازاني: اعلم أنه كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته، فكذا في اللفظ الدال عليه ، هل هو اسم أو صفة؟ مشتق أو غير مشتق عربي أو معرب؟ وقال الإمام الفخر: المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم لله تعالى، وأنه ليس بمشتق؛ وهو قول الخليل وسيبويه، وأكثر الأصوليين، والفقهاء، قال السيد في شرح المواقف: وهو المروي عن أبي حنيفة، والشافعي، والخطابي، والغزالي، واختاره ابن العربي وغيره، قال الغزالي: وكل ما قيل في اشتقاقه فيه تعسف. واختلف القائلون بالاشتقاق اختلافا كثيرا، ولا دليل قطعي لأحد منهم، وأكثرهم يقولون إله بمعنى مألوه: أي معبود، يقال: أله يأله إلهة كعبد يعبد عبادة وزنا ومعنى، ثم حذفت همزته شذوذا وعوض عنها حرف التعريف وجعل علما، وقيل: أصله الإله، وقد أنكر ابن مالك هذين القولين وبالغ وتقرير إبطالهما، فالأولى عدم التعرض لاشتقاقه. والله تعلى أعلم. ويفخم لامه بعد غير الكسرة لا بعدها على الراجح، وقيل: يفخم مطلقا للتعظيم ويترجح قطع همزته في النداء للتعظيم أيضا، ويكثر تعويض الميم من حرف النداء الداخل عليه نحو: اللهم، وقد يحذف حرف الجر الداخل عليه في الشعر، ويحذف أل ويبقى الجر كقوله:

стр. 75

لاه ابن عمك لا فضلت في حسب … عني ولا أنت دياني فتخزوني أي لله ابن عمك، وقد تقلب ألفه المحذوف في الخط ياء، وتقدم عليها الهاء مع حذف حرف الجر وأل، فيقال: لهي أبوك؛ أي لله أبوك بفتح اللام وسكون الهاء وفتح الياء، مبني لتضمنه معنى حرف التعجب. والرحمن: هو المنعم بالنعم التي لا تدخل تحت كسب العباد؛ كبعث الرسل، والتوفيق للإيمان، وخلق الجنة ونعيمها، ويدل لهذا المعنى اختصاصه بالله تعالى: فإنه لا يجوز إطلاقه شرعا على غيرد ، واستعمال أصحاب مسيلمة إياه فيه لعنة الله عليهم تحريف له عن موضعه، كما حرفوا لفظ النبي فاستعملوه فيه، وقال الحطاب: ومن تسمى به؛ أي الرحمن هلك، وأصله صفة مشتقة من الرحمة، وفي كونها في حقه تعالى بمعنى الإنعام نفسه، أو بمعنى إرادة الإحسان خلاف: الأول للباقلاني. والثاني للإمام الأشعري، وعلى ما للباقلاني يقال: اللهم اجمعنا وأحبتنا في مستقر رحمتك؟ أي الجنة؛ لا على ما للأشعري. والرحيم: هو المنعم مطلقا، فلذا صح إطلاقه على غير الله ، وذكر بعد الرحمان ليتناول ما لم يتناوله. لأنه تعالى هو المنعم بكل نعمة ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فمتعلق الثاني شامل لمتعلق الأول وزيادة وقيل: الرحمن المنعم بجلائل المنعم، والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية فيهما، وقيل: الرحمن ذو الرحمة العامة لكل مربوب، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بكل محبوب. وأخر عن الأول إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه - كما في الحديث (١) لأن في تخصيص الرحمة بالمحبوبين ترهيبا من سلوك سبيل المغضوب عليهم، فقد اشتملت البسملة إجمالا على ما حصل في الفاتحة من الإشارة إلى أصول العبادة وفروعها، والترغيب، والترهيب، وأحوال المعاد. والإشارة إلى درجات السعداء، ودرك ضدهم، ولا مانع من كونهما للمبالغة، والمبالغة في أسماء الله تعالى راجعة إلى كثرة التعلق التنجيزي. قاله الهلالي.

стр. 76

وفي الحطاب: أنهما صفتان للمبالغة من رحم بالكسر بعد نقله إلى فعل بالضم، أو تنزيله منزلة القاصر. انتهى. ولا محذور في كون الأسماء مشتقة من المصدر؛ لأن المحكوم عليه بالاشتقاق هو اللفظ فقط، وهو حادث، والقديم هو المعنى ولا يتصور فيه اشتقاق. وبالله تعالى التوفيق. وأما إعرابها فإن الباء متعلقة بمحذوف، والمختار كونه فعلا؛ لأن أصل العمل للفعل مؤخر للدلالة على الاهتمام والاختصاص، فيقصد الموحد تخصيص اسم الله بالابتداء للاهتمام، والرد على الكفار حيث كانوا يبدءون بأسماء، ءالهتهم، فيقولون: باسم اللات وباسم العزى، والأولى أيضا أن يقدر العامل المذكور خاصا كأولف هنا، لا عاما كأبدا، والمشروع فيه يعين المحذوف في كل مقام، فيقدر عند القراءة: أقرأ، وعند الشراب: أشرب، وهكذا، وقيل: يقدر اسما مبتدءا، والجار والمجرور هو الخبر، فيتعلق بالكون التام وصفا أو فعلا، فإن جعل الخبر كائن كما هو الصحيح، وبسم الله معموله: ففي رفعه لنيابته عنه ونصبه قولان، قاله الشيخ عبد الباقي. واعلم أن الظرف بالمعنى الشامل للمجرور إذا وقع خبرا كما هنا على أحد الوجهين المتقدمين، أو وصفا، أو حالا، أو صلة سمي مستقرا بفتح القاف، اسم مكان الاستقرار، لأنه استقر فيه الضمير المنتقل إليه من العامل المحذوف، وإن كان غير الأربعة سمي لغوا لإلغاء الضمير منه، والقدر المذكور واجب الحذف؛ لأن هذا كلام جرى مجرى الأمثال. واعلم أن مقدرات القرءان ضمائرَ مستترةً أو غيرها معانيها من المعاني القرءانية، وأما ألفاظها فليست منه لأنها معدومة، والاسم مأخوذ من السمو عند البصريين وهو العلو؛ لأن الاسم يعلي مسماه ويرفعه من حالة الجهلية إلى ضدها؛ ولذا يكثرون أسماء الشيء الذي لهم به عناية. وأصله سحو كقنو أو عضد حذفت لامه وعوض عنها همزة الوصل بعد تسكين أوله، ويدل على هذا تصغيره وتكسيره. والفعل وهو سميت وسائر تصاريفه، وعند الكوفيين من الوسم وهو العلامة، وأجابوا عن دليل البصريين بأنه من القلب بجعل الفاء في موضع اللام، ورد بأن البناء كامل التصاريف، وإنما يدعى القلب في ناقصها، وللداني ﵀: واشتق الاسم من سما البصريون … واشتقه من وسم الكوفيون

стр. 77

والمذهب القدم الجلي … دليله الأسماء والسمي وفعل التسمية يتعدى بنفسه إلى مفعولين. نحو: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾، ومثله أسميت بالهمزة كقوله: والله أسماك سمى مباركا … آثرك الله به إيثاركا وليس من باب ظن؛ لأن المراد من الأول الذات، ومن الثاني مجرد اللفظ، والمفعولان في باب ظن يجب تصادقهما على ذات واحدة، ويجوز هنا في المفعول الثاني جره بالباء ومطاوع سمى يتعدى لواحد فقط. إما بنفسه كقولك: تسميت زيدا أو بالباء، كحديث: (تسموا باسمي ولا تَكنوا بكنيتي (١)) ومنه قول بعضهم: تصدر للتدريس كل مهوَّس … بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا … ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس والمهوس بالفتح الذي أصابه الهوس: وهو طرق من الجنون، وفي الاسم ثمان عشرة لغة جمعها بعضهم في قوله: اسم سم سما سماء وسمه … سماة ثلثهن نلت المكرمه ونظمها الشيخ الأجهوري، فقال: ثلث من اسم سماء مع سم سمة … كذا سماة سمى بَدْءا لهن تف واسم الجلالة مضاف إليه ما قبله مجرور بالمضاف، وإضافته محضة مقدرة باللام وليست إضافته بيانية الآن مصدوق الأول الألفاظ ومصدوق الثاني الذات: بدليل إتباعه بما بعده من الرحمن

стр. 78

الرحيم وهما نعتان لاسم الجلالة أو الأول بدل أو بيان؛ لأن البيان قد يرد للمدح كالنعت، وعلى هذا يكون الرحيم نعتا للرحمن. وأما معنى تركيبها فاعلم أن البسملة نقلت من الخبر للإنشاء؛ فهي لإنشاء التبرك لأنه يحصل عند النطق بها أي أفعل كذا، حال كوني متبركا في فعلي بالواجب الوجود الذي هو الله الرحمن الرحيم من الأسماء، وقدم اسم الجلالة لعلميته واختصاصه به تعالى، وكونه أعرف المعارف، وكونه الاسم الأعظم عند الأكثر، وقدم الرحمن على ما بعده لاختصاصه به تعالى، فكان أنسب باسم الجلالة. والله تعالى أعلم. وخصت التسمية بهذه الأسماء الكريمة للتنبيه على أن الذي يستحق أن يستعان به في الأمور كلها ويتبرك بأسمائه هو الله، المعبود بالحق، المدلول عليه بأولها، المنعم بالمنعم الجليلة والدقيقة، المختص بذلك في الدارين على الحقيقة، المدلول عليه بثانيها وثالثها، فينتقل المعارف بكليته إليه، ولا يتكل في شيء من أمور الدنيا والآخرة إلا عليه، وفي ذكر الوصفين بعد العَلَمِ ترغيب وترهيب، وإشارة إلى جميع الأسماء الحسنى؛ لأن من له المنعم كلها عامها وخاصها لا يكون إلا في غاية الكمال. والله تعالى أعلم قاله الشيخ الهلالي. واعلم أن الرحمة في اللغة رقة القلب وانعطافه، فتقتضي التفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها وحفظها له: وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغاية؛ إذ هي التي يمكن صدورها عنه ، فيراد بالرحمن: المحسن المتفضل بالإرادة والاختيار التي هي تأثيرات دون المبادي لاستحالتها في حقه ، فلا يراد بها رقيق القلب ولا المتعطف. قاله الشيخ عبد الباقي. ومر أنها اشتملت إجمالا على ما حصل في الفاتحة من الإشارة إلى أصول العبادة وفروعها، والترغيب والترهيب وأحوال المعاد، والإشارة إلى درجات السعداء ودرك ضدهم وأما سبب الابتداء بها فالاقتداء بالقرآن العظيم، وسنة النبي محمد ﷺ الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولامتثال ما ورد عنه ﷺ ، والتأسي بفعل السادة الأخيار والقادة الأحبار، وقد أجمع علماء كل أمة أن الله افتتح كل كتاب ببسم

