خرجت منه لأنها تركت ما كان واجبا لها فلا يلزمه بعُدولها عنه عوض، وسواء أكرى الزوج الموضع الذي هربت منه أو تركه خاليا كما هو ظاهر المص، وهو ظاهر المدونة وابن الحاجب، وقال اللخمي: لا شيء لها إلا إن أكراه فترجع بالأقل مما اكترت أوأكرى به ولها النفقة إن كان طلاقها رجعيا ولو خرجت بغير رضاه، والكراء في هذا بخلاف النفقة لأن المطلقة لا متعة له فيها، ولو ارتجعت فامتنعت من العود سقطت من حينئذ نفقتها. قاله عبد الباقي وغيره. كنفقة ولد هربت به يعني أن الولد إذا هربت به أمه المعتدة مدة ثم جاءت تطلب نفقته تلك المدة فإنها لا شيء لها لأجل هروبها به، وهذا إذا لم يعلم الزوج بموضعها أو علم وعجز عن ردها، وإلا لم تسقط وترد لتبيت بمسكنها إلى أن تنقضي عدتها. قاله عبد الباقي. فقوله: هربت، فاعله ضمير يعود على المعتدة. قال مقيده عفا الله عنه: وظاهر عبارة الأمير أن هذا الحكم جار في المعتدة وغيرها، فإنه قال: ولا شيء لمن انتقلت ولو أكرى موضعها كهاربة بولده فلا نفقة لها. انتهى. وللغرماء بيع الدار في المتوفي عنها يعني أن المعتدة من وفاة يجوز لغرماء زوجها أن يبيعوا الدار التي تعتد فيها لكن، بشرط أن يستثنوا مدة السكنى للمعتدة وهي أربعة أشهر وعشر. وقاله في المدونة. وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز ذلك لأنه غرر لجواز الريبة. قاله الشارح. فإن لم يبين البائع ذلك على ما في المدونة فإن البيع صحيح ويثبت للمشتري الخيار لكنه لا يجوز ابتداء لأنه بمنزلة كتم العيب. وهي أحق من الغرماء لأن هذا حق تعلق بعين، ومفهوم قوله: للغرماء منع الورثة من بيعها وهو كذلك إذا كان البيع في غير دين، وأما في دين فيجوز. قاله غير واحد. أي يجوز مع استثناء سكناها مدة العدة، ومحل الجواز إذا طلب رب الدين ذلك. قاله عبد الباقي. وقال أبو الحسن: واختلف هل للورثة بيع الدار واستثناء العدة؟ فأجازه اللخمي ومنعه غيره، لأنه غرر لا يدري المشتري متى يتصل بقبض الدار، وإنما رخص فيه في الدين. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي: ولم يتعرض المص لبيع الدار فيمن تعتد بالموضع والظاهر أنها كمن تعتد عدة الوفاة. انتهى. وقال الأمير: وجاز بيع الدار إن اعتدت بالأشهر لا بالوضع أو الأقراء للجهالة. انتهى. وما قاله هو الظاهر لا ما للشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. وإن ارتابت فهي أحق يعني أنه إذا بيعت الدار بشرط مدة العدة في الوفاة فارتابت المرأة بحس بطن أو تأخير
стр. 4832
حيض فإنها تكون أحق من الغرماء بالسكنى إلى انقضاء عدتها إذ لا مدخل لها في التطويل. قوله: فإن ارتابت فهي أحق، قاله مالك في الموازية. نقله الشارح. وللمشتري الخيار يعني أنها إن ارتابت فهي أحق إلى أن تنتهي عدتها كما عرفت، ويثبت الخيار للمشتري عند مالك، فإن شاء أمضى البيع وإن شاء رده؛ وقال ابن القاسم: يلزمه المبيع لدخوله على ذلك وهي مصيبة نزلت به فلا خيار له والقولان مرويان عن سحنون. قاله الشارح. وللزوج في الأشهر يعني أنه يجوز للزوج بيع الدار التي تعتد فيها زوجته المطلقة حيث كانت تعتت بالأشهر كالصغيرة واليائسة مع البيان، كمن باعها واستثنى سكناها ثلاثة أشهر فهو معلوم، وأما إن كانت تعتد بالأقراء أو الحمل فإنه لا يجوز للزوج أن يبيعها كما في الجواهر، لعدم العلم بأمدها، وقوله: وللزوج في الأشهر؛ أي وكذا الغرماء ومع توقع الحيض قولان يحتمل أن يكون الظرف متعلقا بمقدر هو الخبر أي وفي بيعه مع لخ، ويحتمل أن يكون الخبر هو الظرف، ومعنى كلامه: أنه لا إشكال في جواز بيع الزوج للدار فيمن تحقق أنها تعتد بالأشهر، وأما إذا كانت يتوقع حيضها وهي تعتد بالأشهر واشترط البائع أنها إن حاضت تمكث حتى تنقضي مدة الأقراء فإنه اختلف هل يؤثر هذا الشرط في البيع الفساد؟ أو لا، على قولين؛ هكذا قرره بناني والرماصي، وقال بناني هذا هو المراد بقول عبد الباقي: واستثناء مدة العدة؛ يعني عدتها في نفس الأمر وأصله لابن عبد السلام. انتهى. والقولان مبنيان على مراعاة الطواري والأحوال، فمن نظر إلى الطواري منع ومن نظر إلى الحال أجاز، وعلى القول بالجواز لا كلام للمشتري إذا حصل لها حيض وانتقلت للأقراء لأنه دخل مجوزا لذلك، وعلى القول بالمنع يفسخ البيع. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وعلى هذا التقرير لو باع مع توقع الحيض واستثنى الأشهر فالظاهر أنه يصح ويكون للمشتري الخيار، كما يفيده الأمير، ولابد من تحرير هذه المسألة، فأَقُولُ متبرئا من القوة والحول معتصما بمن له المنة والطول: المعتدة هنا إما من وفاة أو طلاق، والبائع في الأولى إما الغرماء أو الورثة، وفي الثانية إما الغرماء أو الزوج فتلك أربع، والعدة في الأولى إما بالوضع أو بأربعة أشهر وعشر مثلا، وفي الثانية إما بالأشهر أو بالوضع أو بالأقراء، فتلك عشر صور، الأولى: أن تكون معتدة من وفاة بالأربعة وعشر مثلا والبائع الغرماء فلهم المبيع خلافا لابن عبد الحكم، وعلى الأول فإنما يجوز
стр. 4833
بشرط أن تبين مدة العدة، فإن لم تبين لم يجز ذلك والبيع صحيح وللمشتري الخيار. الثانية: كذلك إلا أن البائع الورثة في غير دين، أجاز المبيع اللخمي ومنعه غيره، وهو مقتضى المص، وإن باع الورثة في دين جاز. الثالثة: أن تكون معتدة من وفاة بالموضع والبائع الغرماء فالمنع، كما مر عن الأمير وهو الظاهر، ومر عن الشبراخيتي استظهار الجواز. الرابعة: كذلك إلا أن البائع الورثة فالمنع، وإذا فرعنا على المشهور من أن للغرماء المبيع حيث اعتدت بالأربعة الأشهر وعشر وارتابت فهي أحق بالسكنى، وللمشتري الخيار عند مالك خلافا لابن القاسم. الخامسة والسادسة: أن تكون معتدة من طلاق بالأشهر ولا يتوقع حيضها والبائع الغرماء أو الزوج فالجواز فيهما، ومع توقع الحيض فالجواز للغرماء وفي الزوج القولان المتقدمان على ما مر. السابعة والثامنة: أن تكون معتدة من طلاق بالأقراء والبائع الزوج أو الغرماء فالمنع فيهما كما في الأمير. التاسعة والعاشرة: أن تكون معتدة من طلاق بالوضع والبائع الغرماء أو الزوج فالمنع فيهما. وعبارة الأمير: وجاز بيع الدار إن اعتدت بالأشهر، وقال في الشرح: لا بالوضع أو الأقراء للجهالة، وأتبعه في المتن بقوله: ولو توقع حيضها والبائع الغرماء، قال في الشرح: جملة حالية، وأتبعه في المتن بقوله: وفي الزوج خلاف وبين وإلا فللمشتري الخيار كإن حدثت ريبة وفسد بشرط زوالها. انتهى. وما مر من صور الجواز فيما إذا لم يبع بشرط زوال الريبة، وإلا فهو قوله: ولو باع إن زالت الريبة فسد وعبارة ابن الحاجب: والبيع بشرط زوال الريبة فاسد؛ يعني أن من ذكر من الغرماء في المتوفى عنها والزوج في الأشهر إذا باع الدار التي تعتد فيها المرأة، وقال في عقد البيع: إذا زالت الريبة فالبيع بيننا لازم وإن استمرت فالبيع مردود فإن هذا البيع الذي وقع فيه هذا الشرط فاسد، وقوله: إن زالت الريبة؛ يعني الحاصلة وقت البيع أو التي ستحصل. قاله عبد الباقي: وقوله: الحاصلة؛ أي زالت في زمن العدة. والله أعلم. قاله مقيده عفا الله عنه. وقال الشبراخيتي عند قوله: إن زالت الريبة: بأن لم تحصل أصلا أو حصلت وزالت قبل انقضاء العدة فالبيع لازم، وإن استمرت فهو مردود. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: أي إن دخل البائعان على أن المرأة إن لم تحصل لها ريبة أو حصلت وزالت في زمن العدة فالبيع ماض، وإن استمرت بها فالبيع مردود كان البيع فاسدا؛ وهو مذهب الواضحة، واختاره ابن المواز، ويفسخ إن وقع،
стр. 4834
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن المبتاع لا حجة له؛ قال سحنون: ولو تمادت بها الريبة خمسة أعوام لأنه قد علم أن ذلك أقصى أمد الحمل كأنه داخل على علم. انتهى. وفي الشبراخيتي نحوه. وما قررت به المص هو الذي قرره به غير واحد؛ قال بناني: ومثله في التوضيح، واعترضه الناصر اللقاني، ووضحه مصطفى قائلا: إنه تقرير غير صحيح، وإنما معنى كلام ابن الحاجب المبيع بشرط مكث المعتدة إلى زوال الريبة، هذا هو المفروض في كلام الأئمة وبه قرر المواق. قال في الجواهر: ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا، قال القاضي أبو الوليد: وهذا عندي على من يرى للمبتاع الخيار، وأما على قول من يلزم ذلك فلا تأثير للشرط. انتهى. وأبدلت في المنهدم يعني أن الزوجة المطلقة إذا انهدم المسكن الذي تعتد به فإنه يجب على الزوج أن يبدلها غيره من مسكن تعتد بد سواء كان ملكا للزوج أم لا، وكذا المتوفى عنها إن انهدمت مقصورتها فتبدل بمقصورة أخرى من دار الميت التي هي له أو نقد كراءها على ما مر، فإن انهدمت الدار بتمامها لم تبدل بغيرها ولو كان للميت دار أخرى، لانتقالها للورثة مع عدم تعلق حقها بها بخلاف الدار التي كانت مقصورتها بها فإنها وإن انتقلت للورثة للمرأة تعلق حق بها. وهو اعتدادها. والمعار يعني أن الزوجة المطلقة إذا كانت تعتد في منزل معار لزوجها وانقضت مدة الإعارة فإنه يجب على زوجها أن يبدلها مسكنا غيره. والمستأجر بفتح الجيم يعني أن الزوجة المطلقة إذا كانت تعتد في منزل استأجره زوجها وانقضت مدة الإجارة فإنه يجب على زوجها أن يبدلها مسكنا غيره ووصف المعار والمستأجر بقوله: المنقضي المدة أي الذين انقضت مدتهما فهو بفتح الياء الأولى بصيغة التثنية وأشعر قوله: المنقضي المدة، أنه إن لم يقيد بمدة فلربهما إخراجها ولها في الطلاق البدل قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله: وأبدلت في المنهدم والمعار والمستأجر المنقضي المدة ما نصه: يريد إذا امتنع ربه من كرائه وكان لامتناعه وجه وإلا فليس له الامتناع. انظر التوضيح وغيره انتهى. وإن اختلفا في مكانين أجيبت مرتب على الإبدال؛ يعني أنه إذا انهدم المسكن أو انقضت مدة العارية أو الإجارة واختلفا أي المطلق والمطلقة في مكانين بأن دعت هي إلى محل ودعا هو إلى محل آخر ولا ضرر على واحد منهما بذلك فإن المرأة تجاب إلى السكنى في المكان الذي دعت إليه، ولا تجاب إلى المكان الذي فيه ضرر على الزوج، كجوارها
стр. 4835
لغير مأمون أو بعدها عنه بمحل لا يمكنه التحفظ عليها فيه؛ لأن له التحفظ على نسبه، وكما لو كان عليه في المكان الذي دعت إليه ضرر بكثرة الكراء حيث لم تتحمل بالزائد. قاله اللخمي. وقال ابن عرفة: إنما يلزمها الزائد في الأكثر إن كان ما دعا إليه يليق بها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية بناني. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإذا انهدم المسكن فدعت المرأة إلى سكنى موضع ودعا الزوج إلى غيره فذلك لها، إلا أن تدعوه إلى ما يضر به لكثرة كراء أو سكنى، فتمنع ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت. قال ابن يونس: قوله: أو سكنى؛ يعني بد مثل أن تدعو إلى موضع بعيد منه أو فيه جيران سوء ونحو ذلك؛ لأن له التحفظ لنسبه. وقوله: سكنت حيث شاءت، يريد حيث يعرف أنها معتدة في موضع لا يخفى عنه خبرها. انتهى. انتهى، وامرأة الأمير ونحوه لا يخرجها القادم يعني أن الدار المبنية من بيت المال لمن يكون أميرا ونحوه كأبيه والقاضي إذا سكنها أحد ممن ذكر فمات عنها في الدار المذكورة أو طلقها ثم عزل فإنه لا يجوز لمن قدم مكانه أن يخرجها من الدار المذكورة حتى تتم عدتها من طلاق أو موت، وقولي: من بيت المال، قال الشبراخيتي: وأما لو كانت بأجرة كبيت القاضي بمصر فله إخراجها ما لم تدفع الأجرة من عندها فتكون أحق بها حتى تنقضي العدة. وإن ارتابت أي لا يخرجها القادم وإن ارتابت بحس بطن أو تأخر حيض فلا تخرج حتى تمضي لها خمس سنين كالحبس حياته تشبيه في عدم الإخراج؛ يعني أن من حبست عليه دار حياته فيموت عن زوجته فيها تستمر امرأته على السكنى فيها حتى تتم عدتها ولا يخرجها من صارت إليه بحبس أو غيره ولو إلى خمس سنين، وكذا الحكم لو طلقها ثم مات فإنها تستمر على السكنى فيها حتى تتم عدتها ولا يخرجها من صارت إليه بحبس أو غيره ولو إلى خمس سنين، ولو أسقط المطلق حقه لم يكن للمستحق أن يخرجها لأن الإسقاط هبة وليس للمطلق هبة مسكن المعتدة وإخراجها منه، وكذا العمر بالفتح. كما في الشبراخيتي والأمير. وقال عبد الباقي: قال أحمد: مثل الحبس حياته ما إذا جعل الدار وقفا على ذريته بعده فإنها تستحق السكنى، وذلك لأن هذه الوقفة خارجة مخرج الوصية، والسكنى من توابع الملك. انتهى. وقوله: فإنها أي زوجة الواقف نفسه وكذا زوجة واحد من الذرية فتستحق السكنى في عدتها من موته أو طلاقه لدخولها في قوله
