البائع بعد أن قبضه المشتري وقبل أن يرد إلى البائع ففيه قولان، أحدهما: أنه يمضي ويكون نقضا للبيع الفاسد من أصله ويرد الثمن للمشتري إن كان قبضه. ثانيهما: أن بيع البائع له قبل أن يرد إليه كالعدم فيكون بمنزلة ما إذا باعه بيعا فاسدا وقبضه المشتري، ولم يحصل من بائعه فيه بيع بعد قبض المشتري له، وضمانه إن حصل فيه ما يوجب الضمان منه؛ أي من المشتري، وتظهر فائدة هذا أيضا فيما إذا حصل فيه مفوت عند المشتري قبل فسخ الفاسد، فإنه يمضي لمشتريه فاسدا ويفسخ البيع الصحيح الواقع من البائع. والله سبحانه أعلم. والخلاف وإن كان موجودا في البائع والمشتري لا يحسن إيراده في بيع البائع على جهة التأويل للمدونة؛ لأن التأويلين إنما هما في بيع المشتري كما في كلام عياض وغيره، وقد نقل الحطاب كلام عياض ولم يتنبه لمحل التأويلين، واستدل على تعميم التأويلين بكلام ابن شأس مع أن ابن الحاجب إنما ذكر الخلاف ولم يتعرض للتأويلين فلذا عمم فتأمله. قاله بناني. ولو باعه أي المبيع فاسدا بائعُه قبل قبض المشتري له وقبل تمكينه منه فإن بيعه ثانيا صحيحا ماض اتفاقا، وأما لو باعه بيعا صحيحا بعد التمكين وقبل القبض ففيه قولان، أحدهما: لابن القاسم وعليه قول المص "وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض." والثاني: لأشهب أنه ينتقل الضمان للمشتري بالتمكين. قاله بناني وغيره. والذي يفهم من الحطاب أنه يتفرع على القولين المذكورين في بيع البائع بعد تمكين المشتري من القبض مضي البيع وعدمه، بل قد يدعى أن كلامه صريح في ذلك. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: والظاهر من القولين فيما إذا باعه مشتريه قبل قبضه من بائعه، الإمضاء قياسا على العتق والتدبير والصدقة، ففي المدونة: عتق المشتري بأنواعه وهبته قبل قبضه فوت إن كان المشتري مليا بالثمن، فإن كان معدما رد عتقه ونقض بيعه ورد لبائعه، وفي كلام ابن يونس المتقدم وكلام أبي إسحاق: أن البيع أوكد من الهبة والصدقة، وفيه ترجيح القول بنفوذ البيع. انتهى. قال الرهوني: وقد صرح بترجيحه ابن مغيث وقبله ابن هشام في المفيد. انتهى المراد منه.
стр. 5392
الثاني: قال عبد الباقي: واعلم أنه يمضي عتق كل من المتبايعين فاسدا ولو كان المبيع بيد الآخر فإن أعتقا مضى عتق الأول منهما فإن جهل الأول مضى عتق من هو في يده. انتهى. ولو أعتقاه معا في آن واحد فالظاهر أنه يمضي عتق من هو بيده أيضا. الثالث: علم مما مر أنه لو باعه البائع بعد أن رد إليه فإن بيعه يمضي لأن البيع وقع بعد رجوع الضمان إليه وسقوطه عن المشتري. والله سبحانه أعلم. الرابع: قوله: وفي بيعه قبل قبضه لخ، سبب هذا الخلاف كون البيع الفاسد نقل شبهة الملك أم لا. ابن بشير: وإن كان الفوات بأن أحدث المشتري فيه حدثا من إعتاق أو إعطاء أو بيع فإن كان في يد البائع فهل يمضي ويكون فعل المشتري فوتا؟ قولان، وهما على الخلاف في البيع الفاسد هل ينقل شبهة الملك أم لا؟ ولو كان الأمر بالعكس فأحدث البائع فيه عقدا وهو في يد المشتري ففي مضيه قولان، وهما على الخلاف في نقل شبهة الملك فلا يمضي وعدم النقل فيمضي. انتهى. وقال في الشامل: وفي فوته ببيع صحيح قبل قبضه قولان، ثم قال: ولو باعه بائعه ثانية قبل إقباضه فالقولان. انتهى. وهذا الذي قاله لم أقف عليه لغيره بل ظاهر كلامهم أنه ماض ولا خلاف فيه، قال ابن محرز وغيره: ولم يختلفوا أنه إذا لم يقبض المبيع ولا مكنه منه أنه في ضمان بائعه، واختلفوا إذا مكنه منه ولم يقبضه وانتقد ثمنه. انتهى. وقد يقال: إن مراد صاحب الشامل الصورة المختلف فيها وهي ما إذا باعه مرة ثانية قبل إقباضه وبعد تمكين المشتري منه. فتأمله والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
الخامس: قد مر ترجيح الحطاب القول بنفوذ بيع المشتري قبل القبض وأنه مفوت، قال: وكذلك الظاهر من القولين الذين في العكس وهو ما إذا باعه وهو في يد مشتريه قبل أن يقبضه برده إليه الإمضاء أيضا، وقوله: وفي بيعه قبل قبضه، هو شامل لهبة الثواب ولو آجر البائع المبيع بيعا فاسدا أو رهنه قبل قبض المشتري له فالظاهر نفوذ ذلك إن كان المبيع بيد البائع ولا إشكال فيه، وأما إن كان بيد المشتري ولم يقبضه منه برده إليه أنه يدخله الخلاف، وقول ابن بشير: أحدث فيه عقدا، شامل لذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. والحاصل أن الصور أربع، إحداها: أن يحدث
стр. 5393
فيه المشتري حدثا بعد قبضه من إخراج عن يد وتعلق حق فالفوات. ثانيها: أن يحدث فيه بيعا أو هبة أو صدقة أو عتقا قبل القبض ففيها الخلاف المشار إليه بقوله: وفي بيعه قبل قبضه لخ، والراجح نفوذ ذلك كما علمت. ثالثها: أن يحدث فيه البائع حدثا من ذلك بعد أن قبضه المشتري ففيه الخلاف المتقدم ذكره والراجح الإمضاء كما مر. رابعها: أن يحدث فيه البائع ما ذكر قبل قبض المشتري له فيتفق على نفوذ ذلك إلا أنه إذا مكنه يجري فيه قولان بالنفوذ فيفوت وعدمه فلا يفوت، وقد علمت أن الراجح هو النفوذ بناء على أن التمكين كالقبض أولا، واعلم أن المعتبر من البيع في هذه الصور هو البيع الصحيح وإلا فلا عبرة به، ومحل الكلام في هذه الصور إن لم يقصد بها المشتري الإفاتة ومثله البائع في ذلك، وأما إذا قصد بها الإفاتة فأشار إليه بقوله: لا إن قصد بالبيع الإفاتة؛ يعني أنه إذا قصد المشتري بالبيع أو الهبة أو الصدقة أو غير ذلك إفاتة المبيع فإنه لا يفوت بذلك ويرد فعله، وكذلك البائع وهذا في غير العتق، وأما العتق فماض. قال عبد الباقي: ويفسخ البيع وجوبا كبيع فاسد لم يحصل فيه فوت، كذا يفيده الشارح. قال ابن عرفة: وسمع عيسى ابن القاسم: من باع عبدا أو دارا بيعا حراما فقام بفساد المبيع على المشتري يريد فسخ المبيع ولم يفت ذلك فيفوت المشتري ذلك بتصدق بالدار أو بيعها أو بيع العبد أو بعتقه بعد قيام البائع عليه، لم تجز صدقته ولا بيعه بعد قيامه عليه بفسخه، ويمضي العتق لحرمته. ابن رشد: وهذا صحيح لأنه متعد فيما فعل بعد القيام عليه إنما يجوز له ذلك قبل القيام عليه لأنه أذن له في ذلك حين ملكه المبيعَ بالبيع الفاسد، فإذا باع أو وهب أو تصدق بعد أن قام عليه فله إجازة ذلك وأخذ القيمة يوم القبض لأنه بفعله ذلك رضي بالتزام القيمة، وله رد ذلك وأخذ مبيعه، وليس له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن إذ ليس بعداء صرف. عياض: ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قاصدا تفويتها أن بيعه غير ماض، قلت: هذا خلاف قول اللخمي: إن قصد المشتري بالبيع والهبة تفويت البيع (١) قبل أن يقوم عليه البائع كان فوتا.
стр. 5394
واختلف إن فعل ذلك بعد أن قام عليه البائع ليرد البيع، قلت: ففي فوته بصحيح بيعه بقصد تفويته، ثالثها: إن كان قبل قيام بائعه بفسخه لظاهرها مع اللخمي على المذهب وعياض مع ابن محرز عنه ونقل اللخمي مع سماع عيسى ابن القاسم.
تنبيهات: الأول: قد مر قول المص وفي بيعه لخ، وقد مر أنه البيع الصحيح وأن الفساد غير مفيت وهذا من قبيل قول الفقهاء: النجاسات لا تزيل أحكام النجاسات. الثاني: قد علمت مما مر أن الراجح تفويت ما يحدثه البائع أو المشتري مما مر ذكره. قال الشيخ أبو علي بعد جلب كثير من النقول: وقد تحصل من هذا كله أن كل عقد عقده البائع في المبيع وهو في يد المشتري ماض بيعا كان أو إجارة أو رهنا أو حبسا أو صدقة أو نوعا من أنواع العتق، ولو كتابة لأن الكتابة بيع أو عتق، وكذا إن كان بيده وهو أحرى، والخلاف فيه ضعيف، وكذا المشتري كل ما فعله مما تقدم فهو ماض: أما إن كان بيده فلا إشكال، وكذا وهو بيد البائع على الراجح.
الثالث: يفهم من كلام ابن رشد المتقدم أن المشتري شراء فاسدا يجوز له التصرف في المبيع قبل القيام عليه، وهو خلاف ما مر من أن فائدة معرفة ما يكون فوتا أن جميع ما اشتري شراء فاسدا لا يجوز أكله والانتفاع به بوجه من الوجوه ما دام على حاله لم يدخله مفيت، فإذا دخله شيء من هذه المفيتات حل أكله والانتفاع به جائز حلال. قاله القباب. وقد مر قول ابن رشد: وأخذ القيمة يوم القبض خلاف ما مر من اعتبارها يوم المبيع قاله الشيخ أبو علي. الرابع: قوله: لا إن قصد بالبيع الإفاتة، قال عبد الباقي: وصدق بيمينه في دعواه قصد الإفاتة أو عدمه حيث لم يقم دليل على كذبه كذا ينبغي.
وارتفع المفيت إن عاد؛ يعني أنه إذا حصل مفيت في البيع الفاسد ووجبت القيمة في المقوم والمثل في المثلي دفع ذلك أم لا، ولم يحكم حاكم بعدم رده، ثم عاد المبيع إلى حالته التي كان عليها قبل الفوات، فإن ذلك المفيت يرتفع بمعنى أنه يكون بمنزلة ما إذا لم يحصل في المبيع مفوت فيرد إلى ربه الأصلي، وإذا كان فواته بخروج عن يد وعاد لمشتريه فلا فرق بين أن يعود إليه باختياره كشرائه أو بغيره كحصوله بإرث، فإن حكم حاكم بعدم رده مضى ولم يرد لربه بعد عوده له، وأشعر قوله: إن عاد أن ما لا يمكن عوده إما حسا كطول زمان حيوان وإما شرعا
стр. 5395
كالعتق والتدبير ونحوهما حيث لم يُرَدُّ ذلك شرعا فلا يتأتى ارتفاعه، وما ذكره المص هو قول ابن القاسم. وقال أشهب: لا يرتفع لعوده من بيع ولا غيره ويجري على هذا الاختلاف العتق أو التدبير يرده الغريم، والعيب يزول بعد حصوله. المازري: وكذلك إذا آجره أو رهنه ثم افتكه فإن ذلك كله يجري على القولين.
إلا بتغير السوق؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا فات بحوالة سوق فيما تفيته حوالة الأسواق، ثم إن السوق عاد إلى حالته التي كان عليها قبل الفوات فإن ذلك المبيع لا يرد، بل يمضي بالثمن أو بالقيمة على ما مر ولا ينظر إلى ما رجع إليه. قال الشيخ أبو علي: قال ابن يونس: ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا تغير سوق السلعة ثم عاد لهيئته فقد وجبت القيمة، وكذلك إن ولدت الأمة ثم مات الولد، وأما إن باعها ثم رجعت إليه بعيب أو شراء أو هبة أو ميراث أو كاتبها ثم عجزت بعد أيام يسيرة فله الرد، إلا [إن تغير] (١) سوقها قبل رجوعها إليه فذلك فوت، وإن عاد لهيئته أو يَمْضِيَ للأمة نحو الشهر فلابد أن تتغير في بدنها أو سوقها، وأشهب يفيتها بعقد البيع والكتابة وإن رجعت إليه بقرب ذلك، كحوالة الأسواق؛ وقول أشهب: إن حوالة الأسواق والبيع سواء أقيس. انتهى. ولما أنهى الكلام على البيوع التي نص الشرع على المنع فيها، عقَّبها ببيوع ظاهرها الجواز ويتوصل بها إلى ممنوع، فمنعها أهل المذهب وأجازها غيرهم فقال:
стр. 5396
فصل: في بيوع الآجال، ومنعت حماية للذريعة بالذال المعجمة أي الوسيلة إلى الشيء، وأصلها عند العرب ما تألفه الناقة الشاردة من الحيوان لتنضبط به، ثم نقلت إلى البيع الجائز المتحيل به على ما لا يجوز، وكذلك غير البيع على الوجه المذكور فهو من مجاز المشابهة، والذرائع ثلاثة: ما أجمِع على إعماله كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله تعالى لأجل ذلك، وكحفر آبار في طريق المسلمين حيث يعلم وقوعهم فيها، وإلقاء السم في أطعمتهم إذا علم أكلهم منها؛ وما أجمع على إلغائه كالمنع من زرع العنب لأجل الخمر، والتجاور في المساكن خشية الزنى؛ وما اختلف فيه كالنظر للأجنبية، والحديث معها، وبيوع الآجال. ومذهب مالك منعها أي منع بيوع الآجال، والمراد ما اختلف فيه بين العلماء، والنظر للأجنبية أي بغير شهوة، وكذا ما بعده فمالك يجيزه وغيره يمنعه؛ إذ ما بشهوة متفق على منعه. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: ويسميها أهل المذهب بيوع الآجال، قال في التوضيح: وهل كل من البيوع والآجال باق على دلالته أو سلبت دلالة كل واحد وصار المجموع اسما لا ذكره فيه احتمالان والثاني أظهر. انتهى. واعلم بأنه إذا أريد بها مسائل هذا الباب فالاحتمال الثاني متعين، ودليل مالك ﵁ (ما في الموطإ أن بحينة أم ولد لزيد بن أرقم قالت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين إني بعت من زيد بن أرقم عبدا بثمان مائة إلى العطاء واشتريته بست مائة نقدا، فقالت عائشة ﵂: بيسما شريت وبيس ما اشتريت. أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، قالت: أرأيت إن أخذته برأس مالي؟ قالت عائشة ﵂: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾. وهذه الصورة محل النزاع بين مالك والشافعي. قال الخرشي: وهذا التغليظ العظيم لا تقوله عائشة إلا عن توقيف لا من طريق قياس، وقول من قال من أصحابنا: لعلها إنما قالت ذلك لوقوع البيع إلى العطاء وهو مجهول ليس بظاهر؛ لأن المنقول عن عائشة جواز البيع إلى العطاء، وضعف بعض الشيوخ هذا الخبر لما فيه من قولها: أبطل جهاده إذ ظاهره إبطال الذنوب للأعمال، وهو خلاف كتاب الله وحديث نبيه ﵊، ومذهب أهل السنة. ابن عرفة: بيوع الآجال يطلق مضافا ولقبا، الأول: ما أجِّل ثمنه العين وما أجِّل ثمنه غيرَها سلمٌ، والثاني لقب لتكرر بيع عاقدي الأول ولو
стр. 5397
بغير عين قبل انقضائه. انتهى. وأشار بهذا إلى أن بيوع الآجال لها مفهومان، مفهوم إضافي وهو أن يكون البيع أضيف إلى أجل فكل لفظ من البيوع والآجال باق على دلالته، وضد ذلك بيع النقد ومفهوم يسمى بالمضاف والمضاف إليه، فصارا لقبا له أي سلبت دلالة كل واحد، وصار المجموع لقبا لما ذكره. وقوله: لتكرر بيع لخ، أخرج به عدم تكرر البيع، وتكرره من غير عاقدي الأول، والأول صفة للبيع وكان عليه أن يقول: لأجل، عقب قوله: الأول، وهي في بعض نسخ ابن عرفة، وقوله: قبل اقتضائه، أخرج به ما إذا وقع ذلك بعد اقتضاء الأول.
فرع: من باع سلعة بعينها ولم يذكر في ثمنها حلولا ولا تأجيلا فإنه يحمل على الحلول. نقله الحطاب وقال المص رحمه الله تعالى مستأنفا أو عاطفا على قوله: وفسد منهي عنه، ولا يمنع ذلك الفصل "بفصل" كما ذكره السعد في شرح التصريف. قاله عبد الباقي. ومنع للتهمة ما كثر قصده؛ يعني أنه يمنع من بيوع الآجال الظاهرة الصحة لأجل تهمة التوصل إلى باطن ممنوع كلُّ بيع كثر قصده أي قصد باطنه الممنوع، فما واقعة على المبيع الجائز في الظاهر، والضمير في قصده عائد على ما باعتبار حذف مضاف؛ أي كثر قصد باطنه الممنوع وقصده فاعل كثر، وقال الخرشي مفسرا للمص: أي ومنع كل بيع جائز في الظاهر مود إلى ممنوع في الباطن للتهمة أن يكون المتبايعان قصدا بالجائز في الظاهر التوصل إلى ممنوع في الباطن وذلك في كل ما كثر قصده للناس. انتهى. وفي بعض النسخ قصدا بالتنكير والفاعل ضمير عائد على ما، وقصدا تمييز محول عن الفاعل أي ما شأنه أن يقصد كثيرا، وظاهره وإن لم يقصده فاعله، وذكر المواق، عن ابن رشد أنه لا إثم على فاعله فيما بينه وبين الله تعالى، حيث لم يقصد الأمر الممنوع. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب مفسرا للمص أي: ومنع كل بيع جائز في الظاهر مود إلى ممنوع في الباطن، وليس ذلك في كل ما أدى إلى ممنوع، بل إنما يمنع ما أدى إلى ما كثر قصده للناس. انتهى المراد منه.
كبيع وسلف، مثالٌ لما كثر قصد الناس له، فمنع للتهمة؛ يعني أن من الممنوع الذي يكثر القصد إليه ويتحيل إليه بما هو جائز في الظاهر ما يؤدي إلى البيع والسلف، قال الإمام الحطاب: واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف، وكذلك ما أدى إلى بيع وسلف وهو جائز في الظاهر
стр. 5398
لا خلاف في المذهب في منعه، صرح بذلك ابن بشير وتابعوه وغيرهم، مثال ذلك أن يبيع سلعتين بدينارين إلى شهر، ثم يشتري إحداهما بدينار نقدا، وقاعدة إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه وأصحابه عد ما خرج من اليد وعاد إليها لغوا، وكأن البائع خرج من يده دينار وسلعة نقدا يأخذ عند الأجل دينارين أحدهما عوض عن السلعة وهو بيع، والثاني عوض عن الدينار المنقود وهو سلف، واعلم أن الصور ثلاث: بيع وسلف بشرط ولو بجريان العرف وهي التي قدم المص ذكرها في المنهيات، وتهمة بيع وسلف حيث يتكرر البيع وهي التي تكلم المص عليها هنا، فالأولى لا خلاف في المنع منها، وكذا الثانية لا خلاف في المذهب في المنع منها، والثالثة بيع وسلف بلا شرط لا صريحا ولا حكما وهي جائزة. والله سبحانه أعلم.
وسلف بمنفعة؛ يعني أن ما أدى إلى سلف بمنفعة للمسلِف بكسر اللام يمنع اتفاقا. مثاله: من باع سلعة إلى أجل بعشرة ثم اشتراها بثمانية نقدا، فإن ثوبه رجع إليه فئال الأمر إلى أنه دفع ثمانية فأخذ عنها عشرة قال الإمام الحطاب: وإنما كان البيع والسلف، والسلف بالمنفعة مما يكثر القصد إليهما لما فيهما من الزيادة، والنفوس مجبولة على حبها، والباء في بمنفعة بمعنى مع، وأتى الشيخ بالكاف في: كبيع وسلف ليدخل ما أدى إلى ممنوع يكثر القصد إليه غير هذين المثالين، كما لو أدى إلى الدين بالدين أو إلى صرف مستأخر أو مبادلة فلا يجوز كما يأتي. قاله الحطاب. قال: ولا فرق بين أن يكون المتبايعان قصدا [للممنوع] (١) وتحيلا عليه بالجائز في الظاهر أو لم يقصداه وإنما آل أمرهما إلى ذلك، قال في التوضيح: التهم عليه في هذا الباب كالمدخول عليه لأن الداخل عليه آثم آكل للربا، كما أخبرت عائشة ﵂، ولا يقال: كان ينبغي أن يكتفي بقوله: سلف بمنفعة عن قوله: بيع وسلف؛ لأن البيع والسلف إنما منع لأدائه إلى السلف بمنفعة؛ لأنا نقول: هو وإن كان مؤديا إليه إلا أنه أبين في بعض الصور لأنه تعليل بالمظنة فكان أضبط. والله أعلم. انتهى.
стр. 5399
لا قل يعني أنه لا يمنع البيع الذي قل قصد باطنه الممنوع، والمعطوف بلا محذوف؛ أي ما قل القصد إليه، فلا هنا عطفت مفردا على مفرد قال الحطاب: لما كان مفهوم قوله: كثر قصده، أن ما قل قصده لا يمنع، وكان ذلك مختلفا فيه ومنقسما إلى قسمين، أحدهما أضعف من الآخر، وكان الحكم فيهما واحدا على المشهور، نبه على ذلك بقوله: لا قل؛ أي القصد إليه وهو على قسمين؛ لأنه إما أن يكون القصد إليه بعيدا جدا أو لا يكون بعيدا جدا، فالثاني كالمؤدي إلى ضمان بجعل، مثاله أن يبيع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثم يشتري منه عند الأجل أو قبله ثوبا بالعشرة، فئال أمره إلى أنه دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما بالآخر إلى شهر، وحكى ابن بشير وابن شأس في ذلك قولين مشهورين، وحكى ابن الحاجب القولين من غير تشهير، إلا أنه قال في التوضيح: ظاهر المذهب الجواز لبعده، واقتصر في هذا المختصر عليه، ولا خلاف في منع صريح ضمان بجعل؛ لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا تفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض عليه سحت قاله في التوضيح. ابن بشير: ينبغي أن الخلاف خلاف في الحال، فمتى ظهر القصد منع ومتى لم يظهر جاز. انتهى. ومثل: للبعيد جدا بقوله:
أو أسلفني وأسلفَكَ؛ يعني أن ما أدى إلى أسلفني وأسلفك لا يمنع؛ لأن القصد إلى ذلك بعيد جدا، مثال ذلك أن يبيع ثوبا بدينارين إلى شهر ثم يشتريه بدينار نقدا ودينار إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إلى صاحبها ودفع الآن دينارا، ويأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوض عما كان أعطاه، والثاني كانه أسلفه له ليرده بعد شهر. انتهى. أي فالدينار النقد يقدر سلفا يأخذ عنه دينارا وأسلفه الآخر الدينار الثاني، ويدفع له عنه الدينار المؤجل بشهرين. والله سبحانه أعلم. وقوله: أسلفني وأسلفك بف تح همزة الأول وضم همزة الثاني لأنه مضارع والأول أمر، والمضارع منصوب بأن مضمرة بعد الواو في جواب الأمر. وقد علمت أن المشهور جواز ما أدى إلى أسلفني وأسلفك، والشاذ لابن الماجشون اعتبار هذا فيمنع ما أدى إليه، ولا خلاف في المنع من أن يسلف إنسان شخصا [ليسلف] (١)، واستبعد ابن عبد السلام أن يكون هذا أضعف مما قبله،
стр. 5400
قال: لأن العادة طلب المكافأة على السلف بالسلف، أجيب بأن المستبعد إنما هو الدخول على أن يسلفه الآن ليسلفه بعد شهر إذ الناس إنما يقصدون السلف عند الاضطرار. والله أعلم. وأدخل الشيخ الكاف في قوله: كضمان بجعل، ليدخل ما أشبهه في البعد كبيع دنانير بدنانير مؤخرة من جنسها إذا كانت الأولى أكثر؛ لأنه يبعد القصد إلى دفع كثير ليأخذ عنه قليلا، وما أشبه ذلك مما سيأتي. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ووجه الجواز أن الناس في الغالب لا يقصدون السلف إلا ناجزا لا بعد مدة.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: كضمان بجعل ما نصه: كبيع ثوبين بدينار لشهر ثم يشتري منه أحدهما بعد مدة بدينار نقدا فيجوز ولا ينظر لاتهامه أن يكون دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما وهو الثوب الذي اشتراه مدة بقائه عنده بالآخر، وإطلاق الضمان على هذا تَجَوُّز؛ لأنه ليس فيه شغل ذمة أخرى بالحق. انتهى المراد منه. قوله: وإطلاق الضمان على هذا لخ، قال بناني: فيه نظر، بل الضمان عند الفقهاء له إطلاقان أخص وهو شغل ذمة لخ، وأعم وهو موجب الغرم مطلقا ومنه قوله: وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض، ومنه ضمان الرهان وغيرها، ومن هذا الإطلاق الضمان هنا فهو حقيقة لا مجاز. انتهى. ولما ذكر ﵀ موجب فساد بيوع الآجال شرع يذكر الممنوع منها من غير الممنوع على سبيل التفصيل، ولذا أتى بالفاء في قوله: فمن باع، مقوما يرى بعينه قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: فمن باع شيئا لخ، لأجل، ولا تكون المبيعة الأولى إلا إلى أجل إذ لو كانت نقدا لانتفى التهمة فيجوز إلا أن يكون من أهل العينة. ثم اشتراه؛ أي عين ما باع وحده بجنس ثمنه. الذي باعه به وبينه بقوله: من عين، متفق في البيعتين صنفا وصفة. قاله عبد الباقي. أي باع ثوبه مثلا بعين إلى شهر، ثم اشتراه بعين مثلها صنفا وصفة. وطعام، عطف على عين أي باع ثوبه مثلا بطعام ثم اشتراه بطعام من صنفه ولو اختلفت صفته، ويجري مثل ذلك في قوله: وعرض والواو فيهما بمعنى أو، فالبيعة الثانية إما أن تكون تقدا أو للأجل الأول أو أقل منه أو أكثر منه، وهذه أربعة أحوال بالنسبة للأجل، وكل منها له ثلاث حالات؛ لأنه إما بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر تحصل اثنتا عشرة صورة، قال أحمد: قوله فمن، من شرطية، وقوله: فإما نقدا لخ، تفصيل، والجواب محذوف
стр. 5401
تقديره: ففي كل نوع مع مماثله اثنتا عشرة صورة. وقوله: يمنع منها ثلاث، إشارة إلى حكم المسائل أي فتسع منها جائزة، وهي ما لم يتعجل فيه الأقل وثلاث منها ممتنعة، وهي أي الثلاث المتنعة ما أي البيع الذي تعجل فيه الأقل، بأن يبيعه بعشرة لأجل ثم يشتريه بثمانية مثلا نقدا أو لدون الأجل، أو بأكثر لأبعد من الأجل، وعلة منعها تهمة دفع قليل في كثير مؤجل، ووكيل كل من البائع والمبتاع بمنزلته، وشراء فضولي للبائع الأول أو محجوره له كهو؛ لأنه لما أجاز شراء الفضولي والمحجور فكأنه هو المشتري، وسواء علم الوكيل أو الموكل ببيع الآخر أو شرائه أو جهل كل ذلك، وعبد كل غير الأذون له أو الأذون له وهو يتجر للسيد كوكيله، فإن تجر لنفسه جاز شراؤه، وسواء باع السيد لأجنبي ثم اشترى العبد منه، أو باع العبد لأجنبي ثم اشترى السيد منه، وقيل يكره. قاله الأقفهسي. وكره للبائع شراؤه لغيره أو لابنه الصغير كما في المدونة، أو محجوره، ومنع شراؤه لعبده غير المأذون له أو الأذون له وهو يتجر للسيد، لا إن تجر لنفسه. ابن عرفة: ابن القاسم: لو مات مبتاعها إلى أجل قبله جاز للبائع الأول شراؤها من وارثه لحلول الأجل بموته، ولو مات البائع لم يجز لوارثه إلاما جاز له من شرائها، ولو ابتاعه لأجل ثم ابتاعه ثالث بالمجلس بعد القبض ثم ابتاعه الأول منه بعد ذلك في موضع واحد منه. قاله في الشامل. فإن ابتاعه الأول منه بعد القبض بمجلس آخر جاز إلا لتواطؤ على تعدد المجلس، فإن كان قبل القبض منع ولو كان وقع ذلك في مجالس فيما يظهر، فشراء البائع من مشتريه يمنع منه ما تعجل فيه الأقل سواء كان الشراء بمجلس البيع كان قبل قبض المبيع أم لا، وأما شراؤه ممن اشترى من مشتريه فإن كان قبل قبض المبيع فكذلك فيما يظهر، كبعده والشراء بمجلس البيع لا بمجلس آخر، فيجوز إلا أن يعلم قصد التحيل قاله عبد الباقي. وتقدم ما يفيد التعميم من قوله: فمن ابتاع شيئا. قال بناني: يقتضي تعميمه؛ يعني عبد الباقي شمول المقوم والمثلي، وخصه الحطاب بالقوم الذي يعرف بعينه، وقال: إن المثلي سيأتي حكمه في كلام المص. انتهى. ويدل له عبارة ابن بشير وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة، لكن قال المسناوي: فيه بحث لأن الذي يأتي هو الكلام على مثل المثلي، أما اشتراء عينه فينبغي
стр. 5402
إدخاله هنا، فقول مصطفى: من عمم كلام المؤلف في المثلي وغيره ورد على الحطاب مخطئ ومقصر. انتهى. فيه نظر والله أعلم. وبحث ابن الحاجب في منع ما إذا اشتراها بأكثر لأبعد من الأجل وإن كان منعها في المدونة بأن ما أدى إليه سلف غير ناجز ويبعد قصد الناس له، وقد تقدم أن ظاهر المذهب الجواز فيما يبعد القصد إليه قاله في التوضيح. انتهى. وقال الرهوني: إن الحق ما قاله مصطفى.
فرع: قال في النوادر: وإذا باع المقارض سلعة بثمن إلى أجل جاز لرب المال شراؤها بأقل منه نقدا. انتهى. نقله الحطاب. قال عبد الباقي: ولما ذكر أحوال تعجيل الثمن كله أو تأجيله كله وكانت أربعة في ثلاثة، ذكر أحوال تعجيل بعضه في كل الصور: وتأجيل البعض الباقي إلى أجل دون الأجل أو مثله أو أبعد، وهذه الثلاثة مضروبة في أحوال قدر الثمن الثلاثة فتكون الصور تسعة، وتسقط صور النقد الثلاث مشبها في المنع فقال: وكذا لو أجل بعضه؛ يعني أنه إذا باعها بعشرة مثلا لأجل أو بطعام مؤجل أو بعرض مؤجل ثم اشتراها بصنف الثمن الأول وبعضه معجل وبعضه مؤجل فإنه ممتنع من ذلك ما تعجل فيه الأقل كله على كل الأكثر أو على بعضه، وذلك صورتان، الأولى: كبيعه سلعة بعشرة لأجل ثم اشتراها بثمانية أربعة نقدا وأربعة لدون الأجل، والمنع لدفع قليل في كثير. الثانية: أن يشتريها في الفرض المذكور باثني عشر خمسة نقدا وسبعة لأبعد من الأجل؛ لأن البائع تعجل الأقل وهو العشرة على بعض الأكثر وهو السبعة التي لأبعد، فالمشتري الأول يدفع بعد شهر عشرة خمسة عوض عن الخمسة الأولى وخمسة يأخذ عنها بعد ذلك سبعة، وتعجل فيه بعضه أي الأقل على كل الأكثر، وذلك صورتان أيضا، فالأولى كبيعه سلعة بعشرة لشهر ثم يشتريها منه بثمانية أربعة نقدا وأربعة للأجل؛ لأنه تقع المقاصة في أربعة عند الشهر، ويأخذ ستة عن الأربعة التي نقدها أولا، فهو سلف بمنفعة. والثانية: أن يشتريها بثمانية أربعة نقدا وأربعة لأبعد من الأجل؛ لأن المشتري الأول يدفع بعد شهر عشرة له ستة في مقابلة الأربعة الأولى، فهو سلف بمنفعة وأربعة يأخذ عنها بعد ذلك مثلها فهذه أربعة، والخمسة الباقية جائزة، وهي ما إذا باع السلعة بعشرة إلى شهر ثم اشتراها بعشرة عجل بعضها وأجل البعض الآخر إلى أجل دون الأجل، أو إلى الأجل أو إلى أبعد، وأن يشتريها باثني عشر بعضها
стр. 5403
معجل وبعضها لأجل دون الأجل أو للأجل، ومنع ابن الماجشون من هذه الصور الخمس الجائزة الصورة الثالثة، وهي: ما إذا باع السلعة بعشرة إلى شهر ثم اشتراها بعشرة عجل منها خمسة وأخر الخمسة الأخرى إلى شهرين، بناء على اعتبار أسلفني وأسلفك؛ لأن الثوب رجع إلى صاحبه وآل الأمر إلى أن البائع أسلف المشتري خمسة الآن على أن يعطيه بعد شهر عشرة خمسة قضاء ويسلفه خمسة، والمشهور الجواز بناء على عدم اعتبار أسلفني وأسلفك. والله أعلم. واعلم أن القاعدة فيما مر أنه إن اتفقت الأثمان فلا نبالي بالآجال؛ أي فتجوز الصور الأربعة وهي أن يشتريه بمثل الثمن نقدا أو لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد من الأجل، وإن اتفقت الآجال فلا نبالي بالأثمان؛ أي فتجوز ثلاث صور وهي أن يشتريها للأجل بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، فتلك ستة لأن واحدة من هذه الثلاث داخلة في الأربع الأول، وإن اختلفتا معا فانظر إلى اليد السابقة بالدفع، فإن عاد إليها أكثر مما دفعت منع وذلك ثلاث، وإلا جاز وذلك ثلاث أيضا، وهي أن يشتريها بأقل لأبعد من الأجل وبأكثر نقدا أو لدون الأجل، وكذا يقال في صور تأجيل البعض، وتعجيل البعض كما مر بيانه. ولما كان محل الجواز قد يكون ممتنعا لوجود مانع بين ذلك مشبها في المنع فقال: كتساوي الأجلين إن شرطا نفي المقاصة؛ يعني أنه إذا باع سلعة بمائة لشهر مثلا ثم اشتراها بمائة وعشرين مثلا لذلك الشهر، وشرطا في عقد البيع الثاني نفي المقاصة فإن ذلك ممنوع والمنع هنا لأجل ابتداء الدين بالدين، ولو اشترطا المقاصة فالجواز لسقوط المتماثلين ولم يبق غير الزائد في ذمته فقط، وكذا يجوز إن سكتا عنها لأنه يقضى بها عند تساوي الأجلين. قال الحطاب: قد تقدم أنه أتى بالكاف في قوله: كبيع وسلف ليدخل ما أشبهه كالدين بالدين، وأن التهمة على ذلك معتبرة، فلذلك منع ما أصله الجواز وهو ما إذا تساوى الأجلان إذا شرطا نفي المقاصة لما فيه من عمارة الذمتين سواء كان الثمن الثاني مساويا للثمن الأول أو أقل أو أكثر، ومفهوم قوله: إن شرطا نفي المقاصة أنهما لو لم يشترطا نفيها جاز سواء شرطاها أو سكتا عنها، وهو كذلك لوجوب الحكم بها حينئذ ووجوب المقاصة نفى التهمة، وقد صرح بذلك الرجراجي وغيره. انتهى.
стр. 5404
تنبيه: قال في الجواهر إذا اشترطا المقاصة جازت الصور كلها؛ يعني الاثنى عشر صورة لارتفاع التهمة وهو ظاهر، ولأجل ذلك أي ولأجل اعتبار هذه التهمة صح البيع وجاز في مسألة ما إذا اشتراها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول إذا شرطاها؛ أي المقاصة للسلامة من دفع قليل في كثير. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ولذلك أي ولأجل أن للشرط المتعلق بالمقاصة تأثيرا سواء تعلق بثبوتها أو نفيها صح في أكثر لأبعد، وكذا في بقية الصور الممتنعة كما في الحطاب، كشرائه بأقل لدون الأجل واشترطا المقاصة، فاقتصار المص على ما ذكر فرض مسألة كما في أحمد إذا شرطاها، وبما قررنا من قولنا: أو نفيها، علم أنه لا يرد أن المشار له هو شرط نفي المقاصة والصحة مع شرط المقاصة فبين قوله: إذا شرطاها وبين قوله: ولذلك تخالف، وأجيب: أيضا بأن اسم الإشارة عائد على قوله: للدين بالدين. انتهى.
والرداءة والجودة كالقلة والكثرة؛ يعني أن الرداءة من جانب والجودة من جانب آخر معتبرتان كاعتبار القلة والكثرة، فالردي كالقليل والجيد كالكثير، قال بناني: يأتي في هذا ثمان صور، أربع إذا باع بجيد واشترى بردية، وأربع في عكسها فإذا نوعت الثمن الثاني إلى مثل الأول أو أقل أو أكثر كانت أربعا وعشرين، فإن ضربتها في كون الثمن عينا أو عرضا أو طعاما صارت اثنتين وسبعين، وإن لاحظت مسألة ما أجل بعضه كانت ثمان عشرة، فإن ضربتها في ثلاث صور الثمن صارت أربعا وخمسين، فإن ضممتها للصور الأول كانت مائة وستا وعشرين، والمقصود بالتشبيه في كلام المص إنما هو صورتا النقد فقط بأن يشتريها بجيد نقدا مثل أو أكثر، قال المسناوي: وهاتان الصورتان الحق الجواز فيهما كما أفاده المص لأن قصد الناس إلى الصرف أكثر من قصدهم إلى المبادلة، فالتهمة عليه أقوى والمدار على قوة التهمة. انتهى. وقال الرهوني: قول محمد بن الحسن: قال المسناوي: والحق الجواز فيهما. قلت: وكلام الحطاب يفيد أيضا أنه الصواب، وكلام ابن يونس الذي في المواق هنا شاهد لذلك. والله أعلم. انتهى. فالصور كلها ممنوعة ما عدا اثنتين ث وقد صرح ابن الحاجب في بعض نسخه بالمنع في الصور كلها، وفي بعض نسخه مثل ما للمص. واعلم أن الاختلاف بالسكتين كالاختلاف بالجودة والرداءة، والمص أتى
стр. 5405
بالمنع فيه ولم يستثن شيئًا، فعلم منه هنالك أن صور التأجيل هنا ممنوعة بالكلية ويؤخذ مما هنا التفصيل فيما يأتي في صور النقد. قاله بناني. والله سبحانه أعلم.
ومنع بذهب وفضة؛ يعني أنه يمنع بيع سلعة بذهب لأجل ثم يشتريها منه بفضة وكذا العكس، فلا يبيعها بفضة ثم يشتريها منه بذهب، فالصور الاثنا عشر في تقديم الذهب ومثلها في تقديم الفضة، وإنما منع ذلك للصرف المؤخر أي الاتهام عليه لأن البيعة الأولى لابد من تأجيلها، فالثانية إن عجلت كلها لزم صرف يتأخر قبضه، وكذا إن أجلت كلها أو بعضها ولو للأجل، ولا يخفى أن الممنوع إنما هو البيع الثاني. إلَّا أن يعجل أكثر من قيمة المتأخر جدا؛ يعني أن محل المنع في بيع السلعة بذهب وشرائها بفضة، وعكس ذلك إنما هو حيث لم يعجل أكثر من قيمة المتأخر جدا، وأما إن كان المعجل أكثر من قيمة المتأخر جدا فإنه يجوز لانتفاء الصرف المؤخر قال عبد الباقي عند قوله: إلَّا أن يعجل أكثر من قيمة المتأخر جدا ما نصه: بأن يكون العجل يزيد على المؤخر بقدر نصف المؤخر، فيجوز لانتفاء تهمة الصرف المؤخر، كبيع ثوب بدينارين لشهر ثم اشتراه بستين درهما نقدا وصرف الدينار عشرون، والمراد بالقيمة ما جعله الإمام قيمة في الدنانير والدراهم، وأما في غيرهما فتعتبر القيمة الجارية بين الناس. قال عبد الباقي: قال أحمد: انظر هل تعجيله أقلّ من قيمة المتأخر جدا كتعجيله أكثر لانتفاء دفع قليل في كثير أو لا؟ وهو الذي ينبغي. انتهى. قال بناني: هذا قصور إذ المنع في هذا مصرح به في المدونة، ونصها: وإن بعته بثلاثين درهما إلى شهر يعني الثوب فلا تبيعه بدينار نقدا فيصير صرفا مؤخرا، ولو ابتعته بعشرين دينارا جاز لبعدكما من التهمة، وإن بعته بعشرين إلى شهر جاز أن تبتاعه بثلاثة دنانير نقدا لبيان فضلها ولا يعجبني بدينارين، وإن ساوياها في الصرف. انتهى. ففي الصورة الأولى عجل دينارا ويأخذ ثلاثين درهما، والدينار أقلّ منها جدا لأنه قدر ثلثها وقد منعه. انتهى. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإن بعته بثلاثين درهما إلى شهر جاز أن تبتاعه بثلاثة دنانير نقدا لبيان فضلها ولا يعجبني بدينارين، وإن ساوياها في الصرف. انتهى. ومنع أشهب ذلك مطلقًا مبالغة في الاحتياط للصرف، وقيل: يجوز إذا ساوى المعجل قيمة المؤخر. قال أبو الحسن
стр. 5406
الصغير: تحصيل المسألة إن كان النقدان إلى أجل لم يجز قولا واحدا، وكذا إن كان أحدهما نقدا والآخر مؤجل والنقد أقلّ من صرف المؤخر، وإن كان مثله أو أكثر فقولان، قال أشهب: لا يجوز مطلقًا؛ ومذهب ابن القاسم في الكتاب أنه إن كان مثل صرف المؤخر أو أكثر بشيء قليل لم يجز، وإن كان أكثر بشيء كثير جاز. قال: ومفهوم قوله: بعشرين دينارا أنه لو كان بأقل من عشرين لم يبعدا عن التهمة وليس كذلك، بل يبعدان بخمسة عشر وبعشرة. انتهى. قلت: ولو بأقل من ذلك كما يفهم من آخر كلامه في المدونة. قال أبو الحسن: وقوله: لبيان فضلها لأن أربعين درهما صرف دينارين ويبقى دينار، وهذا ما جرت به عادته في الكتاب أن صرف الدينار عشرون درهما.
وبسكتين إلى أجل، عطف على قوله: بذهب يعني أنه يمنع البيع بسكة ثم الشراء بسكة أخرى إلى أجل اتفق الأجلان أو اختلفا، وسواء اتفقا في العدد بالقلة والكثرة أم لا، وقد نبه على المنع فيما تخف فيه التهمة عن عكسه بقوله: كشرائه للأجل الأول، وأولى لدونه وأبعد منه بسكة محمدية؛ أي الشيء الذي باع بسكة يزيدية لاشتغال الذمتين، ولا ينظر لمعدن كلّ، فالمحمدية أجود ولو كان معدنها أردى واليزيدية أردى ولو كان معدنها أجود، ومعنى جودة السكة المحمدية كون رواج ما هي به أكثر من رواج السكة اليزيدية، ويقاس على المحمدية واليزيدية غيرهما كالشريف المحمدي والإبراهيمي في زمننا. قاله عبد الباقي. وقال بناني: قد علم أن الاختلاف بالسكتين كالاختلاف بالجودة والرداءة، وأخذ مما هنا المنع في صور الآجال كلها وهي ثمان عشرة، وأخذ مما تقدم التفصيل في صور النقد وهي ست، وقال الحطاب: قد تقدم الكلام أولا فيما إذا اتفق الثمنان من كلّ وجه، ثم ذكر هنا ما إذا اختلفا في السكة، فذكر أنه إن تأجل الثمنان منع مطلقًا وذلك شامل لثمان عشرة صورة؛ لأن الثمن الثاني إما مؤجل لأجل دون الأجل أو للأجل نفسه أو لأبعد من الأجل، وعلى كلّ حال فإما أن يكون مثل الثمن الأول عددا أو أقلّ أو أكثر: فهذه ثلاث في ثلاث بتسع، ثم لا تخلو السكة الثانية أن تكون أجود من الأولى أو أردي، ثم مثل من ذلك بصورة يتوهم فيها الجواز من جهتين بل من ثلاث، وهي: ما إذا باع السلعة بعشرة دراهم يزيدية ثم اشتراها بعشرة محمدية إلى الأجل نفسه، فيتوهم الجواز من اتفاق
стр. 5407
الثمنين في العدد وفي الأجل، ومن كون المحمدية أجود من اليزيدية، وهذا عكس ما فرضه في المدونة، وإنما قصد المص العكس لأنه مختلف فيه، ومفهوم قوله، للأجل، أنه إذا اشتراها نقدا جاز، وفي ذلك ست صور؛ لأنه إما بمثل عدد الثمن الأول أو أكثر أو أقلّ، وعلى كلّ حال فالثمن الأول إما أجود سكة أو بالعكس، وليس على إطلاقه بل ينظر فإن كان الثمن الأول أجود سكة فيمنع، وإن كان الثاني أجود فإن كان أقلّ من الأول فيمتنع أيضًا وإن كان مثل عدد الأول أو أكثر جاز، فالجائز من مسائل النقد الست اثنتان فقط، وهما ما إذا اشتراه بسكة أجود وكان عدد الدراهم الثانية مثل عدد الأولى أو أكثر. انتهى.
وإن اشترى بعرض مخالف ثمنه جازت ثلاث النقد فقط؛ يعني أنه إذا باع ثوبا مثلا بعين أو عرض إنه اشترى عين ثوبه بعرض مخالف لثمنه الأول، بأن يكون الأول عينا والثمن الثاني عرض، أو يكون الثمن الأول عرضا والثمن الثاني عرض مخالف لجنس ذلك المرض، كأن يكون ثمن الثوب الأوَّلُ جملا واشتراه بفرس، فإنه لا يخلو من أن تكون قيمة الفرس أقلّ من الثمن الأول أو قدره أو أكثر، وفي كلّ إما أن يكون الثمن الثاني الذي هو الفرس نقدا أو لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد، يجوز منها ثلاث النقد، وهي: أن يكون الفرس نقدا وقيمته أكثر من قيمة الجمل، أوأقلّ، أو مثلها، أو يكون قيمة الفرس قدر الثمن الأول إن كان الثمن الأول عينا أو أقلّ أو أكثر، والتسع الباقية ممنوعة وهي صور الآجال، ومفهوم قوله: برض مخالف أن العرضين لو كانا نوعا واحدا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم كبيعه كتابا بثوب لشهر ثم اشتراه بثوب، فالبيعة الثانية إما نقدا أو لأجل دون الأجل أو مثله أو أبعد منه، وعلى كلّ قيمتهما إما متساوية أو الثاني قيمته أقلّ من قيمة الأول أو أكثر، فهي اثنتا عشرة صورة، يمنع منها ما عجل فيه الأقل اتفاقا، ويجوز منها ما لم يعجل فيه الأكثر اتفاقا، وفي جواز ما عجل فيه الأكثر ومنعه قولان، منشؤهما اعتبار ضمان بجعل وعدم اعتباره حكاهما المازري عن المتأخرين. قاله عبد الباقي. قال بناني: وهذا المفهوم داخل في قول المص فيما تقدم: ثم اشتراه بجنس ثمنه من عين وعرض وطعام الخ، وقوله: وفي جواز ما عجل فيه الأكثر لخ، ليس في هذا إلَّا الجواز، وإنما
стр. 5408
محلهما إذا عجل عرضين مثلا ويأخذ عرضا وهما متماثلان. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: جازت ثلاث النقد فقط، وهي بيع ثوب ببعير قيمته عشرة لشهر ثم يشتريه بفرس قيمته ذلك أو أقلّ أو أكثر نقدا؛ لأن ربا الفضل لا يدخل العروض، والمخالفة مع تساوي القيمة معناها في العرضية، وامتنعت تسعة وهي ما أجل فيه الثمنان وعلة المنع فيها دين بدين؛ لأن ذمة كلّ منهما معمرة لصاحبه بعرض مخالف للعرض الذي عليه. انتهى. وقال بناني عند قوله: وإن اشترى بعض لخ، ما نصه: واعلم أنه يتصور في هذه المسألة مائة وأربع وأربعون صورة؛ لأنه إما أن يبيع بذهب أو فضة ويشتري بعرض أو طعام فهذه أربع، وإما أن يبيع بعرض ويشتري بعرض مخالف أو طعام أو ذهب أو فضة فهذه أربع أخرى، وإما أن يبيع بطعام ويشتري بطعام مخالف أو عرض أو ذهب أو فضة وهذه أربع أخرى، فالمجموع اثنتا عشرة صورة تضرب في اثنتي عشرة صورة التي عند الزرقاني، وهي بأربع وأربعين ومائة منها ست وثلاثون هي صور النقد، فتجوز كلها إلَّا أنه إذا باع بطعام واشترى بطعام مخالف تمنع الصور كلها، فالجائز إذا ثلاث وثلاثون والله تعالى أعلم. ويمتنع الباقي لكن إذا باع بطعام واشترى بطعام مخالف يمنع مطلقًا لما فيه من ربا النساء. انتهى. وقوله: ثمنه بالنصب مفعول مخالف.
والمثلي صفة وقدرا كمثله؛ يعني أن من باع مثليا كإردب قمح مثلا ثم اشترى من المشتري مثله صفة وقدرا فإن ذلك بمنزلة ما إذا اشترى منه عين الإردب الذي باعه له أوَّلًا فتأتي فيه اثنتا عشرة صورة؛ لأن البيعة الثانية إما نقدا أو لدون الأجل أو له أو لأبعد، وعلى كلّ اشترى المماثل بمثل الثمن الأول أو أقلّ أو أكثر، يمنع منها ثلاث، وهي ما تعجل فيه الأقل ولوأجل بعضه ممتنع ما تعجل فيه الأقل أو بعضه، وقوله: كمثله أي كمن اشترى عين ما باع، فقوله: كمثله أي كهو، فهو من مجاز الزيادة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وكقوله تعالى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي كمن هو في الظلمات. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. وفي الخرشي: أن مثل تأتي بمعنى ذات كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ انتهى. وقال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن من باع مثليا من مكيل وموزون ومعدود طعاما أو غير طعام ثم اشترى مثله صفة كمحمولة ثم محمولة وقدرا كإردب ثم إردب فكأنه اشترى عين ما باع، ومن اشترى عين
стр. 5409
شيئه فإما نقدا أو للأجل أو لأقل منه أو لأبعد، بمثل الثمن الأول أو أقلّ أو أكثر، فيمنع منها ثلاث، وهي ما عجل فيه الأقل وهي شراؤها ثانيا بأقل نقدا أو لدون الأجل أو بأكثر لأبعد، ويجوز ما عداها، ومحل كون الممنوع ثلاثًا إن وقع الشراء الثاني قبل غيبة المشتري الأول على المثلي، فإن غاب عليه امتنع صورتان أخريان كما أشار إلى ذلك بقوله: فيمنع بأقل لأجله أو لأبعد إن غاب مشتريه به؛ يعني أن المشتري إذا غاب على المثلي ثم اشترى البائع منه مثله فإنه يمتنع أيضًا صورتان زيادة على الثلاث الأول، إحداهما أن يشتري الماثل بعد الغيبة على المثلي الأول بأقل للأجل الأول، الثانية أن يشتريه بعد الغيبة على المثلي الأول بأقل من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول. قوله: به الباء بمعنى على والله سبحانه أعلم. والعلة في منع الصورتين المذكورتين سلف بمنفعة لأنهم يعدون الغيبة على المثلي سلفا، فإذا باعه إردبا بدينارين لشهر ثم اشترى مثله بدينار لذلك الشهر أو لأبعد، فكأن البائع أسلف المشتري إردبا على أن يعطيه دينارا بعد شهر أو أكثر ويقاصه بدينار، فتصير الصور الممتنعة خمسة، وهاتان الصورتان المزيدتان على الثلاث الأول تجريان أيضًا فيما إذا اشترى عين مثْليه بعد غيبة المشتري عليه، فإذا باعه إردب قمح مثلا ثم اشتراه منه بعد الغيبة عليه فإنه يمنع من الصور خمس: هاتان والثلاث الأول، وإن لم يغب عليه فإنما يمتنع الثلاث الأول كما صرح به الشيخ أبو علي وغيره. والله سبحانه أعلم. فبَان أن ما شرح به الحطاب قوله المتقدم: فمن باع لأجل ثم اشتراه بجنس ثمنه، لخ من أن المراد باع ما يعرف بعينه هو الصواب. وهو الحق والله تعالى أعلم. ومفهوم قوله: صفة وقدرا، أنه لو اختلف في الصفة أو القدر لكان الكلام خلاف ذلك وهو كذلك، أما إذا خالفه في الصفة فيصرح بحكمه في قوله: وهل غير صنف طعامه لخ، وأما إذا خالفه في القدر فلا يخلو إما أن يشتري أقلّ مما باعه أو أكثر، فإن اشترى أقلّ مما باعه فهو بمنزلة ما إذا باغ سلعتين إلى أجل ثم اشترى إحداهما، وسيأتي حكمهما في كلام المص وأنه يمتنع فيها خمس صور، وهي ما إذا اشترى إحدى السلعتين لأبعد من الأجل سواء كان بمثل الثمن أو أكثر لأنه سلف بمنفعة، أو أقلّ لأنه بيع وسلف، أو بأقل من الثمن نقدا أو إلى أجل دون الأجل لأنه بيع وسلف، لكن لابد في مسألة
стр. 5410
المثلي من زيادة تفصيل، وذلك لأنه إما أن يغيب عليه أو لا، فإن لم يغب عليه فحكمه حكم ما يعرف بعينه، فتمنع الخمس المتقدمة، وأما إن غاب عليه فتمنع صورة أخرى، وهي: أن يشتريه بأقل من الثمن إلى مثل الأجل؛ لأنه بيع وسلف؛ لأن ما رجع للبائع سلف، وإذا حل الأجل قاصَّه المشتري بما في ذمته ثم يعطيه ما بقي ثمنا للمتأخر، واختلف في صورة سابعة، وهي: أن يبتاع منه بمثل الثمن أقلّ من الطعام مقاصة، فإن قول مالك اختَلَف فيها، واضطرب فيها المتأخرون. والله أعلم. وإن اشترى أكثر مما باعه فهو بمنزلة ما إذا باع سلعة إلى أجل ثم اشتراها مع سلعة أخرى، وسيأتي حكم ذلك في كلام المص وأنه يمتنع منها سبع صور، وهي: ما إذا اشترى نقدا أو إلى أجل دون الأجل، بمثل الثمن أو أقلّ: فإنه سلف جر نفعا، أو بأكثر فإنه بيع وسلف، ويمتنع أيضًا لأبعد بأكثر لأنه بيع وسلف، لكن لابد في مسألة المثلي من تفصيل، وهو: إما أن يكون ذلك قبل الغيبة عليه أو بعدها، فإن كان قبل الغيبة عليه فحكمه حكم ما يعرف بعينه، وإن كان بعد الغيبة عليه فتمنع الصور كلها. قاله في التوضيح. لأنه إما سلف جر نفعا، أو البيع والسلف. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ومفهوم صفة أمران: أن يباينه جنسا كقمح وفول فيجوز مطلقًا، والثاني: أن يباينه نوعا وإليه أشار بقوله:
وهل غير صنف طعامه كقمح وشعير مخالف أو لا يعني أنه اختلف لو اشترى غير صنف طعامه الموافق له في الجنسية كقمح باعه لشخص لأجل، ثم اشترى منه شعيرا أو سلتا هل هو بمنزلة ما إذا اشترى غير ما باع فتجوز الصور كلها، كما حكاه عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين، كمن باع ثوبا ثم اشترى جارية؛ ابن يونس: وهو الجاري على قول ابن القاسم؛ أو بمنزلة ما إذا اشترى عين في باع؛ فيمنع منها ثلاث إن لم يغب وخمس إن غاب وهو الجاري على مذهب سحنون ومحمد. وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد. قال بناني: ويدخل في التردد كما في ابن الحاجب وابن شأس وغيرهما المخالف في الصفة كالسمراء والمحمولة، وهذا الذي قررت به المص قرره به غير واحد. وقال بناني في شرح قوله: أو لا، الظاهر أن من يقول: إنه غير مخالف في الجنس يجعله من قبيل ما اختلفت صفته بالجودة والرداءة. قاله ابن عاشر. قال ابن الحاجب: فإن اختلفا في الجودة والرداءة فهو كالزيادة والنقه. التوضيح: يعني فحكمه
стр. 5411
حكم ما إذا اشترى ما باعه مع زيادة في الجودة، وحكمه حكم ما إذا اشترى أقلّ مقدارا مما باعه أولا في الرداءة؛ لأن الجودة زيادة والرداءة نقص. انتهى.
تنبيه: لو أسلم في حنطة سلما فاسدا فسخ العقد بينهما ووجب للمسلم أخذ رأس ماله، ويجوز له أن يأخذ ما شاء عن رأس ماله سوى الصنف الذي أسلم فيه؛ أي لأنه إذا أخذه فقد تم العقد الفاسد، فذهب الفضل وابن أبي زمنين وغيرهما إلى جواز أخذ الشعير عن القمح أو العكس، أو السمراء عن المحمولة أو العكس، وذهب ابن محرز والأبياني إلى منع ذلك. انتهى. قال غير واحد: هو منشأ التردد. والله سبحانه أعلم.
وإن باع مقوما فمثله كغيره يعني أنه لو باع مقوما لأجل كفرس ثم إن البائع اشترى من المشتري فرسا آخر مثل الأول فإنه تجوز الصور كلها؛ لأنه بمنزلة ما إذا اشترى منه بقرة أو جارية أو بعيرا أو ثوبا، كانت البيعة الثانية نقدا أو لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد من الأجل، بمثل الثمن الأول أو أقلّ أو أكثر. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإن باع مقوما كفرس لأجل فمثله يشتريه البائع منه كغيره؛ أي كاشتراء غير ما باع، فتجوز الصور كلها نقدا أو لدون الأجل أو لأبعد أو لمساويه، بمثل ثمن الأول أو أقلّ أو أكثر منه. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: إن بعت منه ثوبا بدينارين إلى أجل فلا بأس أن تشتري (١) منه قبل الأجل ثوبا في صفته وحسنه، بأقل من الثمن أو أكثر، نقدا أو لأجل؛ لأن الثياب تعرف بأعيانها والطعام لا يعرف بعينه، فمثله كعينه، وإنما على مستهلك الثوب قيمته، بخلاف ما يوزن ويكال. انتهى.
كتغيرها كثيرا؛ يعني أنه إذا باع سلعة مقومة بثمن مؤجل وتغيرت عند المشتري تغيرا كثيرا بزيادة أو نقص، فإنه يجوز لبائعها أن يشتريها بمؤجل أو نقد قل أو كثر أو ساوي، قال المواق: قال ابن المواز: قال ابن القاسم: عن مالك في الدابة أو البعير يبتاعهما بثمن إلى أجل ثم يسافر عليها المبتاع إلى مثل الحج وبعيد السفر، فيأتي وقد أنقصها، ثم يبتاعها منه البائع بأقل من الثمن نقدا، فلا يتهم في هذا أحد، ولا بأس به. انتهى. وقال أبو علي: أي أن تغير السلعة كثيرا
стр. 5412
يصيرها كغيرها، فإذا باع دابة بعشرة إلى سنة ثم ركبها إلى مثل الحج وبعيد السفر، ثم أتى بها وقد تغيرت ونقصت فإنه يجوز بتسعة فأقل. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: وأما التغير بالنماء أو بالولادة ونحو ذلك فلم أره صريحا في كلام من تقدم، لكن كلام النكت عام. انتهى. والحاصل أن المسألة فيها الاثنتا عشرة صورة، وأنه تجوز الصور كلها، وقوله: كثيرا، معناه ما يعلم معه أنهما لم يتعمدا فسخ البيع.
وإن اشتري أحد ثوبيه لأبعد مطلقًا أو أقل نقدا امتنع. قد مر حكم ما إذا اشترى جميع ما باع، والكلام الآن فيما إذا اشترى بعضه؛ يعني أن من باع ثوبين لشهر مثلا ثم اشترى أحدهما بثمن مؤجل لأبعد من الأجل الأول. كأن يشتريه لشهرين مثلا فإن ذلك لا يجوز، سواء اشتراه بمثل الثمن الأول أو بأقل منه أو بأكثر منه، أما إذا اشتراه بمثل الثمن فلأن أحد ثوبيه قد رجع إليه وصار كأنه دفع ثوبا للمشتري على أن يسلفه بعد شهر عشرة يردها إليه بعد شهرين، وذلك سلف جر نفعا، وإن اشتراه بأكثر فواضح، وإن اشتراه بأقل ففيه البيع والسلف؛ لأنه إذا اشتراه بخمسة مثلا إلى أبعد من الأجل فالعشرة التي يأخذها في الأجل بعضها ثمن الثوب وبعضها سلف يرده بعد شهر، وقوله: أو أقلّ؛ أي وكذا يمتنع أن يشتري أحد الثوبين بأقل من الثمن الأول نقدا للبيع والسلف؛ لأن أحد ثوبيه رجع إليه وخرج من يده ثوب ودراهم أقلّ من عشرة، يأخذ عن ذلك بعد شهر عشرة، في يقابل الدراهم التي دفعها سلف، والباقي ثمن، وكذا الحكم فيما إذا اشتراه بأقل لدون الأجل، وأطلق المص النقد على الصورتين لاشتراكهما في الحكم والعلة. وقوله: مطلقًا، نصب على المصدر وعامله امتنع.
لا بمثله؛ يعني أنه إذا اشترى أحد ثوبيه الذين باعهما بثمن مؤجل بمثل الثمن الأول نقدا أو لدون الأجل، فإن ذلك ليس بممتنع، بل هو جائز. أو أكثر. أي وكذلك يجوز شراء أحدهما بأكثر من الثمن الأول نقدا أو لدون الأجل، وبقي من صور المسألة الثلاث التي للأجل وسكت عنها لوضوح جوازها. قاله الحطاب. ومحل جوازها كما مر حيث شرطا المقاصة أو سكتا عنها. وامتنع بغير صنف ثمنه؛ يعني أنه يمنع شراء أحد ثوبيه الذين باعهما بثمن مؤجل بغير صنف ذلك الثمن، كأن يبيعهما بذهب إلى أجل ثم يشتري أحدهما بفضة، أو يبيعهما لأجل بفضة ثم
стр. 5413
يشتري أحدهما بذهب، أو يبيعهما لأجل بمحمدية ثم يشتري أحدهما بيزيدية، أو يبيعهما بيزيدية لأجل ثم يشتري أحدهما بمحمدية. قال الحطاب مفسرا للمص: مراده بغير المصنف: أن يكون الثمن الأول ذهبا والثاني فضة، أو الأول محمدية والثاني يزيدية، فيئول الأمر إلى أن البائع رجع إليه أحد ثوبيه وخرج من يده ثوب وذهب يأخذ عنهما فضة، أو خرج من يده ثوب ومحمدية يأخذ عنهما يزيدية، وذلك ممتنع مطلقًا أي سواء كان الثمن الثاني أقلّ من الأصل (١) أو أكثر أو مساويا، نقدا أو لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد من الأجل، واستثنى المص من ذلك ما إذا كان النقد المعجل أكثر من قيمة المؤجل جدا. فقال:
إلَّا أن يكثر المعجل، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وامتنع شراء أحد ثوبيه بغير صنف ثمنه، وما قدمه من قوله: ومنع بذهب وفضة في شرائه كلّ ما باعه، إلَّا أن يكثر المعجل جدا في شراء أحد ثوبيه كثرة بالنسبة لثمن الثوبين فيجوز، كبيعهما بدينارين لشهر صرف كلّ دينار عشرون درهما، ثم يشتري أحدهما بخمسين درهما نقدا، لبعد تهمة الصرف حينئذ بزيادة على جميع الثمن. انظر التتائي. واستظهر الأجهوري الجواز أيضًا إذا كثر العجل جدا بالنسبة للثوب العجل، وشمل كلام المص بيعهما بذهب وشراء أحدهما بفضة وعكسه، وبيعهما بمحمدية وشراء أحدهما بيزيدية وعكسه، فيجري فيه الاستثناء المذكور، وفي الشارح ما يوافقه، ولكن مذهب المدونة المنع مطلقًا للبيع والصرف، وللصرف المؤجل، واشتغال الذمتين في المؤجل، والسلف بزيادة في النقد، ودوران الفضل فيه. انتهى كلام عبد الباقي بإدخال شيء فيه وحذف شيء منه. قوله: ولكن مذهب المدونة المنع مطلقًا لخ، ظاهره أنه صرح بالمنع في المدونة وليس كذلك، والمص عدل عن ظاهرها قصدا لما أشار إليه ابن الحاجب وصرح به ابن عبد السلام وتبعه في التوضيح، فقال عند قول ابن الحاجب: ولو اشترى أحدهما بغير صنف الثمن الأول فقالوا: يمنع مطلقًا، مراده بغير المصنف أن يكون الثمن الأول ذهبا والثاني فضة، أو يكون الأول محمدية والثاني يزيدية، ثم قال: وتبرأ المص من هذا بقوله: فقالوا لاستشكاله؛ لأن القياس على ما تقدم في البيع
стр. 5414
والصرف أن يجوز إذا كان النقود أكثر من المؤجل جدا لانتفاء التهمة فيه لانتفائها فيما تقدم، ولا فرق بين المسألتين، ولذا صرح اللخمي به هنا.
ولو باعه بعشرة ثم اشتراه مع سلعة نقدا مطلقا أو لأبعد بأكثر؛ يعني أنه إذا باع ثوبا بعشرة مثلا إلى شهر ثم اشتراه مع ثوب آخر نقدا امتنع ذلك مطلقًا، سواء اشتراه بمثل الثمن أو أقلّ أو أكثر، أو اشتراه مع ثوب بأكثر لأبعد، وقوله: نقدا، يريد أو لدون الأجل، وإنما امتنع ذلك للسلف الذي جر نفعا في شرائه بمثل أو أقلّ نقدا أو لدون الأجل، وللبيع والسلف في شرائه بأكثر نقدا أو لدون الأجل أو لأبعد منه، فالصور على سبيل الإجمال أربع لدخول ثلاث تحت لفظ مطلقًا، وعلى سبيل التفصيل سبع لدخول ثلاث تحت ما دون الأجل بتقدير مطلقًا فيه، وقد علمت أحكامها وتعليلها. قاله عبد الباقي.
(ثم اشتراه مع سلعة) يعني أن من باع سلعة بعشرة إلى شهر مثلا ثم اشتراها بخمسة وسلعة نقدا أو لدون الأجل أو لأبعد من الأجل، فإن ذلك ممتنع.
وعلم ما قررت أن قوله: (امتنع) جواب الشرط أعني قوله: ولو باعه. فهو راجع لما بعده أيضًا، وقوله: (أو بخمسة وسلعة) زيادة السلعة في هذه من المشتري بجنس الثمن عكس التي قبلها، وهذا طرف مسألة صورها اثنتا عشرة صورة؛ لأن البيعة الثانية إما بأقل من الثمن الأول كخمسة وسلعة، أو بمثله كعشرة وسلعة الآتية للمص، أو بأكثر وسكت عنها لوضوحها وهي كالتي قبلها، وعلى كلّ حال فإما نقدا أو لدون الأجل أو للأجل أو لأبعد من الأجل. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: أو اشترى ما باعه بعشرة بخمسة وسلعة نقدا أو لدون الأجل أو لأبعد، امتنع للبيع والسلف، فقوله: أو بخمسة عطف على: مع سلعة، فهي عكس التي قبلها؛ لأن زيادة السلعة في الأولى من المشتري الأول، وفي هذه من البائع الأول، ولذا عبر بالباء هنا وبمع في الأولى، وأما للأجل فجائز.
(لا بعشرة وسلعة) يعني أن من باع شيئه بعشرة لأجل ثم اشتراه بعشرة وسلعة، وأولى بأكثر من عشرة وسلعة، نقدا أو لدون الأجل أو للأجل، فإن ذلك يجوز، وأما إن اشتراه بعشرة وسلعة أو بأكثر وسلعة لأبعد من الأجل، فإن ذلك ممتنع لما فيه من سلف جر نفعا.
стр. 5415
تنبيه: قال عبد الباقي: يجب تعجيل السلعة الواقعة ثمنا في الصور الجائزة من صور مسألة خمسة وسلعة، وصور مسألة عشرة فأكثر وسلعة، وإلا لزم بيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة، وابتداء دين بدين إن كانت مضمونة؛ إذ ذمة كلّ منهما معمرة للآخر.
وبمثل وأقل لأبعد، هذا من تتمة قوله: ولو باعه بعشرة لخ، وهو مفهوم قوله: بأكثر، وهو معطوف على قوله: لا بعشرة؛ يعني أن من باع ثوبا بعشرة إلى شهر ثم اشتراه مع ثوب آخر مثلا بعشرة، أو ثمانية مثلا لأبعد من الأجل، فإن ذلك جائز، وهاتان صورتان وصور الأجل الثلاث جائزة، وتقدمت سبع ممتنعة، وهي: ما إذا اشتراه مع الثوب بمثل الثمن أو أقلّ أو أكثر، نقدا أو لدون الأجل، أو اشتراه مع الثوب بأكثر من الثمن لأبعد من الأجل، فهي اثنتا عشرة صورة.
ولو اشترى بأقل لأجله ثم رضي بالتعجيل فقولان؛ يعني أنه لو وقع البيع على الوجه الجائز كما لو اشترى بثمانية إلى شهر ما باعه بعشرة إلى شهر ثم رضي بتعجيل الأقل قبل الأجل، فهل يجوز ذلك نظرا لحال العقد أو لا يجوز نظرا للمئال؟ في ذلك قولان، سَوَّى المص بينهما، ورجح ابن يونس المنع، فإنه نسب الجواز لبعض شيوخه، والمنع لبعض أصحابه، وقال عقبه ما نصه: محمد بن يونس: والصواب أنه لا يجوز ذلك كما ذكر صاحبنا، وهو بين فاعلمه. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم تكلم على أنه اختلف في ذريعة الذريعة هل هي كالذريعة فيحافظ على سدها أم لا؟ بقوله: ولو اشترى ثانيا بأقل مما باع به أوَّلًا لأجله الذي باع له ثم رضي بالتعجيل فقولان، بالجواز نظرا لحال العقد، والمنع نظرا لما آل إليه الأمر من أن السلعة رجعت لمالكها الأول ويدفع الآن ثمانية يأخذ عنها عند الشهر عشرة. قال ابن وهبان: وينبغي أن يكون هذا هو الراجح لعلته المذكورة. انتهى. وقد علم من ترجيح ابن يونس وابن وهبان القول بالمنع أنه الراجح. والله تعالى أعلم. وقوله: ذريعة الذريعة؛ أي بحسب اتهامهما على أن اتفاقهما على الثمانية للأجل، إنما هو وسيلة إلى الرضى بالتعجيل، والرضى بالتعجيل ذريعة إلى دفع قليل في كثير، وإلى ذلك أشار ابن بشير كما في المواق، فقال: وهذا الذي يعبر عنه أصحابنا بحماية الحماية، وذلك أن التهمة
стр. 5416
هاهنا على أن يعقدا على إظهار الشراء إلى الأجل أو إلى أبعد منه ويبطنا تعجيل النقد. انتهى. ومثل ما ذكره المص في جريان القولين [اشتراؤها] (١) بأكثر للأجل ثم رضي بالتأخير. قاله الشارح، أو اشترى بأكثر نقدا أو لدون الأجل ثم رضي بالتأخير لأبعد، وأما عكس كلام المص وهو شراؤه بأقل نقدا أو لدون الأجل ثم رضي بالتأخير له، فالظاهر كما هو ظاهر كلامهم أنَّها تبقى على منعها لوقوعها فاسدة ابتداء ولا تنقلب للجواز بالرضا المذكور. انتهى كلام عبد الباقي. وبحث فيه بناني أي في قوله: وأما عكس كلام لخ، ورده الرهوني.
كتمكين بائع متلف ما قيمته أقلّ من الزيادة عند الأجل، تشبيه في القولين وبائع بالتنوين ومتلف صفة ومفعوله: قوله مات ومن الزيادة متعلق بتمكين، وكذا عند، ومعنى كلامه أنه يجري القولان بالمنع والجواز في هذه الصورة، وهي: ما إذا باعه ثوبا بعشر مثلا لشهر وأتلفه البائع وقيمته أقلّ مما باعه به، كأن تكون ثمانية مثلا، فغرم البائع للمشتري قيمة الثوب الذي أتلفه قبل الأجل وهي ثمانية، فإذا حل الأجل فإن المشتري يدفع ثمانية للبائع، وهل يمكن البائع من الاثنين تمام العشرة الزائدين على الثمانية أو لا يمكن البائع إلَّا من ثمانية؛ قال عبد الباقي مفسرا للمص: وشبه في القولين قوله: كتمكين بائع، بالتنوين، متلف صفة، ومفعوله قوله: ما قيمته أقلّ من الثمن الأول كأن تكون ثمانية وغرمها عاجلا للمشتري الأول والثمن الأول عشرة، من الزيادة متعلق بتمكين، وكذا عند الأجل؛ أي هل يمكن البائع عند الأجل من أخذ الدرهمين في الفرض المذكور فيأخذ العشرة بتمامها أو لا؟ فيأخذ ثمانية فقط كالقيمة التي غرمها حين إتلافه قولان، وليس له على الثاني أن يؤخر القيمة ويقول للمشتري: قاصِصْني بها عند الأجل؛ لأن شرطها تساويهما حلولا، والفرض أن الحالّ القيمة فقط. انتهى. قوله: لأن شرطها تساويهما لخ، قال بناني: أي شرط لزومها، فإذا لم يرض بها المشتري لم تلزمه لا ذكر، وإذا تراضيا عليها صح ومكن من الزيادة، ويأتي في باب المقاصة ما يدلُّ على ذلك والله أعلم. انتهى. قوله: كتمكين لخ، ظاهره ثبوت هذا الحكم فيما ينتفع به بعد الإتلاف وفيما لا ينتفع به بعده، وهو واضح في الأول
стр. 5417
كما مثل به الشارح من ذبح المبيع المأكول، لا فيما لا ينتفع به بعده كما لو كانت ثوبا وحرقه بالحاء المهملة، فينبغي أن يتفق على الجواز، لكنهم أجروا الباب على سنن واحد، وأشعر قوله: متلف أنه عمد، فإن تلف منه خطئا مُكِّن من الزيادة قولا واحدا. قال السنهوري: والزائد والمزيد أولى من الزيادة لفظا ومعنى. انتهى. أما لفظا فلأنه أخصر، وأما معنى فلأن الزيادة معنى من المعاني، ولا معنى للتمكين منه، ولما كان المصدر يطلق ويراد به المفعول، قال: أولى. قاله عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ أبو علي: قال في التوضيح: لا خلاف في تمكين المشتري من القيمة ينتفع بها وهي ثمانية، ثم هل يدفع للبائع عند الأجل العشرة لبعد التهمة؟ وهو قوله في المجموعة، أو إنما يدفع مثل ما أخذه فقط وهو ثمانية؛ إذ قد يتهمان على السلف بزيادة وهو قول ابن القاسم في العتبية، وقول المتن: متلف، أعم مما فرضه في توضيحه بذبح شاة، ولذلك قال ابن عرفة: ولو أفات السلعة بائعها ببيع أو عطية أو استهلاك غرم لمبتاعها الأكثر من ثمنها وقيمتها في فوتها بالبيع وقيمتها في غيره، فإن كان ليس أقلّ من ثمنها الأول غرمه لبائعها، وإلا ففي غرمه إياه أو ما قبض لفوتها، ثالثها إن فات بغير بيع أو به والمشتري الأول من أهل الدِّين والفضل، ورابعها الأول ما لم يكن أحدهما من أهل المعينة فيفسخ البيع؛ للخمي عن المجموعة، وسماع يحيى ابنَ القاسم، واختياره، ونقله عن أصبغ. وقد نقل ابن يونس عن سحنون: أن القياس أن يأخذ القيمة ويغرم العشرة، وربما يظهر أن تمكينه من العشرة هو القوي، وظاهر هذه الأنقال أفاتها البائع عمدا أو خطئا، أفسدها أو ذبحها أو أحرقها، خلافا لمن فصل من غير استناد لنقل، وإن وقع التعبير بالتعدي في بعض الأنقال. انتهى.
وإن أسلم فرسا في عشرة أثواب ثم استرد مثله مع خمسة منع مطلقًا يعني أنه لو أسلم شخص فرسا مثلا في عشرة أثواب مثلا، ثم بعد الغيبة عليه استرد مثله أي فرسا مثله مع زيادة خمسة أثواب من المسلم إليه، فإن ذلك يمنع مطلقًا سواء كانت الأثواب المزيدة معجلة أو مؤجلة لدون الأجل الأول أو لمثله أو لأبعد، للسلف بزيادة، وذلك لأن بائع الفرس آال أمره إلى أنه أسلف المشتريَ فرسا رد المشتري مثله، وزاده خمسة أثواب فهو سلف بمنفعة، والمسلف هنا هو المسلم
стр. 5418
وهو بائع قطعا، وأما في المسألة الآتية فهو تارة البائع وتارة المشتري، وإنما لم يجيزوا هذه إذا بقيت الخمسة لأجلها كما في التي بعدها؛ لأنه لما رجع إليه مثل سلعته علم أنهما قصدا السلف بالسلعة المدفوعة وسموه سلما تحيلا، بخلاف ما إذا رجع عينها أو غير جنسها إذ كأنهما اشترطا رد العين أو رد غير الجنس فخرجا عن حقيقة السلف. قاله في التوضيح. ومفهوم قوله: مع خمسة، أنه لو استرد مثله فقط لجاز ذلك حيث كان الفرس نقد وإلا منع لأنه حينئذ فسخ دين في دين، وقوله: مع خمسة أثواب، وكذا لو كان المزيد مع المثل المسترد من غير جنس المسلم فيه فيمنع ذلك أيضًا مطلقًا. والله سبحانه أعلم.
كما لو استرده، تشبيه في المنع يعني أنه لو استرد الفرس نفسه مع زيادة خمسة أثواب فإن ذلك يمنع أيضا، وكذا لو رد مع الأثواب غير الفرس كجمل، ولو رد الفرس بعينه مع جمل جاز إن نقده. قاله عبد الباقي. وفي المدونة: وإن أسلمت إليه فرسا في عشرة أثواب إلى أجل فأعطاك خمسة منها قبل الأجل مع الفرس أو مع سلعة سواه على أن تبرئه من الثياب لم يجز؛ لأنه بيع وسلف ووضيعة على تعجيل حق، قال ابن القاسم: فوجه البيع والسلف أن الذي عليه الحق عجل لك الخمسة الأثواب سلفا منه يقبضها من نفسه إذا حل الأجل، والفرس أو السلعة بيع بالخمسة الباقية، وأما ضع وتعجل بأن يكون الفرس أو السلعة العجلة لا يساوي الخمسة الباقية فيجره للوضيعة، ويدخله: تعجل حقك وأزيدك دخولا ضعيفا، ولو كانت قيمة السلعة العجلة أضعاف قيمة الثياب المؤخرة لم يجز أيضًا؛ إذ لو أسلم ثوبا وسلعة أكثر منه ثمنا في ثوبين من صنفه لم يجز. قال ربيعة: ما لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض فلا تأخذه قضاء عنه. انتهى. واستثنى مما بعد الكاف قوله:
إلا أن تبقى الخمسة لأجلها، يعني أنه إذا استرد الفرس بعينه مع زيادة خمسة أثواب، وقلنا: إن ذلك ممنوع، فإنما محل ذلك حيث كانت الخمسة معجلة أو مؤجلة لدون الأجل أو لأبعد من الأجل، وأما إن بقيت الخمسة لأجلها على صفتها المشترطة لا أدنى ولا أجودَ فإن ذلك جائز، قال عبد الباقي بعد قوله: كما لو استرده، ما نصه: واستثنى من المنع في المشبهة وكذا يقال فيما
стр. 5419
زدته عليه في المنع، قوله: إلَّا أن تبقى الخمسة لأجلها لخ، وما زاده عليه هو الذي قدمته عنه من قولي: وكذا لو رد مع الأثواب غير الفرس كجمل.
لأن المعجل لما في الذِّمة أو المؤخر مسلف، هذا تعليل للمنع فيما بعد الكاف المستفاد منها، ولا يرجع للمستثنى ولا للمسألة الأولى؛ لأنَّها ليست معللة بذلك بل بالتهمة على السلف بزيادة؛ لأن رد المثل هو الغالب في القرض، ويندر فيه رد العين ورد غير الجنس، ولذا جعلت علة المنع في الثانية البيع والسلف، وبيان تعليل المنع بما ذكره المص أن الخمسة المعجلة سلف من المسلم إليه يقبضها من نفسه عند الأجل، وكذا الخمسة المؤخرة إلى أبعد من الأجل سلف من المسلم يقبضها من المسلم إليه إذ ذاك، والفرس المردودة مبيعة بالخمسة الأثواب التي أبرأه منها كما هو ظاهر، ونحوه في عبارة المواق عن ابن القاسم كما قدمته عنه، وقد قدمت عن الإمام أيضًا التعليل بضع وتعجل، قال بناني: وهو مشكل لأن لازم ضع وتعجل سلف بمنفعة، ومن لازم السلف مطلقًا اتحاد الجنس، وقد صرح بذلك ابن يونس والتونسي وغيرهما، وأخذ الفرس عن خمسة الأثواب قد انتفى فيه اتحاد الجنس فينتفى ملزومه من ضع وتعجل، فلا يصح التعليل به، وقد يقال: لما كان المعجل بعض ما في الذِّمة صار الحكم له. انظر التوضيح.
والحاصل: أن منع الفرس متفق عليه، وكذا كلّ ما أشبهها مما أخذ فيه من جنس الدين ومن غير جنسه، إلَّا أنه رأى في المدونة أن اتحاد الجنس في البعض كاتحاده في الجميع، فعلل المنع بثلاث عِلَلٍ، هي: البيع والسلف، وضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك. وعبد الحق وغيره يرى أن اختلافَ الجنس في البعض كاختلافه في الجميع، فلا يدخل ضع وتعجل، ولا حط الضمان وأزيدك، لاختلال شرطها الذي هو اتحاد الجنس، وإنما المنع لاجتماع البيع والسلف لا غير، وأيضا لو اعتبرت العلتان لمنعت المسألة، ولو بقيت الخمسة لأجلها. والله أعلم. انتهى. وقول المص: مسلف؛ أي يعد مسلفا أي محكوما عليه بحكم السلف.
لطيفةٌ: المشهور منع ضع وتعجل، وحكى اللخمي عن ابن القاسم جوازه. قال التتائي على الرسالة: ووقع لبعض الطلبة أنه ذكر ذلك في مجلس شيخه عن المدونة فأنكر عليه، فقال:
стр. 5420
اللخمي حكاه، ولما انقضى المجلس نظر أهل المجلس اللخمي في بيوع الآجال فلم يجدوا فيه ما ذكره الطالب عنه، فلما كان من الغد قالوا له: ما ذكرت عن اللخمي غير صحيح، فانفصل الطالب عنهم في غم شديد، فلما نام من الليل رأى في نومه اللخمي، فقال له: يا سيدي نقلت عند وذكر له القصة وأن الطلبة نظروا في بيوع الآجال فلم يجدوا فيه النقل، فقال: له ذكرته في فصل الخلع، فانتبه الطالب فرحا ونظر الكتاب فوجده كما نقل، فلما أصبح ذكر ذلك لأهل المجلس واشتهرت قضيته. انتهى. نقله عبد الباقي. قوله: وحكى اللخمي عن ابن القاسم جوازه؛ قال في التوضيح: والمعروف منع ضع وتعجل، وحكى بعضهم عن ابن القاسم جوازه. ابن زرقون: أراه عنه وهما. قاله بناني. ولبعضهم:
إن رد مثل فرس فسلف … أورد عينه فبيع يعرف
قابل بلام المثل لام السلف … وعينُ عينه لبيع فاعرف
وإن باع حمارا بعشرة الأجل ثم استرده ودينارا نقدا، هذه المسألة بعينها هي قوله قبله: كما لو استرده لخ، لكن هذه مفروضة فيما إذا كان الثمن عينا، وتلك مفروضة فيما إذا كان الثمن غير عين ة فكان في كلٍّ فائدةٌ، ومعنى كلامه أنه إذا باع شخص حمارا مثلا بعشرة دنانير لأجل كشهر ثم استرده البائع من المشتري بأن تقايلا فيه وزاد عليه المشتري دينارا نقدا فإن ذلك يمنع مطلقًا، كان الدينار من جنس الثمن الذي باع به الحمار أو من غيره؛ لأنه بيع وسلف؛ لأن المشتري ترتب في ذمته عشرة دنانير دفع عنها معجلا الحمار الذي اشتراه ودينارا ليأخذ من نفسه عند حلول الأجل تسعة عوض الحمار وهو بيع، ودينارا عن الدينار السابق وهو سلف. قاله عبد الباقي. قوله: كان الدينار من جنس الثمن الذي باع لخ، قال بناني: بأن يكون ذهبا وباع بفضة وكذا عكسه، ففيه بيع وصرف مؤخر، وأما لو باعه بعشرة أثواب ثم استرده ودينارا نقدا لجاز. انتهى.
стр. 5421
أو مؤجلا منع مطلقًا؛ يعني أنه إذا باع حمارا مثلا بعشرة لشهر ثم استرده البائع من المشتري بأن تقايلا فيه، وزاده المشتري مع الحمار دينارا مؤجلا فإن ذلك يمنع أيضًا، كما لو كان نقدا، وقوله: مطلقًا معناه كان الدينار المؤجل مؤجلا للأجل أو دونه أو أبعد منه، واستثنى من المنع قوله: إلَّا في جنس الثمن للأجل؛ يعني أن محل المنع في الدينار المؤجل إنما هو حيث لم يكن من جنس الثمن للأجل، وأما إن تقايلا على تسعة من عشرة وبقي العاشر لأجله على صفته المشترطة بأن يوافقه سكة ووزنا وجوهرية يدفعه عند الأجل لمالك الحمار الأول فإن ذلك جائز. والله سبحانه أعلم. ولو كانت الزيادة فضة لدخله البيع والصرف فيمتنع ولو عجل أكثر من قيمة المتأخر جدا؛ لأن الصرف هنا محقق فلا تنفع كثرة المعجل، بخلاف ما سبق فإن الصرف ليس بمحقق بل اتهما عليه فقط، وكثرة المعجل تنفي التهمة، وهذا في غاية الوضوح، ومثل ذلك ما لو باع الحمار بمحمدية وزاد مع الحمار يزيدية وكذا العكس، فيمنع ذلك للبدل المؤخر، ولو باع الحمار بعشرة أثواب ثم أخذ الحمار ودينارا فينبغي الجواز لأنهما مبيعان بالأثواب، والمراد أخذهما معا عاجلا، وإلا كان فيه فسخ ما في الذمة في مؤخر من غير جنس الدين، وقوله: للأجل، حال؛ فلا يقال: إن المص استثنى شيئين بأداة واحدة وذلك غير سائغ. والله سبحانه أعلم.
وإن زيد غير عين أو بيع بنقد لم يقبض جاز؛ يعني أنه إذا زيد مع الحمار البيع بنقد مؤجل غير العين كفرس وبقرة، فإن ذلك يجوز بشرط أشار إليه بقوله: إن عجل المزيد، مع الحمار المسترد وهو الفرس أو البقرة؛ لأنه باع ما في الذِّمة من العين المؤجلة بحمار وبقرة مثلا أو فرس معجلين ولا مانع من ذلك، بخلاف ما إذا أخر المزيد لحصول فسخ ما في الذِّمة في مؤخر بالنسبة للمزيد، وقوله: أو بيع بنقد بصورة أو وهي مسألة ثانية، وصورتها: أنه باع الحمار بشيء نقد أي حالٍّ وهو ذهب أو فضة لم يقبض حتى وقع التقايل، أو باعه بمؤجل من نقد أو عرض ولم يتقايلا إلَّا بعد حلوله، بأن دفع له عما في ذمته الحمار وزاده شيئًا عينا أو غيرها، فإن ذلك يجوز بشرط أن يعجل المزيد مع الحمار، فإن تأخر منع لأنه إن كان من جنس الثمن فهو تأخير
стр. 5422
في بعض الثمن بشرط، وذلك سلف مقارن للبيع، والمبيع هو الحمار المشترى بباقي الثمن، وإن كان من غير جنسه فصرف مؤخر إن كان عينا، وفسخ ما في الذِّمة في مؤخر عينا كان أم لا، واحترز بقوله: لم يقبض، عما إذا قبض، ولو باع الحمار بعرض معين جاز ذلك مطلقًا، عجل المزيد أم لا. ثم هذا كله في زيادة المشتري، وأما في زيادة البائع فهي جائزة على كلّ حال، وكأنه اشترى الحمار بالثمن الذي وجب له على المبتاع وبزيادة شيء آخر، وليس في ذلك فساد إلَّا أن تكون الزيادة من صنف الحمار فيجوز نقدا لا إلى أجل لأن ذلك حمار بحمار وزيادة شيء آخر قاله المواق تبعا للشارح.
تنبيه: إذا كان المزيد عينا وبيع الحمار بعين مخالفة للمزيد فيشترط في جواز ذلك أن تكون الفضة لا تبلغ صرف دينار. والله سبحانه أعلم.
فائدة: قال بناني: هذه المسألة تعرف بمسألة حمار ربيعة، وحاصل وجوهها أربعة وعشرون؛ لأن البيع والفرض أنه بدنانير لا يخلو أن يكون إلى أجل أو نقدا، فإن كان إلى أجل فالمزيد في الإقالة إما ذهب أو ورق أو عرض، وفي كلّ إما نقدا أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه، فهذه اثنتا عشرة صورة لا يجوز منها إلَّا صورتان وهما أن يكون المزيد ذهبا من صنف الثمن ويؤخر للأجل نفسه أو عرضا معجلا، والصور العشرة كلها ممنوعة للبيع والسلف في الذهب، والصرف المؤخر في الورق، وفسخ الدين في الدين في العروض، وإن كان البيع نقدا فالزيد إما أن يكون نقدا أو مؤجلا، وفي كلّ إما ذهب أو ورق أو عرض، فهذه ست وسواء في جميعها انتقد البائع أو لم ينتقد على تأويل ابن يونس، فهذه اثنتا عشرة صورة أيضا، فصور المزيد النقد وهي ست تجوز كلها، لكن يشترط في الورق أن يكون أقلّ من صرف دينار، وصور المزيد المؤجل وهي ست أيضا، منها ثلاث فيما إذا لم ينتقد البائع وتمتنع كلها للعلل المتقدمة، وثلاث منها فيما إذا انتقد وأجازها ابن أبي زيد، وهو ظاهر تقييد المص كابن الحاجب بقوله: لم يقبض. قال في التوضيح: وخالفه غيره؛ يعني كابن يونس ورأى أن المنع متصور في المسألة وإن نقد؛ لأنه يقدر أنه أي البائع الأول اشترى الحمار بتسعة على أن أسلف قابضها العاشر إلى الأجل. انتهى؛ يعني أن البائع عند الإقالة رد للمشتري العشرة على أن يأخذ منه دينارا مؤخرا فهو بيع وسلف،
стр. 5423
فإن كانت الزيادة المأخوذة من المشتري ورقا كان صرفا مؤخرا، نعم إن كانت الزيادة عرضا مؤخرا فلا يظهر وجه المنع؛ لأن غايته أن البائع اشترى بالعشرة الحمار والعرض المؤخر، ونص ابن عرفة: الصقلي: وقع للشيخ التقييد بأنه لم ينقده ولا وجه له. المازري: تابع الشيخ على تقييده بعض الأشياخ وأنكره بعض المتأخرين، وقال: يتصور فيه البيع والسلف وإن نقد؛ لأنه يقدر أنه اشترى الحمار بتسعة من الدنانير التي قبض على أن أسلفه قابضها الدينار العاشر.
قلت: إن كانت الزيادة من المبتاع عينا فواضح منعها ولو بعد النقد، وإن كانت غير عين امتنعت قبل النقد لأنَّها فسخ دين في دين، وجازت بعد النقد. هذا كله في الحمار ونحوه مما يعرف بعينه فإن كان المبيع مما لا يعرف بعينه، كالطعام فحكمه قبل الغيبة عليه حكم ما يعرف بعينه في الصور المذكورة كلها، وأما بعد الغيبة عليه وذلك أن يبيع الرجل وسقا من الطعام فيغيب عليه المشتري ثم يستقيل البائع على أن يزيده شيئًا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الزيادة إذ ذاك تكون ربح السلف، وكذلك إن استقال المشتري البائع قبل كيل الطعام على أن يزيده المشتري شيئًا لم يجز أيضًا لما في ذلك من بيع الطعام قبل قبضه، هذا كله في الإقالة على أن المزيد من عند المشتري، فإن كان من عند البائع جاز جميع في تقدم إلَّا في صورة واحدة، وهي: أن يكون المزيد مؤجلا وهو من صنف المبيع فيمتنع؛ لأنه سلف بزيادة. هذا ملخص كلام أبي الحسن. قال: وذكر ابن يونس أبياتا في مسألة الأجل فقال:
إذا استَقَالَكَ مبتاعٌ إلى أجَلٍ … وزاد نقدا فخذه ثم لا تسل
حاشا من الذَّهب المرْجَى إلى أجل … إلَّا إلى ذلك الميقات والأجل
مع الرِّقات فلا تزدد فإن لها … حكما من الصرف في التعجيل والأجَل
وزده أنت من الأشياء أجمعها … ما شئت نقدا ومضمونا إلى أجل
стр. 5424
ما لم يكن صنف ما استرجعت تدفعه … إلى زمان وَلا بأْس على عَجَل
قوله: نقدا؛ أي شيئًا معجلا، واستثنى من ذلك الذهب النقد مع الرقة أي الفضة، فقوله: مع الرقات راجع للمحاشاة، وقوله: المرجي، عطف بحذف حرف العطف، وهو معطوف على النقد صفة لذهب محذوفة، ثم استثنى من الذهب المؤجل قوله: إلَّا إلى ذلك الميقات والأجل، وهو قول المص: إلَّا في جنس الثمن للأجل، فالزيادة المعجلة جائزة في كلّ شيء ما عدا الذهب والورق، والمؤجلة ممنوعة في كلّ شيء إلَّا في جنس الثمن للأجل، وأفاد منع المزيد المؤجل في كلّ شيء بقوله: نقدا، وإنما أتى بالمرجى من الذهب ليستثنيَ منه قوله: إلَّا إلى ذلك الميقات والأجل. قاله مقيده. والله سبحانه أعلم.
وصح أول من بيوع الآجال فقط؛ يعني أن الأول من بيوع الآجال يَصِحُّ ويلزم فيه الثمن ويفسخ الثاني، وهو قول ابن القاسم وسحنون، واقتصر عليه المص لقول ابن بشير: إنه المشهور كما في نقل المواق وهو خلاف ما صححه ابن يونس، فإنه لما ذكر عن سحنون في المجموعة أنه يصح الأول، قال: وقال غيره: تفسخ البيعتان جميعا إلَّا أن يصح أنهما لم يعملا على المعينة، إنما وجدها تباع فابتاعها بأقل من الثمن، فهذا يفسخ البيع الثاني ويصح الأول. محمد بن يونس: وهذا أصح من قول ابن سحنون. قاله الرهوني. وقال أبو علي: أي إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشتراها بأقل نقدا فإن البيع الأول صحيح دون الثاني وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال ابن الماجشون: تفسخ البيعتان إلَّا أن يصح أنهما لم يتعاملا على المعينة، وإنما صادف السلعة تباع فابتاعها بأقل من الثمن الأول.
إلَّا أن يفوت الثاني فيفسخان؛ يعني أن محل الخلاف المذكور إنما هو حيث لم تفت السلعة الثانية، فإن فاتت بحوالة سوق فأعلى فإنه يفسخ البيعتان معا باتفاقهما. قاله الشارح وغيره. وقال بناني: قال ابن رشد في البيان: واختلف بما تفوت به السلعة، فقيل: إنها تفوت بحوالة الأسواق، وهو مذهب سحنون، والصواب أنَّها لا تفوت إلَّا بالعيوب المفسدة إذ ليس هو [ببيع] (١)، فاسد
стр. 5425
لثمن ولا مثمون، وإنما فسخ لأجل أنهما تطرقا به إلى استباحة الربا، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي وغيره من فقهاء المتأخرين. قوله، فيفسخان وحينئذ لا طلب لواحد منهما على الآخر لأن المبيع فاسدا قد رجع لبائعه فضمانه منه، وسقط الثمن عن ذمة المشتري الثاني لفساد شرائه. وقال أبو علي: قال ابن عرفة: ولو فات المبيع ففي فسخهما ومضيهما، ثالثها: الثانية فقط، فإن زاد الثمن على القيمة سقط فضله، ورابعها: إن كان الثمن أكثر وإلا فالثانية فقط لابن رشد لخ. وهل مطلقًا؛ يعني أنه إذا فات البيع الثاني فإن البيعتين تفسخان، واختلف الشيوخ هل تفسخ البيعتان مطلقًا حيث فات البيع الثاني؛ ومعنى قوله: مطلقًا، كانت قيمة السلعة في البيع الثاني قدر الثمن الأول أو أقلّ أو أكثر. أو إنما يفسخان معا إن كانت القيمة التي تلزم البائع يوم قبضه أقل من الثمن الأول، وأما إن كانت مثله أو أكثر فلا يفسخ الأول وإنما يفسخ الثاني، في ذلك خلاف فمحله في فسخ الأول حيث فات البيع بيد المشتري الثاني وهو البائع الأول وكانت القيمة مساوية للثمن الأول أو أكثر، فإن فات بيد المشتري الأول فسخ الثاني فقط ولم يفسخ الأول باتفاق القولين، وإن كانت القيمة أقلّ من الثمن الأول فسخ الأول والثاني باتفاق القولين قاله عبد الباقي. والقول الأول حكاه اللخمي والمازري عن ابن القاسم. قال في التوضيح: وصرح ابن رشد بأنه المشهور؛ والثاني لسحنون، وقال ابن الحاجب: إنه الأصح، وعبر عنه بعضهم بالمشهور. قاله بناني. وقال المواق: قال ابن رشد: إن كانت السلعة قائمة صحت البيعة الأولى وفسخت الثانية على قول ابن القاسم، فإن فاتت فالذي تأول التونسي على ابن القاسم أن البيعتين تفسخان، فلا يكون للبائع على المبتاع إلَّا الثمن الذي دفع إليه، وذهب عبد الحق تأولا على ابن القاسم أنه إن كانت القيمة أقلّ من الثمن فسخت البيعتان ولم يكن للبائع على المبتاع إلَّا الثمن الذي دفع إليه، وإن كانت أكثر من الثمن فسخت البيعة الثانية خاصة [وقضي] (١)، عليه بالقيمة، فإذا حل الأجل أخذ الثمن. وقاله سحنون نصا. ولما أنهى الكلام على بيوع الآجال أتبعه بالكلام على بيع المعينة كما جرت بذلك عادة كثير من أهل المذهب فقال:
стр. 5426
فصل: في بيع العينة، وإنما جرت عادة كثير من المؤلفين بتذييل بيوع الآجال ببيع العينة لمناسبة بينهما في التحيل على دفع قليل في كثير، قال عبد الباقي: فصل في حكم بيع العينة بكسر العين المهملة ثم تحتية ثم نون ومسائله، وعَقَّبَه بما قبله لمناسبة التحيل في كلّ منهما على دفع قليل في كثير، وسميت بذلك لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل مقصده من دفع قليل ليأخذ عنه كثيرا، ولحصول العين وهو النقد لبائعها. ابن عرفة: هي المتحيل به على دفع عين في أكثر منها. انتهى. وقال الخرشي: وأصل عينة عِوْنَةٌ بكسر العين من المعاونة قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، سميت تلك البياعات بذلك لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل غرضه أو لحصول العين وهو النقد لبائعها، والمراد بالبائع هنا الذي طلبت منه السلعة، والمشتري هو الطالب، وتحصيل غرضه هو الربح فيها، وسماه بائعا باعتبار المئال، وإلا فهو الآن لم يبع، وفي كتاب الزهد لأحمد بن حنبل عن ابن عمر: أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه السلم، ثم قال: سمعت الرسول ﵊ يقول: إذا الناس تبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم ومما يحسن إيراده هنا ما نقله الشيخ أبو علي عن المتيطي وأصل قول مالك: أن البيعة الأولى إذا كانت إلى أجل والثانية نقدا أو إلى أجل فإنه يتهم فيها كلّ أحد، فينظر إلى ما خرج من اليد وإلى ما يعود إليها، وإن كانت الأولى نقدا والثانية نقدا أو إلى أجل فلا يتهم فيها إلَّا أهل العينة كانا معا أو أحدهما من أهلها. انتهى. ولهذا قال المص فيما تقدم: فمن باع لأجل ولم يذكره هنا، فلله دره في صنعه العجيب، واختصاره الغريب، انتهى. وقال عبد الباقي: وهي أي العينة ثلاثة أقسام: جائز متفق عليه ومختلف فيه، ومكروه، وممنوع، وبدأ بالجائز بصورتيه مشيرا للمختلف فيه بلو، مقتصرا فيه على جوازه فقال: جاز المطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بثمن؛ يعني أن من طلبت منه سلعة ليست عنده فيجوز له أن يشتريها ليبيعها ممن طلبها منه بثمن، وفي نسخة: بمال، وفي نسخة: بنماء، قال الحطاب: وهو أحسن لأنه المقصود
стр. 5427
في هذا الفصل، وعلى كلّ فهو متعلق بيبيعَها، لا بقوله: يشتريَها، وسواء باعها المطلوب بنقد كله اتفاقا أو بموجل كله بل، ولو بمؤجل بعضه وعجل الطالب بعضه للمطلوب منه وقد دخلا على أن يبيعها أو بعضها الطالب لحاجهته، وما ذكره من الجواز فيها هو الراجح؛ لأنه ظاهر الكتاب والأمهات، ولذا بالغ عليه ردا على ما في العتبية من كراهة مالك لذلك، فروجع في ذلك غير مرّة، فقال: أنا قلته قاله ربيعة وغيره قبلي أي ابن هرمز، وَوُجِّهَتِ الكراهة بأنه كأنه قال: خذها بعها لحاجتك أو بع منها لحاجتك والباقي لك ببقية الثمن للأجل، والغالب أن ما بقي لا يفي ببقية الثمن الذي اشتراها به الطالب من المطلوب منه، بل الغالب أنَّها إذا بيعت كلها لا يفي ثمنها بما اشتريت به. قاله عبد الباقي. وقال أبو علي: والجائز يعني من بيع العينة هو أن يمر الرجل بغيره من أهل العينة، فيقول له: هل عندك سلعة كذا؟ فيقول: لا، فيذهب من عنده من غير مراوضة ولا وَأْيٍ ولا عادة فيشتريها، ثم يلقاه فيخبره بأنه اشتراها فيبيعها له بما شاء نقدا أو نسيئة، وإليه أشَار بقوله: ولو بموجل بعضه، هو ظاهر الكتاب، ونقل عياض عن العتبية كراهته. انتهى. وقوله: ولو بموجل بعضه، بحث فيه ابن غازي بأن ظاهر المتن جواز هذا لمن طلبت منه السلعة، والناس إنما فرضوه في غير من طلبت منه السلعة، وما نقله ابن غازي عن عياض هو كذلك، ولكن ذكر ما يؤخذ منه ما قاله المؤلف قبل هذا الذي نقله حين مثل للجائز بقوله: كالرجل يقول للرجل: عندك سلعة كذا، فيقول: لا، فينقلب عنه على غير مواعدة فيشتريها التاجر، ثم يلقى صاحبه فيقول: تلك السلعة عندي، فهذا جائز له أن يبيعها منه بما شاء من نقد وكالئ، ونحوه لمطرف عن مالك. انتهى. فقوله: بما شاء، دال على ما قاله المص. انتهى. والحامل أن هنا مسألتين إحداهما: مسألة من طلبت منه سلعة فاشتراها وباعها لمن طلبها منه بثمن مؤجل كله أو معجل بعضه ومؤجل بعضه، وهذه هي التي ذكر المص فيها الجواز. والثانية: أن يشترى شيئًا بثمن بعضه مؤجل وبعضه معجل ليباع، قال ابن حبيب: إذا اشترى طعاما أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه ويؤخر بعضه إلى أجل، فإن كان اشتراه ليبيعه كله لحاجته لثمنه فلا خير فيه، وكأنه إذا باعه بعشرة نقدا وعشرة إلى أجل قال له: خذه فبع
стр. 5428
منه ما تريد أن تنقده لي وما بقي فهو لك ببقية الثمن إلى الأجل، وإنما يعمل هذا أهل العينة، وهو قول مالك فروجع فيها غير مرّة فقال: أنا قلته قاله ربيعة وغيره قبلي. ابن رشد: هذه بيعة صحيحة في ظاهرها ولا يتهم بالفساد فيها إلَّا من علم ذلك من سيرته وهم أهل العينة، والذي يخشى في ذلك هو أن يكون الذي تراوضا عليه وقصدا إليه أن يبيع منه الطعام على أن يبيع منه بدينار فيدفعه إليه ويكون الباقي بكذا دينارا إلى أجل وذلك غرر؛ إذ لا يدري ما يبقى له من الطعام إذا باع منه بدينار، وقد قال بعض أهل العلم: إنه لو دفع إليه الدينار من ماله لم يكن بذلك بأس، وفي سماع سحنون أن ذلك لا يجوز وإن دفع الدينار من عنده لأنه يخلفه من الطعام، يريد أن التهمة لا ترتفع عنه بذلك، قال ابن غازي ما معناه: أن هذه المسألة غير مفرعة على مسألة المطلوب منه سلعة. انتهى. فعلى المص درك من وجهين: تفريعه المسألة على مسألة المطلوب منه سلعة وليست مفرعة عليها، وأن هذه مقيدة بما اشتُرِيَ ليباع للحاجة وقد أخل بالقيد. قاله بناني. وقال ابن غازي: فإن كان المص قصد بالتفريع المذكور التنبيه على جواز المركبة من الوصفين كغيرها كانت العهدة في جواز المركبة عليه. انتهى. وقد مر عن الشيخ أبي علي ما يفيد الجواب عن المص، وحاصل هذا الحاصل أن المص نص على الجواز مشيرا لمقابله بلو في المطلوب منه سلعة، وابن غازي بحث مع المص في ذلك، وقال: إن المختلف في جوازه في غير المطلوب منه سلعة، وقد علمت جواب الشيخ أبي علي عن المص، وما قاله أبو علي ظاهر. والله سبحانه أعلم. وأشار للقسم الثاني بقوله:
وكره خذ بمائة ما بثمانين؛ يعني أنه يكره أن يقول الرجل لمن سأله سلف ثمانين بمائة: لا يحل لي أن أسلفك ثمانين في مائة، ولكن هذه سلعة قيمتها ثمانون خذها مني بمائة، فقوله: ما، واقعة على سلعة أو السلعة وهي مفعول خذ، قال عبد الباقي: وكره خذ بمائة ما بثمانين، والفاعل لذلك من أهل العينة، وإن كان ظاهر النقل الإطلاق، وأما إن أعطى رب مال لمريد سلف منه بالربا ثمانين يشتري بها سلعة على ملك رب المال ثم يبيعها له بمائة، فالظاهر المنع لاسيما
стр. 5429
إن كان من أهل العينة؛ لأنَّها لم تكن عنده، فكأنَّ المقصود بشرائها ولو على وجه [الوكالة] (١) صورة إنما [هو] (٢))، دفع قليل ليأخذ عنه أكثر، وربما يدلُّ للمنع ما تقدم عن الناصر اللقاني عند قوله: فمن باع لأجل، من مسألة ما إذا اشترى رب دين من مدينه بالدين الذي عليه سلعة ثم باعها له بأكثر لأجل، فإنه يمتنع نظرا لما آل إليه الأمر وهو فسخ ما في الذِّمة في مؤخر. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: فالظاهر المنع لخ، قد صرح بالمنع ابن رشد، ونقله الحطاب آخر الفصل. قاله بناني.
أو اشترها ويومئ لتربيحه؛ يعني أنه يكره أن يقول الرجل لبعض أهل العينة: اشتر السلعة الفلانية ويومئ لتربيحه، وكذا فأنا أربحك فيها أو أشتريها منك من غير أن يراوضه على قدر الربح ولا تصريح به، وقال أحمد الزرقاني: اعترض عليه بأن الذي في توضيحه: وأنا أربحك ولا يلزم من الكراهة مع التصريح الكراهة مع الإيماء والتعريض، وبأن ظاهره المنع مع التصريح وقد علمت أنه مكروه، فالاعتراض عليه من وجهين. قال عبد الباقي: ويجاب بأنه أراد بالإيماء ذكر لفظ الربح من غير تسمية قدره، وسماه إيماء لعدم التصريح بقدره فإن عرَّضَ له به ولم يصرح بلفظه ولا بقدره، كاشترها ولك الخير جاز، فإن صرح بقدره كاشترها وأربحك خمسة منع، ولا ينافي ما يأتي للمص من أنه إذا صرح بقدره كره فيما إذا قال: اشترها بعشرة نقدا وآخذها باثني عشر نقدا على أحد قولين فيها، والآخر الجواز؛ لأن ما يأتي وقع التعيين من الآمر فيما يشتري به الأمور والآمر وإن كان نقد فكأنه استأجره على شرائها بالدرهمين الزائدين. انتهى المراد منه. ولم يفسخ يعني أنه إذا وقع ذلك المكروه من شراء الآمر والمأمور المشار إليه بقوله: اشترها ويومئ لتربيحه لخ، فإن ذلك لا يفسخ، وأتى به مع علمه من الكراهة لدفع توهم أن الكراهة على التحريم. قاله عبد الباقي. وقال بناني: الظاهر كما في الحطاب أنه أتى به لرد قول فضل: يجب أن يفسخ شراء الآمر، وقال المواق: أو اشترها ويومئ لتربيحه ولم يفسخ، ابن رشد: المكروه من
стр. 5430
أوجه العينة اشتر سلعة كذا وكذا فأنا أربحك فيها وأشتريها، من غير أن يراوضه على الربح؛ عياض: وروى ابن نافع: ولا أبلغ به الفسخ؛ وسمع يحيى: إن قال: اشتر مني عبد فلان بستين فإني أرجو أن يبيعه مني بخمسين فهو مكروه. ولا يفسخ؛ انتهى. وقال أبو علي: وزاد المص ولم يفسخ لأمور، أحدها: رَدًّا على المخالف. الثاني: أن البيع المختلف فيه يقال فيه: مكروه، وهو يفسخ قبل الفوات. الثالث: أن المكروه قد يعبر به عن المحرم وإن كان متفقا عليه.
تنبيه: قد علم مما مر أن التصريح بالربح من غير ذكر مقدار الربح موجب للكراهة فقط؛ وأشار للقسم الثالث بقوله: بخلاف اشترها بعشرة نقدا وآخذها باثني عشرة لأجل؛ يعني أنه إذا قال الآمر: اشتر السلعة بعشرة نقدا وأنا آخذها باثني عشر لأجل فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه سلف جر نفعا. قال عبد الباقي: وأشار المص في القسم الثالث المذكور إلى ست مسائل، ثلاث منها في قوله: اشتر لي، وثلاث إن لم يقل: لي ومحل المنع فيما ذكره في الست إذا وقع من أهل العينة، وإلا لم يمنع شيء منها إلَّا المسألة المشار لها بقوله: إن نقد المأمور بشرط، وربما يدلُّ له قوله في الشركة: وجاز وانقد عني إن لم يقل: وأبيعها لك.
ولزمت الآمر إن قال: لي، يعني أنه إذا قال الآمر: اشترها لي بعشرة نقدا وآخذها باثني عشر لأجل فإنه تلزم السلعة الآمر بالعشرة نقدا، فليس له أن يمتنع من أخذها حيث قال: لم أرد الشراء، بقولي: آخذها، وضمانها إن تلفت منه. قاله عبد الباقي. وقال أبو علي: ولزمت الآمر إن قال: لي؛ أي إن قال: اشترها لي؛ لأن الشراء له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويسقط عنه ما أربى. انتهى. وقال الخرشي: وإن قال: لي، فإن السلعة تلزم الآمر بالعشرة ويفسخ البيع الثاني باثني عشر لأجل؛ وسيأتي ما يكون للمأمور. انتهى. وقال الحطاب: يعني إذا قال له: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا آخذها منك باثني عشر لأجل، ولفظ التوضيح. والبيان في موضع: وأنا أشتريها منك، ولفظ المقدمات والبيان في موضع آخر: وأنا أبتاعها منك. قال في المقدمات والبيان: فذلك حرام لا يحل ولا يجوز لأنه رجل ازداد في سلفه، فإن وقع لزمت السلعة الآمر لأن الشراء كان له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ منه أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى. انتهى. واختلف فيما