стр. 79

الله الرحمن الرحيم، وفي الجامع الصغير: (بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب (١))، (وكان ﷺ يبدأ بها في رسائله (٢))، وفي الحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع (٣))، وذو بمعنى: صاحب والبال هنا الشأن، وتنكيره للتعظيم، فقوله ﷺ : ذي بال، أي شريف يحتفل به ويهتم به وخص الأمر بذي البال، تعظيما لاسم الكبير المتعال، أن لا يذكر في كل ما يعرض مما ليس له بال، وتخفيفا على العباد أن لا يطلب منهم الابتداء به في جميع الأعمال. ولما كان للموجود أربع وجودات: وجود في العين، ووجود في الذهن، ووجود في العبارة، ووجود في الكتابة، ناسب أن يصدر كل نوع في الوجود بالحق سبحانه؛ فكأنه أشار بذكر اسمه إلى أن أول الموجودات العينية هو الحق سبحانه، وأن أول المعارف الحقيقية معرفة الحق تعالى، وأول الأذكار ذكر اسمه، وأول النقوش نقش اسمه تعالى. أشار له الشيخ عبد الباقي. ولما كان تأليف هذا الكتاب أمرا ذا بال بدأه المص بها، والباء الداخلة على لفظ بسم الله الرحمن الرحيم لتعدية يُبْدَأ لقصد حكاية البسملة كاملة إلى الرحيم، وقوله أقطع، بدون ضمير منفصل قبله: خبر كُلُّ. ولا حاجة إلى تقدير ضمير قبله مدخول للفاء أي فهو أقطع كما فعله بعضهم، وهو من قطع العضو كفرح فهو أقطع واليد قطعاء كأحمر وحمراء إذا ذهب من قطع أو علة، ويقال للرجل: أقطع وللمرأة قطعاء، وهذا تشبيه بليغ بحذف الأداة والوجه، أي وجه التشبيه، والتقدير هو كالأقطع في النقصان، والقصد به التنفير عن ترك الابتداء بها، وفي رواية أجذم وهو مقطوع الأنف ومقطوع الكف أصلا، وفي رواية أخرى أبتر وهو فاقد الذنب بقطع أو خلقة من جنس ماله ذنب والبسملة كافية في التبرك بها في نفسها، وفي المبدو بها فلا تحتاج إلى بسملة أخرى فاندفع الإشكال بأن البسملة من ذوات البال فيلزم التسلسل، ونظير ذلك المخرج في الزكاة كاف عن نفسه وعن غيره، واستقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وكذا

стр. 80

معظم كتب الرسائل، قال الشيخ الهلالي: وقد استقر عمل الناس اليوم على الاكتفاء عنها بالحمد في الرسائل والأسئلة والأجوبة، لأن المقصود ذكر الله تعالى وهو حاصل بالحمد. وأما حكمها فقد فهم من الحديث أن البسملة أو ما يقوم مقامها تشرع في كل أمر ذي بال وحكمها مختلف، فتجب في الذكاة، وتسن عند الأكل والشرب، وتندب فيما سوى ذلك، وخص من عموم الحديث الصلاة المفروضة عند مالك ﵁، ولا تشرع في محرم ولا مكروه بل تكره فيهما، وقيل: تحرم في المحرم. وذكر السعد في شرح العقائد النسفية أن التسمية عند الفواحش ردة والعياذ بالله تعالى، واتفق العلماء على استحبابها في ابتداء القرآن العظيم في غير الصلاة. قاله الهلالي. وفي كتاب الأمير أنها: تحرم في ابتداء براءة، عند ابن حجر، وقال الرملي بالكراهة، وأما في أثنائها فتكره عند الأول وتندب عند الثاني ولا أعلم نصا لأصحابنا، والظاهر موافقة الرملي فإن الحرمة إنما تظهر على جعلها أول كل سورة من القرآن، فكأنه أدخل فيه ما ليس منه وليس ذلك مذهبنا. انتهى. واختلف فيما إذا كان الكتاب كله شعرا، فعن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك وتابعه على ذلك الجمهور، وهذا في غير الشعر المحتوي على علم أو وعظ فهذا لا شك في دخوله في كتب العلم، ومن المحتوي على علم ما اشتمل على مدحه ﷺ وفي غير الشعر المحرم فإن التسمية لا تشرع فيه. قاله الهلالي. وقال الشيخ الأمير: ويعرض للتسمية الوجوب بخصوصها إذا نذرت، وهل ولو في الفرض نظرا لذات الذكر كصوم رابع النحر؟ انتهى. وسيأتي أن الواجب في الذكاة مطلق اسم الله. انتهى. وقال الهلالي: يطلب التعوذ في ابتداء قراءة العلم لأنه إذا طلب في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالعلم أحرى وقال صاحب المدخل في كيفية شروع العالم في التدريس: يفتتح الإقراء فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ليكفى شر في مجلسه، ثم يسمي الله تعالى ليعتزله الشيطان؛ لأن كل شيء سمي الله تعالى في أوله لم يحضره الشيطان، ثم يصلي على النبي ﷺ لتحصيل البركة في مجلسه، ثم يترضى عن الصحابة لأنهم الذين نقلوا

стр. 81

ما جلس له، ثم يتبرأ من حوله وقوته بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثلاثا، ولو قالها سبعا لحسن اه. وكذلك كان المحققون من العلماء يفعلون في ابتداء قراءة العلم والرسائل وقدم التعوذ على البسملة؛ لأنه من درء المفاسد وهو مقدم على جلب المصالح، وقد نص العلماء على أنه لا ينبغي أن يفصل بين البسملة والقرآن بشيء، فمن صلى على النبي ﷺ بعد البسملة ولم يعد التعوذ فكأنه ترك التعوذ أصلا. وأما غير القراءة فزيادة الصلاة فيه بعد البسملة حسنة وأما فضلها، ففي الحديث أنه ﷺ قال: وقد سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم (اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب (١))، وصحح الحاكم أنه ﷺ قال: (من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة (٢)). وقال ﷺ : (يا علي إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن الله يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء (٣))، وقال ﷺ : (من قال بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، صرف الله عنه سبعين بابا من البلاء أدناها الغم والهم واللمم). وقال ﷺ : (من قال حين يصبح بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ويدفع الله عنه اثنين وسبعين بابا من البلاء أدناها الجذام والبرص، ويوكل الله تعالى به سبعين ملكا يستغفرون له إلى الليل)، وقال ﷺ : (ستر ما بينكم وبين الجن أن تقولوا بسم الله الرحمن الرحيم (٤))، وقال ﷺ : (خير الناس وخير من مشى على الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه

стр. 82

أعطوهم ولا تستأجروهم، فإن المعلم إذا قال للصبي: قل بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب الله تعالى للصبي ولوالديه وللمعلم براءة من النار (١). ومر عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتا، فلما قضى حاجته مر على القبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور نزلوا عليه، فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله تعالى، فأوحى الله تعالى إليه يا عيسى: كان هذا العبد عاصيا وكان في عذابي وقد ترك امرأة حبلى فولدت ولدا فربته ثم إنها أسلمته للمعلم فلقنه بسم الله الرحمن الرحيم فاستحييت أن أعذبه وولده يذكر اسمي، وقال ﷺ : (لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية (٢))، والجواز الصك فيه الأمان، والجواز أيضا الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، قال الراجز: يا قيم الماء فدتك نفسي … عجل جوازي وأقل حبسي قال في الصراط المستقيم: إذا تليت البسملة عند النوم إحدى وعشرين مرة أمن تلك الليلة من الشيطان الرجيم ومن السرقة وموت الفجأة؛ وهي دفع لكل بلاء، وإذا تلاها في وجه ظالم خمسين مرة ذل له وألقى الله في قلبه الهيبة، وإذا تليت في أذن المصروع إحدى وأربعين مرة أفاق، وإذا تلاها عند طلوع الشمس وهو مقابل لها ثلاثمائة مرة، وصلى على النبي ﷺ مائة مرة رزقه الله من حيث لا يحتسب، ولا يحول عليه الحول إلا وقد أغناه الله تعلى ببركة بسم الله الرحمن الرحيم وقيل: إنها اسم الله الأعظم، وإذا تلاها المسجون أو تليت له ثلاثة أيام كل ليلة وكل يوم ألف مرة خلصه الله تعالى. اهـ. وقال ﷺ : (أول ما كتب القلم بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كتبتم كتابا فاكتبوها أوله فإنها مفتاح كل كتاب) ولا نزل بها جبريل أعادها ثلاثا، وقال: هي لك ولأمتك

стр. 83

فمرهم لا يدعونها في شيء من أمورهم، فإني لم أدعها طرفة عين منذ نزلت على أبيك آدم وكذلك الملائكة. وأما كتابتها، فعن أنس ﵁ مرفوعا: (إذا كتبتم كتابا فجودوا بسم الله الرحمن الرحيم تقض لكم الحوائج وفيه رضى الرحمن (١))، وعن ابن مسعود مرفوعا أيضا: (من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فلم يعور الهاء التي في اسم الله، كتب الله له عشر حسنات؛ ومحا عنه عشر سيئات: ورفع له عشر درجات (٢)). وقال ﷺ : (من كتب بسم الله الرحمن الرحيم وجودها تعظيما لله تعالى غفر الله له ومن رفع قرطاسا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالا لله تعالى أن يداس، كتب عند الله من الصديقين) ورأى علي ﵁ رجلا يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: جودها؛ فإن رجلا جودها فغفر له، وكان ﷺ يكتب باسمك اللهم، فلما نزلت في سورة هود: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ كتب بسم الله، فلما نزلت في سورة سبحان: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ كتب بسم الله الرحمن، فلما نزلت في سورد النمل ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كتب بسم الله الرحمن الرحيم. قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ مجريها مبتدأ وخبره بسم الله، والمعنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها، لا بهبوب الريح ولا بالمرسى. هذا هو الراجح، وجعل بعضهم قوله: بسم الله، متعلقا باركبوا حالا أي اركبوا فيها بسم الله أي قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو للمكان أو للمصدر والمضاف محذوف كقولهم ءاتيك خفوق النجم، وانتصابهما بما قدر حالا قاله الشيخ عبد الباقي. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أَلِق الدواة وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك (٣)). انتهى. يقال: لاق الدواة ليقا كباع، وألاقها رباعيا إذا أصلحها، ولاقت هي

