← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس (١))، وجاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم أتزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: (إي والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة)، قال الرجل: فإن الذي يأكل تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى؟ فقال النبي ﷺ : (حاجة أحدهم رشح يفيض من جلده، فإذا بطنه قد ضمر (٢))، (وسئل ﷺ ما الكوثر؟ قال: (ذلك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر)، قال عمر ﵁: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ : (أكلتها أنعم منها (٣))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وروي البزار في مسنده عن ابن مسعود ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء مشويا بين يديك، وقال ﷺ : ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب. رواه الترمذي، وروى ابن المبارك عن أبي هريرة ﵁ قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عن ما شاء فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما يشاء، وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء وعن النجائب والثياب، وروى أبو بكر بن الخطيب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة شجرة يخرج من أعلاها الحلل ومن أسفلها الخيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة بالدر والياقوت ما تروث ولا تبول ذوات أجنحة فيجلس عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاءوا فيقول الذين أسفل منهم: يا أهل الجنة ناصفونا يا رب ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة؟ فقال الله تعالى: إنهم كانوا يصومون وكنتم تفطرون وكانوا يقومون وأنتم تنامون وكانوا ينفقون وأنتم تبخلون وكانوا يجاهدون العدو وكنتم تجبنون.

стр. 4482

ونقل الثعلبي (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو، وقال ﷺ : (إن ثياب الجنة تتشقق عنها ثمار الجنة)، وروى ابن المبارك عن ابن عباس ﵄ قال: (نخيل الجنة جذعها زمرذ أخضر حلم وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم) وروى ابن وهب عن ابن زيد قال: قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من نخل فإني أحب النخل؟ قال: (إي والذي نفسي بيده لها جذوع من ذهب وجريد من ذهب وسعف كأحسن حلل يراها الرجل من العالمين وعراجين من ذهب وشماريخ من ذهب وأقماع من ذهب وثمار كالقلل ألين من الزبد وأحلى حلاوة من العسل (٢))، وذكر أبو الفرج الجوزي عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه أخذ عودا بيده، فقال: (يا جرير لو طلبت مثل هذا في الجنة لم تجده، قال: فقلت فأين النخل والشجر؟ قال: (أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها التمر (٣))، وروى ابن المبارك أن رسول الله ﷺ قال: (من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم يؤتون يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله (٤)). وروى مسلم والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (سأل موسى ﵇ ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة فيقول له ادخل الجنة؟ فيقول له أي رب كيف أدخل وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول رضيت رب، فيقول له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول له: هذا لك وعشرة أمثاله ولك مع ذلك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك

стр. 4483

الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ومصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١)). وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وكان الحسن البصرى يذكر عن رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلدين على خيل من ياقوت أحمر لها أجنحة من ذهب إذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (٣))، وروى الترمذي أنه ﷺ قال: (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذين لهم ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء (٤)). وروى البخاري ومسلم (أن رسول الله ﷺ قال: إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجَنَّةَ ﴿رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة﴾ (٥) فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله اذهب فادخل الجنة فإن لك فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا قال فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة (٦) وقال تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ قال ابن عباس ﵄: أول ما يدخل الجنة تعرض لهم عينان فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله تعالى ما في

стр. 4484

قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم. وقال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسلون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث أشعارهم أبدا ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطنهم من الأذى؛ ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروى القرطبي عن علي ﵁: أنه قال سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، ما هؤلاء الوفد؟ قال (يحشرون ركبانا ثم قال: والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل المذهب مرصعة بأنواع الجواهر فتسير إلى باب الجنة. قال: وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصولها عينان فيشربون من إحدى تلك العينين؛ فإذا بلغ الشراب الصدور أخرج الله كل ما في قلوبهم من غل، فإذا بلغ الشراب البطن طهرهم الله من دنس الدنيا وقذرها فذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال: ثم يغتسلون من العين الأخرى فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغير ألوانهم، قال: ثم يضربون حلق أبواب الجنة فلو سمع الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا فيبادر رضوان فيفتح لهم فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين، فيقول لهم: يا أولياء الله أنا قيمكم الذي توكلت بكم وبمنازلكم، فينطلق بهم إلى قصور من فضة شرفاتها من ذهب يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن، قال: فيقول أولياء الله عند ذلك: يا رضوان لمن هذا؟ فيقول: هذا لكم، فقال رسول الله ﷺ : فلولا أن الموت رفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم، قال: ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره، فيقول رضوان: اتبعني حتى أريك ما أعد الله لك فيمر به فيريه قصورا وخيما وما أعد الله له، قال: ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع قد لونت بجميع الألوان على جنادل الدر والياقوت، وفي الغرفة سرير طوله فرسخ وعرضه مثل ذلك عليه من الفرش كقدر خمسين غرفة بعضها فوق بعض، قال رسول الله ﷺ : فذلك قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وهي من نور والسرير من نور وعلى رأس ولي الله تاج له

стр. 4485

سبعون ركنا في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء وقد رد الله وجهه كالبدر وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور وقد سور بثلاثة أساورة، سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. وقوله في رضوان: فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين يريد سجود تحية كما حكى سبحانه في قصة إخوة يوسف، وكسجود الملائكة لآدم أو يكون سجودهم لله الذي خلق هذا الوجه الحسن وجعله متوكلا بالجنة وأهلها فهو من أكبر النعم، وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ روى يحيى بن سلام بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: دار المؤمنين من درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ ولي الله بأصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والمرجان؛ وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بلغني أن ولي الله يلبس حلة ذات وجهين يتجاوبان بصوت، يقول الذي يلي وجهه، أنا أكرم على ولي الله منك أنا أرى وجهه وأنت محجوب، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، قال الهروي: قال أحمد بن يحيى: الأريكة السرير في الحجلة ولا يسمى منفردا أريكة، وسمعت الأزهري يقول: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة. نقله الإمام الثعالبي. الجوهري: الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور. القرطبي: روى عن النبي ﷺ أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليزوج في شهر واحد ألف حوراء يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون منهما مني: وقال تعلى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. روى الترمذي بسنده أن رجلا سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على ذلك؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله ﷺ : ليس هنالك ليل لنا هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا

стр. 4486

لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها وتسلم عليهم الملائكة، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ يعني ظلال الشجر ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ أي ذللت ثمارها يتناولون منها كيف شاءوا، وإن قام ارتفعت بقدره وإن قعد تذللت إليه حتى ينالها، ونحوه عن البراء. وروى يحيى بن سلام بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن أهل الجنة ليتناولون من قطوفها متكئين على فرشهم فما تصل إلى في أحدهم حتى يبدل الله مكانها أخرى؛ وروى عن النبي ﷺ أنه قال: أدنى أهل الجنة منزلة الذي يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة ذهب والأخرى فضة؛ في كل واحدة لون لا يشبه الأخرى، وقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حابسات الأعين على أزواجهن أي لا ينظرن إلى غيرهم، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة العينين في جمال، تقول المرأة منهن لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك، وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾، قال رسول الله ﷺ : (خيرات الأخلاق حسان الوجوه) وقرئ شاذا خيرات بتشديد الياء الكسورة. قال القرطبي: وإذا قال تعالى حسان فمن يقدر أن يصف حسنهن، وقال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أي محبوسات مصونات في الخيام وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، قال عمر بن الخطاب ﵁: هي در مجوف. قال الداودي: وعن ابن عباس ﵄ قال: والخيمة لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع، ورواه ابن المبارك، وقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب وروى الدارقطني عن المعتمر بن سليمان أنه قال: إن في الجنة نهرا ينبت الجواري الأبكار. والله أعلم. وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، قال الثعالبي عن محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾؛ اختلف في الرفرف ما هو، فقيل: الرفرف ما تدلى من الأسرة من أعالي الثياب والبسط. قاله ابن عباس ﵄ وغيره، وقيل: الرفرف شيء إذا استوى صاحبه عليه رفرف به، ومنه رفرفة الطير. وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود والطيالسي كلهم عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎، أتريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: بلى فيكشف

стр. 4487

الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم (١) ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ولفظ النسائي: فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ولا أقر إلى أعينهم. قوله: فيكشف الحجاب معناه يرفع الموانع عن الأبصار حتى يرونه على ما هو عليه من نعوت العظمة والجلال، فذكر الحجاب إنما هو في حق المخلوقين لا في حق الخالق فهو سبحانه منزه عما يحجبه، وروى يحيى بن سلام بسنده عن الحسن، قال قال رسول الله ﷺ : إن أهل الجنة لينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفيه نهر جار حافاته المسك عليه جوار يقرءون القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون، فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من اللؤلؤ إلى منازلهم؛ فلولا أن الله تعالى يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة. وقال الحسن: ليس شيء أحب إلى أهل الجنة من يوم الجمعة يوم المزيد؛ لأنهم يرون فيه الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه، وروى عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: إن لله عبادا لو حجبهم في الجنة ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها؛ يعني أن رؤية المولى سبحانه هو النعيم الأكبر الذي لا يشبهه نعيم، جعلنا الله ممن نعمه بالنظر إليه سبحانه. وقد ذكر الغزالي أن رؤية الله سبحانه هي معظم نعيم المقربين جعلنا الله سبحانه منهم بمنه وفضله، ونقل القرطبي عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فإذا الرب سبحانه قد أشرف عليهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله سبحانه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قال: فإذا نظروا إليه نسوا نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم، فإذا احتجب عنهم بقي نوره وبركاته عليهم في ديارهم. نقله الثعالبي. وقال: قلت هذا الحديث رواه البزار، قال القرطبي: ومعنى قوله أشرف عليهم أي اطلع عليهم؛ والله سبحانه لا يوصف بالمكان ونسوا نعيم الجنة لما نظروا إليه سبحانه

стр. 4488

لأن ما دون الله سبحانه لا يقاوم تجليه جلت عظمته، ولولا أنه سبحانه يثبتهم ويبقيهم لحل بهم ما حل بالجبل حين تجلى له. وقوله: حتى يحتجب عنهم، يجوز أن يكون معناه حتى يردهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه، وإلى حظوظ أنفسهم وشهواتها التي نسوها، وليس ذلك إن شاء الله على معنى الاحتجاب عنهم الذي هو معنى الغيبة عنه حتى يكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين وإلى نعيم الجنة ساكنين، ولكنه سبحانه بلطفه يردهم إلى التنعم بما نسوة ولا يحجبهم عما شاهدوه حجبة غيبة عنه، ويدل على ذلك قوله: بقي نوره وبركته عليهم في ديارهم وإذا ارتفعت الحجب وزالت الموانع لم يكن بين نظر البصر وشهود السر فرق ولا بين حال الشهود والغيبة بون، بل تتفق الأوقات وتتساوى الحالات فيكون في كل حال شاهدا وبعين النظر والبصيرة ناظرا. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سبحانه يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا (١))، وقال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ قال ابن عطية: ومعنى الآية أن رضوان الله أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى الآية والحديث متفق، قال الإمام الفخر: وإنما كان الرضوان أكبر لأنه عند العارفين نعيم روحاني وهو أشرف من النعيم الجسماني، ومعرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ومثن عليهم أزيد عليهم في إيجاب السرور. انتهى. وأما النار فهي في اللغة الجوهر اللطيف المحرق وطبعها الارتفاع، وفي الشرع هي الدار المشتملة على عذاب العصاة في الآخرة نجانا الله منها بفضله ورحمته، وقد حذر الله سبحانه منها في غير ما آية من كتابه فوجب على العاقل أن يحذر مما حذره الله ويرحم بدنه الضعيف فإنه لا طاقة لأحد بعذاب الله والتعرض لغضبه، وقد روى ابن المبارك عن ميمون بن مهران أنه قال: لما خلق الله النار أمرها فزفرت زفرة فلم يبق في السماوات السبع ملك إلا خر على وجهه، فقال لهم

стр. 4489

الجبار ﷻ : ارفعوا رؤوسكم أما علمتم أني خلقتكم لطاعتي وعبادتي وخلقت جهنم لأهل معصيتي من خلقي؟ فقالوا: ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة (١))، وروى ابن ماجه عنه ﷺ أنه قال: (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت في الماء مرتين ما انتفعتم بها، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها (٢))، وفي حديث ابن عباس ﵄ أنها ضربت بماء البحر سبع مرات، وفي حديث ابن مسعود عشر مرات. وروى مسلم عنه ﷺ : (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها (٣))، وروى أبو الليث السمرقندي عن مجاهد أنه قال: إن لجهنم جيابا فيها حَياتٌ كأمثال أعناق البخت وعقارب كأمثال البغال الدهم، فيهرب أهل النار من النار إلى تلك الحيات فيأخذون بشفافهن فيكشطن ما بين الشر إلى الظفر فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار ورُويَ عن عبد الله بن جبير عن رسول الله ﷺ أنه قال: في النار حيات مثل أعناق الإبل تلسع أحدهم لسعة يجد حمومتها أربعين خريفا، وإن في النار لعقارب كأمثال البغال تلسع أحدهم لسعة يجد ألمها أربعين خريفا، وفسر قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ بأنه عقارب أنيابها كالنخل الطوال. وروى أبو الليث السمرقندي أن رسول الله ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذابا لرجل عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه كأنه مرجل مسامعه وأضراسه جمر وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء بطنه من قدميه وإنه ليرى أنه أشد الناس عذابا وإنه أهون من أهل النار عذابا، وروى بسنده أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أنه قال: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يرد لهم جوابا أربعين عاما ثم يرد عليهم إنكم ماكثون يعني دائمين أبدا،