стр. 4836
كالحبس حياته. قال التتائي: وفهم من قوله: حياته: أنه لو حبسها عليه سنين أي معلومة فطلق أو مات فانقضت فليس لها زيادة على ذلك وهو كذلك. ذكره ابن الحاجب. انتهى. قلت: وعليه فيلزمه فيما يظهر السكنى بمحل آخر بقية عدة طلاقه، ولا ينافيه قوله: فليس لها زيادة على ذلك؛ لأن المراد في الحبس وهو الموافق لقوله: أبدلت في المعار المنقضي المدة؛ لأن الحبس عليه مدة معينة كالمعار في المعنى. انتهى كلام عبد الباقي. وقال: وانظر لو أسقط المحبس حياته ولم يقيد بمدة معينة. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أنه لا فرق بين هذه وبين الحبس عليه حياته. والله سبحانه أعلم. بخلاف حبس مسجد بيده يعني أنه إذا كانت دار موقوفة على المسجد وسكنها بعض خدمة المسجد كالإمام والمؤذن ثم مات عن زوجته فيها أو طلق فإنه للقادم أن يخرجها منها فليست كدار الإمارة، والفرق بينهما أن دار الإمارة من بيت المال فلها فيه حق بخلاف هذه فليست من بيت المال، وظاهر كلام المص سواء كانت الدار حبسا على المسجد حبسا مطلقا أو كانت محبسة على أئمة المسجد مثلا، والحبس المطلق هو الذي وقع من محبسه أن الأماكن المحبسة موقوفة على مصالح المسجد مثلا ولم يعين محلا للإمام ومحلا للمؤذن وهكذا، وأما إن عين فيه محلا للإمام ومحلا للمؤذن مثلا فليس هذا بمطلق. انظر الشبراخيتي. قال عبد الباقي: ونحو قول المص: بخلاف حبس مسجد بيده، لابن العطار، وقيده ابن زرقون بما إذا كانت الدار حبسا مطلقا، فإن كانت حبسا على خصوص إمام مثلا فكدار الإمارة أي لأن عدتها فيه من توابع تعلق الإمام عزل أو فرغ أو مات، وكذا ارتضى ابن عبد السلام التقييد المذكور، وشيخنا علي الأجهوري رادا بحث ابن عرفة في ارتضائه الإطلاق. انتهى. قول عبد الباقي: حبسا على خصوص إمام مثلا، صوابه حبسا على أئمة المسجد كما في عبارة غيره. قاله بناني. وقوله: "بخلاف حبس مسجد بيده"، الضمير في بيده يرجع للمطلق أو الميت وهو صفة أو حال من حبس. والله تعالى أعلم. وقوله: بخلاف حبس مسجد بيده، ظاهره أن للقادم أن يخرجها، قال بناني: والذي في كلام غيره أن الإخراج يتوقف على جماعة أهل المسجد، ففي المواق: وكذلك زوجة إمام المسجد الساكن في داره تعتد زوجته فيها إلا أن يرى جيران المسجد إخراجها من النظر فذلك لهم. قاله ابن العطار. انتهى. وقال ابن ناجي: واختلف إذا مات إمام المسجد
стр. 4837
وهو ساكن في الدار المحبسة عليه فقيل كمسألة الأمير. قاله بعض القرويين. قاله ابن عات. وعليه جرى عمل قرطبة ولم يحك ابن شاس وابن الحاجب غيره. وقيل: تخرج منها إن أخرجها جماعة أهل المسجد. قاله ابن العطار. واقتصر على قوله أكثر الشيوخ. انتهى. ونحوه في عبارة ابن عرفة والمتيطي والجواهر وابن فتوح عن ابن العطار، فانظر لم ترك المص هذه الزيادة؟ انتهى. وفي المعيار أن ما حبس على المسجد لا يؤجر منه الإمام ونحوه كالمؤذن إلا بما فضل عن حصر المسجد وبنائه ونحو ذلك، وما حبس على الإمام يأخذه وحده على كل حال. انتهى قاله بناني. ولأم ولد يموت عنها السكنى يعني أن السيد إذا مات عن أم ولده فإنها تجب لها السكنى إن كان المسكن له أو نقد كراءه. نقله بناني عن أبي الحسن فقول عبد الباقي: والظاهر أنه لا يكون لها السكنى حيث مات إلا أن يكون المسكن له أو نقد كراءه قصور؛ إذ ظاهره أنه غير منصوص. اللخمي: اختلف في أم الولد يموت عنها سيدها أو يعتقها هل لها السكنى؟ فقال ابن القاسم في المدونة: لها السكنى، وقال في كتاب محمد: لا سكنى لها ولا عليها، وروى أشهب أن ذلك لها وعليها من غير إيجاب. نقله أبو الحسن. زاد في التوضيح: وحكى غيره قولا آخر أن السكنى حق لها إن شاءت، تركته، وقيل: تركه مكروه، وهو صريح في أن مذهب المدونة أن ذلك لها وعليها. قاله بناني. ونقل ابن رشد عن المذهب: أن لها المبيت في الحيضة في غير بيتها من عتق أو وفاة وهو خلاف قول المدونة قال مالك: ولا أحب لها المواعدة فيها ولا تبيت إلا في بيتها ولا إحداد عليها. انتهى. نقله بناني. وقال ابن يونس: قال ابن المواز: لها أن تبيت في غير بيتها مات السيد أو أعتقها. انتهى. نقله بناني. وقال الحطاب: قال في رسم سعد من سماع ابن القاسم من طلاق السنة: قال مالك في أم الولد يتوفى عنها سيدها وهي حامل والحرة يتوفى عنها زوجها وهي حامل: ليس لواحدة منهما نفقة لا من جملة المال ولا من حصة الولد. ابن رشد: فأما الحرة فبلا خلاف وأما أم الولد فهو المشهور، وروي: لها النفقة من جملة المال. وقال الجزولي: وإذا مات وهي حامل فهل تعتق في الحال أو حتى تضع، والأول المشهور، وعليه فاختلف في نفقتها فقيل: على نفسها، وقيل: في التركة؛ وعلى القول الآخر: أنها لا تعتق حتى تضع فنفقتها في التركة. انتهى. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: ولأم ولد يموت عنها السكنى، ما نصه:
стр. 4838
ومحل كون المسكن لها إذا كان المنزل له أو نقد كراءه أو لم ينقد وكان الكراء وجيبة على أحد التأولين. انتهى. وزيد مع العتق نفقة الحمل يعني أن أم الولد إذا نجز السيد عتقها في حياته فإن لها السكنى ويزاد لها على السكنى نفقة الحمل إن كانت حاملا. كالمرتدة يعني أن المرتدة إذا كانت حاملا تجب لها نفقة الحمل ولها السكنى أيضا. قال بناني: التشبيه إنما هو في النفقة لا في السكنى بدليل اشتراط الحمل؛ إذ السكنى لا يتوقف وجوبها على وجود الحمل لدخولها في قوله قبل: أو المحبوسة بسببه. انتهى. والمشتبهة يعني أن المرأة إذا وطئت بشبهة فحملت فإنه يجب لها النفقة والسكنى إلى حين الوضع، كمن نكح ذات محرم جهلا فحملت منه، فلو نكحها عالما بالتحريم دونها فحملت فلها السكنى دون النفقة؛ لأن الولد غير لاحق به إذ لا نسب لولد الزنى، فإن علمت فلا سكنى لها. إن حملتا قد علمت مما مر أنه قيد في المرتدة والمشتبهة أي إنما للمرتدة والمشتبهة، النفقة إن حملتا فإن لم تحملا فلهما السكنى على ما مر: وهذه النسخة للمواق بضمير التثنية: نقلها عنه الشبراخيتي. وفي نسخة إن حملت بضمير الإفراد. قال الشبراخيتي: وأفرد الضمير إعادة على من ذكر. وهل نفقة ذات الزوج إن لم تحمل عليها أو على الواطئ؟ قولان. يعني أن المرأة المتزوجة إذا لم يبن بها زوجها ووطئها رجل أجنبي غلطا ولم تحمل فإنه اختلف فيمن تلزمه نفقتها، فقيل: نفقتها عليها؛ أي هي التي تنفق على نفسها ولا ينفق عليها الزوج ولا الغالط الواطئ فتنفق على نفسها مدة استبرائها بثلاث حيض للحرة وحيضة للأمة، وقيل: نفقتها مدة استبرائها تجب على من وطئها، والقولان في النفقة، وأما السكنى فعلى الغالط، وعبارة ابن الحاجب نحو عبارة المص وهي: وفي الغالط بغير العالمة ذات الزوج قولان، قال ابن غازي لشراح ابن الحاجب في صفة هذين القولين ثلاث عبارات، الأولى: هل النفقة في العدة عليها نفسها أو على واطئها؟ كما هنا، وهي التي في التوضيح، وفيما وقفنا عليه من نسخ ابن عبد السلام. ولم أرها لغيرهما ممن قبلهما، ويبعدها أن الخلاف لو كان كذلك لم يختص بذات الزوج. الثانية: هل النفقة على زوجها أو على واطئها؟ وهو الذي نسبه ابن عرفة لابن عبد السلام ووهمه فيه الثالثة: هل النفقة على زوجها أو عليها؟ وهو الذي عند ابن عرفة اعتمادا على نقل ابن يونس في مسألة الأخوين إذا أدخلت على كل منهما زوجة أخيه، ونصه
стр. 4839
عن أبي عمران: لا نفقة لكل واحدة في الاستبراء على زوجها لأنه لم يدخل بها ولا على الواطئ لأنها غير زوجته إلا أن يظهر حمل فترجع عليه بما أنفقت. انتهى. ثم قال ابن غازي: وإذا تأملت ما تقدم علمت أنه كان الصواب أن يقول المص: ونفقة ذات الزوج إن لم تحمل ولم يبق بها عليها لا على زوجها على الأرجح، وفهم من قوله: إن لم تحمل، أنها إن حملت من الواطئ تعينت نفقتها عليه وكذا السكنى. قال ابن عبد السلام: ولا أعلم في هذا خلافا في المذهب. انتهى. ويلحق به لأنه ذو شبهة، فإن كان وطؤه محض زنى لم يلحق به ولا نفقة لها في حمله وإنما لها السكنى إن لم تعلم، وموضوع المص أنه لم يبن بها الزوج، فإن بنى بها فعليه نفقتها وسكناها إن لم تحمل، وكذا إن حملت ولم ينفه بلعان فإن نفاه بلعان كان على الغالط فحكم هذه كحكم حملها من الغالط، حيث لم يبن بها الزوج فإن نفاه الثاني بلعان فلا نفقة عليه أيضا لأن اللعان يكون في وطء الشبهة.
ولما ذكر العدة من طلاق أو وفاة ذكر شبهها وهو الاستبراء فقال:
стр. 4840
(فصل: في الاستبراء) وهو مشتق من التبري وهو التخلص ثم استعمل لغة في الاستقصاء والبحث والكنتحف عن الأمر الغامض، وفي الشرع في الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك مراعاة لحفظ الأنساب. قاله في التوضيح. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: السين للطلب أي طلب براءة الرحم مشتق من التبري وهو التخلص وهو لغة الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وشرعا قال في توضيحه: الكشف عن حال لخ، وقال ابن عرفة: الاستبراء مدة دليل براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق، فتخرج العدة ويدخل استبراء الحرة ولو للعان والموروثة لأنه للملك لا لذات الموت. وجعل القرافي جنسه طلب براءة الرحم لأنه استفعال يخرج استبراء اللعان لأنه لا يكون عن طلب. انتهى. وقوله: مدة دليل براءة الرحم؛ أي المدة التي ينتظر فيها ما يدل على براءة الرحم من الحمل وهو الحيض أو وضع الحمل أو الأشهر، وقوله: طلاق، قال الشبراخيتي: قال في الشرح: من جملة رفع العصمة، فيقيد قوله: لا لرفع عصمة بغير طلاق، ليلا يلزم جعل القسم قسيما ولو حذف أو طلاق لسلم من هذا. انتهى. أو يقال عطفه على ما قبله من عطف الخاص على العام. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال بناني: قال علي الأجهوري: لو حذف أو طلاق لسلم من جعل القسم قسيما لأنه من جملة ما يرفع العصمة. انتهى. وفيه نظر بين. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: كأنه يعني أن المراد بالرفع ما كان من غير سبب الرجل كالفسخ والموت فيكون الطلاق قسيما له، والظاهر ما للأجهوري لأن رفع العصمة يكون بالموت والفسخ والطلاق. والله سبحانه أعلم. قال بناني: ويرد على تعريف ابن عرفة أنه غير مانع لصدقه بمدة إقامة أم الولد بعد موت سيدها مع أنها عدة على المشهور كما ذكره ابن عرفة وهو مذهب المدونة. وقوله: والموروثة؛ يعني إذا مات شخص عن أمة فلا يقربها الوارث حتى يستبرئها؛ لأن ذلك لم يكن لرفع عصمة بالموت، وإنما هو لرفع الملك وهو ظاهر قاله الرصاع. وقال: ومراده باستبراء اللعان الاستبراء الذي يفعله الزوج بزوجته ليعتمد عليه في نفي ما عسى أن يحدث من حمل أو ولد بلعان، كما إذا أراد أن يغيب عنها وخاف من سوء تحدثه في غيبته، لا ما يكون لفرقة اللعان فإنه عدة لا استبراء كما هو منصوص عليه في باب العدة، وحد ابن عرفة لها صادق عليه أيضا ولأنه مطلوب شرعا كطلب ذلك من المطلقة ولا يتوجه اعتراضه على القرافي لو كان هذا الثاني هو المراد، بخلاف الأول فإنه غير مطلوب شرعا، وإنما الزوج يريد أن يفعله لا عسى أن يكون؛ لما
стр. 4841
فيه من المصلحة، وقد يقال: مراد القرافي الطلب اللغوي وهو حاصل من الزوج في استبراء اللعان، فلا يخرج. وبما ذكرنا تعلم ما في كلام علي الأجهوري في شرحه فراجعه متأملا. انتهى كلام بناني. والله سبحانه أعلم. يجب الاستبراء بحصول الملك يعني أنه يجب على من حصلت في ملكه أمة أنما يستبرئها أي يجب عليه أن يترك وطئها حتى يستبرئها. قال ابن غازي: عبر بحصول الملك ولم يقل بنقل الملك ليشمل ما أخذ بالقسمة من أيدي الكفار مما أخذوه من أموال المسلمين بالقهر فإنهم إنما لهم فيه شبهة الملك على المذهب، ولهذا وجه هذه العبارة في التوضيح تبعا لابن عبد السلام، ولذا جاء بقوله: أو سبيت، منخرطا في سلك الإغياء، وبه يتضح الفرق بينه وبين قوله: أو علمت، فليس بمستغنى عنه كما قيل. انتهى. قال الأمير في حاشيته شيخنا لا تصدق فيه الجارية بحيض أو وضع حتى ينظرها النساء فليس كالعدة لأن الحرة مؤتمنة على بضعهما.
تنبيهات: الأول: قال بناني قال علي الأجهوري ما نصه: ثم إنه يجب الاستبراء بالشروط المذكورة اشتراها للوطء أو للخدمة. انتهى. وهو خلاف قول ابن عاشر: الذي يظهر لي أنه إنما يجب في التي يراد وطؤها أو تزويجها لو تكون علية أو مقرا بوطئها. انتهى. وما قاله ابن عاشر هو الظاهر من عبارة الأئمة، ففي الجلاب: من اشترى أمة يوطأ مثلها فلا يطؤها حتى يستبرئها بحيضة. انتهى. وفي المقدمات ما نصه: واستبراء الأمة في البيع واجب لحفظ النسب، ثم قال: فوجب على كل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو بأي وجه من وجوه الملك ولم يعلم براءة رحمها أن لا يطأها حتى يستبرئها رفيعة كانت أو وضيعة. وفي التنبيهات ما نصه: الاستبراء لتمييز ماء المشتري من ماء البائع، ثم قال فيمن لا تتواضع ممن لا يقر البائع بوطئها وهي من وخش الرقيق: فهؤلاء لا مواضعة فيهن ولا استبراء إلا أن يريد المشتري الوطء فواجب عليه أن يستبرئ لنفسه مما لعلها أحدثته. انتهى. وفي المعونة ما نصه: من وطئ أمة ثم أراد بيعها فعليه أن يستبرئها قبل البيع وعلى المشتري أن يستبرئها قبل أن يطأها. انتهى. فتحصل أنه لا يستبرئ المشتري إلا إذا أراد الوطء والبائع لا يستبرئ إلا إذا وطئ، وكذلك سوء الظن لا يستبرئ المالك لأجله إلا إذا أراد الوطء أو التزويج كما يأتي. والله أعلم. انظر شرح أبي علي. انتهى. قال مقيدة عفا الله عنه: الظاهر أنه لا يتم الاعتراض على الأجهوري إلا لو قال أيضا: أم لا، وهو
стр. 4842
إنما قال: اشتراها للوطء أو الخدمة تأمل. الثاني: قال الشارح: والأصل فيه أي الاستبراء قوله ﵊ في سبي أوطاس (ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض (١)) وهو واجب كما قال ليلا يؤدي تركه إلى اختلاط الأنساب واسترقاق الأحرار في الإماء الموطوءات لساداتهن إذا خرجن عن ملكهم. انتهى. وأوطاس واد في بلاد هوازن وبه كانت غزوته ﵊ هوازن يوم حنين قاله عبد الباقي عن النووي. الثالث: قوله: بحصول، معناه بحصول الملك إنشاء أو تماما لينطبق على الراجعة من غصب فإن الملك لم ينتقل لكنه لما لم يتمكن من التصرف فيها فكأن الملك ما تم إلا برجوعها. قاله الشبراخيتي. الرابع: في الشبراخيتي: أن رجلا أهدى إلى هارون جارية، وقال: إنها بريئة الرحم، فأراد هارون أن يمسها لحينه، فقيل له: إن عليك الاستبراء، فقال هارون لمالك: يا أبا عبد الله هل من حيلة؟ فقال: تعتقها، فتصدق أنها بريئة الرحم ففعل ذلك. انتهى. فيقال: إنها أرسلت لمالك عشرة آلاف دينار فردها، وقال: إنما أردت وجه الله. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: ويأتي للمص أن الاستبراء يجب بالعتق إلا أن يستبرئها المعتق قبل عتقه ثم بعد كتبي كذا، هذه الحكاية ضعيفة رواية وفقها، أما الأول فلأن الصحيح أن الذي أفتاه قاضيه أبو يوسف لا مالك، وأما الثاني فلأن المذهب وجوب الاستبراء وذكر المص أن الاستبراء، يجب بأربعة شروط، الأول: حصول الملك واحترز به عما لو تزوج أمة فإنه لا يجب عليه استبراؤها. قاله الحطاب وغيره. الثاني أن لا توقن البراءة وإليه أشار بقوله: إن لم توقن البراءة يعني أن الاستبراء إنما يجب إن لم توقن البراءة أي براءة الرحم من الماء، وأما إن تيقنت براءة الرحم من الماء فإنه لا يجب الاستبراء بأن غلب على الظن أو اعتقد براءة رحمها كالمودعة تحيض عنده فيشتريها ولم تخرج ولم يلج عليها سيدها، وكما لو اشتراها بائعها قبل غيبة المشتري عليها أو بعدها ولم يمكن شغلها منه لقصر المدة أو معه من لا يوطأ بحضرته، كما مر في العدة. الثالث: أن لا يكون وطؤها مباحا وإليه أشار بقوله: ولم يكن وطؤها مباحا يعني أنه يشترط في وجوب الاستبراء أيضا أن لا يكون وطء من حصلت في ملكه مباحا، وأما إن كان وطؤها مباحا فلا يجب الاستبراء كمن اشترى زوجته فإند لا يجب عليه أن يستبرئها كما بائني إن شاء الله تعالى. قال الشبراخيتي عند قوله: ولم يكن وطؤها مباحا، وإلا فلا
стр. 4843
كمن اشترى زوجته أو أعتق وتزوج، والمراد كونه مباحا في نفس الأمر احترازا ممن انكشف أن وطئها حرام فقد سئل ابن أبي زيد عمن كان يطأ أمة فاستحقت منه فاشتراها ممن استحقها هل يستمر على وطئها أم يستبرئها؟ فأجاب لا يطؤها إلا بعد استبرائها، ويجري مثل هذا فيمن اشترى زوجته فاستحقت فيقيد به قول المص الآتي: أو اشترى زوجته. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقوله: أو أعتق وتزوج، هو وإن كان صحيحا في نفسه ليس من صور حصول الملك بل من صور زواله، ولذا لم يذكره الحطاب. قاله بناني. وقوله: ويجري مثل هذا لخ، قال بناني فيه نظر؛ لأن وطئها كان مباحا في نفس الأمر لأنه كان بالنكاح استحقت أم لا، نعم إذا استحقت بعد أن وطئها بالملك فهي مسألة ابن أبي زيد بعينها. انتهى. قال مقيده: يجاب عما قاله بناني بغلبة فساد نكاح المستحقة ويمكن تصحيحه بأن تزوجها المالك. والله سبحانه أعلم الرابع: أن لا تحرم في المستقبل، وإليه أشار بقوله: ولم تحرم في المستقبل يعني أنه يشترط في وجوب الاستبراء أيضا أن لا تكون الأمة التي حصل ملكها له ممن يحرم في المستقبل عليه، وأما إن كانت ممن تحرم عليه فإنه لا يجب عليه استبراؤها كالمحرم بنسب أو رضاع أو صهر كأخت زوجته وكمتزوجة بغيره، ومعنى قوله: ولم تحرم في المستقبل، لم تستمر حرمتها في المستقبل وليس المراد ولم تتصف بالحرمة في المستقبل لأن جميع المستبرءات متصفة بالحرمة في الزمان المستقبل بالنسبة لزمان العقد حتى تحيض. قاله الأجهوري. نقله الشبراخيتي. وقوله: ولم تحرم في المستقبل، قال بناني: على القيد ذكره الأبهري وغيره، وبحث فيه ابن عاشر بأنه غير محتاج إليه لما تقدم أن الاستبراء إنما يجب عند إرادة الوطء وهذه لا يطؤها، وأيضا فإنها يجب استبراؤها للتزويج إلا أن يخبره البائع بالاستبراء، فدكرهم لهذا الشرط غير محرر. والله أعلم. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: لابد من الإتيان بهذا الشرط ليفيد أن من تحرم في المستقبل لا مواضعة فيها إذا كانت عليا لم يقر البائع بوطئها، ويأتي أن من لا استبراء فيها لا مواضعة فيها. والله سبحانه أعلم. وإن صغيرة أطاقت الوطء يعني أنه يجب الاستبراء بحصول الملك وإن كانت هذه الأمة التي تجدد ملكها صغيره، فيجب على من تجدد له ملكها أن يستبرئها بشرط أن تكون قد أطاقت الوطء، وأما إن لم تطق الوطء فلا استبراء كما سينص عليه. أو كبيرة يعني أنه يجب الاستبراء بحصول الملك وإن كانت هذه الأمة التي تجدد ملكها مسنة كبنت ستين سنة. لا تحملان عادة هذا هو
стр. 4844
محط المبالغة وما قبل المبالغة الصغيرة التي يمكن حملها عادة كبنت ثلاث عشرة سنة، والكبيرة التي يمكن حملها عادة كبنت خمسين سنة، وقوله لا تحملان عادة صفة لصغيرة أو كبيرة أو حال منهما. قال ابن عبد السلام: والقياس أن لا يلزم فيهما استبراء لكنه لزم فيهما لئلا يتوسل بهما إلى غيرهما ممن هو أكبر من الصغيرة وأصغر من اليائسة.
تنبيه: المطيقة بنت تسع أكثر كما لعبد الباقي، وأما بمت ثمان فلا تطيقه. نص عليه المتيطي وعقد فيه وثيقة. قاله بناني. وما ذكره المص في الصغيرة المطيقة والكبيرة اللتان لا تحملان عادة هو رواية ابن القاسم، وروى ابن عبد الحكم أن الاستبراء لا يجب فيهما. قاله الشارح. أو وخشا يعني أنه لا فرق في وجوب الاستبراء بين الوخْش والعِلْيِ وهذا هو المشهور؛ وحكى المازري وغيره نفي الوجوب في الوخش. قاله الشارح. والوخش الحقير من كل شيء، وهو هنا ضد العِلْي أي الرائعة أي الجميلة، من وخشت الشيء وخشا أي خلطته فكأن الوخش هو الذي لا يعرف لدناءته إذ هو من أخلاط الرقيق. قاله الشبراخيتي. أو بكرا يعني أنه يجب استبراء الأمة بتجدد ملكها وإن كانت بكرا، وهذا هو المشهور؛ اللخمي: والمذهب أن الاستبراء في البكر واجب، قال: وأرى الاستبراء فيها استحسانا على وجه الاحتياط ولا يجب؛ لأن الغالب في بقاء البكارة عدم الوطء، ويستحسن ذلك لاحتمال أن تكون أصيبت خارج الفرج، وقد تحمل مع البكارة. قاله الشارح. وقد مر استشكال الباجي لعدم اعتماد الزوج في اللعان على الوطء بين الفخذين. فقال: يبعد عندي أن يلحق الولد من الوطء في غير الفرج، فلو صح هذا لما جاز أن تحد امرأة ظهر بها حمل وليست متزوجة لجواز أن تكون وطئت في غير الفرج، فلا يجب به حد وإن وجبت به عقوبة. وقوله: أو بكرا، أجيب عن مفهوم خبر: لا يأتين رجل ثيبا حتى يستبرئها، بأنه خرج مخرج الغالب. ابن عبد السلام: وجود البكارة دليل على عدم الوطء الذي يخشى منه الحمل وخوف حصول هذا الوطء هو الموجب للاستبراء، فإذا كان في المحل دليل على انتفائه فقد انتفت العلة فينتفي المعلول، فالبكر تستبرأ مع ضعف التهمة الموجبة للاستبراء فيها. انتهى. والتهمة في الوخش ضعيفة، الآن العادة جارية بنفور النفس من وطء الوخش، ومع ذلك يجب استبراؤها واحتمال الحمل في الوخش أقوى منه في الصغيرة واليائسة والبكر. وقال الشبراخيتي: قال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب سقوطه في البكر لا أعرفه، ويرد بحمل هذا على الشارح لأنه نقل فيها
стр. 4845
الخلاف، ونقل البخاري عن ابن عمر أنه لا استبراء فيها ويدل له مفهوم خبر: لا يأتي رجل ثيبا حتى يستبرئها. انتهى. والجواب عن الحديث في تخصيصة الثيب أنه خرج مخرج الغالب. انتهى كلام الشبراخيتي. أو رجعت من غصب يعني أنه يجب الاستبراء في الأمة التي رجعت من غضبها يعد أن غاب عليها الغاصب البالغ غيبة يمكن شغلها منه، فيجب على سيدها بعد رجوعها أن يستبرئها حينئذ، ولا تصدق هي إن أنكرت ولا هو إن أنكر، فإن غصبها صبي وغاب عليها لم يجب علم سيدها استبراؤها، وتقرير كلام المص يجب الاستبراء بحصول الملك وإن رجعت من غصب، وهذا مشكل لعدم صدق ما قبل المبالغة على ما بعدها لأن هذه لم تخرج عن ملكه حتى يقال: حصلت فيه، والجواب ما مر من أن المراد يجب بحصول الملك إنشاء أو تماما لخ. أو سبي يعني أنه إذا سبى العدو أمة وغاب عليها غيبة يمكن شغلها منه فيها، ثم قدرنا عليه ورجعناها لمالكها فإنه يجب عليه استبراؤها، قال فيها: إذا سبى العدو أمة أو حرة لم توطأ الحرة إلا بعد ثلاث حيض ولا الأمة إلا بعد حيضة ولا يصدقن في نفي الوطء، وإن زنت الحامل فلا يطأها زوجها حتى تضع، واستشكل قوله: أو سبي، بما مر، وأجيب عنه بما مر وهو أن قوله: بحصول الملك؛ أي إنشاء أو تماما فينطبق على الراجعة من غصب أو سبي لأن الملك لم ينتقل وإنما حصل فيه خلل بعدم التصرف، فإذا رجعت منه فقد تم ذلك. انتهى. وهذا هو مراد التوضيح وابن عبد البر فيما مر.
تنبيه: في شرح عبد الباقي وضمان المغصوبة مدة استبرائها من الغاصب لاستيلائه وعدم تمكن ربها من وطئها قبل الاستبراء وكذا نفقتها عليه، ويلزم مثله فيمن وطئ أمة رجل طائعة أو مكرهة، وما ذكره المص من وجوب استبراء المغصوبة المغيب عليها يخالف ظاهر المدونة من استحبابه في هذه الحالة كالمبيعة بخيار غاب عليها مشتر، وحمل عياض المدونة على وجوب الاستبراء فيهما. والمص ﵀ سلك مسلكا مخالفا لظاهر المدونة ولحمل عياض، فأوجب الاستبراء فيمن غاب عليها الغاصب، وجعله مستحبا فيمن غاب عليها المشتري في بيع الخيار كما سيذكره ولا سلف له فيه، قلت: قد يقال: لما كان حمل عياض ظاهرا في المغصوبة لتعديه بالغصب فيتعدى بالمس أيضا غالبا، تبعه المص بخلاف المشتري بخيار فإن الغالب عليه عدم مسها، ثم إن قوله: أو رجعت من غصب أو سبي شامل للمتزوجة ولغيرها، فاستبراء الأمة
стр. 4846
المتزوجة من الغصب والزنى بحيضة وليس كعدتها، بخلاف الحرة كما مر انتهى كلام عبد الباقي. قوله: وكذا نفقتها عليه، قال بناني: غير صحيح بل نفقتها في استبرائها على سيدها كما يدل عليه ما مر لا على الغاصب ولو حملت لعدم لحوق الولد به. وقد قالوا: إن المدار في كون النفقة على الواطئ على كون الولد لاحقا به، كما أن المدار في السكنى على كونها محبوسة بسببه. والله أعلم. انتنهى. أو غنمت يعني أن المسلمين إذا غنموا كافرة من نساء العدو فإنه يجب استبراؤها للحديث الوارد في سبي أوطاس: (ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض (١)) قال الشارح: ولو استغنى عن هذا بقوله: يجب الاستبراء بحصول الملك، لكان أحسن لشموله لذلك وغيره من الأوجه السابقة. انتهى. وما قاله غير ظاهر لأن الاستغناء عنه بحصول الملك لا يضر لأن المبالغ عليه شأنه أن يندرج فيما قبله. انظر حاشية الشيخ بناني. أو اشتريت هذا أيضا داخل في حيز المبالغة يعني أن من اشترى أمة يجب عليه أن يستبرئها قبل أن يطأها. ولو متزوجة وطلقت قبل البناء يعني أن من اشترى أمة متزوجة بغيره أي المشتري وطلقها الزوج قبل أن يبني بها وبعد أن اشتريت يجب على مشتريها أن يستبرئها قبل أن يطأها عند ابن القاسم، ورد بلو قول سحنون لا يجب على المشتري استبراؤها حينئذ، والحجة لابن القاسم أنها لو أتت بولد لستة أشهر من يوم عقد النكاح فإنه يلحق بالزوج، وبأن الزوج إنما أبيح له وطؤها بإخبار السيد، المشتري لا يعتمد عليه أي السيد البائع اتفاقا. قال عبد الباقي: ولو حذف يعني المص قوله: ولو كان أخصر وأحسن؛ لأن قوله: أو اشتريت في حيز المبالغة. انتهى. وما قاله فيه شيء لأن لو هنا لرد قول سحنون، وهو يشير بلو إلى خلاف مذهبي، والمبالغة التي قبلها بإن. قاله مقيده عفا الله عنه. والواو في قوله: وطلقت، واو الحال. واحترز بقوله: قبل البناء، مما إذا طلقت بعد البناء فلا استبراء عليها وعليها العدد. كما يأتي. كالموطوءة إن بيعت يعني أن السيد إذا وطئ أمته فإنه لا يجوز له أن يبيعها حتى يستبرئها من وطئه، فمعنى إن بيعت أراد أن يبيعها. أو زوجت يعني أن السيد إذا وطئ أمته فإنه لا يجوز له أن يزوجها حتى يستبرئها، فمعنى زوجت أراد أن يزوجها. وفي حاشية بناني. ابن عرفة: وفيها: يجب لإرادة بيعها ربها من وطئه إياها وتزويجها إن وطئها أو زنت أو ابتاعها ممن لم ينف وطئها. انتهى.
стр. 4847
فقوله: إن وطئها أو زنت، إنما يرجع لقوله: وتزويجها، ولا يرجع لإرادة بيعها وإلا كان قوله: إن وطئها، تكرارا مع قوله: من وطئه إياها. الحاصل أنه لا يجب الاستبراء في المبيع إلا من وطء المالك وفي التزويج يجب من وطء المالك وغيره هذا الذي يدل عليه كالأمهم. والفرق أن النكاح لا يصح في المستبرأة مطلقا بخلاف البيع فإنه يجوز بيع المعتدة والمستبرأة من غير المالك، وتقدم: وإن اشتريت معتدة طلاق لخ، ويأتي قوله: ولا مواضعة في متزوجة لخ، تأمل. انتهى. تنبيهان:
الأول: وقع في شرح عبد الباقي عند قوله: إن بيعت أو زوجت؛ أي أراد السيد بيعها أو تزويجها لغيره فلا يفعله حتى يستبرئها إلا أن يقطع بانتفاء وطئه، كما يفيده قوله المار: أو ادعته مغربية على مشرقي، ومفهوم الموطوءة أنه إن لم يكن وطئها لم يجب عليه استبراؤها لبيعها، إلا إن زنت عنده أو اشتريت ممن لم ينف وطئها فيجب، كما لابن عرفة وغيره. ففي مفهوم موطوءة تفصيل. انتهى. قوله إلا أن يقطع بانتفاء وطئه لخ، قال بناني: الصواب إسقاط هذا الاستثناء لأن الموضوع أنها موطوءة، فإن أراد القطع بانتفاء وطئه بعد حيضها فهذا عين استبرائها، وقوله: فيجب كما لابن عرفة وغيره لخ، ما ذكره غير صحيح، وكلام ابن عرفة يخالفه. ونصه: وفيها يجب لارادة بيعها ربها لخ. الثاني: قال الشبراخيتي: قوله: كالموطوءة إن بيعت أو زوجت: تشبيه في قوله: يجب الاستبراء بحصول الملك، وهو من عكس التشبيه، أي كما يجب على السيد إذا وطئ أمته وأراد بيعما أو تزويجها استبراؤها، وإنما قلنا: إنه من عكس التشبيه؛ لأن الأول منصوص عليه فهو معلوم، والثاني غير منصوص عليه وإنما هو مخرج على الأول فهو مجهول انتهى المراد منه. وقال الحطاب: وقوله: الموطوءة، احتراز من غير الموطوءة فإن له أن يزوجها دون استبراء كما نقله ابن عرفة. والله أعلم. انتهى. وقبل قول سيدها يعني أن الأمة إذا وطئها سيدها وادعى أنه استبرأها فإنه يقبل قوله في ذلك بلا يمين ويصدق بالنسبة إلى إرادة التزويج فيباح تزوجها بذلك ويعتمد الزوج على كلامه ويطأ من غير استبراء، فهو راجع لقوله أو زوجت، ولا يرجع لقوله: إن بيعت، فلابد فيه من استبراء ثان فليس للمشتري وطؤها اعتمادا على قول السيد وإن قطع بصدقه كما في الشبراخيتي. تنبيه: قال عبد الباقي هنا ما نصه: ولو وطئ في جميع ما تقدم من وجب عليه الاستبراء قبله وأتت بولد لحق بالأول إن أتت به لأقل من ستة أشهر وما نقصها ولستة أشهر من وطء الثاني فأكثر فالقافة كأمة
стр. 4848
الشريكين إذا وطآها بطهر. انتهى. نقله عن الأجهوري. قوله: فالقافة، كأمة الشريكين، قال بناني: فيه نظر بل؛ إذا أتت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني لحق بالثاني من غير قافة إذ لا تدعى التافة في وطء النكاح كما يأتي. وصرح به ابن الحاجب في التداخل حيث قال: هذا حكم النكاح، وأما القافة ففي الأمة يطؤها السيدان. انتهى. انتهى. وقوله: إذ لا تدعى القافة في وطء النكاح، تقدم الكلام عليه عند قول المص في العدد لدون أقصى أمد الحمل لحق إلا أن ينفيه بلعان فراجعه إن شئت. وجاز للمشتري من مدعيه تزويجها قبله أي الاستبراء يعني أنه يجوز لمشتري أمة ممن ادعى استبراءها أن يزوجها اعتمادا على دعوى البائع، ويباح للزوج وطؤها اعتمادا على قول البائع. ومفهوم قوله: تزويجها، أنه لا يجوز للمشتري وطؤها اعتمادا على دعوى البائع فلا يجوز له وطؤها حتى يستبرئها ومفهوم قوله: تزويجها؛ أيضا أن المشتري لا يحتاج في بيعها إلى دعوى البائع الاستبراء فله أن يبيعها ولو لم يدع البائع الاستبراء. وفي كلام عبد الباقي نظر. واتفاق البائع والمشتري على واحد يعني أن السيد إذا وطئ أمته وأراد أن يبيعها فإنه يجوز أن يتفق هو والمشتري على استبراء واحد، ومعنى اتفاقهما عليه أن توضع تحت يد أمين قبل عقد الشراء حتى تحيض، وقال عبد الباقي: أو بعده، وقال بناني: الذي يتبادر من النقل أن المراد استبراؤها قبل عقد الشراء فقط وبذلك ينتفي تكراره مع المواضعة الآتية. ولا قاله بناني ظاهر. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال في كتاب الاستبراء من المدونة: أفلا يزوجها ويكف عنها زوجها حتى تحيض؟ قال: لا، فإن زوجها وقد وطئها قبل أن تحيض حيضة ثم لم يطأها الزوج حتى حاضت فالنكاح مفسوخ. انتهى. اللخمي: ولا تحرم على الزوج. انتهى. نقله الحطاب. وكالموطوءة باشتباه عطف على قوله: كالموطوءة إن بيعت، قاله بناني؛ يعني أن الأمة إذا وطئت بشبهة أو زنى أو غصب أوأسر أو سبب فإنه يجب على مالكها استبراؤها قبل أن يطأها أو يزوجها، وله أن يبيعها قبل الاستبراء كما مر، واستشكل وجوب الاستبراء على السيد حيث كان مرسلا، عليها بأنه لا فائدة له؛ إذ الولد لاحق به، وأجيب بحمله على ما إذا لم يطأها أو وطئ واستبرأها قبل وطء الاشتباه ولم يطأ بعده أي الاستبراء، وبأن فائدته تظهر فيمن رمى الولد بأنه ابن شبهة فإن كان يلحق بوطء الشبهة لم يحد راميه وإلا حد، ومحل وجوب استبرائها إن لم تكن ظاهرة الحمل من السيد
стр. 4849
قبل الاشتباه وما معه، وإلا لم يحرم وطؤها ولا الاستمتاع بها. قاله عبد الباقي. وقال الشارح مفسرا للمص: أي وكذا يجب استبراء الأمة إذا وطئت بشبهة وهو واضح؛ لأنه إذا وجب في الحرة فكذلك يجب في الأمة ولا خلاف في ذلك. انتهى. أوطء الظن يعني أن الاستبراء يجب لأجل حصول ظن الوطء وهو معنى سوء الظن أي ظن أنها وطئت لأجل سوء الظن بها. ومثل لذلك بقوله: كمن عنده تخرج؛ يعني أن من عنده أمة مودعة أو مرهونة تخرج من بيته وتدخل يجب عليه استبراؤها إذا ملكها. قال الشارح مفسرا للمص: أي وكذا يجب الاستبراء على المبتاع إذا كانت الأمة ممن يساء بها الظن، كمن عنده أمة تدخل وتخرج ثم يشتريها لأنه يخاف أن تكون قد حملت بغصب أو زنى وهذا مذهب ابن القاسم، ويسمى عنده استبراء سوء الظن، وقال أشهب: لا يجب، يريد لأنه لو وجب فيها لوجب في أمته التي تدخل وتخرج، وأجيب بأن ذلك يشق في الأمة لتكرره بخلاف المشتراة. انتهى. قوله: أو ساء معطوف على حصول الملك؛ لأن المراد به الحدث فيسوغ ذلك. قاله مقيده عفا الله عنه. وقوله: تخرج وكذا لو كان يُدْخَل عليها، وما فسر الشارح به المص نحوه للتتائي، قال بناني: ما حمله عليه الشارح والتتائي هو الصواب وهو نص المدونة، وقوله: كمن عنده تخرج، يأتي مفهومه في قوله: كمودعة، فليس هو تكرارا مع ما هنا؛ إذ الآتية لا استبراء فيها لأنها تيقنت براءة رحمها، وهذه ليست كذلك لأنها تخرج أو يُدخَل عليها؛ وقال عبد الباقي: وحمله يعني المص بعض آخر على أنه في المملوكة التي يريد وطئها فيجب استبراؤها إن ساء ظنه بها، وإنما يساء بغير المأمونة، وأما المأمونة فلا. كما قاله الأقفهسي. لمشقة ذلك عليه. وفي المجهولة قولان. انتهى. وفي كتاب الأمير: ولو أمة نفسه غير الأمينة وفي الأمينة خلاف. وقد علمت ما مر عن بناني أن الصواب التقرير الأول وأنه هو نص المدونة؛ وفي الشبراخيتي: أن ما حمله عليه هذا البعض حسن إن ساعده النقل ومقتضى كلامهم أنه لا يجب عليه ذلك. انتهى. أو لكغائب يعني أن من اشترى أمة لغائب لا يمكنه الوصول إليها يجب عليه أن يستبرئها قبل أن يستمتع بها بوطء أو غيره، وكذا لو كانت لصبي أو امرأة، وظاهر المص وإن كانت لا تخرج قاله الشبراخيتي. وقوله: أو لكغائب هو من أمثلة سوء الظن. أو مجبوب يعني أن من اشترى أمة لمجبوب يجب عليه استبراؤها إذا أراد أن يطأها، ظاهره وإن كانت لا تخرج. قاله الشبراخيتي. ومكاتبة عجزت هذا والذي قبله من أمثلة سوء الظن؛ يعني
стр. 4850
أن المكاتبة التي تتصرف يجب على سيدها إذا عجزت ورجعت إلى ربها أن يستبرئها، فإن كانت لا تتصرف ولا تخرج فلا استبراء. قاله الشبراخيتي. أو أبضع فيها وأرسلها مع غيره يعني أن من أرسل مالا مع شخص ليشتري له به جارية فاشتراها البضع معه وأرسلها إلى المبضع بالكسر مع غيره فحاضت في الطريق لا يجوز للمرسل إليه أن يطأها قبل الاستبراء بحيضة على المشهور، ولا يجتزأ بتلك الحيضة في الطريق. ابن يونس: معناه أن المبضع معه تعدى بإرسالها، وبه يجاب عن اعتراض التونسي بأن الرسول أمين ويده كيده، فإن جاء بها المبضع معه أو أذن له السيد في إرسالها مع من يريد فلا استبراء إذا حاضت في الطريق، كما لا استبراء إذا علم السيد أنه لا يقدم بها البضع معه وإنما يرسلها مع غيره فيما يظهر. قاله عبد الباقي وغيره. فإن عين له من يرسلها معه فأرسلها مع غيره وجب استبراؤها. قاله عبد الباقي. ومعنى أبضع فيها دفع ثمنا لمن يشتريها له به. وقال الشارح: ولكغائب أو مجبوب ومكاتبة عجزت أو أبضع فيها وأرسلها مع غيره، هذا أيضا من باب استبراء سوء الظن، وهو أيضا مذهب ابن القاسم، ومثل الغائب في وجوب الاستبراء الأمة المشتراة من الصبي والمرأة والمحرم، وقاله في الجواهر. والمشهور ما ذكره في أمة المجبوب، وروى أبو الفرج: أن استبراءها لا يجب، ابن شأس: وأثبت ابن القاسم استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرف ثم عجزت فرجعت لسيدها، وكذا نقل عن التونسي والمازري وغيرهما، وظاهره كما هنا الوجوب والذي في المدونة: أحببت الاستبراء. أبو الحسن الصغير: أحببت هنا على بابه لأنها لم تخرج عن ملكه، ونقل المازري وابن شأس عن أشهب نفي الاستبراء فيها. وقال ابن حبيب: يجب ومراده بأبضع إلى آخر كلامه، أن من دفع لشخص ثمنا يشتري له به أمة فاشتراها وأرسلها مع غيره إلى ربها فحاضت معه في الطريق فإنه لا يقربها حتى يستبرتها. وقاله في المدونة. وقال أشهب: يجزئه حيضها في الطريق أو عند الوكيل، ولا يستبرئ من سوء الظن. انتهى كلام الشارح. وبموت سيد يعني أن الاستبراء يجب بموت السيد، فإذا مات فإنه لا يجوز للوارث ولا لغيره ممن حصل له ملكها أن يطأها حتى يستبرئها، وسواء كان السيد الذي مات حاضرا أو غائبا أقر بوطئها أم لا، وسواء كانت قنا أو أم ولد. وفي الحطاب: إذا قلنا لابد من الاستبراء بموت السيد فمات وهي في أول الدم فإن كانت أم الولد لم تعتد به، وإن كانت أمة اعتدت به. قاله ابن الحاجب. انتهى. وإن استبرئت مبالغة في وجوب
стр. 4851
الاستبراء؛ يعني أنه يجب الاستبراء بموت السيد وإن كانت الأمة قد استبرأها السيد قبل موته. قال الشبراخيتي: ولما كان الوارث له الخيار بين البيع والإبقاء بل ربما تعين البيع للدين إذا لم يوجد غير الأمة جعل الموجب للاستبراء زوال الملك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: احتال بهذا على دفع ما يقال على المصنف إن هذا داخل في قول المصنف: بحصول الملك، وليس قسيما له والظاهر أنه لا يندفع بذلك. والله سبحانه أعلم. أو انقضت عدتها عطف على استبرئت فهو في حيز المبالغة؛ يعني أن الأمة إذا مات زوجها أو طلقها فاعتدت وانقضت عدتها من زوجها في حياة السيد بحيث تحل له قبل موته ثم مات سيدها فإنه لا يجوز لمن صارت إليه أن يطأها قبل أن يستبرئها لأنها حلت للسيد زمنا مَّا، وأما لو لم تنقض العدة قبل موت السيد فلا استبراء، وأحرى لو كانت ذات زوج لأنها لم تحل للسيد زمنا مَّا وحاصل ما أشار إليه بالمبالغة أنه لا يكفيها الاستبراء والعدة السابقان على الموت. وبالعتق يعني أن الاستبراء كما يجب بحصول الملك يجب بزواله، فإذا أعتق السيد أمته عِلْيا أو وخشا قنا أوأم ولد فليس لأجنبي تزوجها قبل استبرائها، وهذا إذا لم يستبرئها العتق قبل العتق، وإلا فلا استبراء في القن. قال في المدونة: ومن مات عن أمة أو باعها أو أعتقها فاستبراؤها حيضة وإن كانت مستبرأة قبل، إلا المعتقة المستبرأة فذلك يجزئها وتنكح. انتهى. نقله الشارح. ومحل وجوب الاستبراء بالعتق أيضا ما لم تكن الأمة أو أم الولد متزوجة أو معتدة، وأما إن كانت واحدة منهما كذلك فلا يجب الاستبراء. وقوله: وبالعتق، وإذا أثبت العتق فإنه يقبل قولها في الحيضة، وأما المعتق بالكسر فله أن يتزوجها من غير استبراء كما يأتي، وهذا إذا كان يطؤها قبل العتق، وأما إذا اشتراها فلا يكفي في إسقاط الحيضة عتقها عقب الشراء وعقده عليها على المذهب. وقيل: يكفي ذلك حيث ادعت أنها بريئة الرحم ويقبل قولها في ذلك. واستأنفت إن استبرئت يعني أن السيد إذا استبرأ أم ولده ثم أعتقها فإنها تستأنف الاستبراء بعد عتقه، وكذا لو انقضت عدتها من زوجها ثم أعتقها سيدها فإنها تستأنف الاستبراء بعد العتق دون القن في المسألتين، فلا استبراء عليها حينئذ بل يحل نكاحها أو غاب غيبة علم أنه لم يقدم يعني أن أم الولد إذا غاب سيدها عنهما غيبة علم أنه لم يقدم منها ولا يمكنه الوصول إليها، أو كان مسجونا ثم أرسل لها بالعتق أو مات عنها في المسألتين، فإنها تستأنف لعتقه أو موته حيضة ولو حاضت قبل ذلك بخلاف الأمة القن
стр. 4852
فقوله أم ولد فاعل استأنفت، وقوله: فقط احترز به من الأمة القن فلا استبراء عليها فتكتفي بالاستبراء السابق.
تنبيهان: الأول: تحصل مما مر أن السيد إذا مات عن أمته وكان حاضرا فإنها تستأنف الاستبراء بعد موته، وإن استبرئت قبل موته، أو انقضت عدتها قبل موته بحيث تحل له زمنا مَّا، سواء كانت قنا أوأم ولد، وهذه أربع صور؛ ولو مات عنها وهي متزوجة أو معتدة فلا استبراء سواء كانت قنا أوأم ولد، وهذه أربع صور أيضا؛ فتلك ثمان صور في الموت، وأنه إذا أعتقها فإن كانت قد استبرئت أو انقضت عدتها قبله فإن أم الولد تستأنف الاستبراء بعد العتق بخلاف القن فإنه لا استبراء عليها بل تكتفي بالاستبراء السابق، وهذه أربع صور ولا استبراء على المتزوجة أو المعتدة بالعتق قنا أو أم ولد وهذه أربع أيضا، وأنه إذا غاب عنها غيبة علم أنه لم يقدم منها حتى حاضت ولا يمكنه أن يأتيها خفية، وفي حكمها ما إذا كان مسجونا فأرسل إليها بالعتق أو مات عنها فإن أم الولد تستأنف الاستبراء بعد الموت أو العتق، بخلاف الأمة فيها، فتلك أربع صور؛ والفرق بينهما أن أم الولد معتدة والأمة مستبرأة. قال ابن عرفة: وفي كون حيضة أم الولد بعد موت السيد عدة أو استبراء قول المشهور، ونقل الباجي عن القاضي مع ابن زرقون عن إحدى روايتيها: ليس إنكاحها فيها إنكاح عدة يحرم، وقول ابن القاسم: لها البيت فيها بغير بيتها. انتهى. الثاني: اختلف العلماء فيما يلزم أم الولد بموت سيدها، فقيل: عدتها حيضة. قاله مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وأبو عبيد، وهو قول ابن عمر والقاسم والشعبي ومكحول، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن حيي: عدتها ثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم، وقال طاووس وقتادة: عدتها شهران وخمس ليال، وقال الأوزاعي وإسحاق: عدتها أربعة أشهر وعشر، وهو قول ابن المسيب والحسن وابن سيرين وابن جبير ومجاهد والزهري وعمر بن عبد العزيز. وقوله: بحيضة متعلق بالاستبراء من قوله: يجب الاستبراء بحصول الملك فهو راجع لجميع ما مر من أول الباب إلى هنا، ممن يمكن حيضها، ويرجع في قدرها هل هو يوم أو بعضه؟ للنساء العارفات، كما مر في العدة. ويأتي للمصنف استبراء الصغيرة واليائسة وأنواع الاستبراء ثلاثة: الحيض، والأشهر، والوضع، فأشار إلى الأول بقوله: بحيضة، وإلى الثاني بقوله: وان تأخرت جواب الشرط قوله الآتي: فثلاثة أشهر؛ يعني أن المستبرأة أم ولد أو غيرها
стр. 4853
إذا تأخرت حيضتها بغير سبب عن زمنها المعتاد فإنها تستبرأ بثلاثة أشهر. أو أرضعت يعني أن المستبرأة إذا تأخرت حيضتها لأجل رضاع فإنها تستبرأ بثلاثة أشهر. أو مرضت يعني أن المستبرأة إذا تأخرت لمرض فإنها تستبرأ بثلاثة أشهر. أو استحيضت ولم تميز يعني أن المستبرأة إذا استحيضت ولم تميز بين دم الحيض والاستحاضة فإنها تستبرأ بثلاثة أشهر. قال الحطاب: وإذا استحيضت أم الولد في وفاة السيد أو أمة عتقت أو بيعت فثلاثة أشهر تبرئها، وكذلك في الريبة بتأخر الحيضة أو تأخر لرضاع أو مرض. انتهى. وخالف الاستبراءُ العدة في تأخر الحيض هنا عن الثلاثة، وفي تأخره في العدة لمعتادة الحيض في كالسنة أو الخمس سنين أو العشر على ما مر؛ لأن العدة ثبتت بالقرآن والاستبراء بخبر الآحاد المتقدم في سبي أوطاس، وقوله: بحيضة، لم يقل بقرء لأن القرء يطلق على الطهر، والمشهور في الاستبراء أنه حيضة، وقيل: طهر، ومقابل المشهور قال في التوضيح: لم أره منصوصا، وقوله: بحيضة هو في المعتادة لمقابلته له بالمرتابة في قوله: وإن تأخرت أو أرضعت لخ، وقوله: وإن تأخرت، قال بناني: اعلم أنها إن كانت عادتها أنها لا تحيض إلا بعد تسعة أشهر فلم يختلف قول ابن القاسم أنّها تستبرأ بثلاثة أشهر، وإن كانت لا تحيض إلا بعد ثلاثة أشهر فاختلف قول ابن القاسم هل تنتظر الحيضة أو تكتفي بثلاثة أشهر؟ ابن عرفة ومن لا تحيض إلا لأكثر من ثلاثة إلى لتسعة في كونها ثلاثة أو حيضتها، سماعا عيسى ويحيى ابنَ القاسم، ومن لا تحيض إلا لأكثر من تسعة أشهر فثلاثة فقط. انتهى. وعلى كل حال فلا يصدق به قول المصنف: وإن تأخرت، وإنما ينبغي تصويره بما إذا كانت تحيض في داخل الثلاثة الأشهر فتأخر عنها فتكتفي بالثلاثة، وإذا اكتفي بالثلاثة في هذه علم بالأحرى أنه يكتفى بها أيضا فيمن لم تر الحيض إلا من ستة أشهر، لتسعة أشهر، وبيان الأحروية أن عدم الحيض عند وقته مدخل في الريبة لأنه إنما يرتفع غالبا بالحمل. قال بعض الشيوخ: ويحتمل أن يراد بقوله: وإن تأخرت، المتأخر المعتاد للنساء وهو الحيض في كل شهر، فيشمل كلامه من تأخر حيضها عن وقته المعتاد ومن تأخر عن الثلاثة إلى تسعة، وبه يصح التعميم في كلام المصنف. والله أعلم.
تنبيه: قدمت التعميم في قوله: أو استحيضت ولم تميز، وخصه عبد الباقي بمن لم تتقرر لها عادة قبل الاستحاضة بأن كانت مبتدأة، قال: وأما من تقررت لها عادة فتكتفي برؤية الدم في
стр. 4854
الاستبراء. انتهى. قال بناني: أصل هذا الكلام هو قول علي الأجهوري: والمستحاضة التي طرأ لها عدم التمييز بعد ما تقررت لها عادة تعمل على عادتها، فإن كانت عادتها أن لا تأتيها الحيضة إلا بعد ثلاثة أشهر تستبرأ بثلاثة أشهر وهكذا. انتهى باختصار. ولم أو من النقل ما يساعده. انتهى كلام بناني. وقد مر أن قوله: بثلاثة أشهر جواب الشرط فهو راجع للمسائل الأربع. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح: "وإن تأخرت أو أرضعت أو مرضت أو استحيضت ولم تميز فثلاثة أشهر"، هذا عام في أم الولد وغيرها، ومعنى كلامه أن المسترابة بتأخير حيضتها تمكث ثلاثة أشهر، وكذلك المرضع والمريضة والمستحاضة غير المميزة، وما ذكره في المرتابة بتأخير الحيض هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وروى عنه ابن وهب أنها تتربص تسعة أشهر، ولابن القاسم: إن كانت عادتها أن حيضها يتأخر ستة أشهر وسبعة ونحو ذلك فإنها تنتظر الحيضة، وإن كان من عادتها أن يتأخر أكثر من تسعة أشهر اكتفت بثلاثة أشهر، وإنما قيد المستحاضة بكونها غير مميزة لأن المميزة تكتفي بحيضة مما تميزه، وما ذكره فيها هو المشهور، وقيل: تتربص تسعة أشهر ولو ميزت. انتهى. وفي الحطاب: إذا كانت تحيض في كل ستة أشهر فاختلف هل تستبرأ بالحيضة أو تستبرأ بثلاثة أشهر؟ وهو الذي اختاره ابن رشد في رسم استأذن من سماع عيسى. انتهى. قال مقيده: فلهذا مشى عليه المصنف. والله سبحانه أعلم. كالصغيرة تشبيه في الاستبراء بثلاثة أشهر؛ يعني أن الصغيرة المطيقة للوطء تستبرأ بثلاثة أشهر. واليائسة يعني أن اليائسة وهي التي قعدت عن المحيض تستبرأ بثلاثة أشهر وهاتان هما اللتان بالغ عليهما المصنف أول الباب بقوله: وإن صغيرة أطاقت الوطء أو كبيرة لا تحملان عادة، فذكرهما قبل في أصل وجوب الاستبراء وهنا في أنهما يستبرآن بثلاثة أشهر. ونظر النساء قرره عبد الباقي على أن المسترابة إذا تأخر حيضها لغير رضاع أو مرض وكانت عادتها أن يأتيها قبل ثلاثة أشهر نظرها النساء، فإن لم يرتبن حلت، فهو خاص بهذه التي ذكرت، وهي من تأخر حيضها لغير رضاع أو مرض وكانت عادتها أن يأتيها قبل ثلاثة أشهر، ولا يرجع لمن كانت عادتها أن يأتيها بعد الثلاثة، ولا لبقية المسائل غيرها، فإن الثلاثة أشهر تكفي فيها من غير نظر النساء فهو خاص بأحد فردي قوله: وإن تأخرت، هذا هو النقل كما في المواق وابن عرفة، خلافا للشارح والطخيخي، فكأنه قال في هذه تحل بثلاثة أشهر بشرط أن ينظرها النساء بعد تمام الثلاثة.
стр. 4855
انتهى. وقوله: فهو خاص بأحد فردي قوله: وإن تأخرت لخ، فيه نظر، بل الذي يدل عليه نقل المواق أنه يرجع للمستحاضة أيضا، ونصه: عن ابن رشد: وأما إن كانت الأمة ممن تحيض فاستحيضت أو ارتفعت حيضتها فروى ابن القاسم وابن غازي: أن ثلاثة أشهر تجزئ إذا نظرها النساء فلم يجدن حملا. انتهى. وهو ظاهر ما نقله بعده عن المدونة فانظره. انتهى. وتقرير الشارح هو قوله أي نظر النساء من تأخر حيضها، وكذا نص عليه ابن القاسم، وكذا هو المنصوص في المرضع والمريضة أن تمكث ثلاثة أشهر وينظرها النساء وكذا في المستحاضة، انتهى. فجعله عاما كما رأيت. وكذا الشبراخيتي فإنه قال: وهذا في غير الصغيرة واليائسة فهو راجع لما قبل الكاف، والمراد النساء العارفات وتقدم أن الجمع ليس بشرط. انتهى. فإن ارتبن فتسعة مرتب على قوله: ونظر النساء، وقد علمت تخصيص عبد الباقي له وتعميم غيره له؛ يعني أنه ينظر النساء بعد ما مضى ثلاثة أشهر على ما مر من تخصيص وتعميم، فإن لم يرتبن حلت وإن ارتبن بحس بطن فإنها تتربص تسعة أشهر أي ستة زائدة على الثلاثة، فإن لم تزد الريبة حلت، وإلا مكثت أقصى أمد الحمل قال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني تسعة أشهر يؤخذ منها الثلاثة قبل أن ينظرها النساء، ابن عبد السلام وابن فرحون: فإن زالت الريبة قبل وفاء التسعة حلت، وإن استمرت بعد التسعة ولم تزد بحس ولا تحريك حلت أيضا. انتهى. وكذا في الجواهر. وإلى الثالث بقوله: وبالوضع، عطف على قوله بحيضة يعني أن الحامل تستبرأ بالوضع، فما مر من الاستبراء بالحيضة والأشهر إنما هو في غير الحامل وأما الحامل، فاستبراؤها بالوضع كالعدة التشبيه في قوله المار كله وإن دما اجتمع، وفي قوله: وتربصت إن ارتابت به وهل أربعا أو خمسا، وأما كونه لابد أن يكون لاحقا به أو يصح استلحاقه فلا يعتبر هنا كما هو ظاهر كلامهم وحرم في زمنه الاستمتاع يعني أن من ملك أمة ووجب عليه استبراؤها يحرم عليه في زمن استبرائها أن يستمتع بها؛ يعني يحرم الاستمتاع بجميع أنواعه، فلا يجوز أن يطأ ولا أن يقبل ولا أن يباشر ولا أن يخلو بها وإن لم يقربها، رائعة أو وخشا، مسبية أو غيرها، حاملا من زنى أو غيره، شابا أو شيخا، ما لم تكن ظاهرة الحمل من مالكها وحصل فيها ما يوجب الاستبراء فلا يحرم وطؤه لها ولا استمتاعه بها، وقد مر نحوه، وتقدم القول بتحريمه أيضا. وفي الحطاب: قال في المدونة: ولا ينبغي للمبتاع أن يطأ في الاستبراء، ولا يقبل أو يجس أو ينظر للذة، ولا بأس أن ينظر لغير لذة،
стр. 4856
وإن وطئ المبتاع الأمة في الاستبراء قبل الحيضة نكل إن لم يعذر بجهل حاضت بعد ذلك أو لم تحض. انتهى. قال أبو الحسن معنى قوله: لا ينبغي؛ أي لا يجوز بدليل قوله: نُكِّلَ. انتهى وقال في المدونة: ومن اشترى جارية حاملا فلا يتواضعانها، ثم قال: ولا يطؤها حتى تلد. قال أبو الحسن: وتطهرَ، ولا يدخل النفاس في الاستبراء وله أن يتلذذ بها بما عدا الوطء. انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقوله: نكل، مع طرح شهادته. وقوله: ولا بأس أن ينظر بغير لذة؛ أي ولو بغير ضرورة. ولما ذكر شروط الاستبراء ذكر مفاهيمها غير مرتبة، فقال: ولا استبراء إن لم تطق الوطء هذا مفهوم قوله: أطاقت الوطء؛ يعني أن الصغيرة التي لا تطيق الوطء لا يجب استبراؤها أي أن ما مر من موجبات الاستبراء إنما هو في المطيقة، وأما غير المطيقة فلا استبراء فيها. قال الشارح: هذا مما لا خلاف فيه. قاله في البيان وغيره. انتهى. وقال في التوضيح: ونص المتيطي على أن بنت ثمان سنين لا تطيق الوطء، والمطيقة كابنة العشر والتسع فإنه يمكن وطؤها. انتهى. نقله الحطاب. وقال: هذا والله أعلم يختلف باختلاف الناس. انتهى وقال الشبراخيتي عند قوله: إن لم تطق الوطء كبنت ثمان فأقل، أو حاضت تحت يده أي غير مالكها، وهو مفهوم قوله: إن لم تؤمن البراءة؛ يعني أن من عنده أمة لا يملكها كأمة زوجته أو ولده أو شريكه وهي لا تخرج ولا يولج عليها أو حاضت تحت يده لا استبراء فيها إذا ملكها، ومثل لذلك بقوله: كمودعة أي أن من عنده أمة مودعة أو مرهونة لم تخرج ولم يولج عليها وحاضت تحت يده لا استبراء فيها إذا ملكها لتيقن البراءة، وغلبة الظن في الفقه كاليقين، وقوله: كمودعة، يحتمل أنه للتشبيه أي أن المودعة والمرهونة إذا عادتا للمودع والراهن فإنه لا استبراء فيهما كما في المدونة. قاله عبد الباقي. ومبيعة بالخيار يعني أن من اشترى أمة بالخيار وقبضها وحاضت عنده أيام الخيار ولم تخرج للتصرف ولم يلج عليها سيدها أيام الخيار وأمضى من له الخيار البيع لا يجب عليه أي على من اشتراها استبراؤها ليتيقن البراءة، فهو من أمثلة مفهوم قوله: إن لم توقن البراءة، وعلى أن قوله: كمودعة مثال فيكون قوله: ولم تخرج ولم يلج عليها سيدها راجعا للمودعة والمبيعة بالخيار لأنهما مثالان، فإن انتفى القيدان أو أحدهما وجب الاستبراء لسوء الظن كما مر، وإذا رد من له الخيار البيع جاز لبائعها أن يطأها من غير استبراء لأنها لم تخرج عن ملكه، إلا أنه يستحب له الاستبراء كما قال المصنف يستحسن إذا غاب عليها مشتر بخيار،
стр. 4857
وتؤولت على الوجوب، وأطلق في المودعة والمرهونة، وقال اللخمي: إن كان المودع والمرتهن غير أمين وجب في غير الوخش، وإلا سقط إن كان ذا أهل، وإلا استحب، وربما أشعر قوله: ومبيعة بالخيار، أن المحبوسة للثمن إذا حاضت عند البائع ليست كذلك، وهو كما أشعر، فتأتنف حيضة بعد نقد الثمن، فإن لم يحبسها البائع للثمن بل أمكنه منها فتركها عنده وذهب ليأتي بالثمن فإنه يكتفى بحيضتها عند البائع قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ويدخل في قوله: ومبيعة بالخيار، الخيار الحكمي وهو من اشترى أمة من فضولي وحاضت عنده ثم أجاز ربها البيع. قاله في المدونة، والغاصب إذا حاضت عنده الأمة ثم ضمنها بوجه أو اشتراها فلا استبراء عليه صرح به اللخمي. ابن عرفة: وفيها حيضتها بعد البيع بيد بائع حبسها بالثمن ولم يمنعها المبتاع ولا سأله وذهب ليأتي بالثمن لغو، ولو أمكنه منها فتركها ليأتي به أجزأ، ولو كانت رائعة لأنه أمين، اللخمي وكذا إن لم يمكنه ولم ينص على حبس والعرف التسليم والاتباع بالثمن. انتهى. أو أعتق وتزوج يعني أن من أعتق أمته الموطوءة له، له أن يتزوجها من غير استبراء؛ لأن الماء ماؤه، قال الشارح: أي وكذا لا يجب استبراء الأمة إذا أعتقها واطئها وأراد تزوجها؛ لأن الماء ماؤه وهو صحيح، ونقل بعض المتأخرين قولا بوجوب الاستبراء. الشيخ: ولم أره وهو ظاهر، ليفرق بين ولده من وطء الملك فإنه ينتفي بلا لعان، وبين ولده من وطء النكاح فإنه لا ينتفي إلا باللعان. انتهى. ونقله بناني أيضا، وزاد: أو لأنه اختلف إذا اشتراها وهي حامل في هذا الحمل هل تكون به أم ولد أم لا؟ انتهى. ومر أنه إذا اشتراها لا يكفي في إسقاط الحيضة عتقه إياها عقب الشراء على المذهب أو اشترى زوجته هذا مفهوم قوله: ولم يكن وطؤها مباحا؛ يعني أن من اشترى زوجته يباح له أن يطأها بالملك من غير استبراء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون اشتراها قبل البناء وبعده، ولهذا قال: وإن بعد البناء، قال عبد الباقي: وكان الأولى أن يقول: وإن قبل البناء؛ لأنه المتوهم. انتهى قال بناني: أي لأن المقابل وهو ابن كنانة إنما يوجب الاستبراء إذا كان الشراء قبل البناء، بناء على ما لابن عرفة من أن خلافه قبل البناء فقط، وأما المصنف في التوضيح فقال: إن خلافه قبل وبعد، ولكنه اقتصر على ما قبل تنبيها على الأشد بالأخف، فإن فائدته بعد البناء أن يظهر كون الولد من وطء الملك فتكون به أم ولد اتفاقا، أو من وطء النكاح
стр. 4858
فتكون به أم ولد باختلاف، وعلى هذا الفهم فلا يحتاج إلى تصويب عبارة المصنف لأن الاستبراء بعد البناء أحرى عند ابن كنانة وكلا الفهمين صحيح انتهى.
فإن باع المشتراة وقد دخل جواب الشرط لم تحل لسيد ولا زوج إلى آخره؛ يعني أن الزوج إذا اشترى زوجته وكان قد دخل بها قبل شرائه لها ثم باعها قبل أن يطأها بالملك فإنها لا تحل لسيدها الذي اشتراها من زوجها ولا لزوج يتزوجها إلا بعد مضي قرءين أي طهرين، عدة فسخ نكاحها أي الفسخ الذي نشأ عن شراء زوجها الذي باعها، ومفهوم قوله: وقد دخل، أنه لو لم يدخل لكان الحكم خلاف ذلك وهو كذلك، قال في استبراء المدونة: ومن اشترى زوجته قبل البناء أو بعده لم يستبر، وإن ابتاعها قبل البناء ثم باعها قبل أن يطأها أو بعد أن وطئها فليستبر المبتاع بحيضة. انتهى. قاله الحطاب. وقولي: عدة فسخ النكاح؛ أي لأن عدة فسخ النكاح تجري مجرى عدة الطلاق. قال الشارح: وإلى هذا رجع مالك وبه أخذ ابن القاسم، وكان قبله يقول: إن كل من اشترى زوجته ثم باعها أو أعتقها فإنه يستبرئها بحيضة حرا كان أو عبدا انتهى.
أو أعتق يعني أن الزوج إذا اشترى زوجته وكان قد دخل بها قبل شرائه لها، ثم إنه أعتقها قبل أن يطأها بالملك، فإنه لا يحل نكاحها لغير سيدها الذي اشتراها وأعتقها إلا بعد أن يمضي لها طهران، عدة فسخ نكاحها أي الفسخ الذي حصل بسبب شراء الزوج الذي أعتقها، ومفهوم قوله: وقد دخل أنه لو لم يدخل لم يكن الحكم كذلك، وهو كذلك فتستبرأ بحيضة. أو مات يعني أن الزوج إذا اشترى زوجته وكان قد بنى بها قبل الشراء، ثم إنه مات قبل أن يطأها بالملك فإنها لا تحل لمن حصلت في ملكه ولا لمن يريد نكاحها إلا بعد أن يمضي لها قرآن أي طهران عدة الفسخ الذي حصل بسبب شراء الزوج الذي مات لها، ومفهوم قوله: وقد دخل، أنها تكتفي بحيضة استبراء حيث لم يدخل.
أو عجز المكاتب يعني أن الزوج إذا كان مكاتبا واشترى زوجته بعد أن دخل بها، ثم إنه عجز قبل وطئه لها بالملك ورجع رقيقا، فإنه لا يحل وطؤها بالملك لسيد المكاتب ولا لسيد آخر اشتراها ولا لمن يريد نكاحها إلا بعد مضي قرءين أي طهرين عدة فسخ نكاح زوجها المكاتب، ومفهوم قوله: وقد دخل، أنه لو لم يدخل لم يكن الحكم كذلك، وهو كذلك فتكفي فيها حيضة استبراء.
стр. 4859
وعلم مما قررت أن قوله: قبل وطء الملك يتنازعه الأفعال الأربعة: وهي باع، وأعتق، ومات، وعجز، وأن قوله: لم تحل جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الأربع. وقوله: لسيد، متعلق بتحل وهو راجع لثلاث من الأربع وهي باع ومات وعجز، ولا يرجع لأعتق لأنها حرة. وقوله: ولا زوج عطف على سيد وهو راجع للأربع، وقوله: إلا بقرءين أي بطهرين كها مر وهو استثناء مفرغ له العامل فهو متعلق بتحل، وهو جار في الأربع. وقوله: عده فسخ النكاح الاسم الأول بدل من التثنية، والثاني مضاف إليه ما قبله كالثالث، وقد علمت أن مفهوم قوله: وقد دخل، أنه لو لم يدخل اكتفي بحيضة واحدة وقوله فإن باع المشتراة لخ، مفرع على قوله: أو اشترى زوجته، وقوله: عدة، يصح جره كما مر، ويصح نصبه بفعل محذوف أي أعني، ويصح رفعه على أنه خبر مبتدإ محذوف؛ أي وهما، انظر الشبراخيتي.
وبعده أي وطء الملك، وهذا مفهوم قوله: قبل وطء الملك؛ يعني أنه لو باع أو أعتق أو مات أو عجز المكاتب بعد أن وطئها أي الزوجة المشتراة بالملك فإنها تحل بحيضة؛ لأن وطء الملك هذم عدة فسخ النكاح، لكن في البيع يجب على كل من البائع والمشتري حيضة، ويجوز اتفاقهما على واحدة كما مر. كحصوله بعد حيضة قوله: كحصوله؛ أي ما ذكر من البيع أو العتق أو الموت أو عجز المكاتب، كما في قوله: وبعده؛ يعني أنه إذا حصل شيء من الأمور الأربعة بعد حيضة فإنها تكتفي بحيضة مستقبلة، ولا فرق في هذه بين أن يحصل وطء أم لا. وكذا قوله: أو حيضتين يعني أنه لو حصل شيء من الأمور الأربعة بعد حيضتين فإنها تكتفي بحيضة مستقبلة، وقد علمت أنه لا فرق بين أن يحصل فيها وطء أم لا كما في الشبراخيتي والأمير. ولفظ الأمير: فإن باعها أو أعتقها أو عجز المكاتب قبل الدخول أو بعد وطء الملك أو بعد حيضة وأولى حيضتين حلت بحيضة. انتهى وقوله: كحصوله بعد حيضة أو حيضتين؛ أي لأنه إن حصل بعد حيضة كانت الحيضة الثانية مكملة للعدة ومغنية عن حيضة الاستبراء، وإن حصل بعد حيضتين كانت الحيضة المطلوبة لمجرد الاستبراء، وقوله: أو حيضتين، راجع لما عدا المعتق، وأما إن أعتقها بعد حيضتين فإنها تحل من غير استبراء، لما مر من أن العتق لا يوجب الاستبراء إلا إذا لم يتقدم قبله استبراء، وإلا فإنه لا يوجبه، وهذا في القن وأما أم الولد فقد مر أن عتقها يوجب الاستبراء مطلقا تقدم استبراء أم لا. قاله بناني.
стр. 4860
أو حصلت في أول الحيض يعني أن ما تقدم من أسباب الاستبراء من حصول الملك وغيره إذا حصل في أول الحيض فإنه لا استبراء حينئذ، فيكتفى بذلك الحيض في غير أم الولد، فقوله: أو حصلت، عطف على إن لم تطق الوطء؛ أي ولا استبراء إن حصلت الأشياء الموجبة للاستبراء في أول الحيض، وقوله: أو حصلت في أول الحيض، هو المشهور ومثله قول المدونة: ومن ابتاع أمة في أول دمها أجزأه من الاستبراء، وقال أشهب: لابد من حيضة أخرى، واختاره ابن شعبان. قاله الشارح. وهل الاكتفاء بالحيضة التي حصل موجب الاستبراء في أولها حاصل إلا أن يمضي حيضة استبراء؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا حصل شيء من موجبات الاستبراء في أول الحيض. وقلنا: يكتفي بتلك الحيضة التي حصل موجب الاستبراء في أولها، هل الاكتفاء بها مقيد بأن لا يمضي قبل الموجب حيضة استبراء أي مقدار ما يكفي من الحيض في الاستبراء المتقدم وهو يوم أو بعضه، أو أكثرها أي الحيضة التي حصل موجب الاستبراء فيها، ومعنى الأكثر أقواها اندفاعا وهو اليومان الأولان من أيام الحيضة التي اعتادتها؛ لأن الدم فيهما يكون أكثر اندفاعا من باقي الحيضة.
وعلم مما قررته أن الضمير في أكثرها من باب: عندي درهم ونصفه؛ لأن المراد بحيضة استبراء يوم أو بعضه، وبالثانية الدم كما في الشبراخيتي.
وقوله تأويلان: مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان؛ وتفسير الأكثر باليومين ظاهر فيمن عادتها في الحيض أكثر منهما، وأما من عادتها يومان فأقل، فالظاهر أنه يعمل بقول أهل المعرفة في الأكثر. وعلم من المصنف ثلاثة أقسام، الأول: تقدم حيضة استبراء مع أكثره اندفاعا وزمنا على البيع، فلا يجزئ ما بقي اتفاقا. الثاني: تأخر جميع ذلك عن البيع مثلا فيجزئ ما بقي باتفاق التأويلين. الثالث: محل التأويلين وهو مضي حيضة استبراء قبل عقد البيع مع تأخر أكثره وأقواه اندفاعا. قال بناني: اعترض المصنف بأن الأول ليس بتأويل وإنما هو لمحمد، قيد به المشهور خارجا عن التأويلين، والتأويلان إنما هما في تفسير معظم الحيضة ما هو؟ ففسره ابن العطار عن ابن مناس بكثرة اندفاع الدم، وفسره أبو بكر بن عبد الرحمن بأكثر أيام الحيضة. انتهى.
стр. 4861
أو استبرأ أب جارية ابنه عطف على ما لا استبراء فيه؛ يعني أن الأب إذا استبرأ جارية ابنه ثم وطئها ولم يكن الابن وطئها فإنه لا يجب عليه أن يستبرئها من وطئه الحاصل بعد استبرائها، بل له أن يطأها من غير استبراء، وقد وجبت عليه قيمتها؛ إذ بمجرد وضع يده عليها وجلوسه بين فخذيها حرمت على الابن، ولزمت الأب القيمة كان الأب موسرا أم لا، إلا أنها تباع عليه إن كان معسرا ولم تحمل، فإن حملت لم تبع، فلذلك لم تستبرأ لكونه وطئ مملوكة بعد استبرائها، وكذا لو استبرأها الابن ثم وطئها الأب. وقوله: "أو استبرأ أب جارية ابنه"، هو تأويل الأكثر على المدونة، وهو تأويل الخلاف. وتؤولت المدونة أيضا على وجوبه أي الاستبراء، أي تؤولت المدونة على أن الأب إذا وطئ جارية ابنه بعد أن استبرأها يجب عليه استبراؤها ثانيا إذا أراد وطأها ثانيا لفساد مائة، بناء على أنه لا يضمن قيمتها بالتلذذ ولو بالوطء، بل للابن التمسك بها في يسر الأب وعسره، وهذا التأويل هو الذي عليه الأقل من الشيوخ، وهو تأويل الوفاق، ومحل التأويلين إذا استبرأها الأب ابتداء، وأما لو وطئها ابتداء من غير استبراء فإنه يجب عليه أن يستبرئها من وطئه اتفاقا، وتحقيق ما أشار إليه المصنف أن ابن القاسم قال في المدونة ومن وطئ جارية ابنه فقومت عليه فليستبرئها إذا لم يكن الأب قد عزلها عنده واستبرأها؛ وقال غيره: لابد أن تستبرأ لفساد وطئه وإن كانت مستبرأة عند الأب، قال ابن القاسم: وكل وطء فاسد فلا يطأ فيه حتى يستبرئ. انتهى.
وأكثر الشيوخ حملوا قول ابن القاسم على أنه مخالف للغير، ففهموا قوله: إذا لم يكن الأب عزلها عنده واستبرأها، على أنه لو استبرأها قبل الوطء لا يحتاج إلى استبراء بعده، وهذا تأويل ابن رشد واللخمي وابن الحاجب، وهو طريق الأكثر، وخالف ابن اللباد وابن الشقاق وابن الكاتب الأكثر وحملوا قول ابن القاسم على موافقة الغير، وفهموا قوله: فليستبرئ إذا لم يكن الأب قد عزلها عنده واستبرأها، على أن المراد إذا قومت عليه فليستبرئها إذا لم يكن عزلها عنده واستبرأها بعد وطئه الفاسد؛ واختار هذا التأويل [ابن زرقون] (١) شيخ ابن رشد. وقد رد الأكثرون قول الغير بأن وطء الأب بعد الاستبراء ليس بفاسد لأنه يملكها بمجرد التلذذ. قال الإمام الحطاب: القول بفساد وطء الأب بعد الاستبراء لا وجه له، ألا ترى أنه لو تلذذ بها ولم يطأها
стр. 4862
أليس أنه يلزمه قيمتها وتصير ملكا له على المعروف؟ وقال المصنف في التوضيح: وقول الغير ظاهر. انتهى فكأنه اختار قول الغير. وقد تبين أن قول ابن القاسم هو الراجح الظاهر المشهور والله أعلم. انتهى.
ويستحسن إذا غاب عليها مشتر بخيار له يعني أن من اشتري أمة بخيار له وغاب عليها وردها للبائع يستحب لبائعها الذي ردت إليه أن يستبرئها ولا يجب عليه، قال في المدونة: ومن ابتاع جارية بالخيار ثلاثا فتواضعاها أو كانت وخشا فقبضها فاختار الرد من له الخيار، فلا استبراء على البانع لأن البيع لم يتم فيها، وإن كان البائع أحب أن يستبرئ التي غاب عليها المشتري وكان الخيار له خاصة فذلك حسن؛ إذ لو وطئها المبتاع لكان بذلك مختارا وإن كان منهيا عن ذلك، كما استحب استبراء التي غاب عليها الغاصب انتهى.
وتؤولت علي الوجوب أيضا؛ يعني أن المدونة تؤولت على خلاف ظاهرها، وأنه يجب على البائع أن يستبرئ الأمة المبيعة بالخيار إذا غاب عليها المشتري والخيار له، وقوله: بخيار له، قال عبد الباقي وغيره: وكذا لو كان الخيار لغير المشتري، وقوله: وتؤولت أيضا على الوجوب، قال في التوضيح: وهو الأقرب، لا سيما إن كان الخيار للمشتري، وقال الحطاب: ظاهر المدونة وما نقله اللخمي عنها أن استحسان الاستبراء إنما هو إذا كان الخيار للمشتري فقط، وظاهر ما نقله أبو الفرج وجوب الاستبراء مطلقا، كان الخيار له أو للبائع أو للأجنبي، وكذلك أيضا ظاهر استحسانه هو الإطلاق؛ يعني في التوضيح، وعلى هذا الإطلاق حمل الشارح كلام المصنف في الكبير؛ يعني: ويستحسن الاستبراء إذا غاب على الأمة مشتر بخيار، يريد إذا كان الخيار للمشتري أو للبائع أو لأجنبي فإذا ردت إلى سيدها استحسن له أن لا يطأها حتى يستبرئها. انتهى. وقال عبد الباقي: بخيار له مثلا: وكذا لغيره. انتهى.
وقال بعض الشيوخ: كلام المدونة يدل على أن الاستحسان للاستبراء إنما هو حيث يكون الخيار للمشتري فقط وهو ظاهرها أو صريحها؛ لأن الخيار إذا كان لأجنبي أو للبائع وغاب عليها المشتري فإنه ممنوع من وطئها شرعا، ولا يتأتى فيه قولها: إذ لو وطئها لخ؛ لأنه لا خيار له أصلا، فإن لم يراعوا المانع الشرعي فيلزمهم أنها إذا كانت تحت يد أمين يلزمهم الاستبراء وهم لم يقولوا هذا، بل لو كان الخيار للمشتري مع غيره لم يستحسن الاستبراء في غيبة المشتري عليها
стр. 4863
لأنه ممنوع منها شرعا، ولا يفيده اختياره بوطئه، هذا الذي فهمناه وهو ظاهر قول المتن: بخيار له. انتهى. قاله بناني.
واعلم أن في هذه المسألة ثلاث تأويلات: وجوب الاستبراء في غيبة المشتري والغاصب، الاستحباب فيهما، الوجوب في الغاصب والاستحباب في المشتري.
ولما كانت المواضعة نوعا من الاستبراء وإن خالفته في بعض الأحكام، كالنفقة فإنها زمن المواضعة على البائع وضمانها فيه منه وشرط النقد يفسد عقد بيعها بخلاف الاستبراء، أفردت بالكلام لبيان تلك الأحكام، ولا تجب إلا في أمتين، في التي ينقص الحمل من ثمنها، وفي التي وطئها البائع، وعرف ابن عرفة المواضعة بقوله: المواضعة جعل الأمة مدة استبرائها في حوز مقبول خبره عن حيضتها. واعترضه بعضهم بأنه يوهم اختصاص المواضعة بمن تحيض. وقد صرح ابن رشد بعمومها في الصغيرة واليائسة. ولو قال بدل قوله: عن حيضها، عن براءتها، لشمل ذلك، وأجيب بأنه اقتصر على الحيض لأنه الأصل أو الغالب، أو يجعل من باب الكناية عما ينقضي به تواضعها؛ فلا اعتراض. قاله الشبراخيتي.
وأشار المص إلى من تتواضع بقوله: وتتواضع العلية يعني أن من باع أمة علية أي رائعة أي جميلة يجب أن توضع عند أمين حتى تحيض، فيمضي بيعها حينئذ أو يظهر بها حمل فترد لبائعها، ولابد من مواضعتها مطلقا، أقر البائع بوطئها أم لا؛ ووجه ذلك أن الرائعة إنما وجبت فيها المواضعة لأن الحمل ينقص من ثمنها كثيرا، لا لأجل وطء البائع، فلذا وجبت فيها وإن لم يطأها البائع، وقوله: العلية، قال عياض: علية الجواري بسكون اللام يعني مع كسر العين وقيل بكسر اللام وتشديد الياء والأول أشهر. انتهى. وقال الشارح: والعلية واحد العلي بفتح المعين وكسر اللام المخففة وتشديد الياء. انتهى. والأول قاله بناني. والعلية هي الرائعة الجيدة التي تراد للفراش لا للخدمة.
وفي الجواهر: فلان من علية الناس جمع رجل علي أي شريف ورفيع مثل صبي وصبية، ويجوز في المتن ضبطه مفردا أي بفتح العين وكسر اللام وتشديد الياء، وضبطه جمعا أي بكسر العين وسكون اللام وفتح الياء مخففة. انظر حاشية الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: وتتواضع، قال بناني: تتواضع بضم التاء مبنيا للمفعول، وقد استعمل هنا لفظ تفاعل متعديا وهو قليل. انتهى.
стр. 4864
وقال الشبراخيتي: وتتواضع، بفتح التاءين والمفاعلة ليست على بابها، فالمراد أصل الفعل وهو الوضع؛ أي تجب مواضعتها أي وضعها عند أمين وهو خبر، ومعناه الطلب وأصله وليتواضع المتبايعان الأمة العلية. وقوله: وتتواضع العلية؛ أي ولو أسقط المشتري حقه من الرد بالعيب لاحتمال الحمل. انتهى. وقوله: وتتواضع العلية أي ولو بعد أن يستبرئها البائع. قال في المدونة: وإن وطئ أمته فلا يبيعها حتى يستبرئها ثم لابد إن باع الرائعة من المواضعة كان قد استبرأها أم لا. انتهى. وهذا بخلاف الوخش التي أقر بوطئها فلا مواضعة فيها إن استبرأها البائع، ولهذا قال ابن عرفة: أو وخش غير مستبرأة من وطء ربها. وقال أبو الحسن: إذا استبرأ الرائعة فلابد من مواضعتها، وأما الوخش إذا استبرأها فلا مواضعة فيها. قاله بناني. وقال ابن رشد في أوائل كتاب الاستبراء من البيان: ولا يرخص في تركها يعني المواضعة للمسافر والمجتاز، وهي أن توضع الجارية على يد امرأة أو رجل له أهل حتى تعرف براءة رحمها من الحمل، بحيضة إن كانت من ذوات الحيض، وثلاثة أشهر إن كانت يائسة من المحيض بكبر أو صغر ممن توطأ، بكرا كانت أو ثيبا، أمن منها الحمل أو لم يؤمن. وقد قيل: إذا أمن منها الحمل فلا مواضعة فيها. انتهى.
ثم قال: والضمان في ذلك من البائع والنفقة عليه، ولا يجوز أن يلتذ بشيء منها وإن كان الضمان منه والنفقة عليه من أجل أنه قد أوجبها لغيره، ولا يجوز ذلك للمشتري أيضا من أجل أن الضمان على غيره، وإن اشتراها في أول دمها أو معظمه فإن ذلك براءة رحمها ولم تكن فيها مواضعة. انتهى. وقال بعد هذا في سماع أشهب: أما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فلا اختلاف أنه لا مواضعة فيها ولا استبراء، وإنما اختلف في الصغيرة التي يوطأ مثلها ويؤمن الحمل منها، فذهب مالك وعامة أصحابه إلى وجوب الاستبراء فيها والمواضعة إن كانت من ذوات الأثمان فثلاثة أشهر لأن الحمل لا يستبين بأقل منها، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونصف، وقيل: شهر. وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنه لا يجب فيها استبراء ولا مواضعة، وذلك عن جماعة من السلف، منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وسلمان (١) والقاسم بن
стр. 4865
محمد وابن شهاب وأبو الزناد وأبو رفيع وابن هرمز وغيرهم، وكذلك الكبيرة التي يؤمن منها الحمل. والله أعلم. قاله الحطاب.
أو وخش أقر البائع بوطئها يعني أن الوخش إذا بيعت فإنها تتواضع إذا أقر البائع بوطئها، وأما إن لم يقر البائع بوطئها فلا مواضعة فيها، وإنما يجب فيها الاستبراء فقط، كما قدمه بقوله: يجب الاستبراء بحصول الملك. والوخش الخسيس من كل شيء، ويقال للجارية التي لا تراد للفراش. قال عبد الباقي. والظاهر أنه يراعى في كونها علية أو وخشا عند الناس، وإنما عطف وخش بأو ولم يأت يكاف التشبيه ليلا يتوهم رجوع قوله: عند من يؤمن، للوخش خاصة مع أنه متعلق بهما أي بالعلية والوخش. والله سبحانه أعلم.
عند من يؤمن متعلق بتتواضع؛ يعني أن الأمة المواضعة إنما تجعل عند من يؤمن وهو من يقبل خبره عن حيضتها من رجال أو نساء. وقوله: عند من يؤمن، قال الشبراخيتي: أي ولو رجلا لا أهل له وهو ما حكاه اللخمي، وقال في الذخيرة: ومن شرطه أن يكون متزوجا، وقال في الحاشية: فلا يجوز، وضعها عند غير أمين، فإن وقع ونزل قبل خبره عن حيضها، فعلى هذا توضع عند أمين شرط في الجواز وانتفاء الإثم. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: وانظر إذا وضعاها عند غير أمين أو مأمون ولا أهل له على المنع وحاضت، هل يكفي؟ وهو الظاهر أم لا. انظر الحطاب. انتهى. قوله: هل يكفي؟ وهو الظاهر لخ، أصل هذا الاستظهار للحطاب؛ قال بعض الشيوخ: وفيه نظر، فإن الوضع عند غير المأمون غير معتبر شرعا، وذلك غير مواضعة، كما يدل عليه رسم ابن عرفة لها، وقول المقدمات: المواضعة أن توضع الأمة على يد امرأة عدلة حتى تحيض. انتهى. ونحوه في عبارة عبد الحق وعياض وأبي الحسن والمتيطي والمص وغيرهم. قاله بناني.
تنبيه: قال المتيطى: فإن ارتفعت حيضة الجارية وطال على المبتاع أمرها وأراد الفسخ، فقال في المدونة: لم يحد مالك فيما يكون للمبتاع فيه الرد شهرا ولا شهرين. وفي كتاب محمد: ترد بعد الشهرين، وفيه أيضا: بعد أربعة أشهر. ثم قال بعد أقوال: قال الباجي: والمشهور من المذهب أنه إذا أتى من ارتفاع الحيض ما فيه ضرر على المبتاع أن له الرد، وسيقول المص في العيوب:
стр. 4866
ورفع حيضة استبراء. والشأن النساء يعني أن المواضعة لا تكون إلا عند من يؤمن من رجال أو نساء كما عرفت، ولكن الشأن أي المستحب أن توضع عند النساء، فتوضع عند امرأة مأمونة، ويجوز أن توضع على يد رجل إذا كان مأمونا وله أهل، ولا يجوز أن تكون على يد رجل غير مأمون كان له أهل أم لا، واختلف إذا كان مأمونا لا أهل له، فأجاز ذلك في كتاب محمد على كراهة، ومنعه أصبغ وهو أصوب. انتهى من اللخمي. قاله الحطاب. قال مقيده عفا الله عنه: وفهم من قول المص عند من يؤمن أنها لا توضع عند امرأة غير مأمونة. وقال الشبراخيتي مفسرا للمص: والشأن أي المستحب أو المطلوب أو السنة القديمة التي يؤمر بها عند أهل المذهب على جهة الاستحباب. انتهى.
وإذا رضيا بغيرهما فليس لأحدهما الانتقال؛ يعني أن البائع والمشتري إذا رضيا بأن توضع الأمة زمن مواضعتها عند غيرهما فإنه لا يجوز لأحدهما أن ينقلها عمن وضعت عنده بغير إذن صاحبه، وأما إن رضيا معا بنقلها من عنده فلهما ذلك، والقول للبائع فيمن توضع عنده حيث عين المشتري غيره؛ لأن الضمان منه لا من المشتري، وقوله فليس لأحدهما الانتقال؛ أي إلا لوجه كما قيد به ابن المواز، قال الشارح: أي إذا رضي المتبايعان أن يضعا الجارية على يد أجنبي فليس لأحدهما أن ينقلها عنه؛ قال في الموازية: إلا أن يرى لذلك وجه وينبغي أن يقيد كلامه هنا بمثل ذلك. انتهى.
ونهيا عن أحدهما يعني أن البائع والمشتري نهيا من جهة الشرع عن جعل الأمة زمن مواضعتها في حوز أحدهما، نهي كراهة إن كانا مأمونين. ونهي منع إن كانا غير مأمونين، وإنما نهيا خوف تساهل المشتري في إصابتها قبل الاستبراء نظرا لعقد البيع، أو البائع نظرا لأنها في ضمانه، المازري: وإن وضعاها عند أحدهما فمن أراد الانتقال أجيب إليه. قاله الشارح. وقال الحطاب: وأما إذا كانت في يد أحدهما فله الانتقال. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما إذا رضيا بأحدهما فلكل منهما الانتقال. قاله المازري:
وهل يكتفي بواحدة؟ أتى بصيغة السؤال المشعرة بوجود الخلاف، وأجاب بقوله: قال الإمام المازري: يخرج أي يقاس الخلاف في الاكتفاء بقول امرأة واحدة: إن الأمة المذكورة قد حاضت على الخلاف المذكور في الترجمان؛ أي المبلغ عن الحاكم هل يكتفى فيه بواحد؟ وعليه اقتصر
стр. 4867
المص في باب القضاء، حيث قال: "والمترجم مخبر". انتهى. أو لابد فيه من اثنين لأنهما شاهدان بين الناس والحاكم، وهو المذهب في المترجم، خلافا لما يأتي في المص، والمذهب هنا أي في المواضعة الاكتفاء بواحدة، فلو قال: وكفت واحدة، لكان أحسن. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال اللخمي: المواضعة تجوز على يُدِيِّ أهل الأمانة من النساء، والمرأة الواحدة تجزئ في الائتمان عليها، ويختلف هل يقبل قولها: إنهَا حاضت؟ فالمشهور من المذهب أن ذلك يجزئ. انتهى والله أعلم. انتهى.
وقال بناني: مقتضى المص أن التخريج للمازري من عنده، والذي في المواق عن ابن عرفة: وأجراه التونسي وابن محرز على الخلاف في القائف (١) والترجمان. انتهى. ولا شك أنهما قبل المازري. والترجمان بالفتح ثم الضم كريهقان وكجلجلان وزعفران. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: وهل يكتفى عن خبر حيضها أو عدمه بواحدة؟ ولا فرق فيها بين أن تكون هي الأمينة أو مخبرة للأمين، وبه قال ابن الكاتب وابن عبد الرحمن واللخمي وهو المشهور، أو لابد من اثنتين، وهو قول أبي موسى بن مناس، وكان ينبغي للمص أن يجزم بالمشهور هنا، فيقول وتكفي واحدة. والترجمان هو الذي يفسر لغة بلغه. انتهى. والخلاف المذكور مبني على أن ذلك من باب الشهادة أو من باب الخبر.
ولا مواضعة في متزوجة؛ يعني أن الأمة المتزوجة إذا اشتراها غير زوجها فإنه لا مواضعة فيها سواء كانت مدخولا بها أم لا. وحامل؛ يعني أن الأمة الحامل من غير سيدها لا مواضعة فيها إذا اشتريت بل تستبرأ بوضع الحمل فقط، ومعتدة؛ يعني أن الأمة المعتدة من وفاة أو طلاق إذا اشتريت لا مواضعة فيها. وقوله: ومعتدة: فإن كانت معتدة من طلاق ولم ترتفع حيضتها أو ارتفعت لرضاع فلابد بعده من حيضها للعدة فلا معنى للاستبراء أو المواضعة مع العدة [لدخولها] (٢) فيها، فهي تغني عنهما، فإن ارتفعت لغير رضاع لم تحل إلا بالمتأخر من سنة للطلاق وثلاثة للشراء، كما مر، وأما إن كانت معتدة من وفاة فلابد من مضي عدتها إن جاءتها حيضة قبل تمامها، وإن تأخرت عنها فلابد للمالك من رؤيتها الدم، وإن ارتفعت حيضتها فعدتها إما
стр. 4868
شهران وخمس ليال، وإما ثلاثة أشهر، فإن ارتابت فتسعة، والاستبراء كذلك، فإن اشتريت بعد مدة العدة فقد يتأخر زمن الاستبراء حينئذ عن زمن العدة، وقد يستوي معه إن اشتريت يوم الوفاة في هذه وسيشير لهذا في التداخل بقوله: "وكمشراة معتدة"، قال الشبراخيتي: وأنت خبير بأن النص على نفي المواضعة في المعتدة والمتزوجة غير متوهم؛ لأنه لا استبراء فيهما كما يفيده قوله سابقا: ولم تحرم في المستقبل، ونفي الاستبراء يستلزم نفي المواضعة، فكان المناسب للاختصار حذفهما. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وهذا صريح أو كالصريح في أن من اشترى أمة محرما ليس فيها مواضعة، فإن أقر البائع بوطئها فلابد من استبرائه أي البائع لها والله سبحانه أعلم.
وزانية يعني أنه لا مواضعة في أمة زانية إن اشتريت ولا في مغتصبة لأن الولد الناشئ عن الغصب والزنى لا يلحق بالمالك كما لا يلحق بغيره، وقال الشارح: قوله: "ولا مواضعة في متزوجة وحامل ومعتدة وزانية"، هذا هو المشهور، وقاله المازري. وقال غيره: اختلف في المعتدة والزانية ولم يختلف في الحامل لأن الحمل متحقق، ولا في ذات زوج لدخول المشتري على أن الزوج مرسل عليها، وقال ابن يونس: ولا مواضعة في الزانية والمعتدة إذا كان الزاني والزوج معروفين. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وزانية، يريد المستبرأة من زنى أو غصب، قاله اللخمي. واستحسن القول بالمواضعة. والله أعلم. انتهى.
كالمردودة بعيب تشبيه في نفي المواضعة؛ يعني أن من اشترى أمة رفيعة ثم ظهر بها عيب فردها إلى ربها قبل الغيبة عليها لا مواضعة فيها عليه فقوله الآتي، إن لم يغب المشتري، شرط في هذه واللتين بعدها، ومفهوم إن لم يغب المشتري، أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا تقرير المص بحسب ظاهره. وفيه إجمال، قال في المنتخب: قال سحنون: قال ابن القاسم: ومن اشترى جارية مرتفعة فردها بعيب فإن كانت خرجت من المواضعة وصارت في ضمان المشتري فعلى البائع أن يستبرئها والمواضعة فيها لازمة للمشتري وضمانها منه، وإن كان ردها قبل أن تخرج من المواضعة فلا مواضعة فيها وليس على البائع أن يستبرئها. انتهى. فظاهره وإن لم يغب عليها المشتري كظاهر المدونة وأبي الحسن، والوجه في ذلك أن الرائعة إنما وجبت فيها المواضعة لأن الحمل ينقص من ثمنها كثيرا، لا لأجل وطء البائع فلذا وجبت فيها وإن لم يطأها البائع.
стр. 4869
وحاصل ما مر أنه لا مواضعة في المردودة بعيب ما دامت في ضمان البائع، ولو قبضها المبتاع على وجه الأمانة وغاب عليها، فإن خرجت من ضمانه فعلى المبتاع المواضعة إلا إن حصل الرد بالعيب في أول الدم، فيكفي عن المواضعة. والله أعلم. قاله بناني. فبان مما مر أن في منطوقه ومفهومه إجمالا.
أو فساد يعني أن من اشترى أمة شراء فاسدا ثم ردها إلى ربها قبل أن يغيب عليها فإنه لا مواضعة فيها، ومفهومه أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا تقرير المص بحسب ظاهره. وقال محمد بن الحسن: حاصل كلام علي الأجهوري أن المشتراة شراء فاسدا لها ثلاثة أحوال، الأولى: التي تدخل في ضمانه بالقبض اتفاقا، وهذه إن غاب عليها المشتري ففيها المواضعة وإلا فلا مواضعة الثانية: التي اختلف هل تدخل في ضمانه بالقبض أو لا تدخل في ضمانه إلا برؤية الدم، وهي التي تتواضع، فعلى الثاني إذا غاب عليها قبل رؤية الدم فإنه يجري فيها ما جرى في المقال منها والمعيبة؛ يعني فإن ردها قبل الحيض فلا مواضعة فيها، وإن ردها بعد رؤية الدم فعليها المواضعة، إلا إن حصل الرد بالفساد في أول الدم فيكفي عن المواضعة. والله تعالى أعلم. وعلى القول الأول فحكمها حكم الأولى في التفصيل؛ أي إن ردها قبل الغيبة عليها فلا مواضعة فيها، وإن ردها بعد الغيبة ففيها المواضعة. والله سبحانه أعلم. الثالثة: التي لا تدخل في ضمان المشتري أصلا كأم الولد، فهذه إن غاب عليها ففيها الاستبراء فقط ولا مواضعة فيها لعدم دخولها في ضمانه، وإن لم يغب عليها فلا شيء فيها، وأما المدبرة فليست كأم الولد بل فيها المواضعة. انتهى. وانظر النقل في ذلك. انتهى.
أو إقالة يعني أن من باع أمة وتقايل مع المشتري فيها فإنه لا مواضعة فيها على المشتري إن لم يغب عليها، ومفهومه أنه لو غاب عليها لكانت فيها المواضعة. هذا التقرير له بحسب ظاهره وفيه إجمال. قال بناني بعد جلب كلام المدونة وأبي الحسن:
حاصل ما تقدم أنه لا مواضعة في المقال منها ما دامت في ضمان البائع، ولو قبضها المبتاع على وجه الأمانة وغاب عليها، فإن خرجت من ضمانه فعلى المبتاع المواضعة إلا إن حصلت الإقالة في أول الدم فيكفي عن المواضعة. والله أعلم انتهى. وفي المدونة: ومن باع أمة رائعة ثم تقايلا قبل التفرق فلا استبراء عليه، وإن أقاله وقد غاب عليها المبتاع فإن أقامت عنده أياما لا يمكن فيها
стр. 4870
الاستبراء فلا يطؤها البائع إلا بعد حيضة، ولا مواضعة على المبتاع فيها إذا لم تخرج من ضمان البائع، ولو كانت وخشا فقبضها على ثبات البيع والحوز ثم أقاله قبل مدة الاستبراء فليستبرئ البائع لنفسه أيضا، وإن كان إنما دفع الرائعة إليه ائتمانا له على استبرائها فلا يستبرئ البائع إذا ارتجعها قبل أن تحيض أو يذهب عظم حيضتها، ولو كانت عند أمين فلا استبراء عليه في الإقالة قبل الحيضة ولا بعد طول المدة عند الأمين، ولو تقايلا بعد حيضة عند الأمين أو في آخرها فللبائع على المبتاع فيها المواضعة بضمانه إياها إلا أن يقيله في أول دمها أو عظمه فلا استبراء عليه ولا مواضعة فيها كبيع مؤتنف من غيره، وكذلك في بيع الشقص منها والإقالة منه. انتهى.
قوله: وإن كان إنما دفع الرائعة لخ، هذا كلام بعد الوقوع والنزول، قال أبو الحسن: يدل عليه قولها بعده: وأكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، وقوله: ولو تقايلا بعد حيضة عند الأمين لخ، قضيته أنها بمجرد دخولها في ضمان المبتاع تجب عليه المواضعة للبائع ولو لم يغب عليها المبتاع. قال أبو الحسن: قيل له: أوجبت فيها على البائع أن يستبرئ لنفسه وجعلت المواضعة على المبتاع إذا أقاله في آخر دمها وهي لم تحل للمشتري حتى تخرج من دمها. قال: لأنها إذا دخلت في أول الدم فمصيبتها من المشتري وقد حل له أن يقبل ويصنع بها ما يصنع الرجل بجاريته إذا حاضت، ولأنها قد تحمل إذا أصيبت في آخر دمها ولا أدري ما أحدثت. انظر ابن يونس. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: إن لم يغب المشتري شرط فيما بعد الكاف وقال عبد الباقي: كالمردودة بعيب أو فساد أو إقالة إن لم يغب المشتري فلا مواضعة لأنها إنما تكون حيث الاستبراء، ولا استبراء في هذه عند عدم الغيبة، كما يفهم من قوله: إن لم توقن البراءة. ومفهوم الشرط المواضعة في المعيبة والمقال منها حيث دخلتا في ضمانه بالقبض ثم ردهما بعده. قال بناني صوابه دخلتا في ضمانه، بأول الدم فإن حصلت الغيبة عليهما قبل دخولهما في ضمانه فإن كان قبضهما على وجه الملك ففيهما الاستبراء فقط، وإن قبضهما على وجه الأمانة فلا استبراء فيهما، وفي الغيبة على المردودة بفساد المواضعة إن دخلت في ضمان المشتري بقبضه باتفاق، فإن دخلت في ضمانه على أحد قولين والآخر برؤية الدم كالتي تتواضع فكالمردودة بعيب أو إقالة في التفصيل فيما يظهر. وشمل كلام المص أم الولد إن بيعت فيما تباع فيه ثم ردت بما