стр. 84

صلحت لازم متعد، والمراد بصلاحها أن يلزق مدادها على صوفة، والأمر من الثلاثي لِقْ كيع، ومن الرباعي ألِقْ كأفِق، ومنه ألق الدواة أي أصلحها وهيئها للكتابة حتى لا تتعب في الكتب، ومعنى حرف القلم اقطعه قطعا محرفا، بأن يجعل طرف أحد شقيه أطول من الآخر قليلا، قال بعضهم: الأيمن هو الذي يجعل أطول والأقصر هو الذي يلي الكاغد عند الكتابة، ومعنى أقم الباء اجعلها قائمة معتدلة غير منعطفة، ومعنى فرق السين بَعِّدها من الميم، بأن يجعل بينهما فرجة. قاله بعضهم. ويحتمل أن يكون المعنى فرق رؤوسها الثلاثة بعضها من بعض لئلا تختلط، ومعنى لا تعور الميم بعين مهملة لا تطمسها واتركها مفتوحة، ومعنى حسن الله اكتب لفظة الجلالة كتابة حسنة بخط حسن، وقلم حسن، ومداد حسن تعظيما لله تعالى، ومعنى مد الرحمن أن يمد بين الميم والنون ولعله - والله أعلم - للتنبيه على أن الألف بينهما محذوفة، ومعنى جود الرحيم اكتبه كتابة جيدة. والله أعلم. والباء ترسم طويلة، قال بعضهم: قدر نصف الألف، والألف قدرها موكول إلى العرف، فالقدر الذي جرى به عرفك في الكتابة للألف اجعل الباء نصفه، وتحذف بعدها الألف التي هي صورة همزة الوصل لكثرة الاستعمال خطا، ولا تحذف في غير اسم الله كباسم ربك خلافا للأخفش، ولأجل حذف الهمزة من بسم الله طولت الباء، ولكونها أول حروف كتاب الله تعالى تعظيما لها، وتحذف خطا ألف الجلالة التي قبل الهاء وألف الرحمن التي بين الميم والنون، ولا يجوز حذفهما لفظا، وفي حديث الشفاء: (لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم (١))؛ أي لا تمدوا باءها أي لا تجعلوها ألفا كاملة، فلا ينافي تطويلها نصف ألف. كما مر، ويؤخذ منه أن عدم تطويل الباء على الوجه المذكور مطلوب. قاله الشيخ عبد الباقي. وحروفها الرسمية تسعة عشر عدد الزبانية، فمن ذكرها جعل الله له بكل حرف منها نجاة من كل واحد منهم. وأما قرآنيتها فاعلم أن في البسملة في غير النمل - فإنها آية منها بالاتفاق - عشرة أقوال: الأول أنها ليست من السور أصلا، الثاني أنها آية من جميعها غير براءة، الثالث أنها آية من الفاتحة

стр. 85

دون غيرها، الرابع أنها بعض آية فيها فقط، الخامس أنها آية فذة لبيان رؤوس السور أو للفصل؛ السادس أنه يجوز جعلها آية منها وجعلها ليست منها بناء على أنها أنزلت بعضا منها ولم تنزل مرة أخرى لتكرر النزول استقلالا أو لمدارسة جبريل ﵇ في كل سنة، وهكذا سائر القراءات وهو المشار إليه في حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف (١))، السابع أنها بعض آية من جميع السور: الثامن أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور، التاسع عكسه، العاشر أنها آيات فذة أنزلت مرارا. واعلم أن البسملة تقال في بسم الله فقط، وفي بسم الله الرحمن الرحيم، وأما التسمية فتطلق على ما فيه ذكر الله بأي اسم.

стр. 86

يقول عبر بالمضارع لأن المحكي به وهو جميع المختصر لا يتم إلا في أزمنة طويلة، العبد هو خلاف الحر فهو بمعنى الملوك؛ وهو صفة غلبت عليها الاسمية، وليس لها فعل، ومصدرها العبودة والعبودية وأصلهما التذلل والخضوع، فيصح إطلاقه على الإنسان الذكر حرا كان أو رقيقا، وعلى المَلَكِ، قال : ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ويطلق أيضا على الجن لقول الفاكهاني: لا يطلق إلا على من يصح منه التكليف والجن مكلفون، والأنثى أمة، وعلى هذا تقود المرأة في سيد الاستغفار: خلقتني وأنا أمتك، قال الشيخ الهلالي: قال وقد عرضته على الشيخ الحبيب قدس سره فوافق عليه، وقال الشبراخيتي: وقول الفاكهاني لا يطلق إلا على من يصح منه التكليف يريد في بعض استعمالاته، وفي بعضها يطلق على الرقيق وعلى كل حادث وليس ذلك إلا لله ، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، وعلى العبد بالعبادة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، وعلى عبد الدنيا وهو المعتكف على خدمتها، وإياه قصد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله: (تعس عبد الدينار والدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش (١))، وتعس بفتح العين وكسرها هلك وسقط، والخميصة ثوب معلم من خز أو صوف، وانتكس، أي انقلب على رأسه خيبة وخسارات وشيك بكسر الشين المعجمة أي دخلت في جسمه شوكة، والانتقاش نزعها بالمنقاش. انتهى كلام الشيخ إبراهيم. فالعبد على أربعة أضرب، كما قاله غير واحد، قال الشيخ الهلالي كون العبد على أربعة أضرب غير ظاهر لأنها كلها ترجع لمعنى المملوك وحقيقة العبودية الرضى بالقضاء، والصبر على البلاء، والشكر على النعماء، ومراد المؤلف بالعبد عبد الله تعالى أي مملوكه الذي لا يملك معه شيئا في نفسه ولا في غيرها، فما أجدره بالإعانة في أموره عموما، وفيما هو بصدده من تأليف المختصر خصوصا، وإذا أضيف العبد إلى رفيع اكتسب رفعة نحو: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ وأنشدوا في هذا المعنى: يا عمرو ثأري عند زهراء … يعرفه السامع والراءي

стр. 87

لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسماءي وفي المناجاة: كفاني فخرا أن كنت لي ربا وكفاني عزا أن كنت لك عبدا، وإن أضيف إلى وضيع اكتسب ضعة نحو: تعس عبد الدينار والدرهم، وقولهم هو عبد بطنه. والعبادة: هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، ونقل في رياض الصالحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لا تقبل منكم إلا بورع صادق (١)) وأنه قال (يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس (٢)) وفيه عن وهب المكي إنما العبادة الورع وفيه عن رسول الله ﷺ أنه قال (جلساء الله غدا أهل الورع والزهد في الدنيا (٣)) وفيه (إن الله قال لموسى ﵇ إنه لن يتزين لي المتزينون بشيء خير لمن الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلي المتقربون بشيء خير من الورع عما حرمت قال يا رب فبماذا أثبتهم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين قال أما الزاهدون يا موسى في الدنيا فإني أثبتهم بالجنة يتبوءون منها حيث يشاءون وأما الورعون يا موسى فإنه لا يحضر حاضر الحساب يوم القيامة إلا ناقشته ونصبته للحساب إلا أهل الورع فإني أجلهم وأستحيي منهم أن أسألهم عن شيء وأما الباكون من خشيتي فإنهم أهل الرفيق الأعلى (٤)) وفيه أن هؤلاء الأخيرون هم أفضل الثلاثة. [فقير] من فقر ككرم وتعب ومعناة المحتاج، ويقال للأنثى فقيرة وجمعها فقراء كالمذكر، ومثلها سفيهة وسفهاء ولا نظير لهما اعترف بالعجز والضعف استجلابا لرحمة المولى الكريم. إن لله رحمة وأحق النـ … ـاس منه بالرحمة الضعفاء

стр. 88

وهو مشتق من انكسار الفقار -وهو الظهر- الذي لا تبقى معه قدرة، والإنسان ضعيف خلق من ضعف قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي من جوهر ضعيف وهو ماء مهين والماء لا صلابة فيه ولا اشتداد فقوله من ضعف على سبيل المبالغة. واعلم أن مذهب الجمهور -واختاره العسقلاني والسيوطي وهو الأصح- أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأن الغني يوجر من وجوه منها الشكر ومنها الصبر على ما يعطيه من الزكاة ومنها الإنفاق على من يلزمه الإنفاق عليه وغير ذلك والفقير يوجر من وجهين أحدهما الصبر على الفقر مع الرضى والشكر، والثاني تصرفه فيما لا بد له منه من نفقة نفسه ومن تلزمه نفقته، ويدل له حديث سعد في الوصايا (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة (١)) وحديث كعب بن مالك حين استشار في الخروج عن ماله كله فقال (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك (٢)) وحديث (ذهب أهل الدثور بالأجور (٣)) وفي ءاخَرَ (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٤)) وحديث (نعم المال الحسالح للرجل الصالح (٥)) وقيل إن الفقير الصابر أفضل وإليه ذهب جمهور الصوفية، وقيل إن الذي أعطي الكفاف أفضل لقوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية ولقوله ﷺ (اللهم اجعل رزق ءال محمد كفافا (٦)) وحديث (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا (٧) معناه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما سأل المسكنة التي معناها يرجع إلى التواضع، وإلى استكانة القلب لله وأن لا يكون من الجبارين لا المسكنة التي هي نوع من الفقر على أن الحديث ضعيف ومحل الخلاف فيمن يصلح حاله بالفقر والغنى بأن يقوم بوظائف الغنى من البذل والإحسان والمواساة وأداء حقوق المال إذا استغنى ويقوم بوظائف الفقر كالرضى والصبر والقناعة إذا