стр. 4490

ثم يدعون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فلا يجيبهم مقدار ما كانت الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم اخسئوا فيها ولا تكلمون، قال فوالله ما نفث القوم بعدها بكلمة يعني ما نطق القوم ما كان بعد ذلك إلا الزفير والشهيق في النار تشبه أصواتهم بأصوات الحمير أوله زفير وآخره شهيق. ويقال: إن أهل النار يجزعون ألف سنة ثم يقولون كنا في الدنيا إذا صبرنا كان لنا الفرج فيصبرون ألف سنة فلا يخفف عنهم، فيقولون: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص؟ فيدعون الله تعالى ألف سنة الغيث لما بهم من العطش وشدة العذاب لكي يزول عنهم بعض الحرارة والعطش، فإذا تضرعوا ألف سنة يقول الله تعالى لجبريل؛ أي شيء يطلبون؟ فيقول جبريل ﵊: يا رب أنت أعلم بهم إنهم يسئلون الغيث فتظهر لهم سحابة حمراء فيظنون أنهم يمطرون، فترسل عليهم العقارب كأمثال البغال فتلدغ واحدا منهم فلا يذهب عنه الوجع ألف سنة ثم يسئلون الله تعالى ألف سنة أن يرزقهم الغيث، فتظهر لهم سحابة سوداء فيقولون هذا سحاب المطر فيرسل عليهم حيات كأعناق الإبل كلما لسعت لسعة لا يذهب وجعها ألف سنة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ و ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ يعني بما كانوا يكفرون ويعصون الله تعالى، وقد قال رسول الله ﷺ : (دعا الله تعالى جبريل وأرسله إلى الجنة، فقال: انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فحفت بالمكاره، فقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع، وقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ثم أرسله إلى النار، فقال: انظر إليها وما أعددت لأهلها فيها فرجع وقال: وعزتك وجلالك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فحفت بالشهوات، فقال: عد إليها وانظر إليها فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها (١)). وعن النبي ﷺ أنه قال: اذكروا من النار ما شئتم فلا تذكرون منها شيئا إلا وهي أشد منه وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أنه قال جاء جبريل إلى النبي ﷺ في ساعة ما كان يأتيه فيها متغير اللون، فقال له النبي ﷺ : ما لي أراك

стр. 4491

متغير اللون؟ فقال يا محمد: جئت في الساعة التي أمر الله تعالى فيها بمنافخ النار أن تنفخ فيها ولا ينبغي لمن يعلم أن جهنم حق وأن عذاب الله أكبر أن تقر عيناه حتى يأمنها، قال النبي صلى اللّد عليه وسلم: يا جبريل صف لي جهنم، قال: نعم يا محمد صلى الله عليك وسلم إن الله تعالى لما خلق جهنم أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ولا يخمد جمرها، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن مثل خرم إبرة فتح منها لحرق أهل الدنيا عن آخرهم، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض لماتوا عن آخرهم لما يجدون من نتنها، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن ذراعا من السلسلة التي ذكر الله في كتابه وضع على جبل لأذابه حتى يبلغ الأرض السابعة، والذي بعثك بالحق نبيئا لو أن رجالا بالمغرب يعذب لحرق الذي بالمشرق من شدة عذابها. حرها شديد، وقعرها بعيد وحطبها حديد، وشرابها صديد، وثيابها مقطعات النيران، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم من الرجال والنساء، فقال النبي ﷺ : أهي كأبوابنا هذه؟ قال: لا ولكنها مفتوحة بعضها أسفل من بعض، من باب إلى باب مسيرة سبعين سنة كل باب منها أشد حرا من الذي يليه بسبعين ضعفا، يساق أعداء الله تعالى إليها فإذا انتهوا إلى أبوابها استقبلتهم الزبانية بالأغلال والسلاسل فتدخل السلسلة في فمه وتخرج من دبره وتغل يده اليسرى إلى عنقه وتدخل يده اليمنى في فؤاده وتنزع من بين كتفيه ويشد بالسلاسل ويقرن كل آدمي مع شيطانه في سلسلة ويسحب على وجهه فتضربه الملائكة بمقامع من حديد، فقال ﷺ : من سكان هذه الأبواب؟ فقال: أما الباب الأول وهو الأسفل ففيه المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون واسمه الهاوية، والباب الثاني ففيه المشركون واسمه الجحيم، والباب الثالث ففيه الصابون واسمه سقر، والباب الرابع ففيه إبليس ومن تبعه والمجوس واسمه لظى، والباب الخامس ففيه اليهود واسمه الحطمة، والباب السادس ففيه النصارى واسمه السعير.

стр. 4492

ثم أمسك جبريل فقال النبي ﷺ : ألا تخبرني من سكان هذا الباب السابع؟ فقال يا محمد: لا تسئلني عنه، فقال: بلى يا جبريل أخبرني عن الباب السابع، فقال: فيه أهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبوا، فخر النبي ﷺ مغشيا عليه ووضع جبريل ﵊ رأسه في حجره حتى أفاق، فلما أفاق قال يا جبريل: عظمت مصيبتي واشتد حزني أيدخل أحد من أمتي النار؟ قال: نعم أهل الكبائر من أمتك ثم بكى رسول الله ﷺ وبكى جبريل ودخل رسول الله ﷺ منزلة واحتجب من الناس فكان لا يخرج إلا للصلاة يصلي ويدخل ولا يكلم أحدا، ويأخذ في الصلاة ويبكي ويتضرع إلى الله تعالى. فلما كان من اليوم الثالث أقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى وقف بالباب وقال السلام عليكم أهل بيت الرحمة، هل لي إلى رسول الله ﷺ من سبيل؟ فلم يجبه أحد فتنحى باكيا، فأقبل عمر رضي الله تعالى عنه فصنع مثل ذلك فلم يجبه أحد فتنحى وهو يبكي، وأقبل سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فوقف بالباب فقال السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة هل لي إلى مولاي رسول الله ﷺ من سبيل؟ فلم يجبه أحد فأقبل مرة يبكي ومرة يقع ويقوم أخرى حتى أتى بيت فاطمة الزهراء فوقف بالباب، فقال السلام عليكم يا أهل بيت المصطفى وكان على غائبا، فقال سلمان: يا بنت رسول الله إن رسول الله ﷺ قد احتجب عن الناس فليس يخرج إلا للصلاة ولا يكلم أحدا ولا يأذن لأحد أن يدخل عليه، فاشتملت فاطمة بعباءة قطوانية فأقبلت حتى وقفت على باب رسول الله ﷺ ثم سلمت، وقالت: يا رسول الله أنا فاطمة ورسول الله ﷺ ساجد يبكي فرفع رأسه، وقال: ما بال قرة عيني فاطمة حجبت عني؟ افتحوا لها الباب ففتحوا لها الباب ودخلت، فلما نظرت إلى النبي ﷺ بكت بكاء شديدا لما رأت من حاله مصفرا متغيرا لونه مذابا لحم وجهه من البكاء والحزن. فقالت يا رسول الله ما الذي نزل بك؟ فقال رسول الله ﷺ : جاءني جبريل ﵊ ووصف لي أبواب جهنم وأخبرني أن في أعلى أبوابها أهل الكبائر من أمتي فذلك الذي أبكاني وأحزنني، فقالت يا رسول الله أو لم تسأله كيف يدخلونها، وقال بلى تسوقهم

стр. 4493

الملائكة إلى النار ولا تسود وجوههم ولا تزرق عيونهم ولا تختم أفواههم ولا يقرنون مع الشيطان ولا يوضع عليهم السلاسل والأغلال قالت يا رسول الله وكيف تقودهم الملائكة؟ فقال رسول الله ﷺ أما الرجال باللحى، وأما النساء بالذوائب والنواصي فكم من ذي شيبة من أمتي قد قبض على شيبته يقاد إلى النار وهو ينادي يا شيبتاه واضعفاه وكم من شاب من أمتي يقبض على لحيته يقاد إلى النار وهو ينادي واشباباه واحسن صورتاه فكيف في النار حسراه، وكم من امرأة تقبض على ناصيتها تقاد إلى النار وهي تنادي وافضيحتاه واهتك ستراه؟ حتى ينتهى بهم إلى مالك فإذا نظر إليهم مالك قال للملائكة: من هؤلاء؟ فما ورد علي من الأشقياء أعجب من هؤلاء، لم تسود وجوههم ولم توضع السلاسل والأغلال في أعناقهم؟ فيقول الملائكة: هكذا أمرنا الله أن نأتي بهم على هذه الحال، فيقول لهم مالك: يا معشر الأشقياء من أنتم؟ وفي رواية أخرى إنهم لما قادتهم يعني الملائكة ينادون وا محمداه فلما أن رأوا مالكا نسوا اسم محمد ﷺ من هيبته، فيقول لهم من أنتم؟ فيقولون نحن ممن أنزل عليهم القرآن ونحن ممن يصوم شهر رمضان. فيقول مالك: ما أنزل القرآن إلا على محمد ﷺ فإذا سمعوا اسم محمد ﷺ صاحوا بأجمعهم، وقالوا: نحن من أمة محمد ﷺ ، فيقول لهم مالك: أما كان لكم في القرآن من زاجر عن معاصي الله تعالى؟ فإذا وقف لهم على شفير جهنم ونظروا إلى النار وإلى الزبانية، قالوا: يا مالك ايذن لنا فنبكي على أنفسنا فيأذن لهم فيبكون الدموع حتى لم يبق من الدموع فيبكون الدم؛ فيقول مالك: ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا فلو كان هذا البكات في الدنيا من خشية الله تعالى ما مستكم النار اليوم، فيقول مالك للزبانية ألقوهم في النار فإذا ألقوا في النار نادوا بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ فترجع النار عنهم، فيقول مالك: يا نار خذيهم، فتقول النار: كيف آخذهم وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى ألله عليه وسلم؟ فيقول مالك: نعم فذلك أمر رب العالين، فتأخذهم النار فمنهم من تأخذه إلى قدميه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه إلى حلقه، فإذا أهوت النار إلى وجوهم قال مالك: لا تحرقي وجوههم فلطال ما سجدوا

стр. 4494

للرحمن، ولا تحرقي قلوبهم فلطال ما عطشوا في شهر رمضان، فيبقون ما شاء الله تعالى فيها وينادون: يا أرحم الراحمين يا حنان يا منان، فإذا أنفذ الله حكمه قال يا جبريل: ما فعل العاصون من أمة محمد ﷺ ؟ فيقول: إلهي أنت أعلم بهم، فيقول انطلق فانظر ما حالهم، فينطلق جبريل إلى مالك وهو على منبر من النور وسط جهنم، فإذا نظر مالك إلى جبريل ﵊ قام تعظيما له، فيقول يا جبريل ما أدخلك علي هذا الموضع فيقول ما فعلت العصابة العاصية من أمة محمد ﷺ ؟ فيقول مالك: ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم قد أحرقت النار أجسامهم وأكلت لحومهم وبقيت وجوههم وقلوبهم يتلألأ فيهم الإيمان، فيقول جبريل: ارفع الطبق عنهم حتى أنظر إليهم، قال: فيأمر مالك الخزنة فيرفعون الطبق عنهم فإذا نظروا إلى جبريل ﵊ وإلى حسن خلقه علموا أنه ليس من ملائكة العذاب. فيقولون من هذا العبد الذي لم نر شيئا قط أحسن منه؟ فيقول مالك: هذا جبريل الكريم على ربه الذي كان يأتي محمدا ﷺ بالوحي؛ فإذا سمعوا ذكر محمد ﷺ صاحوا بأجمعهم وقالوا يا جبريل: اقرأ محمدا منا السلام وأخبره أن معاصينا قد فرقت بيننا وبينه، وأخبره بسوء حالنا فينطلق جبريل ﵊ حتى يقوم بين يدي الله تعالى، فيقول الله ﵎: كيف رأيت أمة محمد ﷺ ؟ فيقول: يا رب ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم، فيقول الله ﵎: هل سألوك شيئا؟ فيقول: نعم يا رب سألوني أن أقرئ نبيهم ﵊ السلام وأخبره بسوء حالهم، فيقول الله : انطلق وأخبره. فينطلق جبريل إلى النبي ﷺ وهو في خيمة من درة بيضاء لها أربعة آلاف باب ولها مصراعان من ذهب، فيقول: يا محمد جئتك من عند العصابة الذين يعذبون من أمتك في النار وهم يفرئونك السلام ويقولون: ما أسوأ حالنا وأضيق مكاننا، فيأتي النبي ﷺ فيقف تحت العرش فيخر ساجدا ويثني على الله تعالى ثناء لم يثن أحد مثله، فيقول الله ﵎: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع واسأل تعط، فيقول: يا رب الأشقياء من أمتي قد أنفذت فيهم حكمك وانتقمت منهم فشفعني فيهم فيقول الله قد شفعتك فيهم فأت النار فأخرت منها كل من قال: لا إله إلا الله: فينطلق محمد ﷺ فإذا نظر مالك

