إلا بعد الحلف المذكور، وعطف الأخيرين من الأمور الثلاثة على أولها من عطف الخاص على العام، وتقدم أن قوله: وأقامت، بصيغة الفعل الماضي وهو الصواب، كما في بعض النسخ. كما قال ابن غازي، ونصه: في بعض النسخ هكذا أقامت بالفعل الماضي المتصل بعلامة التأنيث، ونصب البينة على المفعولية وهي خير من النسخ التي فيها: وإقامة البينة بالمصدر المضاف المعطوف، لما فيه من الفصل بين المعمول وهو بعد حلفها، وعامله وهو فرض، بأجنبي. انتهى. والظاهر تنازع الفعلين فيه كما أفاده تقرير الزرقاني. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وفرض الإنفاق أعم من أن يكون الفارض الحاكم أو جماعة المسلمين عند عدمه؛ لأن كل محل شرط فيه الحاكم قامت فيه جماعة المسلمين مقامه عند عدمه، في مال الغائب إذا طلبت ذلك، وفي وديعته وفي دينه الذي على الناس إذا ثبت حالا أو مؤجلا، لكن إن كان مؤجلا تولى الحاكم الإنفاق أو أمر غيره بالإنفاق، ويأخذ من الدين إذا حل، ونفقة الوالدين والولد كذلك. انتهى.
ولا يؤخذ منها بها كفيل، يعني أن الزوجة إذا فرض لها في مال الغائب وأخذت منه نفقتها، فإنه لا يؤخذ منها بالنفقة التي أخذتها من مال الغائب كفيل؛ أي ضامن يغرمها للزوج إذا قدم وأثبت ما يبرئه مها أخذته المرأة. وهو على حجته إذا قدم؛ يعني أن الزوج إذا قدم من غيبته ووجد المرأة قد أخذت من ماله شيئا في نفقتها فإنه يكون على حجته، فإذا ادعى مسقطا وأثبته فإن الزوجة ترد له ما أخذته من ماله ولا يكون حكم الحاكم لها بالنفقة مسقطا لحجته، وكذا لو طلقت على الغائب زوجته لعدم النفقة وأثبت أنه ترك لها النفقة فترد له زوجته ولو تزوجت ودخل بها الزوج الثاني عند أبي بكر بن عبد الرحمن، وقال ابن أبي زيد: لا ترد له بعد دخوله إلا أن الطلاق لا يلزم منه شيء متى تزوجها.
وبيعت داره؛ يعني أن زوجة الغائب تباع لها داره في نفقتها إن لم يكن له غيرها ولو احتاج إليها وإنما تباع بعد ثبوت ملكه؛ يعني أن دار هذا الغائب إنما تباع في نفقة زوجته بعد أن يثبت بالبينة أنها ملك له، وبعد أن تشهد هذه البينة الشاهدة بالملك أنها أي هذه الدار لم تخرج عن ملكه في علمهم؛ أي تقول البينة بعد أن شهدت بالملك: لم تخرج عن ملكه في علمنا، وليس لهم أن يشهدوا على القطع بأن يقولوا: لم تخرج عن ملكه قطعا؛ إذ لا يمكنهم ذلك، ولو قالوا ذلك
стр. 4972
لبطلت شهادتهم؛ وقوله: في علمهم متعلق بتخرج، ومعناه: لم يكن في علمهم خروج الدار عن ملكه، فتكون الشهادة على نفي العلم، وليس معناه أن نفي الخروج عن الملك كائن في علمهم، فتكون حينئذ الشهادة على القطع وهي باطلة، وقوله: وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، ظاهر المص أنه واجب وقد حكى في باب الشهادات خلافا في وجوبه قاله الشبراخيتي.
ثم بينة بالحيازة؛ يعني أنه يشترط بيع الدار في نفقة الزوجة مع ثبوت ملك الزوج لها بالبينة أن تشهد بينة بالحيازة؛ أي شهود يشهدون على حدود الدار، بأن يعينوها ويعينوا أطرافها وحيث انتهت، ويبينوا حدودها من حدود غيرها، وتطوف بينة الحيازة بالدار داخلها وخارجها، ولا يشترط في بينة الحيازة أن تكون غير بينة الملك، بل يكتفى ببينة الملك إذا شهدت بالحيازة، فلو لم تشهد بها كما لو غابت البينة بالملك عن الدار فذلك هو محل لزوم بينة الحيازة، وقد علمت أن معنى الحيازة ضبط حدود الدار أي تعيينها وتعيين أطرافها وحيث انتهت، وتعيين حدودها من حدود غيرها. والله سبحانه أعلم.
قائلة؛ أي تشهد بعد بينة الملك بينة بالحيازة؛ حال كون بينة الحيازة قائلة لمن يوجهه القاضي معها ممن يعرف العقار ويحده بحدوده والواحد كاف والاثنان أولى: هذا؛ أي العقار الذي حزناه أي حددنا حدوده، هي؛ أي الدار التي شهد، بالبناء للمجهول، فيشمل شهادة بينة الحيازة بالملك ويتعلق به، يملكها للغائب. قال الشارح عند قوله: ثم بينة بالحيازة؛ أي ولا بد مع الشهادة المذكورة من أن يبعث الحاكم شاهدين آخرين يشهدان بالحيازة ولم يشترط ذلك الموثقون. ابن أبي زمنين: والذي رأيت وأدركت عليه فقهاءنا اشتراطه. قال: وصفة ذلك أن تطوف البينة بالدار داخلا وخارجا وتقول: هذه الدار التي حزناها هي التي شهد بملكها للغائب. ابن العطار: ولم يكمل شيء حتى يقول الشهود بحضرة الحائزين عليهم: هذا الذي حزناه هو الذي شهدنا به عند فلان قاضي موضع كذا، فإن لم يقولوا كذلك لم تتم الشهادة والحيازة، وإلى هذا أشار بقوله: قائلة: هذا الذي حزناه هي التي شهد بملكها للغائب، انتهى. وقوله: وبيعت داره، هذا خاص بالزوجة كما مر، وإذا قدم الغائب بعد بيع داره فأثبت براءته مما بيعت لم ينقض البيع، إلا أن يجدها لم تتغير فيخير بين إمضاء البيع ورده، وفي الحطاب: يجب على من قام على غائب بدين إثبات الدين، وملك الغائب، وحيازته عن أمر القاضي، وثبوت الحيازة
стр. 4973
عنده، وغيبة المطلوب، وأنه بعيد بحيث لا يعلم، ثم يحلف أنه ما قبض دينه، ثم يقضى له ببيع الملك، وترجى الحجة للغائب، فإذا قدم وأثبت أنه قضاه فلا سبيل إلى نقض البيع بحال، ويرجع على الطالب بما قبض من الدين، وحكى التونسي أن له نقض البيع ودفع الثمن للمشتري. واعلم أنه إذا كان شاهدا الحيازة هما اللذان شهدا بالملك احتيج إلى أربعة فقط، اثنان شهدا بالملك والحيازة، واثنان موجهان للحيازة، ولكن الوجه يكفي أن يكون واحدا، والاثنان أولى كما مر. وإن شهد بالحيازة غير شاهدي الملك احتيج إلى ستة إلا أنه يكفي في الموجه أن يكون واحدا كما علمت.
وإن تنازعا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه؛ يعني أن الزوج إذا غاب ثم قدم من سفره فطلبته الزوجة بنفقتها حال غيبته وادعت أنه موسر في غيبته، وقال هو: لا نفقة علي في مدة غيبتي لأني معسر فيها، ولا بينة لواحد منهما، فإنه يعتبر في تصديق أحدهما حال قدوم الزوج من غيبته، فإن قدم معسرا فالقول قوله بيمينه، وحينئذ فلا تطالبه بنفقة مدة الغيبة إن أيسر، وإن قدم موسرا فالقول قولها بيمينها، فيقضى عليه بأن يدفع نها نفقة مدة غيبته، ومحل كلام المص إن جهل حال خروجه، وإلا حمل عليه حتى يتبين خلافه؛ أي يثبت بالشهود مخالفة حاله في غيبته لحاله عند خروجه، ومثله إذا فرضت عليه النفقة في غيبته ليسره حيث أثبتته فإنه يحمل عليه أي على يسره حتى يتبين عسره قاله عبد الباقي. أي يحكم له في غيبته ولو طالت باليسر حتى يثبت عسره. قاله مقيده عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. ونفقة الأبوين والأولاد في هذا كالزوجة. قاله عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: وإن اختلفا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه من عسر ويسر، وعمل عليه إذا جهل حاله وقت خروجه، وأما إن علم حاله وقت خروجه من عسر أو يسر فيعمل عليه حتى يتبين خلافه ومثل ذلك نفقة الأبوين والأولاد، ومثله إذا فرض عليه في غيبته النفقة ليسره حيث ثبت يسره فإنه على اليسر حتى يتبين خلافه. انتهى. وقال الحطاب: وإن تنازعا في عسره في غيبته اعتبر حال قدومه. قال في الشامل: وإن تنازعا في عسره في الغيبة ولا بينة، فثالثها لابن القاسم إن قدم معسرا صدق وإلا صدقت. انتهى. فعلم أنه إنما يعتبر حاله إذا لم تكن بينة. والله أعلم. انتهى. وقوله: قال في
стр. 4974
الشامل لخ: أي فقيل: يصدق، وقيل: تصدق، وقيل: إن قدم معسرا صدق وإلا صدقت. قاله مقيدة عفا الله عنه.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: اعتبر حال قدومه، ما نصه لا حال خروجه وهو غير صحيح، لأن الموضوع أن حال خروجه مجهول. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن الزوج إذا قدم من سفره فطلبته المرأة بالنفقة فادعى أنه كان معسرا في غيبته، وقالت: كنتَ موسرات فإنه ينظر إلى حال قدومه فإن قدم معسرا فالقول قوله، وإلا فقولها، وهو قول ابن القاسم؛ ولابن كنانة وسحنون: أن القول قوله، وعن عبد الملك أن القول قولها، وقال بعض الأشياخ: لا خلاف إذا خرج موسرا وقدم كذلك أن القول قولها، وإذا خرج معسرا وقدم كذلك أن القول قوله، واختلف إذا اختلفت حالتاه وهي طريقة. انتهى.
وفي إرسالها فالقول قولها إن رفعت؛ يعني أن الزوج إذا قدم من سفره فطالبته زوجته التي هي في العصمة بنفقتها في حال غيبته، فقال: أرسلتها لك، أو قال: تركتها عندك، ولم تصدقه في ذلك، فإن القول قولها ولو سفيهة، ومثل النفقة في ذلك الكسوة وقوله فالقول قولها؛ أي بيمين. قاله الخرشي. وإنما يكون القول قولها إن كانت قد رفعت أمرها للحاكم. من يومئذ. متعلق بقولها، يعني أن القول قولها من يوم الرفع للحاكم؛ أي تطالبه بالنفقة فيما بعد الرفع لا فيما قبله لأنه يصدق فيه، والتنوين في يومئذ عوض عن جملة مضاف إليها أي من يوم إذ رفعت أمرها للحاكم. وقوله: لحاكم متعلق بفعل الشرط، وهو رفعت؛ أي يكون القول قولها بشرط أن ترفع أمرها للحاكم من سلطان أو نائبه، من قاض أو غيره، ومحل هذا حيث لم يجد له مالا يفرض فيه، فإنه يأذن لها حينئذ أن تنفق على نفسها أو تقترض وترجع عليه في المسألتين، وحكم أولاده الصغار فيما ذكر حكمها. وقولي: التي هي في العصمة، وأما المطلقة فالقول قولها مطلقا، بائنا أو رجعية، حاملا أم لا، والكسوة كالنفقة.
لا لعدول؛ يعني أن المرأة إذا غاب زوجها عنها ورفعت أمرها لجماعة المسلمين العدول في شأن نفقتها فإن ذلك لا يكون كرفعها للحاكم، فلا يكون القول قولها من يوم الرفع للعدول، بل القول قول الزوج في أنه أرسل إليها النفقة، أو في أنه ترك عندها ما تنفق منه، فرفعها لجماعة المسلمين العدول كلا رفع. هذا هو المشهور وعليه العمل وبه الفتيا، وروي قبول قولها إن رفعت للعدول؛
стр. 4975
وقال به ابن الهندي. وغيره. وصوبه أبو الحسن اللخمي لثقل الرفع للحاكم على كثير، ولحقد الزوج عليها بذلك، وقوله: لا لعدول، محله مع تيسر الرفع للحاكم فإن تعسر الرفع له قام جماعة المسلمين العدول مقامه، وعبارة الشبراخيتي: بأن تعذر الوصول للقاضي أو كان غير عدل فإنه يقوم العدول مقامه في كل شيء. انتهى.
أو جيران؛ يعني أن رفع المرأة المذكورة للجيران كلا رفع فلا يكون القول قولها من يوم الرفع لهم، بل يصدق الزوج في إرسال النفقة لها في غيبته وفي أنه ترك عندها ما تنفق منه، وهذا هو المشهور وعليه العمل وبه الفتيا، وروي قبول قولها، وقال به ابن الهندي وغيره وصوبه أبو الحسن اللخمي. ومحل كلام المص مع تيسر الرفع للحاكم فإن تعسر الرفع له قام الجيران مقامه، وقوله: لا لعدول أو جيران، وقال ابن عرفة: الذي استمر عليه عمل قضاة بلدنا أن الرفع إلى العدول كالرفع إلى السلطان، والرفع إلى الجيران لغو. انتهى. نقله الحطاب وغيره. وإلا ترفع أمرها، أو رفعت لغير الحاكم من عدول أو جيران، مع تيسر الرفع للحاكم، فالقول قوله: أي الزوج بيمين في أنه أرسل إليها النفقة، وفي أنه ترك عندها ما تنفق، فلو رفعت بعد مدة لكان القول قولها من يوم الرفع، والقول قوله فيما قبل الرفع، وقوله: وإلا فقوله؛ أي يقبل قوله ولو سفيها، وحكم نفقة أولادها الصغار كذلك؛ أي فإن رفعت لحاكم فقولها: أنه لم يوصلها إليها من يومئذ، وإلا فقوله. قاله الخرشي.