стр. 89

افتقر، والغني الشاكر هو الذي يكتسب المال من المباح وينفقه في المباح والمطلوب. المضطر اسم مفعول من الاضطرار وهو افتعال من الضرورة والمضطر الملجأ وهو الذي بلغ الغاية في الاحتياج وألجأته الضرورة فلا يرى لنفسه حولا ولا قوة ولا سببا يعتمد عليه إلا إغاثة مولاه كالغريق في البحر والضال في القفر فهو أخص من الفقير فيصح كونه نعتا له أو لمنعوته، قاله الهلالي: والفقر والمسكنة لا زمان للاضطرار، وذلك موجب لإسراع مواهب الحق للعبد، وقوله المضطر هذا اللفظ مما يتحد فيه اسم الفاعل واسم المفعول لفظا لا تقديرا نقله الخرشي. لرحمة يتنازعه كل من المضطر والفقير وأعمل فيه الثاني والأول في ضمير، واللام بمعنى إلى بدليل، إلا ما اضطررتم إليه، أنتم الفقراء إلى الله وتقدم تفسير الرحمة. ربه أي مالكه وأصل الرب مصدر. وهو أي الرب بالمعنى المصدري تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا، وسمي به السيد لأنه يحفظ مملوكه ويربيه: ويقال رباه تربية وربه ربا فالمعنى واحد، وقيل أصله رابٌّ فخفف بحذف الألف كما قيل بر في بار لكثرة الاستعمال، ويختص المُحَلَّى بأل بالله تعالى وقول الجاهلية للملك من الرب من كفرهم، وفي التعبير به دون غيره من الأسماء اعتراف بتربية الله تعالى له بنعمة التي لا تحصى في كل لحظة من أن كان نطفة إلى أن بلغ ما بلغ، والضمير عائد إلى العبد أو إلى أل الموصولة، والإضافة محضة على معنى اللام وفيها من التلذذ واستدعاء الرحمة ما لا يخفى على من له ذوق، وفي لفظ رب خصوصية لا توجد في غيره من الأسماء؛ لأنك إذا قرأته طردا كان من أسمائه تعالى، وإذا قلبته كان اسما من أسمائه ، ويطلق لفظ رب على المالك كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لرجل (أرب إبل أنت أم رب غنم (١)) ومنه قول صفوان بن أمية لأبي سفيان لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، وعلى المربي (ومنه الربانيون لأنهم يربون الناس بصغار العلم قبل كباره (٢)): ولا مات ابن عباس ﵄ قيل مات رباني هذه الأمة. واعلم أن وجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها غيره سبحانه

стр. 90

وتعالى فمنها: تربيته النطفة في الرحم تصير علقة ثم مضغة ثم تتنوع إلى أجزاء مختلفة في كل منها قوة خاصة فسبحان من أبصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم إلى غير ذلك من البدائع التي لا تنحصر. المنكسر، أي المتألم، والانكسار في الأصل تفرق أجزاء الشيء الصلب كالعظم يقال كسره كضربه فانكسرت وكسره تكسيرا فتكسر شدد للمبالغة وعبر هنا بالانكسار عن التألم لأنه سببه فهو مجاز مرسل، وهو ما كانت علاقته غير المشابهة كالسببية هنا وما كانت علاقته المشابهة استعارة كالأسد للمقدام، ووصف نفسه بذلك لا ورد أن موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه قال (إلهي أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم (١)). خاطره؛ أي قلبه فاعل، وأصل الخاطر ما يقع في القلب من الأمور يقال خطر في قلبي كذا وخطر عليه يخطر خطرا من باب ضرب، وخطر يخطر خطورا من باب قعد فهو خاطر ثم أطلق على القلب لكونه محلا له فهو مجاز مرسل وما يقع في النفس إن عزم على فعله يعاقب عليه إن كان معصية ويثاب عليه إن كان طاعة، ويسمى عزما فإذا عزم على الزنى مثلا فإن ذلك ذنب وسيئة ليست كالزنى في الإثم كما جزم بذلك غير الباقالاني، وتردد هو أي الباقلاني في ذلك قاله الشيخ عبد الباقي. وإن رجح فعله دون تصميم فهو مثاب عليه غير معاقب عليه فضلا من الله ونعمة، ويسمى هَمًّا وإن تردد فيه على السواء أو رجح تركه أو مر بالبال ولم يستقر بل ذهب بنفس ما وقع في القلب فهذا غير مثاب عليه ولا معاقب عليه: والخواطر أربعة: رباني وملكي وهما بخير والفرق بينهما أن الأول يدوم والثاني يزول، ونفساني وشيطاني وهما بشر والفرق بينهما كالفرق في اللذين قبلهما لـ أجل قلة علة للانكسار وهي ضد الكثرة وقد تستعمل في العدم نحو: قلما يبقى على هذا القلق … صخرة صماء فضلا عن رمق أي لا يبقى لأن فضلا لا يجيء في الإيجاب ويحتمل أن تكون في كلام المؤلف بمعنى العدم مبالغة في تواضعه ﵁. العمل مضاف إليه ما قبله، والمراد العمل الصالح بقرينة قوله المنكسر

стр. 91

خاطره، والعمل الصالح هو الطاعة وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والعمل حركة البدن أو جزئه فيشمل القول والفعل ظاهرا أو باطنا، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قاله الهلالي. والتقوى أي صيانة النفس عن مخالفة أمر مولاها فَعْلَى من الوقاية، وهي الصيانة فتاؤها عن واو وواؤها عن ياء، وهي في الشرع اسم لا يقي به الإنسان نفسه عما يضرها في الآخرة قاله غير واحد. وسئل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل. ولله در القائل: ولا عيش إلا مع رجال قلوبهم … تميل إلى التقوى وترتاح للذكر ولبعضهم. إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى … تقلب عريانا وإن كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه … ولا خير فيمن كان لله عاصيا وهذا تواضع من المص رحمه الله تعالى لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (من تواضع دون قدره رفعه الله فوق قدره (١)) وقال تاج الدين بن عطاء الله: تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه تحقق بذلك يمدك بعزه تحقق بعجزك يمدك بقدرته تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته، ولا تطاولت الجبال طمعا في أن تكون محلا لموسى وتصاغر طور سيناء في نفسه وقال متى أستحق أن أكون محلا لقدم موسى حبي بما حبي به، فمن أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى فإن العزة لا تقع إلا بقدر النزول وللتقوى مراتب: اتقاء الكفر وهو مقام الإسلام، واتقاء المعاصي وهو مقام التوبة واتقاء الشبهات وهو مقام الورع، واتقاء المباح وهو مقام الزهد: واتقاء خطور غير الله تعالى على قلبه وهو مقام المراقبة. وورد في الترغيب فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ﴿وَمَن

стр. 92

يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث ولله در القائل: تعصي الإله وأنت تظهر حبة … هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لن يحب مطيع وقال ءاخر: قالت وقد سألت عن حال عاشقها … بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان رهن الموت من ظمإ … وقلت قف عن ورود الماء لم يرد اللهم اجعلنا وأحبتنا من التقين بجاه سيد المرسلين صلى الله تعالى وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. خليل علم منقول من الخلة بالضم وهي صفاء الودة وتطلق الخلة أيضا على الخليل ذكرا أو أنثى كقوله: ألا أبلغا خلتي عامرا … بأن خليلك لم يقتل وقوله: ألا قبح الله الوشاة وقولهم … فلانة أضحت خلة لغلان وقد يكون الخليل من الخلة بالفتح وهي الفقر كقول زهير: وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول لا غائب مالي ولا حرم وهو بدل أو عطف بيان. ابن إسحاق وكان إسحاق من الأولياء الأخيار وكان حنفيا، لكنه كان يلازم ابن الحاج صاحب المدخل والشيخ عبد الله المنوفي فَشَغَّل ولده مالكيا، وقوله ابن إسحاق بالرفع صفة لخليل مضاف إلى ما بعده وهو إسحاق، وقوله بن بالجر صفة لإسحاق موسى بن شعيب المعروف بابن الجندي، ومن قال يعقوب بدل موسى وهْم قاله الشيخ إبراهيم، وقال الشيخ الحطاب بن إسحاق بن موسى كذا رأيته بخطه في ءاخر نسخة من مناسكه، وذكر ابن غازي في موضح موسى يعقوب ويوجد كذلك في بعض النسخ وهو مخالف لما رأيته بخطه اهـ وقال الشيخ

стр. 93

الناصر اللقاني خليل بن إسحاق بن موسى قال الشيخ عبد الباقي كما في نسخ وهو الصواب كما في التتائي والحطاب وابن حجر، وفي بعض النسخ بعد إسحاق يعقوب ونحوه في ابن غازي وصوابه موسى. انتهى. وقال التتائي قول ابن غازي إنه ابن يعقوب وهم لأن الذي وجد بخط المصنف موسى انتهى وقال الشيخ الأمير خليل بن إسحاق بن موسى هذا هو الصواب كما في الحطاب وغيره وقد وهموا ابن غازي في إبدال موسى بيعقوب اهـ وقال السوداني من قال ابن يعقوب فقد أخطأ. ويكنى المص بأبي محمد وأبي الضياء وأبي المودة ويلقب بضياء الدين، وهو الإمام العالم العلامة العامل القدوة الحجة الفهامة حامل لواء المذهب في زمانه بمصر. كان متقشفا منقبضا عن أهل الدنيا جامعا بين العلم والعمل مقبلا على نشر العلم قال ابن فرحون: حضرت بالقاهرة مجلس إقرانه الفقه والحديث والعربية كان صدرا في علماء القاهرة مجمعا على فضله وديانته أستاذا من أهل التحقيق ثاقب الذهن أصيل البحث مشاركا في فنون من فقه وعربية وفرائض فاضلا في مذهبه صحيح النقل نفع الله به المسلمين، ألف شرح ابن الحاجب شرحا حسنا وضع الله عليه القبول وعكف الناس على تحصيله. ومختصرا في المذهب بين فيه المشهور مجردا عن الخلاف فيه فروع كثيرة جدا مع الإيجاز البليغ أقبل عليه الطلبة ودرسوه وكانت مقاصده جميلة، حج وجاور وله مناسك وتقاييد مفيدة اهـ وكان رضي الله تعالى عنه صينا عفيفا من أهل الدين والصلاح والاجتهاد في العلم إلى الغاية حتى إنه لا ينام في بعض الأوقات إلا شيئا يسيرا بعد طلوع الفجر يريح النفس من جهد المطالعة والكتب، وكان مدرس المالكية بالشيخونة: وهي أكبر مدرسة بمصر وبيده وظائف أخر تتبعها وكان يرتزق على الجندية لأن سلفه منهم، وله شرح على المدونة وصل فيه إلى كتاب الحج وكان عاملا مشتغلا بما يعنيه حتى حكي أنه أقام عشرين سنة لم ير النيل بمصر وذكر ابن غازي عنه أنه جاء يوما لمنزل بعض شيوخه فوجد كنيف المنزل مفتوحا ولم يجد الشيخ هناك فسأل عنه فقيل له إنه شوشه أمر هذا الكنيف؛ فذهب يطلب من يستأجره على تنقيته فقال خليل أنا أولى بتنقيته فشمر ونزل ينقيه، فجاء الشيخ فوجده على تلك الحالة، والناس قد