стр. 4495

إلى محمد ﷺ قام تعظيما له، فيقول يا مالك ما حال أمتي الأشقياء؟ فيقول مالك ما أسوأ حالهم وأضيق مكانهم فيقول محمد ﷺ : افتح الباب وارفع الضيق عنهم فإذا نظروا إلى محمد ﷺ صاحوا بأجمعهم: يا محمد قد أحرقت النار جلودنا وأحرقت أكبادنا، فيخرجهم جميعا وقد صاروا فحما قد أكلتهم النار. فينطلق بهم إلى نهر بباب الجنة يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه فيخرجون منه شبابا جردا مردا مكحلين كأن وجوههم مثل القمر مكتوب على جباههم؛ هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن من النار، فيدخلون الجنة فإذا رأى أهل النار أن المسلمين قد أخرجوا منها قالوا: ليتنا كنا مسلمين وكنا نخرج من النار، وهو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون الموت؟ فينظرون فيعرفونه، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون الموت؟ فينظرون فيعرفوند فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلودا لا موت فيها، ويا أهل النار خلودا لا موت فيها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قاله السمرقندي. اللهم نجنا من حر السعير وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وعند سؤال منكر ونكير. آمين يا رب العالمين. وروى مسلم عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الماس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغا، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت شدة قط هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط (١))، وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى تصير في خدودهم كأمثال الجداول، ولو أجريت

стр. 4496

فيها السفن لجرت (١)). نقله الإمام الثعالبي. وقال عبد الحق في العاقبة: اعلم رحمك الله أنه قد وجب في الحكم الأول والقضية السابقة دخول النار على طوائف من المؤمنين، فمن أوبقتهم سيئاتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم ولم تمحصها عنهم عقوبات الدنيا ولا عذاب القبر ولا هول يوم الحشر، وكل إنسان منهم تنال منه النار بمقدار عمله ولا تأخذ منه إلا الحد الذي أمرت به، ثم إن الله ﷻ بفضله ورحمته يقبل فيهم شفاعة الشافعين ورغبة الراغبين وسؤال السائلين من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين والعلماء العاملين، وكل من له عند الله تعالى جاه ومنزلة قد بلغها بعمله ونالها بصالح سعيه فإن له شفاعة في أهله وبنيه وأوليائه وأقاربه، بل ربما في الرجل كان يعرفه في الدنيا ولم يكن بينهما صحبة ولا كبير معرفة. انتهى. نقله الثعالبي. ونقل السيوطي في الجامع الصغير عن الحاكم عن ابن مسعود: في جهنم واد، وفي الواد بير يقال لها هبهب حق على الله تعالى أن يمسكنها كل جبار، ونقل الثعالبي عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد ولا مغارد ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم صاحبها عليها مكتوب. أو إن كنت حاملا يعني أن الرجل إذا قال لامرأته: إن كنت حاملا فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، أو إن لم تكوني يعني أن الرجل إذا قال لامرأته: إن لم تكوني حاملا فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، وقوله: "إن كنت حاملا أو إن لم تكوني" معطوف على قوله: "كإن كان في بطنك غلام" فهو من الفروع التي لا تعلم حالا وتعلم مئالا، وقوله: "أو إن كنت حاملا" أي وتقدم له وطء مع إنزال وحملت المرأة على البراءة منه هذا كالتخصيص لقوله: "أو إن كنت حاملا"؛ يعني أن المرأة التي قال لها ذلك تحمل على البراءة من الحمل حيث صدر منه ذلك القول لها في طهر لم يمس المرأة فيد وفائدة حمل المرأة على البراءة الحنث في إن لم تكوني والبر في إن كنت، وكذا الحكم لو قال لها: إن كان في بطنك غلام أو إن لم يكن، فتحمل على البراءة من الحمل إذا قال لها ذلك في طهر لم يمسها فيه فيحنث في إن لم يكن لا في إن كان، فقوله: "وحملت" نائبه ضمير يعود على المرأة. واختاره مع العزل؛ يعني أن اللخمي اختار حمل المرأة على البراءة من الحمل حيث قال لها ذلك في طهر مسها فيه وأنزل لكن عزل عنها ماءه، وما اختاره ضعيف لأن الماء قد يسبق. قاله عبد

стр. 4497

الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "مع العزل" ما نصه: فلا تطلق في إن كنت؛ لأن الحمل عن ذلك نادر وتطلق في إن لم تكوني وهذا ضعيف. انتهى. وقوله: "أو إن كنت حاملا" لخ قال الشارح: هذا كقول مالك، وإن قال لها إن كنت حاملا فأنت طالق أو إن لم تكوني حاملا فأنت طالق: فإن كانت في طهر لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة من الحمل، يريد فإن قال: إن كنت حاملا لم تطلق، وإن قال: إن لم تكوني حاملا تطلق عليه اللخمي: وكذا إن كان يعزل لأن الحمل عن العزل نادر. انتهى. أو إن لم يمكن اطلاعنا عليه يعني أن الزوج إذا علق الطلاق بأمر لا يمكن اطلاعنا عليه حالا ولا مئالا فإنه ينجز عليه الطلاق، ومثل لذلك بقوله: كقوله لها أنت طالق إن شاء الله أو أنت طالق إلا أن يشاء الله"، وجعل المص المشيئة مما لا يمكن الاطلاع عليه تبعا لابن يونس، واعترضه ابن رشد بأنه يضاهي قول المعتزلة بحدوث الإرادة، والحق كما قال ابن عرفة وأصله لابن رشد أنه إنما ألزمه مالك الطلاق لأنه معلق على أمر محقق وقوعه؛ لأن قوله: "إن شاء الله" يحتمل أن يكون المعنى إن شاء الله طلاقك، وقد شاء طلاقها بقوله لها: أنت طالق ويحتمل أن يكون المعنى إن شرع الله الطلاق وقد شرع لزومه بقوله أنت طالق. والله أعلم. نقله بناني. وقوله: كإن شاء الله قال الشبراخيتي معللا له: لأن جميع ما يقع في الكون صادر عن مشيئة الله تعالى. انتهى. وقال عبد الباقي: لأن المشيئة لا تنفع في غير اليمين بالله كما قدمه. انتهى. أو الملائكة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن شاءت الملائكة فإنه ينجز عليه الطلاق، لأن هذا مما لا يعلم حالا ولا مئالا فالعصمة مشكوك فيها أو الجن يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن شاءت الجن فإنه ينجز عليه الطلاق؛ لأن هذا مما لا يعلم حالا ولا مئالا فالعصمة مشكوك فيها، وقال الشارح مفسرا للمص: أي وكذا ينجز الطلاق إذا علقه على ما لا يمكن اطلاع البشر عليه، كقوله: أنت طالق إن شاء الله وكذا أنت طالق إن شاءت الملائكة أو الجن على الأصح: وقيل لا تطلق عليه في ذلك.

стр. 4498

وتحصل مما مر أن جعل المص المشيئة لله تعالى مما لا يعلم حالا ولا مئالا معترضٌ، وأن الحق أنه إنما ألزمه مالك الطلاق لأنه محقق الوقوع، وأما مشيئة الملائكة ومشيئة الجن فما قاله فيهما مسلم. مسألة: سئل ابن أبي زيد عمن حلف بطلاق زوجته ما أنه إلا فلان بن فلان؛ فأجاب: لا حنث عليه، وأجاب القابسي بأنه حانث لأنه يمين غموس، قال البرزلي: قلت: إن كان مقصوده أنه ينسب إلى أبيه لا إلى غيره فهو بار في يمينه، وإن أراد في نفس الأمر فيجري على اليمين في غلبة الظن أنه كالشك والوهم، ولهذا قال: غموس. أو صرف المشيىئة على معلق عليه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله وصرف المشيئة للمعلق عليه؛ أي نوى أن المشيئة راجعة للدخول المعلق عليه فإنه ينجز عليه الطلاق إن حصل الدخول المعلق عليه؛ وإلا لم يقع عليه طلاق؛ وكذا ينجز عليه الطلاق بالأولى إذا صرف المشيئة للمعلق وهو الطلاق، وكذا إن لم تكن له نية بصرفه لواحد منهما بشرط حصول الدخول في القسمين الأخيرين كالأول، وقوله: "أو صرف المشيئة على معلق عليه" هو قول ابن القاسم، وذهب ابن الماجشون وأشهب إلى أنه لا طلاق عليه؛ واختاره جماعة من الشيوخ، وبه قال أصبغ ولو دخلت. ابن رشد: قول ابن القاسم مبني على مذهب القدرية، والمقابل مبني علي مذهب أهل السنة؛ لأن قول القائل أنت طالق إن لم أدخل إن شاء الله إذا صرف المشيئة إلى المعلق عليه هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله فلا شيء عليَّ، وكذا قوله: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله هو إن شا" الله دخولي فلا شيء علي، وقد علم في السنة أن كل الواقع في الوجود بمشيئة الله تعالى فامتناعه إذا من الدخول في الوجه الأول ودخوله في الوجه الثاني بمشيئة الله فلا يلزمه طلاق؛ لأن ذلك هو الذي التزمه، وأما القول بلزوم الطلاق فمقتضاه أن الدخول وعدمه واقع على خلاف المشيئة وهو محال عند أهل السنة، وأجاب ابن عرفة ونصه: رد المشيئة للفعل في هذه المسألة يحتمل تفسيره بأن تعلق مشيئة الله بالفعل موجب تعلق الحلف به أو بأن تعلقها به يمنع تعلق الحلف به، فابن رشد بناه على الثاني فلزم ما ألزم.

стр. 4499

ولقائل أن يقول مجيبا عن ابن القاسم بأنه بناه على المعنى الأول، وحينئذ ينعكس الأمر في جري ابن القاسم على مذهب أهل السنة، وقول غيره على مذهب القدرية والاستثناء في اليمين بالله على المعنى الثاني لا الأول. انتهى. فابن رشد جعل إن شاء الله في معنى الاستثناء، مثل إلا أن يشاء الله، وابن عرفة جعله شرطا على ظاهره وهو الصواب، ويسقط به اعتراضه قلت: ومقتضى الجواب المذكور أنه إن قال هنا: إلا أن يشاء الله لم يلزمه. فانظره. انتهى. قاله محمد بن الحسن بناني. بخلاف إلا أن يبدو لي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي، أو إلا أن أشاء أو إلا أن أرى خيرا منه أو إلا أن يغير الله ما في خاطري أو نحو ذلك، فإنه لا ينجز عليه الطلاق بدخول الدار ولا يلزمه شيء، بشرط أشار إليه بقوله: في المعلق عليه فقط يعني أن محل عدم لزوم الطلاق له فيما إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي إنما هو فيما إذا جعل قوله: "إلا أن يبدو لي" راجعا للمعلق عليه فقط وهو دخول الدار في المثال المذكور دون ما إذا لم يرجعه له، ومعنى ذلك أني لم أصمم على جعل دخول الدار سببا لطلاقك بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل، فإن شئت جعلته سببا لطلاقك وإن شئت لم أجعله سببا له، فلهذا نفعه لأن كل سبب وكل إلى إرادته لا يكون سببا إلا بتصميمه على جعله سببا، قال الإمام الحطاب واحترز بقوله: "فقط" مما إذا قال: "إلا أن يبدو لي" في الطلاق، مثل أن يقول: أنت طالق إلا أن يبدو لي فإنه لا ينفعه، قال ابن رشد في رسم جاع، من سماع عيسى من الأيمان بالطلاق، بلا خلاف كما أنه إذا قال إلا أن يبدو لي في المعلق عليه ينفعه بلا خلاف. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: ويظهر أن قوله: "فقط" يرجع للرجوع المقدر بعد "في" ولا يرجع للمعلق عليه لاقتضائه أنه إذا رجعه لهما تطلق وهو غير ظاهر، والظاهر أنها لا تطلق حينئذ، هذا الذي قلته خلاف ما صرح به الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: واحترز بالمعلق عليه عن المعلق نفسه وهو الطلاق؛ فإنه إذا صرف الإرادة إليه لا ينفعه لأنه لا اختيار له فيه فينجز، وكذا إن لم تكن له نية تصرفه لواحد منهما فينجز كما إذا لم يكن في صيغة تعليق. انتهى.