كالحاضر؛ يعني أن الزوج إذا كان حاضرا وادعت زوجته أنه لم ينفق عليها مدة وادعى هو أنه أنفق عليها فإن القول قوله إنه أنفق عليها في تلك المدة التي ادعت أنه لم ينفق عليها فيها اتفاقا؛ ولا بد من يمينه، وكان القول قوله لشهادة العرف بصحة قوله، وهذا إذا لم تكن النفقة مقدرة، وإلا فالقول قولها لأنها حينئذ بمثابة الدين، ومحل كون الحاضر يقبل قوله حيث ادعى أنه كان ينفق أو يدفع النفقة في زمنها، وأما إذا تحصلت في ذمته لما مضى فلا يقبل قوله إجماعا، وكل هذا في حق من في العصمة وأما البائن الحامل فلا يقبل قوله، والكسوة في جميع ما مر كالنفقة. انتهى ملخصا من غير واحد. وقال الشارح عند قوله: كالحاضر، يشير [إلى] (١) أن الحاضر إذا تنازع مع زوجته في الإنفاق وعدمه فإن القول قوله، قال في البيان: ولا خلاف في
стр. 4976
ذلك؛ لأن العرف يشهد بصحة قوله، ولا بد له من اليمين. انتهى. وقال الشبراخيتي: كالحاضر، فالقول قوله مع يمينه اتفاقا والكسوة في ذلك كالنفقة، وينبغي أن يكون محل ذلك ما لم يشترط ولي المحجورة من صغيرة أو سفيهة الدفع إليه دونها، وإلا فلا يكون القول قوله حينئذ في الدفع لها، وكلام المص فيما إذا ادعى الزوج دفع النفقة في الزمن الذي قدرت فيه من يوم أو جمعة أو شهر أو سنة، وأما إذا ادعى دفع ما تجمد عليه مما فرض عليه فلا يقبل قوله إجماعا. قاله ابن رشد وكلام التتائي هنا غير ظاهر. انتهى. وحلف لقد قبضتها؛ يعني أن الزوج إذا كان القول قوله غائبا أو حاضرا فإنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قبضتها منه، إن كان حاضرا ومن رسوله إن كان غائبا. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: وحلف لقد قبضتها؛ راجع لمسألة الإرسال، ويعتمد في حلفه: لقد قبضتها على كتابها ونحوه كما يفيده كلامه وغيره، ويصح أيضا رجوعه لقوله: كالحاضر. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وحلف لقد قبضتها، راجع إلى الغائب والحاضر. قاله في التوضيح والشامل وغيرهما. وقال في الشامل: ويعتمد في يمينه على كتابها أو رسولها. انتهى. وقال الخرشي: ويعتمد في يمينه على رسوله أو كتابه. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. لا بعثتها يعني أنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قبضتها، ولا يحلف لقد بعثتها إليها لاحتمال عدم وصول ما بعثه لها وهو الأصل.
وفيما فرضه فقوله إن أشبه؛ يعني أن الزوجين إذا تنازعا في القدر الذي فرضه الحاكم من النفقة ونسي الحاكم ما فرضه أو عزل أو مات فإن القول قول الزوج إن أشبه قوله، أشبه قولها هي أم لا. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم يشبه قول الزوج فالقول قولها؛ أي المرأة إن كان قولها قد أشبه فقط. وإلا يشبه قول واحد منهما ابتدأ الحاكم الفرض للنفقة في المستقبل ولها نفقة المثل في الماضي، ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون اختلافهما فيما فرضه قاضي وقتهما أو قاض سابق عليه كما هو ظاهر المص، وقوله: وفيما فرضه، معطوف على قوله في عسره، كما أن قوله: وفي إرسالها كذلك، وفاعل فرض ضمير يعود على الحاكم. وقوله: وإلا ابتدأ الفرض، قد علمت أنه في المستقبل وأنه حيث لم يشبه واحد منهما، وأنه يكون القول للزوج حيث أشبها وللزوجة حيث أشبهت فقط. وصحح عياض أنه في المستقبل يبتدئ الفرض مطلقا أشبها أو أحدهما أو لم يشبه واحد منهما. انظر الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم.
стр. 4977
وفي حلف مدعي الأشبه تأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حلف أحد الزوجين حيث كان القول قوله، فمنهم من قال: لا بد من حلفه، فيحلف الزوج فيما إذا أشبها أو أشبه هو فقط، وتحلف هي فيما إذا أشبهت هي فقط، وتأول عليه المدونة، ورجحه عياض، وارتضاه ابن عبد السلام، ومنهم من قال: مذهب ابن القاسم: أنه لا يمين على من أشبه قوله منهما بل يكتفى بدعواه الشبه. وقال الأمير: والأظهر من التأويلين بيمين.
تنبيه: قال ابن فرحون تبعا لابن عبد السلام: ولو أقام أحدهما شاهدا بأن الحاكم فرض بينهما كذا وكذا فيجري على الخلاف في حكم القاضي هل يثبت بشاهد ويمين؟ انتهى. قال أبو الحسن في شرح هذه المسألة أواخر النكاح الثاني: ابن رشد: والمشهور أن حكم الحاكم في المال يثبت بالشاهد واليمين. انتهى. نقله الحطاب.
ولما أنهى الكلام على السبب الأقوى أتبعه بالكلام على السببين الباقيين فقال:
стр. 4978
فصل: في الكلام على السببين الموجبين للنفقة من قرابة ورق وما يتعلق بهما إنما تجب نفقة رقيقه؛ يعني أن الشخص لا يجب عليه من الإنفاق إلا نفقة رقيقه وما يعطف عليه واعلم أن هذا الحصر مُنصَبٌّ على جميع ما بعده؛ أي إنما تجب النفقة بعد الزوجة على هذه الأمور: الرقيق والدابة والولد والوالد، وحينئذ لا يرد عليه شيء. قاله بناني. وقوله: رقيقه، قال الشبراخيتي: شمل الجزء والكامل ومن فيه شائبة حرية، من مدبر ومعتق لأجل وأم ولد، ويستثنى من ذلك المخدَم بفتح الدال فإن نفقته على من له الخدمة على المشهور، والمكاتب فإن نفقته على نفسه، ومن وطئ أمة الغير فحملت منه فهي عليه لا على السيد، فقوله: تجب نفقة رقيقه أي في الجملة؛ وقوله: رقيقه، ومن أعسر عن نفقة أم ولده أو غاب عنها ولم يكن له ما ينفق عليها منه فالصواب أن ينجز عتقها، كما قال يحيى بن عمر وابن عبد الرحمن، وقال الباجي: تزوج، وقيل: تؤاجر. انتهى. وقوله: رقيقه، احترز به من رقيق غيره، فلا تجب نفقته ولو كان رقيقا لعبيده، فنفقة رقيق الرقيق إنما تجب على السيد العبد لا مالك مالكه، وقال عبد الباقي: وكذا لا يجب عليه نفقة رقيقه المخدَم بل نفقته على مخدَمه بفتح الدال فيهما على المشهور، والكاتب نفقته على نفسه، والأمة المستحقة برق وهي حامل نفقتُها على من استحقها عند ابن عبد الحكم. وقال يحيى بن عمر: على من هي حامل منه، وقول يحيى هو الجيد. قاله ابن عرفة. وقول اهن عبد الحكم. يتمشى على أن المستحق يأخذ قيمتها أو مع قيمة الولد، وكذا على أنه يأخذها أيضا لأن ولدها حر، فنفقتها في حال حمله فقط على أبيه. انتهى. وقوله: بفتح الدال على المشهور، هذا هو الذي شهره ابن رشد من أقوال ثلاثة لكنه خلاف ما تقدم في زكاة الفطر المقتضي أن نفقة زمن الخدمة على سيده. ونص ابن عرفة: وفي كون نفقة المخدم على سيده أو ذي الخدمة، ثالثها: إن كانت الخدمة يسيرة، لنقل ابن رشد، والمشهور عنده، ونقله أيضا. انتهى وقوله: وقول يحيى هو الجيد لخ. زاد ابن عرفة عقبه قلت: الأظهر إن كان في خدمتها قدر نفقتها أنفق عليها منها. قاله بناني. وقوله: يتمشى لخ، قال بناني: هكذا فيما رأيته من النسخ بالإثبات، والصواب: لا يتمشى بالنفي، وقوله: إنما تجب نفقة رقيقه، النفقة هنا تشمل الكسوة.
مسألة: قال الزناتي: يجوز للعبد أن يقول لسيده يا سيدي ويا مولاي، ولا يجوز أن يقول: ربي. انتهى. ومثل العبد قول الحر لشخص آخر ذلك. انظر الشبراخيتي. وقوله: رقيقه، ابن شأس:
стр. 4979
وتجب عليه نفقة رقيقه بقدر الكفاية على ما جرت به العادة. نقله الشارح. وقال الحطاب: وقوله: تجب نفقة رقيقه، يريد وكسوته بالمعروف، كما قاله مالك في أواخر سماع أشهب من كتاب الأقضية، ونصه:
مسألة: قال قال رسول الله ﷺ : (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، [ولا يكلف من العمل] (١) ما لا يطيق (٢)). انتهى. قوله في الحديث: للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، هذا الحديث حديث الموطإ، ومعنى بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار على قدر سعة حال السيد وما يشبه حال العبد أيضا، فليس الوغد الأسود الذي هو للخدمة والحرث كالنبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما على سيدهما من الكسوة سواء، ويقضى للعبد على سيده إن قصر عن ما يجب له بالمعروف. قاله الحطاب. وقال: قال الباجي في شرح الموطإ: يلزم الرجل أن لا يجيع رقيقه عن شبعهم الوسط أو يبيعهم. انتهى. وقال ابن رشد إثر كلامه في بيان معنى المعروف: قوله في الحديث: للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، في هذا دليل ظاهر على أنه لا يلزم الرجل أن يساوي بين نفسه وعبده في المطعم والملبس على ما ذهب إليه بعض أهل العلم، لقول النبي صلى الله عليه وسم: (أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون (٣)). وقد روي عن أبي اليسر الأنصاري وأبي ذر من أصحاب رسول الله ﷺ أنهما كانا يفعلان ذلك. وهو محمول منهما على الرغبة في فعل الخير لا على أن ذلك واجب عليهما؛ إذ لم يقل ﷺ أطعموهم مثل في تأكلون واكسوهم مثل ما تلبسون، فإذا أطعمه وكساه بالمعروف من بعض في يأكل من الخبز والإدام ويلبس من الصوف والقطن والكتان، فقد شاركه في مطعمه وملبسه، وامتثل بذلك قول النبي ﷺ ، وإن تفضل عليه في ذلك فلم يكن ملبسه مثل ملبسه ومطعمه مثل مطعمه سواء، فعلى هذا تحمل الآثار ولا يكون بينها تعارض، وقد سئل مالك في سماع أشهب من كتاب الجامع أيصلح أن يأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه ويلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها؟ قال: إي والله إني لأراه من ذلك في سعة. فقيل له: أرأيت ما جاء من حديث أبي
стр. 4980
الدرداء؟ قال: الناس يومئذ ليس لهم ذلك القوت. انتهى. نقله الحطاب. وقال: نفقة العبد المشترك على قدر الأنصباء، والمعتق بعضه كالمشترك، والمعتق إلى أجل كالقن.
ودابته؛ يعني أن الشخص تجب عليه نفقة دابته. قال الشبراخيتي: وتدخل في الدابة الهرة إذا عميت فإنها تجب نفقتها على من هي عنده. قاله حلولو. والظاهر أن المراد بمن هي عنده من انقطعت عنده، ولم تقدر على الانصراف من عنده وأما لو كانت تقدر على الانصراف من عنده فإنه لا يجب عليه نفقتها؛ لأن له أن يطردها. انتهى. وقال عبد الباقي: ويقضى عليه بالإنفاق على دابته لأن تركه منكر، وإزالته واجبة يقضى بها، خلافا لقول ابن رشد: يؤمر من غير قضاء. انتهى. وقال الشبراخيتي عن الأجهوري: وانظر هل تقيد نفقة المالك على الرقيق والحيوان ونفقة الوالدين على الولد وعكسه بأن لا يكون أحدهما مشرفا كما في نفقة الزوجين أم لا؟ فإني لم أر في ذلك نصا. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر من عباراتهم أنه لا يقيد بذلك. والله سبحانه أعلم. وقال ابن رشد: ويقضى لعبد على سيده إن قصر عما يجب له بالمعروف في مطعمه وملبسه، بخلاف ما يملكه من البهائم، فإنه يؤمر بتقوى الله في ترك ذلك عنها، ولا يقضى عليه بعلفها، وقد روي عن أبي يوسف أنه يقضى على الرجل بعلف دابته كما يقضى عليه بنفقة عبده، لما جاء (أن رسول الله ﷺ دخل حائط رجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ رق له وذرفت عيناه فمسح سروه وذفراه رسول الله ﷺ حتى سكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال هو لي يا رسول الله، فقال له: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه (١)). والفرق بين العبد والدابة أن العبد مكلف تجب عليه الحقوق من الجنايات وغيرها، فكما يقضى عليه يقضى له، والدابة غير مكلفة لا يجب عليها حق ولا يلزمها جناية، فكما لا يقضى عليها لا يقضى لها. انتهى كلام ابن رشد. ونقله ابن عرفة. وقال عقبه: قلت: تعذر شكوى الدابة يوجب أحروية القضاء لها. وذكر أبو عمر في العبد ما تقدم، وقال: ويجبر الرجل على أن يعلف دابته أو يرعاها إن كان في رعيها ما يكفيها، أو يبيعها، أو يذبح ما يجوز ذبحه، ولا يترك يعذبها بالجوع. قلت: ولازم هذا القضاء عليه لأنه منكر وتغيير المنكر واجب القضاء به، وهذا أصوب من قول ابن
стр. 4981
رشد. وقوله: مسح سروه أي ظهره، الجوهري: سراة كل شيء ظهره ووسطه والجمع سروات، والذفرى بالذال المعجمة، الجوهري: هو موضع خلف أذن البعير أول ما يعرق منه. انتهى كلام ابن عرفة بلفظه. والله أعلم. نقله الحطاب.
إن لم يكن مرعى؛ يعني أن الشخص محل وجوب نفقة دابته عليه إنما هو حيث لم يكن مرعى يكفيها، بأن لم يكن مرعى أصلا، أو كان ولا يكفيها، ووجب عليه جميع ما يكفي في الأول، وإتمام الكفاية في الثاني، فإن كان مرعى وجب عليه رعيها بنفسه أو بأجرة. وإلا؛ أي وإن لم ينفق الإنسان على رقيقه أو دابته بأن امتنع أو عجز عن الإنفاق عليه. بيع الملوك آدميا أو غيره إن وجد من يشتريه وكان مما يصح بيعه، فإن لم يوجد من يشتريه أو كان مما لا يصح بيعه أخرج عن ملكه بهبة أو غيرها، كذكاة ما يؤكل، ومما لا يباع كلب الصيد، وأما أم الولد فقيل: تزوج، وقيل: تعتق. واختير، وقيل: تسعى في معاشها. وقوله: وإلا، عبارة الشبراخيتي: بأن امتنع من الإنفاق أو عجز عنه بيع عليه ما يباع، ثم قال: واحترزنا بقولنا: ما يباع، عن أم الولد والمدبر والمعتق لأجل، أما أم الولد فتقدم أن الصواب أنه ينجز عتقها كما اختاره يحيى بن عمر، وأما المدبر والمعتق لأجل فيقال لهما: اخدما بما ينفق عليكما إن كان لهما خدمة وإلا عتقا.
تتمة: سكت المص عن حكم القيام بشجره، وقد ذكره الشيخ يوسف بن عمر فقال: من كان له شجر وضيعه وترك القيام بحقه فإنه يؤمر بالقيام به، فإن لم يفعل أثم ولم يسمع أنه يؤمر ببيعه حيث فرط في القيام به، زاد الجزولي: ويقال له: ادفعه لمن يخدمه مساقاة ولو بجميع ثمره. قال الحطاب: وإنما وجب القيام به أو دفعه مساقاة لما في ترك ذلك من إضاعة المال لا لحفظ حياتها، إذ حياة الجماد لا يجب حفظها. انتهى كلام الشبراخيتي وقال عبد الباقي: وسكت المص عن القيام بالشجر، وهو واجب أي سقيه أو دفعه لمن يخدمه مساقاة حتى بجميع ثمرته، لما في ترك سقيه من إضاعة المال المنهي عنه انتهى. وقال الحطاب: قال الشيخ يوسف بن عمر: ومن كانت له شجر فضيعها وترك القيام بحقها فإنه يؤمر بالقيام بها، فإن لم يفعل فإنه مأثوم ولم نسمع أنه يؤمر ببيع ذلك. انتهى. وقاله الجزولي. وزاد: ويقال له: ادفعها لمن يخدمها مساقاة بجميع الثمرة. انتهى. والله أعلم.
стр. 4982
كتكليفه من العمل ما لا يطيق، الضمير في تكليفه للمملوك آدميا أو غيره. قاله الحطاب؛ يعني أن الإنسان إذا كلف مملوكه آدميا أو غيره من العمل ما لا يطيقه إلا بمشقة خارجة عن المعتاد زيادة على المرتين فإنه يباع عليه، وأما المرة والمرتان فلا يباع عليه بذلك، ومحل البيع ما لم يرفع الضرر وإلا فلا يجبر على البيع، وقبل التكرر ينهى.
وعلم مما قررت أن قوله: لا يطيق، ليس المراد به ما لا يطيقه أصلا؛ لأن ذلك لا يمكن أن يكلف به؛ قال الحطاب عند قوله: ما لا يطيق: يريد ما لا يطيقه إلا بمشقة خارجة عن المعتاد، لا ما لا يطيقه أصلا، ولذلك قال مالك: لا يكلف العبد الصغير الذي لا صنعة له الخراج؛ لأنه لا يجد ما يخدم، فيؤدي إلى أن يسرق، وكذلك الأمة لأنه يؤدي إلى أن تسعى بفرجها، وروي هذا عن عثمان؛ وسئل مالك هل للسيد أن يقيم عبده للطحن بالليل؟ فقال: إذا كان يخدم بالنهار فلا ينبغي لسيده أن يقيمه بالليل ليطحن إلا الشيء الخفيف: وإن كان لا يخدم بالنهار [يجوز (١)] ذلك. انتهى. ونقله ابن عرفة وقال: ولا يخدم بالليل إلا ما خف من الأعمال، وفي كتاب الإجارة من المدونة: ومن واجر أجيرا للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة الليل والنهار، كمناولته إياه ثوبه أو الماء في ليله، وليس فيما يمنعه النوم إلا في أمر يعرض المرة بعد المرة فيستعمله فيه بعض ليلة، كما لا ينبغي لأرباب العبيد إجهادهم، فمن عمل منهم في نهاره ما يجهده فلا يستطحن في ليله إلا أن يخف عمل نهاره فليستطحنه في ليله إن شاء من غير إفداح، ويكره ما أجهد منه انتهى.
تنبيه: قال في الجواهر: لا يتعين ما يضرب على العبد من خراج، بل عليه بذل المجهود. انتهى. وفي التوضيح: إذا تبين ضرره بعبده في تجويعه وتكليفه من العمل ما لا يطيق وتكرر ذلك منه، بيعَ. انتهى. وتقدم حكم ما إذا أعسر السيد بنفقة أم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل، أو غاب وتركهم، وأما إن أضر بهم، فقال في النوادر: وقال: يعني أشهب في مدبر أضر به سيده ويؤذيه قال: يخرج من يده ويؤاجر عليه، قال أصبغ: ولا يباع لأن المدبر لا يباع عليه على حال في الحياة، ولا تنقض الضرورة التدبير لأنه عتق. قال ابن رشد: هذا بيِّنٌ على ما قاله، قياسا على مدبر النصراني يسلم أنه يؤاجر ولا يباع عليه، كما يباع عليه عبده إذا أسلم وبالله التوفيق.
стр. 4983
انتهى. والظاهر أن المعتق إلى أجل مثله. وانظر أم الولد هل تؤاجر أو تعتق؟ والله أعلم. وأما الدواب فقال الشيخ يوسف بن عمر عند قول الرسالة: ويترفق بالملوك: والرفق بسائر الحيوان أيضا مطلوب، فلا يجوز أن يحمل على دابته ما لا تطيق، ولا يعري ظهرها، فإن لم يقم بحق الحيوان فإنه يقال له: إن لم تقم بحقها [وإلا تباع عليه (١)] انتهى. ونحوه قول الجواهر المتقدم: ولا يترك وتعذيبها بالجوع وغيره.
تنبيه: قال الجزولي في شرح قول الرسالة: ويكره الوسم في الوجه، ويجوز أن يحمل على البغال والحمير، ويجوز ركوبها، قال ابن العربي: ولا خلاف في البقر أنه لا يجوز أن يحمل عليها، وإنما اختلف في ركوبها هل يجوز أو لا؟ قولان. الشيخ: وإنما كره ابن العربي الحمل عليها لا روي أن بعض الناس حمل على بقرة، فقالت له: ألهذا خلقت؟ انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقال الشبراخيتي: كتكليفه أي الملوك آدميا أو غيره من العمل في لا يطيق؛ أي ما لا يطيقه إلا بمشقة فادحة خارجة عن المعتاد، ومثله تجويعه، لكن لا بد من تكرر ذلك فيهما، وأما المرة والمرتان فلا يباع لذلك، ويجوز أن يحمل على البغال والحمير، ويجوز ركوبها. ابن العربي: ولا خلاف في البقر أنه لا يجوز أن يحمل عليها، وإنما اختلف في ركوبها هل يجوز أم لا؟ قولان. الشيخ وإنما كره ابن العربي الحمل عليها لما روي أن بعض الناس حمل على بقرة، فقالت له: ألهذا خلقت؟ انتهى. وفي الحديث: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق (٢)). ابن رشد: معنى بالمعروف أي من غير إسراف ولا إقتار، بقدر سعة السيد وحال العبد، ليس الوغد الأسود الذي للخدمة والحرث كالنبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما، وفيه دليل ظاهر على عدم مساواة العبد لسيده، وفعل أبي اليسر الأنصاري وأبي ذر ذلك محمول على الرغبة في الخير، لا أنه واجب عليهما، وللسيد أن يخص نفسه بطعام أجود من طعام عبيدة وظاهر كلام المص أنه يقضى على المالك إن قصر عما يجب عليه بالمعروف في الآدمي والدابة، وهو قول أبي عمر في العبد، وقال في الدابة: يجبر على علفها أو رعيها إن كان في رعيهاها يكفيها، أو يبيعها أو يذبح في يجوز ذبحه، ولا يترك يعذبها بالجوع، فقد جاء: (أنه صلى الله عليه
стр. 4984
وسلم دخل حائط أنصاري فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ رق له وذرفت عيناه، فمسح رسول الله ﷺ سروه وذفراه حتى سكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله. فقال ﷺ : أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه (١)). وسرو كل شيء ظهره ووسطه، والذفرى من البعير خلف أذنه أول ما يعرق منه. انتهى كلام الشبراخيتي.
ويجوز من لبنها ما لا يضر بنتاجها؛ يعني أن المالك له أن يأخذ من لبن بهيمته ما لا يضر بنتاجها، وكذا يجوز له من لبن أمته ما لا يضر بولدها. قال الشبراخيتي: ويجوز لمالك الدواب الأخذ من لبنها ما لا يضر بنتاجها، لا ما يضر به لأنه من ترك الإنفاق عليه الواجب، وكذا الأمة يجوز من لبنها ما لا يضر بولدها، بل هي أولى من البهيمة بذلك. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقال الخرشي: فإن كان يضر به تحقيقا أو شكا فإنه لا يجوز له الأخذ منه. انتهى. وقال الأمير: وله لبن لا يضر بالولد. انتهى. وقال الشارح: أي ويجوز لمالك الدواب أن يأخذ من لبنها ما لا يضر بولدها. وقال ابن شأس. فإن أضر ذلك بولدها فلا يأخذ منه شيئا. انتهى.
وبالقرابة على الموسر لنفقة الوالدين، قوله: وبالقرابة، قال الشبراخيتي: معطوف على رقيقه، لأنه في معنى إنما تجب النفقة بالرق، فهو من باب العطف على المعنى الذي عقد له في المغني ترجمة تخصه، كذا في الحاشية. انتهى؛ يعني أن الولد تجب عليه نفقة أبيه ونفقة أمه بشرط أن يكون الولد موسرا، وسواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، مسلما أو كافرا، صحيحا أو مريضا، وهو على الصغير من باب خطاب الوضع، وعلى الكافر لخطابه بفروع الشريعة، وينفق الولد على والديه بما فضل عن زوجاته ولو أربعا إذا كان ذكرا، لا عن نفقة خادمه ودابته، وينبغي إلا أن يحتاج لهما، ولا يلزم بتكسب لينفق عليهما، ويشترط في وجوب النفقة على الوالدين أن يكونا حرين ولو كافرين، أو أحدهما والولد مسلم، وكذا لو كان الجميع كفارا اتفق دينهم أو اختلف، والظاهر أن هذا من باب التظالم، فيجب الحكم بينهم فيه حيث رفع الوالدان ولو أبى الولد، فإن لم يرفعا لم يجبر ولو اتفق دينهم. قاله عبد الباقي: وقوله وبالقرابة على الموسر نفقة الوالدين؛ أي تلزم الولد ولو كان أنثى وامتنع زوجها من إنفاقها على
стр. 4985
أبويها أو أحدهما، كما في الحطاب. وقال الخرشي: وسواء كان الأبوان صحيحين أو زَمِنَيْن، مسلمين أو كافرين أو مختلفين، انتهى. وقال الحطاب: وبالقرابة على الموسر نفقة الوالدين، يريد سواء كانا مسلمين أو كافرين، كان هو مسلما أو كافرا، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، كانت البنت متزوجة أم لا، رضي الزوج أو أبى؛ ثم قال: وهذا هو المشهور، وروى ابن غانم عن مالك أنه لا نفقة للأبوين الكافرين. نقله في التوضيح. وقال ابن عرفة: وتجب نفقة الوالد لفقره، على ولده ليسره، والكفر والصحة والصغر وزوج البنت وزوج الأم الفقير لغو. ابن حارث: روى ابن غانم: لا نفقة للأبوين الكافرين. المتيطي: بالأول العمل وهو قول مالك المشهور. انتهى.
تنبيهان: الأول: فإن كان للوالد مال فوهبه أو تصدق به، ثم طلب الابنَ بالنفقة، فللولد أن يرد فعله وكذا لو تصدق به على أحد ولديه، لكان للولد الآخر أن يرد فعله قاله اللخمي. ونقله في التوضيح. قاله الحطاب. وهذا لفظه. الثاني: قال ابن عرفة: وفي نوازل ابن رشد: من استلحقه رجلان وأنفقا عليه حتى كبر ثم افتقرا، لزمه نفقة رجل واحد يقسمانها، وإن افتقر أحدهما لزمه نصف ذلك نقله الحطاب.
المعسرين؛ يعني أنه يشترط في لزوم نفقة الوالدين للولد أن يكونا معسرين، وإن كان لهما خادم ودار لا فضل فيهما كالزكاة، وظاهر المص: ولو كانا قويين على التكسب، وهو للباجي ومن وافقه، فإنه قال: ونفقة الوالدين المعسرين تلزم الولد ولو قويا على العمل، وقال اللخمي: وإن كان للأب صنعة تكفيه وزوجته جبر عليها، وإن كانت بعض نفقته أكملها وقال في الجواهر: ويشترط في المستحق الفقر والعجز عن التكسب. انتهى. وهذا هو المعتمد، كما قاله غير واحد. والحاصل أنه اختلف هل يشترط في وجوب نفقة الوالدين المعسرين عدم قدرتهما على التكسب أم لا؟ وعلى أنه يشترط فاختلف أيضا هل تقيد بما لا يزري أم لا؟ والله سبحانه أعلم.