стр. 94

حلقوا عليه تعجبا من صنعه فقال: من هذا فقالوا: خليل فاستعظم الشيخ ذلك وبالغ في الدعاء له من قريحة ونية صادقة فنال من بركة دعائه ووضع الله تعالى البركة في عمره اهـ. وكان من أهل المكاشفات وريء الشيخ خليل في النوم بعد وفاته فقيل له ما فعل الله بك فقال: غفر لي ولكل من صلى علي، وبقي رضي الله تعالى عنه في تأليف مختصره نيفا وعشرين سنة ولخصه في حياته إلى النكاح وباقيه وجد في تركته في أوراق المسودة فجمعه أصحابه وضموه لما لخص منه فكمل الكتاب، وتوفي ﵀ ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة ذكره ابن مرزوق عن الإسحاقي ونحوه لابن غازي، وذكر ابن حجر أن وفاته في ربيع سنة سبع وستين وسبعمائة والأول هو الأشبه. ووقعت بين الشيخ خليل والرهوني منازعة في مسألة فدعا عليه خليل فتوفي الرهوني بعد أيام وللشيخ الهلالي رحمه الله تعالى: إن ابن إسحاق خليلا قد وصل … لربه عام خليلي وصل كذا ابن عسكر كذا العبدوسي … كابن الخطيب البارع الرئيس العبدوسي المذكور هو أبو عمران موسى بن محمد بن معطي العبدوسي الحافظ الفهامة كان من آيات الله في معرفة المدونة قرأها أربعين سنة بفاس، وله مجلس لم يكن لغيره يحضره الفقهاء والمدرسون والصلحاء كابن عباد والرجراجي والهواري نفعنا الله تعالى بهم ودفن الشيخ خليل حذاء ضريح شيخه المنوفي ومما قيل في مدح مختصر الشيخ خليل: كتاب خليل منبع النور والهدى … فحسب الفتى في أن يكون خليله يفيد أولي الألباب علما وسؤددا … فيا رب يسر بالهدى مدخلي له ومما قيل فيه أيضا: أطلاب علم الفقه مختصر الرضى … خليل لكم فيه الحياة فعيشوا فلله بيت ضمنوه مديحه … به يهتدي من في الأنام يطيش سلام على الدنيا إذا لم يكن بها … خليل بن إسحاق الإمام يعيش

стр. 95

المالكي هذه النسبة تزيد شرفا؛ وهي نسبة إلى الإمام مالك نسبة اقتداء وهو بالرفع نعت لخليل ولما كان الفقه الذي تضمن هذا المختصر جله منقول وبعضه منقول من منقول، وقد قالوا ما كان من العلوم معقولا صرفا كالمنطق والحساب فبرهانه في نفسه ولا يحتاج إلى صرفة قائله إلا من حيث كونه كمالا فيه وما كان منقولا صرفا كعلم الحديث رواية فهو موكول لأمانة ناقله فلزم البحث عليه لتعرف أمانته من ضدها ولا بد من صرفته وإلا كان الباني على نقله كالباني على غير أساس، وما كان مركبا منهما غلبت فيه شائبة النقل لأن البعض كالكل في التوقف؛ ولهذا نصوا على أن الكتب التي جهل مؤلفوها والطرر التي جهل كاتبها لا يجوز العمل ولا الفتوى بما فيها حتى تعلم صحتها من عدمها كانت معرفة المؤلف من الأمور المهمة شرعا وكذا طبعا لأن ما جهل قائله يصير كولد لم يعرف أبوه قال القائل: ومن كتب الكتاب لم يذكر اسمه … كبنت لها أم وليس لها أب فلهذا أردف المؤلف البسملة بالتعريف بنفسه. رحمه الله تعالى أتى بجملة الدعاء ماضوية تفاؤلا بالإجابة وإن كان أصل الدعاء بلفظ الأمر كاغفر لنا، وخص الرحمة لأنها تجمع كل خير وذلك لأن الرحمة هي الملائم أيا كان، وأشار إلى أول المحكي بقوله الحمد الفعل منه كسمع، وهو لغة الوصف بالجميل على الجميل الاختياري أو القديم، والوصف ذكر الصفة منسوبة إلى المتصف بها فلا يكون إلا بالكلام، وبالجميل مخرج للوصف بالقبيح فهو ذم وللوصف بما ليس جميلا ولا قبيحا كزيد تميمي إذا قصد مجرد الإعلام بنسبه وعلى الجميل مخرج للوصف بالجميل على غير الجميل كأن يقال للبخيل هو جواد وللجبان ما أشجعه. ومنه ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وبحث فيه بأن المراد بالجميل معناه لا اللفظ الموضوع له، وإن استعمل في القبيح فقولك في مقام التهكم ما أشجعه معناه ما أجبنه فهو وصف له بالجبن فهو قبيح قاله الهلالي، قال والظاهر أن يقال هو مخرج للوصف بالجميل لقصد مجرد الإعلام لمن يجهل ذلك كقولك فلان قرشي قاصدا مجرد إعلام من يجهل نسبه، ومجموع الاختياري أو القديم مخرج للمدح من حيث هو مدح إذ لا يشترط فيه أن يكون على الاختياري أو القديم فيكون على الحادث المطبوع؛ كمدح اللؤلؤة على

стр. 96

صفائها والجارية على صباحتها فعلم أن الحمد لغة يكون في مقابلة النعمة وغيرها، وأن المحمود به يكون اختياريا وقديما وغيرهما لإطلاقه في التعريف بخلاف المحمود عليه لتقييده بهما، والمحمود به والمحمود عليه قد يتغايران حقيقة كحمدك لشخص بشرف نسبه لأجل سخائه، وقد يتغايران بالاعتبار كحمدك لمن أسدى إليك معروفا جزيلا بإسدائه فمن حيث إظهارك تعظيمه بالإسداء هو محمود به ومن حيث كونه فعلا اختياريا له مقابلا بوصفك إياه هو محمود عليه والحمد شرعا فعل يدل على تعظيم المنعم لإنعامه والمراد بالفعل ما يشمل الاعتقاد كاعتقاد اتصاف المنعم بالجميل والقول وعمل الجوارح كالسجود والخدمة امتثالا لأمره فهو أعم من اللغوي من جهة أنه يكون بالقول وغيره، وأخص منه من جهة أنه لا يكون إلا في مقابلة نعمة بخلاف اللغوي كما مر فبينهما عموم وخصوص من وجه، والأداة في الحمد للحقيقة من حيث هي أولها في ضمن الأفراد وهي التي يقال فيها هي للاستغراق أو للعهد، والمعهود هو حمد الله لنفسه وهو الموفي بما يستحقه تعالى فأمر الخلق -لكونهم في غاية العجز عن توفية حقه- أن يرجعوا إلى حمده لنفسه، فيعترفوا أنه أهل له ومستحقه وفي ضمنه اعترافهم بالعجز، والدح لغة الثناء على الجميل مطلقا اختياريا أم لا على جهة التعظيم، واصطلاحا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل لله اللام للاستحقاق والجملة للإنشاء أي إنشاء الثناء بالاستحقاق لا إنشاء الاستحقاق لأن استحقاقه تعالى للحمد قديم، أو للاختصاص أو للملك وحينئذ فلا يشمل إلا حمد العباد إذ هو الملوك لا حمد الله لنفسه حمدا مصدر نوعي معمول لمقدر أي أحمده حمدا لا للمبتدإ لأن المصدر لا يخبر عنه قبل تمام معمولاته فالحمد الأول مطلق مشعر باستحقاقه تعالى الحمد لذاته، والثاني مقيد مشعر باستحقاقه إياه لإنعامه قاله الشيخ الهلالي. السنوسي: حكم الحمد الوجوب مرة في العمر كالحج وكلمتي الشهادة والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى. وحكم الابتداء به في أول المصنفات وأول الإقراء والقراءة الاستحباب، وقال العلماء: يستحب البداءة بالحمد لكل مصنف ودارس ومدرس وخطيب وخاطب ومتزوج ومزوج وبين يدي سائر الأمور المهمة. الفاكهاني: قلت وكذلك الثناء على الله تعالى وكأنه يريد بالثناء على الله تعالى الزيادة على الحمد والله أعلم قاله الحطاب يوافي أي يقابل، وأصل الموافاة الإتيان وهو يستلزم

стр. 97

اللقي وهو يستلزم المقابلة فاستعمل الموافاة هنا في لازم لازمها قاله الهلالي ما أي الذي تزايد أي زاد، وتفاعل يأتي لموافقة الثلاثي المجرد كتفانى بمعنى فني وتوانى بمعنى ونى، ويمكن بقاؤه على أصله من المشاركة في الفاعلية والمفعولية لأن الحمد نعمة تقتضي زيادة النعمة والنعمة تقتضي زيادة الحمد وهكذا قاله الهلالي من بيانية وتتعلق بمحذوف حال من المبين وهو ما النعم جمع نعمة بالكسر، وهي كل ما تفضل الله به مما ينتفع به عاجلا وآجلا، ويصح أن يراد بها الإنعام أي إعطاء النعمة وهو أولى؛ إذ لا بد من اعتباره، والنعمة بالفتح التنعم وبالضم السرور وأعظم النعم الهداية للإسلام، وبجعل من بيانية لا تبعيضية يقع الحمد على جميع النعم وذلك هو المقصود: ولا يقدح في ذلك وصل المبين بتزايد لأن التزايد والزيادة يوصف بهما مجموع الطارئ والمطروء عليه، كما يوصف بهما الطارئ فقط فالأول كقولك تزايد مال زيد أو زاد حتى بلغ الألف ومنه كلام المص، والثاني كقولك تزايد لزيد أو زاد له دينار على الألف. وأتى المص ﵀ بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالقرءان العظيم وبالنبي ﷺ في ابتدائه بالحمد لله في جميع خطبه، وعملا بجميع روايات الحديث السابق ففي رواية (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع (١)) وفي رواية (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (٢)). ولما قدم الحمدين: الحمد المطلق لما تستحق ذات مولانا جل وعلا العلية من اتصافها بكل كمال وتنزهها عن كل نقص: والحمد المقيد لما يغذونا به من نفحاته أعقبه بالشكر على ما تضمنه قوله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ من التكريم والتفضيل فقال والشكر هو لغة مرادف للحمد عرفا على الراجح، وقيل تقيد النعمة في الثاني بوصولها إلى الشاكر، وتطلق في الحمد فيكون بينهما عموم مطلق. وعرفا صرف العبد جميع نعم الله فيما خلقت له قاله الهلالي وعلم مما مر أن