стр. 4500

أو كإن لم تمطر السماء غدا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن لم تمطر السماء غدا أو إلى رأس الشهر الفلاني أو نحو ذلك، فإنه ينجز عليه الطلاق بحكم حاكم؛ فإن غفل عن ذلك ولم يطلق عليه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه فقال ابن القاسم: لا يطلق عليه، وقال المغيرة وعيسى: يطلق عليه إلا أن يعم الزمن الأولى أن يقول: لا إن عم الزمن؛ لأن هذا مفهوم قوله: "غدا" يعني أنه إذا قال لها إن لم تمطر السماء فأنت طالق فإنه لا يطلق عليه؛ لأنه عم الزمن فلا بد من أن تمطر السماء في زمن مَّا، ومثل ذلك ما إذا قيد بزمن بعيد كخمس سنين ولم يقيد بمكان فلا ينجز ولا ينتظر، وأما لو قال: أنت طالق إن أمطرت السماء فينجز عليه، كما لو قال: أنت طالق الساعة. قال اللخمي: وإن قال أنت طالق إن أمطرت السماء كأنت طالق الساعة لأن السماء لا بد أن تمطر، وإن قال إن لم تمطر فأنت طالق فلا شيء عليه، وسواء عمم أو سمى بلدا لأنه لا بد أن تمطر في زمن ما، وكذلك إن ضرب أجلا عشر سنين أو خمس سنين. مسألة نزلت: وهي أن شخصا خاصم شخصا فقال أحدهما -وكأنه المظلوم- خيمتي علي حرام إن لم ينصفني الله من فلان فمكث يومين أو نحوهما فأصابه مرض فقتله، والخيمة في عُرفهم كناية عن الزوجة؛ فأجبت بأن الظاهر أن هذا من الحلف على الغيب نحو إن لم تمطر السماء غدا فالمشهور أنه ينجز عليه الطلاق، فإن غفل عنه حتى وقع المحلوف عليه فقال ابن القاسم إلى آخر ما مر قريبا: أو يحلف لعادة يعني أن ما تقدم من التنجيز في قوله: أنت طالق إن لم تمطر السماء غدا محله ما إذا لم يكن حلف لأجل عادة شرعية توسمها، وأما إن حلف لعادة شرعية فإنه ينتظر بالطلاق نزول المطر ولا ينجز عليه، فإن وقع الأمر كما حلف عليه لم يلزمه شيء وإلا حنث ولزمه الطلاق، وإنما انتظر فيما إذا حلف لعادة لخبر: (إذا نشأت بحرية ثم تشاء مت فتلك عين غديقة (١)) قوله: بحرية بالنصب والظاهر أنه على الحال من الضمير في نشأت العائد على السحابة المفهومة من السياق، وغديقة بغين معجمة مضمومة ودال مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة تحتية ساكنة ثم قاف مفتوحة أي: كثيرة الماء وهو تصغير تعظيم، والغدق بفتح الدال: المطر الكبار، وغدق اسم بئر معروفة بالمدينة.

стр. 4501

تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: "فينتظر": ويمنع في صيغتي البر والحنث ويدل عليه قوله "وإن نفى ولم يؤجل منع منها"، والظاهر ولو طال الزمن ويدل عليه أيضا ما يأتي في مسألة الحيلولة من قوله: "وحيل بينهما حتى تجيب"، واحترز بالشرعية من العادة غير الشرعية كتنجيم فيتنجز، سواء اطلع عليه أو لم يطلع حتى حصل ما حلف عليه. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني ويدل عليه قوله وإن نفى لخ فيه نظر، بل عدم منعه منها في إثبات فعل غيره يدل على عدم منعه منها هنا في البر. فتأمله. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قوله: "أو يحلف لعادة" ما نصه: تبع المؤلف في هذا ما في التوضيح عن التنبيهات، والذي لابن رشد في المقدمات يقتضي أنه ينجز عليه ولا ينتظر، فإن غفل عنه حتى جاء ما حلف عليه فقيل يطلق عليه وقيل لا. انتهى. وقال ابن غازي: والذي في المقدمات: من حلف على ما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه الطلاق ولا يستأنى به، واختلف إن غفل عنه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه، فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يطلق عليه، ثانيها لا يطلق عليه، ثالثها أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن حلف علي ظهر له بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو تعمد الكذب طلق عليه. انتهى. قوله: "أو كإن لم تمطر السماء" لخ هو حكم صيغة الحنث. وأشار إلى الحكم في صيغة البر بقوله: وهل ينتظر في البر يعني أن الشيوخ اختلفوا في الذي تقتضيه المدونة حيث كانت يمينه على بر، كقوله: أنت طالق إن أمطرت السماء غدا أو في هذا الشهر، فمنهم من تأولها على أنه ينتظر بالطلاق نزول المطر وهذا التأويل هو الذي عليه الأكثر من الشيوخ أو ينجز يعني أن من الشيوخ من تأول المدونة على أنه ينجز عليه الطلاق في صيغة البر كما ينجز عليه في صيغة الحنث المتقدمة. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان: تأويل الأكثر ومقابله ومحلهما إذا حلف لا لعادة وقيد بزمن قريب كغد أو شهر فإن حلف لعادة انتظر، وإن قيد بزمن بعيد نجز عليه لأنه لا بد أن تمطر في الأجل البعيد كما لو لم يقيد كما مر، وذكروا أن القريب كالشهر وأن البعيد

стр. 4502

خمس سنين، ولم يتعرضوا لما بينهما، والظاهر أن السنة من حيز البعيد في صيغتي البر والحنث فينجز عليه إن قيد بها في صيغة البر لا في الحنث، وينبغي أن تكون الأشهر التي لا يتخلف فيها المطر عادة كالتقييد بزمن بعيد. قاله عبد الباقي وغيره. والدليل على أن محل التأويلين حيث قيد بزمن قريب ولم يحلف لعادة قوله: "كالحنث" فإنه جعل محل التنجيز في الحنث حيث قيد بزمن قريب ولم يحلف لعادة. وتحصل مما مر أن قوله: "إن لم تمطر السماء" لخ على أربعة أقسام: أحدها أن يقيد بزمن قريب ولم يحلف لعادة كقوله: "إن لم تمطر السماء غدا"، أو عند رأس الشهر الفلاني ودونه شهر مثلا فينجز عليه الطلاق؛ ثانيها أن يقيد بزمن قريب لكنه حلف لعادة فينتظر، فإن وقع الأمر على ما حلف عليلا بر وإلا طلقت، ثالثها أن يقيد بزمن بعيد كخمس سنين فلا تطلق، رابعها أن يعم الزمن فلا طلاق أيضا. وقد مر كلام ابن رشد أنه إن حلف على ما لاطريق إلى معرفته ينجز عليه، فإن غفل عنه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه فقيل: تطلق عليه، وقيل لا تطلق عليه: وقيل: إن حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له في الشرع لم تطلق عليه، وإن حلف على ما ظهر له بكهانة أو تنجيم أو على الشك أو تعمد الكذب طلق عليه، انتهى. وأنه إن قال: إن أمطرت السماء على أربعة أقسام أيضا، أحدها: أن يقيد بزمن قريب ويحلف لا لعادة هي محل التأويلين، ثانيها: أن يقيد بزمن قريب أيضا لكنه حلف لعادة فينتظر، فإن وقع الامر على ما حلف عليه لم تطلق، وإلا طلقت، ثالثها: أن يقيد بزمن بعيد فإنه ينجز عليه الطلاق، رابعها: أن لا يقيد فينجز عليه أيضا، أو بمحرم يعني: أن الزوج إذا علق الطلاق على أمر حرام فإنه ينجز عليه الطلاق لأن الشرع لا يمكنه من ذلك، ومثل لذلك بقوله: كإن لم أزن؛ أي كقوله إن لم أزن، أو إن لم أشرب الخمر، أو إن لم أقتل زيدا، أو نحو ذلك؛ فأنت طالق، أوأنت طالق لأزنين أو لأسرقن أو لأقتلن، ولا فرق بين فعله وفعل غيره، كإن لم يزن زيد على الصحيح، خلافا لابن الحاجب، إلا أن يتحقق قبل التنجيز؛ يعني: أن محل تنجيز الطلاق عليه ما لم يتحقق منه الزنى مثلا قبل أن يحكم الحاكم عليه بتنجز الطلاق، وأما إن تحقق منه الزنى مثلا قبل أن يحكم عليه بالطلاق فإنه لا شيء عليه، ولو أفتاه فقيه بوقوع الطلاق من غير حكم فاعتدت زوجته وتزوجت ثم فعل

стр. 4503

المحلوف عليه فإن زوجته ترد إليه ووطء الثاني وطء شبهة؛ قاله عبد الباقي. وعلم من قول المصنف: إلا أن يتحقق قبل التنجيز، أن التنجيز هنا إنما يكون بحكم حاكم، قاله غير واحد؛ وقوله: "أو بمحرم كإن لم أزن إلا أن يتحقق قبل التنجيز"؛ قال الشارح: هو منصوص في المدونة وغيرها، وحكى ابن الحاجب قولا آخر بالتنجيز، ولو فعل المحلوف عليه؛ انتهى. أو بما لا يعلم حالا ومئالا يعني أن الزوج إذا علق طلاق زوجته على أمر لا يعلم حالا ولا مئالا فإنه ينجز عليه الطلاق، وهذا مكرر مع قوله: أو لم يمكن اطلاعنا عليه، وأعاده ليرتب عليه قوله: ودين إن أمكن حالا يعني أن الزوج إذا علق طلاق زوجته على أمر لا يعلم حالا ولا مئالا فإنه ينجز عليه الطلاق كما عرفت، فإن كان الأمر الذي علق عليه الطلاق يمكن أن يعلم حالا والحال أن الزوج أدعاه أي ادعى علم ذلك الأمر وتحققه فإنه يدين ولا يطلق عليه، كحلفه بالطلاق أنه رأى الهلال ليلة ثلاثين والسماء مطبقة بالغمام فيخلى بينه وبين زوجته، ويترك على أمانته؛ ومثل المص لذلك بقوله: فلو أي فبسبب أنه يدين فيما ذكر لو حلف اثنان بالطلاق على النقيض؛ أي حلف كل منهما على نقيض ما حلف عليه الآخر، كما لو قال أحدهما: إن كان هذا غرابا فامرأتي طالق، أو قال إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق، وناقضه الآخر في الحلف وكمن قال لرجل: امرأتي طالق لقد قلت لي كذا، فقال الآخر: امرأتي طالق ما قلته لك ونحو ذلك، فإن ادعيا اليقين وكلا إلى دينهما، ولم تطلق زوجة واحد منهما، وإن ادعى أحدهما اليقين أي الجزم لم تطلق امرأته وتطلق امرأة من لم يدع الجزم وإن لم يدعيا يقينا طلقتا أي طلقت زوجتاهما كلتاهما وفي بعض النسخ فإن لم يدع يقينا طلقت بالإفراد فيهما؛ أي طلقت امرأة من لم يدع اليقين، لا من ادعى اليقين سواء كان مدعي اليقين كلا منهما أو أحدهما، وقوله: ودين أي ويحلف في القضاء دون الفتوى. واعلم أن محل ما ذكر حيث تعذر التحقيق كما هو واضح، وشمل قوله: فإن لم يدعيا يقينا حلف كل على الظن والشك والوهم، تبين شيء بصدق أحدهما أو لم يتبين، لكونهما حال اليمين غير جازمين على ما حلفا عليه، ومحل عدم الطلاق في حالة الجزم ما لم يتبين خلاف ما جزم به أحدهما أو هما فيحنث من بان خلاف ما جزم به ومفهوم قوله: اثنان، أنه لو حلف واحد على النقيض من امرأتيه بأن حلف بطلاق زينب مثلا على الإثبات وحلف بطلاق عمرة

стр. 4504

على النفي والتبس عليه الحال وتعذر التحقيق طلقتا؛ لأنه لا يمكن دعوى التحقيق في الجانبين، فإن بان له شيء عمل عليه؛ ولما أنهى الكلام على ما ينجز فيه الطلاق شرع في الكلام على ما لا ينجز فيه فقال: ولا يحنث إن علقة بمستقبل يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على مستقبل ممتنع وجوده فإنه لا ينجز عليه الطلاق لعدم حنثه سواء كان امتناع وجوده من جهة العقل، كما لو قال لها: أنت طالق إن جمعت بين وجودك وعدمك أو من جهة الشرع كأنت طالق إن زنيت، قدم لفظ الطلاق كما رأيت أو أخره، وكذا لو قال: علي الطلاق إن زنيت أو لا زنيت لامتناع الشرط فيمتنع المشروط الذي هو الطلاق؛ أو من جهة العادة كما لو قال: هي طالق إن لمست السماء أو إن لمست السماء فهي طالق، وهذا في صيغة البر كما أفاده بقوله: ممتنع، وأما في صيغة الحنث كإن لم أجمع بين وجودك وعدمك فأنت طالق وكإن لم أمس السماء فأنت طالق فينجز عليه، كما لو قال: إن لم أزن فأنت طالق لكن بحكم حاكم كما مر في قوله أو بمحرم فراجعه إن شئت. ومحل كلام المصنف حيث لم يقع المحلوف عليه فإن وقع كالمتنع شرعا حنث وذلك ظاهر أو إن شاء هذا الحجر يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء هذا الحجر أو الحائط أو أنشد الحمار قفا نبك فإنها لا تطلق عليه وقوله أو إن شاء هذا الحجر مثال ثان للممتنع عادة قال الشارح: وإنما لم يحنث في هذا لأنه علقه على أمر لا يمكن وجوده وهذا هو الأصح وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ وقال سحنون: يحنث ولابن القاسم مثله، وذكر عبد الوهاب في إن شاء هذا الحجر روايتين وصحح اللزوم وشهره المازري لكن ورهب المدونة عدم اللزوم وعليه عول هنا. انتهى. وقوله: أو إن شاء هذا الحجر لا يلزم الطلاق سواء قدم لفظ الطلاق أو أخره وقوله أو إن شاء هذا الحجر عورضت هذه المسألة بلزوم طلاق الهزل كأنت طالق إن لم يكن هذا الحجر حجرا، وأجاب الغبريني بجواب غير ظاهر. قال بناني عند قول المص هنا: أو إن شاء هذا الحجر، هذا قول ابن القاسم في المدونة، وقال ابن القاسم في النوادر، يلزمه الطلاق، وبه قال سحنون؛ وذكرهما عبد الوهاب روايتين؛ وأن لزوم الطلاق أصح، وحينئذ يستوي مع ما تقدم في قوله: إن لم يكن هذا الحجر حجرا، والفرق الذي ذكره الغبريني بينهما قال ابن عاشر: عمل باليد ومحض دعوى، وفرق الغبريني هو أن الهزل واقع فيما تقدم على ذات الحجر، وما هنا في أمر خارج عن الذات؛ لأن المشيئة خارجة عن ذات الحجر وهي ممتنعة عادة لا عقلا، فلهذا لم

стр. 4505

يحنث. وكون الحجر غير حجر يمتنع عقلا وعادة فلذا نجز عليه، انتهى. وحاصله: أن الهزل أظهر في الأول من هذا والله سبحانه أعلم. وعطف على "إن علقه" قوله: أو لم تعلم بمشيئه المعلق بمشيئه يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على مشيئة زيد مثلا بأن قا ل لها: أنت طالق إن شاء زيد، فمات زيد ولم تعلم مشيئته فإنه لا طلاق عليه، وكذا لا طلاق عليه إذا قال لها ذلك وزيد ميت، ولو علم بموته حين التعليق على أحد قولين، والقول بعدم اللزوم هو ظاهر المدونة، وقال اللخمي: يلزمه الطلاق، ولو علق على مشيئة صغير لا يعقل فلا شيء عليه الآن وينتظر، قال عبد الباقي مشيرا إلى الفرق بين ما هنا وبين ما تقدم من قوله: "أو الملائكة أو الجن" إن شأن ذلك عدم الاطلاع عليه، والمعلق على مشيئة الآدمي شأنه إمكان الاطلاع عليه ولو ميتا، وقد وقع الكلام من بعض الأموات. انتهى. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم أو كان ميتا، قبل يمينه أو قال لها: إن شاء هذا الحجر أو الحائط فلا شيء عليه. انتهى. قال ابن ناجي: وظاهر قوله: إن كان ميتا قبل يمينه علم بذلك أم لا وهو كذلك في أحد القولين. وقيل: يلزمه الطلاق إن علم ويعد نادما، وقال اللخمي في التبصرة: وكذلك إن كان فلان ميتا ولم يعلم الزوج بموته فلا شيء عليه، واختلف إذا كان عالما بموته فذكر القولين وإن قال: أنت طالق إن كلمت فلانا إلا أن يشاء فلان وكان فلان ميتا كانت اليمين منعقدة، فإن كلمه طلقت عليه. انتهى. أو لا يشبه البلوغ إليه يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على زمن مستقبل لا يشبه بلوغ الزوجين إليه معا أو أحدهما فإنه لا شيء عليه، ومعنى لا يشبه البلوغ إليه أن كونه يعيش إلى ذلك الزمن على خلاف العادة، وإنما لم يلزمه طلاق لأن الطلاق لا يقع من الميت ولا يقع على الميتة، والمعتبر العمر الشرعي الآتي في الفقد فإن بلغ الزوجان ما علق الزوج الطلاق عليه في مسألة المص فقال الحطاب: ظاهر كلامهم أنه لا يقع، وهو خلاف ما ذكر في مسألة من علق الطلاق على يائسة الحيض وحاضت من أنه يقع عليه حيث قال النساء: إنه حيض، فانظر ما الفرق بينهما؟ ولو علقه وهو ابن سبعين على زمن آت والمرأة بنت سبعين فالظاهر وقوعه عند بلوغ ما علق عليه. وقوله: أو لا يشبه البلوغ إليه هو الأصح، قاله ابن القاسم وعبد الملك وهو مروي عن مالك، وفي الجلاب رواية أخرى: أنها تطلق ناجزا وذلك مبني على

стр. 4506

الندم والاستدراك. قاله الشارح. أو كطلقتك وأنا صبي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: طلقتك وأنا صبي مثلا أو مجنون فإنه لا شيء عليه حيث كانت في عصمته وهو صبي أو مجنون وعلم تقدم الجنون، وأتى كل باللفظ المذكور نسقا وأدخلت الكاف المعتق وكذا لو قال: طلقتك وأنا نائم فلا يلزمه شيء، وفي الشبراخيتي أنه لو قال: طلقتك في منامي أو قبل أن أتزوجك أو قبل أن أولد فلا شيء عليه انتهى يعني بشرط أن يأتي بذلك عقب الطلاق من غير فصل، ويغتفر الفصل لعارض. انظر الشبراخيتي وغيره. وقوله: وأنا صبي نحوه في المدونة، وفي المسألة ثلاثة أقوال: هذا أحدها، وقال سحنون: يلزمه الطلاق، وقيل: يصدق مع يمينه، انظر الحطاب. أو إذا متُّ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إذا مت بضم التاء فإنه لا يقع عليه طلاق لانعدام الأهل الذي هو الزوج بعد الموت أو متي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إذا متي فإنه لا يقع عليه طلاق لانعدام المحل الذي هو الزوجة بعد الموت وقوله متي بإثبات الياء إشباعا لكسرة التاء وهي لغة قليلة أو ردية. وفي بعض النسخ بكسر التاء من غير ياء أو إن يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إن مت أو متي أو متى مت أو متى فإنه لا يقع عليه طلاق إلا أن يريد نفيه يعني أن محل عدم لزوم الطلاق في إذا أو إن مت أو متي إنما هو إذا لم يرد بذلك نفي الموت وأما إن أراد بذلك نفي الموت، مطلقا أو من المرض عنادا فإنه ينجز عليه الطلاق؛ لأنه بمنزلة قوله: أنت طالق لا أموت أو لا تموتين، وأما إن قيد بزمن فكقوله: إن لم تمطر السماء أو إن ولدت جارية يعني أن الزوج إذا قال لزوجته المحقق حملها أو المشكوك فيه: إن ولدت جارية فأنت طالق فلا شيء عليه حتى تلد جارية، فإن ولدت ذكرا فلا شيء عليه. واعلم أن ما تقدم من قوله: "إن كان في بطنك غلام أو إن لم يكن أو إن كنت حاملا أو إن لم تكوني" محل اتفاق بين عياض واللخمي، وقد مر الكلام على ما يلزم فيها وما لا يلزم وإنما يختلفان في: إن ولدت جارية، ومحل اختلافهما إنما هو إذا قاله لمحققة الحمل أو للمشكوك في حملها: فعند اللخمي ينجز عليه الطلاق وعند عياض لا ينجز عليه وتنتظر ولادتها، فإن ولدت جارية طلقت عليه وإن ولدت ذكرا لم تطلق عليه، وأما إن كانت محققة البراءة من الحمل فيتفقان على عدم التنجيز. لكن عند اللخمي ينتظر إلى الوطء؛ وعند عياض إلى الولادة، وإنما لم ينجز عليه الطلاق هنا ونجز عليه فيما مر لأن التعليق هنا واقع على الولادة والولادة أمر مستقبل، والتعليق فيما

стр. 4507

تقدم على غيب لا يعلم الآن وهو يمكن أن يكون حاصلا حين اليمين ففيه بقاء على عصمة مشكوك فيها؛ والمشهور ما للخمي والله تعالى أعلم. أو إذا حملت يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إذا حملت وهي غير ظاهرة الحمل فلا حنث عليه إلا أن يطأها مرة يعني أن محل كونه لا حنث عليه فيما إذا قال: أنت طالق إذا حملت، إنما هو حيث لم يطأها، وأما إن وطئها فإنه يحنث بالوطء الحاصل بعد اليمين، بل يحنث وإن حصل الوطء قبل يمينه والوطء الذي يحصل به الحنث إنما هو الوطء الذي معه إنزال، وإنما يحنث بالوطء الحاصل قبل اليمين حيث لم يستبرئها قبل اليمين كما هو واضح، وخالف ابن الماجشون وقال: له وطؤها في كل طهر مرة. كقوله لأمته: إن حملت فأنت حرة فله وطؤها في كل طهر مرة ثم يمسك كما يأتي وفرق ابن يونس بمنع النكاح لأجل، وجواز العتق لأجل؛ وقوله: إذا حملت قد مر أنه قاله لغير ظاهرة الحمل، وأما لو قال لظاهرة الحمل: أنت طالق إذا حملت فلا يقع عليه إلا بحمل مستقبل، ولو قال لظاهرة الحمل: أنت طالق إن كنت حاملا نجز عليه كما مر، وقوله: إذا حملت إن أراد مني لم يحنث إلا بحمل ينسب له شرعا، وإن أراد مطلق حملها حنث بحصوله وإن لم ينسب إليه شرعا والفرق بين هذه وبين قوله: "إن كنت حاملا أو إن لم تكوني" أن ما هنا علقه على حصول مستقبل، وما مر علقه على كونها حاملا قبل يمينه، وهو أمر لا يعلم الآن ويمكن أن يكون حاصلا، ففيه بقاء على عصمة مشكوك فيها، وقوله: "وإن قبل يمينه" كذا نقله عياض عن ابن القاسم، وروايته وفي الحنث إشكال لأنه لا يتصور شك حدوث الحمل إلا بوطء بعد اليمين لا بوطء قبله لأنه علق الطلاق على حمل مستقبل حسبما تقتضيه إذا. انتهى. تنبيه: قوله: إذا حملت قال الإمام الحطاب الظاهر أنها إن كانت يائسة لا تحيض لا يلزمه شيء والله تعالى أعلم. تنبيه آخر: قال عبد الباقي عند قوله: أو إذا حملت وهي غير ظاهرة الحمل فلا حنث عليه إلا بظهوره ولو كان موجودا حين اليمين. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر لمنافاته لقوله: إلا أن يطأها مرة وإن قبل يمينه كإن حملت ووضعت يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إن حملت وضعت، وهي غير ظاهرة الحمل، فإنه لا ينجز عليه الطلاق إلا أن يطأها مرة وإن قبل

стр. 4508

يمينه ولم يستبرئ: فإن كانت ظاهرة الحمل نجز عليه [نظرا] (١) للغاية الثانية. وقوله: كإن حملت ووضعت أي: وهي ممن تحمل كما في الشبراخيتي. تنبيه: من قال لأربع نسوة حوامل من وضعت منكن فصواحبها طوالق طلقت كل من الأربع الآن ثلاثا؛ لأن الشك دائر في الجميع، ولو قال: فالبواقي طوالق، استوني حتى تضع واحدة فتطلق البواتي. أو محتمل غير غالب يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على أمر يحتمل أن يقع وأن لا يقع ولكن وقوعه غير غالب فإنه لا ينجز عليه الطلاق بمجرد التعليق سواء أتى بصيغة الإثبات أو بصيغة النفي؛ وأشار إلى ما يترتب على صيغة الإثبات بقوله: وانتظر إن أثبت يعني أنه إذا علق الطلاق على أمر يحتمل أن يقع وأن لا يقع ووقوعه غير غالب فإنه لا ينجز عليه الطلاق كما عرفت. فإذا أتى بصيغة الإثبات فإنه ينتظر بالطلاق وقوع المعلق عليه، كما إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه ينتظر بالطلاق دخول الدار، ولا يمنع منها بل يرسل عليها، وقوله: محتمل غير غالب، مفهوم قوله: محتمل غالب، وكأن يقول لها أنت طالق يوم قدوم زيد ويعني بزيد نفسه، فينتظر بالطلاق قدومه، قال غير واحد: وهذا إن قصد التعليق على نفس القدوم وأن الزمن تبع له فيحنث بالقدوم ولو ليلا؛ قال عبد الباقي: وأما إن قصد التعليق على الزمن أو لا قصد له فينجز عليه الطلاق. انتهى. قوله: أو لا قصد له، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلام النوادر وابن عرفة: إذا كان لا قصد له ينتظر ولا ينجز عليه، وأما إن قال: أنت طالق إن أو إذا قدم فلان ففي المدونة: لم يلزمه شيء حتى يقدم. ابن ناجي: ومعناه ما لم يقصد تعليق الطلاق على الوقت، وأما إن كان مراده تعليق الطلاق على الوقت وذكر الأمر الموقت على سبيل التبع فإنه يصير بمنزلة من علق الطلاق على وقت انتهى أي فينجز عليه الطلاق من حين اليمين فلا ينجز عليه في إن أو إذا إن لم تكن له نية فتلك تسعة أقسام ينجز في أربع منها وينتظر وقوع المعلق عليه في خمس منها على قول؛ قال عبد الباقي: وينجز في ثلاث منها وينتظر في ست على قول؛ بناني: وإذا قال لها أنت طالق يوم قدوم زيد تبين الوقوع أي تبين أن الطلاق وقع أوله أي أول اليوم إن قدم زيد في نصفه أي اليوم أو أثنائه. ومعنى كلام المص أنه إذا حنث بنفس القدوم ليلا أو نهارا وقد قدم في أثناء أحدهما تبين أي اعتبر تعلق

