عليَّ لزمه ذلك، ويأتي التفصيل بين ما يقتضي التكرار فيتكرر عليه بتكرر التزوج وبين غيره فلا يتكرر عليه بذلك، وإرادة المعنى الأول قليلة جدا، والذي يكثر أولا يعرف إلا هو إرادة المعنى الثاني، وذكر ابن سهل مسألة تشبه هذه وهي من قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إن كنت لي زوجة قبل زوج أو بعد زوج، هل تحرم للأبد وكيف إذا طلقت عليه ثلاثا فتزوجها بعد زوج؟ فكتب إليه ابن عتاب: لا تحرم عليه للأبد وله نكاحها بعد زوج إن شاء الله، إلا أن يكون أراد بقوله بعد زوج إن تزوجها بعد زوج فهي طالق ثلاثا، فإن أراد هذا وعقد عليه حلفه فلا سبيل له إليها، والله الموفق للصواب. نقله الحطاب. وقال: لا يلزمه الحنث فيها بعد زوج إلا إذا حلف على ذلك الوجه وعقد عليه يمينه، وأما إن لم تكن له نية أو نوى الأول فلا يلزمه شيء. انتهى. مسألة: سئل ابن سراج في رجل قصد غشيان زوجته فلم تطاوعه، فقال لها في الحين هي عليه حرام في هذه الساعة وخرج عن السرير حيث كان معها مضطجعا فما يجب عليه في قوله هذا؟ فأجاب: الحمد لله الذي ذكر موصله أنه الحالف، وأنه لم ينو بقوله هي حرام عليه طلاقا ولا تحريما، وإنما أراد الامتناع منها في الحال، والجواب أنه لا يلزمه لعدم النية على الصحيح.
مسألة: قال البرزلي: من قيل له تزوج فلانة، فقال الذمام لا أتزوجها فلا تحرم بذلك، فإن أراد بذلك ذمة الله تعالى فهي يمين تكفر إذا تزوجها، وإن أراد ذمام الناس التي تجري على ألسنتهم فليس بيمين. انتهى. نقلهما الحطاب.
أو كلما طلقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته كلما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، أو متي ما يعني أن الزوج إذا قال لزوجته متى ما طلقتك فأنت طالق ثم طلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، أو إذا ما طلقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إذا ما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، فقوله: طلقتك راجع لمتى ما وإذا ما.
أو وقع عليك طلاقي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته كلما وقع عليك طلاقي أو متى ما وقع عليك طلاقي أو إذا ما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإنه إذا طلقها واحدة يلزمه البتات، فقوله: فأنت طالق جواب لكلما طلقتك وما عطف عليه فهو راجع للمسائل الأربع، فهو من مقول الزوج في جميعها وكذا يرجع للمسائل الأربع كما علم من التقرير، قولى: وطلقها واحدة وما ذكره من أن
стр. 4447
متى ما وإذا ما يقتضيان التكرار نحوه في النوادر وهو خلاف قوله: متى ما فعلت، وكرر وخلاف ما تقدم في اليمين من قوله: لا متى ما، وفرق عبد الباقي بين الموضعين بما ليس بظاهر. والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي أن المصنف مشى في قوله: متى ما أو إذا ما على قول سحنون وهو ضعيف، ومذهب المدونة أن متى ما وإذا ما لا يقتضيان تكرارا، فعلى مذهب المدونة لا يلزمه إلا اثنتان. انتهى. المراد منه. وقوله: "واحدة" أي أو اثنتين ولو قال لامرأته أنت حرام علي في الدنيا والآخرة فله نكاحها بعد زوج، وكان يلزم أن يكون مع ذلك الظهار. نقله الحطاب.
أو إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاث يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، فإنه إذا طلقها واحدة أو اثنتين لزمته ثلاث، ويلغى قوله قبله لاتصافها بالحلية إلى وقوع المعلق عليه، وإذا وقع فقد مضى الطلاق قبله والماضي لا يرتفع.
والحاصل أن قوله قبله أي قبل طلاق يعد لغوا، كما يأتي في قوله: "كطالق أمس"، قال الش: ذكر القبلية عندنا لغو، وكأنه قال إن طلقتك فأنت طالق ثلاثا فإذا طلقها واحدة أو اثنتين تمت عليه الثلاث بمقتضى التعليق. انتهى. وقوله: أو إن طلقتك فأنت طالق قبله لخ، قال الطرطوشي: هذه الترجمة تسمى بالسريجية، قال ابن سريج من الشافعية: لا يقع عليه طلاق أبدا، وقال طائفة من الشافعية: يقع مع المنجز تمام الثلاث. وقاله أبو حنيفة.
ولما ذكر ما فيه واحدة ثم ما فيه طلقتان ثم ما فيه ثلاث ذكر ما هو متردد بين الواحدة وأكثر فقال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن طلقة يعني أن الرجل إذا كان له أربع زوجات وقال لهن بينكن طلقة فإنه تلزمه طلقة في كل واحدة من النسوة، الأربع إذ كل واحدة منهن تنوبها طلقة لما عرفت من أن الطلاق لا يتجزأ، وكذا الحكم لو كان له امرأتان أو ثلاث وقال لهن بينكن طلقة فتنوب كل واحدة منهما أو منهن طلقة، وكذا لو كان له أربع نسوة وقال لهن بينكن طلقتان فتنوب كل واحدة طلقة في جميع ما مر، ولو زاد عدد الطلاق على عدد الزوجات لزمته طلقتان، ولهذا قال: ما لم يزد العدد على الرابعة أي تلزمه طلقة واحدة إذا قال لزوجاته الأربع بينكن طلقة واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع، وأما لو زاد عدد الطلاق في فرض المص على أربع فإنه
стр. 4448
يلزمه طلقتان في كل واحدة من النسوة الأربع ما لم يزد عدد الطلاق على ثمان تطليقات، فإن زاد كما لو قال للأربع بينكن تسع تطليقات لزمته ثلاث في كل واحدة من الأربع.
والحاصل أنه تلزمه واحدة فيما ذكر من البينية إن لم يزد عدد الطلاق على ما عنده من الزوجات، سواء كن أربعا أو ثلاثا أو اثنتين فإن زاد عدد الطلاق علي ما عنده من الزوجات لزمته طلقتان ما لم يزد عدد الطلاق على مثليْ ما عنده، فإن زاد عدد الطلاق على مثلي ما عنده لزمته ثلاث وبالله التوفيق. وقوله: "طلقة في أربع قال لهن بينكن طلقة ما لم يزد العدد على الرابعة"؛ وقيل يطلقن ثلاثا ثلاثا إذا قال بينكن ثلاث.
سحنون: وإن شرك طلقن ثلاث ثلاث ما تقدم من قوله: "وطلقة وأربع قال لهن بينكن" لم يأت بلفظ من الشركة وهو قول ابن القاسم، وما هنا أتى بلفظ من الشركة؛ يعني أن سحنون قال فيمن له زوجات أربع أو ثلاث أو اثنتان إذا شرك بينهن في ثلاث تطليقات أي أتى بلفظ من الشركة، كما لو قال شركت بينكن في ثلاث تطليقات فإن كل واحدة منهما أو منهن تطلق ثلاث تطليقات، وإن شرك في طلقة طلقت كل واحدة منهما أو منهن تطليقة واحدة؛ وإن شرك في طلقتين طلقت كل واحدة منهما أو منهن تطليقتين، قال الش: والفرق بين ما تقدم وبين هذه أن التشريك يقتضي المشاركة في أجزاء كل طلقة؛ بخلاف الأولى فإن الجملة مقسومة عليهن. انتهى.
وهو كالصريح في أن كلام سحنون موافق لكلام ابن القاسم، وقال عبد الباقي: والفرق بين بينكن وبين هذه أنه في الأولى ألزم نفسه ما توجبه القسمة ولم يلزم نفسه قبل القسمة شيئا، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة وذلك يوجب لكل واحدة منهن جزءا من كل طلقة. ابن يونس: لو قال قائل إن الفرعين سواء لم أعبه. انتهى. وقال الخرشي: وقد جعل بعضهم كلام سحنون خلافا للأول وبعضهم وفاقا، وكأنه قال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن ما لم يشرك، فإن شرك طلقن ثلاثا ثلاثا وعلى أنه خلاف يكون المعول عليه الأول، ومسألة التشريك الآتية تدل على أنه مقابل، وكلام المؤلف في التوضيح يستشعر منه أنه مرتضيه لأنه قال: ونسبها ابن الحاجب لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم. انتهى. وقال الشبراخيتي: جعله بعضهم تقييدا للأول وجعله بعضهم خلافا، والمعتمد أنه تقييد وكأنه قال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن ما لم
стр. 4449
يشرك، فإن شرك طلقن ثلاثا ثلاثا، وعلى أنه خلاف فالمعول عليه الأول والذي عليه ابن هارون وابن عبد السلام وابن عرفة أنه تقييد. انتهى.
وقوله: "سحنون" بفتح السين وحكيَ ضمها واسمه عبد السلام، وقال في الشرح: وفتح السين من سحنون عند الفقهاء هو الكثير، وأما في اللغة فالضم. انتهى. وقال الحطاب: تبع ابن الحاجب في نسبة هذا لسحنون، قال في التوضيح: ونسبه المص لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم. انتهى. وجزم في الشامل بموافقته للمذهب وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد في المسألة الثالثة من نوازل أصبغ من الأيمان بالطلاق، فإنه جعلهما مسألتين وفرق بينهما وكذلك ابن عرفة. والله أعلم. انتهى.
وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا ولثالثة وأنت شريكتهما طلقت اثنتين والطرفان ثلاثا يعني أن الرجل إذا كان له زوجات ثلاث فقال لإحداهن أنت طالق ثلاثا، ثم قال لثانية أنت شريكة فلانة المطلقة ثلاثا، ثم قال لثالثة وأنت شريكتهما فالتثنية فإنه تطلق الثانية منهن تطليقتين، لأنه لما أشركها معهما نابها طلقة ونصف طلقة والطلاق لا يتجزأ، فتكمل لها الطلقة التي نابها منها جزء وتطلق عليه الطرفان الأولى والثالثة ثلاثا ثلاثا، أما الأولى فالأمر فيها واضح وأما الثالثة فينوبها من شركتها مع المبتوتة اثنتان؛ لأن الطلاق لا يتجزأ كما عرفت، وينوبها من شركتها مع الثانية واحدة، فتلك ثلاث، وقيل تطلق الثانية ثلاثا كالطرفين. قاله الش. وهذا الفرع لأصبغ وليس من تتمة كلام سحنون.
ومقتضى كلام سحنون المتقدم أن كلا من النسوة الثلاث تطلق ثلاثا لا الطرفان فقط كما يقوله أصبغ، ومقتضى ما لسحنون ضعيف في هذه والمعتمد فيها ما لأصبغ، كما أن المعتمد في الأولى ما لسحنون كما ذكره المص في الفرعين، قاله الشيخ عبد الباقي.
قول المص: "ولثالثة وأنت شريكتهما" بضمير التثنية كما مر، فلو قال: لثالثة وأنت شريكتها بضمير الإفراد ولم يعلم عوده على الأولى أو الثانية فالاحتياط أن تطلق طلقتين بجعل الضمير عائدا على الأولى، فإن كان له نسوة أربع وقال ما ذكره المصنف وللرابعة وأنت شريكتهن فيقع على
стр. 4450
الرابعة ثلاث عملا بلفظ شريكتهن، وأم النسوة الثلاث قبلها فعلى ما قال المص. قاله عبد الباقي. وقال: ولعل الفرق بين الثانية والثالثة مع وجود لفظ التشريك في المسألتين أن التشريك في الأولى وقع ابتداء بين جميعهن، وأما في الثانية فقد أوقع الثلاث ابتداء على واحدة فضعف قوله للثانية أنت شريكتها فلذا لم يلزم فيها إلا اثنتان. انتهى.