стр. 98

الشكر اللغوي يطلق على أفعال الموارد الثلاثة: اللسان والقلب والأركان واستشهدوا لذلك بقول الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا يقول نعماؤكم كثرت عندي وعظمت فاقتضت استيفاء أنواع الشكر وبالغ في ذلك حتى جعل موارده مقابلة للنعمة ملكا لأصحابها مستفادا منها كأن قيل يدي ولساني وقلبي لكم فليس في القلب إلا نصحكم ومحبتكم ولا في اللسان إلا الثناء عليكم والمحمدة ولا في اليد والجوارح إلا مكافأتكم وخدمتكم. واعلم أن مطلق الاحتمال لا ينافي صحة الاستدلال انظر الخرشي واعلم أن قولهم كذا أخص من كذا موردا وأعم منه متعلقا المراد بالمورد فيه المحل، والمتعلق السبب الباعث عليه والنسب ثلاث فقط لا ستة: واحدة عموم من وجه وهي التي بين الحمدين، واثنان عموم بإطلاق إحداهما فيما بين الشكرين، والأخرى فيما بين لغوي الحمد وعرفي الشكر وهذا بالنظر لشمول متعلق الحمد اللغوي لله تعالى ولغيره واختصاص متعلق الشكر العرفي بالله تعالى. وأما مع عدم النظر لذلك فمتباينان لصدق الحمد اللغوي بالثناء باللسان فقط، والشكرُ العرفي إنما يصدق بذلك مع الثناء بغيره من الجنان والأركان قاله الشيخ الخرشي، ولا يصح أن تعتبر النسبة بين المترادفين: وهما الحمد العرفي، والشكر اللغوي لأن الشيء لا ينسب إلى نفسه لأن النسب أربع: المساواة، والمباينة، والعموم الوجهي، والمطلق، وليس منها الترادف وإنما هو من النسب التي بين اللفظين نعم على القول بعدم الترادف تكون النسب ستا فإن زيد المدح كانت النسب عشرا فإن زيد الثناء واعتبر فيه كونه بالكلام وغيره كان هو أعم من الجميع وكانت النسب خمس عشرة قاله الهلالي. وفي الخرشي أن المدح لغة هو الثناء باللسان على الجميل سواء كان اختياريا أم لا على جهة التعظيم، وعرفا فعل من المادح ينبئ عن تعظيم الممدوح يدل على اختصاص الممدوح عنده عن غيره بنوع من الفضائل جمع فضيلة وهي المزية الذاتية أو الفواضل جمع فاضلة وهى المزية المتعدية؛ سواء كان ذلك الفعل الدال على ما ذكر باللسان أو بالجنان أو بغيرهما من الأركان له

стр. 99

أي لله تعالى على تعليلية متعلقة بالمحذوف الذي تعلق به ما قبله الواقع خبرا ما موصول اسمي صلته أولانا أي أعطانا والعائد محذوف يصح تقديره متصلا ومنفصلا ولا يضر حذف العائد المنفصل إذا كان حذفه لا يفوت غرضا لمن بيانية والمبين ما الفضل والكرم ويراد بالفضل كما تقدم ما دل عليه قوله تعالى ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ وهو ما خصهم به من عوارف المعارف وأكرمهم به من طرائف اللطائف وبالكرم ما دل عليه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وهو ما خصهم به من الصورة البديعة المشتملة على دقائق الصنعة الرفيعة التي حار فيها الحكماء من الإنسان، وعجز عن استقصاء محاسنها القلم واللسان وهذا المعنى غاية في الحسن وقيل المراد بالفضل هنا في المصنف الإعطاء عن اختيار لغير عوض؛ لأن الفضل والتفضل والإفضال تطلق على الإعطاء عن اختيار لغير عوض وبالكرم الجود وهو: صفة ينشأ عنها بذل الكثير بلا علة والمعنى حينئذ والشكر له على الذي أعطانا إياه من أجل تفضله وجوده مما لا يعد ولا يحصى ولا يستقصى ويحتمل أن تكون ما موصولا حرفيا وعليه فالمفعول الثاني محذوف للإشارة إلى قصور العبارة عن الإحاطة به ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ومن تعليلية والمعنى حينئذ والشكر له على إعطائه إيانا نعما لا تحصى من أجل إحسانه إلينا وجوده تعالى علينا. واعلم أن الشكر على ثلاثة أقسام: شكر بالقلب وهو أن تعلم أن المنعم كلها من الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وشكر باللسان وهو الثناء على الله تعالى وكثرة الحمد والمدح له، ويدخل فيه التحدث بالنعم وإظهارها ونشرها قال الله ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وقال سيدنا عمر بن عبد العزيز ﵁ تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر، ومن شكر اللسان أيضا شكر الوسائط بالثناء عليهم والدعاء لهم وفي حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله (١)) وعن أسامة بن زيد أنه ﷺ قال (أشكر الناس لله أشكرهم للناس (٢)) شكر بسائر الجوارح وهو: أن يعمل بها العمل الصالح قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ فجعل العمل شكرا وقام صلى الله

стр. 100

عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال (أفلا أكون عبدا شكورا (١)) وسأل رجل أبا حازم فقال ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرا أعلنته وإذا رأيت بهما شرا سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا وعيته وإذا سمعت بهما شرا دفنته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع حقا هو لله بهما، قال فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما. قال فما شكر الفرج؟ قال: هو كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ قال فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما في عمله وإن رأيت شيئا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله تعالى. لا أحصي أي لا أطيق ومنه ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ثناء هو ما يشعر بالتعظيم من قول أو غيره يقال أثنى عليه إثناء وثناء فالثناء اسم مصدر، والمصدر القياسي الإثناء والتنكير للنوعية أي نوعا من الثناء وهو الذي يليق بك قاله الخرشي وقال مالك لا أحصي نعمك فأثني عليك بها عليه أي على الله أي لا أطيق ثناء عليه تعالى موفيا بحقه وهذه الجملة استئنافية لبيان أن مقابلة الحمد لجميع المنعم إنما ذلك على سبيل الإجمال، وأما التفصيل فالخلق في غاية العجز عنه كيف والتوفيق للحمد نعمة جليلة تقتضي حمدا وهلم جرا قال القائل: لك الحمد مولانا على كل نعمة … ومن جملة النعماء قولي لك الحمد فلا حمد إلا أن تمن بنعمة … تعاليت لا يقوى على حمدك العبد إذا كان شكري نعمة الله نعمة … علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتسع العمر لو كل جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكر واشتكرت به … إليك أزيد في الإحسان والمنن

стр. 101

تنبيهات: الأول: اعلم أن الثناء قد يراد به الشر لتجانس الكلام كما في الخبر (مُرَّ على رسول الله ﷺ بجنازة فأثني عليها خيرا فقال وجبت ومُر بأخرى فأثني عليها شرا فقال وجبت (١)) قوله خيرا بالنصب وجهه ابن بطال بأنه جعل النائب عليها وإن كان المختار العكس، وقال الإمام النووي منصوب بنزع الخافض فإن قلت كيف مكنوا من ذلك مع النهي الوارد في الحديث الصحيح عن سب الأموات وذكرهم إلا بخير أجيب بأن ذلك في غير الكافر والمتظاهر بالفسق والبدعة وأما المتلبس بذلك فلا يحرم ذكره بالشر للتحذير من طريقته ومن الاقتداء بآثاره، وقيل الثناء يطلق على الذكر بالشر على قلة، وحينئذ فلا مشاكلة قاله الشيخ إبراهيم. الثاني قال الشيخ الحطاب قال الشيخ يوسف بن عمر اختلف في تعيين الفاضل من الحمد فقيل الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم على جميع نعمه كلها ما علمت منها وما لم أعلم وقيل (اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٢)) وقيل (الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده (٣)) قال وينبني على ذلك مسألة فقهية فيمن حلف ليحمدن الله تعالى بأفضل محامده فمن أراد أن يخرج من الخلاف فليحمده بجميعها انتهى النووي قالوا ولو حلف ليثنين على الله أحسن الثناء فطريق البر أن يقول (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٤)) وزاد بعضهم (فلك الحمد حتى ترضى (٥)) (وقال ءادم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه يا رب شغلتني بكسب يدي فعلمني شيئا فيه مجامع الحمد والتسبيح فأوحى الله ﵎ إليه يا ءادم إذا أصبحت فقل ثلاثا وإذا أمسيت فقل ثلاثا الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فذلك مجامع الحمد والتسبيح (٦)) اهـ قوله يكافئ بالهمز في آخره أي يساوي مزيد نعمه ومعناه يقوم بشكر ما زاد من المنعم والإحسان قاله في

стр. 102

الأذكار. الثالث قد نقل عن القاضي أبي الطيب أنه عاش مائة وستين سنة ولم يختل عضو من أعضائه فقيل له في ذلك فقال: لم أعص الله بعضو منها. وعلم مما مر حقيقة الحمدين والشكرين والمدحين والثناء والله سبحانه أعلم هو أي الله تعالى مبتدأ خبره كما أثنى على نفسه والكاف للاستعلاء المعنوي كقولهم كن كما أنت وما موصول اسمي واقع على جميع كمال الله الذي أثنى به بكلامه القديم على ذاته المقدسة. ومعنى كون الله على ما أثنى به على نفسه من الكمال اتصافه بذلك الكمال كما تقول فلان على غاية من الجود أي هو متصف بذلك، وأصل الكلام على هذا كما أثنى به على نفسه ثم صار أثناه على نفسه ثم صار أثنى على نفسه ونظيره ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي أنعمت بها ثم أنعمتها ثم أنعمت والمراد بالنفس الذات العلية ولفظ النفس مقحم ليلا يتعدى فعل الفاعل المتصل إلى ضميره المتصل وذلك ممتنع في غير أفعال ليس هذا الفعل منها، وهذه الجملة والتي قبلها مقتبستان من قوله ﷺ (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (١)) ويحتمل في الحديث وفي المتن كون الضمير المنفصل توكيدا وعلى هذا يكون الكلام جملة واحدة؛ أي لا أحصي ثناء عليه مثل ثنائه على نفسه فيكون كما أثنى على نفسه صفة لثناء، ويحتمل أن يكون الضمير للثناء أو لله تعالى على حذف مضاف والكاف للتشبيه ويكون مبتدءا فيهما وما مصدرية، والمعنى عليهما ثناؤه تعالى الذي يستحق مثل ثنائه على نفسه ولا طاقة لمخلوق أن يأتي بثناء مثل ثنائه على نفسه: فهذه أربع احتمالات؛ ثلاثة وهي ما سوى الثاني كل واحد منها مشتمل على ثناءين وواحد مشتمل على واحد قاله الشيخ الهلالي. ونسأله أي نطلبه ونونه نون المشاركة إدخالا لسائله في مقام الطلب هذا هو الظاهر، وقال الشبراخيتي وأورده بنون العظمة لقوله ﷺ ليس منا من لم يتعاظم بالعلم أي ليس منا من لم يعتقد أن الله تعالى جعله عظيما بالعلم حيث جعله محلا له وموصوفا به ولم يسترذله بحيث حظره عليه ومنعه منه وفي الحديث (إذا استرذل الله عبدا حظر عليه العلم والأدب (٢)) أو ما هذا معناه، وليس المراد