стр. 4509

الحنث بأوله وثمرته العدة، وعليه لو كانت عند الفجر طاهرا وحاضت وقت مجيء المحلوف عليه لم يكن مطلقا في الحيض، ويحسب هذا اليوم من عدتها، وثمرته أيضا التوارث ورجوعها عليه بما خالعته به أول ذلك الوقت، ولكن مقتضى كلام ابن عرفة أن الحنث في هذا بنفس القدوم من غير مراعاة قوله وتبين الوقوع لخ. وقال الأمير: وإن علقه على قدوم زيد انتظر والطلاق من حينه لا من أول النهار، وعلى يومه أو لا نية نجز، وما في الأصل متعقب. وقوله: وتبين الوقوع أوله لخ. محله حيث قصد التعليق على نفس قدوم زيد وأن الزمن تابع له وأما لو قصد التعليق على الزمن أو لا قصد له على ما لعبد الباقي فلا يتأتى فيهما ذلك لتنجيز الطلاق عليه بمجرد اللفظ. تنبيه: قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: قد مر أنه إن قصد الزمن ينجز عليه الطلاق، والذي يظهر أن المراد بقصد الزمن في هذه الصيغ أنه قصد بتعليق الطلاق الزمن الذي من شأنه أن يقدم فيه زيد مثلا وإن لم يقدم بالفعل، كما يرشد إليه قول ابن ناجي: وأما إن كان مراده تعليق الطلاق على الوقت وذكر الأمر الموقت على سبيل التبع فإنه يصير بمنزلة من علق الطلاق على وقت انتهى والله سبحانه أعلم. تنبيه آخر: قال ابن ناجي: ظاهر الكتاب لو قدم بفلان ميتا فإنه لا حنث عليه لأنه لا يصدق عليه قوله: إذا قدم فلان، قاله أبو محمد عن سحنون، واختاره شيخنا أبو مهدي، وقال شيخنا حفظه الله: يتخرج على قولين من قولهم في الأيمان: إذا حلف لا دخل عليه بيتا فدخل عليه ميتا فالروايات الحنث خلافا لسحنون، قاله الحطاب. وفي المدونة: وإن قال لها أنت طالق يوم أدخل دار فلان فدخلها ليلا أو حلف على الليل فدخلها نهارا حنث إلا أن ينوي نهارا دون ليل أو ليلا دون نهار فينَوَّى انتهى. وقال المازري من قال لامرأته أنت طالق يوم يقدم زيد من سفره فقدم زيد ليلا فإنه يلزمه الطلاق لأن المراد بقوله يومَ الوقتُ. وفي أحكام الشعبي: من قال لعبده يوم تلد فلانة فأنت تحر وقال لآخر ليلة تلد فلانة فأنت حر فإن ولدت نهارا عتق الأول وإن ولدت ليلا عتقا معا لأن الليل من النهار، وقال البرزلي: ظاهر القرآن المغايرة يعني بين الليل والنهار من قوله تعالى ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ والأيام تحمل على المقاصد أو

стр. 4510

على كلام العرب ومذهبهم أن الليل يستلزم النهار دون العكس عند الإطلاق. انتهى. وإلا أن يشاء زيد مبتدأ وخبره مثل إن شاء يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فإنها لا تطلق عليه حتى يشاء زيد طلاقها فهي مثل إن شاء، فكما أنه إذا قال: لها أنت طالق إن شاء زيد يتوقف لزوم الطلاق على مشيئة زيد يتوقف لزومه أيضا على مشيئة زيد في قوله لها: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، هذا هو المشهور، وروي في الشاذ لزوم الطلاق والفَرْقُ أن الكلام في صورة إلا أن يشاء اقتضى وقوع الطلاق وإلا إن يشاء رافع له بعد وقوعه، والطلاق لا يرتفع بعد وقوعه بخلاف إن شاء فإن وقوع الطلاق فيها مشروط بمشيئته، لكنهم نظروا في إلا أن يشاء إلى التعليق في المعنى، والحاصل أنَّ إن شاء أو إن شئت يتوقف لزوم الطلاق فيه على المشيئة اتفاقا، وإلا أن يشاء ونحوه كذلك على المشهور، فشبه المختلف فيه بالمتفق عليه؛ وتفترق المسألتان فيما إذا أسند المشيئة إلى نفسه ففي إن شئت ينفعه ذلك فيتوقف لزوم الطلاق على مشيئته، وأما أنت طالق إلا أن أشاء فينجز عليه الطلاق لأن الرافع هو الوقع فاتُّهِمَ لأنه قد يندم بخلاف إسناده لأجنبي فلا يتهم بل يتوقف على مشيئته، ومن هذه المسألة ما في نوازل أصبغ قال في رجل قال: امرأته طالق البتة إلا أن يمنعني أبي فمنعه أبوه لا شيء عليه وأراه بمنزلة قوله: إلا أن يشاء أي فلم يشأه أبوه وأصله قوله هي طالق إن شاء أبي فلم يشأ بخلاف إلا أن يبدو لي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إلا أن يبدو لي فإنه ينجز عليه الطلاق ومعنى قوله إلا أن يبدو لي إلا أن يبدو لي عدم طلاقك، وهنا رد الاستثناء للمطلق، وكذا الحكم لو علق ورد الاستثناء للطلاق فلا ينفعه، وما مر من نفعه في قوله: أنت طالق إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي هو فيما إذا رد الاستثناء للدخول المعلق عليه كما مرت وقوله: إلا أن يبدو لي قال ابن الحاجب: هو المشهور، وقال في البيان: لا خلاف في ذلك، ولهذا قال ابن راشد: لم أقف على القول بعدم اللزوم وهو بعيد في النظر؛ قاله الشارح. وفي الشبراخيتي عند قوله: إلا أن يبدو لى فينجز عليه حيث رده لليمين أو احتمل رده لها أو رده لها وللمعلق عليه، وتقدم أنه إذا رده للمعلق عليه فقط فإنه لا يقع عليه طلاق. انتهى. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: كلامه صريح في أنه إذا رد قوله إلا أن يبدو لي للمعلق والمعلق عليه أنه يقع عليه الطلاق، وهو يناقض ما مر من أنه إذا رجعه للمعلق عليه لا يقع عليه طلاق. والله سبحانه أعلم. كالنذر يعني أن الشخص إذا

стр. 4511

قال: علي نذر كذا إن شاء زيد أو إلا أن يشاء زيد فإنه يتوقف لزوم ذلك على مشيئة زيد، وكذا إن قال: إن شئت بخلاف إلا أن أشاء فلا ينفعه، وبخلاف إلا أن يبدو لي في المطلق كالمعلق إن رجعه للمعلق فإن رجعه للمعلق عليه نفعه، نحو علي صوم سنة إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي والعتق يعني أن الشخص إذا قال: علي عتق عبدي صانع إن شاء زيد أو إلا أن يشاء زيد فإنه يتوقف لزوم ذلك على مشيئة زيد، وكذا إن قال إن شئت، بخلاف إلا أن أشاء فلا ينفعه، وبخلاف إلا أن يبدو لي في المطلق كالمعلق إن رجعه لمعلق فإن رجعه للمعلق عليه نفعه، نحو عليَّ عتق صانع إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي فينفعه ذلك، فقوله: كالنذر والعتق تشبيه في جميع ما مرت ثم أشار إلى ما يترتب على صيغة النفي بقوله وإن نفى ولم يؤجل وهو مفهوم قوله وانتظر إن أثبت؛ يعني أن الزوج إذا علق طلاق زوجته على أمر محتمل غير غالب وأتى بصيغة النفي ولم يقيد بأجل كقوله لها وقد أراد أن يغيب عنها: إن لم يقدم هو أي الحالف؛ أي قال لها: إن لم أقدم من سفري فأنت طالق، فإنه لا ينجز عليه الطلاق، بل ينتظر بره، ولكن يمنع من وطئها كما أشار إلى ذلك بقوله منع منها حتى يبر يمينه فإن رافعته ضرب لها أجل الإيلاء وحذف هنا وينتظر، وحذف من قوله إن أثبت ولم يمنع منها فهو يشبه الاحتباك. قال في المدونة: ومن قال لزوجته: إن لم أتزوج عليك أو أفعل كذا فأنت طالق فهو على حنث، ويتوارثان في الموت قبل البرة إذ لا تطلق ميتة ولا يوصي ميت بطلاق، وقوله: منع منها فإن تجرأ ووطئها لم يلزمه استبراء كوطء المحرمة والصائمة والمعتكفة، وقوله: إن لم يقدم وفي بعض النسخ إن لم أقدم وقوله إن لم يقدم قال الشبراخيتي: أي الحالف نفسه غاية الأمر أنه حكاه بصيغة الغيبة. انتهى المراد منه. إلا إن لم أحبلها يعني أن محل منع الزوج من وطء زوجته فيما إذا نفى ولم يوجل إنما هو حيث لم يكن بره في إرساله عليها فإن كان بره في إرساله كقوله: إن لم أحبلها فهي طالق فإنه لا يمنع منها ويطأها أبدا وهذا حيث يتوقع حملها فإن أمن حملها من جهته أو من جهتها منع معنها ونجز عليه الطلاق، وفي الحطاب قال الشارح: قال أشهب: ومن قال لزوجته إن لم أحبلك فأنت طالق فإنه يطأها أبدا حتى تقعد عن الحمل ويؤيس منه لها. انتهى. وهو ظاهر انتهى. فتأمله. والله أعلم. أو إن لم أطأها يعني أن محل منع الزوج من وطء زوجته فيما إذا نفى ولم

стр. 4512

يوجل إنما هو حيث لم يكن بره في إرساله عليها، وأما إن كان بره في إرساله عليها كقوله: إن لم أطأها فهي طالق فإنه لا يمنع منها ويطأها أبدا، فإن ترك وطأها فمول عند مالك والليث لا عند ابن القاسم وقول ابن القاسم هو المعتمد كما يأتي في باب الإيلاء وهل مطلقا قد مر أنه إذا نفى ولم يؤجل يمنع منها وهو لابن القاسم في المدونة وظاهره أنه يمنع منها مطلقا كان للفعل المعلق عليه وقت معلوم لا يتمكن من فعله قبله أم لا وقال غير ابن القاسم في المدونة: يفصل في ذلك فإن كان ليس له زمن معين يقع فيه عادة منع منها من وقت حلفه، وإن كان له زمن معين لا يقع قبله عادة فلا يمنع منها إلا إذا جاء وقته، واختلف الشيوخ في قول غير ابن القاسم هل هو خلاف لقول ابن القاسم وإلى ذلك أشار بقوله: "هل مطلقا" أي وهل يمنع منها مطلقا أي سواء كان للمعلق عليه وقت معين لا يتمكن من فعله قبله أم لا أو وفاق له فيقيد به وإلى ذلك أشار بقوله: أو يمنع منها إلا في ما إذا كان للمعلق عليه وقت معلوم لا يتمكن من فعله قبله كقوله: أنت طالق إن لم أحج أو أنت طالق إن لم أسافر والحال أن الوقت الذي حلف فيه لا يتمكن فيه من فعل الحج أو السفر الذي علق عليه الطلاق لكونه ليس وقت سفر فلا يمكنه فعل ما حلف عليه من سفر أو حج، في ذلك تأويلان تأويل الخلاف وهو الأول وتأويل التوفيق وهو الثاني، واستظهر ابن عبد السلام تأويل التوفيق قائلا: إن الأيمان إنما تحمل على المقاصد ولا يقصد أحد الحج في غير وقته المعتاد، وكذا إن حلف على فعل شيء [أو الخروج] (١) لبلد ولا يمكنه حينئذ لم يكن على حنث حتى يمكنه، وكذا إن لم يكن لخروجه وقت ومنعه فساد طريق أو علو كراء فهو عذر وكذا لو حلف ليكلمن فلانا الغائب فلا يوقف حتى يقدم، ولو طالت غيبته، فإن مات فيها فلا شيء عليه؛ ولو حضر وطال مقامه بما يمكنه الفعل فلم يفعل حتى مات فلان حنث. قاله ابن عرفة، كما في نسخة معتمدة منه، وهو ظاهر. وما وقع في التتائي من قوله: حتى مات فلان فلا حنث؛ ذكر جميعه ابن عرفة، سبق قلم: قاله الشبراخيتي. وفي بعض النسخ: كإن لم أحج في هذا العام، والصواب إسقاطها؛ لأنه إذا عين العام لا خلاف أنه لا يمنع منها إلا إذا جاء وقت خروجه فيمنع منها حتى يحج، فإن لم يخرج له وقع عليه الطلاق لأنه إذا أجل يكون على بر إلى ذلك الأجل فإن مضى الأجل ولم يفعل وقع الحنث، وأجاب الشيخ عبد الباقي بأن قوله: في هذا

стр. 4513

العام متعلق بمحذوف دل عليه موضع المسألة أي قوله: نفى ولم يوجل، وتقديره ولم يقل في هذا العام إذ لو قاله لكان على بر إلى ذلك الأجل، وبه يسقط قول بعض: حذف لا دليل عليه. وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر ما لهذا البعض لا ما لعبد الباقي والله سبحانه أعلم. مسألة: قال الشيخ علي الأجهوري: وقع السؤال عمن حلف كفرض المص وجاء وقت السفر المعتاد ولم يخرج فلما قدم وقت الحاج أقام بينة شرعية أنه فعل مع الححاج أفعال الحج وادعى أن بعض أهل الخطوة بلغه ذلك فهل يبر أم لا؟ فأجبت: بأنه لا حنث عليه على ما ذكره بعضهم في قصة المعراج من الشافعية وارتضاه بعض أشياخي من المالكية، وفيه نظر، فإن ظاهر كلام أهل المذهب في غير محل أنه لا ينظر في مثل هذا إلى خرق العادة انتهى. وهو ظاهر إذ الأيمان مبناها العرف بخلاف سقوط الفرض عنه لمن وقع له ذلك فإنه كاف، قاله الشيخ عبد الباقي في مسألة إذا حلف لغريمه بالطلاق ليقضينه حقه إذا جاء رأس الشهر وكان حلفه ذلك لكونه يأتيه عند رأسه دراهم من محل ولم تأته وهو معسر فلا حنث عليه، قال علي الأجهوري: أي لأنه من المانع العادي ولم يفرط فيه؛ قاله الشيخ عبد الباقي. إلا إن لم أطلقك هذا مستثنى من الحكم الذي تضمنه قوله: أولا منع منها وهو عدم التنجيز، وذلك لأن قوله: منع منها تضمن حكمين، أحدهما مصرح به وهو الحيلولة التي هي المنع، والثاني لازم وهو عدم التنجيز فاستثنى من ذلك باعتبار الأول قوله: إلا إن لم أحبلها أو إن لم أطأها، وباعتبار الثاني قوله: إلا إن لم أطلقك إلى آخر المسائل الأربع، ولما لم يكن المستثنى منه في هذه صريحا احتاج إلى بيانه بقوله: "فينجز"، فلو قرن إلا الثانية بواو العطف لكان أنصع. قاله ابن عاشر. وقال عبد الباقي: لم يعطفه بالواو لاختلاف الحكم فيهما ومعنى كلام المص أن محل منع الزوج من المرأة وعدم تنجيز الطلاق عليه فيما إذا نفى ولم يؤجل إنما هو حيث لم يعلق طلاقها على عدم تطليقها، وأما لو علق طلاقها على عدم إنشاء الطلاق لها فينجز عليه كما لو قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق مطْلِقًا بكسر اللام منصوب على الحال؛ يعني أنه ينجز عليه الطلاق كما لو قال لها: إن لم

стр. 4514

أطلقك فأنت طالق، سواء أطلق في يمينه ولم يقيد بأجل أو قيد بأجل، كما أشار إلى ذلك بقوله أو إلى أجل كما لو قال لها: إن لم أطلقك بعد شهر فأنت طالق فينجز عليه حينئذ وهو مذهب المدونة؛ ابن رشد: وجه ذلك أنه حمله على التعجيل والفور. انتهى. ومقابل مذهب المدونة قول: أنه لا يقع عليه طلاق حتى ترفعه ويوقعه الحاكم؛ انظر الشارح. وقوله: مطلقا أو إلى أجل؛ هاتان مسألتان مستثناتان وأشار إلى الثالثة بقوله: أو إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة فإنه ينجز عليه الطلاق الآن؛ لأن إحدى البتتين واقعة رأس الشهر لا محالة، إما بإيقاضه أو بمقتضى التعليق، أو الآن يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة فإنه ينجز عليه الطلاق الآن؛ لأن البتة واقعة على كل تقدير، إما الآن أو عند رأس الشهر. وعلم مما قررت أن قوله فينجز راجع للمسائل الأربع من قوله: إلا إن لم أطلقك إلى ما هنا. تنبيهات الأول: قوله: وإن نفى ولم يوجل لخ قد علمت مما مر أنه يمنع منها وأنها إن رافعته ضرب لها أجل الإيلاء: فإن اجترأ ووطئ سقط الإيلاء واستؤنف له ضرب الأجل، فلا يلزمه استبراء من هذا الوطء للاختلاف في منع الوطء في يمين الحنث؛ انظر الحطاب. الثاني: قال ابن عرفة: الشيخ في الموازية عن عبد الملك قوله: أنت طالق إلى مائة سنة إن لم أطلقك الآن لغو وفي أنت طالق الساعة إن لم أطلقك إلى مائة سنة هي طالق الساعة. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. الثالث: قال الشارح عند قوله: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة أو الآن ما نصه: وذلك واضح، أما في الأولى فإن إحدى البتتين واقعة رأس الشهر على كل تقدير إما بإيقاعه هو أو بمقتضى التعليق فصار كمن قال: أنت طالق رأس الشهر البتة، وقد علمت أن من علق الطلاق على أجل آت مثل هذا يقع عليه الطلاق ناجزا، وقال محمد: له أن يخالعها قبل الشهر بطلقة فتبين منه ثم يراجعها بعد الشهر على ما بقي من الطلاق، وأما في الثانية فالبتة واقعة إما الآن أو رأس الشهر فلا يأتي رأس الشهر إلا والبتة واقعة على كل تقدير، وظاهر كلام ابن عبد السلام أن المذهب فيها عدم اللزوم، وخالفه الشيخ، وجعل المذهب لزوم الطلاق، وحكى اللخمي فيها التنجيز والانتظار، وهذا الأخير هو الراجح عنده. انتهى كلام الشارح. ويقع يعني

стр. 4515

أنه يحكم بوقوع طلاق البتة ناجزا في قوله: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة، ولا يمنع وقوعه مضي زمنه بل يقع ولو كان قد مضى زمنه وليس لتعلقه بالأيام وجه وله ثمرات كما مر عند قوله: "وتبين الوقوع أوله إن قدم في نصفه" وهذه المسألة التي حكم بوقوع طلاق البتة فيها ولو مضى زمنه أعني مسألة إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة كالمسألة التي هي قول الزوج لزوجته: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا غدا فإنه إذا كلمه غدا يقع عليه الطلاق ويكون الطلاق من فجر غد إن كلمه في أثنائه، ولا يقع من يوم التعليق لأنه يعد قوله اليوم لغوا، والمعتبر وجود المعلق عليه، فإن لم يكلمه أصلا أو كلمه بعد غد لم تطلق فالمسألة الأولى مقيسة على هذه، وقد قال ابن عبد الحكم بعدم لزوم الطلاق في مسألة أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا غدا وكلمه غدا، ومثله لابن القاسم في الموازية فيمن قال لامرأته؛ إن تزوجتك فأنت طالق غدا فتزوجها بعد غد لا شيء عليه، وإن تزوجها قبل غد طلقت عليه، لكن قال أبو محمد: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك، والطلاق يلزمه إذا كلمه غدا وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه، والمص ﵀ قاس المسألة الأولى على الأخيرة موافقا لأبي محمد ومخالفا لقول ابن عبد السلام بعدم لزوم البتة في الأولى وقاسها على الثانية موافقا لابن عبد الحكم والله سبحانه أعلم وإن قال: إن لم أطلقك واحدة بعد شهر يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: إن لم أطلقك واحدة بعد شهر مثلا فأنت طالق الآن البتة فـ قال ابن القاسم: إن عجلها أي الواحدة قبل الشهر أجزأته، أي لا يقع عليه البتات بعد الشهر لوقوع المعلق عليه، وكونه قبل أجله لا يضر لما علمت أن النجز قد يكون قبل أجله كطالق بعد شهر فينجز عليه الآن وإلا أي وإن أبى أن يطلق واحدة وقف وقيل له اختر أحد أمرين إما عجلتها الآن أي الواحدة وإلا أي: وإن أبيت أن تعجل الواحدة بانت المرأة منك بالثلاث ولا تبين بمجرد عدم التعجيل، فلو غفل عنه حتى جاوز الأجل ولم يفعل الواحدة قبل مجيئه طلقت البتة، وهذا الذي تقدم من قوله وانتظر إن أثبت إلى هنا حكم ما إذا حلف على فعل نفسه وأما إن حلف على فعل غيره بطلاق أو غيره كان ذلك الغير حاضرا أو غائبا فلا يخلوا ذلك من أن يعلق على صيغة بر أو على صيغة حنث، فأما في صيغة البر فحكمه كـ حكم ما إذا حلف على فعل نفسه في صيغة البر في جميع ما تقدم من قوله:

стр. 4516

"وانتظر إن أثبت" ولا يمنع من وطء زوجته ولا من بيع أمته، ويمنع في صيغة الحنث المقيدة من البيع في الرقيق، ولا يمنع من الوطء فيه كما لا يمنع فيه أيضا من وطء الزوجة؛ لأن الحنث المقيد بأجل صاحبُها على بر إلى ذلك الأجل وهل كذلك في الحنث يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا حلف على فعل الغير ونفى ولم يوجل، فمنهم من قال: هو في صيغة الحنث، وهي ما إذا نفى ولم يوجل كذلك؛ أي كما إذا حلف على فعل نفسه ونفى ولم يؤجل فيمنع منها، وإن رافعته ضرب لها أجل الإيلاء فيكون الحلف على فعل الغير فيما إذا نفى ولم يوجل كالحلف على فعل نفسه حيث نفى ولم يوجل من كل وجه أو هو في الحنث لا يكون كحلفه على فعل نفسه من كل وجه، بل يتفقان في أنه يمنع منها ويختلفان في ضرب أجل الإيلاء، فيضرب فيمن حلف على فعل نفسه حيث نفى ولم يوجل وأما الحالف على فعل غيره حيث نفى ولم يوجل فإنه لا يضرب لم أجل الإيلاء وإن فرعنا على هذا القول أي القول بأنه لا يضرب له أجل الإيلاء فإنه يتلوم له أي يجتهد الحاكم له في مدة قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، ثم يقع حنثه وقوله قولان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان، وعلى كلا القولين يمنع من وطئها، والراجح القول الثاني؛ ومنعه من الوطء على أنه يضرب له أجل الإيلاء إن رافعته ظاهر، وأما على التلوم الذي هو الراجح فقد صرح ابن القاسم في كتاب العتق من المدونة بالمنع من الوطء مع التلوم. انظر نصها في الحطاب قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه لا يمنع من وطئها زمن التلوم على الراجح، كما يفيده التتائي. انتهى. قال بناني: وهو مخالف لنص المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإذا ماتت بعد مضي زمن التلوم لم يرثها، وإن مات ورثته، والقياس عدم التوارث بينهما. انتهى. وفي الحطاب: وصرح ابن الحاجب بأنه إذا حلف على فعل غيره فإنه لا ينجز عليه، سواء كان محرما أم لا، وتبعه ابن راشد القفصي في المذهب في تحرير المذهب، فقال: وإن علقه بفعل غيره لم ينجز محرما كان أو غير محرم، لكن يمنع من الوطء حتى يقع ما حلف عليه. انتهى. وفي تسوية المص ﵀ بين القولين نظر، فقد صرح في كتاب العتق الأول من المدونة أن من حلف على فعل غيره لا يضرب له أجل الإيلاء، وإنما يتلوم له الإمام بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل، ونصه: ومن قال لأمته إن لم تدخلي أنت الدار أو تفعلي كذا فأنت حرة أو لزوجته فأنت طالق أو قال: إن لم يفعل فلان كذا فعبدي حر وزوجتي