وقوله: "وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا" لخ وكذا الحكم لو قال لواحدة منهن: أنت طالق البتة ثم قال لثانية أنت شريكتها، ثم قال لثالثة أنت شريكتهما فإنه تطلق الثانية اثنتين والطرفان ثلاثا ثلاثا. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقوله مطلقة ثلاثا، قال التتائي: اقتصر في فرض المسألة على الثلاث؛ لأنه لو زاد عليها البتة فقال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق البتة ثم للأخرى أنت شريكتها ثم لثالثة أنت شريكتهما طلقن البتة ولم ينفعه قوله ثلاثا قدمت أو أخرت، والبتة لا تتبعض. قاله أصبغ في نوازله. انتهى.
وفهم من قوله: لأنها لغو مع البتة أن الحكم كذلك عند حذف ثلاثا، وقوله للثالثة أنت شريكتهما بالتثنية ومثله بالإفراد في هذه كما يفيده كلامه، وما ذكره من أن البتة لا تتبعض هو المذهب هنا، ويستثنى من ذلك ما إذا استثنى منها فإنها تتبعض على المذهب في الاستثناء كما يأتي في قوله: "أو البتة إلا اثنتين"، ووجهه أن المستثنى منه لما كان عمومه مرادا تناولا فقط لا حكما في الأصول فكأن القائل أنت طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة لم يرد حقيقة البتة من أول الأمر. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: ووجهه أن المستثنى منه لما كان عمومه لخ، قال محمد بن الحسن: لا يحتاج إلى ذكر الفرق بين ما هنا وبين ما يأتي ما هنا مبني على قول أصبغ أن البتة لا تتبعض، قال ابن رشد: وهو الصحيح. انتهى. وقوله: "وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا" قد علمت صورته الذي قررته بها وهو الذي قرره بها شراحه كما هو مقتضاه ولو قال لإحدى زوجتيه هذا اللفظ ابتداء أنت شريكة مطلقة ثلاثا وللثانية وأنت شريكتهما، فمقتضى ما مر أن الأولى تطلق اثنتين والثانية تطلق ثلاثا. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقال الأمير: وإن طلقها ثلاثا وقال لأخرى وأنت شريكتها، ولثالثة وأنت شريكتهما فالوسطى اثنتان إلا أن يكون العرف وأنت مثلها فثلاث
стр. 4451
وهما ثلاث. انتهى. وقوله: "وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا" الخ شامل لمن لم يكن له إلا ثلاث زوجات ولمن كان له أربع زوجات كما يفيده غير واحد. والله سبحانه أعلم.
وأدب المجزئ يعني أن الزوج إذا جزأ الطلاق فإنه يؤدب سواء كانت التجزئة للطلاق بسبب تشريك بين زوجتين فأكثر، نحو: شركت بينكما أو بينكن في طلقة أو بغير تشريك كأنت طالق ربع طلقة أو نصفها أو عشرها ونحو ذلك، قال عبد الباقي: وهو يقتضي تحريمه لإيهامه على الناس أن الطلاق يتجزأ، وكذا يؤدب معلقه على القول بمنعه لا على كراهته، ففي الشامل: وهل تعليقه مكروه أو ممنوع يؤدب فاعله؟ خلاف. انتهى.
وقال الشراخيتي: "وأدب المجزئ" للطلاق وهو يقتضي تحريمه، ولا فرق بين التجزئة بتشريك أو غيره لتلبيسه على حكام المسلمين ومخالفته السنة، وكذا يؤدب معلقه على القول بمنعه، قال في الشامل: وهل تعليقه مكروه أو ممنوع ويؤدب فاعله؟ خلاف، وقال التتائي: واختلف في حكم المطلق المعلق، ففي المقدمات: مكروه. اللخمي: ممنوع. مطرف وعبد الملك: لا يحلف به سلطان ولا غيره ويؤدب فاعله. انتهى. وقال في الرسالة: ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه. انتهى. وإنما يكون التأديب لمن اعتاد الحلف كما ذكره شراحها. انتهى المراد منه.
ثم شبه في اللزوم والأدب قوله: كمطلق جزء وإن كيد يعني أن الزوج إذا طلق جزءا من زوجته فإنه يقع الطلاق على كلها ويؤدب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجزء شائعا كربعك أو نصفك طالق، وبين أن يكون معينا كفوك طالق أو رجلك أو إصبعك ونحو ذلك وكذا العتق. ابن يونس: لأنه إذا اجتمع الحظر والإباحة في شخص غلب حكم الحظر كالأمة بين الشريكين والمعتق بعضها والشاة يذبحها المجوسي والسلم، قال عبد الباقي: وكذا يؤدب من حلف بطلاق أو عتاق كما في الرسالة، وقيدت بمن اعتاره، ولا يعارضه ما مر في باب اليمين عند الأكثر، وقيل يكره إذ مقتضى التحريم تأديبه وإن لم يَعْتَدْهُ، ومقتضى الكراهة عدم (١) تأديبه وإن اعتاده، ويجاب بأنه لما
стр. 4452
كثر على الألسن الحلف بهما قيد الأدب بالاعتياد ومنع بهما لأنهما من أيمان الفساق كما في الخبر.
ولزم بشعرك طالق يعني أن الزوج إذا قال لزوجته شعرك طالق فإنه يلزمه الطلاق بذلك فيعمها كلها، وهذا إذا قصد الشعر المتصل أو لا قصد له، وأما إن قصد المنفصل فهو كالبصاق فلا يلزم؛ وما لا يلتذ به من شعرها كشعر غير الرأس والحاجبين وما شاب من شعر الرأس والحاجبين وما غلظ من صوتها لا يلزم بطلاقه طلاق. قاله الشبراخيتي وغيره.
أو كلامك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته كلامك طالق فإن الطلاق يلزمه بذلك، ومثل ذلك ما هو من سائر محاسنها مما يلتذ به كعقلها وروحها، بخلاف علمها وجهلها، وقوله: "ولزم بشعرك طالق أو كلامك" وهو قول أصبغ، وقال سحنون: لا شيء في ذلك وذكره محمد عن ابن عبد الحكم. ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر وإليه أشار بقوله: علي الأحسن وإنما كان القول باللزوم هو الأحسن لأنهما من محاسنها؛ ولأن الشعر لا يحل لمسه إلا للزوج، ولأن من الكلام ما لا يحل أن يسمعه إلا الزوج فقد حرم ذلك النوع على نفسه فيلزمه الطلاق حينئذ.
لا بسعال يعني أن الزوج إذا قال لزوجته سعالك طالق فإنه لا يقع عليه الطلاق بذلك. أو بصاق يقال بصاق وبزاق لغتان مشهورتان، وبساق بالسين لغة شاذة وعدها جماعة غلطا؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته بصاقك طالق فإن الطلاق لا يلزمه بذلك؛ لأن السعال والبصاق لا يلتذ بهما، ولأن البصاق اسم للمنفصل بخلاف الريق فتحرم بتحريمه لأنه إنما يقع على ما كان في الفم قبل الفارقة، وهو مما يلتذ به وهو الرضاب، قال الش: وقال أصبغ باللزوم في الريق، ونحوه للخمي، وقال اللخمي: لا تحرم بالسعال ولا بالبصاق وهو قول المتقدمين.
أو دمع يعني أن الزوج إذا قال لزوجته دمعك طالق فإنها لا تطلق بذلك؛ لأن ذلك ليس من محاسنها، قال عبد الباقي عند قوله "ودمع": ونحوه مما لا يتلذذ به عادة، كعلمها وجنينها وشعر غير رأسها وحاجبيها وما شاب من شعر رأسها وحاجبيها وما غلظ من صوتها فلا يلزم بطلاق شيء مما ذكر طلاق، إلا أن يلتذ هو به احتياطا في الفروج أو ينوي حل العصمة فكالكناية الخفية لا يقال إن فيه اللفظ الصريح؛ لأنا نقول نعم لكن لما كان على غير جزء المرأة الملتذ به
стр. 4453
عادةكان كناية خفية، وبما مر علم أقسام أربعة: طلاقها بطلاق ما يلتذ به عادة التذ هو به أم لا، وعدم طلاقها بطلاق ما لا يلتذ به عادة إلا أن يلتذ أو ينوي به طلاق جملتها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما إن طلق ما لا يلتذ به غيره عادة ويلتذ هو به فالظاهر أنه يلزمه كالوضوء. انتهى.
وصح استثناء بإلا يعني أن الزوج إذا طلق زوجته واستثنى فإن استثناءه يصح فيفيد ويعمل به، والاستثناء يكون بإلا وما في معناهها من أدوات الاستثناء، والاستثناء هنا هو الإخراج بإلا وما في معناها لبعض أفراد، وإنما يصح الاستثناء إن اتصل، وهل المراد اتصاله بالمحلوف به نحو أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إن دخلت الدار فلا يكفي اتصاله بالمحلوف عليه لا؛ أو المراد اتصاله بالمحلوف عليه نحو أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار إلا اثنتين وأحرى إن اتصل بالمحلوف به قولان؟ ومفهوم قوله: إن اتصل أنه لو انفصل لم يفد إلا لعارض لا يمكن رفعه كسعال وعطاس ونحوهما، ويشترط في صحة الاستثناء مع الاتصال أن لا يستغرق كما أشار إلى ذلك بقوله: ولم يستغرق بأن ينقص العدد المستثنى عن المستثنى منه، فإن استغرق الاستثناء المستثنى منه بأن زاد عليه أو ساوى لم يفد إجماعا. قال عبد الباقي وغيره: ولا فرق بين المستغرق بالذات أو بالتكميل كطالق ثلاثا إلا اثنتين وربعا فيتصل الاستثناء، وتلزم الثلاث بدليل قوله فيما مر: "وثلاث في إلا نصف طلقة". انتهى.
قال محمد بن الحسن: لا دليل في هذا على الاستغراق بالتكميل؛ إذ لو عمل في هذا بالتكميل في المستثنى لا لزمه إلا طلقتان، وقوله: "إن اتصل ولم يستغرق" أي ونواه ونطق به وإن سرا بحركة لسان، وفي كتاب الأمير: ولا بد من حركة اللسان كما في الأيمان ولا ينفع في الحقوق. انتهى. وقال الش: فلا يصح مع الانفصال اختيارا، وكذلك إن ساوى المستثنى المستثنى منه وهو مراده بالاستغراق وأحرى إذا كان المستثنى أكثر. انتهى.
ففي ثلاث إلا ثلاثا واحدة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة فإنه تلزمه طلقتان لإلغاء المستثنى المساوي للمستثنى منه، وقوله: "إلا واحدة" مستثنى من قوله:
стр. 4454
"أنت طالق ثلاثا" والمص تبع في هذا ابن شأس، والصواب عند ابن الحاجب أن لا تلزم إلا واحدة؛ لأن الثلاث بعد أن أخرج منها واحدة تبقى بعدها اثنتان تخرجان من الثلاث الموقعة علي المرأة تبقى واحدة هي التي تلزم الزوج، قال ابن عرفة: وهو الحق، قال محمد بن الحسن: ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين فعلى ما للمص تبعا لابن شأس من إلغاء الاستثناء الأول تلزمه واحدة؛ وعلى ما لابن الحاجب وابن عرفة وهو الحق تلزمه اثنتان. انتهى.
وعلل عبد الباقي ما مشى عليه المص بقوله: لأن المستغرق هو الذي يقتصر عليه المتكلم وهنا لم يقتصر عليه. انتهى. وقال محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن هذا التعليل لا يناسب ما جرى عليه المص، وإنما يناسب ما لابن الحاجب وابن عرفة. انتهى. وقال ابن عرفة: وفي جواز استثناء الأكثر معروف المذهب مع القاضي عن الجمهور، ونقل اللخمي في طالق ثلاثا إلا اثنتين يلزمه الثلاث مع نقل القاضي منعه. انتهى. نقله محمد بن الحسن. فقول المص: ولم يستغرق صادق بما إذا استثنى الأكثر وهو المنصوص والمنقول عن الجمهور. والله سبحانه أعلم. وفي ابن الحاجب: ولا يشترط أن يستثنى الأقل على المنصوص.
أو ثلاثا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة فإنه تلزمه طلقتان، لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات؛ فقوله: "ثلاثا" إثبات، وقوله: "إلا اثنتين" نفي، فصار اللازم واحدة ثم أثبت واحدة من الاثنتين فصار اللازم له اثنتان. أو البتة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة فإنه تلزمه طلقتان؛ لأن البتة تتبعض على الصحيح فهي كالثلاث هذا هو قول أشهب وسحنون، وذهب أصبغ إلى أن البتة لا تتبعض فلا يصح الاستثناء منها.
وبما قررت علم أن قوله: إلا اثنتين واحدة مستثنى من قوله: "تلاثا" ومن قوله: "البتة" وذلك كقوله ﷺ : (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وقد فسرها رسول الله ﷺ فقال: (ألا أخبركم بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله؟ لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله (١)): فجعل إلا بالله راجعا للأمرين قبله. قاله جامعه عفا
стр. 4455
الله عنه. وقال الشبراخيتي: وحذف إلا وما بعدها من التي قبلها لدلالة هذا عليه. انتهى. وقوله: اثنتان مبتدأ وخبره قوله في ثلاث فهو راجع للمسائل الثلات، وقال الشبراخيتي: حذف اثنتان الأولى والثانية لدلالة الثالثة. انتهى. وقوله: "أو البتة" قال الشبراخيتي: هو أحد قولي سحنون وهو الذي رجع إليه وهو قول أشهب والمحققين، وما قدمه التتائي من أنها لا تتبعض ضعيف وهو قول أصبغ وأحد قولي سحنون المرجوع عنه.
وإذا كان قبل الاستثناء معطوف ومعطوف عليه يمكن رجوع الاستثناء لهما أو لأحدهما، كقوله لها: أنت طالق واحدة واثنتين إلا اتنتين فإنه ينظر في ذلك، فإن ادعى الزوج أن الاستثناء كان حاصلا في نيته من الجميع أي المعطوف والمعطوف عليه، فإنه تلزمه طلقة واحدة؛ لأنه أخرج اثنتين من الثلاث واستثناء أكثرم النصف جائز، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإلا يكن الاستثناء من المعطوف والمعطوف عليه معا؛ بأن نوى الإخراج من المعطوف فقط أو من المعطوف عليه فقط أو لا نية له، فإن الزوج تلزمه ثلاث أي ثلاث تطليقات في الصور الثلاث لبطلان الاستثناء حينئذ باستغراقه، وكلام ابن عرفة يفيد أنه إذا لم تكن له نية برده للجميع ولا لبعض معين، وإنما حصل منه نية الاستثناء في الجملة ففي لزوم ثلاث أو واحدة قولان، والعطف بثم كالعطف بالواو كما لابن عرفة، وينبغي أن بقية الحروف مما يأتي هنا كالفاء وحتى كذلك. قاله عبد الباقي. وقوله: "إن كان من الجميع فواحدة" بناء على جواز استثناء الأكثر وهو المعروف والمنقول عن الجمهور وهو الصحيح، خلافا لعبد الوهاب القائل: يمنع استثناء الأكثر.
وفي إلغاء ما زاد على الثلاث واعتباره قولان يعني أنه جرى قولان فيما زاد من الطلاق على الثلاث، هل يلغى أو يعتبر؟ والقولان لسحنون، وإلى القول بالاعتبار رجع سحنون وهو الذي استظهره ابن رشد، وقال في التوضيح: وهو الأقرب. ابن عبد السلام: وأرجح في النظر، قال محمد بن الحسن: وبه تعلم أرجحيته مطلقا أي سواء كان فيه الاحتياط في الفروج أم لا، فإذا قال لها أنت طالق خمسا إلا ثنتين فعلى القول بالإلغاء تلزمه واحدة لإلغاء الاثنتين الزائدتين على الثلاث، وعلى القول بالاعتبار وهو الراجح تلزمه ثلاث وهذا المثال فيه الاحتياط للفروج أي في
стр. 4456
اعتبار الزائد الاحتياط للفروج، ولو قال لها أنت طالق مائة إلا تسعا وتسعين فعلى القول بإلغاء ما زاد على الثلاث تلزمه ثلاث؛ لأنه بمنزلة ما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا تسعا وتسعين وهو مستغرق، وعلى القول باعتبار ما زاد على الثلاث وهو الراجح تلزمه طلقة واحدة، وهذا المثال ليس في الاعتبار فيه احتياط للفروج. انظر شرح عبد الباقي.
ونقل عن التتائي أنه قال: وذكرنا المثالين يعني الذين قدمتهما ليتضح لك أنه لا فرق بين كون الزيادة في طرف المستثنى منه فقط أو في الطرفين. انتهى. وقد علمت اللازم من الطلاق على كلا القولين، ومعنى هذا والله أعلم أن القولين جاريان في اعتبار الزيادة الحاصلة في طرف المستثنى منه وإلغائها، فسواء حصلت الزيادة فيه فقط أو فيه وفي المستثنى، وأما الزيادة الحاصلة في المستثنى فهي معتبرة ولا يجري فيها القولان. هذا ما يفيده كلام عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
وقال الشبراخيتي: قولان لسحنون ورجع للثاني منهما واستظهره ابن رشد وابن عبد السلام وتبعد المص في التوضيح ذكره التتائي وغيره، وفي هذا ترجيح الثاني فكان ينبغي للمص الاقتصار عليه فيقول، واعتبر ما زاد على الثلاث. انتهى المراد منه. وقوله: "وفي إلغاء ما زاد على الثلاث" يعني من حيث الاستثناء، وأما من حيث فك العصمة فيلغى بإجماع، وقد سئل ابن عباس ﵄ عن رجل طلق امرأة عدد النجوم، فقال: يكفيه من ذلك رأس الجوزاء، وانظر هل يقال في العبد وفي إلغاء ما زاد على اثنتين واعتباره؟ قولان وهو الظاهر. قاله الشيخ إبراهيم.
ونجر إن علق بماض ممتنع هذا شروع منه ﵀ في مسائل ينجز على الزوج الطلاق فيها من غير توقف على حكم حاكم، بل حكم الشرع بتنجيز الطلاق عليه إلا في مسألة أو بمحرم، كإن لم أزن فلا بد فيها من حكم حاكم، وكذا في مسألة إن لم تمطر السماء، وكذا في مسألة ما إذا علق على محتمل واجب كإن صليت كما هو في معنى أو بمحرم كما يعلم بالتأمل. قاله محمد بن الحسن. ومعنى كلام المص أن الزوج يحكم عليه الشرع بتنجيز الطلاق إذا علق الطلاق على أمر مضى وهو ممتنع، سواء كان امتناعه عقلا كما لو قال زوجتي طالق لو جتت أمس لجمعت بين
стр. 4457
وجودك وعدمك، أو لأقتلن فلانا الميت بمعنى إزهاق روحه فينجز عليه الطلاق بمجرد هذا القول، وسيأتي الكلام على معنى هذا التعليق قريبا إن شاء الله.
أو كان امتناعه عادة كما لو قال أنت طالق لو جئت أمس لرفعتك إلى السماء أو لدخلت بك الأرض، أو كان امتناعه شرعا كما لو قال أنت طالق لو جئت أمس لقتلتك فينجز عليه الطلاق بمجرد القول في هذه الأقسام الثلاثة، وظاهره قصد المبالغة أو لا وهو كذلك على ما درج عليه المص؛ وقال عبد الباقي: ومحل الطلاق في القسمين الأخيرين ما لم يقصد المبالغة وإلا فلا يحنث نظرا للقصد، كقوله ﵊ في أبي جهم: (لا يضع العصا عن عاتقه)، وكالحلف أن هذا الطائر لا يسكت فعدم الحنث فيمن يكثر منه ذلك أو فيمن عرفهم استعمال لفظ في غير مدلوله لغة، كفقإ العين في إبانة الحق عليه وكالقتل في الضرب الشديد أو نوى ذلك، والأول من العرف القولي والثاني من العمل بالنية. قاله عبد الباقي.
وقوله: ما لم يقصد مبالغة يعني أو يكن قادرا على ما علق عليه من القتل مثلا، وكونه لا حنث عليه فيهما هو قول ابن بشير وابن شأس، وقال ابن ناجي: ظاهر المدونة الحنث. قاله محمد بن الحسن. ثم قال: وبالجملة فعلى ما درج عليه المص من الحنث في الجائز يحنث في غيره، ولو قصد المبالغة أو كان قادرا لأن غاية الأمر أن يصير الممتنع بذلك جائزا، وعلى عدم الحنث في الجائز يقيد الممتنع. والله أعلم. انتهى.
وذكر الحطاب أن المشهور في الجائز عدم الحنث خلاف قول المص: أو جائز يعني أن الزوج ينجز عليه الطلاق فيما إذا علق الطلاق على أمر جائز شرعي ماض، كما لو قال لها أنت طالق لو جئت قضيتك حقك في حق لا يجب قضاؤه، وقد تقدم أن هذا ضعيف والمشهور عدم الحنث في الجائز، وأما الواجب شرعا فحكى ابن عبد السلام الاتفاق على عدم الحنث فيه، وهو وإن ناقشه ابن عرفة في الاتفاق فأقل أحواله أن يكون هو المشهور، واحترز المص بماض ممتنع عما لو علقه بماض واجب بأقسامه الثلاثة فلا يلزمه شيء، كأنت طالق لو جئت أمس ما قدرت على الجمع بين وجودك وعدمك، وكأنت طالق لو جئت أمس لقضيتك حقك في حق يجب قضاؤه، وكأنت
стр. 4458
طالق لو جئت أمس ما قدرت على رفعك للسماء، وظاهر المص أن الطلاق في هذه الصور معلق على جواب لو، وليس كذلك فالمتنع بأقسامه والجائز ليس بمعلق علي شيء منهما أصلا لا طلاق ولا غيره، بل كل منهما معلق على الشرط كما هو القاعدة في أدوات الشرط؛ والطلاق في الحقيقة إنما هو معلق على عدم صدق الملازمة، فكأنه يقول إن كانت الملازمة أي ملازمة المشروط للشرط غير صادقة فامرأته طالق فهو في الحقيقة معلق على عدم صدق اللازمة بين الشرط والجواب، فهو في التحقيق معلق على واجب، فلذا نجز عليه هذا في الماضي الممتنع. ولا يقال في الجائز أنه معلق على واجب وإنما هو معلق على عدم صدق الملازمة وهو ممكن.
وبما قررت علم أن قوله: "أو جائز" عطف على ممتنع فهو صفة لماض كما قاله الحطاب، وقال: وما شهره المص من الحنث في الجائز قال ابن الحاجب تبعا لابن شأس، هو قول ابن القاسم، قال القرافي: هو خلاف نقل القاضي عن ابن القاسم ومالك أنه إن أمكن الفعل شرعا لم يحنث وإلا حنث، وخلاف ظاهر الكتاب قال القرافي: فيحتمل أن يكون سهوا أو ظفر بنقل غريب وترك الجادة وعلى التقديرين فهو ردي. انتهى.
وقال الش عند قوله: "أو جائز" هو مذهب ابن القاسم؛ لأنه لما احتمل أن يقضيه وأن لا يقضيه حصل الشك في العصمة فيقع الطلاق بذلك، وقال عبد الملك: لا يحنث لأن الأصل استصحاب العصمة المحققة والشك غير معتبر. انتهى. وقال الحطاب: وحاصل ما ذكره المص أنه إذا علقه بماض ممتنع أو جائز حنت وهذا القول حكاه في البيان، وحكى مقابله عدم الحنث مطلقا عن مالك والثالث التفصيل بين ما يجوز فعله فلا يحنث وما لا يجوز فعله فيحنث. انتهى. وقوله: ممتنع أي شرعا كما يفهم من كلامه. والله سبحانه أعلم.
وصرح بذلك الش قال: ولم أر خلافا في الأولين يعني الممتنع عقلا والمتنع عادة، وقال الحطاب: قال ابن رشد في شرح المسألة المذكورة: لو حلف بالطلاق أن يشق كبده إن شق ثوبه في المستقبل لم يختلف في أنه لا شيء عليه إن لم يشق الثوب، ولا في أنه يعجل عليه الطلاق إن شقه ولا يمكن من البر بشق كبده. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير: ونجز إن علق على واجب ولو عادة أو شرعا لا جائز ولا يعول على ما في الأصل.
стр. 4459
أو مستقبل محقق يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على أمر مستقبل محقق وقوعه فإنه ينجز عليه الطلاق، ومحل تنجيز الطلاق عليه حيث كان ينتبه بلوغهما معا إليه كما هو ظاهر المص؛ وأما إن كان يشبه بلوغ عمر أحدهما له دون الآخر أو لا يشبه بلوغ واحد منهما إليه فإنه لا ينجز عليه الطلاق، وإنما ينجز عليه إذا كان يشبه بلوغهما إليه لأنه حينئذ يصير شبيها بنكاح المتعة من كل وجه، وأما إذا كان يشبه بلوغ أحدهما إليه فقط فإنه لا يأتي الأجل إلا والفرقة قد حصلت بموت، فلم يشبه المتعة حينئذ، ولهذا قال أبو الحسن؛ هذا على أربعة أقسام: إن بلغه عمرهما معا لزم، وإن كان لا يبلغه عمرهما، أو يبلغه عمره دونها أو عمرها دونه فهذه الثلاثة لا شيء عليه فيها إذ لا تطلق ميتة ولا يؤمر ميت بطلاق. انتهى.
كبعد سنة مثال للمحقق الذي يشبه بلوغهما إليه؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق بعد سنة فإنه ينجز عليه الطلاق الآن كما مر.
فائدة: أنشد بعض الفقهاء:
ما يقول الفقيه أيده اللّـ … ـه ولا زال عنده الإحسان
في فتى علق الطلاق بشهر … قبل ما قبل قبله رمضان
اعلم أن هذا البيت يشتمل على ثمانية أبيات باعتبار تركبه من قبل وبعد معا أو من أحدهما، فإن تركب من قبل فالشهر المعلق عليه ذو الحجة، وإن تركب من بعد فجمادى الأخيرة، وإن تركب منهما فهو إما شوال وإما شعبان، فالأولان ظرفان والواسطة الأخيران، فإن تكررت قبل فالشهر شوال وذلك في ثلاث حالات أن تتقدم أو تتأخر أو تكتنف، وإن تكررت بعد فالشهر شعبان وذلك في ثلاث حالات أيضا، والقاعدة في هذا أنه يلغى أحد المكررين مع المنفرد. والله سبحانه أعلم.
أو يوم موتي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق يوم موتي أو موتك أو تموتين، فإنه ينجز عليه الطلاق لأنه محقق يبلغانه، وكذا ينجز عليه الطلاق إذا قال لها أنت طالق قبل موتي أو
стр. 4460
موتك بيوم أو شهرت بخلاف أنت طالق بعد موتي أو موتك فلا شيء عليه، وأما لو قال لها أنت طالق إن أو إذا مات فلان فإنه ينجز عليه الطلاق، وكذا ينجز عليه الطلاق إذا قال لها أنت طالق يوم موت فلان أو بعد موت فلان أو قبل موت فلان فتلك خمس في الأجنبي ينجز فيها الطلاق كما قاله بناني؛ لأنه محقق يشبه بلوغهما إليه وخمس عشرة متعلقة بالزوج والزوجة؛ لا شيء عليه في ثمانية منها، وينجز عليه الطلاق في سبع منها.
ابن القاسم: من قال لامرأته أنت طالق إذا قدم الحاج أنها تطلق عليه الساعة لأنه أجل آت، وحمل الكلام على الزمن لا على القدوم كما هو المذهب أيضا في البيع إلى قدوم الحاج، ومن قال: أنت طالق بعد قدوم زيد بشهر طلقت عند قدومه، وفي الواضحة عن مطرف وأصبغ: ولو قال أنت طالق إذا خسفت الشمس أو أمطرت السماء لزمه الطلاق بكلامه لأنه أجل آت؛ ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: ومن طلق امرأته إلى مائة سنة أو إلى مائتي سنة فلا شيء عليه.
وبما قررت علم أن قوله: "أو يوم موتي" عطف على قوله: بعد سنة فهو من المحقق الذي يبلغانه فهو أحرى مما يشبه البلوغ إليه، وقال ابن حارث: إذا قال أنت طالق إلى مستهل الهلال أو إلى وقت يأتي على كل حال فهي طالق وقت قوله اتفاقا، وسمع ابن القاسم في العمدة أن ناسا اختلفوا فيمن طلق إلى أجل سماه؛ وأن عطاء كان يقول ذلك، فقال مالك: لا أقول له ولا لغيره هذه المدينة دار النبي ﷺ ودار الهجرة، فما ذكروا أن المطلق إلى أجل يتمتع بامرأته إلى ذلك الأجل فإنا لم ندرك أحدا من علماء الناس قاله. انتهى.
ابن رشد: قياسه ذلك على المتعة صحيح واستدلاله بأنه الذي عليه أهل المدينة دليل على أن إجماعهم عنده حجة فيما طريقه الاجتهاد دون الذي عليه أهل التحقيق أن إجماعهم إنما هو حجة فيما طريقة التوقيف، وأن الغالب منه أنه عن توقيف كنفي زكاة الخضروات والأذان، وفي النوادر: ومن قال لزوجته أنت طالق في شهر كذا أو إلى شهر كذا فهو سواء وهو طلاق إلى أجل. قاله الحطاب. وإذا علق الطلاق بمحقق لا يشبه بلوغهما معا إليه فإنه لا يقع عليه طارق كما يأتي عند قوله: "إن حضت" ثم عطف على ماض ما هو مستقبل لوقوعه في حيز إن قوله: أو علق بقوله: "أنت طالق".
стр. 4461
إن لم أمس السماء يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق إن لم أمس السماء أو إن لم أمس السماء فأنت طالق، فإنه ينجز عليه الطلاق بلا خلاف كما في الش؛ لأنه حلف على المس وهو ممتنع عادة، فلذا نجز عليه الطلاق.
وفي كتاب الأمير: ونظر رجل إلى امرأته على درجة فقال أنت طالق إن صعدت وأنت طالق إن نزلت وأنت طالق إن وقفت فألقت نفسها، قال الشيخ الأمير: قلت إن لم يكن قصد توقف بره على أن السقوط ليس نزولا عرفا وهو الظاهر. انتهى. وفي الحطاب: وانظر إذا قال امرأته طالق إن لم يره النجوم في النهار هل يحمل على المبالغة أو على ظاهره، وفي الذخيرة في كتاب الأيمان في مدارك البر والحنث، قال المدرك الرابع مقتضى اللفظ لغة، ثم قال: قال أبو الوليد: هذا في المظنون، وأما المعلوم كقوله والله لأرينه النجوم في النهار ونحوه فلا خلاف أنه يحمل على ما علم من ذلك من المبالغة دون الحقيقة. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن قوله إن لم أمس السماء عطف على قوله: بعد سنة، فهو مثال للمستقبل المحقق، ومثل إن لم أمس السماء إن لم أشرب البحر أو لم ألج في سم الخياط أو إن لم أحمل الجبل ونحو ذلك. انتهى.
أو إن لم يكن هذا الحجر حجرا لهزله يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن لم يكن هذا الحجر حجرا فإنه ينجز عليه الطلاق لهزله، وكذا لو قال إن لم يكن هذا الحجر حجرا فأنت طالق فإنه يطلق عليه لهزله، ومثل ذلك إن لم يكن هذا الإنسان إنسانا وشبه ذلك، والتعليل بالهزل جار فيما إذا قدم لفظ الطلاق أو أخره، ومحل وقوع الطلاق إذا قصد انتفاء الحجرية أو لا قصد له، وأما إذا اقترن بالكلام ما يدل على أن المراد المجاز وهو صلابة الحجر بحيث لا يتأثر بالحديد وتمام الأوصاف الإنسانية من الكرم والشجاعة وغير ذلك فلا حنث إن وجدت الأوصاف المذكورة وإلا حنث كما قاله ابن عبد السلام، وقوله: "لهزله" وجه كونه هازلا لا أنه أوقع الطلاق معلقا على انتفاء حجرية الحجر، وهو ممتنع قطعا فهو متلاعب والله سبحانه أعلم. وقوله: "لهزله" من دون أو هو كذلك في بعض النسخ وهو لابن الحاجب، فإنه علل بالهزل كما عند المص على حذف نسخة أو فالطلاق عنده يقع قدم لفظ الطلاق أو أخره، وأما ابن عرفة فإنه
стр. 4462
علل لزوم الطلاق هنا بأنه تعقيب بالرافع فلا يقع الطلاق عنده إلا إن أخر التعليق. انظر حاشية الشيخ بناني.
والفرق بين التقديم والتأخير على ما لابن عرفة أنه حيث قدم فقد طلق فرفعه بذلك ندما بخلاف ما لوأخر الطلاق. انظر الحطاب. وأما إن قال إن كان هذا الحجر حجرا فإنه ينجز عليه الطلاق قدم الطلاق أو أخره إلا أن يقترن بالكلام ما يدل على أن المراد المعنى المجازي وهو تمام الأوصاف الحجرية لكونه صلبا لا يتأثر بالحديد، فينظر له فإن كان كذلك نجز عليه وإلا فلا. قاله ابن عبد السلام. وظاهر كلام بعضهم أن القيد يجري في إن لم يكن. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي بعض النسخ: أو لهزله بأو العاطفة؛ قال الحطاب: هذا الكلام موافق لما في التوضيح حكما مخالف له تعليلا إلا أن تسقط، أو من قوله: "أو لهزله" كما قال ابن غازي، ومخالف لكلام ابن عرفة حكما قال ابن عرفة: ولو علق على واضح نقيضه مؤخرا عنه كإن لم يكن هذا الإنسان إنسانا فأنت طالق فلا شيء عليه، ومقدما عليه قال ابن الحاجب: حانث كطالق أمس قلت الأظهر كإن شاء هذا الحجر، وتقدم نقل اللخمي في أنت طالق إن شاء هذا العمود، ولابن محرز في أنت طالق أمس لا شيء عليه. انتهى. وقال ابن عرفة: ولو علق على محال كإن شاء هذا الحجر ففي لزومه طلاقها نقل اللخمي عن سحنون وابن القاسم، ونقلهما الصقلي عن القاضي روايتان. انتهى. وعلى نسخة: أو لهزله بإثبات.
أو يكون قوله: كطالق أمس مثالا للهزل وعلى نسخة: إسقاط أو يكون تشبيها في اللزوم والهزل؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق أمس فإنه يلزمه الطلاق وينجز عليه لهزله. ابن عبد السلام: وأما قول المؤلف -يعني ابن الحاجب- كما لو قال طالق أمس فلا شك أن مقتضى هذا الكلام الهزل إذا قصد به الإنشاء، وأما إن قصد به الخبر فلا هزل ويلزم الطلاق لكونه من باب الإقرار، وأهل العرف يستعملون ما يقرب من هذا في المستقبل الذي يجزمون بوقوعه كخبرهم بالماضي؛ ومرادهم التشبيه في تحقق الوقوع، فيقال للإنسان منهم أتفعل كذا؛ فيجيب بأن يقول أمس، فإن وقع مثل هذا في الطلاق فالأقرب أنه لا يلزم لأنه وعد بالطلاق لا إيقاع الطلاق. انتهى. كلام ابن عبد السلام.
