ورفع حيضة استبراء. والشأن النساء يعني أن المواضعة لا تكون إلا عند من يؤمن من رجال أو نساء كما عرفت، ولكن الشأن أي المستحب أن توضع عند النساء، فتوضع عند امرأة مأمونة، ويجوز أن توضع على يد رجل إذا كان مأمونا وله أهل، ولا يجوز أن تكون على يد رجل غير مأمون كان له أهل أم لا، واختلف إذا كان مأمونا لا أهل له، فأجاز ذلك في كتاب محمد على كراهة، ومنعه أصبغ وهو أصوب. انتهى من اللخمي. قاله الحطاب. قال مقيده عفا الله عنه: وفهم من قول المص عند من يؤمن أنها لا توضع عند امرأة غير مأمونة. وقال الشبراخيتي مفسرا للمص: والشأن أي المستحب أو المطلوب أو السنة القديمة التي يؤمر بها عند أهل المذهب على جهة الاستحباب. انتهى.
وإذا رضيا بغيرهما فليس لأحدهما الانتقال؛ يعني أن البائع والمشتري إذا رضيا بأن توضع الأمة زمن مواضعتها عند غيرهما فإنه لا يجوز لأحدهما أن ينقلها عمن وضعت عنده بغير إذن صاحبه، وأما إن رضيا معا بنقلها من عنده فلهما ذلك، والقول للبائع فيمن توضع عنده حيث عين المشتري غيره؛ لأن الضمان منه لا من المشتري، وقوله فليس لأحدهما الانتقال؛ أي إلا لوجه كما قيد به ابن المواز، قال الشارح: أي إذا رضي المتبايعان أن يضعا الجارية على يد أجنبي فليس لأحدهما أن ينقلها عنه؛ قال في الموازية: إلا أن يرى لذلك وجه وينبغي أن يقيد كلامه هنا بمثل ذلك. انتهى.
ونهيا عن أحدهما يعني أن البائع والمشتري نهيا من جهة الشرع عن جعل الأمة زمن مواضعتها في حوز أحدهما، نهي كراهة إن كانا مأمونين. ونهي منع إن كانا غير مأمونين، وإنما نهيا خوف تساهل المشتري في إصابتها قبل الاستبراء نظرا لعقد البيع، أو البائع نظرا لأنها في ضمانه، المازري: وإن وضعاها عند أحدهما فمن أراد الانتقال أجيب إليه. قاله الشارح. وقال الحطاب: وأما إذا كانت في يد أحدهما فله الانتقال. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما إذا رضيا بأحدهما فلكل منهما الانتقال. قاله المازري:
وهل يكتفي بواحدة؟ أتى بصيغة السؤال المشعرة بوجود الخلاف، وأجاب بقوله: قال الإمام المازري: يخرج أي يقاس الخلاف في الاكتفاء بقول امرأة واحدة: إن الأمة المذكورة قد حاضت على الخلاف المذكور في الترجمان؛ أي المبلغ عن الحاكم هل يكتفى فيه بواحد؟ وعليه اقتصر
стр. 4867
المص في باب القضاء، حيث قال: "والمترجم مخبر". انتهى. أو لابد فيه من اثنين لأنهما شاهدان بين الناس والحاكم، وهو المذهب في المترجم، خلافا لما يأتي في المص، والمذهب هنا أي في المواضعة الاكتفاء بواحدة، فلو قال: وكفت واحدة، لكان أحسن. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال اللخمي: المواضعة تجوز على يُدِيِّ أهل الأمانة من النساء، والمرأة الواحدة تجزئ في الائتمان عليها، ويختلف هل يقبل قولها: إنهَا حاضت؟ فالمشهور من المذهب أن ذلك يجزئ. انتهى والله أعلم. انتهى.
وقال بناني: مقتضى المص أن التخريج للمازري من عنده، والذي في المواق عن ابن عرفة: وأجراه التونسي وابن محرز على الخلاف في القائف (١) والترجمان. انتهى. ولا شك أنهما قبل المازري. والترجمان بالفتح ثم الضم كريهقان وكجلجلان وزعفران. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: وهل يكتفى عن خبر حيضها أو عدمه بواحدة؟ ولا فرق فيها بين أن تكون هي الأمينة أو مخبرة للأمين، وبه قال ابن الكاتب وابن عبد الرحمن واللخمي وهو المشهور، أو لابد من اثنتين، وهو قول أبي موسى بن مناس، وكان ينبغي للمص أن يجزم بالمشهور هنا، فيقول وتكفي واحدة. والترجمان هو الذي يفسر لغة بلغه. انتهى. والخلاف المذكور مبني على أن ذلك من باب الشهادة أو من باب الخبر.
ولا مواضعة في متزوجة؛ يعني أن الأمة المتزوجة إذا اشتراها غير زوجها فإنه لا مواضعة فيها سواء كانت مدخولا بها أم لا. وحامل؛ يعني أن الأمة الحامل من غير سيدها لا مواضعة فيها إذا اشتريت بل تستبرأ بوضع الحمل فقط، ومعتدة؛ يعني أن الأمة المعتدة من وفاة أو طلاق إذا اشتريت لا مواضعة فيها. وقوله: ومعتدة: فإن كانت معتدة من طلاق ولم ترتفع حيضتها أو ارتفعت لرضاع فلابد بعده من حيضها للعدة فلا معنى للاستبراء أو المواضعة مع العدة [لدخولها] (٢) فيها، فهي تغني عنهما، فإن ارتفعت لغير رضاع لم تحل إلا بالمتأخر من سنة للطلاق وثلاثة للشراء، كما مر، وأما إن كانت معتدة من وفاة فلابد من مضي عدتها إن جاءتها حيضة قبل تمامها، وإن تأخرت عنها فلابد للمالك من رؤيتها الدم، وإن ارتفعت حيضتها فعدتها إما
стр. 4868
شهران وخمس ليال، وإما ثلاثة أشهر، فإن ارتابت فتسعة، والاستبراء كذلك، فإن اشتريت بعد مدة العدة فقد يتأخر زمن الاستبراء حينئذ عن زمن العدة، وقد يستوي معه إن اشتريت يوم الوفاة في هذه وسيشير لهذا في التداخل بقوله: "وكمشراة معتدة"، قال الشبراخيتي: وأنت خبير بأن النص على نفي المواضعة في المعتدة والمتزوجة غير متوهم؛ لأنه لا استبراء فيهما كما يفيده قوله سابقا: ولم تحرم في المستقبل، ونفي الاستبراء يستلزم نفي المواضعة، فكان المناسب للاختصار حذفهما. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وهذا صريح أو كالصريح في أن من اشترى أمة محرما ليس فيها مواضعة، فإن أقر البائع بوطئها فلابد من استبرائه أي البائع لها والله سبحانه أعلم.
وزانية يعني أنه لا مواضعة في أمة زانية إن اشتريت ولا في مغتصبة لأن الولد الناشئ عن الغصب والزنى لا يلحق بالمالك كما لا يلحق بغيره، وقال الشارح: قوله: "ولا مواضعة في متزوجة وحامل ومعتدة وزانية"، هذا هو المشهور، وقاله المازري. وقال غيره: اختلف في المعتدة والزانية ولم يختلف في الحامل لأن الحمل متحقق، ولا في ذات زوج لدخول المشتري على أن الزوج مرسل عليها، وقال ابن يونس: ولا مواضعة في الزانية والمعتدة إذا كان الزاني والزوج معروفين. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وزانية، يريد المستبرأة من زنى أو غصب، قاله اللخمي. واستحسن القول بالمواضعة. والله أعلم. انتهى.
كالمردودة بعيب تشبيه في نفي المواضعة؛ يعني أن من اشترى أمة رفيعة ثم ظهر بها عيب فردها إلى ربها قبل الغيبة عليها لا مواضعة فيها عليه فقوله الآتي، إن لم يغب المشتري، شرط في هذه واللتين بعدها، ومفهوم إن لم يغب المشتري، أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا تقرير المص بحسب ظاهره. وفيه إجمال، قال في المنتخب: قال سحنون: قال ابن القاسم: ومن اشترى جارية مرتفعة فردها بعيب فإن كانت خرجت من المواضعة وصارت في ضمان المشتري فعلى البائع أن يستبرئها والمواضعة فيها لازمة للمشتري وضمانها منه، وإن كان ردها قبل أن تخرج من المواضعة فلا مواضعة فيها وليس على البائع أن يستبرئها. انتهى. فظاهره وإن لم يغب عليها المشتري كظاهر المدونة وأبي الحسن، والوجه في ذلك أن الرائعة إنما وجبت فيها المواضعة لأن الحمل ينقص من ثمنها كثيرا، لا لأجل وطء البائع فلذا وجبت فيها وإن لم يطأها البائع.
стр. 4869
وحاصل ما مر أنه لا مواضعة في المردودة بعيب ما دامت في ضمان البائع، ولو قبضها المبتاع على وجه الأمانة وغاب عليها، فإن خرجت من ضمانه فعلى المبتاع المواضعة إلا إن حصل الرد بالعيب في أول الدم، فيكفي عن المواضعة. والله أعلم. قاله بناني. فبان مما مر أن في منطوقه ومفهومه إجمالا.
أو فساد يعني أن من اشترى أمة شراء فاسدا ثم ردها إلى ربها قبل أن يغيب عليها فإنه لا مواضعة فيها، ومفهومه أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا تقرير المص بحسب ظاهره. وقال محمد بن الحسن: حاصل كلام علي الأجهوري أن المشتراة شراء فاسدا لها ثلاثة أحوال، الأولى: التي تدخل في ضمانه بالقبض اتفاقا، وهذه إن غاب عليها المشتري ففيها المواضعة وإلا فلا مواضعة الثانية: التي اختلف هل تدخل في ضمانه بالقبض أو لا تدخل في ضمانه إلا برؤية الدم، وهي التي تتواضع، فعلى الثاني إذا غاب عليها قبل رؤية الدم فإنه يجري فيها ما جرى في المقال منها والمعيبة؛ يعني فإن ردها قبل الحيض فلا مواضعة فيها، وإن ردها بعد رؤية الدم فعليها المواضعة، إلا إن حصل الرد بالفساد في أول الدم فيكفي عن المواضعة. والله تعالى أعلم. وعلى القول الأول فحكمها حكم الأولى في التفصيل؛ أي إن ردها قبل الغيبة عليها فلا مواضعة فيها، وإن ردها بعد الغيبة ففيها المواضعة. والله سبحانه أعلم. الثالثة: التي لا تدخل في ضمان المشتري أصلا كأم الولد، فهذه إن غاب عليها ففيها الاستبراء فقط ولا مواضعة فيها لعدم دخولها في ضمانه، وإن لم يغب عليها فلا شيء فيها، وأما المدبرة فليست كأم الولد بل فيها المواضعة. انتهى. وانظر النقل في ذلك. انتهى.
أو إقالة يعني أن من باع أمة وتقايل مع المشتري فيها فإنه لا مواضعة فيها على المشتري إن لم يغب عليها، ومفهومه أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا التقرير له بحسب ظاهره وفيه إجمال. قال بناني بعد جلب كلام المدونة وأبي الحسن:
حاصل ما تقدم أنه لا مواضعة في المقال منها ما دامت في ضمان البائع، ولو قبضها المبتاع على وجه الأمانة وغاب عليها، فإن خرجت من ضمانه فعلى المبتاع المواضعة إلا إن حصلت الإقالة في أول الدم فيكفي عن المواضعة. والله أعلم انتهى. وفي المدونة: ومن باع أمة رائعة ثم تقايلا قبل التفرق فلا استبراء عليه، وإن أقاله وقد غاب عليها المبتاع فإن أقامت عنده أياما لا يمكن فيها
стр. 4870
الاستبراء فلا يطؤها البائع إلا بعد حيضة، ولا مواضعة على المبتاع فيها إذا لم تخرج من ضمان البائع، ولو كانت وخشا فقبضها على ثبات البيع والحوز ثم أقاله قبل مدة الاستبراء فليستبرئ البائع لنفسه أيضا، وإن كان إنما دفع الرائعة إليه ائتمانا له على استبرائها فلا يستبرئ البائع إذا ارتجعها قبل أن تحيض أو يذهب عظم حيضتها، ولو كانت عند أمين فلا استبراء عليه في الإقالة قبل الحيضة ولا بعد طول المدة عند الأمين، ولو تقايلا بعد حيضة عند الأمين أو في آخرها فللبائع على المبتاع فيها المواضعة بضمانه إياها إلا أن يقيله في أول دمها أو عظمه فلا استبراء عليه ولا مواضعة فيها كبيع مؤتنف من غيره، وكذلك في بيع الشقص منها والإقالة منه. انتهى.
قوله: وإن كان إنما دفع الرائعة لخ، هذا كلام بعد الوقوع والنزول، قال أبو الحسن: يدل عليه قولها بعده: وأكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، وقوله: ولو تقايلا بعد حيضة عند الأمين لخ، قضيته أنها بمجرد دخولها في ضمان المبتاع تجب عليه المواضعة للبائع ولو لم يغب عليها المبتاع. قال أبو الحسن: قيل له: أوجبت فيها على البائع أن يستبرئ لنفسه وجعلت المواضعة على المبتاع إذا أقاله في آخر دمها وهي لم تحل للمشتري حتى تخرج من دمها. قال: لأنها إذا دخلت في أول الدم فمصيبتها من المشتري وقد حل له أن يقبل ويصنع بها ما يصنع الرجل بجاريته إذا حاضت، ولأنها قد تحمل إذا أصيبت في آخر دمها ولا أدري ما أحدثت. انظر ابن يونس. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: إن لم يغب المشتري شرط فيما بعد الكاف وقال عبد الباقي: كالمردودة بعيب أو فساد أو إقالة إن لم يغب المشتري فلا مواضعة لأنها إنما تكون حيث الاستبراء، ولا استبراء في هذه عند عدم الغيبة، كما يفهم من قوله: إن لم توقن البراءة. ومفهوم الشرط المواضعة في المعيبة والمقال منها حيث دخلتا في ضمانه بالقبض ثم ردهما بعده. قال بناني صوابه دخلتا في ضمانه، بأول الدم فإن حصلت الغيبة عليهما قبل دخولهما في ضمانه فإن كان قبضهما على وجه الملك ففيهما الاستبراء فقط، وإن قبضهما على وجه الأمانة فلا استبراء فيهما، وفي الغيبة على المردودة بفساد المواضعة إن دخلت في ضمان المشتري بقبضه باتفاق، فإن دخلت في ضمانه على أحد قولين والآخر برؤية الدم كالتي تتواضع فكالمردودة بعيب أو إقالة في التفصيل فيما يظهر. وشمل كلام المص أم الولد إن بيعت فيما تباع فيه ثم ردت بما
стр. 4871
ذكر قبل الغيبة عليها فلا مواضعة ولا استبراء وبعدها فيها الاستبراء فقط، لا المواضعة إذ لو هلكت بيد المبتاع كان ضمانها من البائع. قاله ابن يونس. وشمل أيضا المدبرة فلا مواضعة فيها قبل الغيبة، وبعدها تتواضع لأنها لو حملت من المبتاع لكانت له أم ولد ونفقتها عليه، قاله ابن يونس أيضا. ومثلها المبيعة بخمر ونحوه.