стр. 4517

طالق منع من البيع والوطء، وهو على حنث ولا يضرب له في هذا أجل الإيلاء في المرأة، وإنما يضرب ذلك له في يمينه ليفعلن هو، فأما هذا فإن الإمام يتلوم له بقدر ما يرى أنه أراد من الأجل في تأخير ما حلف عليه، وتوقف لذلك الزوجة والأمة والأجنبي، فإن لم يفعل ذلك أعتق معليه وطلق إلا أن يريد إكراه الأمة على ما يجوز له من دخول دار أو غيره فله إكراهها ويبر، ولو مات الحالف في التلوم مات على حنث وعتقت الأمة في الثلث وترثه الزوجة انتهى. وقال في قوله: إلا أن يريد إكراه الأمة ويكون القول قوله. انتهى. وقال في التوضيح: المشهور أنه إنما يضرب له أجل الإيلاء إذا حلف على فعل نفسه، وأما على غيره فلا، ويتلوم له القاضي ثم يطلق عليه ولم يحك القرويون غيره: وحكى صاحب المقدمات الخلاف. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: وهل كذلك في يمين الحنث لخ، وكان ينبغي للمص الاقتصار على الثاني؛ لأنه مذهب المدونة، وهل له وطؤها زمن التلوم أم لا؟ قولان: وعلى منعه فإذا بلغ التلوم أكثر من أربعة أشهر كان موليا؛ انتهى المراد منه. والله سبحانه أعلم. ونحوه للشارح فإنه قال: واختلف هل يطأ في هذا التلوم على قولين، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من أربعة أشهر دخل عليه الايلاء. انتهى. وإن أقر بفعل ثم حلف ما فعلت صدق بيمين يعني أن الزوج إذا أقر بأنه فعل كذا كتزوجه على زوجته مثلا، أو ثبت عليه ذلك ثم بعد إقراره بذلك الفعل أو ثبوته عليه حلف بالطلاق ما فعلت ذلك الفعل، وقال: كنت كاذبا في إقراري بذلك الفعل فإنه يصدق بيمين، أي يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه كان كاذبا في إقراره ولا شيء عليه، ومحل حلفه إن روفع وإن كان مستفتيا لم يحلف، وقوله: صدق بيمين فإن نكل نجز عليه، كما استظهره بعض الشراح. قاله عبد الباقي. وقال: ولو قال: يعني المص بأمر لشمل القول، كمن حلف أنه ما أخذ معلومه من الناظر أو دينه من مدينه، فأظهر خطه أنه أخذه فلا حنث عليه؛ لأن خطه بمنزلة إقراره قبل يمينه لا بعده، لسبقية الخط على الحلف، وإن لم يظهر إلا بعد الحلف، كما أفتى به علي الأجهوري، ولا مطالبة له حينئذ، وكمن أقر أو قامت عليه بينة أنه قذف فلانا مثلا فحلف بالطلاق ما قذفه، فلا حنث عليه؛ لأنه بمنزلة طعنه في البينة وهو جائز، ولكنه يحد ولو شهدت عليه بينة غير الأولى أنه قذفه وكانت شهادتها بعد يمينه حنث، كما يأتي في قوله

стр. 4518

بخلاف إقراره لخ؛ أي: أو ثبوته بعد اليمين، ولا يمكن من الحلف لرد شهادة البينة الثانية لأنها بمنزلة إقراره بعد اليمين. قال التتائي: ولو شهدت عليه بينة بريح الخمر فحلف بالطلاق الثلاث أنه ما شربها لم يحنث. قال مالك: ويحد، انتهى. وقوله: بريح الخمر، أي: وأما لو شهدت عليه بمعاينة شربه لها فحلف بالطلاق ما شربها فإنه يحنث أيضا، ولكن ظاهر كلام علي الأجهوري خلافه، فإنه قال: مثل إقراره شهادة البينة عليه في صورتي المص فإن شهدت عليه بينة بفعل، ثم حلف ما فعله، فلا حنث عليه، ويصدق بيمين، وإن نكل يعمل بشهادتها فيما شهدت به عليه، وإن شهدت عليه بعد اليمين حنث، وعمل بها. ونحوه للتتائي انتهى. بالمعنى. انتهى المراد منه. قوله: فأظهر خطه أنه أخذه لخ، جعل هذا مثالا لكون المقر به قولا وليس كذلك؛ لأن المقر به في الخط هو الأخذ وهو فعل فيشمله لفظ المص: نعم المقر به في الصورتين بعد هذه قول كما ذكره. والله الوفق. وقوله: ولا مطالبة له حينئذ، أي عملا بإقراره في خطه: فالإقرار يعمل به من جهة سقوط الحق دون التحنيث، وقوله: ولكن ظاهر كلام علي الأجهوري لخ. ما ظهر من كلام الأجهوري هو الصواب، كما يفيده ظاهر نقل عبد الوهاب، ونصه: إذا حلف بالطلاق ما فعل فقامت بينة أنه فعل لزمه الطلاق، ولو قامت بينة أنه فعل فحلف بالطلاق ما فعل لم يلزمه طلاق، وفي كلا الموضعين قد قامت البينة على فعل ما حلف عليه. انتهى. وقوله: وإن نكل يعمل بشهادتها لخ، يقتضي أنه إذا حلف لا يعمل بشهادتها، وقد مر أنه يعمل بشهادتها مطلقا حلف أو نكل، وإنما يفترق حلفه من نكوله في تحنيثه وعدمه. قاله محمد بن الحسن بناني. وقال الإمام الحطاب: واعلم أنه لا مفهوم لقول المص: بفعل، بل الحكم سواء في جميع الأشياء، فلو قال: وإن أقر بشيء لكان أوضح. انتهى. بخلاف إقراره بعد اليمين هذا مفهوم قوله: "وإن أقر بفعل ثم حلف ما فعلت"؛ يعني: أن الزوج إذا حلف بالطلاق لا يدخل الدار مثلا، ثم أقر بعد الحلف بأنه دخل الدار فـ الحكم أنه لا يصدق بل ينجز عليه الطلاق، ولا فرق بين كون اليمين تنجيزا أو تعليقا، فمن قال لزوجته: إن تزوجت عليك فأنت طالق، ثم أقر أنه تزوج عليها طلقت عليه، ولا يقبل منه أنه كان كاذبا، قال أحمد: قوله: فينجز أي: بالقضاء، وظاهر هذا أنه يقبل منه في الفتيا. انتهى. وفي كتاب الأمير: وإن أقر بمحلوف عليه ثم رجع صدق في الفتوى، ومنه رجوع عن الإقرار بالطلاق والحلف. انتهى. وفي

стр. 4519

المدونة: فإن لم تشهد البينة على إقراره بعد اليمين وعلم هو أنه كاذب في إقراره بعد يمينه حل له المقام عليها بينه وبين الله. انتهى. قال محمد بن الحسن: وما يحل المقام عليه تجوز الفتيا بد: بل لا طريق لمعرفته إلا منها، والله أعلم. انتهى. قاله بعد أن جلب كلام المدونة مرشحا به ما لأحمد. ومثل إقراره بعد اليمين البينة بعد اليمين، إلا أن يكون علم قبل الحلف أنها تشهد عليه بعدد أو تكون الشاهدة عليه بعد اليمين هي التي شهدت عليه قبل اليمين فلا حنث عليه فيهما. قاله عبد الباقي. وقد مر أن قوله: وإن أقر بفعل ثم حلف ما فعلت مثله ما إذا أقر بقول، وكذلك قوله: بخلاف إقراره بعد اليمين، لا فرق فيه بين ما إذا أقر بالفعل وما إذا أقر بقول، نقل الحطاب في الرجل يقول: إني حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانا فجاء قوم يشهدون أنهم حضروه يكلم ذلك الرجل بعد ما كان أقر أنه حلف أن لا يكلمه، فقال امرأته طالق إن كنت حلفت، وما كان الذي قلت إلا كذبة كذبتها، ولقد كلمت فلانا وما علي يمين بطلاق ولا غيره أن الا أكلمه، قال: يحنث ولا يدين؛ لأن الفعل الذي أقر أنه حلف أن لا يفعله قد ثبت عليه أنه فعله بعد إقراره باليمين التي زعم أنه حلف بها أن لا يفعل ذلك، قال: ومن قال: قد كلمت فلانا اليوم أو أتيت فلانا أو أكلت طعاما كذا وكذا ثم عوتب في ذلك، فقال: امرأته طالق إن كان فعل شيئا من ذلك فإنه يدين ويحلف بالله ما فعل الذي حلف أنه لم يفعله مما كان زعم أنه قد فعله وأنه إنما كان كاذبا أولا ثم لا حنث عليه إلا أن تقوم عليه بينة بعد يمينه بالطلاق أنه لم يفعل ذلك الشيء، فتشهد البينة أنه فعل قبل أن يحلف فيحنث أو يقر بعد يمينه أنه قد كان فعله فيلزم منه الحنث أيضا بإقراره، ومن شهد عليه قوم بحق لرجل أوأنه فعل شيئا ينكره، فقال بعد شهادتهم عليه: امرأته طالق إن لم يكونوا شهدوا عليه بزور، وما كان لفلان قبلي شيء وما فعلت الذي شهدوا به علي، وإلا فامرأته طالق، فإنه يدين ويحلف أنهم كذبوا في شهادتهم، فإن أقر بعد أو جاء شهداء آخرون يشهدون على تصديق شهادة الأولين الذين حلف بتكذيبهم حنث في يمينه، وكذلك لو حلف بالطلاق إن كان لفلان عليه كذا وكذا، وأن لا أكلم اليوم فلانا، فشهد عليه عدول بإثبات الحق وأنه كلم ذلك الرجل، فإن الحنث يلزمه، قال ابن رشد: هذه المسائل صحاح ولا اختلاف أحفظه في شيء منها، وتحصيلها أن اليمين على الفعل بالطلاق كان

стр. 4520

ببينة أو إقرار إذا تقدمت على الإقرار بالفعل أو الشهادة به عليه طلقت عليه امرأته، وإن تقدم الإقرار منه بالفعل أو الشهادة به على اليمين كان ببينة أو إقرار لم تطلق عليه، والفرق بين أن يتقدم اليمين على الفعل أو الفعل على اليمين هو أن اليمين إذا تقدم بإقرار أو بينة فقد لزم حكمه ووجب أن لا يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل ببينة أو إقرار لم يثبت لليمين بتكذيب ذلك حكم إذ لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حلف به على نفسه، وإنما قصد تحقيق نفي ذلك الفعل. انتهى. وفي سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق في رجل أمر غريمه أن يدفع ماله عليه إلى وكيله، ثم سأله بعد أيام فقال: دفعتها إلى وكيلك، فقال: كتب إلي وكيلي أنه لم يقبض منك شيئا، فقال الغريم: امرأته طالق إن كنت لم أدفع إليه حقك، وقال الطالب: امرأتي طالق إن كنت دفعت إليه شيئا، قال: أما المطلوب فينوَّى في يمينه ولا يبرأ من الحق إلا ببينة على الدفع، وأما الطالب فحانث لأنه حلف على غيب لا علم له، ولا يجوز للإمام أن يقر امرأته عنده، وقد بان أنه حلف على غير علم. انتهى. من حاشية المشدالي. مسألة: قال مالك في الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم يضربها كذا، أو يقول غلامي حر إن لم أضربه كذا، ثم تأتي المرأة أو العبد يدعيان أنه لم يضربهما، ويقول الرجل: قد ضربت: إنه ليس على السيد ولا على الزوج البينة على ذلك، ويصدق؛ ويحلف، قال ابن القاسم: وذلك مخالف للحقوق في قول مالك، لأن الرجل لو حلف بطلاق امرأته إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل سماه فحل الأجل وزعم أنه قضاه، قال مالك: إن لم يكن له بينة على القضاء طلق عليه بالشهود الذين أشهدهم على أصل الحق، قال ابن رشد: أما الذي يحلف على طلاق امرأته ليضربنها إلى أجل يسميه أو بعتق عبده ليضربنه إلى أجل يسميه، فلا اختلاف في أن كل واحد منهما مصدق مع يمينه بعد الأجل على أند ضرب قبل الأجل؛ لأن ضرب الزوج امرأته والسيد عبده ليس بحق لهما تسأله الزوجة من زوجها والعبد من سيده، فيتوثق باليمين من الحالف على ذلك، ولا يلزمه الإشهاد على تأديبه، ولعله ضربه عداء فلا يجوز للشاهد إن استشهد على ذلك أن يحضره ليشهد به، قال في الواضحة: وإن مات السيد فادعى العبد أنه لم يضربه وجهل الورثة ذلك فالقول للعبد حتى يدعوا أنه قد ضربه فينزلوا منزلة السيد في ذلك، وأما الذي يحلف بطلاق امرأته البتة إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل سماه فحل الأجل وزعم أنه قد قضاه وزعمت المرأة أنه لم يقضه وأنه قد
следующие страницы →