فرع: من له أب وولد فقيران وقدر على نفقة أحدهما، فقيل: يتحاصان. وقيل: يقدم الأب، كما في التتائي ولكن في الشارح وتبعه جد علي الأجهوري: وقيل يقدم الابن بدل الأب. ونحوه في تكميل التقييد، وتقدم الأم على الأب، والصغير من الولد على الكبير، والأنثى على الذكر عند الضيق، فلو تساوى الولدان صغرا وكبرا وأنوثة تحاصا، كذا ينبغي. قاله عبد الباقي. واعلم أنه لا
стр. 4986
يجب على الولد أن يتكسب بصنعة إن كانت له صنعة أو غيرها لينفق على والديه، وكذا عكسه. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم.
وأثبتا لعدم؛ يعني أن الولد إذا طالبه الأبوان بالنفقة أو أحدهما وادعيا أو أحدهما العدم وادعى الولد اليسر فعليهما أن يثبتا أنهما فقيران، ولا يقضى عليه لهما بالنفقة إلا بعد أن يأتيا بعدلين يشهدان بفقرهما، ولا يثبت عدمهما بعدل وامرأتين أو أحدهما بيمين. لا بيمين. الباء بمعنى مع؛ يعني أنه إذا أقام الأبوان أو أحدهما على العدم عدلين فلا يمين عليهما مع ذلك، بل يقضى لهما بالنفقة من غير حلف، بخلاف الدين الذي ثبت عدمه بعدلين فلا بد من حلفه، كما يأتي في باب الفلس، والفرق عقوق الولد بيمينهما، ولا وجه للتردد في الشاهد واليمين هل يثبت بهما العدم أم لا؟ لأنهم صرحوا في باب الفلس بأن العدم لا يثبت إلا بشاهدين عادلين. وقال الحطاب: لو قال ولا يمين كان أحسن، والأول صواب وتردد ابن رشد في لحوق اليمين. واستظهر الحكم بوجوبها. والله أعلم. انتهى.
وهل الابن إذا طولب بالنفقة؛ يعني أن الولد إذا طالبه الأبوان بالنفقة، وادعى أنه معدم فتسقط عنه نفقة الوالدين، وادعيا أنه موسر فتلزمه فإن الشيوخ اختلفوا هل هو محمول على الملاء؟ أي اليسار، وهو قول ابن العطار وابن أبي زمنين، وعلى هذا القول فعلى الابن إثبات أنه معدم، فلا بد له من أحد أمرين، إما أن ينفق أو يثبت أنه معدم. أو هو محمول على العدم، وعلى هذا القول فعلى الأبوين إثبات أن الولد ملي، فلا يقضى عليه بنفقتهما حتى يثبتا أنه ملي، وهذا القول لابن الفخار. وقوله:
قولان: مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان.
وعلم مما قررت أن مثل الابن البنت. انظر الخرشي وظاهر المص أن القولين جاريان مطلقا تعدد الابن أو انفرد، ادعوا كلهم العسر أو ادعاه بعضهم، وقيده بعض الموثقين بما إذا اتحد الولد أو تعدد وادعوا العسر، فإن تعدد وادعى بعضهم العدم فعلى مدعي العدم إثباته لمطالبة أخيه، فلا ترجع جملتها على الواحد إلا بالحكم بعُدْم الآخر. انتهى. وناقشه ابن عرفة بأن تعليل ابن الفخار قبول قول الابن بأن نفقة الأب إنما هي في فاضل ماله لا في ذمته بخلاف الديون، يقتضي أن لا فرق بين انفراد الولد وتعدده. انتهى. وإذا طولب الأب بنفقة الابن هل يجري القولان أو
стр. 4987
يحمل على الملاء قطعا؟ وهو مقتضى قولهم الناس محمولون على الملاء، والفرق أن الغالب وجوب نفقة الابن على الأب، وعكسه نادر، وقوله: أو العدم، دليله ما في البيان: أن نفقة الوالدين لا تجب إلا بفريضة من سلطان حتى يجدهما يستحقانها ويجد لهما مالا يعديهما فيه.
وخادمهما يعني أن الولد تجب عليه نفقة خادم الأبوين، وظاهره ولو تعدد الخادم وقدرا على خدمة أنفسهما لتأكد حقهما، وظاهره أيضا ولو كان الخادم رقيقا وهو كذلك، كما مر في زكاة الفطر، ولم يعدوا الأبوين موسرين بذلك نظرا لحاجتهما، وهذا بخلاف الولد، فلا يلزم الأب نفقة خادمه ولو احتاج إلى ذلك، وعلى الأب الملي إخدام ولده في الحضانة إن احتاج إلى ذلك، كما في المدونة؛ خلافا لإطلاق بعض القرويين بأنه ليس عليه ذلك في الحضانة وغيرها. قاله عبد الباقي. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن معنى كلامه أنه لا تلزمه نفقة خادم ولده لسقوط نفقة الولد حينئذ، وعلى أن يخدمه في الحضانة إن احتاج لذلك، فإن سقطت حضانته لبلوغ الذكر زمِنا مثلا، فلا إخدام له. وقال الشارح: إن ما ذكره في خادم الأب هو المشهور؛ قال: وقال ابن عبد الحكم: لا يجب عليه أن ينفق على خادم الأب، وأحرى على مذهبه أن لا ينفق على خادم زوجة أبيه. انتهى.
وخادم زوجة الأب؛ يعني أن الولد الموسر يجب عليه نفقة خادم زوجة أبيه المتأهلة للإخدام، وظاهره ولو تعدد الخادم. وإعفافه بزوجة؛ يعني أن الولد يلزمه أن يعف أباه بزوجة واحدة، لا بأمة ولا بأكثر من واحدة، والظاهر أن الأب لا يلزمه قبول الأمة، وإنما أكد بواحدة ليلا يتوهم أن المراد بالزوجة الجنس. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وظاهره يعني المص، ولو زائدة على واحدة حيث توقف إعفافه عليها. كما يشعر به لفظه، كذا يظهر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وانظر لو كان معه واحدة لا تعفه هل يلزم الابن أن يزوجه واحدة تعفه أم لا؟ وظاهر كلام المص الأول. انتهى. وقال الشارح: أي ويجب عليه إعفاف والده بزوجة واحدة، وهو قول أشهب، واختاره ابن الهندي؛ قيل: وهو المشهور: ولهذا اقتصر عليه هنا، وإلا فالذي ذهب إليه مالك والغيرة وابن القاسم وابن عبد الحكم أنه ليس عليه ذلك. ابن رشد: ولو تحققنا حاجة الأب إلى النكاح لانْبَغَى أن لا يختلف في وجوبه على الابن، والاختلاف إنما هو عائد على تصديق الأب فيما يدعيه من الحاجة إلى النكاح. انتهى. وقال الحطاب هنا.
стр. 4988
فرع: وسمع ابن القاسم الولد لا يجبر على إحجاج أبيه، ابن رشد هذا على أن الحج على التراخي، وعلى الفوريلزم ذلك، كما يجبر على شراء الماء لغسله ووضوئه. انتهى. وقوله: وإعفافه أي الأب، وأما الولد فقال اللخمي: وقول مالك إنه ليس على الأب أن ينفق على زوجة ولده، والقياس أن ذلك عليه قياسا على زوجة الأب أن على الابن أن ينفق عليها، ولأن الابن أحوج إلى الزوجة منه. انتهى. ونقله ابن عرفة عنه. وقال بعده: قلت: يرد بأن نفقة الابن تسقط ببلوغه، وأن فرض كونه بلغ زمِنا فالزمانة مظنة عدم الحاجة للزوجة. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.
ولا تتعدد إن كانت إحداهما أمه؛ يعني أن الولد لا تتعدد عليه نفقة زوجتي الأب إن كانت إحداهما أم الولد المحكوم عليه بالنفقة، بل ينفق على أمه فقط للقرابة ولزوجيتها للأب، وأولى في عدم التعدد إن كانتا أجنبيتين، والقول للأب فيمن دعا للإنفاق عليها من أجنبيتين، ولو كانت التي دعا إليها نفقتها أكثر حيث كانت من مناكحه، ثم إن كانت إحداهما أمه تعين إنفاقه عليها ولو غنية لزوجيتها لأبيه. على ظاهرها؛ يعني أن عدم التعدد هو ظاهر المدونة، وقوله: ولا تتعدد إن كانت إحداهما أمه، قال الخرشي: هذا إذا كانت الأم تعف الأب، وإلا تعددت النفقة على الابن أمه بالقرابة والأخرى بالزوجية. انتهى. وقال الشارح: فلو كانت إحداهما أمه وهي فقيرة، فاختلف في ذلك هل تلزمه نفقتهما معا؟ أو إنما يلزمه نفقة أمه فقط؛ ابن يونس: وهو أشبه بظاهر الكتاب؛ إذ ليس عليه أن ينفق إلا على امرأة واحدة، وإليه أشار بقوله: على ظاهرها، وقال اللخمي: ينفق على أمه فقط، إلا أن تكون قد أسنت والأخرى شابة، وفي الأب بقية، فعليه أن ينفق عليهما جميعا، وعن ابن نافع: يجب عليه أن ينفق على أربع زوجات لأبيه. انتهى.
لا زوج أمه؛ يعني أن الولد لا تلزمه نفقة زوج أمه. وفي المواق عن الكافي: تلزم الأبناء نفقة أمهم ونفقة زوجها إن كان عديما لا يقدر على الإنفاق، وهذا إن كان عدمه قد لحقه بعد الدخول. انتهى. قال بناني: قال المواق: ونقله ابن عرفة ولم يعترضه ولم يزل الشيوخ يعترضونه. وفي المدونة لا ينفق على زوج أمه. انتهى. قلت: لما نقل أبو الحسن كلام الكافي قال عقبه ما نصه: وليس ببين؛ لأنه إنما أنفق على زوجة أبيه لأنه ودى شيئا لزمه، وهنا لا يلزم الأم الإنفاق على
стр. 4989
زوجها. انتهى. وهو بين واضح. انتهى كلام بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح: لا زوج أمه، وقيل: إن تزوجته الأم فقيرا لم تجب، وإن تزوجته موسرا ثم أعسر وجبت. انتهى.
ولا جد؛ يعني أن الجد لا تجب نفقته على ولد ولده كان الجد من قبل الأم أو من قبل الأب، وكذا لا تجب على ولد الولد نفقة الجدة مطلقا. قاله الشبراخيتي. وقوله: ولا جد، قال الشارح: ولم أر لأصحابنا في ذلك خلافا. انتهى. وولد ابن؛ يعني أن الجد لا تجب عليه نفقة ولد ولده، قال الشارح: ولم أر لأصحابنا في ذلك خلافا. انتهى.
ولا يسقطها تزوجها بفقير؛ يعني أن الأم لا تسقط عن ولدها نفقتها بسبب تزوجها من فقير. واعلم أن الأم تعود نفقتها على الابن إن تزوجت لغني (١) ثم افتقر، وكذا من التزم نفقة امرأة لا يسقطها تزوجها من فقير، وأما إن تزوجها غني فتسقط نفقتها عن اللتزم، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، ومثل الأم في ذلك البنت يتزوجها فقير، فإن قدر الزوج على بعض النفقة ثم الابن أو الأب باقيها، ولو كان الابن ينفق على زوجة أبيه وعلى أمه التي ليست في عصمة أبيه لفقرها، ثم إن الأب تزوج الأم فالظاهر سقوط نفقة زوجة الأب غير الأم، كما يفيده قوله: ولا تتعدد إن كانت إحداهما أمه انظر شرح عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا يسقطها؛ أي لا يسقط نفقة الأم وكذا البنت عن الولد والوالد تزوجها بفقير، ولا من كان غنيا ثم افتقر، بل تستمر على ولدها، وإن قدر الزوج على بعضها ثم الولد أو الأب باقيها، ولو كان الزوج غنيا وقال: لا أنفق عليها وإلا فارقتها، فقال الباجي: ينفق الولد وخالفه اللخمي إلا أن تكون أسنت والزوج على غير ذلك. انتهى.
ووزعت على الأولاد؛ يعني أن نفقة الأبوين توزع على الأولاد؛ أي تفرق عليهم إذا كانوا موسرين اتفق يسارهم أو اختلف قاله عبد الباقي. وعبارة الشبراخيتي: ووزعت نفقة الأبوين أو أحدهما على الأولاد عند تعددهم اتفاقا. انتهى. وهل على الرءوس؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في كيفية هذا التوزيع، فمنهم من قال: هو على الرءوس أي العدد من غير نظر لذكورة وأنوثة ويسار وضده، وهذا القول نقله اللخمي عن ابن الماجشون، وعليه فالذكر والأنثى فيه سواء، وكذا من هو أكثر يسارا يستوي مع من هو دونه في اليسار. أو الإرث؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن تفريق
стр. 4990
نفقة الأبوين على الأولاد يكون على حسب الإرث، وهذا القول لابن حبيب ومطرف، وعليه فيُضَعَّفُ للذكر على الأنثى إن كانوا كلهم صغارا في مدة صغرهم، وإن كانوا كبارا أو صاروا كبارا فإنها تكون على الرءوس كالقول الأول، هكذا يقيد هذا القول، قال الشبراخيتي عند قوله: أو الإرث، وهذا مقيد بما إذا كانوا صغارا، وأما إن كانوا كبارا فإنها تكون على الرءوس، كما في الجواهر عند هذا القائل، ونحوه لعبد الباقي، إلا أنه لم يعز للجواهر فإن كان بعضهم صغارا وبعضهم كبارا، فما ناب الصغار على الإرث وما ناب الكبار على الرءوس. كذا ينبغي قاله عبد الباقي وغيره.
أو اليسار؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى غير ما ذكر بل ذهب إلى أن التوزيع يكون على قدر يسار الولد حيث اختلفوا في اليسار وهذا القول لمحمد وأصبغ وهو المذهب، وعليه فتكون النفقة موزعة عليهم على قدر أحوالهم؛ أي اختلافهم في الغني، فيجعل على الموسع أكثر من غيره، وعلى من هو دونه في الحال أقل مما على الموسع.
وعلم مما قررت أن القولين الأولين يشترطان اليسار من غير نظر إلى اختلاف حال الأولاد فيه، والقول الثالث يشترطه أيضا مع النظر لاختلاف الأولاد فيه، فيكثر ما على المتسع عمن هو دونه في اليسار والله سبحانه أعلم. وقوله: أقوال. مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك أقوال. وقد تقدم عزو كل قول منها إلى قائله. قال بناني: وفي الحطاب عن البرزلي أن المشهور هو الثالث. انتهى وقال الأمير: والراجح توزيعها على يسار الأولاد وإن أخره الأصل. انتهى.
مسألة: قال ابن عرفة: في نوازل ابن رشد: من أنفق على أبيه العدم فلا رجوع له على إخوته الأملياء بشيء لأن نفقته لم تكن واجبة عليهم حتى يطلبوا بها بخلاف نفقة الزوجة، قلت: ويؤيده ما في سماع أصبغ من كتاب العدة، من يغيب ويحتاج أبواه وامرأته ولا مال له حاضر أيؤمر أن يتداينوا (١) عليه ويقضى لهم بذلك؟ قال: أما الزوجة فنعم، وأما الأبوان فلا؛ لأنهم لو لم يرفعوا حتى يقدم فأقر لهم غرم للمرأة لا للأبوين. انتهى. وقال أبو الحسن الصغير في أوائل كتاب الزكاة الأول في شرح قول المدونة في الأبوين والولد إذا أنفقوا ثم طلبوه لم يلزمه ما أنفقوا وإن كان موسرا: يقوم من هنا مثل ما ذكر ابن رشد في الأجوبة فيمن أنفق على أبيه وله إخوة فأراد
стр. 4991
الرجوع على إخوته بما ينوبهم فليس ذلك له وإن أشهد؛ إذ لا يجب للأب النفقة حتى يبتغيها. انتهى. وقال ابن رشد: إنها ساقطة عنهم حتى يطلبوا بها. انظر لو طلبوا بها وفرضها الحاكم والظاهر أنه إن أشهد أنه يرجع فله الرجوع، وإن لم يشهد فيحلف ويرجع. والله أعلم. نقله الحطاب.
تنبيهات الأول: اعلم أن عقوق الوالدين حرام، وهو من أكبر الكبائر، ففي الحديث عنه ﷺ (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟ قلنا: بلى قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت (١)). رواه في التيسير عن الشيخين والترمذي عن أبي بكرة ﵁. وفي التيسير أيضا: أنه سأله ﷺ رجل عن الكبائر فقال (هن تسع: الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام، قبلتكم أحياء وأمواتا (٢))، التولي يوم الزحف: الفرار من مصاف الجهاد ومقاتلة الكفار، والمحصنات جمع محصنة وهي العفائف ذوات الأزواج، وقذفهن رميهن بالزنى، وفيه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الكبائر أن يشتم الرجل أباه، قالوا: وهل يشتم الرجل والده، قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (٣)).
الثاني: برور الوالدين واجب مرغب فيه، ففي الصحيحين: (أنه جاء رجل فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك (٤)). وفي أخرى قال: (أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك (٥)). رواه في التيسير، وفيه أيضا عن أبي داوود نحوه، وفيه أيضا عنه وعن الترمذي نحوه، وفيه أيضا عن أبي داوود: (أنت ومالك لأبيك إن أولادكم من طيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم (٦)). وفيه أيضا عن الترمذي ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: (رغم أنفه
стр. 4992
رغم أنفه، رغم أنفه قيل من هو يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عنده الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة (١)). وفيه أيضا أنه ﷺ قال: (لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه) وفيه أيضا عنه ﷺ : (رضي الرب من رضي الوالد وسخط الرب من سخط الوالد (٢)). وفيه أنه ﷺ (استأذنه رجل في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم: قال: ففيهما فجاهد (٣)). رواه الخمسة، وفيه أيضا أنه قال لرجل أراد الغزو: (هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها (٤)). وفيه أيضا أنه ﷺ قال: (الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه (٥)). أخرجه الترمذي وصححه، وفيه أيضا: (عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال له: طلقها، يعني امرأة تزوجها كان عمر ﵁ يكرهها وأمره بطلاقها، فأبى فأتى عمر النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال له: طلقها (٦)). وفيه أيضا عنه ﷺ : (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي (٧)). رواه مسلم وأبو داوود والترمذي عن ابن عمر ﵄. وفيه أيضا: (أن رجلا قال: يا رسول الله هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٨)). أخرجه أبو داوود. وفيه أيضا: (أن رجلا أتاه ﷺ ، فقال: إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة، قال: نعم، قال فبرها). أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عمر ﵄، وزاد في أخرى عن البراء بن عازب: (الخالة بمنزلة الأم).
الثالث: العقوق معناه صدور ما يؤذي الوالد في غير معصية.
стр. 4993
ونفقة الولد؛ يعني أن الأب تجب عليه نفقة ولده دِنْيةً بشرط أن يكون الولد حرا لا رقيقا، ولو ذا شائبة، ولابد أن يكون الولد فقيرا عاجزا عن التكسب، فإن كان غنيا لم تجب نفقته على ابنه، وإن لم يكن عاجزا عن التكسب لم تلزم نفقته أباه، إلا أن تكون قدرته عليه بعمل يزري به فلا تسقط بذلك نفقته عن الأب، بخلاف الأبوين على خلاف، ولا بد أيضا من كون الأب حرا، فالعبد لا تلزمه نفقة أولاده، ولابد أيضا من كون الأب موسرا بما فضل عن قوته وقوت زوجاته، فإن كان معسرا بالكلية لم يلزمه شيء، وإلا فعليه بقدر ما أيسر، ومن عجز كان على المسلمين من باب المواساة، وقوله: ونفقة الولد هو عام في الذكر والأنثى، وتفصيل منتهى النفقة أشار له بقوله: الذكر حتى يبلغ لخ، والأنثى حتى يدخل بها لخ، فيقف القارئ على الولد ويبتدئ بقوله:
الذكر حتى يبلغ عاقلا قادرا على الكسب، انظر الشبراخيتي؛ يعني أن الأب المذكور تستمر عليه نفقة ولده الذكر الحر الفقير العاجز عن التكسب بما لا يزري بالولد إلى أن يبلغ الولد عاقلا قادرا على التكسب؛ أي بما لا يزري به، فمعنى الكسب هنا عمل يقوم بنفقته، والحاصل أنه يشترط في لزوم النفقة للوالد في صغر الولد، أن يكون الولد حرا فقيرا عاجزا عن التكسب بما لا يزري به، وهذا عام في الذكر والأنثى، وتستمر نفقة الذكر إلى بلوغه، فإذا بلغ عاقلا قادرا على التكسب بما لا يزري به سقطت عن الأب نفقته، فنفقة الولد الرقيق على سيده، والقادر على الكسب أو ذو المال ساقطة عن أبيه، كان في هذه الأحوال الثلاثة صغيرا أو كبيرا، وتكون في مال ذي المال إلا أن ينفد ماله قبل بلوغه فعلى الأب النفقة، وإلا أن يدفعه قراضا ويسافر به العامل ولا يوجد مسلف فتعود على الأب، ونفقة القادر على الكسب عليه إلا لمعرة عليه أو على أبيه أو عليهما به، أو تكسد صنعة فعلى الأب، وخرج بقيد العقل من بلغ مجنونا فإنها تستمر على الأب. قال عبد الباقي: وظاهره ولو جن حين بلوغه، ونقل عن البساطي أنه قال: ولا تسقط النفقة إذا كان يأتيه الجنون قبل البلوغ حينا بعد حين؛ أي لأنه صدق عليه أنه بلغ مجنونا، ويحتاج لنقل في لزومها في حين العقل، وخرج بالقادر العاجز عن الكسب جملة بزمانة أو غيرها، وأما لو اكتسب بعض كفايته لوجب عليه التتميم. انتهى. ولا تجب نفقة ولد فقير على أم غير رضاع على المعروف كما قاله ابن عرفة. وغير مكاتبة كما ذكره بقوله الآتي: وعلى المكاتبة لخ، قاله عبد
стр. 4994
الباقي. وقال الحطاب: يعني أنه يجب بالقرابة أيضا على الأب الحر إذا كان له فضل عن قوته وقوت زوجته إن كانت له زوجة، نفقة الولد الذكر إذا لم يكن له مال ولا كسب بصنعة لا تلحقه فيها معرة، فإن كان له مال أو صنعة لم تجب على الأب إلا أن يمرض الولد أو تكسد صنعته، فتعود النفقة على الأب، وإن لم يكن فيها كفاية وجب على الأب التكميل، وتستمر نفقة الولد الذكر حتى يبلغ عاقلا قادرا على الكسب، أو يحدث له مال أو صنعة، وحكم الأنثى كذلك في جميع ما تقدم، إلا أنها تستمر نفقتها حتى يدخل بها زوجها لخ، وقال الشبراخيتي: أما الولد الرقيق فعلى سيده، وانظر المبعض ما حكم جزئه الحر إذا عجز عن الكسب، ونحوه لعبد الباقي؛ وقال الشبراخيتي أيضا: ونفقة الولد القادر على الكسب في كسبه إلا أن يكون في كسبه معرة، وهذا القيد معتبر في الوالدين أيضا، والعبرة في كل قوم بحسب عرفهم. انتهى. وقال الخرشي: وأما الولد الرقيق فعلى سيده، ومن بلغ مجنونا أو زمنا أو أعمى فتستمر نفقته على الأب، ولو كان يفيق حينا بعد حين؛ لأنه صدق عليه أنه بلغ مجنونا؛ قال بعض: وتستمر نفقة العاجز عن الكسب جملة بزمانة أو غيرها، والقادر على البعض على الأب التتميم، ولو طرأ عجزه أو جنونه أو زمانته بعد البلوغ لم تعد. خلافا لعبد الملك. انتهى. وقال الأمير: ولا نفقة لولد ولد ورقيق وجد وزوج أم. انتهى.
والأنثى حتى يدخل بها زوجها؛ يعني أن الأنثى كالذكر في جميع ما مر من غير فرق يا فتى، إلا أنها تستمر نفقتها حتى يدخل بها زوجها، يريد أو يدعى إلى الدخول وهي ممن يوطأ مثلها وهو بالغ، ولو قال: حتى تجب النفقة على الزوج كما قال في الجواهر لكان أحسن قاله الحطاب ويأتي كلام الجواهر قريبا، إن شاء الله تعالى. والحاصل أن نفقة الأنثى تجب على أبيها بالشروط المتقدمة في الذكر من غير فرق بينهما، إلا أن النفقة لها تستمر على الأب إلى أن يدخل بها الزوج مطيقة أم لا، صغيرين أو كبيرين أو مختلفين، أو يدعى إلى الدخول وهي مطيقة والزوج بالغ. ومقتضى كلام المص أن النفقة لا تسقط عن الأب إلا بالدخول، وليس كذلك بل تسقط عنه بذلك وبالدعاء إلى الدخول بشرط إطاقتها وبلوغ الزوج والله سبحانه أعلم.
وفي الجواهر: السبب الثاني: القرابة والمستحق بها أولاد الصلب والأبوان، ولا يتعدى الاستحقاق لولد الولد ولا للجد والجدة، ويشترط في المستحق عليه يسره بما يزيد على حاجته، ولا يباع عليه
стр. 4995
عبده وعقاره إذا لم يفضلا عن حاجته، ولا يلزمه الكسب لأجل نفقة القريب، ولا يشترط المساواة في الدين، بل ينفق المسلم على الكافر، والكافر على المسلم، وتستمر النفقة في حق الأبوين للموت، أو لحدوث مال، وفي الولد الذكر لبلوغه صحيحا، والأنثى حتى تتزوج وتجب النفقة على زوجها، فمن بلغ وبه زمانة تمنعه السعي لم تسقط على المشهور، وقيل: تسقط. انتهى. نقله الحطاب. وقال: قوله: يشترط في المستحق عجزه عن التكسب، هو أحد القولين اللذين ذكرهما ابن عرفة، وتقدما، وقال المص في التوضيح وإنما تجب نفقة الولد على من قدر عليها، وإن لم يقدر عليها وقدر على حق الزوجة فلا درك عليه في ذلك؛ ونقله ابن عرفة وغيرهما، ونقله البرزلي وزاد: والولد من فقراء المسلمين إلا الذي يرضع فعلى أمه رضاعه في عسر أبيه مع قيامه لها بنفقتها، ونحوه في كتاب النفقات لابن رشيق، وفيه: أنهن لو كن أربع زوجات كن أحق من والديه وولده. انتهى.
فرع: قال ابن عرفة: اللخمي: ونفقة الأب فيما فضل للولد عن نفقته ونفقة زوجته، واختلف إن كان للولد ولد، فقيل: يتحاص الجد وولد الولد، وقال ابن خويز منداد: يبدأ الابن، وأرى أن يبدأ الابن إذا كان صغيرا لا يهتدي لنفقته، وسواء كان الأب صحيحا أو زمنا، وإن كان الولد كبيرا ترجح القولان، وكذا الولدان يبدأ الصغير على الكبير، والأنثى على الذكر، وكذا الأبوان تبدأ الأم على الأب. انتهى. نقله الحطاب.
تنبيه: لو رَشَّد الأب ابنته لم تسقط نفقتها بترشيدها وتلزمه نفقتها حتى يدخل بها زوجها.
قاله المتيطي. ونقله في المسائل الملقوطة. وقوله حتى يدخل بها زوجها، قال الشبراخيتي: والمراد بالدخول الخلوة وإن لم يحصل فيها وطء، ومن فسرها بالوطء لم يصب؛ لأن الدعوى للدخول بشرطها توجب النفقة على الزوج، وكذا الدخول فيمن لم تطق الوطء. انتهى. وعبارة الأمير: والأنثى ولو كافرة حتى تجب على الزوج بدخول أو دعاء له. انتهى.
وتسقط عن الموسر بمضي الزمن؛ يعني أن نفقة القرابة تسقط عن القريب الموسر بها من ولد أو والد بسبب مضي الزمن، فليست كنفقة الزوجة، فإذا تحيل المعسر من ولد أو والد وأخذ النفقة من غير من وجبت عليه فلا يرجع بها لأنها لسد الخلة وقد انسدت. إلا لقضية؛ يعني أن نفقة القرابة إذا حكم بها حاكم فإنها لا تسقط عمن حكم عليه بها بسبب مضي زمنها موسرا بها،
стр. 4996
فإذا حكم بها حاكم وغاب المحكوم عليه مدة وهو موسر ثم قدم، فإن للقريب المحكوم له مطالبته بنفقة المدة التي غاب فيها وهو موسر، وياء قضية المشددة هي لام فعيلة وياؤها أدغمت المدة في اللام، وليست بياء النسب خلافا لما وقع في شرح الشيخ عبد الباقي مما هو سبق قلم. والله سبحانه أعلم.