стр. 103

بتعاظمه احتقار غيره. اللطف أي الرفق بنا يقال لطف الله بعباده من باب نصر هذا معناه لغة، وعند المتكلمين التوفيق لما به صلاح العباد في العاقبة والأول هو المراد لقوله وحال حلول إن قيد بالمجرور الآتي وإلا فتصح إرادة المعنيين، ويقال ألطفته بكذا رباعيا أي أتحفته به، ويقال لما ألطفت به غيرك لَطَفا ولَطَفة بفتحتين فيهما ويقال لطف ككرم لطافة بالفتح رق ضد غلظ وخفي ضد ظهر يقال عود لطيف أي رقيق ومعنًى لطيف أي خفي. والإعانة أي ونسأله الإعانة وهي الإظهار على الأمر والتقوية عليه والاستعانة طلب الإعانة والله المستعان والمعونة بضم المعين، والمعانة بفتح الميم ما أعنت به غيرك والعون اسم مصدر كالمعونة ويكون بمعنى المظاهر على الأمر المعين عليه يطلق على الواحد وغيره ذكرا أو أنثى ويجمع على أعوان وعاونه أعانه وتعاونوا أعان بعضهم بعضا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ في جميع يتنازعه اللطف والإعانة ويحتمل أن يخص به الثاني كما مر والجميع اسم وضع لاستغراق أفراد أو أجزاء ما يضاف إليه. الأحوال جمع حال وهي الصفة التي يكون عليها الإنسان من صحة وسقم وغيرهما وتأنيثها أفصح من تذكيرها وقد يطلق على الزمن وكلاهما صحيح هنا وحال أي زمن حلول أي نزول يقال حل يحل بالضم نزل وحل عليه العذاب يحل بالكسر وجب قال تعالى ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ وهو من الأول وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ وهو من الثاني ويقال على الأول في المكان محل بالفتح على القياس ومحل بالكسر شذوذا، الإنسان أراد به نفسه ومن شركه في دعائه قاله الشيخ الهلالي والإنسان يطلق على الواحد من البشر ذكرا أو أنثى في رمسه هو في الأصل مصدر رمست الريح الأرض أي سترتها بالتراب ورمست الخبر كتمته ثم نقل إلى تراب القبر ثم إلى القبر نفسه وهو المراد قاله الشيخ إبراهيم وغيره، ورمس من باب نصر والروامس الرياح لأنها تدفن الأثر وخص هذه الحالة لشدة الحاجة فيها إلى مزيد اللطف إذ هي أول منازل الآخرة ومعلوم أن الرحلة الأولى صعبة على المسافر في الدنيا فكيف الحال هنا وفي الحديث (القبر روضة من رياض

стр. 104

الجنة أو حفرة من حفر النار (١)) وكان سيدنا ذو النورين ﵁ إذا رآى قبرا بكى لهذا الحديث حتى يبل لحيته، وبكى ﷺ وأبكى حتى بل التراب وقال (يا إخواني لمثل هذا فأعدوا (٢)) وقيل ليلتان ويومان لم تسمع الخلائق مثلهما: ليلة يبيت مع أهل القبور ولم يبت قبلها، وليلة صبيحتها يوم القيامة، ويوم يأتيه البشير من الله تعالى إما بالجنة أو بالنار، ويوم يعطى كتابه إما بيمينه أو بشماله، اللهم الطف بنا في هذه الأربعة وفي جميع الأحوال قال الحطاب وأسند المصنف قوله لا أحصي إلى ضمير الواحد وقوله ونسأله إلى ضمير الجماعة لأن الأول فيه الاعتراف بالعجز وإنما يثبته الإنسان لنفسه، والثاني دعاء والمطلوب فيه مشاركة المسلمين فإن ذلك مظنة الإجابة قال الرازي إن الدعاء مهما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب والله أعلم انتهى. والصلاة الواو لعطف جملة إنشائية على مثلها وهي الحمد لله أردفها بالصلاة والسلام على من وصلت المنعم المحمود عليها بواسطته صلى الله تعالى عليه وسلم امتثالا لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وعملا بقوله ﷺ (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع أكتع (٣)) والصلاة من الله تعالى الإنعام ومن العبد طلبه من الله سبحانه كانت على نبي أو غيره وكل ما ذكروه فيها يرجع إلى هذا قاله الشيخ الهلالي، والصلاة وإن كان معناها طلب الإنعام فيها معنى زائد على ذلك وهو التعظيم كما يفيده الحطاب ولذلك اختلف في الدعاء له بالرحمة وإن كان الراجح جوازه، وهي اسم مصدر صلى كالزكاة لزكى، وهل يجوز أن يؤتى بالمصدر المقيس؟ وهو التصلية وإن كان اللفظ مشتركا بين الإنعام والإحراق نحو ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ لأن المقام مقام التعظيم وهو الأظهر كما في عبارة كثير من الأئمة أو لا يجوز ولو اتضح المراد مبالغة في الأدب خلاف والسلام قال الشيخ الهلالي: هو من الله تعالى إنعامه بالسلامة ومن العبد طلب ذلك منه سبحانه.

стр. 105

والسلام أيضا التحية اسم مصدر لسلم ككلم كلاما وحكم الصلاة والسلام عليه ﷺ الوجوب مرة في العمر على المشهور، ويتأكد ندبهما في الزائد على الواحد، ويشتد تأكيدهما عند ذكره أو سماعه ﷺ ، وفي أزمنة وأمكنة وأحوال ذكرها الرصاع وغيره قاله الهلالي. وفي الحطاب وذكر الرصاع أنها يتأكد طلبها إذا طنت الأذن، وعند العطاس، وعند الفراغ من الطهارة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، والسبت والأحد، انتهى. وما ذكره في العطاس خلاف ما يأتي من كراهتها عنده وفضلهما كثير جدا، ألفت فيه التآليف، ولو لم يرد إلا أن (من صلى عليه ﷺ مرة صلى الله عليه عشرا (١)) لكفى. ولا يكره إفراد أحدهما عن الآخر على ظاهر المذهب، وهو الذي يدل عليه الحديث وعمل الأئمة وشاع في كلام كثير من العلماء كراهة ذلك وصرح بها النووي وتوقف في ذلك ابن حجر، وقال نعم يكره أن يفرد الصلاة ولا يسلم أصلا وأما لو صلى في وقت وسلم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلا، ويستحب لقارئ اسمه ﷺ أن يصلي ويسلم عليه ﷺ وإن لم يكونا مكتوبين، ولكاتبه أن يكتبهما وينهى عن اختصارهما بكتب بعض حروفهما وترك الثاني وإن كان في أصل الكتاب صلى الله عليه دون وسلم كما في بعض نسخ صحيح البخاري فينبغي للقارئ أن يزيده كلما مر به وإلا فاته خير كثير، وأفتى بعضهم برد كتب الحديث إذا لم يوجد فيها لفظ الصلاة على النبي ﷺ ، ومن قال اللهم صل على محمد عدد كذا قال ابن عرفة يحصل له أكثر من ثواب من صلى واحدة لا ثواب من صلى تلك العدة ويشهد له حديث (من قال سبحان الله عدد خلقه (٢)) من حيث دلالته على أن للتسبيح بهذا اللفظ مزية قاله الحطاب، وتكره الصلاة عليه ﷺ في سبعة مواضع جمعها بعضهم في قوله: على عاتقي حملت ذنب جوارحي … تعبت بها والله للذنب غافر

стр. 106

العينان من الكلمتين الأوليين للعثرة والعطاس، والحاء في الثالثة لحاجة الإنسان، والذال للذبح، والجيم في جوارحي للجماع، والتاء للتعجب، والباء للبيع وباقي البيت تكميل. والظاهر أن السلام فيها كالصلاة ويقاس عليها كل موطن ينافي التعظيم كاللعب في الأعراس وغيرها والبدعة التي يسمونها الحضرة بالآلات والمقاصد الفاسدة انتهى. ومن المواطن التي نهي عن الصلاة على النبي ﷺ فيها الأماكن القذرة والأماكن النجسة قاله الحطاب على سيدنا خبر المبتدإ وهو الصلاة والمعطوف وعلى للاستعلاء المعنوي فإن أريد بالصلاة والسلام صلاة الله تعالى وسلامه فهي لإنشاء طلب مضمونهما، وإن أريد بهما صلاتنا وسلامنا فهي لإنشاء مضمونهما فافهم قاله الشيخ الهلالي. وقد مر له أنه قال: الصلاة من الله الإنعام ومن العبد طلبه من الله كانت على نبي أو غيره وحينئذ فمعنى هذا أنه إنشاء طلب صلاة الله وسلامه في كلا التوجيهين لكن مضمون الجملة في التوجيه الأول نفس الصلاة والسلام والمصلي لم ينشئهما بكلامه وإنما أنشأ طلبهما من الله، ومضمونهما في التوجيه الثاني إنما هو طلب المصلي الصلاة والسلام من الله لما عرفت أن الصلاة والسلام من العبد طلبهما من الله فبان أنه في كلا التوجيهين إنشاء طلب الصلاة والسلام من الله والله سبحانه أعلم. والسيد من ساد القوم يسودهم سيادة وسؤددا فهو سيد أي فاقهم في المجد والشرف؛ ولذا فسره بعضهم بالكامل الذي يلجأ إليه في الشدائد ومهمات الأمور ويطلق أيضا على المالك وبهذين المعنيين يصح إطلاقه على الله وعلى غيره مضافا ومحلى بأل ومجردا، ويقال للأنثى سيدة ويطلق أيضا على الزوج ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ويستعمل بمعنى الأفضل نحو سيد الاستغفار وسيد الطعام وكل ما جاء من نظائره معتل المعين فهو بكسرها، وكل ما جاء منها صحيح العين فهو بفتحها كصيرف وعيلم وعيثر وشيظم وديلم وبيهق إلا ما شذ كضيون. واعلم أن الذي يتحصل من كلامهم هنا أنه يؤتى بلفظ السيد في الصلاة وإن لم يرد في الحديث هذا هو المعول عليه وغيره مقول فيه محمد علم مشعر بالمدح منقول من اسم مفعول التحميد لتكثير الحمد فهو ﷺ المحمود في الدنيا والآخرة وعند الأولين والآخرين سماه بهذا الاسم جده عبد المطلب ليكون على وفق تسمية الله له تعالى قبل الخلق بألفي عام، وقد طابق