وفسد إن نقد بشرط يعني أن الأمة المواضعة يفسد بيعها إذا اشترط عليه أن ينقد له الثمن ونقده، وكذا يفسد العقد المذكور إن اشترط النقد ولم ينقد المشتري الثمن، وإنما فسد للتردد بين السلفية والثمنية أي يكون سلفا إن رد البيع وثمنا إن مضى البيع، وإنما يفسد العقد المذكور بشرط النقد حيث شرطوا المواضعة أو جرى بها عرف، فإن لم تشترط ولا جرى بها عرف بل جرى بعدمها أو اشترط عدمها أو وقع البيع بينهما لم يفسد البيع بشرط النقد، ويحكم بالمواضعة، ويجري عليها أحكامها من الضمان ولو بعد الغيبة على الأمة، ويجبر البائع على رد الثمن للمشتري، ولو لم يطلبه، ولو طبع عليه، وإن اشترطوا إسقاط المواضعة صح البيع وبطل الشرط. كما قاله في البيع.
لا تطوعا يعني أن من اشترى أمة تتواضع وتطوع للبائع بعد العقد بنقد الثمن لا يفسد البيع بسبب ذلك؛ لأن التردد بين السلفية والثمنية إنما يوثر المنع مع الشرط لا في التطوع، واعلم أن التعليل بالتردد بين السلفية والثمنية إنما يظهر فيما لا يعرف بعينه ولكن الحكم كذلك فيما يعرف يعينه، فالنقد في الأمور المحتملة بشرط مفسد للعقد، كان المنقود مما يعرف بعينه أم لا. نقله الخرشي في الإجارة. وقوله: وفسد إن نقد بشرط لا تطوعا، قال في كتاب الاستبراء من المدونة: ومن ابتاع جارية وهي ممن تستبرأ لم يجز اشتراط النقد فيها في عقد البيع، وضعت على يد المبتاع أو على يد أجنبي، واشتراط النقد فيها يفسد البيع، وإن لم يشترط النقد ثم تبرع المبتاع بنقد الثمن في المواضعة جاز ذلك. قال أبو الحسن: معنى قوله: ممن تستبرأ، ممن تواضع احترازا ممن لا مواضعة فيها كالحامل والوخش التي لم توطأ. انتهى.
وقال في المدونة: وأكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، فإن فعلا أجزأه، وإن قبضها على الأمانة وهي من البائع حتى تدخل في أول دمها، فإن قبضها على شرط الحيازة وسقوط المواضعة كالوخش أو لم يشترط استبراء في المواضعة أو جهلا وجه المواضعة فقبضها كالوخش ولم
стр. 4872
يتبرأ البائع من الحمل لم يفسد وألزمتهما حكم المواضعة. انتهى. قال أبو الحسن: إذا اشترطا إسقاط المواضعة أو وقع الأمر منهما ولم يشترطا إسقاطها ولا وجوبها عمدا أو جهلا ولم يتبرأ البائع من الحمل فالبيع صحيح على مذهب الكتاب، ويلزمهما حكم المواضعة. وفي كتاب محمد: أن البيع فاسد إذا شرطا ترك المواضعة. الشيخ: فعلى هذا إذا أبهما كان البيع صحيحا فيتفقان في هذا، وقال ابن يونس، قال أصبغ: وما بيع على المواضعة أو على معرفة المواضعة والاستبراء فإن اشتراط النقد فيه يفسخ البيع، إلا أن يتطوع به بعد العقد فيجوز، فأما ما بيع على البت ممن لا يعرف المواضعة مثل بيع أهل مصر ومن لا يعرفها من البلدان فيبيعون على النقد ولا يشترطون نقدا ولا مواضعة فهو بيع لازم ولا يفسخ ويقضى عليهما بالمواضعة.
وقال ابن عرفة: وفي صحة شرط إسقاطها في العقد وبطلانه، ثالثها: يبطلان معا، ورابعها: إن شرط نقد الثمن، وخامسها: إن تمسك بالشرط، لابن رشد عن ابن عبد الحكم، ولها، وللأبهري مع الموازية، وابن حبيب، واللخمي. وعلى الأول قال الباجي عن ابن حبيب: تخرج من يد المشتري للمواضعة. انتهى. وقال أبو إسحاق التونسي: وإذا باع بشرط البراءة من الحمل فالبيع فاسد في المرتفعات وقيل الشرط باطل والبيع جائز. ذكره في كتاب محمد. وفي كتاب ابن حبيب: وإن باع المرتفعات بشرط ترك المواضعة وأن يضمن المشتري بالعقد كما يضمن الوخش الرقيق وإن وجد حملا أو عيبا قام به فالشرط باطل والبيع جائز ويتواضعانها. هذا في المدونة، وفي كتاب محمد. قول: إن البيع فاسد. انتهى. وقال في المقدمات: الحكم بالمواضعة واجب في كل بلد جارية فيها أو لم تكن، لم يختلف قول مالك في ذلك، ويجب عنده على كل واحد حاضرا كان أو مسافرا. وقد سئل مالك عن ذلك في أهل منى وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون؟ فرأى أن يحملوا على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا. وسواء باع الأمة ربها أو وكيل له أو باعها عليه السلطان في الدين، وسواء باع بنقد أو إلى أجل، كان ممن يطأ أو لا يطأ، إلا أنه إن باع بنقد لم يجز البيع في المواضعة بشرط. ثم قال: فإن شرط البراءة من الحمل في الرفيعة فالبيع فاسد، والمصيبة فيها ممن اشترى إن تلفت بعد قبضه كالبيع الفاسد، وذلك بعد خروجها من عهدة الثلاث. هذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه. وقيل: الشرط باطل والبيع جائز، وقع هذا القول في كتاب محمد. وقال ابن عبد الحكم: الشرط جائز والبيع جائز، وأما إن باعها بشرط
стр. 4873
ترك المواضعة فالبيع جائز والشرط باطل، ويحكم بينهما بالمواضعة، وتخرج من يد المشتري إلى المواضعة ثم قال: وقد قال أبو بكر الأبهري: البيع على شرط ترك المواضعة فاسد، ومثله في كتاب ابن المواز في قول وهو على مذهب ابن عبد الحكم بيع لازم وشرط لازم، وأما إذا دفعها البائع جهلا بسنة المواضعة ولم يشترط إسقاطها فالبيع جائز باتفاق وتخرج إلى المواضعة، ثم قال: وأما إن باعها وتبرأ من حملها وهو مقر بوطئها، فجعله في المدونة بيعا فاسدا، وذهب ابن حبيب إلى أنه ليس بفاسد وتخرج إلى المواضعة. نقله الحطاب. وقال مالك في العتبية: ولو انصرف بها المبتاع وغاب عليها رد إلى المواضعة ولا حجة للمبتاع بغيبته عليها وهو قد ائتمنه عليها انتهى. نقله الحطاب.
فرع: فإذا قبضها المبتاع ثم جاء بها وقال: لم تحض، قبل قوله. قاله الحطاب.
ومصيبته ممن قضي له به أي الثمن؛ يعني أن ثمن الأمة المواضعة كان عينا أو عرضا أو حيوانا إذا ضاع تكون مصيبته ممن قضي له به، وهو البائع إن خرجت سالمة من الحمل والعيب، والمشتري إن هلكت أو ظهر بها حمل. ابن المواز: فإن ظهر بها حمل من غير البائع أو حدث بها عيب قبل الحيضة وقد هلك الثمن، فالمبتاع مخير في قبولها بالحمل أو العيب بالثمن، وتصير مصيبته من البائع، وإن شاء ردها وكان منه، فالأمة المواضعة إذا رأت الدم ألزمها البائع للمشتري، وإن لم تره ألزمها المشتري للبائع. قاله عبد الباقي. فلو كان الحمل من البائع فلا خيار للمشتري. قال عبد الباقي: ويمكن إدخال مسألة خيار المشتري في كلام المص بأن يجعل قوله: ممن قضي له به، شاملا لمن قضي له باختيار المشتري أو جبرا عليه. انتهى. ونسخة به بتذكير الضمير هي الصواب. قاله غير واحد. وهي التي شرحت المص عليها. وفي نسخة: بتأنيث الضمير، وهي نسخة الشارح والتتائي. ويمكن تصحيحها بحذف مضاف؛ أي ومصيبته ممن قضي له بها أي بثمنها، وهذا حذف لا دليل عليه، لكن ينتقل من الفساد إلى الخفاء. كما قاله الشبراخيتي. وقال: كان ينبغي للمص تأخير هذه المسألة عن قوله: وفي الجبر على لخ؛ لأن قوله: ومصيبته ممن قضي له به، مفرع على القول بالجبر على إيقاف الثمن بيد عدل، كما يفيده كلام ابن شأس، وظاهر كلام المواق أن هذا الحكم حيث حصل الإيقاف ولو على القول بعدم الجبر: أي أن قوله: ومصيبته لخ، إنما يتفرع على إيقاف الثمن سواء كان جبرا أو بتراضيهما،
стр. 4874
وأما إن لم يخرج المبتاع الثمن من يده فلا يقال إن مصيبته من البائع بحال. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. فإنه قال إنه مفرع على القول بالجبر، وأما على عدمه فظاهر نقل المواق أنه كذلك؛ أي أنه متى حصل وقفه ولو بتراضيهما فمصيبته ممن قضي له به، وأما إن استمر بيد المشتري فهو منه لا من البائع، ثم على القول بالجبر إن قبضه البائع وتلف كان ضمانه منه كالثمن في البيع الفاسد. وانظر لو قبضه على القول بعدم الجبر وتلفت الأمة أو ظهرت حاملا منه، وينبغي ضمانه له ضمان الرهان إن جعله المشتري عنده توثقا، وإن جعله وديعة لم يضمنه، وإن لم يعلم على أي وجه جعله عنده فانظر هل يحمل على الوديعة؟ أو لا. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وفي الجبر على إيقاف لخ، لو قدم هذا لكان أحسن؛ لأن الأول مفرع عليه. كذا جعله ابن عرفة وغيره. قال في الشامل: وجبر مبتاع على وقف الثمن عند عدل على المشهور، فإن تلف فهو ممن يصير له، وقيل: من المشتري، وعليه فإن خرجت سليمة لزمه ثمن آخر، وقيل: يفسخ، انتهى. وقوله: ومصيبته ممن قضي له به، في المدونة: فإن هلك الثمن قبل محيضها ارتقبت فإن خرجت من الاستبراء فهو من البائع، وإن لم تخرج حتى هلكت أو ظهر بها حمل فهو من المبتاع. انتهى. وقال في المدونة: ومن باع أمة رائعة مثلها يتواضع للاستبراء فظهر بها حمل فقبلها المبتاع به فذلك له، وليس للبائع ردها إلا أن يدعي أن الحمل منه. انتهى. نقله الحطاب.
وفي الجبر علي إيقاف الثمن قولان مبتدأ وخبره في الجبر؛ يعني أنه اختلف في إيقاف ثمن الأمة المواضعة هل يجبر مشتريها على أن يوقف الثمن بيد عدل؟ أو لا يجبر المشتري على ذلك، فالأول لمالك وهو ظاهر ما في البيوع الفاسدة من المدونة: أنه يوضع تحت يد عدل، ومثله لمالك في الواضحة والمجموعة، والثاني لمالك في العتبية: لا يجب على المشتري إخراج الثمن حتى تجب له الأمة بخروجها من الاستبراء، وهو ظاهر ما في الاستبراء من المدونة، والأول هو المشهور، كما نقله الحطاب عن الشامل، فإنه قال: قال في الشامل: وجبر مبتاع على وقف الثمن عند عدل على المشهور لخ، وقال الشارح مفسرا للمص: واختلف هل يجبر البائع على إيقاف الثمن؟ أم لا، على قولين. قال في البيان عن مالك يحكم على البائع بوضع الثمن على يدي عدل. ونقل المازري عن سحنون أن إيقافه جائز. المازري: فإن امتنع المشتري، قيل: يجبر، وقيل: لا؛ لأن المبيع لم يتعين للنقل. انتهى.
стр. 4875
فرع: إذا باع الأمة بثمن مؤجل، حسب الأجل من يوم خروجها من الاستبراء. قاله أبو بكر بن عبد الرحمن. وهو المذهب. وقال أبو عمران: من يوم العقد. انتهى. قاله الشبراخيتي. ولما أنهى الكلام على المعدة مفردة والاستبراء كذلك، تكلم عليهما حيث اجتمعا وعلى اجتماع أكثر من واحد من نوع واحد، وسواء كانا من رجل واحد وفعل سائغ أم لا، وحاصل هذا أنه أربعة أقسام: طرو عدة على عدة، وطرو استبراء على استبراء، وطرو استبراء على عدة، وطرو عدة على استبراء ويسمى باب التداخل، وهو باب يمتحن به الفقهاء ويمتحنون به. وترجم له المص بقوله:
стр. 4876
فصل: في تداخل العدد والاستبراء
وأشار إلى الضابط في ذلك بقوله: إن طرأ موجب قبل تمام عدة أو استبراء انهذم الأول وانتفت يعني أن المرأة إذا كانت في عدة أو استبراء ثم طرأ لها قبل تمام ما هي فيه موجب آخر فإنه ينهذم الأول وتستأنف أمرا آخر، تارة يكون الأمر الذي تستأنفه غير الأول، وتارة يكون شيئا مع الأول، والشيء مع غيره غيره لا مع غيره، فيشمل مسائل أقصى الأجلين؛ وبيان ذلك أن المعتدة من وفاة إذا طرأ عليها استبراء فإنه يجب عليها تمام عدتها أو تمام الأقراء، فتمام عدتها لما كان يصحبه تمام الأقراء كان بمنزلة غيره، وقوله: موجب بكسر الجيم، وقوله: انهذم بالذال المعجمة انقطع وبالمهملة نقض. ومثل لطرو عدة على عدة بقوله:
كمتزوج باتنته ثم يطلق بعد البناء؛ يعني أن الزوج إذا طلق زوجته التي بنى بها طلاقا بائنا دون الثلاث كما لو خالعها، ثم تزوجها قبل تمام عدتها، ثم طلقها أيضا بعد البناء، فإنه تنهذم العدة الأولى وتستأنف عدة طلاق النكاح الثاني. فقوله: بعد البناء، يتنازعه بائنته ويطلق، ومفهوم قوله: بعد البناء، بالنسبة لقوله: يطلق، أنه لو طلق في النكاح الثاني قبل أن يبني بها أنها تستمر على عدتها الأولى؛ إذ لم يطرأ موجب لكون الطلاق قبل البناء. وقوله: كمتزوج بائنته، يصح نصب بائنته وجره بالإضافة. أو يموت مطلقا، يموت عطف على يطلق؛ يعني أن من أبان زوجته التي دخل بها بدون الثلاث كطلاق الخلع، ثم تزوجها قبل تمام العدة، ثم مات عنها، تستأنف عدة وفاة وتنهذم عدة الطلاق. ومعنى قوله: مطلقا، بنى بها أم لا؛ قال عبد الباقي: وما ذكره المص من أنها تعتد عدة وفاة في موته عنها قبل البناء هو قول أبي عمران، والمعتمد كما يفيده ابن عرفة أن عليها أقصى الأجلين في الحائل، وأما الحامل فبالوضع. انتهى. قوله: المعتمد أن عليها أقصى الأجلين لخ، قال بناني: ضعف ابن الحاجب هذا، وعزا التوضيح التضعيف لأبي عمران، ونقل جوابه عن ابن يونس، ونص ابن الحاجب: وكالتزوج زوجته البائن ثم يطلقها بعد البناء أو يموت عنها قبله أو بعده، فإنها تستأنف. وروى محمد: إن مات قبله فأقصى الأجلين وضعف. انتهى.