أو ينفق غير متبرع عطف على المستثنى، فهو مستثنى أيضا؛ يعني أن نفقة القرابة إذا أداها من لا تلزمه النفقة من أجنبي غير متبرع فإنه يرجع بها بشرط أن يكون المنفق عليه صغيرا، فيرجع على أبيه لأن وجوده موسرا كالمال، وأما إن أنفق غير المتبرع على أب أو أم فلا يرجع على ولدهما إلا إذا كانت نفقتهما مفروضة عليه بقاض، فالاستثناء الأول في كلامه عام، والثاني خاص، وقوله غير بالرفع فاعل ينفق وهو بالنصب عطف على قضية، والناصب له أن مضمرة، قال في الألفية:
وإن على اسم خالص فعل عطف … نصبه أن ثابتا أو منحذف
وهذا الذي قررت به المص من التفصيل هو المتعين، وعبارة المص كعبارة ابن الحاجب، واعترضه ابن عرفة بأنه يقتضي أن نفقة غير المتبرع كحكم القاضي، وليس كذلك، بل إنما يرجع بها غير المتبرع إذا أنفق بعد الحكم بها، فلو آخر قوله: إلا لقضية لوفى بالقيد في غير المتبرع أيضا، وقريب من هذا لابن عبد السلام. قال الحطاب: وهذا الذي ذكره ابن عرفة بالنسبة إلى نفقة الوالدين ظاهر، وأما نفقة الولد فليس ذلك بظاهر. انظر الحطاب. فتبعه الزرقاني وشرح بهذا التفصيل وهو ظاهر. قاله بناني.
تنبيه: قال عبد الباقي: قال أحمد: إذا كانت النفقة لقضية، فهل تكون كنفقة الزوجة في قبول قوله في دفعها على التفصيل المتقدم أم لا؟ لأن نفقة الزوجة تشبه الدين لما كانت في مقابلة الاستمتاع، بخلاف نفقة الولد لأنها مواساة، وبه قال بعض شيوخنا. انتهى. وقوله: تشبه الدين أي في الجملة لا من كل وجه، لقبول قوله في دفعها حيث كان حاضرا والدين ليس كذلك، وقوله: لأنها مواساة؛ أي فيقبل قوله مطلقا في دفعها. انتهى. قال بناني انظر هذا وقد تقدم له قريبا أن محل كون القول قوله في دفعها ما لم تكن مقدرة، وإلا لم يقبل قوله أصلا. فتأمله.
стр. 4997
انتهى. وفي نكاح المدونة. قلت: أرأيت إن أنفقت يعني الزوجة على نفسها وعلى ولدها والزوج غائب ثم طلبت نفقتها؟ قال: ذلك لها إن كان موسرا يوم أنفقت على نفسها وعلى ولدها منه، إذا كانوا صغارا أو جوارا أبكارا حضن أو لم يحضن. انتهى. وهو ظاهر في أن المنفق على صغير غير متبرع وله أب موسر يرجع عليه ولو لم يكن قضاء.
تنبيه: يحسن هنا إيراد قاعدة هي: كل من أوصل نفعا إلى غيره بغير إذنه كما لو سهل أرضه مثلا، فإن كان لا بد له من الاستئجار فله الأجرة، وإلا فلا. انظر نوازل ابن هلال.
واستمرت إن دخل زمنة ثم طلق؛ يعني أن الزوج إذا دخل بزوجته زمنة أي ضعيفة الأعضاء مريضة، ثم طلقها زوجها أو مات عنها وهي زمنة فإن نفقتها تستمر على أبيها، بمعنى أنها تعود عليه إذ حال دخول الزوج بها ليست على الأب، ففي قوله استمرت تجوز. والحاصل أنها إن عادت إليه زمنة بعد موت أو طلاق وكان الزوج دخل بها زمنة ولم يحصل لها برء فيما بين ذلك فإن النفقة تعود على الأب، سواء عادت إلى أبيها بعد البلوغ أو قبله، وكذا تستمر النفقة إن طرأ للولد مال قبل البلوغ ثم ذهب، أو بلغ زمنا ثم طرأ له مال وذهب، فإنها تعود على الأب. وكذا إذا رشدها تستمر نفقتها. قاله المتيطي. نقله بناني. وقوله: واستمرت لخ. تحقيقه أنه دخل بها الزوج وهي زمنة واستمرت زمانتها إلى أن رجعت إلى أبيها، وهي باقية على زمانتها المتصفة بها في الدخول، كما في الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم.
لا إن عادت بالغة؛ يعني أن المرأة إذا تزوجت وهي صحيحة صغيرة ثم إنها عادت إلى الأب وهي ثيب بالغ صحيحة قادرة على الكسب بلا معرة فإنها لا تعود نفقتها على أبيها، سواء دخل بها الزوج صحيحة أو زمنة، بخلاف ما لو عادت إلى الأب وهي صغيرة فلا تسقط نفقتها، وقوله: لا إن عادت بالغة، فرضه الشبراخيتي فيما إذا تزوجها صحيحة صغيرة كانت أو كبيرة وهو الذي شرحت عليه، وفرضه عبد الباقي فيما إذا كانت حين التزوج صغيرة صحيحة، والظاهر عندي شمولها للصغيرة والكبيرة، والصحيحة، وغيرها، كما يفيده الأمير وبناني. وقوله: بالغة، لا بد من تقييده بكونها ثيبا صحيحة قادرة على الكسب. كما قاله الشبراخيتي. أي بلا معرة.
стр. 4998
أو عادت الزمانة؛ يعني أن الزوج إذا دخل بزوجته وهي صغيرة أو بكر بالغ زمنة فصحت، وثيبت وعادت لها الزمانة عند زوجها ثم تأيمت زمنة بالغا ثيبا، فإنه لا تعود نفقتها على أبيها، وأولى لو لم تعد لها الزمانة إلا بعد تأيمها، فلو عادت المرأة إلى أبيها صغيرة أو بكرا بالغا عادت عليه النفقة إلى أن تتزوج، لا إلى بلوغ الصغيرة فقط. خلافا لمن قال: إنها إذا عادت إلى الأب وهي صغيرة تعود على الأب نفقتها إلى بلوغها، ومقتضى المواق ترجيحه؛ والحاصل أن الأنثى إذا عادت إلى الأب صغيرة أو بكرا عادت عليه النفقة: وكذا لو دخل بها الزوج زمنة وعادت إليه قبل برئها، فإن عادت إليه ثيبا بالغا بعد برئها لم تعد على الأب نفقتها، ولو عادت لها الزمانة، وسواء عادت لها عند الزوج أو عند الأب، وعبارة الأمير: وعادت برجوعها بكرا أو صغيرة، أو دخل بزمنة وعادت بموت أو طلاق قبل برثها لا بعده ولو عادت الزمانة انتهى. وقال بناني عن ابن يونس: قال مالك: وعليه نفقة من بلغ من ولده أعمى أو مجنونا أو ذا زمانة لا حراك به. ابن يونس: لأن ذلك يمنع التكسب، فإن صح سقطت ثم لا تعود إن عاد ذلك لأن نفقتهم إنما تجب باستصحاب الوجوب، وهذا جار في الذكر والأنثى.
وعلى المكاتبة نفقة ولدها؛ يعني أن المكاتبة يجب عليها أن تنفق على أولادها الأرقاء الذين معها في الكتابة، بأن اشترط دخولهم في الكتابة، أو كانت حاملا بهم وقتها أو بعدها؛ لأنها أحرزت نفسها ومالها وولدها، وليس أنثى تجب عليها نفقة ولدها غير هذه، والتحقيق أن النفقة من السيد لأنه اشترط ذلك عليها، فكأنه من جملة الكتابة. ابن عرفة: والمعروف لا نفقة على الأم لولدها الصغير اليتيم الفقير، ولابن العربي في آخر سورة الطلاق: نفقة الولد على الوالد دون الأم، خلافا لابن المواز: أنها على الأبوين على قدر الميراث. وقال التونسي في كتاب الصيام: وقع في الموازية أن الأب إذا كان فقيرا أو لا لبن للأم أن عليها أن تستأجر له، وليس ببين.
إن لم يكن الأب في الكتابة؛ يعني أن محل لزوم نفقة ولد المكاتبة لها إنما هو حيث لم يكن الأب معها في تلك الكتابة بأن لم يكن في كتابة أصلا أو كان في كتابة أخرى، وأما إن كان معها في كتابتها فإن نفقة الولد ونفقتها هي عليه، وليس عجزه هو ولا عجزها هي عنها عجزا عن الكتابة؛ لأن الكتابة متعلقة برقبته، بخلاف النفقة لأنها مواساة بشرط اليسار، وإلى هذا أشار بقوله:
стр. 4999
وليس عجزه عنها عجزا عن الكتابة؛ يعني أن عجز من ذكر من مكاتبة ومكاتب عن النفقة على الولد والزوجة لا يكون عجزا عن الكتابة؛ لأنها منوطة بالرقبة فكانت كالجناية، وأما النفقة فشرطها اليسار كما علمت.
وعلى الأم المتزوجة؛ يعني أن الأم المتزوجة بأبي الرضيع يلزمها أن ترضع ولدها بلا أجر تأخذه على إرضاعها لأنه عرف المسلمين على توالي الأعصار في كل الأمصار. والرجعية؛ يعني أن الأم الطلقة طلاقا رجعيا كالزوجة فيلزمها أن ترضع ولدها بلا أجر تأخذه على ذلك للعلة المتقدمة. فقوله: إرضا ولدها، مبتدأ خبره على الأم، والرجعية والمراد بولدها ولدها من الزوج الذي هي في عصمته أو الطلق طلاقا رجعيا. بلا أجر؛ أي لا أجرة للتي في العصمة والرجعية في إرضاعهما للولد المذكور، وقوله: بلا أجر، حال من إرضاع أو متعلق به، والباء للملابسة. والله سبحانه أعلم.
إلا لعلو قدر، مستثنى من قوله وعلى الأم المتزوجة والرجعية؛ يعني أن ما مر من لزوم الإرضاع للتي في العصمة والرجعية إنما هو في غير علية القدر، وأما علية القدر فلا يلزمها أن ترضع ولدها من الزوج الذي هي في عصمته، أو المطلق لها طلاقا رجعيا، ومعنى علو القدر كونها من أشراف الناس بحيث لا تقتضي العادة أن مثلها يرضع ولدها، وقال غير واحد: علو القدر بالعلم والصلاح، ولو رضيت الشريفة بالإرضاع فلها الأجرة من مال الأب، فإن أعدم فمن مال الصبي. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: اللخمي: لذات الشرف إرضاعه بأجر انتهى وقال في التوضيح: نص عليه اللخمي وابن بشير وابن عبد السلام، وأفتى بعض أشياخ شيخي بأن الشريفة إن تواضعت للإرضاع لا أجر لها، لإسقاط حقها ولا كبير مؤنة عليها في لبنها. انتهى. وقوله إلا لعلو قدر؛ أي وإلا لمرض أو قلة لبن فلا يلزمها رضاعه، بل هو على الأب وقابل الأمير علية القدر بالدنية ولم يبن لي ذلك من كلامهم. والله سبحانه أعلم.
كالبائن؛ يعني أن المطلقة طلاقا بائنا لا يلزمها أن ترضع ولدها سواء كانت مبتوتة أم لا، وسواء في ذلك الشريفة وغيرها، فيلزم الأب أجرة رضاعه، وهذا التفصيل الذي مشى عليه المص بين البائن وغيرها، وعلية القدر وغيرها، هو الذي ذهب إليه مالك؛ وقال أبو حنيفة والشافعي لا يلزمها ذلك في حال من الأحوال. وقال أبو ثور: يجب عليها الإرضاع في كل حال، ومال إليه
стр. 5000
أحمد بن خالد، ولا دليل لأبي حنيفة والشافعي في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ لأنه في المطلقات كما لا دليل فيه لأهل المذهب ولا لأبي ثور، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ هي في المطلقات، ومستند أهل المذهب في إيجاب الرضاع على الزوجة إنما هو عرف المسلمين المستمر على دوام الأعصار وفي جميع الأمصار يرضعن أولادهن من غير طلب أجر على ذلك. قاله ابن عبد السلام.
إلا أن لا يقبل غيرها، مستثنى مما قيل الكاف، أعني قوله: إلا لعلو قدر، وما بعدها يعني أن الولد إذا لم يقبل غير أمه وهي شريفة أو بائن فإنه يلزمها أن ترضعه، كان الأب مليا أو عديما، وتجب لها في هذد الحالة الأجرة، كما في المدونة؛ أي من مال الأب، فإن أعدم فمن مال الصبي، وعبارة الشبراخيتي عند قوله: غيرها؛ أي الشريفة والبائن، فيجب عليها حينئذ لكن إذا كان للأب أو الصبي مال فلها الأجرة كما في المدونة، وإلا فمجانا. انتهى. أو بعدم. بالنصب عطف على لا يقبل الأب. فاعل يعدم؛ أي يفتقر يعني أن الشريفة والبائن يلزم كلا منهما أيضا أن ترضع ولدها حيث كان الأب عديما، والحال أن الولد قبل غيرهما ولا مال للصبي فيرضعانه مجانا أو بموت. عطف على المستثنى أيضا يعني أن الأب إذا مات ولا مال للصبي فإنه يلزم كلا سن البائن والشريفة أن ترضع ولدها مجانا، سواء مات الأب موسرا، أو تلف المال، أو معسرا، وإذا مات الأب موسرا ولم يتلف المال فإنه يكون للصبي مال بسبب إرثه منه، وحينئذ فلا يلزمها الرضاع بل يؤاجر للولد من يرضعه.
وعلم مما قررت أن قوله: ولا مال للصبي. قيد في المسألتين: وهما أو يُعْدِمَ الأب أو يَمُوتَ، ومفهومه أنه لو كان للولد مال لم يلزمهما أن يرضعاه، بل يؤاجر له من يرضعه، وقد علمت من هذا أن مال الأب في حياته مقدم على مال الصبي، وأما بعد الموت فلا مال للأب لانتقاله للورثة والله سبحانه أعلم وقال الحطاب عند قوله: أو يعدم الأب، يريد ولا مال للصبي، فإذا لم يكن لواحد منهما مال ولها ابن (١) كانت مخيرة بين أن ترضعه أو تسترضع له، إلا أن لا يقبل غيرها فتجبر على رضاعه، فإن لم يكن لها لبن أجبرت على أن تسترضع له. قاله ابن رشد في شرح
стр. 5001
أول مسألة من كتاب الرضاع، ثم قال: ولا رجوع لها على من أيسر من الأب والابن كانت أرضعت أو استرضعت له من مالها؛ لأنه قد سقط عنهما ذلك لعدمهما. انتهى كلام الحطاب.
واستأجرت إن لم يكن لها لبان؛ يعني أن المرأة يجب عليها الإرضاع عند عدم الأب أو موته ولا مال للصبي في المسألتين، سواء كانت علية القدر أو بائنا أو غيرهما، فترضعه إن كان لها لبن أو تسترضع له. فإن لم يكن لها لبان أو كان ولا يكفي فإنها تستأجر له من يرضعه، ولا ترجع عليه إن أيسر ولا على أبيه إن كان حيا، وأما المتزوجة بأبي الرضيع والرجعية غير عليتي القدر فقد مر أنهما إذا لم يكن لهما لبان أو كانتا مريضتين فإن أجرة الرضاع على الأب إن كان له مال، فإن لم يكن له مال ولا مال للصبي فهو مما هنا. والله سبحانه أعلم. واعلم أنه يشترط في المستأجرة للصبي ترضعه أن لا يكون فيها عيب يؤثر في اللبن، ككونها حمقاء أو جذماء، وعبارة الأمير: وإن أعدم الصبي والأب فعلى الأم إرضاعه وأجرته إن عدمت اللبن. انتهى. ولها إن قبل أجرة المثل؛ يعني أن الأم التي لا يلزمها الرضاع لعلو قدر أو لكونها بائنا إذا قبل الولد غيرها فإن لها أن ترضع ولدها بأجرة المثل؛ أي مثلها كما في المدونة من مال الأب أو من مال الولد إن لم يكن للأب مال، قال عبد الباقي: وظاهره ولو زادت على قدر وسعه، ومفهوم قوله: إن قبل، أنه لو لم يقبل غيرها لزمها أن ترضعه، ولها الأجرة إن كان للأب أو للصبي مال، وإلا فمجانا، كما مر.
ولو وجد من ترضعه عندها مجانا، يعني أن علية القدر أو البائن إذا قبل الولد غيرهما فإن لكل منهما أن ترضع ولدها وتأخذ أجرة مثلها، ولو كان الأب واجدا مرضعة ترضعه عند أمه مجانا أي بلا أجر، فليس له أن يقول لها: لا أعطيك أجرة لأني أجد من ترضع ولدي عندك بلا أجر، والحاصل أنه يقضى لكل منهما بالحضانة وأخذ الأجرة في إرضاع ولدهما، وليس للزوج أخذه لوجود متبرعة، ويدخل فيما قبل المبالغة ما إذا وجد متبرعة ترضع الولد عنده، ويوجد في بعض النسخ عنده بتذكير الضمير وهي غير صواب؛ لأن ترجيح ابن يونس لمذهب المدونة إنما هو على نسخة التأنيث.
على الأرجح يعني أن هذا الذي ذكره من أن لكل منهما أجرة مثلها في حال قبول الولد غيرهما ووجود متبرعة ترضع الولد عند أمه هو الذي رجحه ابن يونس، ونصه: قول مالك: الأم أحق به
стр. 5002
بما يرضعه غيرها يريد بأجرة مثلها، وقاله بعض القرويين، وإليه رجع ابن الكاتب، وهو الصواب، وسواء وجد من يرضعه. عند الأم أم لا؛ لأنها وإن كانت عند الأم فهي التي تباشره بالرضاع والمبيت وذلك تفرقة بينه وبين أمه، فلذلك كانت الأم أحق به بأجرة مثلها وهذا أبين، وقوله: ولها إن قبل أي ولها أن لا ترضعه وحينئذ فإن الأب يستأجر له من ترضعه وليس عليه أن يكون ذلك عند أمه، وقوله: على الأرجح، مقابله يقول: القول قول الأب فتخير الأم إما أن ترضعه بغير شيء وإما أن تتركه. وقوله:
في التأويل. معناه أن هذا الذي ذكر المص هو الأرجح في تأويل المدونة عند ابن يونس، ومر مقابله قريبا، وقوله: ولو وجد من ترضعه عندها مجانا لخ، قال عبد الباقي: وهذه تقع بمصر، ومذهب مالك ينفع الأم المطلقة إذا حكمت في أخذها له بالحضانة مالكيا فلا يأخذه الزوج منها لوجود متبرعة عنده ويرفع الخلاف. انتهى.
وقال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة ناقلا له من معين الحكام: وإذا أبت المرأة أن ترضع ولدها فإن الأب يستأجر له من ترضعه، وليس عليه أن يكون ذلك عند أمه، وأما إن وجد الأب من ترضعه باطلا أو بدون ما طلبته فعليه أن يرضعه عند أمه ولا يخرجه من حضانتها. انتهى.
стр. 5003
ولما أنهى الكلام على النفقات شرع في الكلام على الحضانة، وهي بفتح الحاء وكسرها والفتح أشهر مأخوذة من الحضن بكسر الحاء، وهو ما تحت الإبط للكشح، وهو ما بين الخاصرة والضلع الخلف، وهي لغة كما في اللباب الحفظ والصيانة، وشرعا صيانة العاجز والقيام بمصالحه. انتهى. ابن عرفة: هي محصول قول الباجي: حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه. قاله غير واحد. ونواحي كل شيء وجوانبه أحضانه. قاله غير واحد. وقال الحطاب: والكشح بفتح الكاف وسكون المعجمة ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف. قاله في الصحاح. انتهى. وقال الحطاب: ابن رشد والمتيطي الإجماع على وجوب كفالة الأطفال الصغار لأنهم خلق ضعيف يفتقر لكافل يربيه حتى يقوم بنفسه، فهو فرض كفاية إن قام به قائم سقط عن الباقي، لا يتعين إلا على الأب والأم في حولي رضاعه إن لم يكن له أب ولا مال له، أو كان ولا يقبل غيرها، وأشار المص إلى حكم الحضانة بقوله عاطفا على فاعل تجب:
وحضانة الذكر؛ يعني أن حضانة الولد الذكر واجبة وهي حق للأم ويستمر وجوبها للبلوغ، فإذا بلغ ولو زمنا أو عاجزا عن الكسب أو مجنونا سقطت حضانة الأم، ولا تسقط النفقة عن الأب إلا ببلوغه عاقلا قادرا على الكسب بلا معرة كما مر، هذا هو الذي حرره ابن عبد السلام أن المشهور في غاية أمد الحضانة أنها البلوغ في المذكور من غير شرط، كما أن المشهور في غاية أمد النفقة في المذكور البلوغ بالشروط المتقدمة، ومقابل المشهور في الحضانة أن الحضانة للأم حتى يحتلم الذكر صحيح العقل والبدن، وقيل حتى يثغر قاله أبو مصعب. وقال ابن الحاجب: إن الحضانة في الذكر حتى يحتلم بشرط السلامة من الزمانة المانعة من التكسب، وقيل: حتى يحتلم من غير شرط. انتهى. ومقابل المشهور في النفقة سقوطها عن الأب باحتلام الذكر من غير شرط. وقوله: الذكر، وأما الخنثى المشكل فلا يخرج عن حضانة الأم ما دام مشكلا. قاله غير واحد.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولا يعتبر البلوغ هنا بالإنبات. انتهى. قال بناني فيه نظر، فقد صرح في باب الحجر من التوضيح: أن المشهور في الإنبات كونه علامة، قال الحطاب: وظاهره مطلقا، وأيضا الخلاف الآتي في قوله: وهل إلا في حقه تعالى لخ، في حق الله، والحضانة حق مخلوق كما يأتي، فلا تدخل في الخلاف الآتي تأمله. انتهى. والأنثى؛ يعني أن حضانة الأنثى واجبة وهي حق للأم ويستمر وجوبها.
стр. 5004
كالنفقة أي هي للأم وتستمر لها كما تقدم في لزوم نفقتها للأب؛ أي فهي للأم حتى يدخل بها زوجها ولو غير بالغ، فالحضانة والمنفقة يسقطان بدخول الزوج ولو غير بالغ، وتسقط النفقة بدعاء الزوج البالغ إلى الدخول دون الحضانة، فلا تسقط بدعاء زوج إلى الدخول ولو بالغا، وفهم من قول المص: كالنفقة أنه لو طلقها الزوج قبل البناء لاستمرت الحضانة للأم، كما تستمر النفقة على الأب، وهو كذلك، وفهم منه أيضا أنها لو دخلت زمنة ثم طلقت زمنة غير قادرة على الكسب ولو كان طلاقها بعد البلوغ أن الحضانة ثابتة لمن هي له، وفهم منه أيضا أن الزوج إذا دخل بها قبل إطاقتها تسقط حضانتها، إلا أن يقصد الأب بتزويجها فرارا مما فرض للأم وإسقاط الحضانة فلا يسقط الفرض ولا الحضانة بعد البناء حتى تطيق قاله الوانشريسي. والنكاح صحيح، وحرم على الأب قصد ذلك، بخلاف فعله لمصلحة أو بعد إطاقتها فلا كلام للأم فيهما، ولو التزمت الأم حضانة ابنتها فتزوجت الأم في زمنها فسخ نكاحها قبل البناء. قاله ابن عبد الغفور. وقال الأبهري: إنه شرط باطل ولا يجوز، وتتزوج إن أحبت، فإن حاضت زمن رضاعها ثلاث حيض ففي ابن عرفة: في منعها مطلقا من التزويج مدة الرضاع، وجوازه مطلقا، ومنعه إن كان شرطا: ومنعه إن أضر بالصبي، أقوال. قاله عبد الباقي.
للأم، قد مر أن قوله: وحضانة، عطف على فاعل تجب، وعليه فالظاهر أن قوله للأم خبر مبتدإ محذوف؛ أي وهي أي الحضانة للأم، وقوله: للبلوغ، في موضع الحال، وكذا قوله: كالنفقة، يعني أن حضانة الولد ذكرا أو أنثى ثابتة للأم مسلمة أو كافرة حيث كانت متأيمة أو في عصمة كأبي الطفل كما يأتي. ولو أمة عتق ولدها؛ يعني أن الأمة إذا كانت متزوجة بحر أو بعبد فطلقها أو مات عنها ومعها منه ولد فأعتقه سيده فإن حضانته لأمه، وقاله في المدونة. قال الشارح: واستشكل لأن الغالب في الأمة أنها مقهورة بأعمال ساداتها، وقد منعت الأم الحرة إذا تزوجت لما يتعلق بها من حقوق الزوج. انتهى. ونص على قوله: عتق ولدها، لدفع توهم أن الأمة لا تحضن الحر، وقوله: ولو أمة عتق ولدها؛ قال الشبراخيتي بعد أن حكى الاستشكال الذي حكاه الشارح ونسبه للخمي: وأجيب بأن الحرة إذا تزوجت بأحد حصل بينه وبين مطلقها بغض له ولولده فنزع منه لذلك، بخلاف الأمة فإنها وإن شغلت بساداتها لا يبغضون ولدها كما يبغضه الزوج، لا سيما إذا كانوا معتقين له. انتهى. ونحو هذا الاستشكال لابن رشد. وقوله: ولو أمة عتق ولدها،
стр. 5005
قال الشبراخيتي عن الأجهوري: ما لم تكن سرية للسيد؛ أي ما لم تكن فراشا له فلا حضانة لها، كأن يكون لها أولاد من غيره مات أبوهم أو طلق ثم تسرى بها، فإن لم يتسر بها بأن كانت للخدمة مثلا فالحضانة لها. انتهى. ونحوه لعبد الباقي عن ابن عرفة، ونصه: ثم محل قوله: ولوأمة عتق ولدها، إلا أن يتسرى السيد بها بعد طلاق زوجها أو موته. قاله ابن عرفة. انتهى المراد منه. ونحوه للحطاب، فإنه قال: ولوأمة عتق ولدها، قال ابن عرفة: قلت: ذلك إن لم يتسررها. انتهى. وقوله: ولو أمة عتق ولدها سواء كان الزوج حرا أو عبدا. قال عبد الباقي: وفرضه في المدونة في الأب الحر نص على المتوهم. انتهى. وقال الإمام: وإذا أعتق ولد الأمة وزوجها حر وطلقها فهي أحق بحضانة ولدها، إلا أن تباع فتظعن إلى غير بلد الأب فالأب أحق به، أو يريد الأب انتقالا إلى غير بلد الأم فله أخذه. انتهى.
فرع: قال الحطاب: قال الباجي: مسألة إذا عتقت الأمة على أن تترك حضانة ابنتها أو ولدها فقد روى عيسى عن ابن القاسم أنه يرد إليها بخلاف الحرة تصالح الزوج على تسليم الولد إليه فإنه يلزمها، وروى أبو زيد أن الشرط لازم كالحرة. انتهى. من كتاب الأقضية في القضاء بالحضانة. ومقتضى الشبراخيتي وعبد الباقي ترجيح القول بعدم لزوم ذلك للأمة لاقتصارهما عليه، وعبارة الشبراخيتي إذا أعتق أم ولده أو أمته بشرط إسقاط حضانتهما فلا يلزمهما ذلك بخلاف الحرة. انتهى. وقال بناني: الذي في ابن عرفة ولو أعتقها على تركها حضانة ولدها ففي سقوط حضانتها نقل اللخمي روايتي عيسى وأبي زيد عن ابن القاسم. انتهى. فانظره. فظاهره التسوية بين القولين، فانظر من أين للزرقاني ترجيح عدم السقوط؟ انتهى.
أو أم ولد يعني أن أم الولد لها حضانة ولدها من سيدها بشرط أن تكون قد أعتقها سيدها أو مات عنها، لكن في هذا صارت حرة، فليس فيه حضن رقيق لحر، فلا يتوهم فيه المنع. قاله الشبراخيتي. وكذا لو كانت أم الولد متزوجة وتأيمت فلها حضانة ولدها ولو أعتقه السيد، كما أفاد ذلك بقوله: ولو أمة عتق ولدها، والحاصل أن الأمة لها الحضانة إلا فيما إذا كان الولد من سيدها ولم يعتقها، وإلا فيما إذا عتق ولدها أي القن وتسراها السيد. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح: قال في المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة، وهذا هو الأصح، وإليه أشار بقوله: أو أم ولد. وقال ابن وهب: لا حضانة لها.
стр. 5006
وللأب تعاهده؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يتعاهد المحضون الكائن عند أمه ذكرا أو أنثى، ومعنى تعاهده الإتيان إليه لتفقد أحواله، وقوله: وللأب، قال الشبراخيتي: لا خصوصية للأب، بل كل من له الولاية كذلك، إلا أنه نص على التوهم لأنه ربما يتوهم أنه ليس له تعهده لأنه يتهم على التواصل لأمه لما سبق بينهما من الألفة. انتهى. وأدبه؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يؤدب المحضون. قال مقيده عفا الله عنه. والمراد بالأدب هنا التأديب أي العاقبة على أمر سيء ليرجع إلى الأدب الذي هو حسن السيرة.
وبعثه للمكتب؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يبعث المحضون للمكتب أي موضع الكتابة، وله أن يبعثه لمن يعلمه، قال الحطاب هنا: هذا نحو قوله في المدونة: للأب تعاهد ولده عند أمه وأدبه وبعثه للمكتب، ولا يبيت إلا عند أمه. انتهى. قال ابن عرفة: قلت: يجب كون الظرف الذي هو عند أمه في موضع الحال من ولده لا أنه معمول للفظ تعاهد؛ لأن ذلك ذريعة لاتصاله بمطلقته مع زيادة ضرر زوجها بذلك. انتهى. وفي كلام ابن عرفة أعني قوله: مع زيادة ضرر زوجها بذلك نظر ظاهر؛ لأنها إذا تزوجت سقطت حضانتها. والله سبحانه أعلم. والحاصل أن للأب القيام بجميع أمور المحضون وله أن يختنه في داره ثم يرسله للأم، والحق في زفاف البنت للحاضنة مطلقا، أمًّا أو غيرها كما قاله بناني. فإذا قال الولي: تزف من عندي، وقالت الحاضنة: تزف من عندي، فالقول قول الحاضنة. وقوله: وبعثه للمكتب، قال الشبراخيتي: بفتح الميم والتاء، ويجوز كسرها، وكذا بقية الصنائع. ولو قال للمعلم كان أشمل. انتهى.
ثم أمها؛ يعني أن الأم إذا ماتت أو سقطت حضانتها بتزويج أو غيره فإن الحضانة تنتقل لأمها وهي جدة المحضون؛ لأن شفقتها وحنانها على ولد ابنتها تقرب من شفقة أمه وحنانها عليه. ثم جدة الأم؛ يعني أنه إذا لم يكن للمحضون أم ولا أم أم، أو كان من ذكر وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لجدة أم المحضون أي الجدة من قبل أمها، أو من قبل أبيها، ولذا لم يقل ثم أمها لأنه لا يشمل جدة الأم من قبل أبيها. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: قوله، ثم جدة الأم، ظاهره سواء كانت جدتها لأمها أو لأبيها وهو كذلك. قاله ابن عرفة عن اللخمي. قال: فإن اجتمعتا فأم أمها أحق من أم أبيها، فإن لم تكن واحدة منهما، فأم أم أمها أو أم أم أبيها، أو أم أبي أمها أو أم أبي أبيها، فإن اجتمع الأربع فأم أم الأم، ثم أم أبي الأم وأم أم الأب بمنزلة
стр. 5007
واحدة، ثم أم أبي الأب. وعلى هذا الترتيب أمهاتهن ما علون، فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الأم الشقيقة. انتهى. وقاله في المقدمات. انتهى كلام الحطاب.
إن انفردت بالسكنى عن أم سقطت حضانتها؛ يعني أنه يشترط في انتقال الحضانة إلى من ذكر من النسوة أن تنفرد هذه التي انتقلت الحضانة إليها بالسكنى عن الأم التي سقطت حضانتها بتزوج أو غيره، وإذا كان يشترط فيمن تنتقل الحضانة إليها أن لا تسكن مع الأم التي سقطت حضانتها، فاشتراط ذلك في غير الأم أولى كما لا يخفى؛ لأن شأن الأم الشفقة والحنان، واعلم أن هذا الشرط يجري في كل من تنتقل إليها الحضانة كائنة من كانت، قال عبد الباقي: ثم هذا الشرط هو المشهور عند المص، وذكر المواق أن المتيطي اقتصر على عدم اعتبار هذا الشرط، ابن الحاج: وبه أفتيت، وهو قول سحنون. انتهى. قال بناني بعد ما ذكر المواق ذلك نقل عن ابن سلمون أن المشهور، والذي به العمل خلاف ما قال المتيطي. انتهى. قلت: الذي في عبارة ابن سلمون ما نصه: الذي أفتى به ابن المواز أنه لا حضانة للجدة إذا سكنت مع ابنتها، قال: وهي الرواية المشهورة عن مالك، وبها العمل، واختاره المتأخرون من البغداديين وغيرهم. انتهى. وعلى هذا المشهور فللأب أخذه لا على ما لسحنون كما في ابن سلمون. والله سبحانه أعلم. مسألة: قال في المسائل الملقوطة: إذا كان للولد جدتان من قبل الأب ومن قبل الأم وليس له إلا دار قيمتها عشرون دينارا أو نحوها فقالت أم الأب: أنا أنفق عليه من مالي ويكون معي وتبقى له داره رفقا به، وأرادت جدة الأم بيعها لتنفق ثمنها، فجدة الأم أولى بالحضانة، ونقلها ابن عرفة عن بعض المفتين، وزاد: وقال المشاور: ينظر إلى الأرفق بالصبي. قال ابن عرفة: قلت: في كون الحضانة حقا للحاضن أو للمحضون، ثالثها: لهما، لروايتي القاضي واختيار الباجي مع ابن محرز، فعلى الثاني تقدم الجدة للأب. انتهى. والمشاور هو ابن الفخار كما قال ابن غازي هنا. انتهى كلام الحطاب.
ثم الخالة؛ يعني أنه إذا لم يكن للمحضون من ذكر أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل للخالة أخت الأم الشقيقة، ثم أختها للأم، ثم أختها للأب، هذا هو صريح ابن عرفة، وما في الشارح غير صحيح. انظر حاشية الشيخ بناني. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وهذا؛ أي
стр. 5008
قوله: ثم الخالة، كالصريح في أن الجدة إن لم تنفرد بالسكنى عن أم سقطت حضانتها، فإن الحضانة تنتقل للخالة، وهو مقتضى كلام غير واحد والظاهر أنه لا يخالف ما مر عن ابن سلمون. والله سبحانه أعلم. ثم خالتها؛ يعني أنه إذا لم يكن من ذكر من النساء، أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لخالة الأم، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أنه لا حضانة لخالة الجدة: ولا حضانة لعمة الجدة قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: انظر من أين له هذا الجزم؟ وظاهر ابن عرفة خلافه. انتهى. قال عبد الباقي: وأسقط مرتبة بعد خالتها وهي عمة الأم، وقوله: ثم خالتها، قد علمت أن الضمير للأم وهو بحسب ظاهره يشمل الشقيقة والتي للأم والتي للأب. والله سبحانه أعلم.
ثم جدة الأب؛ يعني أن الحضانة بعد قرابات الأم تنتقل لجدة المحضون من قبل الأب، فتنتقل لأم الأب وأمهاتها وإن علون، وأم أب الأب، وقوله: ثم جدة الأب، قال بناني: قدمها على الأب دون غيرها وهو مذهب المدونة. ابن عرفة: فإن لم تكن قرابات الأم ففي تقديم الأب على قرابته وعكسه، ثالثها: الجدات من قبله أحق منه، وهو أحق من سائرهن، لنقلي القاضي، ولها، وعزاه في البيان لابن القاسم. انتهى. وعلى الأول جرى في التحفة، وقول عبد الباقي عن أحمد: إن جدة الأب من قبل أمه لا حضانة لها لخ، ما ذكره أحمد وإن أفتى به بعض شيوخه قصور، بل غير صحيح، لقول المقدمات ما نصه: فإن انقطعت قرابات الأم فالجدة للأب، ثم أم جدة الأب، ثم أم أبي الأب، ثم أم أمه، ثم أم أم أبيه، ثم الأب. انتهى.
ثم الأب؛ يعني أن الحضانة تنتقل للأب أي أبي المحضون بعد من ذكر، وهذا هو مذهب المدونة. ثم الأخت؛ يعني أن الحضانة بعد من ذكر تنتقل لأخت المحضون الشقيقة ثم للأم ثم للأب. ثم العمة؛ يعني أنه إذا لم يكن أحد ممن ذكر أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لعمة المحضون، وتليها عمة أبيه، وتليها خالة الأب، وذكر هنا العمة الشاملة لعمة الطفل ولعمة أبيه، وأسقط خالة الأب، وذكر فيما تقدم الخالة وخالة الأم، وأسقط عمة الأم. ففيه شبيه بالاحتباك. ثم؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر، أو قام به مانع فإن الشيوخ اختلفوا هل التي تنتقل لها الحضانة بنت الأخ؟ شقيقا أو لأم أو لأب. قاله في المقدمات ومقتضى نقل المواق أنه الراجح.
стр. 5009
أو التي تنتقل لها الحضانة بنت الأخت شقيقة أو لأم أو لأب، واختاره الرجراجي. أو الذي تنتقل إليه الحضانة الشخص الأكفى؛ أي الأشد كفاية منهن، في القيام بأمور المحضون.
وهذا القول هو الأظهر عند ابن رشد، وإنما ذكَّر صيغة التفضيل هنا وإن كان تلو أل لأن الموصوف الشخص كما قررت، ومن الداخلة على ضمير الإناث للتبعيض وهي ومتعلقها حال؛ أي حال كون الأكفى بعضهن، وليست هي من التي يوصل بها أفعل التفضيل؛ لأنه هنا تلو أل، ولفساد المعنى حينئذ لاقتضائه أن الأكفى غيرهما، مع أن المراد الأكفى الذي هو أحدهما، وجمع الضمير باعتبار كونها شقيقة أو لأم أو لأب، مع أن الراجح أن الأخ للأب والأخت للأب لا حضانة لهما، فبنتاهما كذلك. وقوله: الأكفى، معناه الأشد كفاية بقيام الصبي وطعامه وشرابه وتنظيفه وتنظيف ثيابه، وفي كلام المص ثلاثة أمور أحدها: التعبير بالأكفى ولم يقل الكفأى وأجيب عنه بما مرت الإشارة إليه أنه صفة للشخص وهو مذكر. ثانيها: وصل الأكفى بمن، وقد مر الجواب عنه بأن من هذه للتبعيض، وليست هي من التي يوصل بها أفعل التفضيل. ثالثها: جمعه للضمير وقد مر الجواب عنه أيضا بأنه جمع باعتبار الشقاقة والأخوة للأب والأم. والله تعالى أعلم. وقوله أقوال، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك أقوال.
ثم الوصي؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الذي تنتقل إليه الحضانة هو الوصي، أي الذي جعله أبو المحضون وصيا عليه، أو الذي قدمه القاضي عليه، سواء كان الوصي ذكرا أو أنثى، إن كان المحضون ذكرا، وكذا إن كان أنثى غير مطيقة والوصي ذكر، كمطيقة إن تزوج الوصي بأمها أو جدتها وتلذذ حتى صار محرما، وإلا فلا حضانة له على الراجح، وأراد المص بالوصي ما يشمل مقدم القاضي كما قررت، والظاهر أن وصي الوصي كهو، وقولي: فلا حضانة له على الراجح؛ أي على ما يفيده التوضيح ومن وافقه، وله الحضانة على ما يقتضي ابن عرفة أنه الراجح، فهما مرجحان، قاله عبد الباقي وغيره. وقال الشارح عند قوله: ثم الوصي، النصوص أنه مقدم على سائر العصبة، وقيل لا حق له. انتهى.
стр. 5010
ثم الأخ؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل للأخ؛ أي أخي المحضون. ثم ابنه؛ يعني أنه يلي الأخ في المرتبة ابن الأخ، وهو متأخر عن الجد للأب، فهو متوسط بين الأخ وابنه، قال الشيخ علي الأجهوري:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة … نكاح أخا وابنا على الجد قدم
وعقل ووسطه بباب حضانة … وسوه مع الآباء في الإرث والدم
والعقل الدية، والآباء هنا الإخوة أي ءاباء أبناء الإخوة، وهم الإخوة،
ثم العم؛ يعني أنه إن فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل للعم، ثم ابنه؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل إلى ابن العم، قرب كل من العم وابنه أو بعد، وعبارة عبد الباقي: ثم العم ثم ابنه، قرب كل أو بعدث إن أريد بالجد دِنْيَة، وكذا إن أريد به مطلقا فيما يظهر. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: قرب كل أو بعد. إن أريد الجد دنية؛ أي إن أريد بالجد المتوسط بين الأخ وابنه الجد دنية لكن حينئذ يكون أبو الجد متوسطا بين العم وابنه وهذا كما لابن عرفة. انتهى. لا جد لأم؛ يعني أن الجد للأم لا حضانة له، ونص في المقدمات على أنه لا حق له في الحضانة. وفي الوثائق المجموعة: إذا اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم وهو قول ابن العطار.
واختار خلافه؛ يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن الجد للأم تنتقل إليه الحضانة. قال الشارح: قال اللخمي: لم أر له نصا في الحضانة وأرى له فيها حقا لأن له حنانا وعطفا، ولهذا غلظت فيه الدية وسقط عنه القود. قال ﵊ في الحسن: (إن ابني هذا سيد (١))، ولا خلاف أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وأن ابن الابن داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. وقال ابن عرفة بعد أن ذكر كلام اللخمي: قلت: قول ابن الهندي: الجد للأب أولى من الجد للأم دليل حضانته.