стр. 107

اسمه صفته، قيل لجده: لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض وقد حقق الله رجاءه، ولله در القائل حسان حيث يقول: فشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد ولا ينافي نسبة البيت الأول لحسان ما أخرجه البخاري في تاريخه أنه لأبي طالب لأن حسان ضمن شعره بيت أبي طالب والله سبحانه أعلم، وقد رأى جده أن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف بالمشرق وطرف بالمغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها: فعبرت بمولود يتبعه أهله ويحمده أهل السماء وأهل الأرض واعلم أنه ﷺ هو الواسطة بين الله وبين عباده فلا نعمة لله تعالى على أحد إلا وهو الواسطة فيها والأصل لها، وسواء في ذلك الأنبياء والملائكة وغيرهم ولله در القائل: أصح وأقوى ما سمعناه في الندى … من الخبر المأثور دون تردد أحاديث ترويها السيول عن الحيا … عن البحر عن كف النبي محمد سيد العرب والعجم أفاد بهذه الإضافة أنه سيد الخلائق أجمعين لأن الثقلين والملائكة لا يخرجون عنهما، فالعرب من يتكلم باللغة القرءانية سجية والعجم من سواهم وهما في المتن بالتحريك، ويجوز في غيره ضم أول كل منهما وسكون ثانية قاله الشيخ الهلالي. المبعوث أي المرسل، واعلم أن الرسالة والنبوءة ليستا بصفتين ذاتيتين بل هما عبارة عن إيصال خطاب الله تعالى للنبي والرسول خلافا للمعتزلة حيث قالوا إنهما معنيان قائمان بالنبي والرسول لسائر أي جميع قال الأحوص: فجلتها لنا لبابة لما … وقذ النوم سائر الحراس ومنه قول القائل: ألزم العالمون حبك طرا … فهو فرض في سائر الأديان

стр. 108

وهو المعتمد عند النووي مأخوذ من سور المدينة والأكثر على أن السائر بمعنى الباقي ويصح هنا الأمم أي الجماعات جمع أمة قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ثم المص يحتمل أن يريد بسائر الأمم جماعات الثقلين من حضر وبدو وعرب وعجم في شرق وغرب وبر وبحر للاجتماع على عموم بعثته ﷺ لجميعهم، ويحتمل أن يريدهم والملائكة على قول بعضهم إنه بعث إليهم، وفي الشبراخيتي أنه الصحيح. وصحح جمع من المحققين القول بأنه مرسل إلى الملائكة أيضا لقوله تعالى ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ولقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولخبر مسلم (أرسلت إلى الخلق كافة (١)) وعلى هذا ففائدة إرساله لهم وهم معصومون أنهم كلفوا بتعظيمه والإيمان به ودخولهم تحت دعوته تشريفا له على جميع المرسلين قاله الشيخ عبد الباقي. وقال صاحب التنبيه إنه بعث إلى الملائكة ليعلمهم أدب العبودية في حضرة الربوبية، ويحتمل أن يريد جميع المخلوقات حتى ما لا يعقل من حي وجماد بناء على ما ادعاه بعضهم، بأن خلق الله فيها إدراكا حتى فهمت دعوته ﷺ وأمرت بطاعته صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يأمرها به لا بالشرائع التي كلف بها الثقلان فإن كان السائر بمعنى الجميع فالعموم باعتبار من أدرك بعثته ﷺ ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وإن كان بمعنى الباقي فمن أدركه ﵊ ومن بعدهم كلهم باقي الأمم باعتبار من تقدم من أول الدنيا وفي الشبراخيتي ويصح أن يراد بسائر الأمم الماضية والباقية لأن من تقدم من الرسل كان نائبا عنه في تبليغ الشرائع اهـ. وقد بعثت روحه ﷺ للأرواح وقد (كان ﷺ نبيا وآدم منجدل في طينته (٢))، والأمة تطلق على ثمان معان الجماعة كما مر من العقلاء وغيرهم، وأتباع الرسل، والرجل الجامع للخير ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ والملة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ والزمان ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ والقامة يقال فلان حسن الأمة أي القامة، والرجل المنفرد بدينه كقوله

стр. 109

صلى الله عليه وسلم (يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة (١)) والأم أي الوالدة يقال هذه أمة زيد أي أمه وإذا أضيفت الأمة إلى النبي فتارة يراد بها أتباعه وتارة يراد بها عموم أهل دعوته كحديث (لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٢)) قاله الحطاب. واعلم أن من صلى عليه ﷺ في نفسه، أنسه الله ليلة حلول رمسه، ومن صلى عليه صلاة كاملة غفرت له ذنوبه العاجلة والآجلة، ومن أكثر الصلاة عليه ﷺ يكون ملك الموت أرفق به من والديه. ومن أكثر الصلاة عليه والسلام رفع الله عنه الهموم والأسقام، ومن صلى عليه سبع مرات صلت عليه ملائكة سبع سموات، ومن كتب الصلاة عليه في الطروس زف إلى الجنة كما تزف العروس، ومن كتب الصلاة عليه في مكتوبه غفر الله له جميع ذنوبه، ومن كتب الصلاة عليه في مكتوب لم تزل الملائكة تكتب له الحسنات وتمحو عنه الذنوب: ومن أكثر الصلاة عليه عند تبليغ العلم للناس أذهب الله عنه الباس وحفظه من الوسواس، ومن أكثر الصلاة عليه ألبسه الله يوم القيامة حلة خضراء، ومن أكثر في ظلام الليل الصلاة عليه ضحك الله إليه، ومن أكثر الصلاة عليه في قيامه وقعوده عصمه الله من إبليس وجنوده، ومن أكثر الصلاة عليه في حياته أمر الله جميع المخلوقات أن يستغفروا له بعد مماته، ومن أكثر الصلاة عليه والتسليم لقي الله بقلب سليم، ومن اتخذ الصلاة عليه ديدنا بلغ القصد والمنا، ومن صلى عليه في كل يوم من الأيام ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ومن أكثر الصلاة عليه وهو راحل قربت له المنازل، ومن كرر الصلاة عليه وأكثر غرس الله له عشرين ألف شجرة على شاطئ الفرات والكوثر، ومن رفع صوته بالصلاة عليه غفر له ولوالديه، ومن كانت له بالصلاة عليه علاقه لم تصبه فاقه، ومن صلى عليه عند دخول المقبرة أوجب الله لأهلها الرحمة والمغفرة، وقد خلق الله ملكا مكرما لديه لرد السلام على من سلم عليه، ﷺ ،

стр. 110

ومن صلى عليه وسلم على الدوام رد الله عليه روحه حتى يرد عليه بنفسه السلام، ومن صلى عليه عند دخول بيته وسلم وسع الله عليه رزقه وأنعم، وما خرجت صلاة عبد عليه من فيه إلا مرت بجميع المخلوقات فردت عليه، وبركة الصلاة عليه تدرك الرجل وولده وأولاده وأولاد أولاده وقد أوصى آدم ابنه شئث لا تدع ذكره ولا الصلاة عليه ما حييت، ومن لم يصل عليه من العباد لم ير وجهه يوم المعاد، وجعل الله ملكا للعبد على شفتيه لا يكتب مما يخرج من فيه إلا الصلاة عليه، ومن رفع بالصلاة عليه الصوت هانت عليه سكرات الموت، ومن أكثر ذكره بما هو أهله أظله الله يوم لا ظل إلا ظله، ومن أكثر ذكره بلغ قصده ومناه وأمن مما يخاف ويحذر من الزبانية وكان في حرز وأمان، ومن أكثر نعته وأوصافه لم تصبه آفة، ومن كتب الصلاة عليه ببنانه كان في ذمة الله وأمانه، ومن كتب اسمه في مسطور تَوَّجه الله يوم القيامة بتاج من نور، وما ذكره أحد من المخلوقات إلا ذكرته ملائكة سبع سماوات، ومن أكثر الصلاة عليه في دار الدنيا رافقه في الجنة العليا، ومن أكثر الصلاة عليه والتسليم أقبل الله عليه بوجهه الكريم، ومن صلى عليه عشر مرات وسلم غفر الله له من الذنوب ما علم العبد منها وما لم يعلم، ومن أكثر الصلاة عليه من العباد قبَّله ﵇ في فمه يوم المعاد، والصلاة عليه نصرة للمظلوم على الظالم الغشوم وتذهب الوساوس والردة والأبالس، ومن صلى عليه عشر صلوات استوجب الأمان من سخط الله في الحياة والممات، ومن أكثر الصلاة عليه مساء وصباحا صلت عليه الملائكة غدوة ورواحا، ولله ملائكة أقلامهم من الذهب النفيس يكتبون الصلاة عليه يوم الخميس، ومن أكثر الصلاة عليه والسلام كان الله أقرب إليه من اللسان للكلام، ومن أكثر صلاته عليه وسلامه شكره بين يدي الله يوم القيامة، ومن أكثر الصلاة عليه في سره وجهره أمن من مكر الحاسد وغدره، ومن أكثر الصلاة عليه قبل يوم القيامة أعطاه الله قبة في الجنة عرضها مسيرة ثلاثمائة عام محفوفة بأرياح الكرامة قاله ابن عظوم. صلى الله وسلم عليه جمع بين الاسمية الدالة على الثبوت والفعلية الماضوية المشعرة بكمال العناية بوقوع مضمونها لما فيها من إبراز غير الحاصل في معرض الحاصل وفي بعض النسخ بسقوط الفعليتين وعلى قال الشيخ الهلالي إعادة الجار واجبة عند جمهور النحاة إن كان العطف على
следующие страницы →