وكمستبرأة من فاسد ثم يطلق هذا مثال لطرو عدة على استبراء؛ يعني أن المرأة المتزوجة إذا وطئت وطنا فاسدا كزنى أو غصب أو اشتباه، وقبل تمام الاستبراء طلقها زوجها فإنها تستأنف العدة من يوم الطلاق وينهذم الاستبراء الأول، فإن كانت من ذوات الحيض فثلاثة أقراء، وإن
стр. 4877
كانت من ذوات الأشهر فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فبالوضع، ومفهوم قوله: يطلق، أنه لو مات فأقصى الأجلين كما يأتي. وكمرتجع وإن لم يمس طلق أو مات. هذا مثال لطرو عدة على عدة، وهو مفهوم قوله: بائنته؛ يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا ثم إنه ارتجعها قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها أو مات عنها، فإنها تستأنف عدة طلاق من يوم طلقها بعد الارتجاع، وتنهذم العدة الأولى مسها بعد الارتجاع أم لا في الطلاق، وتستأنف عدة وفاة في الموت من يوم الموت مسها أم لا.
إلا أن يفهم ضرر بالتطويل؛ يعني أن محل كون هذه المرتجعة تستأنف عدة من يوم الطلاق الواقع بعد الرجعة إنما هو إذا لم يفهم من ارتجاع الزوج لها قصد الضرر بتطويل العدة عليها، وأما إن فهم منه ذلك فتبني المطلقة على عدتها الأولى إن لم يمس؛ أي إنما تبني على عدتها الأولى مع فهم الضرر حيث لم يطأها بعد الارتجاع، وأما إن وطئها بعد الارتجاع فإنها لا تبني على عدتها الأولى بل تستأنف العدة للطلاق الثاني، وتنهذم العدة الأولى، وإذا مسها فلا فرق بين قصد الضرر وعدمه، كما أنه لا فرق بين قصد الضرر وعدمه إذا مات، فتستأنف عدة وفاة من يوم موته، مسها أم لا؛ والمراد بالمس هنا الوطء، وفهم من قول المص: مرتجع، أن من طلق قبل الارتجاع لا تأتنف زوجته بل تبني على العدة الأولى إذا أردفها طلاقا، وأما إن مات عنها فتأتنف عدة وفاة كما مر. والفرق بين المرتجعة هنا تستأنف عدة إذا طلقت بعد الارتجاع وإن لم تمس، وبين المبانة التي تزوجها المطلق ثم طلقها قبل أن يبني بها تكتفي بعدتها الأولى كما مر في قوله: كمتزوج بائنته، أن المبانة كالأجنبية فطلاقها قبل الدخول لا يوجب عدة، والرجعية كالزوجة فالطلاق الواقع فيها بعد ارتجاعها طلاق زوجة مدخول بها،
وقوله: إلا أن يفهم ضرر بالتطويل، هو تقييد لابن القصار قيد به العموم الذي قبله، وتبعه عليه ابن شأس وابن الحاجب والقرافي وابن عبد السلام وابن هارون وهو المذهب قاله السخاوي شارح الشامل، وشيخ الحطاب، وخالف ابن عرفة فقال: وقول ابن شأس عن ابن القصار: إلا أن يريد برجعته تطويل عدتها فلا، وقبوله هو والقرافي وجعلُه ابنُ الحاجب المذهب، وقبولُه ابنُ عبد السلام وابنُ هارون لا أعرفه، بل نص الموطإ: السنة هذمها وقد ظلم نفسه إن كان ارتجعها ولا
стр. 4878
حاجة له بها، وقبله شراحه. انتهى وقال الأمير: ولو قصد الضرر ولم يطأ على الأرجح وفاقا لابن عرفة وخلافا لما في الأصل. انتهى.
وكمعتمدة وطئها المطلق أو غيره فاسدا بكاشتباه يعني أن المعتدة من طلاق حرة أو أمة إذا وطئها مطلقها أو غيره وطئا فاسدا بكاشتباه أو بنكاح فاسد أو زنى، أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا ولم ينو المطلق ارتجاعها؛ لأن النية شرط في صحة الارتجاع على المشهور، فإنه تنهذم العدة الأولى وتستأنف استبراء بثلاث حيض للحرة، أو بحيضة للأمة، وإذا وطئها مطلِّقها طلاقا رجعيا ولم ينو الرجعة وكان هذا الوطء بعد مضي قرءين مثلا وقلتم بانهذام الأول وتستأنف ثلاثة أقراء، فهل له عليها الرجعة إلى آخر هذه الثلاثة الأقراء التي هي استبراء؟ أو لا رجعة له عليها إلا إلى آخر العدة الأولى، وهو الظاهر؛ لأنها بآخر العدة تبين منه، فإذا راجعها قبل انقضاء العدة صح، لكن يحرم عليه وطؤها في بقية استبرائها، فإذا تم حل له وطؤها قاله عبد الباقي. قوله: وهو الظاهر، قد مر له عند قول المص: لا بفعل دونها كوطء، أنه لابن المواز. فتأمل. والله أعلم.
وما مر من أن هذا عام في الحرة والأمة هو لعبد الباقي، قال بناني فيه نظر، بل يجب تخصيصه بالحرة، الآن الأمة عدتها قرآن واستبراؤها حيضة، فإذا وطئت باشتباه عقب الطلاق وقبل أن تحيض فلابد من قرأين كمال عدتها ولا ينهذم الأول: تنبه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: يقدح فيما قال بناني ويرشح ما لعبد الباقي ما مر من قول المص: وبعده بحيضة؛ إذ عللوه بأن العدة الناشئة عن فسخ النكاح وهي قرآن انهذمت بوطء الملك فتحل بحيضة استبراء. والله سبحانه أعلم. إلا من وفاة مستثني من قوله: وكمعتدة؛ يعني أن المعتدة من وفاة إذا وطئت في عدتها بشبهة أو بنكاح فاسد أو غصب أو زنى فإن عدتها أقصى الأجلين؛ أي أجل الأشهر وأجل الأقراء، فتتربص الحرة ثلاثة أقراء من الوطء الفاسد إن كملت قبلها عدة الوفاة، أو تمام عدة الوفاة من يوم الموت إن تمت قبلها الأقراء، وقد مر أن استبراء الأمة إما حيضة أو ثلاثة أشهر، وفي نسخة: لا من وفاة، وهي عطف على مقدر بعد قوله وكمعتدة؛ أي من طلاق لا من وفاة.
كمستبرأة من فاسد مات زوجها هذا مفهوم قوله: وكمستبرأة من فاسد ثم يطلق، وهو تشبيه في أقصى الأجلين؛ يعني أن المرأة المتزوجة إذا وطئت وطئا فاسدا بزنى أو شبهة أو غيرهما ثم مات
стр. 4879
زوجها قبل تمام استبرائها، فعليها أقصى الأجلين، تمام أقراء الاستبراء من يوم شروعها فيه، وعدة الوفاة من يوم الموت، حرة أو أمة، وهذه عكس التي قبلها أي التي قبلها طرو استبراء على عدة، وهذه طرو عدة على استبراء، وفهم من قوله: وكمعتدة وطئها المطلق، إلى قوله: مات زوجها، مع قوله: قبله كمستبرأة من فاسد ثم يطلق، أنه متى اجتمع استبراء مع عدة طلاق انهذم الأول واستأنفت، ومتى اجتمع مع عدة وفاة كان عليها أقصى الأجلين، وسواء تقدم الاستبراء أو تأخر. قاله عبد الباقي.
وكمشتراة معتدة عطف على: كمستبرأة من فاسد فهو تشبيه في أقصى الأجلين؛ يعني أن من اشترى أمة معتدة من طلاق أو وفاة فإنها تحل بأقصى الأجلين، وقد مر شرح هذا الكلام عند قوله: وإن اشتريت معتدة طلاق فارتفعت حيضتها حلت إن مضت سنة للطلاق وثلاثة للشراء، أو من وفاة فأقصى الأجلين، وعبارته هنا وافية بالمراد، مختصرة سالمة من التكلف الواقع في عبارته السابقة، من تعبيره في عدة الوفاة بأقصى الأجلين، وفي الطلاق بقوله: إن مضت سنة للطلاق وثلاثة للشراء، وكونها عليها أقصى الأجلين ظاهر إن ارتفعت حيضتها في طلاق أو موت أو لم ترتفع، لكن في عدة وفاة وفي عدة الطلاق تندرج، فإن ارتفعت حيضتها في مسألة الطلاق حلت إن مضت سنة للطلاق وثلاثة أشهر من يوم الشراء، وإن اشتراها في الوفاة وهي ممن تعتد بتسعة انتظرت الأقصى منها ومن ثلاثة أشهر الاستبراء، فإن كانت تعتد بشهرين وخمس ليال أو بثلاثة أشهر حلت بمضي الاستبراء ثلاثة أشهر، وإن اشترى من لم يرتفع حيضها وهي معتدة من طلاق اكتفى بالعدة، ومن وفاة حلت بالأقصى من حيضة وشهرين وخمس ليال. والله سبحانه أعلم.
وهذم وضع حمل ألحق بنكاح صحيح غيره يعني أن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا تزوجت في عدتها بغير زوجها وفسخ نكاحها بعد أن دخل بها الزوج الثاني، أو وطئت في عدتها بزنى أو غصب أو شبهة ثم أتت بولد، فإن ألحق بالنكاح الصحيح وهو الذي وطئت في عدته فإن وضع ذلك الولد يهذم استبراء الوطء الفاسد، وأولى نفسه فتحل بمجرد وضع حملها كله، مثال لحوقه بالنكاح الصحيح ما إذا وطئها الثاني قبل حيضة أو بعدها وأتت به كاملا لأقل من ستة أشهر من وطئه قلة لها بال كما مر، وإنما حلت بوضع هذا الحمل لأن الاستبراء إنما كان خيفة الحمل وقد أمن. وأما إن ألحق بفاسد من نكاح أو وطء شبهة كما لو وطئت بعد حيضة وأتت بولد لستة
стр. 4880
أشهر من وطء الثاني فإن وضعه يهذم أثره أي الفاسد أي استبراءه ويهذم أيضا أثر الطلاق؛ أي يجزئها عن استبرائها وعن عدة الصحيح؛ قال عبد الباقي: إن كانت من طلاق سابق على الفاسد وأما إن كان الطلاق متأخرا عن الفاسد فلا يهدمه. انتهى. قال بناني: الذي عند غير واحد أنه لا فرق بين أن يكون الطلاق متأخرا أو متقدما قاله أبو علي. ونقل ما يشهد له، ويتصور الطلاق المتأخر في المنعي لها زوجها فتعتد لذلك ثم تتزوج فتحمل فيتبين حياة زوجها ويطلقها وهي حامل.
لا الوفاة؛ يعني أن وضع الحمل الذي ألحق بفاسد من شبهة أو نكاح لا يهذم عدة الوفاة، بل عليها أقصى الأجلين، عدة الوفاة ووضع الحمل.
تنبيه: قوله: بنكاح صحيح، مثاله واضح وهو: ما إذا تزوجت أو وطئت بشبهة قبل حيضة من عدتها أو بعدها وأتت بولد كامل لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ومثال ما إذا ألحق بنكاح فاسد أو وطء شبهة ما لو أتت بولد بعد حيضة من عدتها لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، وهذا واضح في الطلاق السابق، وأما في الطلاق اللاحق والوفاة فيتصور في المنعي لها زوجها إذا اعتدت وتزوجت وحملت من الثاني ثم ثبت أنه لم يمت أو لا وإنما مات في أثناء مدة الحمل أو طلقها في أثنائه فإن وضعت قبل تمام أربعة أشهر وعشر، من موت الزوج الأول لم تحل حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وإن انقضت الأربعة أشهر وعشر قبل وضع الحمل لم تحل حتى تضع حملها، وقد مر عن الشيخ أبي علي أنه لا فرق بين الطلاق السابق واللاحق في أن وضع حمل ألحق بوطء نكاح فاسد أو وطء شبهة يهذم ذلك، ونقل ما يدل له: ويتصور ذلك أيضا في بقية المسائل المتقدمة التي لا تفوت بالدخول فيها وبيانه أن من قال: عمرة طالق، مدعيا غائبة وطلقت عليه الحاضرة، وتزوجت غيره، ثم أثبت ما ادعاه بعد أن حملت زوجته التي طلقت من الزوج الثاني، ثم مات الأول فقد تضع حملها من الثاني قبل تمام عدة الوفاة من الأول، أو طلقها في أثناء الحمل، وأن من وكل وكيلين وله ثلاث نسوة فزوجه كل من الوكيلين، ثم فسخ نكاح إحداهما بناء على أنها هي الخامسة، وتزوجت غيره وحملت منه، ثم ثبت أنها الرابعة فوجب ردها للأول، ثم مات فقد تضع حملها من الثاني قبل تمام عدة الوفاة من الأول، أو طلقها في أثناء الحمل، وبيان ذلك في الباقي واضح مما ذكر، ويتصور في الوفاة في زوجة الصبي أو المجبوب إذا تزوجها شخص ظانا
стр. 4881
خلوهما من زوج وحملت منه ثم يثبت بقاؤهما في عصمة الصبي والمجبوب، ثم توفيا، فقد تضع حملها قبل تمام عدة الوفاة منهما وقوله: وبفاسد أي من نكاح أو وطء شبهة. قال عبد الباقي: وأما الزنى فلا تخرج بما نشأ عنه من الحمل من عدة طلاق ولا وفاة بوضعه، بل تعتد في الطلاق بثلاثة أقراء تعد منها الطهر الذي يلي نفاسها، وفي الوفاة بأقصى الأجلين وضع الحمل وعدة الوفاة انتهى.