стр. 4463
أو بما لا صبر عنه كإن قمت عطف على قوله: "بماض" يعني أن الزوج ينجز عليه الطلاق إذا علق طلاق زوجته على شيء لا يصبر عنه شرعا أو عادة ولو تكلف الصبر عنه، كأن يقول لها أنت طالق إن قمت أو قعدت أو نمت أو أكلت أو شربت أو لبست لغير شيء بعينه، ويصح ضبط التاء بالحركات الثلاث فيشمل فعله وفعلها وفعل الغير؛ لأن ما لا صبر عنه كالمحقق الوقوع. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي عند قوله: "كإن قمت". ما نصه: وأطلق أو عين مدة يعسر فيها ترك القيام ولو دون كساعة لأن ما لا صبر عنه كالمحقق الوقوع، فإن عين مالا يعسر ترك القيام فيه لم ينجز عليه إلا إن قامت قبل فواته، فإن كان المحلوف على أنه لا يقوم كسيحا حال اليمين فلا ينجز إلا إن زال بعدها فيقع كالآيسة إذا حاضت. انتهى. ونحوه في الشبراخيتي، وزاد وما تقدم من أن التنجيز فيما إذا أطلق أو قيد بزمن بعيد لا يمكن الصبر فيه عادة على عدم القيام ظاهر، وإن حصل لها ما يمنع القيام من كساح ونحوه لأنه بمجرد حلفه ينجز عليه. انتهى.
وقوله: "أو بما لا صبر عنه كإن قمت".
علم مما قررت أنه لا فرق بين أن يكون المكلف مجبورا عليه شرعا أولا كالقيام فإنه مجبور عليه للصلاة شرعا، أو غالب كإن حضت يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على أمرِ الغالبُ وقوعهُ أي وقوضه كثير وعدم وقوعه نادر فإنه ينجز عليه الطلاق، كأن يقول لها إن حضت فأنت طالق تنزيلا للغالب منزلة المحقق، وتحرير هذه المسألة أن النساء على أربعة أقسام: آيسة وبغلة وصغيرة لم تحض ومن ليست كذلك.
فأما الآيسة والبغلة فإنهما لا تطلقان إلا إذا حاضتا بالفعل وقال النساء إنه حيض.
وأما الصغيرة فقد حكى ابن عبد السلام الاتفاق على أنها لا تطلق حتى تحيض بالفعل، قال محمد بن الحسن عند قوله: "أو كلما حضت": قال يعني ابن عبد السلام عن بعضهم هذا في غير اليائسة والصغيرة، يقول لهما أو لإحداهما إذا حاضت فلا خلاف أنها لا تطلق عليه حتى ترى دم الحيض. انتهى. واعترضه ابن عرفة ونصه: قبول ابن عبد السلام قول بعضهم هذا في غير اليائسة والصغيرة. لخ. يرد بما في النوادر عن الواضحة عن ابن الماجشون إذا قال لزوجته ولم
стр. 4464
تحض إذا حضت فأنت طالق طلقت الآن، ولو كانت قعدت عن المحيض لم تطلق إلا أن تحيض يريد ويقول النساء إنه دم حيض. اللخمي: فإن كانت يائسة أو شابة ممن لا ترى حيضا فإنه لا يعجل بالطلاق على كل حال، وقد كتب عليه بعض حذاق الفاسيين: لعله يريد بالشابة التي في سن من تحيض، وأما إن كانت صغيرة في سن من لا تحيض فيعجل لأن الغالب أنها ستحيض. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "أو غالب كإن حضت" أو إذا حضت فأنت طالق فينجز بمجرر قوله لها ذلك تنزيلا للغالب منزلة المحقق، وهذا كله حيث كانت ممن تحيض أو يتوقع حيضها كصغيرة لا آيسة وبغلة إلا إن حاضتا، فيقع عليه الطلاق حيث قال النساء إنه حيض. ذكره. الحطاب وهو يخالف ما يأتي فيما إذا علق الطلاق بما لا يشبه بلوغهما معا إليه وبلغاه من أنه لا يقع عليه كما ذكره بعضهم بحثا ولم أره منقولا. قاله علي الأجهوري. وقول أحمد: إن الصغيرة التي لا ترى الحيض لا ينجز فيها غير ظاهر. انتهى. وصدق في أنه غير ظاهر وإن حكى عليه ابن عبد السلام عن بعضهم الاتفاق. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
والقسم الرابع من النساء معلوم أنه ينجز فيه الطلاق حيث قال أنت طالق إن حضت أعني بالقسم الرابع من بلغت الحيض وحاضت، ولو قال أنت طالق إن لم تحيضي فإن كانت ممن لا تحيض نجز عليه الطلاق، وإن كانت ممن تحيض فإن قيد بأجل قريب فإنه يوقف عنها وإلا فينظر من غير إيقاف. والله سبحانه أعلم. قاله محمد بن الحسن. وفي كلام الخرشي والتوضيح هنا نظر. ابن الحاجب: وإن كان محتملا غالبا مثل إذا حضت أو طهرت تنجز على المشهور كالمحقق، وقال أشهب: لا ينجز، وقال أصبغ: إذا كان على حنث ينجز. انتهى.
قال ابن عبد السلام: المثال الذي ذكره المؤلف أعني إذا حضت أو طهرت مما يعسر تصور القول الثالث فيه. ابن عرفة: والمعلق على غالب الوجود كالحيض في تعجيله وتأخيره إليه نقلا اللخمي مع غير واحد عن المشهور، وأشهب: ثالثها إن كان على حنث، وقول ابن عبد السلام تصوير الثالث في المسألة غير حسن، ويمكن تصويره بقوله إن كلمت فلانا فأنت طالق إن حضت، وقوله إن لم تكلمي فلانا فأنت طالق إن حضت فكلمته في الأولى وتلوم له في الثانية فلم تكلمه، وحكاه اللخمي عن أصبغ. انتهى. وهو حسن. وأما إن لم تحيضي فليس من موضوع المسألة خلافا
стр. 4465
للتوضيح؛ لأن التعليق فيها على أمر نادر لا غالب. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
وفي الشبراخيتي ما نصه: وقد رأيت في الحطاب في اليائسة إذا قال لها إن حضت فأنت طالق لا تطلق عليه إلا أن تحيض ويقول النساء هو حيض. نقله عن الواضحة عن ابن الماجشون. والشابة التي علم عدم حيضها كذلك كذا في الشرح. انقهى. وقال الش عند قوله: "أو غالب كإن حضت": هو مذهب المدونة وهو المشهور كما مر، وقال في المدونة: وإن قال لها إذا حضت أو إن حاضت فلانة وفلانة ممن تحيض فأنت طالق طلقت الآن وتأخذ في العدة وتعتد بطهرها [الذي] (١) هي فيه من عدتها، قال الشيخ أبو الحسن: ولو كانت ممن لا تحيض لكان مطلقا إلى أجل قد يأتي وقد لا يأتي كالطلاق إلى قدوم زيد. انتهى. والله سبحانه أعلم. وانظر إذا قال لحائض يعلم حيضها أو طاهر يعلم طهرها: إذا حضت أو طهرت فأنت طالق، والظاهر من المذهب الحنث لأن الذي يظهر أنه بمنزلة قوله إن كان هذا الحجر حجرا، وما قاله من الحنث ظاهر لأن الأمر دائر بين ما قال وبين أن يريد تجدد ذلك وكل منهما موجب للحنث. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله.
أو محتمل واجب كإن صليت يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على أمر يحتمل أن يوقع وأن لا يوقع وهو واجب، كأن يقول إن صليت فأنت طالق أو أنت طالق إن صليت فإنه ينجز عليه الطلاق، وهذا يتوقف التنجيز فيه على حكم الحاكم كما مر عند قوله: "ونجز إن علق بماض" لخ وينجز عليه الطلاق في المحتمل الواجب ولو كانت كافرة أو صغيرة تنزيلا للوجوب منزلة الوقوع؛ لأن غير المسلمة قادرة على إزالة المانع بالإسلام بناء على الخطاب بفروع الشريعة. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو محتمل واجب كإن صليت". قد علمت أن التنجيز في هذه يتوقف على حكم الحاكم، فلذلك لو قال لها إن صليت اليوم فأنت طالق فمضى اليوم ولم تصل لم يقع عليه طلاق، قال الحطاب عند قوله: أو محتمل واجب كإن صليت" ما نصه: قال ابن الحاجب إلا أن يتحقق المؤجل، قال في التوضيح: مثاله لو قال إن صليت اليوم فأنت طالق فمضى اليوم ولم تصل.
стр. 4466
انتهى. ويفهم من هذا أنه لا ينجز إلا بحكم. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقوله: "كإن صليت" قال الش: سحنون: ولا فرق بين قوله إن صليت أنا أو إن صليت أنت لأنه آت أجل ولا بد من الصلاة. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "كإن صليت" بالحركات الثلاث أو صلى زيد فأنت طالق. انتهى.
أو بما لا يعلم حالا يعني أن الزوج إذا علق الطلاق على أمر لا يعلم حالا ولكنه يعلم مآلا فإنه ينجز عليه الطلاق، ومثل لذلك بقوله: كإن كان في بطنك غلام أي لكونه علق بما لا يعلم حالا إذا قال لها أنت طالق إن كان في بطنك غلام فإنه ينجز عليه الطلاق. ولو ولدت أنثى للشك الحاصل في العصمة بعد التعليق فيقع الطلاق ولا يرتفع بعد وقوعه بولادة أنثى.
أو إن لم يكن يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن لم يكن في بطنك غلام فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق للشك الواقع في العصمة بعد التعليق ولو ولدت ذكرا: لأن الطلاق وقع فلا يرتفع بعد وقوعه بولادة ذكر. والله سبحانه أعلم. والحاصل أنه ينجز عليه الطلاق في الصيغتين ولو علم انتفات المعلق عليه، وهذا فيمن تحقق حملها كما هو مفروض في المدونة، فإن قال لها ذلك والحال أنه لم يتحقق حملها، فإن قاله لها في طهر مسها فيه ولم يعزل عنها فكذلك؛ وإن قاله لها وهي في طهر لم يمسها فيه قال عبد الباقي: أو مسها فيه وعزل عنها فلا حنث عليه إن كانت يمينه علي بر، فإن كانت على حنث كمثاله الثاني فينبغي الحنث. فتأمله مع عموم ظاهر كلامه. انتهى.
وسيأتي لعبد الباقي نفسه عند قول المص: "أو إن كنت حاملا أو إن لم تكوني وحملت على البراءة في طهر لم يمس فيه واختاره مع العزل" أن ما اختاره اللخمي ضعيف؛ لأن الماء قد يسبق. انتهى. والفرق بين تنجيز الطلاق هنا وعدم تنجيزه فيما إذا قال لها أنت طالق إن دخلت الدار ونحوه أن قوله إن دخلت الدار ونحوه يحتمل الوقوع في المستقبل يمكن أن يقع وأن لا يقع؛ والأصل عدم وقوعه بعدم وقوع المعلق عليه، وأما مسألة إن كان في بطنك غلام فالطلاق مشكوك فيه في الحال هل لزم أم لا؟ فالبقاء معها بقاء على فرج مشكوك فيه. والله أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
стр. 4467
وقوله: كإن كان في بطنك غلام أو إن لم يكن فيه" إفادة أنها حامل، وأما إن قال لها إن ولدت جارية فأنت طالق فسيذكر أنه لا يحنث أي لا ينجز عليه وينتظر ولادتها، ولكن سيأتي أن المذهب فيها أيضا التنجيز كما هنا، وكذا سيذكر أنه لا يحنث إن قال إذا حملت فأنت طالق، والفرق بين إن كان في بطنك غلام وإن ولدت جارية على ما ذكر فيها من عدم الحنث أن تعليقه في مسألة المص هنا على غيب لا يعلم حالا وهو الكون في بطنها غلام، بخلاف إن ولدت فإن تعليقه واقع على الولادة والولادة مستقبل محقق وهو لا يحنث بالتعليق به. قاله عبد الباقي.
مسألة: ابن القاسم: ومن قال لامرأته إن ولدت غلاما فلك مائة دينار وإن ولدت جارية فأنت طالق وقع عليه الطلاق، وأما المائة فلا يقضى بها. ابن رشد: معناه أن الحكم يوجب أن يعجل عليه الطلاق؛ لأن الطلاق وقع عليه بنفس اللفظ حتى لو مات أحدهما بعد ذلك لم يتوارثا وهو قول مالك في المدونة، وأما قوله في المائة فإنه حملها محمل العدة والأظهر أن يحكم عليه بها ما لم يمت أو يفلس وأما العِدَةُ فهي أن يقول الرجل إني أفعل وأما إذا قال قد فعلت فهي عطية، فقوله: فلك مائة أشبه بقد فعلت منه بأنا أفعل.
أو في هذه اللوزة قلبان يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق إن كان في هذه اللوزة قلبان، أو أنت طالق إن لم يكن في هذه اللوزة قلبان فإنه ينجز عليه الطلاق وهذا مما لا يعلم حالا ويعلم مئالا، وينجز عليه الطلاق ولو كان فيها قلب في الأولى وقلبان في الثانية وظاهر المص التنجيز ولو غلب على ظنه ما حلف عليه كتحريكها قرب أذنه وكسرها عقب يمينه فرأى فيها ما غلب على ظنه حال حلفه.
أو فلان من أهل الجنة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن كان فلان أو إن لم يكن فلان من أهل الجنة فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، وكذا إن كان أو إن لم يكن فلان من أهل النار فأنت طالق، وكذا الحكم لو قال إن كنت أنا أو أنت من أهل الجنة أو النار فأنت طالق وليس هذا من أمثلة ما لا يعلم حالا ويعلم مئالا، وإنما هو من أمثلة ما لا يعلم حالا ولا مئالا فالأنسب ذكره عقب، قوله: "أو لم يمكن اطلاعنا عليه".
стр. 4468
واعلم أن كلام المص محله فيمن لا يقطع بأنه من أهل الجنة كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وفيمن لم يقطع بأنه من أهل النار كأبي لهب وأبي جهل، فلو قال لها أنت طالق إن كان عبد الله بن سلام من أهل النار لم يطلق عليه؛ لأن رسول الله ﷺ أخبر أنه من أهل الجنة، ومن قال لها أنت طالق إن كان أبو لهب من أهل الجنة لم تطلق عليه، ومثل العشرة رضوان الله عليهم في ذلك من شهد الإجماع بعدالته وصلاحه كعمر بن عبد العزيز ﵀، فإذا قال لها أنت طالق إن لم يكن عمر بن عبد العزيز من أهل الجنة لم تطلق عليه. قاله ابن القاسم. وتوقف فيه الإمام مالك، وقال هو رجل صالح ولم يزد على ذلك، ورجح ابن رشد قول ابن القاسم ولا حنث على من حلف على صحة أحاديث الموطإ، وأما من حلف على صحة جميع ما في الموطإ ففي الحطاب عن البرزلي عن المدارك أن من حلف أن كل ما في الموطإ صحيح غير حانث. انتهى. وهو خلاف ما قال الشيخ محمد بن الحسن إن هذا مما يقطع بعدم صحته، وأنه لا بد من حنثه
لكثرة ما اشتمل عليه الموطأ من المراسيل ومن الفروع الاجتهادية. انتهى. وقوله: هذا لخ أي كونه غير حانث، قاله جامعه عفا الله عنه. وقوله: "أو فلان من أهل الجنة" لا فرق في الحنث في ذلك بين أن يحلف أنه من أحل الجنة أو ليدخلن الجنة ولا تعتبر في ذلك رؤية النبي ﷺ وإخباره بأنه من أهل الجنة أو النار، وإن كانت رؤيته حقا لأن الأحكام الشرعية لا تنبني على المنام؛ وظاهر قوله: "أو فلان من أهل الجنة" ولو قال إن شاء الله، وفي جواز قول الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله وعليه الشافعي والأشعري ومنعه وهو لمالك وأبي حنيفة خلاف، ومحله ما لم يرد التبرك وإلا جاز قطعا أو الشك وإلا منع قطعا، ونظم الشيخ علي الأجهوري هذه المسألة فقال:
من قال إني مؤمن يمنع من … مقاله إن شاء ربي يا فطن
وذا لمالك وبعض تابعيه … يوجب أن يذكر هذا يا نبيه
ونحو ما لمالك للحنفي … والشافعي جوز هذا فاعرف
ومنعه إجماعا إن أراد به … الشك في إيمانه يا منتبه
كعدم المنع إذا به يراد … تبرك بذكر خالق العباد
فالخلف حيث لم يرد شكا ولا … تبركا فكن بذا محتفلا
стр. 4469
وقوله: وبعض تابعيه أشار به إلى قول ابن عبدوس: يجب تقييده بإن شاء الله والله تعالى أعلم. انظر الأجهوري. وقوله: "أو فلان من أهل الجنة" ابن رشد: لا يخلو الحالف على هذا من أن يريد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار فتعجيل الطلاق عليه بَيِّنٌ ظاهر، ولا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه، وأم أن يريد أنه من الذين لا يخلدون فالمعنى في يمينه أنه لا يكفر بعد إيمانه فالحالف على هذا حالف على ما أقر به من الثبوت على الإسلام، فهذا بين أنه لا شيء عليه لأنه إنما حلف على أن لا يكفر فلا ينبغي أن يختلف في هذا الوجه أيضا، وأما إن لم تكن له نية فالظاهر من مذهب ملك وابن القاسم أن يمينه على الوجه الأول، فيعجل عليه الطلاق ويحمل قوله إن لم أدخل الجنة على الوجه الثاني فلا يكون عليه شيء. انتهى.
وحلف بالطلاق رجل أن الحجاج في النار فاستفتى طاووس، فقال يغفر الله لمن يشاء وما أظنها إلا طلقت، فاستفتى الحسن البصري فقال اذهب إلى زوجتك وكن معها فإن لم يكن الحجاج في النار فلا يضرُّ كما أنكما في الحرام، واستظهر الحطاب عدم حنث من حلف أن سورة الملك تجادل عنه، وقد لازمها (لصحة الحديث (١)) انتهى.
ومن حلف بالطلاق لا يموت إلا على الإسلام اتكالا على كرم الكريم، فإن كان مراده أنه لا ينتقل من إيمانه فهذا بين أنه لا شيء عليه، وإن قصد حسن الخاتمة ودخول الجنة جرى على مسألة من حلف أنه من أهل الجنة والمشهور الحنث، وقيل لا حنث، وقوله: "الجنة" اعلم أن الجنة لغة البستان وجمعها جنان سمي بذلك لأنه يجن أي يواري، وفي الشرع هي الدار المشتملة على نعيم المؤمنين في الآخرة قال الثعالبي ﵀: قد وصف الله الجنان، في كتابه وصفا يقوم مقام العيان، لمن نور الله قلبه بالإيمان، وأكثر ذلك في الطور والدخان، وسورة الواقعة والرحمن، وهل أتيك حديث الغاشية وسورة الإنسان، وبين ذلك سيدنا محمد ﷺ بأوضح بيان، فلنذكر من ذلك ما تيسر من الأحاديث الصحيحة والحسان، وما يقرب من ذلك مما أورده السلف الصالح أهل العرفان.
قال المحاسبي رحمه الله تعالى: فإن كنت ممن عفا عنك مولاك فتوهم نفسك ومرورك على الصراط ونورك يسعى بين يديك وكتابك في يمينك وقد ابيض وجهك وأنت مع زمرة الفائزين،
стр. 4470
وأنت تنادي معهم ربنا أتمم لنا نورنا فتوهم ممرك عليه على قدر خفة أوزارك، حتى إذا جزته وخلفته وراء ظهرك التفَتَّ إليه ونظرت وقد اشتد اضطرابه والخلائق من فوقه وجهنم من تحته تثب وتزفر على من زل فيها فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ما نجاك الله سبحانه منه، ثم خطوت آمنا إلى الجنة وقد ملئت سرورا إذا وافيت الجنة بغبار قبرك فنظرت إلى العينين اللتين أعدهما الله تعالى لأوليائه فاغتسلت في إحداهما فوجدت بردا أذهب عنك كرب حر المقام، فتوهم فرحة قلبك لما باشر من برد مائها بدنك وجسمك ازداد بهجة ونضرة ونعيما ثم تخرج منها في أحسن صورة وأتم نور وأنت موقن بأنك إنما تنظر الدخول إلى جوار ربك الكريم الرحيم، ثم شربت من العين الأخرى فتطهر جوفك من كل غل وحسد فنقي ووجدت طعم شراب لم تجد مثله قط فطار قلبك فرحا وسرورا لما وجدت من لذته ووجدت لذة طهارة قلبك من الغل والهم والحزن؛ ثم أمر مولانا سبحانه الخزنة أن يفتحوا أبواب الجنان لأوليائه فلما فتحت أبوابها فاح منها طيب نسيم الجنان من أنواع الزعفران والكافور والسك والعنبر فنظرت إلى حسن قصورها وحسن بنائها بطرائف الزمرد والياقوت والدر والزبرجد.
فتوهم نفسك وأنت في هذه الحالة وقد سلمت عليك الخزنة وهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فتوهم نفسك حسن كلامهم وحسن تسليمهم فلما سمعت ذلك كاد قلبك أن يطير فرحا وقد ازدحمت علي باب الجنة مسرورا مع مسرورين مبادرا مع مبادرين بأبدان قد طهرت ووجوه قد أشرقت فبينما أنت تتخطى في أعراض الجنان ورياض الغفران وكثبان المسك إذ نودي في أزواجك وخدمك وولدانك وقهارمتك وغلمانك ألا إن فلانا قد أقبل فأجلبوا وتبششوا لقدومك قد استحق أزواجك العجلة فبعثت كل واحدة منهن رسولا لينظر إليك ويسرع الرجعة إليها، فلما أخبرها بقدومك قالت لرسولها أنت رأيته لشدة فرحها بك وقد كاد الشوق أن يستخفها فتخرج إليك لولا أنهن قصرن في الخيام كما قال الله ﵎: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن وأشرفن برؤوسهن متطلعات ينظرن صفحة وجهك أن يبدو لهن، فبينما أنت تمشي في كثبان المسك ورياض الزعفران وأنت تنظر إلى قصورك ومنازلك إذ استقبلك بعض قهارمتك فأعظمت شأنه وظننت أنه من ملئكة ربك فقال لك: يا ولي الله أنا من قهارمتك ولك مثلي سبعون ألفا ثم أقبلت عليك قهارمتك بالتسليم والتعظيم ثم اتبعتهم
стр. 4471
الوصفان والخدم كأنهن اللؤلؤ المكنون فسلموا عليك ثم أقبل بين يديك قهارمتك وخدمك يزفونك إلى قصرك وما أعد الله لك فلما دخلت قصرك وثبن أزواجك مستعجلات قد استخفهن الطرب والشوق إلى رؤيتك فيا حسن تلك الأبدان الرخمة والشكل العجيب والوجوه الناعمة يرفلن في الحلى والحلل.
فتوهم نفسك بجمالها مسرعة إليك بكمال بدنها نازلة عن سريرها إلى صحن قبتها قد امتلأت بقدومك فرحا وسرورا وقد هاج شوقك حين عاينت تلك الوجوه في كمال تلك الأبدان ونعمة تلك الأجسام فبقيت كالمبهوت وقد أقبلن نحوك يزهين في السندس والحرير شوقا إلى لقائك بأبدان قد خلقت من المسك والكافور، فلما وضعت يدها مسلمة عليك وجدت لين مجسة كفها فكاد عقلك أن يزول فرحا ثم مضيت إليها وضمتك إلى جسمها الرخيم ثم عانقتك فعرفت أثر السرور ثم تتابعن عليك بمثل ذلك وأحدقن بك فتكامل السرور في قلبك وعمت لذة الفرح جميع بدنك وذكرت عند ذلك صدق موعد ربك فناديت بالحمد لمولاك، وقلت الحمد لله الذي صدقنا وعده قال الله سبحانه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ثم نظرت إلى سريرك وارتفاعه وعليه فرش الحرير وبطائنها من إستبرق وقد علا ظواهرها النور وحسن الرفرف، ونظرت إلى حسن الحجلة فوق السرير إذا دنوتما منها تطأطأت لكما حتى إذا استويتما عليها رجعت إلى ارتفاعها فيا حسن منظرك إليها جالسة معك في حليها وحللها الأسورة في معاصمها والخواتم في أصابعها والخلاليل في ساقيها والوشاح على نهديها والقلائد في عنقها والإكليل من أنواع الجواهر على قصتها والتاج من فوق ذلك على رأسها والذوائب من تحت التاج قد خللن مناكبها وصارت إلى أردافها وأنت مقابلها ترى وجهك في نحرها وهي تنظر وجهها في نحرك وقد أحدق الولدان بقبتك وقام الوصفان بين يديك وقد تهدلت ثمار الأشجار من جوانب حجلتك واطردت الأنهار حول قصرك وجرت الجداول بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل في خيمتك وقد كمل حسنها مع حسنك وقد أشرق قصرك من نور وجهها وأنت تعاين من صفاء قصورك جميع أزواجك وخدمك وكل دانية وطربة في مقاصيرك ودورك وأنت جالس مع زوجتك وقد أرخيت عليك حجال خيمتك وسمعت صوت
стр. 4472
ولدانك بالتقديس لربك سبحانه وقد اطلعوا على ضمير قلبك فسارعوا إلى ما حدثتك به نفسك من أنواع ودك وكرامتك.
فأتوك بأمنيتك وقد تعاطيتما الخمر والسلسبيل والتسنيم في كؤس القوارير قوارير من فضة فما ظنك بك وأنت شاب أمرد قد أكمل خلقك ونور وجهك وأنت أخضر الثياب أصفر الحلى من ذهب الجنان يشوبه حمرة الياقوت وبياض الدر فأتتك عروس طفلة في جمال وجه وكمال تنظر إليك بغنج الحور وتكلمك بالملاحة وتلاعبك بالدلال بيدها كأس من در لا ظل له أو ياقوت وقد اجتمع في الكأس نور الشراب ونور وجهها مع نور وجهك فتوهم إلى هذه الأنواع في صفاء الكأس فمدت إليك يديها في أحسن تعاطيها كأسات الخمور في دار الأمن والسرور والولدان بين أيديكما تمر عليكما في ذلك حقب الدهور وما تشعران اشتغالا من قلوبكما بالنعيم الذي أنتما فيه.
فبينما أنتما فيه إذ هجمت عليكما الملائكة بالتحف من ربكما الكريم سبحانه فيستأذفون عليك حجبتك وقهارمتك فدخلوا عليك وأنت متكئ على أرائكك من كل باب سلام عليك يا ولي الله ربك سبحانه يقرئك السلام وقد أرسل إليك بهذه الهدايا والتحف فتوهم سرور قلبك وقد جاءتك التحف من ربك سبحانه وأنت مع زوجاتك إذا سمعت صوتا بأحسن نغمة وأحلى كلام من بعض أزواجك التي أعدهن الله لك يا ولي الله، أما لنافيك من دولة أمالك أن تنظر إلينا فتجيبها حين وقع الصوت في مسامعك بحسن نغمتها من أنت بارك الله فيك فردت الجواب عليك أنا من اللواتي قال الله تعالى فيهن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فوثبت إليها على سريرك والولدان بين يديك حتى أتيتها في قبتها وقد استخفها الشوق إليك حتى استقبلتك بالترحيب والتبجيل وصافحتك بالتعنيق والتقبيل فرأيت لين كفها وتلألؤ النور في عوارضها ونعيم جسمها وقد عانقتك على فراشها فمضت بكما الأزمنة لا تملك ولا تملها، فتوهم نفسك وقد وضعت الموائد وأتيتما بأنواع الطرائف من الثمار ثم أقبلت الولدان بالكؤوس والأكواب فأدرتموها سكبا فبينما أنت كذلك على ذلك الحال إذ نادتك أخرى من قصرها: يا ولي الله أما لنا فيك من دولة فتجيبها أنت ومن أنت بارك الله فيك فردت عليك أنا من اللواتي قال الله تعالى فيهن: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ فترحلت وأنت تنتقل بين أزواجك وفي قصورك وخدمك وولدانك في غاية
стр. 4473
النعيم وقد زالت عنك الهموم فلا تخطر بقلبك وقد أمنت الموت فلا تخافه وأمنت السقم واطمأن بك المنزل فلا تشخص عنه أبدا.
فأعظمْ بدار الله دارا وبجوار الله جوارا العرش يظلك والملائكة تختلف عليد بالهدايا من ربك سبحانه في حياة دائمة وسلامة راتبة، فتوهم نفسك وأنت جالس في ظل طوبى تتحدث مع أولياء الله سبحانه إذ نادى مناد يا أولياء الله إن الله يأمركم أن تزوروه فزوروه ثم أقبلت الملائكة يقودون نجائب من الياقوت مزمومة بسلاسل الذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا نجبا من غير رياضة ذللا من غير صعوبة فركبوها مسرعين إلى زيارة مولاهم وخالقهم فتوهم نفسك وأنت راكب تسير معهم في كثبان المسك ورياض الزعفران صفا واحدا معتدلا موكبا لا عوج فيه فأعظم به من موكب لا يتقدم بعضه بعضا على رءوسهم التيجان الزهرة على الوجوه النضرة، فلو توهمت ذلك على حقيقته وزهقت نفسك لكنت بذلك حقيقا فتوهم تلك النجائب وهي تثير بأخفافها المسك وقد دنت منهم الأشجار بثمارها وهي في أكفهم وهم يسيرون على نجائبهم وقد تعلقت قلوبهم بسيدهم والملائكة تزفهم زمرا إلى ربهم حتى ينتهوا بهم إلى صفحة العرش وقد وضعت لهم الزرابي والنمارق والمنابر والكراسي، فأعظم به من منزل كريم وفضل عظيم من رب رحيم.
فلما أخذوا مجالسهم واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعدهم الله به في القرب منه سبحانه على قدر منازلهم عنده فتوهم نفسك بقلب فارغ وعقل جامع لعلك أن تنال تلك الرحمة وتوهم الزور وقد وضعت لهم الموائد وقامت الملائكة على رءوسهم فوضعت الصحائف (١) من الذهب فيها ألوان الأطعمة فمدوا أيديهم وأكلوا فرحين مستبشرين حتى إذا فرغوا من أكلهم قال الجليل ﷻ لملائكته: اسقوا عبادي وأولياءي فيسقون من الرحيق شاع نوره في وجوههم ثم يقول ﷻ : اكسوا عبادي وأحباءي فتأتيهم الملائكة بأنواع الحلل فيلبسونها ثم يقول لهم ﷻ : طيبوا عبادي وأصفياءي فترتفع عليهم سحائب تنشر عليهم المسك فإذا أكلوا وشربوا ولبسوا وتطيبوا تعلقت قلوبهم برؤية ربهم سبحانه فيرونه عيانا من غير تكييف ولا تشبيه ويكلمهم ويقول لهم: السلام عليكم يا عبادي كيف وجدتم وعدي؟ فيردون عليه: أنت السلام ومنك السلام ولك حق
стр. 4474
الجلال والإكرام ثم يقول لهم: مرحبا بكم يا عبادي وزواري وخيرتي من خلقي الذين رعوا عهدي وحفظوا وصيتي وخافوني بالغيب وراقبوني فتمنوا يا عبادي ما شئتم فلو رأيتهم وقد سمعوا كلام ربهم وقد دخل قلوبهم السرور وقد بلغوا غاية الكرامة ومنتهى الرضى والغبطة، فما ظنك بنظرهم إلى العزيز العظيم الذي لا تقع عليه الأوهام ولا تحيط به الأفهام ولا تحده القصور ولا تكيفه الفكر، الأزلي القديم الذي حارت العقول عن إدراكه وكلت الألسن عن صفاته المتعالي بجلاله عن سمات المخلوقين، فلما سر أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه ونعم قلوبهم بمناجاته أذن لهم بالانصراف إلى منازلهم وما أعد الله لهم من كرامته والنعيم في جنته، فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله وسمعت كلامه كيف أضعف حسنها وزاد في جمالها ونورها فلما رجعوا إلى منازلهم وأزواجهم وقد ازداد بعضهم في أعين بعض حسنا وجمالا ورجعوا إلى نعيمهم ولذاتهم واشتاق بعضهم بعضا فركب بعضهم إلى بعض وتزاوروا على النجائب والتقوا على أنهار الجنان وعليها الثمار والحسان والزرابي والأرجوان، فجلسوا علي السرر وقامت الولدان بكؤوس الأكواب يغرفون من أنهار الخمر والسلسبيل والتسنيم فأعظم به من مجلس وأكرم بهم من منادمين في ظل طوبي يأكلون ويشربون ويتنعمون كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ فهم في الجنة منعمين تلك أجر العاملين وسرور المحزونين وثواب المتقين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين ورسول رب العالين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى كلام المحاسبي رحمه الله تعالى. انتهى كلام الثعالبي رحمه الله تعالى.
وقال الثعالبي ﵀: قلت: قال الحليمي: الجنة فوق السماوات دون العرش هي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء جعلنا الله من أهلها بفضله، وروى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تتشقق الأنهار بعد ذلك (١)) وهو حديث حسن صحيح. انتهى. وروى العقيلي عن النبي ﷺ أنه قال: (أنهار الجنة تخرج من تحت قلال أو جبال مسك (٢)). انتهى. وفي الحديث: (أنهار الجنة تجري على غير أخدود) أي تجري في غير حفير. ونقل الثعالبي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن
стр. 4475
تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) وروى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء ولا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين (٢)). انتهى. وروى الترمذي الحكيم عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، وقوله ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾؛ قال: الغرفة من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها قصر ولا وصل وإن أهل الجنة ليتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب المشرقي أو المغربي في السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما. انتهى. وروى أبو نعيم في الحلية عنه ﷺ أنه قال: (ما من ملب يلبي إلا لبي عن يمينه وشماله من حجر ومدر أو شجر حتى تنقطع الأرض من ها هنا ومن ها هنا (٣))، (وإن أهل الدرجات العُلَى ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب في السماء (٤)). انتهى. وروى الترمذي الحكيم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن المتحابين في الله لعلى عمود من ياقوتة حمراء في رأسه سبعون ألف غرفة يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس أهل الدنيا يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا حتى ننظرَ إلى المتحابين في الله ، فإذا أشرفوا عليهم أضاء حسنهم أهل الجنة عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله (٥))، وروى الشيخان عن رسول الله ﷺ أنه قال: (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل لا يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن (٦))، وروى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 4476
(إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء (١)).
وروى أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؛ قال: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام (٢)). انتهى وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله علطه وسلم قال: (ألا أخبركم بغرف الجنة؟ إن في الجنة غرفا من ألوان الجواهر) وعند الغزالي: (من أصناف الجواهر يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والثواب والكرامات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت)، وعند الغزالي: (فيها من النعيم واللذات والسرور)؛ فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله لمن تلك الغرف؟ فقال: (لمن أفشى السلام وأدام الصيام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام) فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ فقال (أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه المسلم فسلم عليه فقد أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام؛ ومن صلى العشاء الأخيرة وصلاة الغداة فقد صلى والناس نيام، اليهود والنصارى والمجوس (٣)).
وفي صحيح مسلم في حديث الإسراء قال: (ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك (٤)) قال ابن الأعرابي: الجنابذ قباب اللؤلؤ وهي جمع جنبذة. قاله الثعالبي. ونقل عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الجنة لغرفا ليس لها معاليق من فوقها ولا من تحتها، قيل يا رسول الله: وكيف يدخلها أهلها؟ قال يدخلونها أشباه الطير، قيل لمن هي يا رسول الله؟ قال لأهل الأسقام والأوجاع والبلوى (٥)) ونقل أيضا أن رسول الله ﷺ وقد سئل كم للجنة من درجة (أنه قال: مائة درجة بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أول درجة منها دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومعاليقها من فضة، والدرجة الثانية دورها وبيوتها وأبوابها
стр. 4477
وسررها ومعاليقها من ذهب، والدرجة الثالثة دورها وبيوتها وأبوابها وسررها ومعاليقها من ياقوت ولؤلؤ وزبرجد، وسبع وتسعون لا يعلم ما هي إلا الله سبحانه (١)).
ونقل عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (درج الجنة على عدد آي القرآن لكل آية درجة فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة عشرآية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض، فينتهي بها إلى أعلى عليين لها سبعون ألف ركن وهي ياقوتة تضيء مسيرة أيام وليالي (٢))، وقالت عائشة ﵂ إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، فليس أحد دخل الجنة أفضل من قراء القرآن قال القرطبي: قال العلماء رحمة الله عليهم: حملة القرآن وقراؤهم العاملون به الواقفون على حدوده. نقله الثعالبي.
وقال: إن الجهاد يحصل مائة درجة، وقراءة القرآن تحصل جميع الدرجات، وقال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾، قال ﷺ (إنها قصر في الجنة من لؤلؤ في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور المعين، وفي كل بيت مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة ويعطي الله ﵎ المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك أجمع). نقله الإمام الثعالبي.
ونقل أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: (يبعث أهل الجنة على صورة آدم ثلاثة وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين، ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم (٣)) وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أول زمرة من أمتي يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم المذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين وفي رواية: لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله
стр. 4478
بكرة وعشيا والألوة العود، وفي رواية: أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم وفي رواية على صورة أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعا في السماء (١) وقوله لكل واحد زوجتان يعني من الآدميات وأما الحور غير الآدميات فكثيرات، قال القرطبي: روي مرفوعا أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، وروى الترمذي عنه ﷺ أنه قال: (إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها (٢)) وروى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم (٣))، وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو لو أن امرأة اطلعت سوارها لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف الصورة؟ وروى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة لمجتمعا للحور المعين يرفعن بأصواتهن لم يسمع الخلائق مثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبئس ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له (٤))، وقالت عائشة ﵂: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن ونحن الصائمات وما صمتن ونحن المتوضآت وما توضأتن ونحن المتصدقات وما تصدقتن، قالت عائشة: فغلبنهن والله.
القرطبي: ذكر أن الآدميات في الجنة على سن واحد، وأما الحور فعلى أصناف مصنفة صغار وكبار وعلى ما اشتهت أنفس أهل الجنة، وروى البخاري عن النبي ﷺ : (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع سوطه خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا ولنصيفها على رأسها -يعني خمارها- خير من الدنيا وما فيها (٥) وقال الغزالي في الإحياء: إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء وأربعة آلاف بكر وثمانية
стр. 4479
آلاف ثيب، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا، وقال ﷺ : (ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه من الحور العين ثنتان تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس، ليس بمزمار الشيطان ولكن بتحميد الله وتقديسه (١)).
وحدث سفيان عن عبد الله بن مسعود قال: يقتحم على أهل الجنة نور من قبائهم يكاد يخطف نور أبصارهم فنظروا فإذا نور من حوراء ضحكت في وجه وليها، وروى الترمذي الحكيم أن النبي ﷺ ، قال: ما من عبد يصوم ويصلي يوما من رمضان إلا زوج زوجة من الحور المعين في خيمة من درة مجوفة مما نعت الله حور مقصورات في الخيام على كل امرأة سبعون حلة ليس منها حلة على لون أخرى، وتعطى سبعين لونا من الطيب ليس منها لون على ريح الأخرى لكل امرأة منهن سبعون سريرا من ياقوتة حمراء مرشح بالدر والياقوت على كل سرير سبعون فراشا على كل فراش أريكة، لكل امرأة منهن سبعين ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف مع كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون من طعام تجد لآخر لقمة لذة لم تجد لأوله ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر عليه سواران من ذهب مرشح بياقوت أحمر هذا بكل يوم صامه من شهر رمضان سوى ما عمل من الحسنات (٢)) وروي أن رسول الله ﷺ سئل عن الحور العين من أي شيء خلقن؟ فقال: (من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك وأوسطهن من العنبر وأعلاهن من الكافور وحواجبهن سواء خط في نور (٣))، وروى أبو الليث السمرقندي عن ابن عباس ﵄ قال: إن في الجنة حوراء يقال لها لعبة لو بزقت في البحر لعذب ماء البحر، مكتوب على نحرها: من أراد أن يكون له متلي فليعمل بطاعة ربي، وروى الدارمي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوات (٤))، وروى البزار في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ قال: (إي والذي نفسي بيده
стр. 4480
إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء (١))، وقال ﷺ : (أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا (٢))، وقال ﷺ : (إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين)، قال الثعالبي: قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كعب إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.
وروى الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك (٣))، وخرجه ابن ماجه أيضا: وروي أن رسول الله ﷺ ، قال: الجنة بيضاء تتلألأ وأهلها بيض لا ينام أهلها وليس فيها شمس ولا ليل مظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم؛ وروى عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله في الجنة ليل؟ فقال إنه ليس في الجنة ظلمة لأن الليل ظلمة: وليس في الجنة ظلمة إن شجرها نور ونوارها نور وثمارها نور وخدمها نور، وقال ابن رشد: يروى أنه يغدى على (٤) أهل الجنة منزلة كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ويراح عليه بمثلها، وقد قال رسول الله ﷺ مما يحكيه عن ربه : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (٥))، وقد روى الدارقطني عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ (قال: لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها.
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله ضنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء
стр. 4481
ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس (١))، وجاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم أتزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: (إي والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة)، قال الرجل: فإن الذي يأكل تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى؟ فقال النبي ﷺ : (حاجة أحدهم رشح يفيض من جلده، فإذا بطنه قد ضمر (٢))، (وسئل ﷺ ما الكوثر؟ قال: (ذلك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر)، قال عمر ﵁: إن هذه لناعمة، قال رسول الله ﷺ : (أكلتها أنعم منها (٣))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وروي البزار في مسنده عن ابن مسعود ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء مشويا بين يديك، وقال ﷺ : ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب. رواه الترمذي، وروى ابن المبارك عن أبي هريرة ﵁ قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عن ما شاء فتفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما يشاء، وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء وعن النجائب والثياب، وروى أبو بكر بن الخطيب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة شجرة يخرج من أعلاها الحلل ومن أسفلها الخيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة بالدر والياقوت ما تروث ولا تبول ذوات أجنحة فيجلس عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاءوا فيقول الذين أسفل منهم: يا أهل الجنة ناصفونا يا رب ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة؟ فقال الله تعالى: إنهم كانوا يصومون وكنتم تفطرون وكانوا يقومون وأنتم تنامون وكانوا ينفقون وأنتم تبخلون وكانوا يجاهدون العدو وكنتم تجبنون.
стр. 4482
ونقل الثعلبي (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو، وقال ﷺ : (إن ثياب الجنة تتشقق عنها ثمار الجنة)، وروى ابن المبارك عن ابن عباس ﵄ قال: (نخيل الجنة جذعها زمرذ أخضر حلم وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم) وروى ابن وهب عن ابن زيد قال: قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من نخل فإني أحب النخل؟ قال: (إي والذي نفسي بيده لها جذوع من ذهب وجريد من ذهب وسعف كأحسن حلل يراها الرجل من العالمين وعراجين من ذهب وشماريخ من ذهب وأقماع من ذهب وثمار كالقلل ألين من الزبد وأحلى حلاوة من العسل (٢))، وذكر أبو الفرج الجوزي عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ عن النبي ﷺ أنه أخذ عودا بيده، فقال: (يا جرير لو طلبت مثل هذا في الجنة لم تجده، قال: فقلت فأين النخل والشجر؟ قال: (أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها التمر (٣))، وروى ابن المبارك أن رسول الله ﷺ قال: (من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم يؤتون يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله (٤)).
وروى مسلم والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (سأل موسى ﵇ ربه فقال: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة فيقول له ادخل الجنة؟ فيقول له أي رب كيف أدخل وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول رضيت رب، فيقول له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول له: هذا لك وعشرة أمثاله ولك مع ذلك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك
стр. 4483
الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، ومصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١)).
وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وكان الحسن البصرى يذكر عن رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي يركب في ألف ألف من خدمه من الولدان المخلدين على خيل من ياقوت أحمر لها أجنحة من ذهب إذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (٣))، وروى الترمذي أنه ﷺ قال: (إن أدنى أهل الجنة منزلة الذين لهم ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء (٤)).
وروى البخاري ومسلم (أن رسول الله ﷺ قال: إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجَنَّةَ ﴿رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة﴾ (٥) فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله اذهب فادخل الجنة فإن لك فيها مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا قال فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة (٦) وقال تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ قال ابن عباس ﵄: أول ما يدخل الجنة تعرض لهم عينان فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله تعالى ما في
стр. 4484
قلوبهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم.
وقال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسلون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث أشعارهم أبدا ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطنهم من الأذى؛ ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروى القرطبي عن علي ﵁: أنه قال سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، ما هؤلاء الوفد؟ قال (يحشرون ركبانا ثم قال: والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم ركبوا نوقا عليها رحائل المذهب مرصعة بأنواع الجواهر فتسير إلى باب الجنة. قال: وعند باب الجنة شجرة ينبع من أصولها عينان فيشربون من إحدى تلك العينين؛ فإذا بلغ الشراب الصدور أخرج الله كل ما في قلوبهم من غل، فإذا بلغ الشراب البطن طهرهم الله من دنس الدنيا وقذرها فذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾.
قال: ثم يغتسلون من العين الأخرى فلا تشعث رؤوسهم ولا تتغير ألوانهم، قال: ثم يضربون حلق أبواب الجنة فلو سمع الخلائق طنين الأبواب لافتتنوا فيبادر رضوان فيفتح لهم فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين، فيقول لهم: يا أولياء الله أنا قيمكم الذي توكلت بكم وبمنازلكم، فينطلق بهم إلى قصور من فضة شرفاتها من ذهب يرى ظاهرها من باطنها من النور والرقة والحسن، قال: فيقول أولياء الله عند ذلك: يا رضوان لمن هذا؟ فيقول: هذا لكم، فقال رسول الله ﷺ : فلولا أن الموت رفع عن أهل الجنة لمات أكثرهم، قال: ثم يريد أحدهم أن يدخل قصره، فيقول رضوان: اتبعني حتى أريك ما أعد الله لك فيمر به فيريه قصورا وخيما وما أعد الله له، قال: ثم يأتي به إلى غرفة من ياقوتة من أسفلها إلى أعلاها مائة ذراع قد لونت بجميع الألوان على جنادل الدر والياقوت، وفي الغرفة سرير طوله فرسخ وعرضه مثل ذلك عليه من الفرش كقدر خمسين غرفة بعضها فوق بعض، قال رسول الله ﷺ : فذلك قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ وهي من نور والسرير من نور وعلى رأس ولي الله تاج له
стр. 4485
سبعون ركنا في كل ركن سبعون ياقوتة تضيء وقد رد الله وجهه كالبدر وعليه طوق ووشاح يتلألأ من نور وقد سور بثلاثة أساورة، سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ، فذلك قوله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
وقوله في رضوان: فينظرون إلى حسن وجهه فيخرون ساجدين يريد سجود تحية كما حكى سبحانه في قصة إخوة يوسف، وكسجود الملائكة لآدم أو يكون سجودهم لله الذي خلق هذا الوجه الحسن وجعله متوكلا بالجنة وأهلها فهو من أكبر النعم، وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ روى يحيى بن سلام بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: دار المؤمنين من درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ ولي الله بأصبعيه سبعين حلة منظمة باللؤلؤ والمرجان؛ وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بلغني أن ولي الله يلبس حلة ذات وجهين يتجاوبان بصوت، يقول الذي يلي وجهه، أنا أكرم على ولي الله منك أنا أرى وجهه وأنت محجوب، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، قال الهروي: قال أحمد بن يحيى: الأريكة السرير في الحجلة ولا يسمى منفردا أريكة، وسمعت الأزهري يقول: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة. نقله الإمام الثعالبي.
الجوهري: الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور. القرطبي: روى عن النبي ﷺ أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليزوج في شهر واحد ألف حوراء يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله كلما أتاها وجدها بكرا وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون منهما مني: وقال تعلى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
روى الترمذي بسنده أن رجلا سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على ذلك؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله ﷺ : ليس هنالك ليل لنا هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا