سكوته على ذلك توسيع منه في الإنفاق على ابنه، وإن تكلم في خلال المدة حسب لباقيها نفقة مثله، وكان له ما فضل عن ذلك. انتهى. ببعض إيضاح. قاله الشيخ بناني. وقال الأمير: واللازم الأعيان وجاز فرض الأثمان.
والمقاصة بدنيه؛ يعني أنه يجوز للزوج أن يقاص الزوجة عما في ذمتها له بما لها عليه من النفقة والكسوة حيث فرض لها ثمنا أو كانت النفقة من جنس الدين. قاله غير واحد. وقال الشارح: والمقاصة بدينه، هذا إشارة إلى قوله في المدونة: وللرجل أن يحاسب امرأته بدينه الذي له عليها من نفقتها، ومن هنا أخذ أن الذي يقضى به في نفقتها العين لا الطعام لحكمه بالمقاصة، ومن شرطه (١) استواء الدينين في الجنس والصفة. انتهى. وقد مر في أول الحل ما يدفع هذا الأخذ، قاله مقيده عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم.
إلا لضرر؛ يعني أن المقاصة المذكورة إنما تجوز حيث لم يكن على الزوجة ضرر فيها، وأما إن كان عليها فيها ضرر فلا تجوز المقاصة، فلو كانت فقيرة تخشى ضيعتها لم تجز، والأجير كالزوجة في التفصيل؛ لأن المدين يترك له قوته كما يأتي، بهذا فسروه. وقال الخرشي: وما يفيده ظاهر سياق المؤلف من جواز المقاصة لعطفه على الجائز صحيح، ولكنه مقيد بما إذا لم يحصل طلبها من أحدهما بدليل ما يأتي في باب المقاصة. انتهى؛ يعني أنها تجب حينئذ.
وسقطت إن أكلت معه يعني أن المرأة إذا أكلت مع زوجها فإن نفقتها المقدرة لها ولو دراهم تسقط ة وكذا تسقط المطالبة بها إن لم تكن مقدرة وأكلت معه، ومعنى ذلك أنه لا شيء لها عليه، ومثل النفقة الكسوة إن كانت رشيدة، وتسقط النفقة إن أكلت معه ولو سفيهة؛ لأن السفيه لا يحجر عليه في نفقته، ولا تسقط الكسوة بكسوتها معه إن كانت محجورا عليها مقدرة أو معتادة، وإن تنازعا في أنها أكلت معه فالظاهر قبول قوله. قاله عبد الباقي.
ولها الامتناع؛ يعني أن الزوجة لها أن تمتنع من أن تأكل مع زوجها، فلها أن تطلب الفرض وأعيانا تأكلها، وإن كانت تؤمر بالأكل معه من غير قضاء لما في ذلك من التودد وحسن العشرة، كما أنه هو لا يجبر على المبيت معها في فراش واحد، وإن كان يندب إليه لما يدخل عليها من المسرة، إلا أن يكون لقصد عدم الوطء لما يدخل عليه من الضرر في جسمه، أو تكون هي مائلة إلى
стр. 4937
الكبر فمبيته معها مما ينحل بدنه. انتهى. نقله الحطاب. أو منعت الوطء، عطف على أكلت، يعني أن الزوجة تسقط نفقتها إذا منعت زوجها من الوطء لنشوزها والناشز لا نفقة لها. قال عبد الباقي: وهذا إذا منعته منعا معتبرا لا يسيرا، ولا إن منعته لعذر كمرض، وإذا ادعت أنها منعته لعذر وخالفها الزوج فلابد له هو من إثبات ذلك بشهادة امرأتين.
أو الاستمتاع الواو بمعنى أو؛ يعني أن الزوجة تسقط نفقتها إذا منعت زوجها من الاستمتاع بغير وطء وكان المنع لغير عذر، وإلا فلا تسقط، ولو اقتصر على الأول كان يتوهم عدم سقوطها بالثاني، ولو اقتصر على الثاني وجعل شاملا لهما كان يتوهم قصره على الأول. فلذا جمع بينهما، هذا هو الظاهر لا ما للشارح، وقوله: أو منعت الوطء أو الاستمتاع، قال عبد الباقي عقبه: ثم سقوط نفقتها بما ذكر في يوم منعها، كما هو ظاهره، ونحوه قول الشافعية: إن نشوز لحظة من يوم يسقط نفقته، فإن ادعت منع الوط أو الاستمتاع لعذر وأكذبها أثبته بشهادة امرأتين. قاله ابن فرحون في شرح ابن الحاجب. وهو فيما لا يطلع عليه الرجال؛ كما هو سياقه. وأما ما يطلع عليه الرجال فلا يثبت إلا بشاهدين، كخروجها بلا إذن، ولا يقبل قول الزوج هي تمنعني من وطئها، حيث قالت: لم أمنعه، وإنما المانع منه لأنه يتهم على إسقاط حقها من النفقة. قاله الناصر اللقاني. انتهى.
وقال بناني عقب قوله: أو منعت الوطء والاستمتاع: قال في التوضيح ما نصه: ابن شأس: هذه الرواية المشهورة، وذكر ابن بشير أن الأبهري وغيره حكى الإجماع عليها وفيه نظر؛ لأن في الموازية: أنها لا تسقط به. المتيطي: وهو الأشهر: ثم قال: والسقوط هو اختيار الباجي واللخمي وابن يونس وغيرهم، وهو مقيد بما إذا لم تكن حاملا، نص عليه صاحب الكافي وغيره. انتهى. فعزو التتائي لهؤلاء الأشياخ اختيار عدم السقوط غير صواب. انظر مصطفى. انتهى. وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أن المرأة إذا منعت زوجها الوطء أو الاستمتاع فإن نفقتها تسقط، يريد إذا كان ذلك لغير عذر، فإن كان لعذر كسفرها للحج أو حبسها أو حبسه أو مرض ونحوه فلا تسقط، فإن أكذبها في العذر فيثبت ذلك بشهادة امرأتين. قاله ابن فرحون. وفي البرزلي ما يقتضي أن الزوج إذا كان ممنوعا من المرأة بحبس أو نحوه فلا يكون خروجها نشوزا، ونصه: وبقاء المرأة في الدار وخروجها سواء إذا كان ممنوعا منها، ولا فرق بين سجنه لزوجته أو لأجنبي.
стр. 4938
وعن القاضي عبد الوهاب: لا يخلو حال المرأة إما أن يعدم الوطء من قبل الله، أو من قبل الزوج، أو من قبل نفسها، فالأول: كمرض الزوج أو مرضها أو حيضها فالنفقة واجبة، والثاني: كالسفر وترك الوطء فلا تسقط أيضا نفقتها، والثالث: كمنعها لزوجها من وطئها فهي ساقطة بالنشوز. وعن ابن عبد الحكم أنها غير ساقطة. انتهى. وقال الشارح عند قوله: أو منعت الوطء، قال في الجواهر: وهي الرواية المشهورة، وقيل: لا تسقط. المتيطي: وهو الأشهر، أبو عمران: وهو قول مالك، وأراه لابن القاسم. وقاله سحنون. وهو في الموازية، وإنما اقتصر هنا على القول بالسقوط ولم يحك الخلاف على عادته، في مثل هذا؛ لأن الأبهري حكى الإجماع عليه فترجح عنده لذلك، ولسحنون أيضا: إن كان منعها بغضا لها فيه لم تسقط، أو لكونها تدعي أنه طلقها فإنها تسقط. انتهى. ومنهم من فسر قوله: منعت الوطء فيمن يمكن وطؤها، وقوله: أو الاستمتاع، فيمن لا يمكن وطؤها كالرتقاء والظاهر الأول. والله سبحانه أعلم. ثم عطف على أكلت قوله:
أو خرجت بلا إذن؛ يعني أن الزوجة إذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه فإن نفقتها تسقط عنه. وعبارة الحطاب: يريد أن النفقة تسقط أيضا بخروج المرأة من بيت زوجها بغير إذنه. انتهى. وعبارة الشبراخيتي: أو خرجت من منزلة بلا إذن. وقال عبد الباقي والخرشي: أو خرجت من محل طاعته. قال مقيده عفا الله عنه: وهي أولى لشمولها للبيت وغيره، والله سبحانه أعلم.
ولم يقدر علي ردها يعني أن محل سقوط النفقة بما ذكر من الوطء والاستمتاع والخروج بلا إذن إنما هو حيث لم يقدر على ردها عن ذلك الفعل، وإلا فلا تسقط، وسقوط النفقة بالخروج يشترط فيه ستة أمور أحدها: أن يكون بلا إذن، ثانيها: أن لا يقدر على ردها بنفسه أو بإرساله لها أو بحاكم ينصف؛ أي ولم يقدر على منعها ابتداء، فإن قدر عليه ولم يمنعها لم تسقط. ثالثها: أن تكون ظالمة لا مظلومة ولا حاكم ينصفها. رابعها: أن يكون الزوج حاضرا. خامسها: أن تكون في عصمته فلا تسقط نفقة الرجعية بخروجها بلا إذن. سادسها: أشار إليه بقوله:
إن لم تحمل يعني أن محل سقوط النفقة بالنشوز إنما هو إن لم تحمل، وأما إن كانت حاملا فتجب لها النفقة بلا خلاف، كما في الحطاب عن ابن رشد.
стр. 4939
وعلم مما قررت أن قوله: ولم يقدر على ردها، يرجع لصور النشوز الثلاث، كقوله: إن لم تحمل: ومن النواشز الهاربة إلى موضع معلوم أو مجهول، لكن الأولى قد يقدر على ردها بالحاكم، وفي المسائل الملقوطة: الهاربة من زوجها إلى وليها يسجن حتى يردها؛ وعلم مما مر أن ما ذكر من منع الوطء والاستمتاع والخروج بلا إذن مسقط للنفقة إذا كان لغير عذر، فإن كان لعذر كسفرها للحج أو حبسه أو حبسها أو مرض أحدهما لم تسقط به النفقة، فإن أكذبها في العذر أثبت هو ما ادعى بشهادة امرأتين في الوطء والاستمتاع، وبشاهدين في الخروج بلا إذن، وتسقط السكنى بخروجها بلا إذن ولو قدر على ردها لخفة ضرر السكنى بالنسبة لضرر النفقة.
أو بانت، عطف على أكلت؛ يعني أن الزوجة تسقط نفقتها ببينونتها، كخلع أو بتات أو طلاق قبل البناء، وبخروجها من عدة الرجعي، ومحل سقوط نفقة البائن إن لم تحمل، فإن حملت لم تسقط نفقتها، وينبغي تقديرها في البائن بحاله كما في الزوجة، وليس عليه إخدام الزوجة الحامل البائن وإن كانت أهلا نقله ابن فرحون عن ابن عات. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب يعني أن البينونة مسقطة للنفقة، وسواء كانت من الزوج أو كان الطلاق من الحاكم، فإنه قد تقدم أن طلاق الحاكم بائن إلا للإيلاء والعسر بالنفقة، ولذلك كانت لها النفقة في ذلك. قال في معين الحكام: وتجب النفقة لكل مطلقة مدخول بها في أيام عدتها إذا لم يكن الطلاق بائنا وكان الزوج يملك ارتجاعها فيه، سواء أوقعه الزوج أو الزوجة أو السلطان بإيلاء أو عدم نفقة إذا أيسر في العدة وفي المدونة: وجوب النفقة على المولي أيام العدة، ولمطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا نفقة لها لأن رجعته لا تصح بالقول إلا أن يقترن به الفعل، وأما المبتوتة والمبارية والمختلعة وكل من لا يملك الزوج رجعتها فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. انتهى.
وقال في طلاق السنة من المدونة: وكل مطلقة لها السكنى، وكل بائنة بطلاق بتات أو خلع أو مبارأة أو لعان ونحوه فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة، إلا في الحمل المبين فذلك لها ما أقامت حاملا، خلا الملاعنة فلا نفقة لها؛ لأنه لا يلحق بالزوج. انتهى. قال أبو الحسن: قوله: ونحوه؛ يعني المفسوخ. انتهى. ثم قال فيها: وكل طلاق فيه رجعة فلها النفقة والكسوة حتى تنقضي عدتها حاملا كانت أو غير حامل، وكذلك امرأة المولي إذا فرق بينهما لأن فرقة الإمام فيها غير بائن، وهما يتوارثان ما لم تنقض العدة، وتجب السكنى في فسخ النكاح الفاسد، أو
стр. 4940
ذات محرم بقرابة أو رضاع، كانت حاملا أم لا؛ لأنه نكاح يلحق فيه الولد، وتعتد فيه حيث كانت تسكن، ولا نفقة عليه ولا كسوة إلا أن تكون حاملا فذلك عليه. انتهى. وفي سماع عيسى من طلاق السنة في مسألة النصرانية تسلم تحت النصراني: أنه لا نفقة لها عليه، وفي سماع أصبغ خلافه انتهى اللخمي: قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ على أن المعتدة التي تملك رجعتها لها السكنى والنفقة. انتهى.
ولها نفقة الحمل يعني أن الحامل لها نفقة الحمل وإن كانت ناشزا أو بائنا أو فسد نكاحها لأنه يلحق به، والحاصل أن الحامل تجب لها النفقة على من التحق به حملها، وقد مر أنه ليس عليه إخدام البائن الحامل وإن كانت أهلا للإخدام. قال الشبراخيتي: قال المص: وحيث ذكر أصحابنا نفقة الحمل فإنما يريدون به حمل البائن، لا من في العصمة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها فلا نفقة لحملهن، أما الأوليان فلاندراج نفقة [حملهما] (١) في النفقة [عليهما] (٢))، وأما الأخيرة فحملها وارث وحيث وجبت النفقة وجبت الكسوة. انتهى. وقوله: ولها نفقة الحمل: قال الشبراخيتي عقبه: وأحْسنُ الكلام هنا كلام ابن غازي حيث قال: إنما تعرض هنا لوجوب نفقة الحمل للبائن، وأما ابتداء الإنفاق فإنما ذكره بعد هذا، حيث قال: ولا نفقة بدعواها بل بظهوره وحركته فتجب من أوله ولا شك أن ما يأتي يغني عن هذه. انتهى.
والكسوة؛ يعني أن الكسوة تلزم للبائن مع النفقة لأنها تجب حيث وجبت النفقة. وقوله: في أوله. متعلق ببانت، مقدرة وهو راجع للكسوة؛ أي ولها الكسوة بتمامها إن بانت في أول الحمل؛ أي لها الكسوة من أول الحمل إلى آخره حيث بانت في أول الحمل، ومفهوم قوله: في أوله، أنها لو لم تبن في أول الحمل بل بانت في أثناء الأشهر؛ أي أشهر الحمل لوجبت قيمة منابها؛ أي الأشهر، الباقية أي يكون لها من قيمة الكسوة ما ينوب تلك الأشهر الباقية من الحمل، فيقوم ما يصير لتلك الأشهر من الكسوة لو كسيت فتعطى تلك القيمة دراهم. قال الخرشي: وقوله في أوله، راجع للكسوة لا لنفقة الحمل، خلافا للتتائي؛ إذ لا فائدة فيه لأنه إن كان الحمل بدعواها فلا نفقة كما يأتي في قوله: ولا نفقة بدعواها، وإن كان بظهوره وحركته
стр. 4941
فسيأتي في قوله: فتجب من أوله، انتهى. وقال الشارح: وفي الأشهر قيمة منابها؛ أي ولها في الأشهر قيمة ما ينوبها؛ يعني من الكسوة وهو معنى قول ابن القاسم: وإذا طلبت المبتوتة الحامل الكسوة فإن كانت في أول الحمل فذلك لها، وإن لم يبق من آخره إلا ثلاثة أشهر ونحوها قوم ما كان يصير لتلك الشهور من الكسوة لو كسيت في أول الحمل ثم أعطيت بتلك البقية دراهم. انتهى.
واستمر إن مات؛ يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقا بائنا فإنه تجب لها السكنى كما مر، فإذا مات فإنه يستمر لها المسكن حاملا أم لا؟ فقوله: واستمر بالإفراد فاعله ضعير يعود على المسكن، والقرينة الدالة عليه قوله بعده: "وردت النفقة لا الكسوة بعد أشهر" فقطع برد النفقة وفصل في الكسوة، فدل على أن المستمر لهذه البائن عند موت زوجها إنما هو الإسكان لا النفقة والكسوة، وإن كانا أقرب مذكور، وهذا هو المساعد للمدونة السالم من مخالفة النصوص، ولا ينكر اعتماد المص في الاختصار على هذا القدار. وبالله تعالى التوفيق. قاله ابن غازي.
وقوله: واستمر؛ أي استمر المسكن لها لانقضاء عدتها كان المسكن له أم لا؟ نقد كراءه أم لا؟ والأجرة من رأس المال، وأما الرجعية والتي في العصمة فإنعا لهما السكنى إن كان المسكن له أو نقد كراءه، وأما النفقة والكسوة فيسقطان بالموت، وفي نسخة: واستمرا، بألف التثنية ويمكن تصحيحها بجعل الضمير في مات للولد أي واستمر المسكن والنفقة للحامل البائن إن مات الولد في بطنها إلى أن ينزل، واقتصر عليه في الشامل. قال عبد الباقي: وهو المعتمد، وقول علي الأجهوري: ما في الشامل غير معتمد، على ما يفيده شيخنا البدر، غفلة عما في الحطاب عن البرزلي: أنها وقعت وحكم فيها القاضي ابن الخراز بالنفقة، وأفتى به جميع الفقهاء. ومقابله لابن الشقاق وابن سلمون. انتهى. ورجح بناني والشبراخيتي ما للأجهوري، وقوله: واستمر إن مات، قال الشبراخيتي هذا تخصيص لقوله: وللمتوفى عنها إن دخل لخ؛ لأن هذه مطلقة طلاقا بائنا فيخص ما تقدم بعا عداها، وإنما سقطت نفقة حملها ولم تسقط سكناها لأن الحمل صار وارثا فلا نفقة له في مال الميت، بخلاف السكنى فإنها حق تعلق بذمة المطلق للمطلقة فلا يسقط بالموت كسائر الديون، وسواء كان المسكن له أم لا نقد كراءه أم لا، واعلم أن ما تقدم في سكنى من طلقت فقط أو مات عنها فقط، وما هنا فيمن حصل فيها الأمران. انتهى.
стр. 4942
وقال الشبراخيتي أيضا: قال في الحاشية: البائن الحامل لها ثلاثة أشياء: النفقة، والكسوة، والمسكن، وإذا مات الزوج استمر المسكن وردت النفقة مطلقا والكسوة على تفصيل. وفتوى البساطي باطلة؛ أي بأن النفقة للحمل إذا مات الزوج؛ لأن الأسمعة وغيرها ترد عليه؛ وقوله: واستمر؛ أي واستمر إلى نزول الحمل وهو يرجي نزوله، فلوأيس من نزوله كما إذا مات في بطنها انقطع لأن بطنها صار مسكنا وقبرا له، لكن لا تنقضي العدة إلا بنزوله. انتهى. وقوله: فلو أيس من نزوله لخ، قد علمت أنه للأجهوري وهو يرجح سقوط النفقة في هذه الصورة كما مر قريبا. وقال الحطاب: قال البرزلي: وتقدم للشعبي أن عبد الرحمن بن عيسى أفتى في مطلقة طلاقا بائنا أن النفقة لها إذا كانت حاملا ما دام الولد حيا، فإذا مات في بطنها سقطت نفقتها ووقعت، وحكم فيها القاضي ابن الخراز بالنفقة، وأفتى فيها جميع الفقهاء، حتى طال على زوجها الإنفاق، فاستشارني في ذلك فأفتيته بالسقوط إذا أقرت المرأة بذلك؛ لأن بطنها صار له كفنا، وإنما كانت النفقة لها لأن الولد يتغذى بغذائها فلو تركت غذاءها مات، فإذا اعترفت بأنه مات فقد صار لا غذاء له وإنما صار داء في بطنها يحتاج إلى دفعه عنها بالدواء. انتهى.
وقال المشدالي في حاشيته على المدونة: لو مات في بطنها لم تنقض عدتها إلا بوضعه وهو ظاهر القرآن الكريم، وصريح في نوازل بعضهم. انتهى. وقال الشارح: وقد اختلف إذا طلق غير الحامل طلاقا بائنا فوجب لها بسببه السكنى ثم مات المطلق وهي في العدة، هل يستمر لها المسكن كما كانت في حياته، وهو المشهور؛ لأنه دين في ذمته، وقد نص في النفقات من المدونة عليه، أو يكون حكمها حكم المتوفى عنها سواء لا سكنى لها، وهو قول مالك أيضا، واختاره يحيى بن عمر وابن رشد: ولو كان الطلاق رجعيا سقط سكناها قولا واحدا؛ لأنها ترجع إلى عدة الوفاة ولا سكنى لها إلا أن تكون الدار له أو قد نقد كراءها. واختلف الأشياح في قول مالك: لا سكنى لها هل ذلك مطلق أو حيث لا سكنى للمتوفى عنها خاصة؟ فأما إذا كانت الدار له أو قد نقد كراءها فيجب لها السكنى كما يجب للمتوفى عنها وهو الظاهر. انتهى.
لا إن ماتت؛ يعني أن المرأة المطلقة إذا ماتت لا تستمر لها السكنى أي لا شيء لورثتها في كراء المسكن بائنا أو رجعيا، بهذا فسره غير واحد. وردت النفقة. بالبناء للنائب، فيتناول موته وموتها والبائن الحامل والرجعية والتي في العصمة، على أن كلامه ما زال في الحامل البائن بدليل
стр. 4943
ما بعده، والحكم في رد النفقة والتفصيل في الكسوة عام كما في المدونة وغيرها. قاله ابن غازي. ومعنى كلام المص: أن المرأة التي في العصمة ترد النفقة التي قبضتها لموته أو موتها، وكذا لو كانت رجعية فإنها تردها لموته أو موتها، وكذا لو كانت بائنا وهي حامل فتردها لموته أو موتها، وكذا تردها لو كان كل منهما حيا وطلقها طلاقا بائنا، فتلك سبع صور اشتمل عليها كلام المص، كما يفيد ذلك التلفيق بين كلام ابن غازي والشبراخيتي، وعبد الباقي.
كانفشاش الحمل، تشبيه في رد النفقة؛ يعني أن من طلق زوجته طلاقا بائنا فادعت أنها حامل فأنفق عليها ثم ظهر انفشاش الحمل، فإنه يرجع عليها بالنفقة جميعها، فترد كلها، وكذا الكسوة ولو بعد أشهر، وسواء أخذت ما ذكر بحكم أم لا، ظن لزومه أم لا، أنفق بعد ظهوره أو قبله، وهذا هو الراجح. وقيل: لا رجوع له مطلقا، وهو قول مالك في الموازية، وقيل: إن أنفق بحكم رجع، وإلا فلا. وقال ابن وهبان: لا ترد ما أنفقه قبل ظهوره. وقال ابن حارث: اتفقوا أن من أخذ من رجل مالا يجب له بقضاء أو بغير قضاء ثم تثبت الحقيقة أنه لم يكن يجب عليه شيء أنه يرد ما أخذ. انتهى. وبه يترجح الأول. قاله بناني. وإن ادعت أن ما ببطنها ولدته، وادعى الزوج أنه ريح وانفش، صدقت بلا يمين، وقوله: كانفشاش الحمل، رد النفقة والكسوة في هذه من أول الحمل، ورد النفقة في التي قبلها من يوم الموت أو الطلاق البائن، واعلم أن المراد بانفشاش الحمل تبين أنه لم يكن ثم حمل بل كان علة أو ريحا. كما يفيده التوضيح وغيره، وليس المراد به فساده واضمحلاله بعد تكوينه.
لا الكسوة بعد أشهر؛ يعني أنها لا ترد الكسوة التي أخذتها وهي في العصمة أو للحمل ثم تموت هي أو هو بعد مضي ثلاثة أشهر فأكثر من يوم قبضتها، وكذا لو طلقها طلاقا بائنا بعد مضي ثلاثة أشهر من يوم قبضت الكسوة، فلا تردها له ولا لورثته، بل تكون لها وتورث عنها في حال موتها؛ لأن الكسوة تدفع في الغالب مرة واحدة، فكأن قبض أوائلها قبض لجميعها، ومفهوم أشهر أنه لو حصل الموت أو الطلاق البائن بعد شهرين أو أقل ردت الكسوة، وهو كذلك في المدونة وغيرها. وَنَقْلُ بعض الشراح في كتاب القذف منها: استحسن أن لا ترد الكسوة بعد الشهر أو الشهرين تصحيفٌ قاله عبد الباقي وبناني. والله سبحانه أعلم. بخلاف موت لولد يعني أن الوك إذا قبضت حاضنته كسوته لمدة مستقبلة ثم مات، فإن الأب يرجع على الحاضنة بكسوته،
стр. 4944
أي فيأخذ الأب جميعها ولا حظَّ منها للأم، وهذا مقتضى عبارة الأئمة [ففي] (١) الوثائق المجموعة؛ إذا دفع الرجل إلى زوجته المطلقة نفقة وكسوة فمات البنون أو أحدهم قبل انقضاء المدة رجع بحصة من مات منهم من النفقة والكسوة وإن رثت لما بقي من المدة. انتهى. ونحوه في المفيد وابن سلمون ومعين الحكام وابن عرفة، وما وقع في المواق عن ابن سلمون: وكذلك ترد ما بقي من الكسوة وورثت انتهى تحريف. والذي في النسخ الصحيحة من ابن سلمون: وإن رثت، وكذا هو في ابن فتوح والمفيد وغير واحد، لا ورثت من الإرث، ولهذا قال مصطفى إن ما في الأجهوري عن بعض شيوخه يرجع في الكسوة بقدر ميراثه منها لأن الولد ملكها بخلاف النفقة لا يستحقها إلا يوما فيوما خطأ صراح، لمخالفته لكلام أهل المذهب. انتهى. نقله بناني. وقال قلت: ما ذكره الأجهوري عن بعض شيوخه هو مقتضى كلام ابن رشد في الهبة وذكره المواق، فقال: انظر هذا مع ما في الهبة من قول ابن رشد: ما كسا ابنه من ثوب فهو للابن، إلا أن يشهد الأب أنه على وجه الإمتاع. انتهى. فالتخطئة خطأ، ويمكن أن يوفق بحمل ما لابن رشد على غير الكسوة الواجبة. وما قبله على الواجبة والله أعلم. انتهى.
وإن خلقة، بفتح اللام يقال ثوب خلق بفتح اللام ولا يقال بكسرها. قاله الشبراخيتي. وهو مبالغة في قوله: فيرجع بكسوته؛ يعني أن الزوج يرجع في موت الولد بكسوته ولو مضت لها مدة كثيرة بأن خلقت، فليست كالكسوة التي قبضتها الزوجة ثم تموت أو يموت زوجها بعد أشهر فلا يرجع بها الزوج ولا ورثته، كما مر. وقوله وإن خلقة، رد به قول محمد: إنما يرجع إن مات الولد بالقرب، وأما إن تطاول فلا يرجع نقله الشارح. وقوله: بخلاف موت الولد فيرجع لخ، الظاهر من كلام غير واحد عمومه فيمن في العصمة وغيرها.
وإن كانت مرضعه فلها نفقة الرضاع أيضا؛ يعني أن البائن الحامل إذا كانت ترضع فإنها تجب لها مع النفقة والكسوة والمسكن نفقة الرضاع؛ أي أجرته؛ لأن الرضاع سبب آخر والبائن لا رضاع عليها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فالضمير في: كانت، للبائن الحامل، وحق هذا أن يقدمه عند قوله: ولها نفقة الحمل، وقوله: فلها نفقة الرضاع. أبو الحسن: وتكون أجرة الرضاع نقدا لا طعاما. انتهى. ويأتي عند قول المص في الإجارة:
стр. 4945
واسترضاع، أنه تجوز الإجارة على الإرضاع كانت الأجرة نقدا أو طعاما، ويشترط في كون الأجرة لها أن لا يضر رضاعها به وهي حامل، وإلا كانت أجرته لمن ترضعه لأنه لا حق للأم حينئذ في رضاعه، وللأم أجرة الرضاع، وإن قدرت عليه نفقة الحمل فقط بقاض ولم تطالبه بأجرة الرضاع إلا بعد مدة، وليست كنفقة الولد تسقط بمضي الزمن عن والده، ولا رجوع لها بالكسوة حيث كسته هي، لحملها على التبرع. وقوله مرضعة: قال الدماميني: قد تلحق التاء الوصف الذي يختص بالمؤنث وإن لم يقصد به معنى الحدوث، فيقال: مرضعة وحاملة وحائضة وطالقة وإن قصد الحدوث فأجدر، ومنه ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ انتهى. قاله بناني. وقال الشارح: وظاهره يعني المص أنها تأخذ النفقتين على الكمال، وبه صرح في العتبية، وفي المدونة ما ظاهره أن ليس لها إلا نفقة الحمل فقط. انتهى.
ولا نفقة بدعواها؛ يعني أن البائن إذا ادعت أنها حامل فإنها لا تستحق النفقة بسبب دعواها أنها حامل، بل تستحقها بظهور الحمل وحركته؛ يعني أن الحامل البائن إنما تستحق النفقة بظهور الحمل وحركته، والواو بمعنى مع أي إنما تستحق النفقة بظهور الحمل مع حركته. وقوله: بظهور الحمل؛ أي بشهادة امرأتين، ولا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر. وقوله: وحركته، ولا يتحرك في أقل من أربعة أشهر. وحملته على أن الواو بمعنى مع تبعا لغير واحد ليوافق المشهور لكن ينبغي على هذا لو اقتصر على قوله: وحركته؛ إذ يلزم من حركته ظهوره، وقال الأجهوري: إن قوله: وحركته، عطف تفسير، وقال بعض الشراح: إن الواو بمعنى أو. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر على هذا أنها أو المشيرة إلى الخلاف. انتهى.
وقال بناني: يتعين أن الواو بمعنى مع لأن المدار في المشهور على حركته. ابن عرفة: وفي وجوب نفقة الحمل بتحركه أو بعضه روايتا المشهور وابن شعبان، ثم رجع للأولى وقال المتيطى: الذي وقع لمالك في غير كتاب أن بظهور حملها تجب نفقتها. وفي الموازية: وتحركه فقال بعض شيوخنا: هذا قول ثالث. انتهى. ثم أيد كونه قولا ثالثا بقول ابن رشد: لا يظهر الحمل في أقل من ثلاثة أشهر، ولا يتحرك تحريكا بينا في أقل من أربعة أشهر وعشر انتهى وقد علمت أن الاعتماد على الظهور دون تحرك مقابل للمشهور. انتهى. وقال ابن عرفة: لابن عات عن ابن
стр. 4946
رشد: لا يتبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر، ولا يتحرك تحريكا بينا يصح القطع على حركته في أقل من أربعة أشهر وعشر. انتهى.
وهو ظاهر حديث صحيح البخاري: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح (١)). الحديث. وأما ما نقله ابن غازي عن قواعد المقري: من أن الولد يتحرك لمثل ما يتخلق له، ويوضع لمثل ما يتحرك فيه، وهو يتخلق في العادة تارة لشهر، فيتحرك لشهرين. ويوضع لستة، وتارة لشهر وخمسة أيام، فيتحرك لشهرين وثلث ويوضع لسبعة، وتارة لشهر ونصف، فيتحرك لثلاثة ويوضع لتسعة، فلذلك لا يعيش ابن ثمانية ولا ينقص الحمل عن ستة. انتهى. فهو للأطباء. واعترضه ابن الشاط بأن ما قاله الأطباء مستنده الحدس والتخمين فلا يعارض ظاهر الحديث. انتهى. أي فلا عبرة بما للأطباء حينئذ، على أن ما ذكر لم يتفق عليه الأطباء، بل نقل بعض شيوخنا أن ابن سيناء في القانون أشار إلى اعتراضه ورده على قائله. ونقل ابن حجر في الفتح عن الكرماني ما نصه: اعترف حذاق الأطباء في هذا الباب بالعجز والقصور. انتهى. انظر حاشية الشيخ بناني.
وقال الشبراخيتي: ظاهر ما ذكر المواق أن الراجح أنه لا يعتبر في وجوب النفقة غير ظهور الحمل بحركته. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: وحركته، بمعنى أو. وفي الإرشاد والمواق ما يفيد (٢) أن الواو بمعنى مع، وأنه المشهور، ولا يتحرك في أقل من أربعة أشهر، فيلزم من الحركة الظهور. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن البائن إذا ادعت الحمل لم تعط نفقتها حتى يظهر، وظهوره بحركته. انتهى. وقال الأمير: ولا نفقة بدعواها بل بحركة الحمل. انتهى. وصح مما مر أن المعتمد أنها لا تجب بالظهور وإنما تجب بالحركة.
فتجب من أوله؛ يعني أن البائن لا تستحق النفقة إلا بتحرك الحمل، فإذا تحرك فإنها تجب لها من أول الحمل، وليس له أن يقول إنما تكون لها النفقة من الآن، فتحاسب بما مر من يوم الطلاق، فتعطى نفقة الأشهر الماضية، وتجرى عليها النفقة فيما بعدها إلى أن تضع، وما قبل الطلاق يندرج في نفقة الزوجية، وكذا الحكم في الكسوة، ولو استغنى بهذا عما مر لكفاه، وأجيب
стр. 4947
عنه بأن هذا في النفقة وما مر في الكسوة، وقوله: فتجب من أوله؛ أي فتجب النفقة من أول الحمل كما عرفت، ورد به على أبي حنيفة القائل بسقوط ما مضى. انظر الشبراخيتي.
ولا نفقة لحمل ملاعنة؛ يعني أن الزوج إذا لاعن زوجته لنفي حمل فإنه لا نفقة لحملها المنفي باللعان لعدم لحوقه به، ولها السكنى لأنها محبوسة بسببه، فإن استلحقه لحق به وحد ولزمته نفقته من أول الحمل، فترجع عليه بما أنفقته عليه قبل استلحاقه له، فإن رماها برؤية زنى وأتت به لدون ستة أشهر وما في حكمها من يوم الرؤية، أو كانت ظاهرة الحمل يوم رميها بالزنى فعليه النفقة للحوق الحمل به، وأما ما أتت به لستة أشهر وما في حكمها من يوم الرؤية فغير لاحق به، فلا نفقة له إلا أن يستلحقه فعليه النفقة من أوله، فترجع عليه بما أنفقت عليه قبل استلحاقه. وحد. وقال الحطاب عند قوله: ولا نفقة لحمل ملاعنة: يريد إذا كان اللعان لنفي الحمل، وإن كان للرؤية وهو مقر بالحمل كانت لها النفقة. كذا قيد أبو الحسن المدونة وهو ظاهر. انتهى. وقوله: ولا نفقة لحمل ملاعنة، معناه أنه يشترط في نفقة الحمل أن يكون لاحقا، وكذا يشترط فيه أن يكون حرا ولهذا قال:
وأمة؛ يعني أن حمل الأمة البائن ليس له نفقة على أبيه حرا كان الأب أو عبدا. قاله غير واحد. بل نفقة أمه على سيدها، بخلاف ما لو كانت رجعية فإن نفقتها على زوجها، كما يأتي للمص قريبا؛ لأن الرجعية كالزوجة، وإنما كان حمل الأمة البائن على سيدها لا على زوجها؛ لأن المالك مقدم على الأب لقوة تصرفه بالتزويج وانتزاع المال والعفو عن الجناية وحوز الميراث، دون الأب في ذلك كله، ولو أعتق السيد ما في بطن الأمة لم تسقط عنه النفقة لأنه لا يعتق إلا بعد وضعه، فإن أعتقها السيد أو كانت الأمة لكالجد فنفقته على أبيه الحر. قال عبد الباقي: وانظر لو تزوج شخص أمة وشرط بعد العقد حرية ولدها: وقلنا: يعمل بالشرط كما هو الراجح، هل لحملها إذا طلقها طلاقا بائنا نفقة أم لا؟ وهو الظاهر لأنه لا يعتق إلا بعد وضعه. انتهى. وقال الحطاب: ولا نفقة لحمل أمة، يريد والزوج حر بدليل قوله بعد: ولا على عبد. قال ابن عبد السلام: والمانع لها من النفقة كون ذلك رقيقا كما لو ولد لأنه إذا اجتمع موجبان من موجبات النفقة لشخص أخذ نفقة واحدة بأقوى الموجبين وسقط الموجب الآخر. انتهى. وقال في طلاق السنة منها: وليس للأمة الحامل نفقة على الزوج إذا طلقها إذ الولد رق لغيره، سواء كان الزوج
стр. 4948
حرا أو عبدا، وكذلك حرة طلقها عبد وهي حامل منه. انتهى. ومن المدونة: من اشترى زوجته لم تكن له أم ولد بما ولدت قبل الشراء، إلا أن يبتاعها حاملا فتكون بذلك أم ولد، ولو كانت لأبيه فابتاعها لم تكن أم ولد بذلك الحمل لأن ما في بطنها قد عتق على جده، بخلاف أمة الأجنبي لأن الأب لو أراد بيع أمته لم يجز له ذلك؛ لأنه قد عتق عليه ما في بطنها والأجنبي لو أراد بيع أمته وهي حامل من زوجها جاز ذلك ودخل حملها في البيع معها، وقال غيره: لا يجوز للابن شراؤها من والده وهي حامل لأن ما في بطنها قد أعتق على جده، فلا يجوز أن تباع ويستثنى ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر لأنه وضع من ثمنها بما استثنى، وهو لا يدري أيكون أم لا؟ فكما لا يجوز له بيع الجنين لأنه غرر فكذا لا يستثنى. انتهى. قال ابن يونس: وقول الغير كله ليس بخلاف لابن القاسم، وإنما تكلم ابن القاسم على ما إذا اشتراها وفات ذلك كيف يكون الحكم؟ وأما بدءا فليس له أن يبتاعها على قوله، فإن ابتاعها فسخ البيع إلا أن تضع الولد فيكون عليه قيمتها يوم قبضها على أن حملها حر؛ لأنه بيع فاسد فات بالوضع، ونحوه حكى بعض شيوخنا عن ابن القاسم، وكان يعيب قول من يجعله خلافا. انتهى. أبو الحسن الصغير: قول الغير هنا علل يكون المستثنى مشترى. الشيخ: وكذا لو كان المستثنى مبقي في هذه المسألة لما جاز لأنه لا يتصرف إلا بعد الوضع ففيه تحجير. انتهى. وقال عبد الباقي: يمنع زوج أمة الجد الحامل من شرائها منه قبل وضعها لأن ولدها جزء منها وهو حر، ولو استثناه السيد الجد؛ إذ لا يجوز استثناؤه، فإن نزل فسخ، إلا أن تضع فيفوت الفسخ به كالبيع الفاسد وعليه قيمتها يوم القبض على أن ولدها حر. هذا قول غير ابن القاسم في المدونة، وجعله ابن يونس تفسيرا، ولا تكون به أم ولد لأنه حر على الجد، وأم الولد هي الحر حملها من وطء مالكها، وكذا يمتنع عليه شراؤها من سيدها غير الجد، ولا يجوز لمالكها بيعها أي لغير الزوج إلا أن يرهقه دين. وقول الشيخ سالم: إلا إن غشيه دين أي لحقه، فيه نظر، وصوابه كما في الحطاب: إلا أن يرهقه دين سابق فيبيعها، فإذا اشتراها الزوج عادت نفقة الحمل عليه حينئذ وكانت به أم ولد، ولو كان أعتقه سيدها قبل، فإن قيل: كونها أم ولد بهذا الحمل يشكل بأن أم الولد هي الحر حملها من وطء مالكها، وفي هذة الصورة ليست حريته من وطء مالكها، وقد يجاب بأنه لما كان لا يعتق إلا بعد وضعه وقد ملكه أبوه قبل ذلك فكان بمنزلة من تحرر بوطء مالكها. انتهى. قوله: وكذا يمتنع
стр. 4949
عليه شراؤها من سيدها غير الجد؛ يعني إذا أعتق سيدها حملها كما يدل عليه كلامه، على أن ما ذكره من المنع غير صحيح، بل شراء الزوج إياها جائز سواء أعتق سيدها حملها أم لا كما صرح به الحطاب نقلا عن ابن يونس. قاله بناني. وما قاله بناني صحيح والله أعلم.
ابن القاسم: ومن ابتاع زوجة والده حاملا انفسخ نكاح الأب إذ لا ينكح أمة ولده، ولا تكون أم ولد للأب وتبقى رقيقا للابن ويعتق عليه ما في بطنها، ولا يبيعها حتى تضع إلا أن يرهقه دين فتباع وهي حامل. وقاله أشهب. وقال غيرهما: لا تباع في الدين حتى تضع لأنه عتق بسنة لا باقتراب. انتهى. قال ابن يونس: وهذا بخلاف من اشترى زوجته الحامل وهي أمة لأبيه عند ابن القاسم تلك لا يرق حملها ولا يلحقه دين، والفرق بينهما عنده -والله أعلم- أن الولد في المسألة الأولى خلق حرا لم يمسه رق، وفي هذه قد مسه الرق في بطنها، وانما عتق باشتراء الولد لأمه فأشبه المعتق المستبدأ، وغيره لم يفرق لأنه كله عتق بسنة فوجب أن يتساوى الحكم فيهما. والله سبحانه أعلم. نقله الحطاب.
ولا عبد يعني أن زوجة العبد البائن إذا كانت حاملا فإنه لا نفقة لحملها على العبد الذي طلقها سواء كانت حرة أو أمة، فإن عتق زوجها العبد وهي حامل وجبت عليه إن كانت حرة أو أمة، عتقت من يوم عتق في الحرة ومن يوم عتق الأمة حيث عتق قبلها، وإلا فمن يوم عتق وتحصل من كلام المص ثلاثة شروط في لزوم نفقة الحمل للزوج، أحدها: أن يكون لاحقا. ثانيها: أن يكون حرا ثالثها: أن يكون أبوه حرا فعبر عن الشروط بذكر أضدادها بقوله: ولا نفقة لحمل ملاعنة لخ.
إلا الرجعية، الاستثناء راجع للفرعين قبله؛ يعني أن محل كون نفقة الأمة المطلقة الحامل على سيدها إنما هو إذا لم تكن رجعية، بأن كانت بائنا، وأما إن كانت رجعية فإن نفقتها على زوجها لأنها كالزوجة، وكذا العبد يلزمه نفقة زوجته الحامل إذا كانت رجعية حرة أو أمة لأنها كالزوجة.
وسقطت بالعسر؛ يعني أن الزوج تسقط عنه نفقة الزوجة وكسوتها بسبب العسر ولا ترجع الزوجة عليه إن أيسر، وتسقط ولو كانت مقدرة بحكم، وسواء كان غائبا أو حاضرا، وأراد بالسقوط عدم اللزوم، وقوله: وسقطت بالعسر قال الشارح مفسرا له: أي، وسقطت نفقة الزوجة
стр. 4950
عن الزوج بعسره عنها ولو دخل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، وهذا لم يوته الله شيئا فلا يكلف بشيء ولا ترجع هي عليه بالنفقة مدة إعساره. انتهى.
لا إن حبست؛ يعني أن الزوجة إذا حبست في دين ترتب عليها فإنها لا تسقط نفقتها عن الزوج لأن المانع ليس من جهتها، وكذا المأسورة قاله أحمد. ووجهه أن المانع ليس من جهتها، ووجه أيضا بأنه قادر على طلاقها. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
أو حبسته يعني أن الزوجة إذا حبست زوجها في دين لها عليه فإنها لا تسقط نفقتها بذلك وأحرى إن حبسه غيرها. قاله غير واحد. وعبارة الشارح: وكذلك إذا حبس هو أيضا، وسواء كانت هي التي حبسته أو غيرها. ذكره ابن الجلاب وغيره. انتهى.
أو حجت الفرض؛ يعني أن الزوجة إذا خرجت إلى حجة الفرض مع محرم أو رفقة أمنت ولو بغير إذنه فإن نفقتها لا تسقط، وكذا التطوع إن أذن لها فيه أو لم يأذن لها فيه لكن قدر على ردها. قاله غير واحد. وله نفقة حضر؛ يعني أن الزوجة إذا خرجت إلى حجة الفرض فإنها لا تسقط نفقتها كما عرفت، بل تجب لها نفقة حضر حيث لم تنقص نفقة السفر عنها بأن زادت على نفقة الحضر أو ساوت، فإن نقصت لم يكن [لها (١)] سواها ولو كانت مقدرة قاله الشبراخيتي. فلو كانت تنفق في الجمعة مثلا سبعة دراهم في سفر الحج ومثلها في الحضر فالأمر واضح، ولو كانت في السفر تنفق في الجمعة أكثر من سبعة وفي الحضر سبعة فلها سبعة نفقة الحضر، وإن كانت تنفق في السفر خمسة في الجمعة وفي الحضر أكثر فلها نفقة السفر فقط، وقال عبد الباقي: أو حجت الفرض مع محرم أو رفقة أمنت ولو بغير إذنه كتطوع بإذنه فإن نفقتها لا تسقط ولها نفقة حضر فيما ذكر وذكرنا. وفي العجماوي: لها نفقة سفر في النفل بإذنه إن نقصت عن نفقة الحضر فإن زادت فلها نفقة سفر أيضا، ولو كانت نفقة الحضر مقدرة بقاض. انتهى. ومفهوم قوله: حجت الفرض أنها لو خرجت إلى حجة التطوع بغير إذنه فلا نفقة لها، وهو كذلك أي إذا لم يقدر على ردها. كما مر. وقال الأمير: وإن سافرت لحجة الفرض ولو بلا إذنه أو بإذنه في غير الفرض فلها الأقل من نفقة الحضر والسفر. انتهى. وقوله: أو حجت الفرض. قال
стр. 4951
الشبراخيتي: أي بالأصالة احترازا عما إذا نذرته فإنه لا نفقة لها عليه فيه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أنه لا ينحط عن حج التطوع فيفصل فيه كما مر. والله سبحانه أعلم.
وإن رتقاء، مبالغة في جميع ما تقدم من قوله: يجب لممكنة إلى هنا؛ يعني أن الرتقاء ونحوها من كل ذات عيب إذا دخل الزوج بها عالما بالعيب أو رضي به فإنها تكون كالسليمة ويلغى المانع المدخول عليه كالحيض والمرض والجنون، ويكون تلذذه بالرتقاء ونحوها بما دون الوطء كوطئه لها. وإت أعسر بعد يسر فالماضي في ذمته؛ يعني أن الزوج إذا كان موسرا في رجب مثلا ثم طرأ له العسر في شعبان مثلا ولم ينفق على زوجته في هذين الشهرين ثم أيسر بعد ذلك، فإن نفقة زمن اليسر الماضي وهو رجب في ذمته وأما زمن العسر وهو شعبان في المثال المذكور فإن نفقته تسقط عنه، والحاصل أن زمن اليسر نفقته مترتبة في ذمته فمتى أيسر دفعها لها ونفقة زمن العسر ساقطة عنه فلا يطالب بها، وتحقيق ما أشار إليه المص أن العسر المتجدد لا يسقط إلا نفقة زمنه لا زمن اليسر قبله. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح مفسرا للمص: أي فلها أن تطالب بنفقة زمان يسره لأنها ترتبت في ذمته، إلا أنها إن قامت عليه في زمن اليسر أخذتها وإلا أخرتها إلى يسره كسائر الديون. انتهى.
وإن لم يفرض حاكم؛ يعني أن نفقة زمن اليسر الماضي مترتبة في ذمته لا تسقط بالعسر المتجدد وإن لم يفرض النفقة حاكم. ورجعت بما أنفقت عليه؛ يعني أن الزوجة إذا أنفقت على زوجها فإنها ترجع بما أنفقته عليه حال كون ما أنفقته عليه. غير سرف؛ يعني أن الزوجة إذا وجب لها الرجوع بما أنفقت على زوجها أو على نفسها أو ولدها وكذا أجنبي أنفق على أجنبي ووجب له الرجوع عليه فإن جميع من ذكر إنما يرجع على من له الرجوع عليه بالمعتاد في حق المنفق عليه، فأما ما كان سرفا بالنسبة إليه فلا يرجع به المنفق لأن المفهوم من قصد المنفق بالسرف العطية، إلا أن تكون التوسعة في زمنها كالأعياد فيرجع بذلك. انتهى. قاله الحطاب عن التوضيح. وذكرت هذا هنا وإن كان سياق المص إنما هو فيما أنفقت المرأة على زوجها لما فيه من تتميم الفائدة والله أعلم. وقال الشبراخيتي: إن قوله: عليه، متعلق بأنفقت، وقال عند قوله: غير سرف، بالنسبة إليه وإلى زمن الإنفاق، ويشترط أن تحلف إلا أن تكون أشهدت أولا أنها أنفقت لترجع، وكذا من أنفق على أجنبي لابد من يمينه إلا أن يكون أشهد أولا أنه أنفق ليرجع،
стр. 4952
وظاهر المدونة أن المنفق على أجنبي يرجع من غير يمين، وقوله: غير سرف، حال من ما أي حالة كونه غير سرف؛ وقال الشارح: ورجعت بما أنفقت عليه غير سرف، يريد إذا أنفقت على الزوج نفسه فإنها ترجع عليه بالمعتاد من ذلك؛ فلا ترجع عليه بما هو سرف كدجاج وخراف لأنها إنما قصدت بذلك التوسعة والعطية ولم تقصد الرجوع به إلا أن تكون التوسعة في المواسم والأعياد فإنها ترجع. ولم يذكر في ذلك خلافا لأن ذلك في زمانه غير سرف. انتهى. وقال عبد الباقي: غير سرف، بالنسبة إليه وإلى زمن الإنفاق إلا أن تقصد به الصلة له فلا ترجع كإنفاقها على نفسها حال عسره. كما مر. إلا أن تقول: أنفقت عليه لأرجع ويوافقها على ذلك فترجع عليه بالسرف. انتهى.
فائدة: قال عبد الباقي: قيل: السرف صرف الشيء زائدا على ما ينبغي والتبذير صرف الشيء فيما لا ينبغي. انتهى. وإن معسرا؛ يعني أنها ترجع على زوجها بما أنفقته عليه وسواء كان الزوج حين الإنفاق معسرا أو موسرا، كمنفق على أجنبي؛ يعني أن من أنفق على أجنبي كبير فإنه يرجع عليه بما أنفق عليه غير سرف سواء كان هذا الأجنبي المنفق عليه معسرا حين الإنفاق أو موسرا.
إلا لصلة، راجع لما قبل الكاف ولما بعدها؛ يعني أنها إنما ترجع على زوجها بما أنفقته عليه إذا لم يكن ذلك صلة، وأما إن قصدت بما أنفقته عليه الصلة فإنها لا ترجع عليه بشيء منه، وكذا لا يرجع الأجنبي المنفق بما أنفقه على أجنبي آخر حيث قصد بذلك الصلة، فإن اختلف المنفق والمنفق عليه في الإنفاق للرجوع وعدمه حلف المنفق زوجة أو غيرها أنه أنفق ليرجع، إلا أن يكون أشهد أنه أنفق ليرجع فلا يمين عليه. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: ورأى بعض الشيوخ أن الأصل في إنفاقها على زوجها أن يكون بمعنى الصلة حتى يدل دليل على غير ذلك، وأن الأصل في الأجنبي على العكس. انتهى.
وعلم مما قررت أن الأجنبي لا يرجع عليه بالسرف، ولهذا قال عبد الباقي عند قوله: إلا لصلة: فيه احتباك حذف من هنا: غير سرف لدلالة ما قبله عليه، ومن هناك: إلا لصلة لدلالة هذا عليه، بناء على قاعدته الأغلبية من رجوع الاستثناء ونحوه لما بعد الكاف، وإلا فقد رجعه التتائي لهما. انتهى.
стр. 4953
وعلى الصغير يعني أن من أنفق على صغير يرجع بما أنفقه بثمانية شروط أحدها: أشار إليه بقوله: إن كان له مال؛ يعني أن من أنفق على صغير إنما يرجع عليه حيث كان له أي للصغير مال موجود حين الإنفاق، وإلا فلا يرجع بشيء. ثانيها: أشار إليه بقوله: علمه المنفق؛ يعني أن من أنفق على صغير إنما يرجع عليه إذا كان يعلم بماله الموجود حين الإنفاق، وأما إن لم يعلم به فإنه لا يرجع عليه. ثالثها: أن يدعي أنه أنفق ليرجع. رابعها: أشار إليه بقوله:
وحلف أنه أنفق ليرجع؛ يعني أنه لابد في رجوع المنفق على الصغير من حلف المنفق أنه أنفق على هذا الصبي ليرجع بما أنفقه، فإن لم يدع أنه أنفق ليرجع أو ادعى ذلك ولم يحلف فلا رجوع له، ومحل حلفه أنه أنفق ليرجع حيث لم يكن أشهد أولا أنه أنفق ليرجع وإلا فلا يمين عليه. خامسها: أن يبقى مال الصغير إلى حين الرجوع فإن تلف لم يرجع ولو تجدد له غيره. سادسها: أن لا يكون للصغير نقد يتيسر الإنفاق منه بأن يكون عرضا أو نقدا يعسر وصوله له وإلا لم يرجع. قال فيها: وللوصي أن يسلف الأيتام ويرجع عليهم إن كان لهم يوم السلف عرض أو عقار ثم بيع ويستوفى. انتهى. قال في وثائق [أبي] (١) القاسم: ولو كان له بيده ناض لم يرجع عليه بما أسلفه لأنه متطوع. وفي المقدمات: فإن لم يكن لليتيم مال، وقال الوصي: أنا أسلفه فإن أفاد مالا رجعتُ عليه لم يكن له ذلك والنفقة عليه من يومئذ على وجه الحسبة فلا يرجع بشيء، وإن أفاد اليتيم مالا. قال أبو الحسن: وقال أشهب: ذلك له. انتهى. وفي المدونة: فإن تلف المال الذي علمه المنفق وكبر الصبي وأفاد مالا لم يرجع عليه بشيء.
سابعها: أن تكون النفقة غير سرف فإنما يرجع بالمعتاد بالنسبة للمنفق عليه كما مر. ثامنها: أن لا يكون الصغير ربيبا للمنفق وإلا فلا رجوع له عليه لأنه محمول على عدم الرجوع، وفي المعيار: الربيب كغيره مع الشروط، وقوله: إن كان له مال وكذا يرجع على الصغير إن كان له أب موسر واستمر يساره إلى حين الرجوع وعلم المنفق بيسر الأب. والحاصل أن يسر الأب كمال الولد فإن لم يعلم المنفق بمال الولد ولا بيسر الأب فلا رجوع له في المسألتين. وقيل: له الرجوع ويحلف الوصي والأب المنفقان. وقيل: لا يحلف الأب ولا يشترط علم المنفق إن تعمد الأب طرح الولد فيرجع عليه إن كان مليا علم ملاءه أم لا.
стр. 4954
تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: وكلام المص يعني قوله: ورجعت بما أنفقت لخ، فيما إذا كان الزوج المنفق عليه كبيرا وإن كان صغيرا سواء كان زوجا أو غيره كان داخلا في قوله: وعلى الصغير؛ أي فيُرجَع عليه بالشروط المذكورة فيه.
الثاني: قال في مسائل الوصايا من نوازل ابن رشد في وصي على يتيمة أشهد عند موته أن لها عليه عشرين مثقالا، ولا يدعي هو أن له عليها شيئا، فيموت فتطلب اليتيمة الذهب، فيدعي ورثته أن لها عليه حضانة، ويثبتون أنها كانت في حضانته مدة نظره، فهل لهم أن يحاسبوا بها أم لا؟ فأجاب: إشهاد الوصي لها عند موته بالعشرين مثقالا يوجبها لها ويبطل دعوى الورثة عليها، ولا يلتفت إلى ما أثبتوه ولا يحاسبونها بشيء. نقله الحطاب. الثالث: قال في المسائل الملقوطة: إذا كان للأولاد مال فلا يلزم الأب نفقتهم سواء كان مالهم عينا أو عرضا، فإن أنفق من ماله وأبقى مالهم على حاله حتى مات فأراد الورثة محاسبتهم بالنفقة، فإن قال الأب: حاسبوا ولدي فعلى ما قال أي نوع كان المال، وإن قال: لا تحاسبوه فكذلك، ولا يشبه الوصية لأن الآباء ينفقون على أولادهم ولو كان لهم أموال، وإن سكت الأب فإن لم يكتب لم يحاسب الولد، وإن كتب وكان المال عينا فلا يحاسب أيضا لأنه لو شاء أنفق منه، ويحمل كتبه على الارتئاء والنظر، وإن كان عرضا حوسب بذلك. قال ذلك كله مالك وابن القاسم. فإن مات الابن في حياة الأب وورثه معه غيره وادعى أنه أنفق ليرجع، فروى ابن القاسم أنه إن كان الأب مقلا مأمونا صدق بغير يمين، وإن كان غنيا حلف، وهذا إذا لم يُشهِد عند الإنفاق، وإن أشهد فلا يمين، وسواء كان المال عينا أو عرضا. انتهى.
وهذه المسألة هي أول مسألة من طلاق السنة من سماع ابن القاسم ونصها: قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول في الرجل ينفق على ولده ولهم مال قد ورثوه من أمهم فكتب عليهم ما أنفق، فلما هلك أراد سائرهم من الورثة أن [يحاسبوهم] (١) ويحتجوا [عليهم] (٢) بالكتاب، قال: إن كان مالهم عنده موضوعا فليس عليهم غرم ما أنفق عليهم إذا لم يقل ذلك عند موته، لأن الأب ينفق على ولده، وإن كان لهم مال ومن أمر الناس أن ينفق الرجل على ولده ولهم
стр. 4955
المال، وإن كان مالهم في عرض أو حيوان رأيت أن [يحاسبوهم] (١) به لأنه كتبه، وإنما اختلف [ذلك] (٢) لأن المال الموضوع بيده لم يكن يمنعه منه شيء، فلعله إنما كتبه يريد أن يلزمهم أو يتركه فتركه، وأما الذي كان في العروض والحيوان فإنما يرى أنه يمنعه من ذلك بيعه وكتبه عليهم. والله أعلم. قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت عنده. قال ابن رشد: هذه مسألة تتفرع إلى وجوه وقعت مفرقة في مواضع من هذا السماع، وفي رسم باع شاة من سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد من كتاب الوصايا ما يعارض بعضها بعضا في الظاهر، فكان الشيوخ يحملون ذلك على أنه اختلاف في القول. وقولي: إنه لا اختلاف في شيء مما وقع من ذلك في هذه الروايات كلها، وبيان ذلك أن مال الابن لا يخلو من أربعة أحوال.
أحدها: أن يكون عينا قائما بيد الأب. والثاني: أن يكون عرضا قائما في يده. والثالث: أن يكون قد استهلكة وحصل في ذمته. والرابع: أن يكون لم يصل بعد إلى يده، فأما إن كان عينا قائما في يده وألفي على حاله في تركته فلا يخلو من أن يكون كتب النفقة عليه أو لم يكتبها فإن كان كتبها عليه لم تؤخذ من ماله إلا إن وصى بذلك قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد في كتاب الوصايا وأما إن كان المال عرضا بعينه ألفي في تركته فلا يخلو أيضا من أن يكون كتب النفقة عليه أو لم يكتبها، فإن كان كتبها حوسب بها الابن وإن أوصى الأب أن لا يحاسب بها وهو ظاهر ما في هذه الرواية، ووجه ذلك أنه لما كتبها عليه دل على أنه لم يرد أن يتطوع بها، فوصيته أن لا يحاسب بها وصية لوارث، وهو قول أصبغ في الواضحة أن المال إذا كان عرضا لم تجز وصية الأب أن لا يحاسب بها. ومثله لابن القاسم في المدونة. وإن كان لم يكتبها عليه حوسب بها إلا أن يكون أوصى الأب أن لا يحاسب بها فتنفذ وصيته وهذا قول ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى.
وأما الحال الثالثة وهي: أن يكون الأب قد استهلك المال وحصل في ذمته فإن الابن يحاسب بذلك كتب الأب عليه النفقة أو لم يكتبها وهو قول مالك في رسم الشجرة بعد هذا، إلا أن يكون كتب لابنه بذلك ذُكْرَ حَقٍّ أشهد له به فلا يحاسب بما أنفق عليه. قال ذلك مالك في رواية زياد
стр. 4956
بن جعفر عنه؛ وهو تفسير لما في الكتاب. وأما الحال الرابعة. وهي: أن لا يكون قبض المال ولا كان بيده بعد سواء كان عينا أو عرضا هو بمنزلة ما إذا كان عرضا بيده وقد مضى الحكم في ذلك وما في رسم سلعة سماها ورسم كتب عليه ذكر حق يحتمل أن يكون تكلم فيهما على أن المال لم يصل إلى يده أو على أنه قد أخذه واستهلكه، وقد مضى الكلام على حكم الوجهين، ولا فرق بين موت الأب والابن فيما يجب من محاسبته بما أنفق عليه أبوه وبالله التوفيق. انتهى نقله الإمام الحطاب.
الرابع: قال ابن سلمون إن كان المنفق وصيا من أب أو قاض فله الرجوع بما أنفق في مال الصبي دون يمين ولا إثبات لأنهم مأمورون بالإنفاق، وقيل: عليه اليمين، وإن كان غير وصي فلابد من إثبات حضانته وكفالته ويمينه بعد ذلك، ولا يحتاج أن يشهد أن إنفاقه إنما هو ليرجع به، وروي أنه لابد أن يشهد. انتهى. نقله الحطاب. وقال بناني: قال ابن عرفة: قال المتيطى: إنما يحلف الأب إن لم يشهد عند الإنفاق، ولو أشهد أنه إنما أنفق ليرجع لم يحلف. انتهى باختصار. وقال ابن عرفة أيضا: عن المتيطي: إن أسقط من عقد الإنفاق ذكر الرجوع فلا رجوع له حتى يحلف أنه قصد الرجوع انتهى.
وقال الشيخ ميارة في شرح التحفة: وكذا إذا لم ينو رجوعا ولا عدمه بعد أن يحلف أنه لم ينو واحدا منهما نقله صاحب المعيار في نوازل الأحباس أثناء جواب للعبدوسي. قال الشيخ المسناوي: قلت: لم يقله العبدوسي في النفقة على الصغير كما يوهمه كلام الشيخ ميارة، وإنما قاله في نازلة من الحبس تتعلق بأحكام النظار كما يعلم بالوقوف عليه، وفي قياس هذه على تلك وقفة. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وما قاله ميارة مخالف لقولهم: وحلف أنه أنفق ليرجع، فإنه كالصريح في أنه لابد من الإنفاق بقصد الرجوع. والله سبحانه أعلم. وقد مر القول: بأن الربيب كغيره. قال في المعيار: إلا أن تثبت الأم أنه التزم الإنفاق على الربيب فلا رجوع له، وإنما محل الرجوع إذا أنفق عليه من غير التزام، ومقابله عدم الرجوع مطلقا. ونقله ابن عرفة عن ابن عات.
ولها الفسخ إن عجز عن نفقة حاضرة، تبع المص في تعبيره بالفسخ ابن الحاجب وابن شأس، والذي في عبارة غيرهم هو التطليق؛ يعني أن الزوجة لها أن تفسخ نكاح زوجها بطلقة رجعية إذا عجز عن أن يعطيها نفقة حاضرة ومثل النفقة الكسوة. قال عبد الباقي: وكذا لها الفسخ إن عجز
стр. 4957
عن نفقة مستقبلة حيث أراد سفرا. انتهى. قال بناني: قوله: كمستقبلة إن أراد سفرا، أصله للأجهوري وفيه نظر؛ إذ لم ينسبه لأحد؛ وقد ذكر المسألة ابن الحاجب وابن شأس والتوضيح وابن عرفة والشامل وابن سهل قبلهم، والمتيطي وأبو الحسن وغيرهم، ولم يذكروا هذا أصلا، إنما ذكروا أن لها الطلب عند السفر، ولا يلزم من الطلب التطليق، بل لا يصح. قاله بعض الشيوخ. أنتهى. وقال الشبراخيتي: ولها أي للزوجة ولو محجورا عليها الفسخ لنكاح زوجها عنها بطلقة رجعية كما يأتي. فمراده بالفسخ هنا الطلاق إن عجز عن نفقة حاضرة ولها البقاء. انتهى. وقال الشارح: ولها الفسخ إن عجز عن نفقة حاضرة؛ أي إن عجز عن الإنفاق عليها في الحال، فتخير حينئذ بين أن تقيم معه أو تفارقه لقوة الضرر الذي يلحقها من عدم الإنفاق. انتهى. وقال عبد الباقي: ولها أي وللزوجة ولو محجورا عليها الفسخ بطلقة رجعية إن عجز الزوج عن نفقة حاضرة. انتهى. وقال الأمير: وإن منعها نفقة الحال فلها القيام. انتهى.
لا ماضية؛ يعني أن الزوج إذا عجز عن قضاء نفقة لزوجته ماضية فإنه ليس لها أن تفسخ نكاحه لأنها ترتبت في ذمته وصارت دينا كسائر الديون، والعسر يجب إنظاره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: لا ماضية، قال الشارح: أي لا نفقة ماضية فلا يثبت لها بها فسخ كسائر الديون وهو متفق عليه. انتهى. ولها الفسخ إن عجز عن النفقة الحاضرة حيث كانا حرين أو هو حر وهي أمة أو هو عبد وهي حرة، بل لها أن تفسخ وان كان الزوجان عبدين، فقد اشتمل كلامه على أربع صور.
وعلم مما قررت أن المبالغة راجعة لقوله: ولها الفسخ.
لا إن علمت فقره؛ يعني أن الزوج إذا عجز عن نفقة حاضرة لفقره الكائن عند العقد وكانت المرأة قد علمت عند عقد النكاح بفقره فإنه لا يكون لها أن تفسخ نكاحه ولو أيسر بعد ذلك نظرا للحالة الأولى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: لا إن علمت عند العقد فقره وحاجته العظيمة، وعبارة غيره عجزه. انتهى. وقوله: لا إن علمت فقره أي لأنها كمن علمت بعيب زوجها ودخلت عليه، وهذا الذي ذكره المص قول مالك في المبسوط، وله في الموازية أنه يطلق عليه ولو علمت عند العقد أنه فقير.
стр. 4958
أو أنه من السُّؤَّال جمع سائل؛ أي الطائفين بالأبواب؛ يعني أن الزوجة إذا علمت أن زوجها من الطائفين بالأبواب فإنها لا تطلق عليه لعجزه عن النفقة الحاضرة، وعلم من المص أن محل قوله: ولها الفسخ لخ، إنما هو حيث لم تعلم بفقره وأنه من السؤال، وأما إن علمت بأنه فقير أو أنه من السؤال فلا تطلق، وهي محمولة على العلم إن كان من السؤال لشهرة حاله، وعلى عدم العلم إن كان فقيرا لا يسئل. قاله غير واحد. وقال الشارح: لا إن علمت فقره أو أنه من السؤال؛ أي فإن علمت أنه فقير أو أنه ممن يسئل الناس فلا [فسخ لها] (١) بالعسر لدخولها على ذلك، كمن علمت بعيب زوجها ودخلت عليه، وهو قول مالك في المبسوط لخ.
إلا أن يتركه، مستثنى من المسألة الثانية؛ يعني أنها إذا تزوجته وهو من السؤَّال ثم ترك السؤَال فعجز عن النفقة فلها أن تطلق نفسها. قاله القابسي. نقله الشبراخيتي وغيره. وزاد الشارح: ومثله للخمي. أو يشتهر بالعطاء وانقطع، مستثنى من المسألة الأولى، ففيه لف ونشر غير مرتب، يعني أن المرأة إذا علمت أن زوجها فقير وهو ليس من السؤَّال إلا أنه كان مشهورا بالعطاء؛ أي يقصده الناس بالعطاء ودخلت عليه عالمة بذلك ثم انقطع العطاء عنه فعجز عن النفقة فإن لها الفسخ على ما سيبين إن شاء الله تعالى قال الشارح وينبغي أن يكون معذورا في هذا، بخلاف ما إذا ترك السؤَال. انتهى. وقوله: أو يشتهر بالعطاء وانقطع، نقله الشارح وغيره عن اللخمي، ولا ذكر أن لها الفسخ عند عجزه عن النفقة الحاضرة أشار إلى كيفيته بقوله:
فيأمره الحاكم إن لم يثبت عسره بالنفقة والكسوة أو الطلاق؛ يعني أن المرأة إذا لم ترض بالمقام مع زوجها العاجز عن نفقة حاضرة ورفعت أمرها للحاكم، فإن الحاكم يأمره بأحد أمرين؛ أي يوجب عليه واحدا منهما. قاله غير واحد. فيأمره إما بالنفقة إن شكت ضررها، أو بالكسوة إن شكت ضررها، أو بهما كذلك، وإما بالطلاق، هذا حيث لم يثبت عسره ببينة أو بتصديق من المرأة، فإن أنفق أو طلق فواضح، وإلا طلق عليه. قاله الأمير. وأشار إلى مفهوم إن لم يثبت عسره، بقوله: وإلا بأن ثبت عسره ابتداء أو بعد الأمر بالطلاق أو النفقة والكسوة تلوم، أي أعطي مدة لا يطلق عليه فيها، كائنة.
стр. 4959
بالاجتهاد من الحاكم في قدرها، وليست محدودة بيوم أو ثلاثة أو شهرين كما قيل بكل منها، وما ذكره المص من أنه إذا ثبت عسره يتلوم له هو المشهور، وقيل: إذا ثبت عسره يطلق عليه من غير تلوم قاله الحطاب. وقوله: وإلا تلوم بالاجتهاد، قد علمت أن محله حيث ثبت عسره، وحينئذ فلا نفقة لها زمن التلوم. وما قدمته من أنه حيث لم يثبت عسره وامتنع مما ذكر يطلق عليه من غير تلوم، كلام الأمير صريح أو كالصريح فيه؛ وفي كلام الحطاب: أنه يتلوم له، وبه قرر الشارح المص، حيث قال: وإلا بأن أبى من الإنفاق والطلاق تلوم له، وهو المشهور، وقيل: يطلق عليه من غير تلوم انتهى وقال عبد الباقي: عهدته عليه يعني الحطاب؛ إذ مقتضى التوضيح وابن عرفة عدم التلوم له. انتهى. وعلى أنه يتلوم له فلها النفقة في مدة التلوم ترجع بها عليه. والله سبحانه أعلم.
وقوله وإلا تلوم بالاجتهاد، قال عبد الباقي: فإن رضيت بالمقام بعد التلوم ثم قامت بعد ذلك فلا بد من التلوم ثانيا، بخلاف امرأة المعترض لا تحتاج إلى أجل ثان، والفرق أن أجل المعترض سنة لا مدخل للاجتهاد فيها، فإذا حكم بها ووجب للمرأة القضاء بتمام الأجل لم ينتقض الحكم الماضي بتأخيرها ما وجب عليه، بخلاف التلوم في النفقة إنما هو اجتهاد فإن رضيت بالمقام بطل. انتهى. واعلم أنه لا يحتاج ليمين الزوج أنه معسر حيث صدقته المرأة، ويحتاج لها مع بينة عسره.
تنبيه: اعلم أن من يقر بالملاء وامتنع من الإنفاق والطلاق يعجل عليه الطلاق على قول، ويسجن حتى ينفق عليها على قول آخر، حكاهما ابن عرفة كما في الحطاب. وعلى القول الثاني إذا سجن ولم يفعل فإنه يعجل عليه الطلاق، كما أنه يعجل عليه بلا تلوم إن لم يجب الحاكم بشيء حين رفعته فيما يظهر. وسيأتي في باب القضاء: أنه إذا لم يجب المدعى عليه بإقرار ولا إنكار حبس وأدب ثم حكم عليه بلا يمين قاله عبد الباقي وعلى القول الثاني إن كان له مال ظاهر أخذت النفقة منه كرها قاله الحطاب.
وزيد إن مرض؛ يعني أن الزوج إذا تلوم له التلوم المذكور ثم إنه مرض في أثناء المدة فإنه يزاد له في تلومه بقدر ما يرتجى له شيء، وهذا إذا كان برؤه يرتجى عن قرب وإلا طلق عليه. قاله عبد الباقي. أو سجن؛ يعني أن الزوج إذا تلوم له بالاجتهاد بعد ثبوت عسره ثم إنه سجن في أثناء
стр. 4960
مدة التلوم، فإنه يزاد له في تلومه بقدر ما يرتجى له شيء، وهذا إذا كان يرجى خلاصه من السجن عن قرب وإلا طلق عليه قاله عبد الباقي. ثم طلق؛ يعني أن الزوجة إذا تلوم لها في شأن زوجها التلوم المذكور ولم توجد نفقة أو كسوة فإنه يطلق عليه طلاقا يجري فيه ما مر من قوله فهل يطلقها الحاكم أو يأمرها به ثم يحكم؟
وإن غائبا؛ يعني أن حكم الزوج الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الزوج الحاضر، وهذا هو المشهور، وقال القابسي: لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته، وقوله: وإن غائبا، قرره غير واحد على أنه مبالغة في قوله: ثم طلق؛ أي وإن كان الذي ثبت عسره وتلوم له غائبا، ومعنى ثبوت العسر في الغائب عدم وجود ما يقابل النفقة بوجه من الوجوه. قال مقيده عفا الله عنه والأحسن أن يكون مبالغة في قوله: ولها الفسخ لخ، وعبارة الأمير: ولها القيام ولو غاب أو لم يكونا حرين. انتهى. وقال الشارح عند قوله: وإن غائبا أي إذا لم يكن له مال حاضر وهو المشهور، ولابن القاسم: أنه لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته، وعلى الأول فلا بد من إثبات الزوجية والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو يعلم ولكن يتعذر الإعذار إليه فيه وتشهد البينة أنه لم يترك لها في علمهم نفقة ولا كسوة ولا شيئا يعدى فيه بشيء من مؤنته ولا أنه بعث شيئا وصل إليها في علمهم إلى الحين، ثم يضرب لها الأجل بعد ذلك على ما تقدم، ثم يحلفها على ما شهدت به البينة لها، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها أو أباح لها التطليق انتهى.
وقال عبد الباقي: والتلوم للغائب محله حيث لم يعلم موضعه أو كانت غيبته على كعشرة أيام، وأما إن قربت كثلاثة أيام فإنه يعذر إليه، وهذا لا ينافي قوله: ولها الفسخ؛ لأن معناه: لها القيام بأن تفسخ بطلاق، وهذا إنما يكون عند الحاكم. وذكر الشارح من جملة شروط الطلاق عليه أن يدخل أو يدعى، تبعا للتوضيح، ورده الحطاب والتتائي بأن شرط الدخول والدعاء خاص بالحاضر، وتصويب بعضهم ما للشارح ورده ما للتوضيح والتتائي ليس على ما بينبغي. انتهى. وقد مر أن معنى ثبوت العسر في الغائب عدم وجود ما بينفق عليها منه. ابن الحاجب: حكم الغائب ولا مال له حاضر حكم العاجز. ابن عبد السلام: يعني أن الغائب البعيد الغيبة وليس له مال أو له مال لا يمكنها الوصول إليه إلا بمشقة حكمه حكم العاجز الحاضر. ابن عرفة: قلت:
стр. 4961
قوله: إلا بعد مشقة، خلاف ظاهر أقوالهم: إنه لا يحكم لها بطلاقه إلا إذا لم يكن له مال بحال دون استثناء. انتهى.
وما ذكره ابن عرفة نحوه لابن رشد، وذكر ابن فتحون: أنه إذا لم يكن للغائب مال حاضر أو له مال وفني بالإنفاق وثبت ذلك فإن للزوجة أن تطلق نفسها، ولم يعتبر حال الزوج في ملائه أو عدمه. نقله بناني. وقوله: وإن غائبا، سواء كان أسيرا أو فقيدا أو غيرهما. وقال الشبراخيتي: يعني أن الغائب إذا لم يكن له مال حاضر حكمه حكم الحاضر، فتطلق عليه، فتثبت الزوجية والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو لا يمكن الإعذار إليه فيه للطول أو لقطع الطريق ونحوه، وإلا فلا، وأنه لم يترك لها نفقة ولا كسوة ولا ما يعدى فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه بعث إليها بشيء فوصلها ثم تحلف على وفق الشهادة بعد التلوم، ثم يطلق عليه أو يمكنها من ذلك على الخلاف السابق. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وإن غائبا؛ يعني أن حكم الغائب في الطلاق بعدم النفقة كحكم الحاضر. قال في التوضيح: وهو المشهور، وقال القابسي: لا يطلق على غائب لأنه لم يستوف حجته، وعلى الأول فلا بد من أن تثبت الزوجية والغيبة بحيث لا يعلم موضعه أو علم ولم يمكن الإعذار إليه، وأما إن علم وأمكن الإعذار إليه فإنه يعذر إليه، ولا بد أن تشهد لها البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا يعدى فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه بعث إليها بشيء وصل لها في علمهم إلى هذا الحين، ثم بعد ذلك يضرب لها أجل على حسب ما يراه كما تقدم، ثم يحلفها على ما شهدت عليه البينة، وحينئذ إن دعت إلى الطلاق طلقها أوأباح لها التطليق ونقل ابن عرفة نحو ما تقدم عن المتيطي ونصه: وعلى الأول يعني القول الأول، قال المتيطي: تثبت غيبته ببينة تعرف غيبته واتصال زوجيتهما وغيبته بعد بنائه أو قبله بموضع كذا، وبحيث لا يعلمون منذ كذا، ولا يعلمونه ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا تعول به نفسها ولا تعدى فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه آب إليها ولا بعث بشيء ورد عليها في علمهم إلى حين التاريخ، ثم يؤجل القاضي في الإنفاق عليها شهرا أو شهرين أو خمسة أو أربعين يوما، فإذا انقضى ولا قدم ولا بعث بشيء ولا ظهر له مال، ودعت إلى النظر لها أمر بتحليفها بمحضر عدلين، كعا يجب في صفة الحلف أنه ما رجع إليها زوجها المذكور من مغيبه الثابت
стр. 4962
عند الحاكم إلى حين حلفها، ولا ترك لها نفقة ولا كسوة ولا وضعت ذلك عنه ولا وصل إليها شيء منه إلى الآن، فإذا ثبت عند القاضي حلفها طلقها عليه.
قلت: ولابن سهل في بكر قام أبوها بتوكيلها إياه قبل البناء بذلك، أفتى ابن عتاب: أنها تحلف، فإذا حلفت طلقت نفسها، وأفتى ابن القطان: لا يمين عليها ولا على أبيها ولها أن تطلق نفسها، وأفتى ابن رشيق فقيه المرية (١) بحلفها، وزاد فيه أن زوجيتهما لا تنقطع. ابن سهل: زيادة هذا في يمينها لا أعرفها لغيره. وقول ابن القطان: لا يمين عليها ولا على أبيها لا وجه له. وسئل السيوري عن المرأة تأتي وتذكر أن لها زوجا أو لابنتها، وقد غاب عنها ولم يخف شيئا، ولم يكن له شيء يعدى فيه بالنفقة، ولا يعرف ذلك إلا من قولها، وتكلف بالبينة فتعجز عن إثباته، وربما ذكرت غريبا أي زوجا غريبا، وربما أتت ببينة من سوقه أو غيره ولا تقدر على أكثر من ذلك، فإن أفتيت بإعمال هؤلاء فهل أسميهم بأسمائهم؟ أوأقول:. ثبت عندي ما أوجب الفراق، أو قبول قولها، وربما لم يوجد على توكيل الأم بينة إلا بقولها؟ فأجاب: إن كان الزوج معروفا ولم تعرف غيبته كلف القاضي رجلين يكشفان عنه، ويسئل جيرانه ومن يخالطه أو أقاربه عن الموضع الذي غاب إليه، فإن لم يكن أو لم يعلم حيث توجه، حلفت الزوجة أنه لم يخلف شيئا، وإن أقرت بشيء حلفت أنه لم يخلف سوى ما اعترفت به، ولم يصل إليها شيء من قِبَله وطلق عليه، ولو كان غير معروف سئلت المرأة عن صنعته ومن يعرفه، فيسئلون نحو الأول، وإن لم تكن له صنعة ولا من يخالطه كشف العدلان عن ذلك الاسم وعن تلك الصفة، هل هي بالبلد؟ فإن لم يوجد طلق عليه بعد يمين المرأة كما مر. ويذكر القاضي فيما يشهد به أنه رفعت إليه تلك المرأة، ويذكر أمرها وذكرت أن لها زوجا اسمه وصفته كذا، وذكرت أنه غائب عن البلد وأنه خلفها بلا نفقة وطلق عليه، فإن أتى الرجل واعترف بالزوجية وقع الطلاق موقعه، وإن أنكر لم يضر ذلك.
وسئل المازوري عن امرأة طارئة من المغرب ادعت أن زوجها تخلف في الطريق قبل وصوله إلى بجاية: وأرادت أن تطلق عليه وتأتي بشهود؟ فأجاب: لا يصح الحكم على زوج هذه المرأة بالفراق الآن لاعترافها بالزوجية وبقاء العصمة، وادعت غيبته فصارت مقرة بالعصمة مدعية ما
стр. 4963
يوجب زوالها، وعلى الطريقة الأخرى لا تؤخذ بأكثر مما أقرت، وقد زعمت وجها يوجب الفراق فورا؛ لأنها ذكرت أنه فارقها قبل وصوله بجاية، ومن المكن أن يكون زوجها أخذ طريقا آخر قادما لهذا البلد طالبا لزوجته وعاقه عائق عن الوصول، فالواجب تسميته والبحث عن اسمه الذي تذكر في المواضع القريبة حتى يعلم أنه ليس بالقريب ليعذر إليه، وأنه لا شيء له ينفق عليها منه فينظر حينئذ بالفراق منه بالواجب، والشهود غير المقبولين لا يعول عليهم، والقول على إقرارها، وفيه ما ذكرنا عن المذهبين؛ قلت: الأصل الذي أشار إليه هو تبعيض الدعوى وإجمالها. فابن القاسم يبعض الدعوى فيصيره مقرا مدعيا، وأشهب لا يؤاخذه إلا بجملة كلامه. وسئل ابن حبيب عن المرأة تقدم المدينة مع الحاج، وتقول: خفت العنت وأرادت التزويج ولا يعلم هل لها زوج أم لا إلا من قولها وهي من ذوات القدر والأولياء، هل يزوجها السلطان أم لا؟ فأجاب: تزوج ولا تطلب ببينة بأنه لا زوج لها إذا كانت غريبة بعيدة الوطن، وأحب سؤال أهل معرفتها وبلدها ممن معها في الرفقة سؤالا من غير تكليف شهادة، فإن استَبْرأَت تركت تزويجها وإلا زوجها، وليس (١) كمن مكانها قريب (٢))، قال ابن وصول (٣): كلام ابن حبيب أصل مذهب مالك لما يتقى من زوج يكون لها، فإذا ظهر خلاف قولها لم يزوجها، وبيان ذلك أن الرجل يأتي بامرأة ومعه صداق فيقول: اشهدوا علي بما في هذا الصداق أنه حق قبلي لزوجتي هذه وقد ضاع صداقها. فقال مالك: إن [أتى] (٤) بشاهدين عدلين على أصل الزوجية بينهما فليشهد الشهود الذين أشهدهم على نفسه، وإن لم يأت [بهما] (٥) لم يقبل منه ليلا يكون نكاح بغير ولي، وهذا في حق الغرباء. قاله مالك في الديات من المدونة.
وسئل أبو عمران عن المرأة تقدم بلدا ولا يدرى من أي موضع قدمت، ولا من هي، وتطلب التزويج، فهل يزوجها السلطان من غير إثبات موجب، وكذا لو زعمت أنه كان لها زوج ومات
стр. 4964
عنها أو طلقها، فأجاب: إن كان البلد قريبا يكتب إليه، وإن كان بعيدا يتعذر وصول الجواب أو يكون بعد أزمنة طويلة خُلِّيَ بينها وبين ما تريده إذا لم يتبين كذبها.
وسئل المازري عن امرأة مجهولة طارئة على بلد فأتت إلى قاضيه فذكرت أن زوجها غاب عنها في بلدها غيبة منقطعة ولا يعلم صدقها من كذبها وشكت الضيعة، فما ترى في أمرها هل تطلق وتزوج أم لا؟ فأجاب: أنه يثبت (١) في أمرها حتى ييئس من العثور على صدقها أو كذبها أو تثبت كونها طارئةمن بلد بعيد يتعذر معه الكشف عن حال الزوج، فتستحلف حينئذ اليمين الواجبة في مثل هذا، وأنها صادقة فيما ذكرت ويوقع الطلاق عليها، ويكتب لها الحاكم أنه أوقع عليها الطلاق بشرط أن يكون الأمر كما ذكرته. نقله الحطاب. وقال بعد جلب نقول كثيرة: فانظر هذا كله فإنه يقتضي أنه لا يحتاج إلى البينة إذا تعذرت، وأن القاضي يطلق على الغائب ولو كانت المرأة طارئة، وأن سفرها بعد زوجها حين لم يترك لها النفقة لا يكون نشوزا قاله ابن [الجلاب] (٢) في كلامه على النفقة وغيره. انتهى.
فرع: قال الحطاب فإن لم يكن حاكم فإنها ترفع إلى العدول قال المشدالي في أول كتاب الصلح في خروج أحد الغريمين لاقتضاء دين لهما وأعذر إليه في الخروج وأشهد أنه يكفي الإشهاد ما نصه: جعل هنا جماعة العدول تقوم مقام السلطان ولو كان هناك سلطان، ومثله في أواخر النذور فيمن حلف ليقضين إلى أجل كذا، ومثله لابن مغيث في المرأة يغيب عنها زوجها أنها تثبت عند العدول ما تثبت عند القاضي فتطلق نفسها. وفي الحطاب عن السيوري في جواب عن سؤال إذا تحرج الناس لعدم القضاة أو لكونهم غير عدول فجماعتهم كافية في الحكم في جميع ما وصفته وفي جميع الأشياء، فيجتمع أهل الدين والفضل فيقومون مقام القاضي في ضرب الآجال والطلاق وغير ذلك انتهى.
مسألة: قال الحطاب: إذا قامت المرأة بالطلاق لعدم النفقة في غيبة الزوج فتطوع بها متطوع فذكر المشدالي في حاشيته على المدونة في كتاب الإجارة في ذلك قولين: قال ابن الكاتب: لها أن تفارق لأن الفراق قد وجب لها، وقال ابن عبد الرحمن لا مقال لها لأن عدم النفقة الذي أوجب لها
стр. 4965
القيام قد انتفى، وقول ابن عبد الرحمن هو الذي تقتضيه المدونة في النكاح الثاني، وفي أحكام ابن سهل: مملوكة غاب سيدها وأثبتت عدمه وملكه لها وأنه لم يخلف عندها ولا بعث لها ولا لها مال تنفقه ولا له مال يعدى فيه في علم من شهد بذلك، وأفتى ابن عات وابن القطان بأمر القاضي ببيعها، ويقبض ثمنها للغائب ويوقفه عند ثقة. انتهى. وقوله: ولا لها ما تنفقه، يدل على أنه إذا كان لها خراج يمكنها الأكل منه فإنها لا تباع وتأكل من خراجها، وقال في معين الحكام في كتاب الأقضية إثر كلام ابن سهل المتقدم.
تنبيه: ينبغي للحاكم أن يكلفها أنها عاجزة عن استعمالها فيما يستعمل فيه مثلها لتنفق على نفسها، وقال ابن عات: مثله في أم الولد التي غاب عنها سيدها والمملوكة أحرى. انتهى. وفي التوضيح.
فرع: ولو كانت هذه المرأة أم ولد غاب عنها سيدها وأثبتت مغيبه فإن الحاكم يتلوم لسيدها الشهر ونحوه ثم ينجز عتقها على الغانب هكذا قال ابن عات والقرشي، وروي ذلك عن ابن زياد، وقال ابن الشقاق وابن العطار: لا تعتق وتسعى في معاشها، وبه قال ابن القطان، وتبقى حتى يصح موت سيدها وينقضي تعميره. ابن رشد: والأول هو الصواب، وقال ابن عرفة: ومن أعسر بنفقة أم ولده فقيل: تزوج ولا تعتق، وقيل: تعتق، وكذلك إن غاب سيدها ولم يترك لها نفقة. انتهى. ابن عات: وإذا حكم بعتق أم الولد فإنها تعتد بحيضة. انتهى. وقال ابن عرفة: قال الصقلي عن بعض القرويين: إن لم يكن في خدمة المدبر ما يكفيه في نفقته وأعسر السيد بها عتق عليه، وانظر ما حكم المعتق لأجل؟ والظاهر أنه مثله. والله أعلم. انتهى.
أو وجد ما يمسك الحياة، عطف على المبالغة أي، وإن كان غائبا أو وجد ما يمسك الحياة، يعني أن الزوج إذا لم يقدر من القوت إلا على ما يمسك الحياة فإنه يصير حكمه حكم العاجز عن الإنفاق بالكلية فيطلق عليه لما يلحق المرأة في ذلك من الضرر الشديد لو ألزمناها المقام مع ذلك، ولا سيما إن لم يرج تغير حاله إلا بعد طول وقال الشبراخيتي: أو وجد ما يمسك الحياة فقط، على المشهور؛ لأن وجود مثل هذا ضرر شديد لا إن قدر على القوت؛ يعني أن الزوج إذا قدر من النفقة على قوت زوجته كاملا ولو من خشن المأكول أو خبزا بغير إدام فإنها لا تطلق عليه قاله
стр. 4966
عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: لا إن قدر من النفقة على القوت كاملا من قمح أو شعير أو دخن أو ذرة أوأرز مأدوم أو غير مأدوم فلا تطلق عليه. انتهى.
وما يواري العورة؛ يعني أن الزوج إذا قدر من الكسوة على ما يواري العورة أي جميع بدنها لا السوءتان فقط، من صوف أو كتان أو جلد ولو دون ما يلبسه فقراء ذلك البلد، فإنه لا تطلق عليه زوجته. قاله عبد الباقي: وقوله لا السوءتان فقط؛ يعني أن المراد بالعورة في كلام المؤلف جميع الجسدة وليس المراد بها السوءتان فقط وإن غنية؛ يعني أنه إذا قدر على القوت وما يواري العورة بالمعنى المذكور فإنه لا تطلق عليه زوجته وإن كانت ذات قدر وغنى على المشهور، ولم يراع هنا حالها، وروعي حالهما فيما مر لأن ذلك من فروع القدرة على ما يفرض، وهذا من فروع العجز الموجب للفسخ ابن الحاجب والقادر بالتكسب كالقادر بالمال إن تكسب ولا يجبر على التكسب. انتهى. قال في توضيحه: وإذا لم يجبر الغرماء المديان على التكسب فأحرى الزوج؛ لأن الضرر اللاحق لرب الدين أقوى من ضرر الزوجة، فإنها قادرة على رفع ضررها بالطلاق بخلافهم. انتهى.
وذهب بعض الشيوخ إلى جبر الصانع على العمل ليوفي الدين لأنه على ذلك عومل فلا يبعد مثله في النكاح. انتهى. قال الشبراخيتي. وفهم من قوله: كالقادر، أنه لو لم ينفق في زمن تكسبه فإن النفقة في ذمته ولا يسقطها الإعسار. قاله الشبراخيتي. وقال الشارح مفسرا للمص: أي فإن كان قادرا على القوت خاصة وعلى ما يواري العورة فلا قيام للمرأة؛ لأن المعتبر فيما يوجب الفراق العجز عن النفقة والكسوة جملة وإن كانت ذات قدر وغنى. قاله مالك. وعن أشهب: إن عجز عما يشبهها فرق بينهما. انتهى. وقال الخرشي: وكذلك لا قيام لها إذا كان يقدر على ما يستر عورتها ويواريها من غليظ الكتان أو الجلد ولو كانت غنية، والمراد بالعورة جميع بدنها كله لا السوأتان فقط. وتُقدَّمُ على غيرها من الابن والأبوين، ولما علم أن كل طلاق أوقعه الحاكم بائن إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة، وقدم شرط تمام رجعة المولي بقوله: وتتم رجعته إن انحل وإلا لغت، شرع في شرط رجعة المطلق عليه لعسر النفقة. بقوله:
وله الرجعة إن وجد في العدة يسارا يقوم بواجب مثلها؛ يعني أن الزوج إذا طلقت عليه زوجته المدخول بها لعدم النفقة، فإن له أن يرتجعها إذا وجد في العدة يسارا أي ما ينفق به عليها،
стр. 4967
بشرط أن يكون ذلك اليسار يقوم بواجب مثلها، والحاصل أنه إنما تصح رجعته إذا كان ما وجده من المال يقوم بما يجب لمثلها، قال عبد الباقي عند قوله: بواجب مثلها، لا دونه فليس له الرجعة بل لا تصح بالكلية؛ لأن المطلقة التي أوقعها الحاكم إنما كانت لأجل ضرر فقره فلا يمكن من الرجعة إلا إذا زال موجب ذلك، إلا إن رضيت بغير الواجب أو بدونه. ولسحنون: ليس له حينئذ والأول ظاهر من جهة المعنى. واختلف في قدر الزمن الذي إذا أيسر به تكون له الرجعة به (١))، فلابن القاسم وابن الماجشون: نفقة شهر، وقيل: نصف، وقيل: إذا وجد ما لو قدر عليه أولا لم تطلق عليه. ابن عبد السلام: ينبغي أن تأول هذه الأقوال على ما إذا ظن أنه يقدر على إدامتها بعد ذلك، وقبله المص، واختلف إذا كان يجريها قبل الطلاق مشاهرة وقدر بعده على إجرائها مياومة، هل له الرجعة أم لا؟ على قولين لم يرجح واحد منهما، وظاهر المص يوافق الأول. انتهى. وقاله غير واحد. وقال الحطاب: وله الرجعة إن وجد لخ، فإن لم يجد فلا رجعة له، فلو رضيت الزوجة بالرجعة مع عدم اليسر كانت رجعة قاله في الواضحة وغيرها. وقال سحنون في السليمانية: لا تصح الرجعة. انتهى. من التوضيح. وقال الخرشي: وفهم من قوله: وله لخ، وقوله في العدة أن هذا في الدخول بها إذ غيرها لا عدة عليها. انتهى.
ولها النفقة فيها يعني أن الزوج إذا وجد في العدة يسارا يملك به الرجعة فإن زوجته التي طلقت عليه لعدم النفقة تكون لها النفقة عليه يقضى لها بذلك. وإن لم ترتجع؛ يعني أنه يلزمه أن ينفق عليها ارتجعها أم لا؛ لأن طلاقها رجعي والرجعية كالزوجة، فلها النفقة، وأما لو وجد في العدة يسارا لا يقوم بواجب مثلها فلا نفقة لها لأنه لا يملك بذلك رجعتها، وإذا كان طلاق المطلقة لعدم النفقة رجعيا فإنه يثبت لها أحكام الرجعية من إرث وغيره، وقوله: وإن لم ترتجع هو مذهب المدونة وهو الأصح، ورد بالمبالغة القول بأنها لا تجب نفقتها إن لم يرتجعها، وتأول بعضهم الواضحة عليه.
وطلبه عند سفره بنفقة المستقبل ليدفعها لها أو يقيم لها كفيلا؛ يعني أن الزوجة لها أن تطلب الزوج عند إرادة سفره بنفقة الزمن المستقبل الذي يريد أن يسافره، ولا بد له من أن يفعل معها أحد أمرين، إما أن يدفع لها نفقة الزمن الذي يريد أن يسافره معجلة، وإما أن يقيم أي يؤدي
стр. 4968
لها كفيلا أي ضامنا يدفعها لها على حسب ما كان الزوج يدفعها لها من يوم أو جمعة أو شهر لخ، فالضمير في لها في الموضعين للمرأة، وفي يدفعها للنفقة، أعني المنصوب، والمستتر للزوج، وكفيلا مفعول يقيم، وهو معطوف على يدفع، فهو منصوب، واللام في ليدفعها تعليلية قال عبد الباقي وغيره: وللبائن الحامل طلب نفقة الأقل من مدة الحمل والسفر، فإن كان حملها غير ظاهر وخافته فلم ير مالك ذلك عليه بحميل، ورءاه أصبغ، واختاره اللخمي إن قامت قبل حيضة، والأول إن قامت بعدها، فإن اتهم أن يقيم أكثر من السفر المعتاد حلف أو أقام حميلا. انمهى. وقوله: وطلبه، قال الشارح: معطوف على قوله: ولها الفسخ؛ أي ولها طلب الزوج بنفقتها أو نفقة ولدها في المستقبل إذا قصد السفر ليدفع لها مقدار ما تنفقه في غيبته، أو يقيم من يدفع لها ذلك كما كان هو يدفعها من مياومة ومشاهرة أو غيرهما، وهو مذهب المدونة، ولعبد الملك لا يقيم لها كفيلا وهي في العصمة إذا سافر. انتهى.
وفرض في مال الغائب؛ يعني أن الزوج إذا غاب عن زوجته فإنها تفرض لها النفقة في قاله أي الزوج الغائب قال الحطاب قال الشارح في الكبير: قال فيها يعني المدونة: ولا يفرض على الغانب النفقة لزوجته إلا أن يكون له قال يعدى فيه. انتهى. وقوله: يعدى، قال أبو الحسن الصغير: قال عياض في المشارق: والاستعداء طلب النصرة، وقيل: طلب الإعانة، ومعناه الحكم. انتهى من كتاب الزكاة الأول. وكلام المدونة هو في آخر النكاح الثاني. وقد يتبادر منه أنه إذا لم يكن للغائب قال يعدى فيه لا يفرض لها النفقة عليه، ولو علم أنه ملي في غيبته؛ كما نبه على ذلك ابن عرفة وسيأتي كلامه، وليس كذلك، بل إن علم أنه موسر في غيبته فرض لها عليه، وإن علم عسره أو جهل أمره لم يفرض لها عليه؛ قال في العتبية: وسألته عن الرجل يغيب عن أهله وله ولد صغار في حجر أمهم تلزمه نفقتهم، فإذا قدم ادعت امرأته وهي أمهم أنها أنفقت عليهم من مالها؛ أيلزمه ذلك أم يبرأ بمثل في يبرأ به من نفقتها إذا زعم أنه كان يبعث بها إليها ولا يكون لها عليه شيء إلا أن ترفع أمرها إلى السلطان؟ قال: حالها فيما تدعي من الإنفاق عليهم من قالها بمنزلة ما تدعي أنها أنفقت على نفسها إذا لم ترفع ذلك إلى السلطان حتى يقدم لم تصدق. وإن رفعت ذلك إك السلطان فرض لها ولهم وحسبه لها عليه من يوم يفرضه وكان لها دينا تتبع به. قال ابن رشد: قوله: إن الرجل يبرأ من نفقة أولاده الذين في حجره مع زوجة
стр. 4969
أمهم بما يبرأ به من نفقة زوجته صحيح؛ لأنه مؤتمن، وأما قوله: وإن رفعت ذلك إلى السلطان فرض لها ولهم إلى آخره، فمعناه: إذا عرف ملاءه في غيبته وذلك أنه لا يخلو في مغيبه من ثلاثة أحوال، أحدها: أن يكون معروف الملاء. الثاني: أن يكون معروف العدم. الثالث: أن تكون حاله مجهولة، فأما إن كان معروف الملاء فإن النفقة تفرض لها عليه على ما يعرف من ملائه فتتبعه بذلك دينا ثابتا في ذمته، وأما إذا كان معروف العدم فلا يفرض لها السلطان عليه نفقة إذ لا يجب على العدم لامرأته نفقة، ويفرق السلطان بينهما بعد التلوم، وإن أحبت الصبر عليه كتب لها كتابا بذلك اليوم من ذلك الشهر أنها قامت عنده طالبة لنفقتها، فإن قدم وعلم أنه كان له مال كان القول قولها إنها أنفقت على نفسها من ذلك اليوم، إن ادعى أنه خلف عندها أو بعث بها إليها، وأما إذا كان مجهول الحال لا يعرف ملاؤه في غيبته من عدمه فقال في المدونة: إن السلطان لا يفرض لها نفقة على زوجها في مغيبه حتى يقدم، فإن كان موسرا فرض عليه نفقة مثله لمثلها، وقال ابن حبيب في الواضحة: إنها إن أحبت الصبر عليه أشهد لها السلطان إن كان فلان زوج فلانة اليوم مليا في غيبته أوجبنا عليه لامرأته فريضة مثله من مثلها. انتهى كلام الحطاب.
تنبيه: اعلم أن الأبوين لا تفرض لهما النفقة على الولد في مغيبه وإن كان موسرا إذا لم يكن له مال حاضر، ولا يؤمر (١) أن يتداينا عليه، وإن فعلا لم يلزمه من ذلك شيء، فلا يغرم ما تداينا عليه، ولا يغرم ما فرض عليه لهما في غيبته، بخلاف الزوجة في ذلك كله؛ لأن نفقة الزوجة واجبة حتى يعلم سقوطها، ونفقة الأبوين ساقطة حتى يعلم وجوبها، ونفقتهما لا تجب إلا بفريضة من السلطان حين يجدهما يستحقانها ويجد له مالا يعديهما فيه وإلا فلا. قاله أصبغ. ومال الغائب الذي يباع في نفقة أبويه عروضه لا أصوله، وإذا حلفت المرأة لتستحق النفقة في غيبة زوجها حيث ادعت أنه لم يكن له مال سوى ربع وتأخر بيعه عن الحلف، فإن إعداءها بالنفقة من يوم الحلف لا من يوم انعقاد البيع. قاله الحطاب. وقد مر أنه يفرض لها من يوم الرفع، وقد مر أنه لا تباع أصول الغائب في نفقة أبويه أي حيث لم تفرض نفقتهما عليه قبل مغيبه، فإن
стр. 4970
فرضت نفقتهما عليه قبل مغيبه فمقتضى الفرق المتقدم أن تباع أصوله في نفقة أبويه. انظر الحطاب. واعلم أن القياس أن لا تباع على الغائب عروضه في نفقة أبويه لاحتمال أن يكون حين الحكم عليه بذلك ميتا: وأن يكون دين يغترق عروضه إلا أن ذلك في العروض استحسان، ولهذه العلة قالوا: إن الغائب لا يؤخذ من ماله الناض الزكاة وكون الأصول لا تباع على الغائب في نفقة أبويه مما ليس فيه اختلاف. انظر الحطاب.
ووديعته: يعني أن الزوجة تفرض لها النفقة في وديعة لزوجها الغائب، ومثل الزوجة الأبوان والولد في هذه والتي قبلها، وقوله: ووديعته، هذا هو المشهور وعن ابن لبابة أن الوديعة لا يقضى منها دين ولا غيره؛ أي من النفقات. أبو عمران: وهو القياس إذ لو حضر الغائب وأنكرها لم يكن للغرماء إليها سبيل. قاله الشارح. ودينه؛ يعني أن الزوجة تفرض لها النفقة في دين لزوجها الغائب على غيره، وفي نسخة ديته بدال مكسورة فمثناة تحتية فمثناة فوقية أي دية وجبت له، إذ ليس له العفو وعليه دين، ومثل الزوجة في هذه الأبوان والولد أيضا، وعبارة عبد الباقي: ومثلها؛ يعني الزوجة الأبوان والولد في هذه الثلاثة، لا في قوله الآتي: وبيعت داره، فإنه خاص بها، كما عليه الناصر اللقاني، وذكر الحطاب قولين في بيعها لنفقة الولد والأبوين. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: جعلها الحطاب في معتمد نقله خاصة بالزوجة، وحكى في نقله أنه لا اختلاف في ذلك، وحكى عن الشيخ ابن عتاب أنه أفتى ببيع أصول الغائب في نفقة الأبوين. والله سبحانه أعلم.
وأقامت؛ بصيغة الفعل الماضي البينة، مفعول الفعل قبله على المنكر؛ يعني أن الزوجة إذا غاب زوجها وطلبت النفقة عند الحاكم وادعت أن لزوجها الغائب دينا على زيد مثلا وأنكر زيد أن لزوجها عليه دينا فإن لها أن تقيم بينة تشهد لها بدين لزوجها على زيد لينفق عليها منه، ويمكنها الحاكم من إقامة البينة، ومثل الزوجة في ذلك الأبوان والولد. قاله الشبراخيتي. ولو شهد لها شاهد واحد بالدين لحلفت معه تكملة للنصاب، وكذا يحلف الأبوان والولد. قاله الشبراخيتي. وقوله: بعد حلفها، يتنازعه الفعلان فرض وأقامت. وقوله:
باستحقاقها، متعلق بحلفها؛ أي إنما يفرض لها في مال الغائب ووديعته ودينه بعد أن تحلف على استحقاقها للنفقة في ذمته إلى يوم التاريخ، وأنها لم تسقطها ولا بعضها عنه، فلا يفرض لها
стр. 4971
إلا بعد الحلف المذكور، وعطف الأخيرين من الأمور الثلاثة على أولها من عطف الخاص على العام، وتقدم أن قوله: وأقامت، بصيغة الفعل الماضي وهو الصواب، كما في بعض النسخ. كما قال ابن غازي، ونصه: في بعض النسخ هكذا أقامت بالفعل الماضي المتصل بعلامة التأنيث، ونصب البينة على المفعولية وهي خير من النسخ التي فيها: وإقامة البينة بالمصدر المضاف المعطوف، لما فيه من الفصل بين المعمول وهو بعد حلفها، وعامله وهو فرض، بأجنبي. انتهى. والظاهر تنازع الفعلين فيه كما أفاده تقرير الزرقاني. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وفرض الإنفاق أعم من أن يكون الفارض الحاكم أو جماعة المسلمين عند عدمه؛ لأن كل محل شرط فيه الحاكم قامت فيه جماعة المسلمين مقامه عند عدمه، في مال الغائب إذا طلبت ذلك، وفي وديعته وفي دينه الذي على الناس إذا ثبت حالا أو مؤجلا، لكن إن كان مؤجلا تولى الحاكم الإنفاق أو أمر غيره بالإنفاق، ويأخذ من الدين إذا حل، ونفقة الوالدين والولد كذلك. انتهى.
ولا يؤخذ منها بها كفيل، يعني أن الزوجة إذا فرض لها في مال الغائب وأخذت منه نفقتها، فإنه لا يؤخذ منها بالنفقة التي أخذتها من مال الغائب كفيل؛ أي ضامن يغرمها للزوج إذا قدم وأثبت ما يبرئه مها أخذته المرأة. وهو على حجته إذا قدم؛ يعني أن الزوج إذا قدم من غيبته ووجد المرأة قد أخذت من ماله شيئا في نفقتها فإنه يكون على حجته، فإذا ادعى مسقطا وأثبته فإن الزوجة ترد له ما أخذته من ماله ولا يكون حكم الحاكم لها بالنفقة مسقطا لحجته، وكذا لو طلقت على الغائب زوجته لعدم النفقة وأثبت أنه ترك لها النفقة فترد له زوجته ولو تزوجت ودخل بها الزوج الثاني عند أبي بكر بن عبد الرحمن، وقال ابن أبي زيد: لا ترد له بعد دخوله إلا أن الطلاق لا يلزم منه شيء متى تزوجها.
وبيعت داره؛ يعني أن زوجة الغائب تباع لها داره في نفقتها إن لم يكن له غيرها ولو احتاج إليها وإنما تباع بعد ثبوت ملكه؛ يعني أن دار هذا الغائب إنما تباع في نفقة زوجته بعد أن يثبت بالبينة أنها ملك له، وبعد أن تشهد هذه البينة الشاهدة بالملك أنها أي هذه الدار لم تخرج عن ملكه في علمهم؛ أي تقول البينة بعد أن شهدت بالملك: لم تخرج عن ملكه في علمنا، وليس لهم أن يشهدوا على القطع بأن يقولوا: لم تخرج عن ملكه قطعا؛ إذ لا يمكنهم ذلك، ولو قالوا ذلك
стр. 4972
لبطلت شهادتهم؛ وقوله: في علمهم متعلق بتخرج، ومعناه: لم يكن في علمهم خروج الدار عن ملكه، فتكون الشهادة على نفي العلم، وليس معناه أن نفي الخروج عن الملك كائن في علمهم، فتكون حينئذ الشهادة على القطع وهي باطلة، وقوله: وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، ظاهر المص أنه واجب وقد حكى في باب الشهادات خلافا في وجوبه قاله الشبراخيتي.
ثم بينة بالحيازة؛ يعني أنه يشترط بيع الدار في نفقة الزوجة مع ثبوت ملك الزوج لها بالبينة أن تشهد بينة بالحيازة؛ أي شهود يشهدون على حدود الدار، بأن يعينوها ويعينوا أطرافها وحيث انتهت، ويبينوا حدودها من حدود غيرها، وتطوف بينة الحيازة بالدار داخلها وخارجها، ولا يشترط في بينة الحيازة أن تكون غير بينة الملك، بل يكتفى ببينة الملك إذا شهدت بالحيازة، فلو لم تشهد بها كما لو غابت البينة بالملك عن الدار فذلك هو محل لزوم بينة الحيازة، وقد علمت أن معنى الحيازة ضبط حدود الدار أي تعيينها وتعيين أطرافها وحيث انتهت، وتعيين حدودها من حدود غيرها. والله سبحانه أعلم.
قائلة؛ أي تشهد بعد بينة الملك بينة بالحيازة؛ حال كون بينة الحيازة قائلة لمن يوجهه القاضي معها ممن يعرف العقار ويحده بحدوده والواحد كاف والاثنان أولى: هذا؛ أي العقار الذي حزناه أي حددنا حدوده، هي؛ أي الدار التي شهد، بالبناء للمجهول، فيشمل شهادة بينة الحيازة بالملك ويتعلق به، يملكها للغائب. قال الشارح عند قوله: ثم بينة بالحيازة؛ أي ولا بد مع الشهادة المذكورة من أن يبعث الحاكم شاهدين آخرين يشهدان بالحيازة ولم يشترط ذلك الموثقون. ابن أبي زمنين: والذي رأيت وأدركت عليه فقهاءنا اشتراطه. قال: وصفة ذلك أن تطوف البينة بالدار داخلا وخارجا وتقول: هذه الدار التي حزناها هي التي شهد بملكها للغائب. ابن العطار: ولم يكمل شيء حتى يقول الشهود بحضرة الحائزين عليهم: هذا الذي حزناه هو الذي شهدنا به عند فلان قاضي موضع كذا، فإن لم يقولوا كذلك لم تتم الشهادة والحيازة، وإلى هذا أشار بقوله: قائلة: هذا الذي حزناه هي التي شهد بملكها للغائب، انتهى. وقوله: وبيعت داره، هذا خاص بالزوجة كما مر، وإذا قدم الغائب بعد بيع داره فأثبت براءته مما بيعت لم ينقض البيع، إلا أن يجدها لم تتغير فيخير بين إمضاء البيع ورده، وفي الحطاب: يجب على من قام على غائب بدين إثبات الدين، وملك الغائب، وحيازته عن أمر القاضي، وثبوت الحيازة
стр. 4973
عنده، وغيبة المطلوب، وأنه بعيد بحيث لا يعلم، ثم يحلف أنه ما قبض دينه، ثم يقضى له ببيع الملك، وترجى الحجة للغائب، فإذا قدم وأثبت أنه قضاه فلا سبيل إلى نقض البيع بحال، ويرجع على الطالب بما قبض من الدين، وحكى التونسي أن له نقض البيع ودفع الثمن للمشتري. واعلم أنه إذا كان شاهدا الحيازة هما اللذان شهدا بالملك احتيج إلى أربعة فقط، اثنان شهدا بالملك والحيازة، واثنان موجهان للحيازة، ولكن الوجه يكفي أن يكون واحدا، والاثنان أولى كما مر. وإن شهد بالحيازة غير شاهدي الملك احتيج إلى ستة إلا أنه يكفي في الموجه أن يكون واحدا كما علمت.
وإن تنازعا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه؛ يعني أن الزوج إذا غاب ثم قدم من سفره فطلبته الزوجة بنفقتها حال غيبته وادعت أنه موسر في غيبته، وقال هو: لا نفقة علي في مدة غيبتي لأني معسر فيها، ولا بينة لواحد منهما، فإنه يعتبر في تصديق أحدهما حال قدوم الزوج من غيبته، فإن قدم معسرا فالقول قوله بيمينه، وحينئذ فلا تطالبه بنفقة مدة الغيبة إن أيسر، وإن قدم موسرا فالقول قولها بيمينها، فيقضى عليه بأن يدفع نها نفقة مدة غيبته، ومحل كلام المص إن جهل حال خروجه، وإلا حمل عليه حتى يتبين خلافه؛ أي يثبت بالشهود مخالفة حاله في غيبته لحاله عند خروجه، ومثله إذا فرضت عليه النفقة في غيبته ليسره حيث أثبتته فإنه يحمل عليه أي على يسره حتى يتبين عسره قاله عبد الباقي. أي يحكم له في غيبته ولو طالت باليسر حتى يثبت عسره. قاله مقيده عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. ونفقة الأبوين والأولاد في هذا كالزوجة. قاله عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: وإن اختلفا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه من عسر ويسر، وعمل عليه إذا جهل حاله وقت خروجه، وأما إن علم حاله وقت خروجه من عسر أو يسر فيعمل عليه حتى يتبين خلافه ومثل ذلك نفقة الأبوين والأولاد، ومثله إذا فرض عليه في غيبته النفقة ليسره حيث ثبت يسره فإنه على اليسر حتى يتبين خلافه. انتهى. وقال الحطاب: وإن تنازعا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه. قال في الشامل: وإن تنازعا في عسره في الغيبة ولا بينة، فثالثها لابن القاسم إن قدم معسرا صدق وإلا صدقت. انتهى. فعلم أنه إنما يعتبر حاله إذا لم تكن بينة. والله أعلم. انتهى. وقوله: قال في
стр. 4974
الشامل لخ: أي فقيل: يصدق، وقيل: تصدق، وقيل: إن قدم معسرا صدق وإلا صدقت. قاله مقيدة عفا الله عنه.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: اعتبر حال قدومه، ما نصه لا حال خروجه وهو غير صحيح، لأن الموضوع أن حال خروجه مجهول. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن الزوج إذا قدم من سفره فطلبته المرأة بالنفقة فادعى أنه كان معسرا في غيبته، وقالت: كنتَ موسرات فإنه ينظر إلى حال قدومه فإن قدم معسرا فالقول قوله، وإلا فقولها، وهو قول ابن القاسم؛ ولابن كنانة وسحنون: أن القول قوله، وعن عبد الملك أن القول قولها، وقال بعض الأشياخ: لا خلاف إذا خرج موسرا وقدم كذلك أن القول قولها، وإذا خرج معسرا وقدم كذلك أن القول قوله، واختلف إذا اختلفت حالتاه وهي طريقة. انتهى.
وفي إرسالها فالقول قولها إن رفعت؛ يعني أن الزوج إذا قدم من سفره فطالبته زوجته التي هي في العصمة بنفقتها في حال غيبته، فقال: أرسلتها لك، أو قال: تركتها عندك، ولم تصدقه في ذلك، فإن القول قولها ولو سفيهة، ومثل النفقة في ذلك الكسوة وقوله فالقول قولها؛ أي بيمين. قاله الخرشي. وإنما يكون القول قولها إن كانت قد رفعت أمرها للحاكم. من يومئذ. متعلق بقولها، يعني أن القول قولها من يوم الرفع للحاكم؛ أي تطالبه بالنفقة فيما بعد الرفع لا فيما قبله لأنه يصدق فيه، والتنوين في يومئذ عوض عن جملة مضاف إليها أي من يوم إذ رفعت أمرها للحاكم. وقوله: لحاكم متعلق بفعل الشرط، وهو رفعت؛ أي يكون القول قولها بشرط أن ترفع أمرها للحاكم من سلطان أو نائبه، من قاض أو غيره، ومحل هذا حيث لم يجد له مالا يفرض فيه، فإنه يأذن لها حينئذ أن تنفق على نفسها أو تقترض وترجع عليه في المسألتين، وحكم أولاده الصغار فيما ذكر حكمها. وقولي: التي هي في العصمة، وأما المطلقة فالقول قولها مطلقا، بائنا أو رجعية، حاملا أم لا، والكسوة كالنفقة.
لا لعدول؛ يعني أن المرأة إذا غاب زوجها عنها ورفعت أمرها لجماعة المسلمين العدول في شأن نفقتها فإن ذلك لا يكون كرفعها للحاكم، فلا يكون القول قولها من يوم الرفع للعدول، بل القول قول الزوج في أنه أرسل إليها النفقة، أو في أنه ترك عندها ما تنفق منه، فرفعها لجماعة المسلمين العدول كلا رفع. هذا هو المشهور وعليه العمل وبه الفتيا، وروي قبول قولها إن رفعت للعدول؛
стр. 4975
وقال به ابن الهندي. وغيره. وصوبه أبو الحسن اللخمي لثقل الرفع للحاكم على كثير، ولحقد الزوج عليها بذلك، وقوله: لا لعدول، محله مع تيسر الرفع للحاكم فإن تعسر الرفع له قام جماعة المسلمين العدول مقامه، وعبارة الشبراخيتي: بأن تعذر الوصول للقاضي أو كان غير عدل فإنه يقوم العدول مقامه في كل شيء. انتهى.
أو جيران؛ يعني أن رفع المرأة المذكورة للجيران كلا رفع فلا يكون القول قولها من يوم الرفع لهم، بل يصدق الزوج في إرسال النفقة لها في غيبته وفي أنه ترك عندها ما تنفق منه، وهذا هو المشهور وعليه العمل وبه الفتيا، وروي قبول قولها، وقال به ابن الهندي وغيره وصوبه أبو الحسن اللخمي. ومحل كلام المص مع تيسر الرفع للحاكم فإن تعسر الرفع له قام الجيران مقامه، وقوله: لا لعدول أو جيران، وقال ابن عرفة: الذي استمر عليه عمل قضاة بلدنا أن الرفع إلى العدول كالرفع إلى السلطان، والرفع إلى الجيران لغو. انتهى. نقله الحطاب وغيره. وإلا ترفع أمرها، أو رفعت لغير الحاكم من عدول أو جيران، مع تيسر الرفع للحاكم، فالقول قوله: أي الزوج بيمين في أنه أرسل إليها النفقة، وفي أنه ترك عندها ما تنفق، فلو رفعت بعد مدة لكان القول قولها من يوم الرفع، والقول قوله فيما قبل الرفع، وقوله: وإلا فقوله؛ أي يقبل قوله ولو سفيها، وحكم نفقة أولادها الصغار كذلك؛ أي فإن رفعت لحاكم فقولها: أنه لم يوصلها إليها من يومئذ، وإلا فقوله. قاله الخرشي.
كالحاضر؛ يعني أن الزوج إذا كان حاضرا وادعت زوجته أنه لم ينفق عليها مدة وادعى هو أنه أنفق عليها فإن القول قوله إنه أنفق عليها في تلك المدة التي ادعت أنه لم ينفق عليها فيها اتفاقا؛ ولا بد من يمينه، وكان القول قوله لشهادة العرف بصحة قوله، وهذا إذا لم تكن النفقة مقدرة، وإلا فالقول قولها لأنها حينئذ بمثابة الدين، ومحل كون الحاضر يقبل قوله حيث ادعى أنه كان ينفق أو يدفع النفقة في زمنها، وأما إذا تحصلت في ذمته لما مضى فلا يقبل قوله إجماعا، وكل هذا في حق من في العصمة وأما البائن الحامل فلا يقبل قوله، والكسوة في جميع ما مر كالنفقة. انتهى ملخصا من غير واحد. وقال الشارح عند قوله: كالحاضر، يشير [إلى] (١) أن الحاضر إذا تنازع مع زوجته في الإنفاق وعدمه فإن القول قوله، قال في البيان: ولا خلاف في