قوله: تعد منها الطهر الذي يلي نفاسها، معناه تعده طهرا أول فلابد من ثلاث حيض بعد الوضع، كما صرح به ابن رشد، ونصه: لا خلاف في أن حمل الزنى لا يبرئها من عدة الطلاق، فلابد من ثلاث حيض بعد الموضع. انتهى. نقله الحطاب قائلا: ومثله في التوضيح. قلت: ونحوه في سماع أبي زيد. قال ابن عرفة: وسمع أبو زيد ابن القاسم: من غصبت امرأته فحملت منه لا يطؤها حتى تضع، فإن أبتَّها زوجها فلابد لها من ثلاث حيض بعد الوضع. انتهى. ثم قال ابن عرفة: قلت: قول ابن رشد وقول ابن القاسم في هذا السماع نص في أن دم نفاسها لا يعتد به حيضة خلاف قول ابن محرز؛ يعني: وتحسب دم نفاسها قرءا. انتهى. قاله بناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تصور لحوق الولد بالزنى واضح في زوجة الصبي والمجبوب، وأما في الطلاق فانظر ما تصوره. والله سبحانه أعلم. ولما قدم الكلام على التداخل باعتبار موجبين ذكر ما إذا كان الوجب واحدا ولكنه التبس بغيره، وأنه يسلك في ذلك مسلك الاحتياط، والالتباس المذكور إما من جهة المحل الذي ينصب عليه الحكم وهو المرأة، وإما من جهة سبب الحكم؛ أي السبب الموجب له كموت الزوج والسيد وأشار المص إلى ذلك بقوله: وعلى كل الأقصي مع الالتباس؛ يعني أن إذا حصل موجب لعدة في امرأتين فأكثر وكانت تلك العدة تختلف فيهما أو فيهن، ككون لبعضهن نكاحها مجمع على فساده ونكاح بعضهن صحيح، وككون واحدة منهن مطلقة طلاقا بائنا والأخرى في العصمة، وجهلت كل من النسوة في المسألتين، أو حصل موجب لها في امرأة واحدة ولكن التبس بموجب آخر يوجب كل منهما غير ما يوجبه الآخر، فإنه يسلك في ذلك مسلك الاحتياط، فيكون عليها واحدةً فأكثرَ الأقصى من الأجلين، ومثل للقسم الأول بمثالين أشار لأولهما بقوله:
стр. 4882
كامرأتين إحداهما بنكاح فاسد يعني أنه إذا تزوج امرأتين إحداهما مجمع على فساد نكاحها والأخرى نكاحها صحيح، كأختين أو عمة وبنت أخ أو خالة وبنت أخت، عقدتا على الترتيب ودخل بهما أو بإحداهما وجهلت، ثم مات الزوج ولم تعلم ذات النكاح الصحيح -وهي الأولى- من ذات النكاح الفاسد وهي الثانية، فإنه يجب على كل منهما أقصى الأجلين، فتعتد كل منهما بأربعة أشهر وعشر، لاحتمال كونها المتوفى عنها بنكاح صحيح، وتمكث ثلاثة قروء لاحتمال كونها المجمع على فساد نكاحها، فتنتظر الأخير منهما. وأشار إلى المثال الثاني بقوله:
أو إحداهما مطلقة؛ يعني أن الشخص إذا تزوج امرأتين كلتاهما بنكاح صحيح لكن إحداهما مطلقة طلاقا بائنا والأخرى في العصمة، ودخل بهما معا وجهلت المطلقة، أو بإحداهما وجهلت أيضا، كما جهلت المطلقة، فلم تعلم من التي هي في العصمة؟ ثم مات الزوج فإنه يجب على كل منهما أن تنظر أقصى الأجلين فتعتد كل منهما بأربعة أشهر وعشر، أو شهرين وخمس ليال، لاحتمال كونها المتوفى عنها، وتمكث ثلاثة قروء أو قرءين لاحتمال كونها المطلقة فتحل بمضي الأخير منهما، وأما لو علمت المنكوحة فاسدا لكانت كالمطلقة لا شيء عليها إن مات قبل البناء، وإن مات بعده تربصت ثلاثة قروء استبراء وأما إن لم يدخل بواحدة فعلى كل عدة وفاة، وإن دخل بإحداهما وعلمت مع جهل المطلقة كما هو الموضوع، فعلى معلومة الدخول أقصى الأجلين، وعلى التي لم يدخل بها عدة وفاة.
وعلم مما قررت أن قوله: ثم مات الزوج، راجع للمثالين أعني قوله كامرأتين إحداهما بنكاح فاسد أو إحداهما مطلقة.
والحاصل أن في كل من المسألتين بحسب المنطوق والمفهوم أربع صور، الأولى: أن تجهل ذات النكاح الفاسد من الأخرى وقد دخل بهما أو بإحداهما وجهلت، فتعتد كل منهما بأربعة أشهر وعشر أو شهرين وخمس ليال، وتمكث ثلاثة قروء أو قرءين؛ أي تحل بمضي الأخير منهما. الثانية: أن تجهل ذات النكاح الفاسد من غيرها ولم يدخل بواحدة، فعلى كل منهما عدة وفاة. الثالثة: أن تعلم ذات النكاح الفاسد من الأخرى وقد دخل بهما أو بإحداهما وعلمت، أو لم يدخل بواحدة، فلا عدة على ذات النكاح الفاسد إن لم يبن بها، وإلا فكالمطلقة، وعلى الأخرى عدة وفاة. الرابعة: أن تعلم ودخل بإحداهما وجهلت، فعلى ذات النكاح الصحيح عدة وفاة. قال
стр. 4883
مقيده: والظاهر أن على الأخرى ثلاثة قروء. الخامسة: أن تجهل المطلقة ودخل بهما أو بإحداهما وجهلت، فعلى كل الأقصى أي تحل بمضي الأخير من الأقراء والأشهر وما معها السادسة: أن تجهل وقد دخل بإحداهما وعلمت أو لم يدخل بواحدة، فعلى معلومة الدخول الأقصى، وعلى من لم يدخل بها عدة وفاة السابعة: أن تعلم ودخل بهما أو بإحداهما وعلمت، فعلى من في العصمة عدة وفاة والأخرى على عدتها الأولى؛ أي إن بنى بها، وإلا فلا شيء عليها. الثامنة: أن تعلم ودخل بواحدة وجهلت، فعلى من في العصمة عدة وفاة قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن الأخرى تعتد عدة طلاق. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى مثال القسم الثاني بقوله:
وكمستولدة متزوجة مات الزوج والسيد؛ يعني أن السيد إذا استولد أمته ثم بعد الاستيلاد زوَّجها لشخص، ثم إن السيد والزوج ماتا مترتبين ولكن لم يعلم السابق أي لم يعلم الأول منهما في الموت مع علم تقدم موت أحدهما على الآخر، فإنه ينظر في المدة التي بين موتهما، ولا يخلو ذلك من أربعة أحوال: فإن كان بينهما أكثر من عدة الأمة أو جهل فعدة حرة وما تستبرأ به الأمة، يعني أنه إذا كان بين موت السيد والزوج أكثر من شهرين وخمس ليال، أو جهل مقدار ذلك هل هو شهران وخمس ليال؟ أو أكثر أو أقل، فإنه يلزم هذه المستولدة أقصى الأجلين أي عدة حرة أربعة أشهر وعشر احتياطا، لاحتمال موت السيد أولا، فيكون الزوج مات عنها وهي حرة، وما تستبرأ به الأمة وهو حيضة، لاحتمال موت الزوج أولا، وقد حلت للسيد فمات عنها فلا تحل لزوج إلا بأقصى الأمرين، وهما حيضة وأربعة أشهر وعشر، فإن لم تر دما تربصت تمام تسعة أشهر، فإن لم تره ولم ترتب حلت مكانها، وإن زادت مكثت أقصى أمد الحمل.
وعلم مما قررت أن: كل، من قوله: وعلى كل، واقعة على جميع المعطوف والمعطوف عليه، وهذان حالان من الأحوال الأربعة. ثالثها: أشار إليه بقوله: وفي الأقل عدة حرة يعني أنه إذا علم تقدم موت أحدهما ولم يعلم السابق وكان بينهما أقل من شهرين وخمس ليال، فإنه يجب على تلك المستولدة عدة حرة، لاحتمال موت السيد أولا فيكون الزوج مات عنها وهي حرة، وعلى تقدير موت الزوج أولا عدتها شهران وخمس ليال، وهي مندرجة في عدة الحرة ولم تحتج لحيضة استبراء لأنها لم تحل للسيد بتقدير موت الزوج أولا. رابعها: أشار إليه بقوله:
стр. 4884
وهل قدرها كأقل أو أكثر قولان يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا كان بين موت السيد والزوج قدر عدة الأمة شهران وخمس ليال، فذهب ابن شبلون إلى أن حكمه حكم إذا كان بين موتهما أقل من عدة الأمة، فتمكث عدة حرة إذ لم يمض لها وقت تحل للسيد فيه، وفسر ابن يونس المدونة بخلاف ذلك، وأن حكم ما إذا كان بين موتهما قدر عدة الأمة حكم ما إذا كان بين موتهما أكثر منها، فتنتظر أقصى الأجلين عدة حرة وما تستبرأ به الأمة قال بعض ولا ينبغي أن يختلف فيه، ولا يدخل في قوله: ولم يعلم السابق: ما إذا ماتا معا لأنهما إذا ماتا معا فالأصل أنها أمة لكنها تعتد عدة حرة احتياطا كما في النقل، واحترز بقوله مستولدة عما لو كانت غير مستولدة، ومات السيد والزوج والمسألة بحالها، فإن عليه في الأولى عدة أمة واستبراءها وفي الثانية عدة أمة فقط، وفي الثالثة هل عدة أمة فقط؟ أو عدة أمة واستبراؤها. قاله عبد الباقي. وقوله: غير مستولدة، يشمل القن والمدبرة إذا لم تعتق كلها من الثلث، فإن عتقت كلها منه فكالمستولدة، ويشمل المكاتبة والبعضة والمعتقة لأجل: لكن المكاتبة وما بعدها لا يحل للسيد وطؤها حيث لم تعجز المكاتبة، ولم يحل الأجل في المعتقة لأجل فلا يكون على واحدة منهن استبراء، وتقدم أن النقل أنهما إذا ماتا معا في مسألة المص أنها تعتد عدة حرة، والأحوط في القن عدة أمة، ولا استبراء لأنها لم تحل للسيد، وما مر من أن قوله: وما تستبرأ به الأمة، معناه حيضة هو مفاد الشارح والمواق والتتائي ومن تبعهم، وهو مشكل مع ما تقدم من أن من تأخر حيضها تستبرأ بثلاثة أشهر، سواء كانت عادتها أن تحيض فيها ولم تأت، أو عادتها أن تأتي بعدها. انتهى. قال بناني: هذا الإشكال ذكره ابن يونس: وأجاب عنه بأن ما تقدم في غير أم الولد. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه:
ولما أنهى الكلام على النكاح وموانعه من نسب وطلاق وعدة شرع في الكلام على الرضاع، وأخره لأجل تعلق الحضانة به فقال:
стр. 4885
باب في الرضاع
والرضاع والرضاعة بفتح الراء فيهما وكسرها فيهما مصدران لرضع الصبي أمه، يقال: رضع الصبي أمه رضاعا مثل سمع سماعا وأهل نجد يقولون رضع يرضع رضعا مثل ضرب يضرب ضربا، ويقال: امرأة مرضع بلا تاء إذا كان لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاعه قلت: مرضعة بالتاء، وعرف ابن عرفة الرضاع بقوله: الرضاع عرفا وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر، لتحريمهم بالسعوط والحقنة، ولا دليل إلا مسمى الرضاع. انتهى. قوله: عرفا؛ أي في العرف الشرعي، وخصصه بذلك إشارة إلى أن الرضاع غلب في المعهود بين الناس، وهو ضم الشفتين على محل خروج اللبن من ثدي لطلب خروجه. والفقهاء حيث حكموا بأن الحقنة والسعوط يقع التحريم بهما، دل ذلك على أن الرضاع عرفا شرعيا صادق عليهما، وانظر قوله: لمحل مظنة غذاء مع قول المص الآتي: تكون غذاء، وقوله: لتحريمهم بالسعوط والحقنة، تعليل للوصول الشامل للوصول من الفم وغيره.
قال بناني: وينبغي أن يزاد في التعريف من منفذ واسع احترازا من المعين والأذن كما يأتي، ويقيد أيضا بغير الحقنة، أما هي فلابد فيها من الغذاء بالفعل، ولا تكفي المظنة كما يأتي، وقال عياض: ذكر أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن وإنما يقال لبان، واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيرا خلاف قولهم. انتهى. وأشار إلى نحو قوله ﷺ : (لبن الفحل يحرم) لكن قال ابن عبد السلام: وعندي أنه إذا تتبع الحديث لا يبعد حمل لبن فيه على المجاز والتشبيه، والأصل في تحريم الرضاع قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وقوله ﵊: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١)) وقوله: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة (٢)).
حصول لبن امرأة يعني أن حصول لبن المرأة أي الأنثى من الآدميين في جوف الولد يحرم ما حرمه النسب والمعتبر وصوله للجوف ولو ظنا أو شكا احتياطا، لا لحلق ورُدَّ، ولا لبن جنية فلا ينشر الحرمة بين مرتضعيها قاله عبد الباقي. وقال بناني: ما ذكره من أن المعتبر في التحريم هو الوصول للجوف هو الواقع في عبارة الكثير من أهل المذهب، والذي في عبارة القاضي عبد الوهاب
стр. 4886
وابن بشير هو الوصول إلى الحلق، واحترز بالمرأة من الرجل فإن لبنه لا يحرم ولو كثر على المشهور. وروى أهل البصرة عن مالك والشافعي كراهة نكاحها. وقال ابن اللبان: تقع به الحرمة ومال إليه بعض شيوخ المذهب قاله ابن عبد السلام. وقال الشارح: وحكى ابن شعبان عن مالك أنه كره لمن وضع صبية على ثدييه فرضعته أن يتزوجها، وفي المقدمات عن مالك: أنه أنكر أن يكون للذكر لبن. انتهى. وقوله: لبن، قال الشبراخيتي: والصحيح أنه يقال لما يخرج من الآدمي لبن ولبان، فقول المص: لبن، فصيح فلا اعتراض عليه. انتهى. وقد مر كلام عياض. وقوله: امرأة، قال الشبراخيتي: ولو احتمالا فيشمل الخنثى المشكل لأن لبنه محرم على الظاهر. انتهى. وإن ميتة يعني أن لبن الآدمية ينشر وصوله للجوف الحرمة، ولا فرق في ذلك بين الحية والميتة على المشهور في المذهب، والشاذ أن لبن الميتة لا ينشر الحرمة قاله ابن بشير. قال: لأن الحرمة لا تقع بغير المباح. قاله الشارح. وهو مذهب الشافعي ولا يقال إن الميتة خارجة من لفظ الآية، لقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والميتة لا ترضع؛ لأنا نقول: الوصف المذكور في الآية خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وفي المدونة: وإذا حلب من ثدي المرأة لبن في حياتها أو بعد موتها فوجر به صبي أو دَبَّ فرضعها وهي ميتة وعلم أن في ثديها لبنا فالحرمة تقع بذلك. انتهى. قال ابن ناجي: يريد وكذلك يحرم إذا شك هل هو لبن أم لا؟ لأنه أحوط. ابن راشد وابن عبد السلام: إنما يحرم إذا كان هناك لبن محقق وإلا فلا. انتهى. قال بناني: والظاهر انتفاء هذه المعارضة بأن يكون الشك الذي نفاه ابن راشد وابن عبد السلام هو الشك في وجود اللبن وعدمه، والشك الذي ثبت به التحريم هو الشك في الموجود هل هو لبن أم لا؟ فبينهما فرق واضح فتأمله. انتهى.
وصغيرة يعني أن لبن الصغيرة التي لا تطيق الوطء ينشر الحرمة، فلا فرق بينها وبين الكبيرة؛ هذا هو المشهور، وفي كتاب ابن الجلاب في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها: أن لبنها لا تقع به الحرمة، والصحيح أنه يحرم. انتهى. وقال ابن راشد: وكذلك الكبيرة التي لا توطأ من كبرها، والمعروف أن الكبيرة التي لا توطأ يحرم لبنها، والحاصل أن لبن الآدمية يحرم ولو حصل من غير وطء كالصغيرة والكبيرة اللتين لا توطئان لصغر وكبرة وأما الصغيرة التي تطيق الوطء فلبنها ينشر الحرمة اتفاقا على ما حكاه غير واحد، ووُهِّم من نسب الصغيرة التي تطيق الوطء إلى الخلاف، وكون المرضعة يشترط فيها أن تكون آدمية لا يعلم فيه خلاف قاله ابن عبد السلام. وقال ابن
стр. 4887
عرفة: وقول ابن عبد السلام: قال ابن رشد: لبن الكبيرة التي لا توطأ من كبر لغو، لا أعرفه، بل ما في مقدماته: تقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لا تلد وإن كان من غير وطء، إن كان لبنا لا ماء أصفر. انتهى. وقال الشارح: لا خلاف أن التحريم يقع بلبن الصغيرة إذا كانت في سن من تحيض. قاله ابن بشير. وحكى في التي نقصت عن سن المحيض هو وابن شأس وغيرهما قولين بوجور؛ يعني أن وصول اللبن إلى جوف الرضيع بالوجور يحرم، فهو كوصوله له بالرضع قال عبد الباقي: بوجور بفتح الواو ما يدخل في وسط الفم، وقيل: ما صب في الحلق ووصل للجوف على كليهما، فالباء للآلة أي أو كانت الآلة الموصلة للجوف وجورا. انتهى. وقال الشبراخيتي بوجور بفتح الواو ما يدخل من وسط الفم، أو ما صب في الحلق، وفعله وجر وأوجر أو سعوط يعني أن وصول لبن الآدمية لجوف الرضيع بسبب سعوط ينشر الحرمة، والسعوط بسين مهملة مفتوحة كما في الشارح ما صب من الأنف أي فيه، وكذا اللدود وهو ما صب من جانب الفم، ونبه المص بهذا على أنه لا فرق في التحريم بحصول اللبن في جوف الرضيع بين أن يصل إلى الجوف بمص الثدي وغيره، من وجور ونحوه، وقصد بذلك الرد على داوود الذي يقول: لا ينشر الحرمة ولا يحرم إلا ما يرضع من الثدي، والعلماء على خلافه؛ لكنهم اختلفوا هل تكفي في الحرمة المصة الواحدة؟ أو لا تكفي ولابد من ثلاث، أو لا تكفي ولابد من خمسة، أو لا تكفي ولابد من سبع، أو لا تكفي السبع ولابد من عشر.
وهذه المذاهب الثلاثة الأخيرة مروية عن عائشة ﵂، قيل: ومن اعتبر العدد فالمرة التقام الثدي، ولو حصل في تلك المرة مصات، والقول الأول هو مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث والطبري، وحكي عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وجماعة كبيرة من التابعين، منهم ابن المسيب والحسن وعطاء وغيرهم، وقال الليث: إنه إجماع المسلمين، والقول الثاني هو مذهب ابن الزبير وسليمان بن يسار وابن جبير وأحمد وإسحاق وغيرهم، والقول الثالث هو مذهب الشافعي، والأولون تمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وهذا ظاهر ولكن ظهوره لا يمنع من تقييدها ببعض الأحاديث الصحيحة، (فخرج أبو داوود في حديث سهلة أنه أرضعته خمس رضعات، وأن عائشة ﵂ كانت تأمر
стр. 4888
بنات أخواتها أن يرضعن من أحبت أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها (١)). قاله ابن عبد السلام.
أو حقنة يعني أن الحقنة تنشر الحرمة، وهي دواء يصب في الدبر يصعد إلى الجوف والمراد حقنة بلبن في دبر لا في إحليل ذكر، ففي بعض الأمراض مرض يدفع البول من سد ونحوه، يحقن له من الذكر. تكون غذاء يعني أنه يشترط في نشر الحرمة بالحقنة دون ما قبلها أن تكون غذاء للصبي بالفعل؛ أي كافية للصبي في ذلك الوقت وإن كان يحتاج لغذاء بعد ذلك بالقرب، ولم يشترط المص في اللبن الذي يصل لجوف الرضيع من الأعالي أن يكون غذاء، بل وإن مصة، بخلاف الحقنة؛ لأن الأول أقرب إلى محل الطعام من الحقنة وذلك صحيح. ابن عبد السلام: وشرطه في الحقنة مع كونه واصلا إلى الجوف أن يكون غذاء وإلا لم يحرم. وما في الشارح والتتائي من اشتراط الغذاء في غير الحقنة غير صحيح؛ أي في المذهب وقال مصطفى: ولم أر من ذكر من أهل المذهب أن شرط الغذاء يكون في غير الحقنة سوى الشارح ومن تبعه، وما ذكره المص في الحقنة هو المشهور، وقال ابن المنذر عن مالك: إنها لا تحرم وهو اختيار غير واحد من شيوخ المذهب.
أو خلط يعني أن لبن الآدمية يحرم وإن كان مخلوطا بلبن غير عاقل أو بدواء أو بطعام إن ساواه أو غلب عليه. لا غلب يعني أن لبن المرأة إذا خلط بغيره من لبن غير عاقل أو بطعام أو غير ذلك واستهلك حتى لم يبق له طعم فإنه لا تقع به الحرمة؛ لأنه لا حكم له حينئذ لكونه مغلوبا، سواء بطل به حصول الغذاء أم لا، وما مشى عليه المص أن المغلوب لا يؤثر حرمة هو قول ابن القاسم وأبي حنيفة، وقال أشهب ومطرف وعبد الملك: يحرم، وهو مذهب الشافعي واختاره اللخمي، وأما إن خلط لبن آدمية بلبن أخرى فإنه يصير ابنا لهما تساويا أو غلب أحدهما على ما أخذ من المدونة. وهو قول مالك قاله حلولو وفي ابن عرفة الخلاف فيه أي إلغاء المغلوب واعتباره تخريجا، والظاهر تحريم لبن المرأة إن جُيّن أو سُمِن واستعمله الرضيع.
ولا كما أصفر يعني أن الذي يرضعه المولود من الثدي إن كان ماء أصفر أو أحمر لا تقع به الحرمة لأنه غير لبن. ابن عبد السلام: وهذا لا نعلم فيه خلافا. انتهى. وأما تغير طعم اللبن أو
стр. 4889
ريحه فيحرم، وكذا تغير لونه يسيرا بغير صفرة أو حمرة. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا كماء أصفر أو غيره مما ليس بلبن، وهو محترز قوله لبن. انتهى. وبهيمة محترز قوله: امرأة، يعني أن لبن البهيمة لا ينشر الحرمة، فإذا ارتضع صبي وصبية لبن بهيمة فإنهما لا يكونان أخوي رضاع. وقد مر قول ابن عبد السلام: وكون المرضعة يشترط فيها أن تكون آدمية لا يعلم فيه خلاف. انتهى.
واكتحال به محترز قوله: بوجور أو سعوط؛ يعني أن اكتحال المولود بلبن الآدمية لا ينشر الحرمة، ومثل الاكتحال ما يشبهه مما لا يتأتى منه أن يفتق الأمعاء كالأذن ومسام الرأس ولو تحقق وصوله للجوف، وهذا داخل في كلام المص بالكاف المقدرة. وقوله: واكتحال به، رد به على ابن الماجشون القائل: إذا كحل الصبي بكحل خلط بلبن امرأة، فإن كان من الكحل الذي يصنع بالعقاقير التي تخرق إلى جوف الرضيع، مثل الصبر والحبة السوداء، وشبه ذلك مما يجري في عروق الصبي حتى يصل إلى الحلق فإنه يحرم؛ لأنه يصل إلى الجوف، وإن كان مما يبقى في العين ولا يصل إلى الجوف كالإثمد وشبهه فلا يحرم، واستضعفه بعض الشيوخ ورأى أن ما يدخل من المعين لا يحرم بوجه.
وقوله: محرم، اسم فاعل خبر حصول؛ أي ناشر للحرمة وذكر شرط التحريم بقوله: إن حصل في الحولين؛ يعني أنه يشترط في تحريم لبن المرأة أن يحصل في جوف الرضيع في الحولين، ويحسبان من يوم الولادة، أو لم يحصل في الحولين لكن حصل فيما قاربهما، بأن حصل بزيادة شهرين على الحولين؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وأما ما حصل من الرضاع بعد الحولين والشهرين فلا يحرم، أستغنى المولود أم لا، وما مشى عليه المص في زيادة الشهرين هو المشهور؛ وقيل: يعتبر الحولان من غير زيادة. وروي عن مالك. وقيل: المعتبر بعد الحولين أيام يسيرة، رواه ابن عبد الحكم عن مالك. وقيل: شهر، رواه عبد الملك عن مالك. وقيل: المعتبر ثلاثة أشهر. وقال زفر: ما دام يجتزئ باللبن ولم يطعم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين.
إلا أن يستغني يعني أن محل نشر الحرمة بالرضاع في الحولين والشهرين بعدهما إنما هو حيث لم يستغن المولود عن لبن المرأة، وأما إن استغنى عن لبن المرأة فإن لبنها حينئذ لا ينشر الحرمة، وقوله: إلا أن يستغني، اعلم أن محله حيث فصل، وأما لو استمر يرضع فإنه يحرم لمدة الرضاع
стр. 4890
مطلقا، استغنى أم لا. قال الأمير: يحرم رضاع من لم يجاوز حولين وشهرين ولم يستغن بينا عن اللبن بحيث لا يقوم به إذا رد له، فالموضوع أنه فطم فإن استمر الإرضاع حرم مطلقا لمدته. انتهى المراد منه. وقوله: إلا أن يستغني، معنى الاستغناء أن يصير اللبن غير غذاء له ولو أعيد إليه لم يكفه عن الطعام وهذا الحكم أي عدم التحريم الحاصل عند الاستغناء ثابت إن كان الاستغناء إنما حصل بعد الحولين بل هو ثابت ولو حصل الاستغناء فيهما أي في الحولين، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة. ورد بلو قول الأخوين وأصبغ: بإبقاء التحريم إلى تمام الحولين، فالاستغناء فيهما غير معتبر عند الأخوين وأصبغ. والأخوان: مطرف وابن الماجشون. وفهم من تفسير الاستغناء بما مر أنه إذا استغنى بالطعام بأن كفاه وكان إذا أعيد إلى اللبن غذاه واكتفى به فإنه يحرم. وعلم مما مر أن قوله: إلا أن يستغني، مقيد بوقوع الفطام، فما دام مستمرا على الرضاع في الحولين أو بزيادة شهرين فهو محرم، ولو كان بحيث لو فطم لاستغنى بالطعام، وهذا هو الذي يفيده نقل المواق وابن عرفة. والله أعلم. قاله بناني. وتقدم عن الأمير ذلك التقييد. واعلم أن الحق في الحولين للأبوين معا، فلو طلب أحدهما رضاعه فيهما لم يلتفت لمريد فطامه. قاله ابن العربي. فإن اتفقا على فطامه قبلهما كان لهما ذلك إلا أن يضر بالولد قاله عبد الباقي.
ما موصول بالفعل بعده مفعول محرم، حرمه النسب؛ يعني أن الرضاع يحرم نكاح الذوات التي حرم النسب نكاحها، فتحرم من الرضاع نسوة سبع، كما تحرم من النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وهي الأصول والفصول وفصول أول الأصول وهذا الأخير يشمل الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت وأول الفصول من كل أصل غير الأصل الأول، وهذا يشمل العمات وإن علون والخالات وإن علون: فهذا هو المحرم من النسب، والرضاع محرم ما حرمه النسب، فهو محرم من الرضاع كما أنه محرم من النسب، وقد تقدم ما يحرم من الصهر، وهو أصول الزوجة وفصولها على التفصيل المتقدم، وحلائل الأصول والفصول والمرأة كالرجل فيما ذكر واقتضى كلام المص كما تقدم التنبيه عليه أن ما كان من الرضاع بعد الحولين والشهرين لا يعتبر وهو كذلك على مذهب أكثر العلماء، وفي المدونة: رضاع الكبير لا أثر له ولو في الحجابة. وقال ابن المواز: لو أخذ به في الحجابة لم أعبه كل العيب. قال عبد
стр. 4891
الحميد: وقد استحسن بعض شيوخنا الأخذ به في ذلك وفعل به متقدمو شيوخنا في أهليهم. قلت: وبه أفتى شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي فيما بلغني. انتهى. نقله الحطاب.
وقال ابن عبد السلام: قد اختلف العلماء هل للرضاعة في الكبير من تأثير في انتشار الحرمة؟ فالجمهور على أنه ليس لها في ذلك تأثير، وروي عن عائشة وعطاء أنها تحرم، وروي عن علي ﵁. قال أبو عمر: ولا يصح عنه، وقال الليث: أكره رضاعته إن أحل منها شيئا، ولابن علية مثله، وجاءت الليث امرأة فقالت: إني أريد الحج وليس لي محرم، فقال: اذهبي إلى امرأة رجل ترضعك فيكون زوجها أباك فتحجين معه. قال ابن المواز: ولو أخذ بحديث سهلة: (أرضعيه خمس رضعات (١)) في الحجابة خاصة لم أعب عليه وتركه أحب إلينا، واحتج الجمهور بما في الصحيح من حديث عائشة (فإنما الرضاعة من المجاعة (٢))، واحتج الآخرون بحديث عائشة ﵂ وهو في الصحيح أيضا قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حلفه كراهة، فقال النبي ﷺ : (أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو كبير؟ فتبسم رسول الله ﷺ وقال أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة (٣)) وفي رواية (أنه أبى لسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة وقلن لعائشة ﵂: والله ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا راءينا (٤)) انتهى. وقوله: ما حرمه النسب، اعلم أن آية تحريم النساء لم يذكر فيها صريحا من الرضاعة إلا الأمهات والأخوات، وأما البنت وغيرها من بقية السبع فإنما يؤخذ تحريمها من الحديث. إلا أم أخيك هذه نسوة تسع قال ابن دقيق العيد: إنها مستثناة من قوله ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، تبعه المص في ذلك، ويأتي البحث معهما؛ يعني أن أم أخيك من النسب حرام عليك؛ لأنها إما أمك
стр. 4892
وإما حليلة أبيك، كلتاهما حرام عليك، وهي في الرضاع أي من أرضعت أخاك قد تحرم وقد لا تحرم، فإن كانت أرضعتك مثلا حرمت وإن كانت أجنبية لم ترضعك لم تحرم أو أختك؛ يعني أن أم أختك في النسب تحرم على كل حال؛ لأنها إما أمك أو حليلة أبيك، كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت أجنبية أختك فقد لا تحرم، وقد تحرم فإن أرضعتك مثلا حرمت وإلا فلا.
وأم ولد ولدك؛ يعني أن أم ولد ولدك من النسب تحرم عليك على كل حال؛ لأنها إما بنتك وإما حليلة ابنك، كلتاهما حرام عليك، وأما إن أرضعت أجنبية ولد ولدك فإنها لا تحرم بذلك بل يحل نكاحها إن لم يكن مانع. وجدة ولدك يعني أن جدة ولدك من النسب تحرم عليك على كل حال. لأنها إما أمك أو أم زوجتك، كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت أجنبية ولدك لم تحرم أمها إلا أن يكون مانع وأخت ولدك يعني أن أخت ولدك من النسب حرام عليك على كل حال، لأنها إما بنتك نسبا أو ربيبتك، كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت امرأة ولدك فبنتها لا تحرم إلا أن يكون مانع وأم عمك يعني أن أم عمك في النسب حرام عليك على كل حال؛ لأنها إما جدتك نسبا وإما حليلة جدك، كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت أجنبية عمك فقد تحرم، وقد لا تحرم، فإن لم يكن إلا مجرد رضاع عمك حلت، وإن كان مانع فلا. وعمتك يعني أن أم عمتك نسبا حرام عليك على كل حال؛ لأنها [إما (١)]، أم أبيك وإما حليلة جدك كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت أجنبية عمتك فقد تحرم وقد لا تحرم. وأم خالك يعني أن أم خالك في النسب حرام عليك على كل حال؛ لأنها إما أم أمك أو حليلة جدك، كلتاهما حرام عليك، وإن أرضعت أجنبية خالك لم تحرم بمجرد ذلك وقد تحرم لأجل مانع. وخالتك يعني أن أم خالتك في النسب حرام عليك على كل حال؛ لأنها إما أم أمك نسبا وإما حليلة جدك، كلتاهما حرام عليك، وامرأة أرضعت خالتك لم تحرم إلا لمانع ولهذا قال:
فقد لا يحرمن من الرضاع أي هذه النسوة قد لا يحرمن، وقد يحرمن، فإن لم يكن إلا مجرد هذا الرضاع لم يحرمن، وإن كان مانع حرمن. وفي قوله: من الرضاع، بحث لأنهن لا يحرمن من هذا الرضاع، فلو حذفه لكان صوابا. والجواب أن من بمعنى في كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. واعلم أن هذا الاستثناء أصله لابن دقيق العيد، واعترضه ابن عرفة قائلا: إنه غلط
стр. 4893
واضح؛ لأن الاستثناء من العام بغير أداته وهو التخصيص إنما هو فيما اندرج تحت العام لا فيما لم يندرج تحته، والعام في مسألتنا هو قوله ﷺ : (يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب)، والنسوة المذكورات المدعى تخصيص العام المذكور بهن لا شيء منهن مندرجا تحت ما يحرم من النسب بحال، ولا أعلم من ذكر هذه المسائل على أنها مخصصة للحديث كما زعمه إنما أشار ابن رشد بها إلى بيان اختلاف حكم مسمى اللفظ الإضافي، وهو أم أختك فإنه في المعنى النسبي التحريم وفي الرضاع ليس كذلك. ونص ابن رشد: فإذا قلنا إن حرمة الرضاع لا تسري من قبل الرضاع إلا إلى ولده وولد ولده من الذكران والإناث خاصة، فيجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من الرضاعة وأم ابنه وإن علت من الرضاعة، وأم أخته من الرضاعة؛ إذ لا حرمة بينه وبين واحدة منهن بخلاف النسب. انتهى. وعليه فكان الأنسب لو قال المص: لا أم أخيك لخ، بلا النافية عوض إلا. والله أعلم. قاله بناني. ثم قال: قال ابن عاشر: زيادة من الرضاع مضرة بل مخلة؛ لأن حاصل كلام ابن دقيق العيد أن موجب الحرمة اللازم لهؤلاء النسوة حيث يفرض في النسب قد يوجد إذا فرض في الرضاع وقد لا يوجد، فإن جدة ولدك نسبا حرام على كل حال، لأنها أمك أو أم زوجتك، وجدة ولدك من الرضاع إما أمك من الرضاع فتحرم كالنسب، وإما أم أجنبية أرضعت ولدك فلا تحرم، فقد جعل المنتفي في هذه الصور هو موجب الحرمة اللازم لها حيث تفرض في النسب، ولم يجعل المنتفي هو الحرمهّ من الرضاع. انتهى. قلت: جعل من في قوله: من الرضاع، ظرفية بمعنى في مثل قوله تعالى ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي فيها فينتفي بحثه. انتهى كلام بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح عن بعض الأشياخ إن الحديث باق على عمومه ولا يُخص بالمسائل المذكورة، وبيانه أن كل مسألة منها مقدرة بتقديرين من جهة النسب ومن جهة الصهر، فجهة الرضاع مساوية لجهة النسب في الحرمة، وإنما حلت فيه المرأة نظرا إلى الجهة الأخرى فاعلمه. انتهى.
وقدر الطفل خاصة ولدا لصاحبة اللبن يعني أن الطفل الذي أرضعته امرأة يقدره الشرع ولدا لها، حرة أو أمة مسلمة أو كافرة، فيحرم عليه أصولها وفصولها نسبا ورضاعا، وأول فصول أصولها نسبا ورضاعا أيضا، وإنما يقدر ولدا لها هو خاصة أي دون إخوته وأخواته وأصوله، وأما فروعه فيقدرون أيضا أولادا لها فلم يحترز عنهم بقوله: خاصة، ولصاحبه؛ يعني أن الطفل كما يقدر
стр. 4894
خاصة ولدا لصاحبة اللبن يقدر أيضا خاصة ولدا لصاحب اللبن، والمراد بصاحب اللبن من نشأ عنه الحمل الذي أرضعت من لبنه، ومن وطئها وهي ذات لبن، فالشرع قدر الولد ناشئا من بطن المرأة صاحبة اللبن التي رضعها الطفل ومن ظهر الرجل صاحب اللبن من وطئه متعلق بقوله: قدر؛ يعني أن الطفل إنما يكون ولدا لصاحب اللبن إن رضع المرأة المذكورة بعد أن وطئها الزوج وهي ذات لبن، وطئا أنزل فيه، وأما من أرضعته قبل وطئه المذكور ولو بعد العقد عليها فإنه لا يقدر ولدا له، فكونه يقدر ولدا له مبتدأ من وطئها وهي ذات لبن وطئا أنزل فيه، ولا عبرة بالمقدمات ولا بالوطء الذي لم ينزل فيه. قال مقيده عفا الله عنه: قوله: من وطئه، راجع لبعض مدلول صاحبه وهو الواطئ لها وهي ذات لبن. والله سبحانه أعلم. لانقطاعه يعني أن الطفل يقدر ولدا لصاحب الوطء الذي أنزل فيه إن رضع بعد وطئه، فكل من رضعها بعد وطئه وهي ذات لبن يكون ولدا له إلى أن ينقطع ذلك اللبن. ولو لم ينقطع إلا بعد سنين من غير حد كما في المدونة. ولو بعد طلاقها وتمادى بها اللبن لخمس سنين أو أكثر؛ وأرضعته حينئذ. وظاهر قوله: سنين، ولو كثيرة وهو ظاهر المدونة وكتاب ابن المواز، وقاله المتأخرون. وقيل: إلى أن تلد. ذكره في مختصر الوقار. وهو رواية ابن نافع. وفي الجواهر قول أنه منقطع بالحمل. وعن ابن وهب: بوطء الثاني، وعن سحنون: يحكم به للأول إلى خمس سنين، وفي الرسالة ومن أرضعت صبيا فبنات المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له، ولأخيه نكاح بناتها انتهى. وكذا لأخيه نكاح نفسها، وكذا لأصوله لا فروعه فيحرم عليهم نكاحها ونكاح أصولها وفروعها القريبة، وأول فصول أصولها. واشترك مع القديم يعني أن المرأة إذا تزوجها رجل ووطئها فحملت منه ووضعت فحدث لها لبن وتزوجها بعده ثان ووطئها، فرضعها صبي بعد وطء الثاني لها، فإنهما يشتركان في ذلكَ الولد الذي رضعها بعد وطء الثاني. وكذا لو تزوجت ثالثا أو رابعا أو أكثر، فإنهم يشتركون في ذلك الولد، ومر في كلام المص أنه لا يكون ابنا إلا لمن رضع بعد وطئه؛ لأنه قد ثبت أن الوطء يدر اللبن، فلذا كان من وطئها يكون الطفل الذي رضع بعد وطئه ولدا له، فيكون ابنا للجميع إلى أن ينقطع اللبن كما مر. ولو بحرام يعني أن من نكح امرأة نكاحا فاسدا كمعتدة، ووطئها عالما بأنها معتدة أو حامل فحدث لها منه لبن، فرضع منه صبي فإنه يكون ابنا لذلك الواطئ. إلا أن لا يلحق به الولد يعني أن محل كونه ابنا له إنما هو إذا كان الوطء الحرام يلحق
стр. 4895
الولد بصاحبه كما مثلت له، وأما لو كان الواطيء لا يلحق به الولد كما لو كان زانيا ورضع من لبن زناه ولد فإنه لا يكون ابنا له، وهذا الذي قررت به المص هو ظاهره، لكن قال ابن غازي: صوابه ولو بحرام لا يلحق به الولد بإسقاط إلا، وبه يستقيم الكلام ويجري على ما في توضيحه. انتهى. وقال عبد الباقي: قوله: إلا أن لا يلحق به الولد، هذا ضعيف والذهب نشر الحرمة به، ثم جلب كلام ابن غازي، ثم قال: فمن زنى بامرأة ذات لبن أو حدث لها لبن بوطئه صار من [شرب (١)] منه كابنه على المشهور. ابن يونس: قال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو زنى يحرم من قبل المرأة والرجل، فكما لا تحل له ابنته من الزنى لا يحل نكاح من أرضعته المزني بها من ذلك الوطء؛ لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به، وكان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه الولد لا يحرم بلبنه من قبل فحله، ثم رجع إلى أنه يحرم وذلك أصح. وقال عبد الملك: لا تقع بذلك حرمة حين لم يلحق به الولد ولا يحرم عليه الولد أي الذي رضع إن كان ابنة. قال سحنون: وهذا خطأ صراح، ما علمت من قاله من أصحابنا مع عبد الملك انتهى من نسخة صحيحة من ابن يونس. ومثله في التوضيح، نقله بناني. وقال الحطاب عند قول المص: إلا أن لا يلحق به الولد: هذا القول ذكره ابن حبيب عن مالك، قال: ثم رجع إلى أنه يُحَرِّم وهو الأصح وقاله أئمة من العلماء. وبالتحريم قال سحنون وغيره، وهو ظاهر المذهب قاله في التوضيح انتهى وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن الحرمة تقع بين الرضيع وصاحب اللبن ولو كان عن وطء حرام يلحق فيه الولد، كمن تزوج خامسة جاهلا أو أخته من الرضاع وما أشبه ذلك، واختلف إذا كان بحرام لا يلحق به الولد كالزنى والغصب، فقال ابن حبيب: تقع به الحرمة، وقال مالك: لا تقع به الحرمة، وسواء وجب على الواطئ فيه حد أم لا، وله أيضا مثل قول ابن حبيب أنه ينشر الحرمة، وصححه ابن يونس وغيره وقال بعضهم هو ظاهر المذهب، وبهذا يعلم أن قوله: إلا أن لا يلحق به الولد، ليس بظاهر. انتهى. وقال الأمير: وقدر ولدا لها ولواطئها من الوطء مع الإنزال ولو حراما لا يلحق حمله وهو له حتى ينقطع، واشتركا إن وطئها غيره. انتهى.
стр. 4896
وحرمت عليه إن أرضعت من كان زوجا لها؛ يعني أن المرأة الكبيرة إذا ترْوجت بصغير بولاية أبيه ثم خالع عنه أبوه، ثم إنها تزوجت برجل كبير ودخل بها وأنزل فأرضعت ذلك الطفل فإنها تحرم على زوجها الذي رضعها الصبي بعد وطئه لأنها زوجة ابنه؛ يعني أنها حرمت على زوجها هذا لأجل كونها زوجة ابنه رضاعا، فالضمير في عليه، يرجع لصاحب اللبن، فالبنوة الطارئة بعد وطء الرجل لزوجته هي التي حرمت المرأة عليه، ويلغز بها، فيقال امرأة أرضعت فحرمت على زوجها، وقوله: لأنها زوجة ابنه؛ أي زوجة ابن الرجل الذي (١) هي تحته الآن؛ أي فكأنما أن زوجة الابن في النسب محرمة زوجة الابن في الرضاع محرمة أيضا، ولا يشترط دوام كونها حليلة الابن اتفاقا. وقوله: وحرمت عليه، حكم. وقوله: إن أرضعت لخ، تصوير، وقوله: لأنها، تعليل. فذكر الحكم والصورة والعلة. قاله الشبراخيتي.
كمرضعة مبانته يحتمل الإضافة وعدمها، وهو مشبه في التحريم؛ يعني أن من تزوج رضيعة ثم طلقها ثم تزوج امرأة كبيرة أو كانت تحته امرأة كبيرة فأرضعت واحدة منهما تلك الصبية التي أبانها، وطلاق الصغيرة التي لا توطأ لا يكون إلا بائنا، فإن زوجته التي أرضعت تلك الصبية تحرم عليه؛ لأنها أم زوجته والعقد على البنات يحرم الأمهات. ثم إن المص صادق بصورة ثالثة وهي أن ترضع المبانة المذكورة أجنبية ولم يتزوجها فإنه يحرم عليه نكاح تلك الأجنبية. أو مرنضع منها، اسم فاعل من ارتضع واقع على الصغيرة، وذكره باعتبار الشخص؛ يعني أن من طلق امرأة بعد أن بنى بها ثم تزوجت غيره وحصل لها لبن فأرضعت صبية، فإن تلك الصبية تحرم على زوج المطلقة، فإن كان قد تزوج تلك الصبية قبل الارتضاع فليفارقها وجوبا، وإن لم يتزوجها فنكاحها حرام عليه؛ لأنها حينئذ بنت زوجته من الرضاع، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وكلامه مقيد بالمدخول بها كما علمت؛ لأن العقد على الأمهات لا يحرم البنات. قال الشبراخيتي مفسرا للمص: أو مرتضع منها؛ أي من المبانة المتلذذ بها لأن المرتضعة منها بنت زوجته المتلذذ بها، والتلذذ بالأمهات يحرم البنات، ولو تقدمت الأمومة وتأخرت البنوة كما لو تزوج امرأة وأبانها فكل ابنة سبقت لها أو لحقت حرام على الزوج الذي أبانها بعد التلذذ، ومن تزوج صبية فأرضعتها أمه أو أخته أو جدته أو ابنته أو ابنة ابنه أو امرأة أخيه أو بنت أخيه أو
стр. 4897
بنت أخته حرمت عليه وسمع سحنون ابن القاسم في أخوين ولد لأحدهما جارية وللآخر غلام، فأرضعت أحدهما أم أبويهما لا يتناكحان أبدا. انتهى. أي فإن أرضعت الصبي صار عما للصبية وفي الصبية العكس، وهذا إذا كان الأخوان شقيقين أو لأم، فإن كانا لأب وأرضعت أحدهما أم أحد الأخوين فلا حرمة إلا لمانع كإرضاعها بلبن أبي الأخوين. والله سبحانه أعلم. وقوله: أو مرتضع منها أي بلبن غيره ليلا يكون تكرارا مع ما مر من قوله: ولصاحبه،
وإن ارضعت زوجتيه اختار؛ يعني أن من تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة، له أن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى؛ لأنهما صارتا أختين، وكذا له أن يختار واحدة في أكثر من اثنتين أرضعتهن امرأة، قوله: وإن أرضعت زوجتيه؛ أي أرضعتهما امرأة يحل له نكاح بناتها، احترازا عن أمه أو أخته أو جدته أو ابنته أو ابنة ابنه أو امرأة أخيه، فلا اختيار بل يحرم عليه الجميع. وإن الأخيرة؛ أي له أن يختار واحدة منهما شاءها وإن كانت التي يختارها هي الأخيرة عقدا ورضاعا إن ترتبتا، وإن كانتا بعقد كان معنى كلامه اختار من شاء منهما وإن كانت هي الأخيرة رضاعا، وكان له أن يختار واحدة لأن العقد وقع صحيحا، وقوله: وإن أرضعت لخ، هذا إذا لم يتلذذ بالمرضعة. وإن كان قد بنى بها حرم الجميع؛ يعني أنه إذا كانت المرأة التي أرضعت زوجتيه قد بنى بها، فإنه يحرم الجميع أي جميع الرضعات فليس له أن يختار واحدة منهن أو منهما؛ لأن الدخول بالأمهات يحرم البنات. وقوله: بنى أي تلذذ، ولو قال: تلذذ بها، بدل بنى بها لكان أحسن قاله الشبراخيتي. وقال الشارح: وإن أرضعت زوجتيه اختار وإن الأخيرة، هذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة؛ قال فيها ومن تزوج صغيرة بعد صغيرة فأرضعتهما أجنبية فليختر واحدة ويفارق الأخرى، ثم قال فيها: ولا يفسد نكاحهما كما فسد عقد متزوج الأختين في عقد، لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين. وقال ابن بكير: الحكم متساو، فلا يختار عنده شيئا بل يفارقهما معا، فلو كانت المرضِع مع ذلك زوجتَه حرمت أيضا، إلا أنه إن كان قد بنى بها حرم الجميع عليه. انتهى. المراد منه. وأدبت المتعمدة للإفساد يعني أن الكبيرة المتعمدة للإفساد بإرضاعها للصبيتين أو بإرضاعها لذكر، كما في مسألة إن أرضعت من كان زوجا لها تؤدب لتعمدها للإفساد، فقوله: للإفساد، متعلق بالمتعمدة، وإنما تؤدب العالمة بحكم الرضاع لا الجاهلة بحكمه فلا أدب عليها، ويؤخذ ذلك من كلام المص، ولا غرامة عليها على المشهور،
стр. 4898
ويفسخ بلا طلاق في الجميع. فإن لم تكن متعمدة للإفساد فلا أدب سواء كانت زوجة أو أجنبية. قاله الشارح. وفسخ نكاح المتصادقين عليه؛ يعني ان الزوجين إذا تصادقا على أنهما متراضعان قبل الدخول أو بعده ولو سفيهين، فإنه يفسخ نكاحهما قبل وبعد، لاتفاقهما على فساد النكاح، وهذا إذا كانا مكلفين، وأما إن كانا غير مكلفين فلا يفسخ لعدم الاعتداد بإقرارهما حينئذ كقيام بينة علي إقرار أحدهما قبل العقد؛ يعني أنه إذا قامت بينة على أن أحد الزوجين أقر قبل العقد بالرضاع، ولم يطلع على ذلك إلا بعد العقد، فإن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده، أقامها الآخر أو قامت احتسابا. والمراد بالبينة هنا البينة التي يثبت بها الرضاع على ما يأتي آخر الباب.
ولها المسمى بالدخول؛ يعني أنه إذا فسخ النكاح قبل الدخول في المسألتين فإنه لا شيء فيه، وأما إن فسخ بعد الدخول فلها المسمى الحلال في المسألتين، أو صداق المثل حيث علما بالرضاع أو جهلاه أو علم هو به وحده قاله غير واحد. فإن قيل: كيف يتصور جهلهما معا؟ فالجواب أنه يتصور جهلهما حين العقد في المتصادقين بعده. وهو واضح. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشارح عند قوله: ولها المسمى بالدخول. ظاهره كان الفسخ لإقرارهما معا أو لإقرار أحدهما، أما إن كان المقر هو الزوج وقد دخل بالزوجة كان لها الصداق، اعترف قبل العقد أو بعده، قبل الدخول أو بعده، وإن لم يدخل وكان اعترافه قبل العقد لم يكن عليه صداق، فإن كان بعد العقد فعليه نصف الصداق، إلا أن تصدقه الزوجة فلا شيء لها. وإن كان المقر بذلك هو المرأة لم يكن لها شيء وإن دخل بها، وسواء أقرت قبل العقد أو بعده؛ لأنها غرت الزوج وأتلفت بضعها، إلا أن يعترف الزوج أنه كان عالما فيكون لها الصداق إن دخل. انتهى.
إلا أن تعلم فقط فكالغارة؛ يعني أن محل تبوت المسمى لها بالدحْول إنما هو حيث علما أو جهلا أو علم هو وحده، وأما إن علمت هي بالرضاع فإن لم يبن بها فسخ ولا شيء لها، وإن بنى بها فحكمها حكم الغارة بالعيب، فلها ربع دينار ويفسخ النكاح، وقد علمت أن قوله: إلا أن تعلم فقط، هو فيما إذا أقامت بينة على إقرارها قبل العقد أنهما متراضعان. وقولي: فكالغارة بالعيب، فسرته بذلك تبعا لبناني، فإنه قال: الظاهر أن المراد فكالغارة بالعيب لأنه هو الذي تقدم للمص، فيكون حوالة على معلوم لا على مجهول تأمل. انتهى. وقرره غير واحد على أن معناه: فكالغارة بانقضاء عدتها وتزوجت فيها عالمة بالحكم، فلها ربع دينار فقط، ليلا يعرى البضع عن الصداق.
стр. 4899
وهذا يجرى في كل مسألة حصل فيها الفسخ بعد البناء. انتهى. وهذا لفظ عبد الباقي، ونحوه للشبراخيتي. وقال الشارح: قال ابن يونس: إن أصدقها وكان قد دخل يجب أن يرجع عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار كالتي غرت من نفسها وتزوجت في العدة، وهذا معنى قوله: إلا أن تعلم فقط؛ أي المرأة دون الزوج فكالغارة؛ أي فيترك لها ربع دينار إن دخل وإن لم يدخل فارق ولا شيء عليه. انتهى. ابن عرفة: والفرقة بإقرارها تسقط مهرها. اللخمي: ولو دخلت لأنها غارة إلا أن يدخل عالما به فيجب. انتهى. ثم ذكر مفهوم: قبل العقد من قوله: كقيام بينة على إقرار أحدهما قبل العقد، بقوله:
وإن ادعاه فأنكرت أخذ بإقراره، يعني أن الزوج إذا أقر بالرضاع بعد العقد وأنكرته المرأة أو قالت: لا علم عندي، فإن الزوج يؤخذ بإقراره أي يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وينظر حينئذ فإن كان الفسخ قبل البناء فلها النصف؛ أي نصف المهر لأنه يتهم على إقراره ليفسخ النكاح بلا صداق، وإن كان قد بنى بها فلها المسمى، وعلم من قوله: ولها النصف، أن محل كلامه قبل البناء كما قررت، بهذا فسره غير واحد، وهذا الذي ذكره هنا مفهوم قبل العقد بالنسبة له، وأما بالنسبة لها فأشار إليه بقوله: وإن ادعته فأنكر لم يندفع؛ يعني أن الزوجة إذا ادعت بعد العقد على الزوج أنه أخوها من الرضاعة مثلا وأنكر هو ذلك لم يندفع النكاح؛ أي لم ينفسخ بقولها ذلك لأنها تتهم على إرادة الفراق، ولتفتد منه. قاله الأمير. ولا تقدر علي طلب المهر قبله؛ أي الدخول يعني أن هذه المرأة التي أقرت بعد العقد بالرضاع وأنكره الزوج إذا طلبت المهر لا تقدر على طلب المهر؛ أي لا تجعل قادرة على ذلك؛ أي لا تمكن من طلبه؛ أي المهر قبل الدخول؛ لأنها مقرة بفساد العقد فلا تستحق شيئا إلا بالدخول، وظاهر المص أنها لا تستحق بالموت شيئا، وإنما لم يقل المص: وليس لها طلب المهر قبله؛ لأن نفي القدرة أبلغ من نفي الطلب، وليس لهذه المرأة تخلص من هذا الرجل إلا بالفداء أو يطلق باختياره، فإن طلق قبل الدخول فلا نصف لها، كما يفيده ابن عبد السلام وابن عرفة، والتوضيح والشارح وحلولو وهو الموافق لقوله فيما مر: كطلاقه، تشبيها بقوله قبله: وسقط بالفسخ قبله، قاله عبد الباقي. وقوله: ولا تقدر على طلب المهر قبله أي الدخول، كما علمت، فلو بنى بها فمقتضى كلام غير واحد أن لها الصداق. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى أعلم. ولو قال الزوج أو الزوجة أو الأجنبي أو
стр. 4900
الأجنبية: هو أخي أو هي أختي من غير أن يقول من ذكر من الرضاعة فإن ذلك لا يثبت إقرارا بالرضاعة، ففي سماع القرينين: من تزوج امرأة فشهد عليها أنها كانت تقول قبل نكاحهما: أخي أخي، لم تحرم عليه. من كلام الناس: قول المرأة أخي أخي ولا قرابة بينهما. ابن رشد: لأن المؤمنين بعضهم لبعض إخوة، ولقول الرجل لزوجته: يا أختي، لا تكون طالقا، ولقول الرجل لصبي لا يعرف نسبه: يا بني لا يكون استلحاقا، قال التتائي: ولا قذفا لمعلوم النسب، انتهى. والظاهر أن من هذا القبيل قول الرجل لعبده أو أمته: يا ولدي ويا بنتي، فلا يكون عتقا. خلافا للشافعي في كونه عتقا. انظر الشبراخيتي.
وإقرار الأبوين مقبول قبل النكاح؛ يعني أن الصغيرين من ذكر وأنثى إذا أقر أبواهما بالرضا وكان ذلك الإقرار قبل عقد النكاح فإن إقرارهما ذلك مقبول، فيثبت به رضاعهما فلا يتزوجها، وإن تزوجها فسخ ذلك النكاح أبدا، ولا يقبل إقرارهما في الكبيرين. وظاهر أحمد ولو سفيهين، وظاهر ابن عرفة أن السفيهين مثل الصغيرين، فيثبت الرضاع بينهما بإقرار أبويهما، والمراد بالأبوين أبو الصغير وأبو الصغيرة، أو أبو أحدهما وأم الآخر لا أمه وأمها، فإنهما يدخلان في قوله: وبامرأتين إن فشا. قاله عبد الباقي. وغيره. وقال بناني عن الرماصي: كلام المؤلف فيمن يعقد عليه بغير إذنه وهو الابن الصغير والابنة البكر. كذا النقل في المدونة وغيرها. فلا وجه للتقييد بالصغر في البنت وإن وقع في رواية ابن عرفة. انتهى وقال الشبراخيتي: وإقرار الأبوين بالرضاع بين ولديهما الصغيرين، وأما البالغان فلا يقبل قول أبويهما قبل النكاح ولا بعده ولو كانا سفيهين كما قرره بعض الأشياخ، وهو موافق لكلام الزرقاني. وظاهر كلام ابن عرفة أن السفيهين بمنزلة الصغيرين، وقوله: الأبوين، يشمل أباه وأباها وأبا أحدهما وأم الآخر، ولا يشمل أم كل منهما، ويدخل هذا في قوله: وبامرأتين إن فشا، فجعل بعضهم هذه داخلة في كلامه هنا غير ظاهر. انتهى. وقال الأمير: وعمل في غير الرشيد ولا رشد إلا بعد بلوغ بإقرار أحد الأبوين ولوأما على الراجح. خلافا لما في الأصل. وأولى هما قبل العقد فيفسخ إن وقع ولا يعتبر إقرارهما بعده. انتهى. وفي شرح ابن عبد السلام على ابن الحاجب ما يشهد له، ونقله اللخمي عن مالك. قاله الشارح. وقوله: وإقرار الأبوين، ظاهره أن الوصيين لا يثبت لهما هذا الحكم. قاله الشبراخيتي.
стр. 4901
لا بعده؛ يعني أن أبوي الزوجين الصغيرين إذا أقرا بعد عقد النكاح بأنهما متراضعان فإن إقرارهما ذلك لا يعتبر، وهو كإقرارهما بالرضاع بين الكبيرين، فلا يعتبر مطلقا بعد العقد أو قبله على ما مر وقوله: لا بعده؛ أي ويصيران شاهدين فيعتبر فيهما ما يعتبر في الشهود على ما يأتي آخر الباب، وليس المراد: لا يقبل أصلا. قاله عبد الباقي عن أحمد عن ابن عرفة. وهو مخالف لا في الشارح، ونصه: وإن أقرا بذلك بعد عقد النكاح لم يقبل قولهما، قال في النوادر عن مالك: ولو كانا عدلين. انتهى.
كقول أبي أحدهما قال عبد الباقي: تشبيه تام فيقبل إقراره حيث كان ولده غير بالغ وكان إقراره قبل عقد النكاح لا بعده. انتهى. وقاله الشبراخيتي. ولا يقبل منه أنه أراد الاعتذار؛ يعني أنه إذا أقر الأبوان أو أحدهما بالرضاع قبل النكاح بحيث يكون الإقرار مقبولا ثم قالا أو أحدهما عند إرادة عقد النكاح مثلا: ما أقررت به ليس على حقيقته وإنما أردت الاعتذار لعدم إرادتي للنكاح، فإن ذلك لا يقبل وإن تناكحا فرق بينهما، وظاهر هذا ولو لم يتول الأب العقد بأن رشد الولد وعقد لنفسه، وهو كذلك على أحد أقوال ثلاثة، ذكرها ابن عرفة. ونصه: فإن رشد الولد ففي كونه كذلك، وصيرورته كأجنبي، ثالثها: إن كان أنكحه صغيرا؛ الأول لنقل اللخمي مع قول الصقلي كأنه المذهب، والثاني قاله اللخمي كأنه المذهب، والثالث لأبي حفص العطار مع قول عياض: إن لم يعقد الأب النكاح حتى رشد ابنه وابنته وجاز أمرهما فهو كأجنبي، واختلف إن فسخ نكاحهما بقوله ثم رشدا هل ذلك تأبيد تحريم كالحكم بصحة رضاعهما؟ وهو قول غير واحد أم لا. نقله بناني وغيره. وقال الشارح. قال في المدونة: وإذا قال الأب: رضع فلان وفلانة مع ابني الصغير أو مع ابنتي، ثم قال: أردت الاعتذار لم يقبل منه [فإن تناكحا] (١) فرق السلطان بينهما. انتهى.
بخلاف أم أحدهما؛ يعني أن قول أم أحد الصغيرين ليس كقول أبي أحدهما، فإذا قالت أم أحدهما قبل عقد النكاح: هذا رضع مني فالتنزه مستحب لا واجب، وظاهره ولو كانت وصية خلافا لأبي إسحاق. قال: لأنها تصير حينئذ كالأب فيقبل إقرارها على الصغير قبل النكاح، لأنها تصير حينئذ كالعاقد للنكاح. وفي الشبراخيتي: قال في الشرح: فجعل؛ أي التتائي كلام
стр. 4902
المص فيما إذا رجعت عن قولها: إنها أرضعته، ونحوه في المواق، وفي السماع ما يفيد أن قولها لا يوجب تحريما ولو بقيت عليه، وقد ذكره ابن غازي في تكميله. انتهى. وأما أمهاتهما فيقبل قولهما، قبل النكاح إن فشا ذلك من قولهما وإن لم يفش فلا يقبل كما نقله ابن عرفة عنها، ونصه: فيها لابن القاسم: إن شهد برضاع الزوجين أمهاتهما لم تقبل شهادتهما إلا أن يكون فاشيا من قولهما قبل النكاح، قلت فهما كالأجنبيات في قول مالك. انتهى. وقال بناني: الفرق بينهما يعني بين الأب والأم أن العقد للأب فصار ذلك كإقراره على نفسه، وإلى هذا ينظر الخلاف في الأم إن كانت وصية وأنها تتنزل منزلة الأب كالوصي لأنه العاقد وإن كانت توكل. قاله الشيخ أبو زيد. انتهى. وقد مر قول الأمير: وعمل في غير الرشيد، ولا رشد إلا بعد بلوغ بإقرار أحد الأبوين ولو أمًّا على الراجح، خلافا لما في الأصل، وأولى هما قبل العقد، فيفسخ إن وقع ولا يعتبر إقرارهما بعده. انتهى. وقال الشارح: وفيها أي المدونة: وإن قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي، ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة لم يقبل قولها الثاني، ولا أحب تزويجها. أبو محمد: فإن تزوجها فلا يفرق القاضي بينهما، ففرق بين إقرار الأب وإقرار الأم؛ وحكى اللخمي التسوية بين إقرارهما عن مالك بوجوب التفرقة. أبو إسحاق: والأقيس ما في المدونة إلا أن تكون الأم وصية والوصية بمنزلة الأب، وقيل: ولو كانت وصية. انتهى.
ويثبت برجل وامرأة؛ يعني أن الرضاع يثبت بشهادة رجل واحد مع امرأة بشرط أن يكون الرضاع فاشيا أي منتشرا في الناس من قولهما قبل عقد النكاح. وبامرأتين؛ يعني أن الرضاع يثبت بشهادة امرأتين بشرط كونه فاشيا من قول المرأتين قبل عقد النكاح، وأولى لو فشا من قول غير من ذكرت ويشمل كلامه الأب والأم للبالغين والأمهتين للبالغين، فقوله: وبامرأتين، سواء كانتا أمهتين أو أجنبيتين. وإنما يثبت بشهادة من ذكر إن فشا قبل العقد؛ يعني أنه إنما يثبت بشهادة من ذكر إن كان فاشيا من قول من ذكر قبل العقد وأولى من غيرهم.
وعلم مما قررت أن قوله: إن فشا، قيد في المسألتين؛ قال الشارح: والمذهب أنه يثبت بهما، وقال ابن الجهم: لابد فيه من أربع نسوة ولا يقبل فيه دون ذلك من النساء، وعلى الأول فلابد من كونه فاشيا من قولهما قبل العقد، فإن لم يكن فاشيا من قولهما فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يثبت وقال مطرف وعبد الملك وغيرهما: إنه يثبت إذا كانتا عدلتين، وأما الرجل والمرأة
стр. 4903
فقال بعضهم: كالمرأتين فإن فشا من قولهما قبل النكاح قُيلَ وإلا فلا على المشهور، ويأتي قول مطرف وعبد الملك بل هنا أولى، وكذلك اختيار اللخمي. فقوله: إن فشا قبل العقد، قيد في المسألتين. انتهى. كلام الشارح.
وهل تشترط العدالة مع الفشو؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في شهادة من ذكر من رجل وامرأة والمرأتين هل لابد في قبولها من اجتماع العدالة مع الفشو أو لا تشترط العدالة مع الفشو، وعليه فإذا فشا الرضاع من قول من ذكر لا تشترط عدالتهم، في ذلك تردد، الأول: للخمي، قال الشارح: ومقتضى ما نقله اللخمي الاشتراط. ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم. انتهى. والثاني: لابن رشد، قال: لا تشترط العدالة مع الفشو. قاله الشارح. قال مقيده عفا الله عنه: وقد تقرر أنه إذا تعارض كلام ابن رشد وكلام اللخمي فالعمل بقول ابن رشد. وقال الأمير: ولا يشترط حين الفشو عدالة على الراجح. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وبرجلين يعني أن الرضاع يثبت بشهادة رجلين عدلين ولا خلاف في ذلك، ويثبت بهما حصل فشو أم لا، والمرأتان والرجل كالرجلين، فيثبت حصل فشو أم لا، وقال الشارح عند قوله وبرجلين ما نصه: نقل غير واحد أنه لا خلاف في ثبوته بشهادتهما. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويثبت برجلين اتفاقا فشا أم لا، وأخره عما قبله ليلا يتوهم رجوع الفشو إليه، وللتنبيه على أن الأصل في هذا الباب النساء. انتهى. ونحوه لعبد الباقي وزاد: فإن لم يكونا عدلين لم يثبت وينبغي تقييده بعدم الفشو وإلا جرى التردد، قال أحمد: وأما المرأتان مع الرجل فكالرجلين كما يدل على ذلك قولهم: المرأتان فأكثر كالرجل، وحينئذ فتقبل شهادتهما مع الرجل وإن لم يكن فشو قبل العقد. انتهى.
لا بامرأة يعني أن الرضاع لا يثبت بشهادة امرأة واحدة إن لم يفش ذلك من قولها قبل العقد اتفاقاة بل ولو فشا الرضاع من قولها قبل العقد على المشهور. ولمالك: أن الفشو يقوم مقام امرأة أخرى. وقوله: لا بامرأة، مطلقا كانت أم أحدهما أم لا، وقوله: ولو فشا، هذا القول هو القياس، ولكن ظاهر الحديث خلاف هذا كله. قاله ابن عبد السلام. والحديث مذكور في الصحيح (عن عقبة بن الحارث أنه تزوج بنتا لأبي إهاب فأتت امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج،
стр. 4904
فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني فأرسل إلى [آل] (١) أبي إهاب فسألهم، فقالوا: ما علمناها أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : (كيف وقد قيل؟ وحكم بفراقهما ونكحت زوجا غيره (٢)) وفي طريق آخر (قلت إنها كاذبة، قال: وكيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ دعها عنك (٣)).
وندب التنزه مطلقا؛ يعني أنه إذا شهد بالرضاع شهادة لا توجب الفراق فإنه يندب التنزه أي فراق المرأة المشهود برضاعها الشهادة المذكورة، ومعنى الإطلاق في كل شهادة لا توجب الفراق سواء كانت شهادة امرأة واحدة أو شهادة رجل واحد ولو عدلا، وسواء كانت المرأة أما أو أجنبية، أو كانت شهادة امرأتين ولم يحصل فشو، ومعنى التنزه أن لا يتزوجها أو يطلقُها إن كانت زوجة لأنها مظنة للطعن. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وندب التنزه مطلقا عن كل نكاح شهد فيه بالرضاع ولم يثبت لأنه مظنة للطعن، (وقد تبسم ﷺ حين أخبر برضاع امرأة وقال: كيف وقد قيل (٤)) وقال: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه (٥)). فندب ﷺ ولم يحرمها وهذا منها. انتهى المراد منه. وقال الشارح: وندب التنزه مطلقا؛ أي في كل شهادة لا توجب الفراق كالمرأة الواحدة أو الرجل الواحد أو المرأتين إذا لم يحصل فشو من قولهما قبل العقد. انتهى. ورضاع الكفر معتبر؛ يعني أن الرضاع الواقع في حال الكفر معتبر، فلا فرق بين رضاع الكفر ورضاع الإسلام، وكذا الرق فلا فرق بين الرضاع في حال الرق وحال الحرية، فلو أرضعت كافرة صغيرا مسلما أو كافرا ثم أسلم فلا يحل له نكاح بنت تلك الكافرة التي أرضعته، فكما أن نسب الكفر معتبر رضاعه معتبر، وقال ابن عرفة: ورضاع الكفر والرق معتبر كنقيضهما. انتهى. فلو أرضعت ذمية صغيرا مسلما مع ابنة لها لم يحل له نكاح أخته ولو لم تسلم. قاله الشبراخيتي. وقال الشارح: ورضاع الكفر معتبر؛ أي فلا يرتفع حكمه بالإسلام كما لا يرتفع حكم النسب به. قال في المدونة: وحرمة الرضاع بين الأحرار والعبيد في الشرك والإسلام واحد. انتهى. والغيلة وطء المرضع الغيلة
стр. 4905
بكسر الغين المعجمة وقيل بفتحها وقيل بالفتح المرة الواحدة. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: بكسر الغين المعجمة، وقيل: بالفتح. انتهى. قال بناني: كذا في التتائي، والذي في كلام عياض: جواز الكسر والفتح لا أنهما قولان. قال في المشارق: الغيلة بفتح الغين وكسرها، وقال بعضهم: لا يصح الفتح إلا مع حذف الهاء. وحكى أبو مروان وغيره من أهل اللغة الغيلة بالهاء والفتح والكسر معا، هذا في الرضاع وأما في القتل فبالكسر لا غير. وقال بعضهم: هو بالفتح من الرضاع المرة الواحدة، وجزم في الإكمال بأن الفتح للمرة وفي غيرها بالكسر. انتهى. ومعنى كلام المص أن الغيلة المذكورة في الحديث هي وطء المرضع، سواء كان معه إنزال أم لا، وقيل بقيد الإنزال. وفي الحديث: (هممت أن أنهى الناس عن الغيلة حتى سمعت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم (١)). فنهيه ﵊ لأجل الضرر، وقيل: هي إرضاع الحامل والحكم فيها أنها تجوز، والأولى تركها إن لم يتحقق الضرر وإلا منع، وإن خشي كره. وقوله وتجوز؛ أي الغيلة التي هي وطء المرضع لا إرضاع الحامل فإنه مضر. قاله الشارح. وما ذكره المص في تفسير الغيلة هو الظاهر لأن المشاهدة تدل على ضرر إرضاع الحامل، وقد ثبت عنه ﵊ أن الغيلة لا تضر. أبو الحسن الصغير: معنى نفي ضرر وطء المرضع أي كل الضرر، وأما بعضه فحاصل. الشيخ: معنى بعض الضرر يحتمل ضرر بعضهم دون بعض، ويحتمل ضرر الجميع إلا أنه خفيف. انتهى. قاله الشبراخيتي. ولما أنهى الكلام على النكاح وشروطه وموانعه، شرع في الكلام على النفقات وبدأ بأقوى أسبابها وهو الزوجية، فقال: