مالك ﵁ الأحاديث كلها فاستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها، ولم يمعن غيره النظر، ولا أحسن تأويل الأثر، ونظم ابن غازي هذه الأقوال فقال:
بيع الشروط الحنفي حرمه … وجابر سوغ لابن شبرمة
وفصلت لابن أبي ليلى الأمه … ومالك إلى الثلاث قسمة
وحاصل ما للإمام أن ما كان من الشروط من مقتضيات العقد أو من مصلحاته صح فيه البيع والشرط، وما كان منافيا للعقد أو يؤدي إلى الغرر والجهل بالمبيع فسد فيه البيع والشرط، قال الأبي: وكان ابن عرفة يقول: ما لا يفيد مصلحة في البيع ولا يفسد البيع ولا يزاد في الثمن ولا ينقص منه لأجله، فهو الذي يقول فيه أصحابنا: يصح البيع ويبطل الشرط. انتهى كلام بناني. الثالث: قد مر عن عبد الباقي أنه يستثنى من قوله: أو حذف شرط التدبير أي ونحوه أربعة أشياء قد مر ذكرها، قال بناني: أما المسألة الثانية والثالثة فذكرهما ابن رشد وابن عرفة وغيرهما، وأما المسألة الأولى فذكرها في النوادر وفي العتبية، ففي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: سمعت مالكا يقول: لا أحب أن يبيعه على إن وجد ثمنا قضاه وإن هلك ولا شيء عنده فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: فإن وقع هذا الشرط وفات لزم المشتري قيمتها يوم قبضها. قال ابن رشد: هذا الشرط من الشروط التي يفسد بها البيع لأنه غرر فالحكم فيه الفسخ مع قيام السلعة شاءا أو أبيا، ويصح في فواتها بالقيمة بالغة ما بلغت وهو ظاهر قول ابن القاسم وتفسير لقول مالك. انتهى. فيؤخذ من قوله: لأنه غرر، أن المبيع يفسخ وإن حذف الشرط لتصريح ابن رشد في المقدمات بأن كل شرط يؤدي إلى جهل أو غرر فإنه يوجب فسخ البيع على كل حال، ولا خيار لأحد المتبايعين في إمضائه، فإن فاتت السلعة ردت قيمتها بالغة ما بلغت، وبه تعلم أنه لا وجه لاستثناء هذه المسألة هنا لأنها ليست من قسم الشروط المناقضة، بل من الشروط المؤدية إلى غرر أو جهل، وأما المسألة الرابعة وهي مسألة بيع الثنيا فذكرها الحطاب عن الباجي قائلا: المشهور فيها البطلان مطلقا وإن حذف الشرط، فانظره. فتزاد مسألة خامسة يبطل
стр. 5357
فيها البيع أيضا وإن حذف الشرط، وهي مسألة شرط النقد في بيع الخيار. قال ابن الحاجب: ولو أسقط شرط النقد لم يصح بخلاف مسقط السلف، وقيل: مثله، قال في التوضيح: والفرق بينهما على المشهور أن الفساد في اشتراط النقد واقع في الماهية لأنه غرر في الثمن؛ إذ المقبوض لا يدرى هل هو ثمن أم لا؟ ومسألة شرط السلف الفساد فيها خارج عن الماهية، ويأتي فيها ما قلناه في المسألة الأولى. انتهى. وقال الرهوني: إن مسألة الخيار إلى أمد بعيد ليست من مسائل التحجير فلا يصح استثناؤها لأنها من مسائل الغرر.
الرابع: قوله: كبيع وسلف، اعلم أن البيع بشرط السلف مجمع على تحريمه كما قاله الباجي، وقد مر تعليله بأنه يؤدي إلى الجهل في الثمن أو الثمن، والذي علل به كثير من علمائنا المنع أنه يؤدي إلى سلف جر نفعا وعلى هذا فيدعى أن الحكم معلل بعلتين. قاله الشيخ أبو علي. الخامس: قال ابن رشد في مقدماته: ما كان من البيوع محظورا لحق الله تعالى فهو أربعة أقسام: قسم محظور لتعلقه بالمحظور في الشرع، دون أن يطابقه نهي أو يخل فيه بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع، مثل أن يبيع قبل الصلاة في آخر وقتها، بحيث يعلم أنه يفوته جميع الوقت باشتغاله بالبيع، ومثل البيع والشراء في موضع مغصوب وما أشبه ذلك، فهذه البيوع حرام لكنها لا تفسخ باتفاق فاتت أم لا، إلا ما كان علة الحظر فيه باقية ببقاء البيع كشراء النصراني المصحف والمسلم، وشراء الدين على الرجل أراد الإضرار به، فقيل: يفسخ، وقيل: لا، وترتفع العلة ببيع المشترى على المشتري. وقسم هو ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشروط في صحة البيع مثل البيع في نداء وقت الجمعة، وبيع حاضر لباد، وبيع الرجل على بيع أخيه، وبيع التلقي، وبيع التفرقة، وما أشبه هذا من البيوع فهذه اختلف فيها فمن رأى أن النهي يدل على الفساد فسخها مطلقا، لكن إذا فاتت يرجع كقيمتها (١) ورد قيمتها كرد عينها، وقيل فيها غير هذا، وقسم ثالث: وهو ما أخل فيه بشرط فإنه يفسخ على كل حال ولا خيار فيه لأحد المتبايعين، وترد إن كانت قائمة أو قيمتها يوم القبض إن فاتت وذلك كجهل الثمن أو المثمون،
стр. 5358
ووجود الربا إلى غير ذلك، وقسم رابع: وهو بيوع الشروط مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا يبيع لخ، ثم قال: وإذا وقع هذا القسم فإنها تفسخ ما دام متمسكا ذو الشرط بشرطه، فإن تركه صحت ففيها الأكثر من الثمن والقيمة، وقيل: فيها عند الفوات مقدار ما نقص من الثمن بسبب الشرط ولا نظر للقيمة كانت أقل أو أكثر، وقيل: هذا القسم يفسخ كغيره كما في القسم الثالث، ومر ما استثناه من هذا القسم الرابع. قاله الشيخ أبو علي. والفرق بين من باع سلعة وخمرا مثلا يفسد البيع ولو أسقط الخمر، وبين البيع والسلف يصح البيع إذا أسقط الشرط، أن البيع والسلف أصلان كل واحد لو انفرد لجاز، والخمر لو انفردت لم تجز، وأن الفساد في مسألة الخمر راجع إلى ماهية البيع لفساد المعقود عليه، وفي البيع والسلف خارج. قول ابن رشد: لا تفسخ باتفاق لخ، انظره مع ما في التتائي من أن من أخر صلاته حتى لم يبق من وقتها الضروري إلا مقدار ما يوقعها فيه فباع في ذلك الوقت، فقال القاضي إسماعيل: يفسخ، وهو اختيار أبي عمران؛ وقال ابن سحنون: لا يفسخ. انتهى. وألحق الغرناطي بالبيع يوم الجمعة البيع وقت الفتنة في حق من طلب منه الخروج.
السادس: قد مر قول المص: كشرط رهن وحميل وأجل، قال الحطاب بعد جلب كلام: فتحصل من هذا جوازه يعني تأجيل البيع إلى عشرة أعوام وما أشبهها، وفي جوازه إلى العشرين وكراهته دون فسخ قولها مع اختيار أصبغ، وقول ابن القاسم: ويفسخ إلى الستين والسبعين، وفي الثلاثين توقف ابن القاسم، وقياس أصبغ عدم الفسخ. أبو الحسن: ظاهر الكتاب في قوله: عشرين سنة وإن كان البائع من أبناء الستين والسبعين. قالوا: معناه إذا كان البائع من أبناء أربعين سنة فأقل، ولو كان من أبناء ستين لم يجز أن يبيع إلى عشرين لأنه لا ينتفع بالثمن، قال الحطاب: وقال المشدالي: وصرح ابن رشد في سماع أصبغ باعتبار صغر البائع وكبره عن التونسي، كما قيده هنا المغربي، وضابطه أن يبيع إلى أجل لا يعيش إليه غالبا. ابن رشد عن التونسي: وعللوا المنع في البيع إلى الأجل البعيد بالغرر. انتهى.
ولو غاب يعني أنه إذا أسقط شرط السلف قبل الفوات فإن البيع يصح ولو غاب المتسلف على السلف غيبة يمكنه الانتفاع به فهو مبالغة في قوله: وصح إن حذف، ولو ذكره عنده كان أولى.
стр. 5359
قاله غير واحد. وتؤولت بخلافه يعني أن المدونة تؤولت على خلاف ذلك، وهو أن البيع يفسخ حيث غاب المتسلف على السلف غيبة يمكنه الانتفاع به. قال عبد الباقي: وتأولت بخلافه وهو نقض البيع مع الغيبة على السلف ولو أسقط شرط السلف لتمام الربا بينهما، وهذا ضعيف والراجح الأول. انتهى. قوله: وهذا ضعيف والراجح الأول، نحوه قول التتائي: إن الأول هو المشهور، وقول ابن القاسم: وتأول الأكثر عليه المدونة وهو تبع الشارح وأصله في التوضيح فإنه قال. وصرح ابن عبد السلام بمشهوريته. قال مصطفى: وفيه نظر؛ لأن ابن عبد السلام صرح بمشهورية إسقاط السلف في غير الغيبة، وأما مع الغيبة فذكر الخلاف ولم يصرح بمشهور وإنما نسب الصحة لأصبغ فقط، فإنه لما عزا عدم الصحة لسحنون وابن حبيب ويحيى عن ابن القاسم قال: وخالف أصبغ ورأى أن الغيبة على السلف لا تمنع تخيير المشترط. انتهى. وكذا فعل عياض ثم قال وذهب أكثر الشيوخ إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب وبعضهم يجعله خلافا. انتهى. قال مصطفى: فانظر كيف عزا للأكثر خلاف ما عزا له المؤلف ومن تبعه؟ وإذا علمت ما تقدم ظهر لك أن المعتمد عدم الصحة في الغيبة. قاله بناني. وقال الرهوني: وتؤولت بخلافه، على هذا التأويل اقتصر ابن يونس، وهو يشهد لما قاله مصطفى من أنه الراجح.
وفيه إن فات أكثر الثمن والقيمة إن أسلف المشتري يعني أنه إذا فات المبيع وكان المشتري قد أسلف البائع فإن المشتري عليه الأكثر من الثمن والقيمة يدفعه للبائع ولو أسقط الشرط؛ لأن إسقاط الشرط مع الفوات لا يوجب الصحة، مثال ذلك: ما إذا اشتراها بعشرين وأسلف البائع وفاتت السلعة وقيمتها ثلاثون فعلى المشتري القيمة، ولو كانت قيمة السلعة عشرة واشتراها بخمسة عشر لكان على المشتري خمسة عشر؛ لأن المشتري لما أسلف أخذ السلعة بنقص فعومل بنقيض مقصوده، وقوله: والقيمة أي يوم القبض.
وإلا بأن كان السلف هو البائع فالعكس؛ أي فعلى المشتري الأقل من الثمن والقيمة؛ لأنه أي البائع أسلف ليزداد فعومل بنقيض قصده، فيكون له في المثال الأول عشرون وفي الثاني عشرة. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: قال الحطاب: وينبغي أن يقيد هذا أي السلف من البائع
стр. 5360
بما إذا لم يغب المشتري على السلف مدة يرى أنها القدر الذي أراد الانتفاع به فيها، فإن وجد ذلك كانت فيه القيمة ما بلغت. انتهى. قوله عن الحطاب: وينبغي أن يقيد لخ، تبع الحطاب في هذا القيد السنهوري والأجهوري ومن بعدهما، وتعقبه مصطفى قائلا: إنه قصور منه إذ هو قول في المسألة مقابل لما درج عليه المص كما في ابن عرفة، وكأنه لم يقف عليه، ونصه: وفي إيجاب الغيبة على السلف لزوم فسخه والقيمة بالغة ما بلغت في فوته وبقاء تصحيحه في إسقاط الشرط، ثالثها: إن غاب عليه مدة أجله أو قدر ما يرى أنه أسلفه إليه، للباجي مع غير واحد عن سحنون مع ابن حبيب. وعن أصبغ، وتفسير ابن رشد قول ابن القاسم. انتهى. فتأمله انتهى. قاله بناني. وتعقب الرهوني كلام مصطفى وصوب ما قاله الحطاب؛ وقال: إنه لا خصوصية للسلف من البائع بذلك التقييد. والله سبحانه أعلم. وقوله: وفيه إن فات، قد علمت أنه في المبيع على شرط السلف، وأما المبيع على شرط يناقض ففيه مع الفوات الأكثر من الثمن والقيمة يوم القبض، وهذا حيث لم يسقط الشرط أو أسقط بعد الفوات، ولو أسقط قبل الفوات صح البيع كما قال المص، وقيل: إن فيه عند الفوات قدر ما نقص من الثمن بسبب الشرط كما مر، ثم إن كلام المص يشعر بأن هذا في المقوم، وأما المثلي فإنما فيه مثله لأنه كعينه فلا كلام لواحد منهما بمثابة ما إذا كان قائما ورد عينه. وكالنجش يعني أن من المنهي عنه بيع النجش. قال أبو علي: أي ومن البياعات المنهي عنها بيع النجش، وقال المواق في الموطإ: (نهى رسول الله ﷺ عن النجش (١))، وقال عبد الباقي: وكالنجش أي بيعه لأن هذا من جملة البياعات المنهي عنها، والنهي يتعلق بالبائع أيضا حيث علم بنجش الناجش، وإن لم يعلم به تعلق بالناجش فقط. انتهى. والناجش قال مالك: هو الذي يزيد في السلعة ولا يريد شراءها ليغر بذلك غيره فيقتدي به، كذا فسره في الموطإ، ومعناه كما علمت يزيد في السلعة سواء كان قدر ثمنها المعتاد أو أقل أو أكثر، وتفسير المازري هو تفسير مالك، وقَوْلُ عبد الباقي: ليغر، لم تقع في الموطإ ولا في المازري. نقل الرهوني عن أحمد بابا ما يخالفه، فإنه قال: إن ابن يونس نقل عن الموطإ أن
стр. 5361
النجش هو أن يزيد في السلعة لا يريد شراءها ليغتر به غيره، ذكره آخر التجارة لأرض الحرب، ونحوه في الواضحة لابن حبيب على ما نقل سيدي أحمد بن سعيد. انتهى. قال الرهوني: قلت: وما نسبه لابن يونس بالمحل المذكور هو كذلك فيه، ونصه: ومن الموطإ قال مالك: نهى الرسول ﷺ عن بيع النجش وهو أن يزيد الرجل في السلعة وهو لا يريد شراءها ليغتر به غيره. انتهى كلام الرهوني. وفي المواق: قال مالك: وهو يعني النجش أن يزيد الرجل في السلعة وهو لا يريد شراءها ليغتر به غيره. انتهى. وقال ابن العربي: لو بلغ الناجش قيمتها ورفع الغبن عن صاحبها لكان مأجورا ولا خيار للمبتاع، ففي المسألة قولان، قول مالك وقول ابن العربي؛ لأن معنى قول مالك أن يعطيه في سلعة أكثر من ثمنها، المراد بالثمن القدر الذي بلغته في النداء لا القيمة. والله سبحانه أعلم. وقوله: وكالنجش، قال في الصباح: نجش الرجل نجشا من باب قتل إذا زاد في السلعة أكثر من ثمنها وليس قصده أن يشتريها بل يغر غيره فيوقعه فيها، وكذلك في النكاح وغيره، والاسم النجش بفتحتين والفاعل ناجش ونجاش مبالغة، ولا تناجشوا أي لا تفعلوا ذلك. وفي المنتقى: وقال أهل اللغة: إن أصل النجش الإثارة للشيء ولهذا يقال للصائد: ناجش لما كان يثير المصيد فكأن الزائد في السلعة يثير غيره من المشترين للزيادة فيها ويريهم الحرص عليها. انتهى. ومثله للمتيطي والله أعلم. قاله الرهوني: وقال في الصباح: والنجاشي ملك الحبشة مثقل عند الأكثر، واسمه أصحمة. انتهى. وقوله: مثقل أي ياؤه مشددة، وانظره مع ما في القاموس والنجاشي بتشديد الياء وتخفيفها أفصح وتكسر نونه، قوله: أو هوأفصح أصمحة ملك الحبشة (١)). انتهى.
فإن علم فللمشتري رده؛ يعني أنه إذا علم البائع بنجش الناجش ولم ينكره ولم يزجره فإن للمشتري أن يرد المبيع مطلقا، لكن إن كان قائما رد ذاته وله أن يتماسك بالمبيع ويترك الثمن للبائع، وإن فات فإن شاء أخذ ثمنه وعليه القيمة؛ أي قيمة المبيع يوم القبض يدفعها للبائع وإن
стр. 5362
شاء أمضى البيع فلا يدفع للبائع القيمة. وقوله: فالقيمة ما لم تكن أقل من الثمن الذي اشتراها به قبل النجش، قال ابن عبد السلام: عليه القيمة ما لم تنقص عن ثمن المبيع قبل زيادة الناجش إن كان هناك مُزايدٌ. ابن عرفة: إن أرادوا الثمن الكائن قبل النجش كان من المشتري فحسن، وإلا فلا إذ لا يلزم أحدا ما التزمه غيره. انتهى. قال الرهوني: قيد ابن عبد السلام لزوم القيمة بما إذا لم تنقص عن الثمن المذكور، فإن نقصت لزمه ذلك الثمن لا القيمة، مثال ذلك أن يعطي فيها عشرة مثلا ثم زاد فيها شخص ليغر غيره، فبيعت لذلك بخمسة عشر مثلا، وفاتت السلعة بيد مشتريها فخير فاختار دفع القيمة، فقومت بثمانية مثلا فإنه يلزمه دفع العشرة مثلا عند ابن عبد السلام: وظاهر كلامه سواء كان هو الذي أعطى العشرة أوَّلًا أو غيره، وسلم كلامه ابن عرفة في الصورة الأولى دون الثانية. قال الرهوني: وفي كلام ابن عرفة نظر؛ لأن التزامه للعشرة قد سقط بإباية البائع من بيع سلعته، ولو سلمنا ذلك تسليما جدليا لا نسلم أنه لم يلتزم العشرة في الصورة الثانية. بل قد التزمها لأن التزام خمسة عشر مثلا التزام لجميع أجزائها التي تركب منها ومنها العشرة، فيسقط عنه ما وقع به النجش لأنه التزمه على أن الغير أعطاه على صفة فتبين خلافها، وبقي ما عداه على الأصل لانتفاء علة السقوط فالحق ما قاله ابن عبد السلام في الصورتين، ووجهه ظاهر دون مين. والله أعلم. انتهى.
وجاز سؤال البعض ليكف عن الزيادة؛ يعني أنه يجوز لحاضر سوم سلعة يريد شراءها أن يسأل بعض الحاضرين للسوم أن يكف عن الزيادة فيها ليشتريها السائل برخص. لا الجميع يعني أنه لا يجوز له أن يسأل جميع الحاضرين أن يكفوا عن الزيادة، وإنما له سؤال البعض، قال الخرشي: وليس له سؤال الجميع أو الأكثر أو الواحد الذي كالجماعة لكونه يُقتدَى به كالجميع، وقال عبد الباقي: لا الجميع ولو حكما فإن وقع وثبت ببينة أو إقرار خير البائع في قيام السلعة بين ردها وعدمه: فإن فاتت فله الأكثر من الثمن والقيمة. انتهى. وإن أمضى البائع البيع فلا يجبر الحاضرون المشتري على الشركة، كما لا يجبرهم هو لأنهم قد سلموا له لما سألهم ورضي هو بالشراء وحده، فلا يجبر واحد منهم على الشركة بحال. قاله بناني. فإن قال: كف عني ولك دينار جاز ولزمه الدينار اشترى أو لم يشترت قال ابن غازي: كان ابن هلال يستشكل قول ابن
стр. 5363
رشد في جواز المعاوضة على ترك الزيادة في سلعة المزايدة، ويقول: هو من أكل أموال الناس بالباطل، ولاسيما إذا لم يبعها ربها، وقال العبدوسي: لا إشكال فيه لأنه عوض على ترك وقد ترك. انتهى. ابن رشد: ولو قال: كف عني ولك بعضها على وجه الشركة جاز، وإن كان على وجه العطاء مجانا لم يجز؛ لأنه أعطاه على الكف ما لا يملك، وقوله: لا الجميع، قال المواق: سمع القرينان: القوم الذين يجتمعون في البيع يقولون: لا تزيد علي كذا أو كذا فقال: لا والله ما هذا بحسن. ابن رشد: هذا بين لأن تواطئهم على ذلك إفساد على البائع وإضرار به. انتهى. وكبيع حاضر لعمودي؛ يعني أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحاضر للبادي، قال المواق: البخاري: قال رسول الله ﷺ : (لا يبع حاضر لباد (١)) الباجي: البادي على قسمين أهل عمود وأهل منازل واستيطان، ولا خلاف أن أهل العمود مرادون بالحديث، وقال عبد الباقي: ودليل النهي في مسألة المص خبر مسلم: (لا يبع حاضر لباد)، ولفظ البخاري (لا يبيع) بإثبات التحتية بعد الموحدة. قال السيوطي: وللكشميهني: لا يبع، فالأول من تصرف الرواة أو خبر بمعنى النهي. انتهى. أي لا يكون سمسارا له في سلعته التي قدم بها. هذا هو المراد، لا نهي الحاضر عن البيع للبادي شيئا من السلع التي للحاضر لعموم: ﴿وأحل الله البيع﴾. ولا يشير عليه ولا يخبره بالسعر، ودليل النهي أيضا ما في الشارح عنه ﵊ (دع الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض) (٢) قال الأجهوري: في غفلاتهم، مدرج ليس من الحديث، وكذا في ابن هارون وحلولو ومن حديث مسلم ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض انتهى. وفي قوله: مدرج، مسامحة لقول الألفية:
والمدرج الملحق آخر الخبر … من قول راوٍ مَّا بلا فصل ظهر
стр. 5364
وفي غفلاتهم ليس آخر الخبر وليس من قول راوٍ أصلا، كما يفيده قول ابن حجر الهيثمي: وقع لبعضهم أنه زاد في غفلاتهم كما هنا ونسبه لمسلم وهو غلط؛ إذ لا وجود لهذه الزيادة في مسلم، بل ولا في كتب الحديث، كما قضى به سبر ما بأيدي الناس. انتهى. قاله عبد الباقي قوله: أي لا يكون له سمسارا لخ، المراد بالسمسار هنا هو المتولي للعقد كالسماسرة الجالسين في الحوانيت، وليس من بيع الحاضر للبادي بيع الدلال اليوم لأن الدلال إنما هو لإشهار السلعة فقط، والعقد عليها إنما هو لربها، وبيع الحاضر إنما هو أن يتولى الحاضر العقد أو يقف مع رب السلعة يزهده في البيع ويعلمه أن السلعة لم تبلغ الثمن ونحو ذلك، والدلال على العكس لأن له رغبة في البيع. قاله الأبي. والسنوسي في شرح مسلم، وهو ظاهر، ولا نقله الحطاب: قال ما نصه: وانظر هذا الذي ذكره مع قوله في الحديث (لا تكن له سمسارا) انتهى. وإذا علمت أن المراد بالسمسار في الحديث هو متولي العقد كالجالس في الحوانيت انتفت المعارضة. قاله مصطفى في أجوبته. قاله بناني. وقال عبد الباقي: فلا يمنع بيع حاضر لعمودي سلع عمودي، وقوله: وكبيع حاضر لعمودي، قد علم من تقريره أنه يمنع بيع الحاضر للحاضر سلع عمودي سواء كانت لها ثمن عنده أو لا، نالها بثمن أم لا، كان البادي يعرف الثمن بالحاضرة أم لا، وقيد عبد الباقي ذلك بأن تكون لا ثمن لها، وقيده أيضا بأن يجهل العمودي السعر، أما التقييد بجهل العمودي السعر فقال فيه الرهوني: قول عبد الباقي: إنه لا يمنع بيع حاضر لحاضر سلع عمودي يعرف سعرها بحاضرة غير صحيح؛ لأن كلام ابن رشد الذي في المواق وكلام الباجي الذي نقله بناني كل منهما صريح في رده. انتهى. وأما التقييد بكونها لا ثمن لها عنده فقال بناني: قول عبد الباقي: ولا ثمن لها عنده لخ، هذا القيد ذكره الأبي في شرح مسلم عن أبي عمر بن عبد البر واعتمده السنهوري والأجهوري، ولم يذكره ابن عرفة ولا ابن عبد السلام، ولا المص في التوضيح، ولا الشارح في شروحه الثلاثة ولا شامله، ولا صاحب الجواهر، ولا غيرهم ممن وقفت عليه، وإطباقهم على تركه دليل على عدم اعتماده، ويدل على ذلك ذكرهم الخلاف في بيع البادي للبادي. قاله مصطفى. قلت: كلام الباجي في المنتقى ظاهر في عدم اعتبار الشرط المذكور، ونصه:
стр. 5365
الأصل في النهي عن ذلك الحديث، ومن جهة المعنى أنهم لا يعرفون الأسعار، فيوشك إذا تناولوا البيع لأنفسهم استرخص ما يبيعون لأن ما يبيعون أكثره لا رأس مال لهم فيه لأنهم لم يشتروه، وإنما صار لهم بالاستغلال فكان الرفق بمن يشتريه أولى، مع أن أهل الحواضر أكثر أهل الإسلام، وهي مواضع الأئمة فيلزم الاحتياط لها والرفق بمن يسكنها. انتهى.
فقوله: أكثره لا رأس مال لهم فيه، ظاهر في عدم اعتبار الشرط المذكور، بل هو صريح في الإطلاق. وقال الباجي أيضا بعدما تقدم: ينقسم الأمر إلى ثلاثة أقسام: البدوي لا يباع له سواء عرف السعر أو لم يعرفه، والقروي إن كان يعرف الأسعار فلا بأس أن يباع له وإن كان لا يعرفها لم يبع له. انتهى. وهو أيضا صريح في عدم اشتراط جهل البدوي بالسعر، ومثله في نقل المواق عن ابن رشد. والله سبحانه أعلم. وقال المواق: قال مالك: أهل العمود لا يباع لهم ولا يشار عليهم. ابن رشد: لم يختلف أهل العلم أن النهي عن أن يبيع حاضر لباد إنما هو لإرادة نفع الحاضرة ليصيبوا من أهل البادية.
قال مالك: ولم يرد بالنهي أهل القرى الذين يعرفون الأثمان والأسواق، ولا بأس به وأرجو أن يكون خفيفا، وأما أهل القرى الذين يشبهون أهل البادية فلا يباع لهم ولا يشار عليهم، وإن كانوا أيام الربيع في القرى ومن بعد ذلك في الصحراء على الميلين من القرية وهم عالمون بالسعر فلا يباع لهم، فجعلهم ثلاثة أقسام: البدوي لا يباع له عرف السر أو لم يعرفه، والقروي إن عرف الأسعار فلا بأس أن يباع له، وإن لم يعرفها لم يبع له. انتهى باقتصار. والله سبحانه الموفق. ولو بإرساله له؛ يعني أنه يمنع بيع الحاضر سلع العمودي للحاضر، ولا فرق في ذلك بين أن يبعث بها العمودي إلى الحاضر ليبيعها للحاضر وبين أن لا يبعث بها إليه. قال المواق: قال الباجي عن ابن حبيب: لا يبعث البدوي إلى الحضري بمتاع ليبيعه له. ابن يونس: ورواه أبو محمد. أبو عمر: ورواه أبو قرة. انتهى. وقال أبو علي: أي ومن البياعات المنهي عنها بيع الحاضر للبادي، وليس ذلك خاصا بما إذا توجه العمودي بمتاعه إلى الحضري، بل ينزل منزلة
стр. 5366
ذلك ما إذا وجه العمودي متاعه مع رسوله إلى الحضري ليبيعه له، والضمير في إرساله للعمودي، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، والضمير في له للحاضر، وقوله: ولو بإرساله له، قال الخرشي: حكاه الباجي عن مالك وابن القاسم وهو المعروف، ويفسخ إن وقع، وعن الأبهري جواز البيع في هذه الصورة لأنها أمانة اضطر إليها. انتهى.
وهل لقروي؛ يعني أنه اختلف هل النهي مخصوص بالعمودي لا يتعداه لأهل القرى التي لا يفارقها أهلها أو متناول للعمودي وللقروي في ذلك قولان لمالك، قال عبد الباقي: محلهما حيث جهل القروي السعر وإلا جاز قطعا، وخرج بالقروي المدني فيجوز بيعه له على أحد قولين والآخر كالقروي وهما متساويان أيضا، ولم يذكرهما المص إما لأنه لا يلزمه ذكر كل مسألة فيها قولان، وإما لأنه ظهر له ترجيح الجواز. انتهى. وقال أبو علي: وهل لقرويٍّ قولان؛ يعني وهل ينهى الحاضر عن البيع للقروي كما ينهى عن المبيع للعمودي؟ فيه قولان. ابن رشد: واختلف في أهل الأمصار والقرى الصغار هل يتناولهم النهي أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فلمالك في الموازية: أنه يتناولهم، وروى عنه أبو قرة أنه لا يتناولهم، وعنه أنه يتناول أهل القرى الصغار دون الأمصار. انتهى. وسمع ابن القاسم: يكره للحضري يسأله البدوي عن السعر أن يخبره به. ابن رشد: لما فيه من الإضرار بأهل الحاضرة في قطع المرفق ولا اختلاف فيه فيما أعلم في مذهب مالك. انتهى. وقال ابن يونس: قال ابن المواز: قال مالك في قول النبي ﷺ لا يبع حاضر لباد: هم الأعراب أهل العمود ومن كان من أهل القرى الذين يُسَمَّوْنَ أهل البادية لا يباع لهم ولا يشار عليهم. قال في الواضحة: ولم يرد بذلك أهل القرى الذين يعرفون الأثمان والأسواق. ابن المواز: قيل لمالك: فإن كانوا أيام الربيع في القرى ومن بعد ذلك في الصحراء على الميلين من القرية وهم عالمون بالسعر؟ قال: لا يباع لهم. قال أصبغ: وهو بيع حرام. وقيل: إن البادي كل طارئ على بلد وإن كان من أهل الحضر، وهذا هو الذي مر من منع بيع الحضري للمدني سلع العمودي. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: وانظر حكم المشترك بين حاضر وباد هل يقسم
стр. 5367
حيث يمكن قسمة ويجري كل على حكمه أو يصبر الحاضر حتى يبيع البادي حصته أم كيف الحال.
وفسخ؛ يعني أن بيع الحاضر للبادي يفسخ إن لم يفت بمفوت البيع الفاسد وإلا مضى بالثمن، وقيل بالقيمة. قاله التتائي. قاله عبد الباقي. وقال المواق عن الباجي: روى ابن حبيب: إن وقع بيع الحاضر فسخ. ابن رشد: اختلف في ذلك قول ابن القاسم. وقوله: وفسخ، رد به ما ذكره أبو عمر في كافيه، فإنه قال: والذي أراه إمضاء البيع وأن لا يفسخ إلى آخر كلامه.
وأدب يعني أنه إذا وقع بيع الحاضر للبادي فإنه يفسخ البيع كما عرفت ويؤدب كل من الحاضر والمالك والمشتري حيث علم، ولا أدب على الجاهل منهم، وقوله: وأدب وهل إن اعتاده؟ قولان، والقول بالأدب مطلقا هو الظاهر لقوله فيما يأتي: وعزر الإمام لمعصية الله تعالى، أو لحق آدمي. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وأدب كل من الحاضر والمالك والمشتري إن لم يعذر بجهل؟ وهل وإن لم يعتده وهو ظاهر قوله: وعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي، أو إن اعتاده وإلا زجر قولان. انتهى. وقال المواق عن ابن عرفة في وجوب تأديب فاعله إن لم يعذر بجهل مطلقا أو إن اعتاده قولان، الأول قول ابن القاسم، والثاني لابن وهب قائلا: يزجر. وجاز الشراء له، هذا مفهوم قوله: وكبيع حاضر لعمودي فهو باق على عمومه، وهذا خاص بالنقد إذ هو الشراء عرفا عند الفقهاء؛ يعني أنه يجوز للحضري أن يشتري من الحضري للبادي بالنقد. قال بناني: وهذا هو الظاهر من كلام الأئمة. انتهى. وقال المواق عن الباجي: أما الشراء للبدوي، فقال مالك: لا بأس به بخلاف البيع. وقال ابن حبيب: لا يشتري له، ورواه أبو عمر عن مالك. وقاله ابن الماجشون. وكتلقي السلع؛ يعني أن رسول الله ﷺ (نهى عن تلقي السلع (١)). قال الحطاب: قال ابن رشد في رسم حلف من سماع ابن القاسم: (نهى رسول الله ﷺ عن تلقي السلع) (٢) حتى يهبط بها إلى السوق، فلا يجوز للرجل أن يخرج من الحاضرة إلى
стр. 5368
الجلائب التي تساق إليها فيشتري منها ضحايا، ولا ما يوكل ولا للتجارة. انتهى. وقال المواق عن البخاري: قال رسول الله ﷺ : (لا تلقوا الركبان (١))، وفي مسلم: (لا تلقوا الجُلَّبَ (٢)). أبو عمر: ووهب مالك أن هذا رفق بأهل الأسواق، وقال الشافعي: إنما هذا رفق بصاحب السلعة، وقد ورد بهذا خبر صحيح يجب العمل به خرجه أبو داوود (نص رسول الله ﷺ أن صاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق (٣)). وقال أبو علي: أي ومن المنهي عنه تلقي الركبان للبيع، واختلف هل هذا على التحريم؟ وهو ظاهر المذهب أو على الكراهة وإليه نحا ابن الجهم، واختلف في الحد المنهي عنه فقيل: الميل، وقيل: الفرسخان، وقيل: اليومان، وقال الباجي: يمنع قرب أو بعد. وقال عبد الباقي: وكتلقي السلع أي مع صاحبها قبل هبوطه البلد لخبر البخاري عن [ابن] (٤) عمر (كنا نتلقى الركبان نشتري منهم الطعام فنهانا رسول الله ﷺ (٥) فالطعام خصوص فرض والنهي عام كما يدل عليه خبر مسلم: لا تلقوا الجلب، ونسب المص التلقي للسلع كما في الخبر الأول، والجلب كما في الثاني لأن المقصود من تلقيهم تلقيها. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه. يقال على هذا: إنه عبر بتلقي السلع للحديث الأول الذي في الحطاب. قال عبد الباقي بعد قوله: لأن المقصود من تلقيهم تلقيها، وأيضا عدل عن لفظه ليبين الوجهين الذين ذكرهما بقوله:
أو صاحبهما، يعني أنه يمنع تلقي صاحب السلع قبل هبوطه ليشتري منه ما وصل قبله أو يصل بعده قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: والمعنى أنه نهى عن تلقي السلع الواردة لبلد مع صاحبها قبل وصول سوقها، أو البلد إن لم يكن لها سوق، أو تلقي صاحبها بعد أن وصلت السلعة ولم يصل صاحبها فتلقاه رجل فاشترى منه قبل وصوله. انتهى. وقال المواق: الباجي: لو وصلت
стр. 5369
السلعة السوق ولم يصل بائعها فتلقاه رجل واشتراها منه فلم أو فيه نصا وهو عندي من التلقي الممنوع. انتهى.
كأخذها في البلد بصفة؛ يعني أنه لو ورد خبر السلعة فاشتراها شخص على الصفة فهو من التلقي. قال عبد الباقي: كأخذها في البلد أي شرائها من صاحبها المقيم أو الذي قدم قبل وصول السلع له أو لسوقها إن كان لها سوق بصفة فيمنع ولو لقوته، فإن لم يكن لها سوق جاز -ولو قبل مرورها على بيته- شراؤها ولو للتجارة بعد هبوطها البلد، وهو من أهل البلد في جميع ذلك، ولا يخرج لها في ذلك كله. وقوله: كتلقي السلع، قال عبد الباقي: واختلف هل النهي عن التلقي تعبد أو معقول المعنى؟ وعليه فهل الحق لأهل البلد؟ وهو لمالك أو للجالب وهو للشافعي، أو لهما وهو لابن العربي، وقي حد التلقي المنهي عنه الذي إذا زيد عليه في البعد لا يتناوله النهي ثلاثة أقوال: ميل، وفرسخان، ويومان، وللباجي رابع وهو منع التلقي قرب أو بعد، وهذا ظاهر المص؛ هذا كله فيمن منزلة في البلد. انتهى.
ولا يفسخ يعني أن هذا الشراء المذكور من قوله: كتلقي السلع، إلى ما هنا، لا يفسخ بل البيع فيه صحيح وإن كان منهيا عنه، قال الحطاب: هذا هو المشهور، وقيل: يفسخ، وفي الشامل: وينهى عن ذلك فإن عاد أدب، وفيه أيضا: وعلى الإمضاء فهل يختص بها أو يعرضها على طالبها فيشاركه فيها من شاء منهم وشهر؟ روايتان. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ولا يفسخ البيع بل صحيح وحينئذ فيضمن المشتري المبيع بالعقد، وهل يختص بها وشهره المازري؟ أو يعرضها على طالبيها [فيشاركه] (١)، فيها من شاء منهم وشهره عياض، روايتان. ولم يذكر المص في هذه أنه يودب، ولابن المواز روى ابن القاسم عن مالك: ينهى عنه، فإذا عاد أدب وهو يقتضي أنه لا أدب عليه في فعل ذلك ابتداء ولو عالما بحرمته، وهو يخالف قول المص فيما يأتي "وعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي" وأشعر قوله: تلقي السلع أن الخروج للبساتين لشراء ثمر الحوائط ونحوها التي يلحق أربابها الضرر بتفريق بيعها ليس من التلقي سواء الطعام وغيره وهو
стр. 5370
كذلك، فقد روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس به، وقال أشهب: وكذا شراء الطعام وغيره من السفن بالساحل إلا أن يأتي من ذلك ضرر وفساد بكاحتكار. قال المواق: الذي يظهر الجواز في تلقي كراء الدواب والخدم من غير الموقف المعتاد. انتهى. وكلام المواق هو قوله بعد جلب نقل عن ابن رشد وأبي عمر: كل ذلك يرشح أن يذهب إنسان إلى دار آخر يكتري منه دابته أو خادمه. انتهى المراد منه. وانظر شراء الخبز من الفرن وتلقي جمال السقائين من البحر، وعلى ما لابن سراج ليس هذا من التلقي إذ الماء لا سوق له. انتهى. ويأتي ما لابن سراج في القولة الآتية أي قول المص: وجاز لمن لخ، وقال المواق: روى محمد: ما أرسي بالساحل من السفن فلا بأس بأن يشتري منهم الطعام وغيره فيبيعه، إلا أن يقصد الضرر فلا يصلح لأنه من باب الاحتكار. الباجي: لأنه منتهى سفر الوارد.
(وجاز لمن على كستة أميال أخذ محتاج إليه) يعني أنه يجوز لمن منزلة أو قريته على كستة أميال ونحوها من البعد من البلد المجلوب لها السلعة أن يأخذ ما يحتاج إليه لقوته لا للتجارة، بل في المواق: واعتمده الأجهوري أن له الأخذ للتجارة ولو لما له سوق حيث كان على مسافة زائدة على ما يمنع تلقي البلدي منه، فإن كان خارج البلد لكنه فيما يمنع التلقي منه أخذ مما له سوق لقوته لا للتجارة، ومما لا سوق له ولو للتجارة. قاله عبد الباقي. ومفهوم قوله: على كستة أن من كان على دون ستة ليس حكمه كذلك وهو كذلك، وحكمه أنه لا يجوز له الشراء المذكور، وأما من على أكثر من كستة إلى يومين فكذلك بلا نزاع، وهذا الثاني يفهم من إدخال الكاف على ستة، وأما من كان على أكثر من يومين فجائز له الشراء ولو للتجارة، وما ذكره المص لا يخالف ما مر في حد التلقي المنهي عنه. قيل: ميل، وقيل: فرسخان، وقيل: يومان، وقيل: يمنع التلقي قرب أو بعد وهو ظاهر كلام المؤلف؛ لأن هذا أي كلام المؤلف في الذي منزلة أو قريته خارج عن البلد التي تجلب إليها السلع ومرت به السلعة، وأخذ منها ما يحتاج إليه لقوته فقط، وهذه الأقوال فيمن يخرج من البلد التي تجلب إليها للتلقي. قاله الخرشي عن الأجهوري. والفرق بين من بالبلد ومن هو خارج عنه المشقة التي تلحق من هو خارج عنه في ذهابه لسوق المدينة ولا كذلك من هو بالمدينة. نقله أبو علي. ولابن سراج: أنه يمنع الأخذ مطلقا لمن منزلة بالبلد وللسلعة سوق قبل
стр. 5371
هبوطها لسوقها، ويجوز مطلقا لمن منزلة بالبلد ولا سوق لها إذا وصلت للبلد ولا يخرج لها في الحالتين، ويجوز لمن منزلة خارج البلد وللسلعة سوق أن يأخذ لقوته لا للتجارة، وأما إن لم يكن لها سوق فيأخذ لقوته وللتجارة. انتهى. لكن يقيد تفصيله فيمن منزلة خارج البلد بما إذا كان على مسافة يمنع التلقي منها، وإلا فيجوز له الأخذ ولو للتجارة. قال الشبراخيتي بعد هذا: ولا شك في مخالفة هذا لكلام المص لأن قوله: وجاز لمن على كستة أميال لخ، إن حمل على سلعة لها سوق لم يصح لأنه يجوز الشراء لحاجته قرب المحل أو بعد، وإن حمل على سلعة لا سوق لها جاز قرب مكانه أو بعد، سواء كان الشراء لحاجته أو للتجارة. انتهى. قاله بناني. وقال المواق: بقي من البيوع المنهي عنها بيع الرجل على بيع أخيه وهل يفسخ البيع ويؤدب فاعله، قال ابن عرفة: المذهب قَصْرُ هذا المنهي على بيع المساومة لا المزايدة. انتهى. قال الرهوني: وقد ذكر الخلاف في الفسخ الباجي في المنتقى والمتيطي وابن عرفة وغير واحد، وذكر ابن عرفة الخلاف في التأديب هل يؤدب مطلقا أو يقيد؟ ونصه: ففي فسخه ثالثها ما لم يفت لسماع سحنون ورواية ابن حبيب وأبي عمر، وعلى الثاني روى ابن حبيب يعرضها على الأول بالثمن زادت أو نقصت، وسمع سحنون ابن القاسم يؤدب فأطلقه ابن رشد، وقال الباجي: لعله يريد من تكرر ذلك منه بعد الزجر، وعلى العرض روى ابن حبيب: إن أنفق [فيما زادت] (١) به غرمه الأول مع الثمن، وإن نقصت لم يحط من الثمن، وقوله: وعلى العرض روى ابن حبيب أي عن مالك ومن لقي من أصحابه كما في المنتقى، وكلام أبي عمر يفيد أن الراجح عدم الفسخ، وظاهر كلام المتقدمين والمتأخرين أنه يحرم السوم بعد المراكنة ولو كانت السلعة لم تبلغ قيمتها أو كان مشتريها كسبه حراما (٢))، وخالف في ذلك ابن عرفة، فقال: إنه إذا كان كسب الأول حراما يجوز السوم على سومه، وقال أيضا: إنه إذا لم يبلغ السائم الأول قيمة السلعة جاز السوم على سومه قياسا على جواز ما مر عن ابن العربي في مسألة النجش. انتهى. ومن البيوع المنهي عنها البيع
стр. 5372
عند نداء الجمعة. ونهى رسول الله ﷺ عن التسعير لما سئل عنه، وقال: إن الله هو القابض والباسط والمغلي والمرخص وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال. وقال ابن رشد: الجلاب لا يسعر عليه اتفاقا وإن كان تسعير لغيره فلا يكون إلا إذا كان الإمام عدلا ورءاه مصلحة بعد جمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء.
وإنما ينتقل ضمن الفاسد بالقبض؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا ضمانه من بائعه ولا ينتقل عنه ضمانه حتى يقبضه المشتري، فإذا قبضه المشتري تعلق ضمانه به. قال عبد الباقي: وإنما ينتقل ضمان المبيع على البت بيعا فاسدا إلى المشتري بالقبض المستمر نقد المشتري الثمن أم لا، كان المبيع يدخل في ضمان المشتري في البيع الصحيح بالعقد أو بالقبض، وما يأتي للمص من قوله: إلا المحبوسة للثمن لخ، المسائل الخمس في البيع الصحيح، وكلام المص في المبيع الذي لم ينه عن بيعه، وأما الميتة والزبل فلا ضمان فيهما على المشتري ولو قبضهما، بل ولو أتلفهما إذ لا قيمة لهما شرعا، ويرجع على البائع بالثمن إن كان قبضه، والكلب المأذون في اتخاذه إذا قبضه المشتري وتلف بغير صنعه كسماوي فإن ضمانه من بائعه على المشهور، وقيل: من المشتري، وسواء هلك قبل نقد الثمن أو بعده، فيرجع بثمنه على البائع. فإن قتله المشتري ضمن قيمته، كإتلافه جلد الميتة. وقولي: على البت، احترازا عن المبيع فاسدا على الخيار فضمانه من بائعه بعد قبض المشتري له لأنه منحل؛ وقولي: المستمر، احتراز عن الأمة البيعة فاسدا المواضعة إذا قبضها المشتري قبل حيضها ولم يقبضها بعد وضعها عند أمينة وبعد حيضها فإن ضمانها من البائع: لأن قبض المشتري لها سابق على المواضعة ليس مستمرا، واحتراز أيضا عن قبض المشتري للسلعة في المفاسد ثم ردها للبائع على وجه الأمانة أو غيرها، كما لو استثنى ركوب دابة وأخذها بعد قبض المشتري لها فاسدا ثم هلكت فالضمان من البائع.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: يفهم من قوله: وإنما ينتقل ضمان المفاسد بالقبض، أن من اشترى عبدا آبقا وحصله بجعل فهو على البائع لأنه لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض،
стр. 5373
فإن فات أسقط الجعل من قيمته. الثاني: قال بناني: لا يتوقف القبض على الحصاد أو جذ الثمرة إن كان المبيع يستحق الحصاد أو الجذ حين البيع، فإن بيع قبل استحقاقهما توقف القبض على حصول الحصاد أو الجذ، ففي ابن يونس ما نصه: في سماع سحنون قال ابن القاسم في الرجل يشتري الزرع بعد ما طاب ويبس بثمن فاسد فتصيبه عاهة فيتلف: فإن ضمانه من مشتريه لأنه قابض له وإن لم يحصده، بخلاف أن لو اشتراه قبل بدو صلاحه على أن يتركه فيصاب بعد ما يبس فمصيبة هذا من بائعه؛ لأنه لم يكن قبض ما اشترى حتى يحصده. انتهى. قوله: لا يتوقف القبض على الحصاد لخ، ما ذكره في هذا التنبيه نحوه في المواق، وقد أتى الزرقاني بهذا بعينه فقها مسلما عند قول المص: وإلا الثمار للجائحة، وسلمه التاودي وبناني هناك وفي ذلك كله نظر، لتصريح ابن عرفة وغيره بأن سماع سحنون هذا خلاف الشهور؛ قال: وإنما يتصور هذا على قول أشهب القائل: إن التمكين كالقبض، وصرح القلشاني أيضا في شرح الرسالة بأن سماع سحنون خلاف المشهور، ونحوه لابن ناجي في شرح المدونة، وما ذكره المص من قوله "وإنما ينتقل ضمان المفاسد بالقبض" هو المشهور، قال ابن عرفة في ضمان المبتاع المبيع فاسدا، ولا توفية فيه بقبض ثمنه كتمكين البائع من قبضه أو بقبضه ثالثها لا يضمنه بحال إن قامت بينة بتلفه بغير سببه، ورابعها: هذا إذا كان متفقا على حرمته. خامسها: يضمنها بالعقد إن كان جزافا ولو كان بأرض بائعه، لأشهب، والمشهور، وسماع أبي زيد، وقول سحنون، وسماعه. انتهى. وقال ابن ناجي في شرح المدونة عند قولها: وكل بيع فاسد فضمان ما يحدث بالسلعة في سوق أو بدن من البائع حتى يقبضها المبتاع. انتهى. ظاهره كان المبيع جزافا أم لا مكنه من القبض أو نقده الثمن أم لا وهو كذلك، وأحد الأقوال الخمسة، وقيل: يضمن المشتري إما بالتمكين أو بدفع الثمن، وقيل: لا يضمنه بحال، أو إن قبضه إن قامت بينة بتلفه من غير سببه. قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد. وقيل: مثله إن كان متفقا على حرمته. قاله سحنون، حكاه المازري؛ وقيل: يضمنه بالعقد إن كان جزافا، وإن كان بأرض بائعه، رواه سحنون عن ابن القاسم.
стр. 5374
الثالث: البيع الفاسد لا ينقل الملك، فقد قال ابن ناجي في شرح المدونة في كتاب الهبة عند قوله: ومن باع عبده بيعا فاسدا ثم وهبه لرجل قبل تغيره في سوق أو بدن جازت الهبة: المازري: يؤخذ من قولها بعد: إن البيع بينكما مفسوخ أن البيع الفاسد لا ينقل الملك، وفي العتق الأول خلافه، فمن قال لعبد: إن ابتعتك فأنت حر فاشتراه شراء فاسدا فقبضه المشتري، أنه يعتق عليه. انتهى.
الرابع: قال في البيوع الفاسدة: ومن اشترى أمة بيعا فاسدا فولدت عنده ثم مات الولد فذلك فوت وليس له ردها كانت من المرتفعات أم لا لأن القيمة قد وجبت.
الخامس: قال ابن سهل: والبيوع الفاسدة حكم الجاهل فيها حكم العامد في جميع الوجوه.
السادس: البيع الفاسد المجمع على فساده لا يحتاج فسخه إلى الحاكم، واختلف في المختلف فيه على ثلاثة أقوال: هل المعتبر في فسخه فسخ السلطان؟ وهو قول محمد، أو تراضيهما بالفسخ كفسخ السلطان وهو قول أشهب، وظاهر كلام اللخمي في مسألة بيع الثنيا، حكى القولين في المقدمات وغيرها. وحكى ابن عرفة ثالثا وهو الفسخ بمجرد إشهادهما على الفسخ، وعلى القول: إنه يفتقر الفسخ إلى الحاكم لو حَكَّم المتبايعان رجلا فحكم بالفسخ لحل ذلك محل حكم القاضي، ولو غاب أحدهما فإنه يرفع للحاكم ويفسخه، فإن لم يجد حكما ينظر له في ذلك إما لأنه غير مأمون أو غير معتن بذلك فإنه يولي النظر في ذلك لعدول المسلمين.
السابع: قوله: بالقبض، قال أبو علي: ومن المعلوم أن قبض الوكيل كقبض موكله، كما قال ابن رشد وغيره، ولا فرق بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب عليه، وقال سحنون: يضمنه ضمان الرهان، وفي المدونة: من باع عبده بيعا فاسدا ثم وهبه لرجل قبل تغيره في سوق أو بدن جازت الهبة، وذكر عنها ابن عرفة ما نصه: من ابتاع جارية بيعا فاسدا فأعتقها قبل أن يقبضها أو كاتبها أو دبرها أو تصدق بها فذلك فوت إن كان له مال. انتهى. وقال أبو علي بعد جلب نقول: وقد تبين من هذا أن عتق المشتري وهبته ماضيان قبل الفوات، وظاهرها قبض ذلك المشتري أو لم يقبضه كما رأيت، وكذا يمضيان من البائع قبل الفوات، وظاهرها خرج عن يده أم لا وقد رأيته أيضا. انتهى.
стр. 5375
الثامن: قال اللخمي: اختلف إن كانت السلعة بيد أمين البائع فأقرها المشتري ولم يقبضها هل تبقى على ضمان البائع أو يضمنها المشتري، وكذا لو كانت قبل المبيع عند المشتري ثم اشتراها شراء فاسدا اختلف هل يضمنها المشتري أو تبقى في ضمان البائع لأن الحكم رد ذلك الرضى وهي باقية على حكم الأمانة إلا أن يحدث المشتري فيها حدثا فيضمن قيمتها يوم أحدثه. انتهى. قول اللخمي: وكذا لو كانت قبل البيع إلى آخره هي من قواعد المذهب تَبَدُّلُ النية مع بقاء اليد وفيه خلاف. قاله الشيخ أبو علي. وقال: قال المقري في قواعده: اختلف المالكية في رد البيع الفاسد هل هو نقض له من الأصل أو من حين الرد؟ وعليه فطرة العبد يمضي عليه يوم الفطر عند المشتري وفروعه كثيرة. انتهى. والمذهب أنها على المشتري.
ورد يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبضه المشتري فإنه يرد لربه وجوبا إن كان قائما، وفي المعيار: سئل أبو العباس عن المتبايعين إذا عثرا على فساد وهما بالمجلس والسلعة قائمة هل يجوز تراضيهما على فسخ البيع بغير حكم حاكم أو لا يجوز؟ فأجاب: إن تراضيا على الفسخ أجزأهما. انتهى. فظاهره أن التراضي كاف مطلقا وفي كل بيع وهو قول نقله الحطاب في أن التراضي منهما بالفسخ كحكم الحاكم. انتهى. قاله أبو علي. وهذا القول ذكره الحطاب في المختلف في فساده وقد مر ذكره، وأما المجمع على فساده فقد مر أنه لا يحتاج فسخه إلى الحاكم.
ولا غلة يعني أن المشتري إذا رد المبيع بيعا فاسدا إلى بائعه فإنه لا يرد معه غلة المبيع. قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: كل من ملك بوجه شبهة فلا يطالب بالخراج. انتهى. وقال المواق في المدونة: وكذا في البيع الفاسد ترد المبيع ولا شيء عليك في غلة. انتهى. وقال الخرشي: والمعنى أن الغلة للمشتري إلى حين الحكم برد المبيع لكونه في ضمانه إلى ذلك الوقت لأن الخراج بالضمان ولو علم بالفساد، والواو في قوله: ولا غلة، واو الحال أي ورد البيع والحال أنه لا غلة تصحبه. وقال عبد الباقي: ولا غلة على المشتري أي لا يردها حين رد المبيع بل يفوز بها، ولا يرجع على البائع بالنفقة لأن من له الغلة عليه النفقة، فإن أنفق على ما لا غلة له رجع بما
стр. 5376
أنفق، فإن أنفق على ما له غلة لا تفي بالنفقة رجع بزائد النفقة، وقد يرجع بالنفقة مع كون الغلة له وذلك فيما إذا أحدث في المبيع فاسدا ما له عين قائمة كبناء وصبغ فيرجع بذلك مع كون الغلة له كسكناه ولبسه، فالأقسام ثلاثة. انتهى؛ يعني أن صور النفقة ثلاثة ما له عين قائمة وما لا غلة له وما له غلة تفي بالنفقة أو لا تفي بها، وقال عبد الباقي أيضا: وظاهر قوله: ولا غلة ولو كان المشتري عالما بالفساد ووجوب الرد، وفي التتائي تبعا لشيخه السنهوري كما في أحمد التقييد بما قبل علمه بوجوب الرد. قال أحمد: وهو مخالف لظاهر كلام المص. نعم القيد في الاستحقاق، ففي الحطاب: أنه إذا استحقت الأرض بحبس فالغلة للمستحق منه حيث لم يعلم بالحبس فإن علم رجع عليه بالغلة إلا إن كان المستحق لها هو المحبس عليه، وهو كبير أي رشيد عالم بالحبس فلا رجوع له بالغلة مع علم المستحق منه بالحبس، فإذا أخذ المحبس عليه الحبس ممن هو بيده بشراء رجع على بائعه بثمنه، فإن أعدم استوفى من غلة الحبس، فإن مات المحبس عليه قبل استيفائه ضاع عليه باقي ثمنه، ويرجع الحبس إلى مستحقه بعده. انتهى. قوله: وهو مخالف لظاهر كلام لخ، ومخالف أيضا لإطلاق المدونة وابن الحاجب وابن عبد السلام وابن عرفة والتوضيح. قال مصطفى: والإطلاق هو الطابق للخراج بالضمان إذ علمه بوجوب الرد لا يخرجه عن ضمانه. انتهى. وقوله: ممن هو بيده بشراء لخ؛ يعني بشراء من المحبس عليه، يدل على أن المحبس عليه هو البائع. عبارة الأجهوري ونصها: وإذا أخذ المحبس عليه الحبس ممن هو في يده وقد كان اشتراه فمن أخذه منه فإنه يرجع عليه بثمنه.
فإن فات مضى لمختلف فيه بالثمن؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبضه المشتري وفات بيده فإن ذلك المبيع يمضي بالثمن الذي أخذ به؛ أي يملك المشتري المبيع ويملك البائع الثمن، ولا يرد واحد منهما على صاحبه شيئا. قال الخرشي: أي فإن فات المبيع بيعا فاسدا كله أو أكثره بمفوت مما يأتي مضى بالثمن إن كان مختلفا فيه بين الناس ولو كان خارج المذهب. وقال عبد الباقي: فإن فات المبيع فاسدا بيد المشتري مضى المختلف فيه بين العلماء ولو خارج المذهب بالثمن، مثال المختلف فيه أن يسلم في ثمر حائط بعينه وقد أزهى ويشترط أخذه تمرا فيفوت بالقبض. قاله الأجهوري. ولا يضر اتفاق المذهب على منع هذا لما علمت أن المراد المختلف فيه،
стр. 5377
ولو خارج المذهب، وكاجتماع البيع والصرف، وكمضي بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه، وكقوله في فصل العينة: بخلاف اشترها لي باثني عشر لأجل وآخذها بعشرة نقدا فتلزم بالمسمى أي الاثني عشر لأجلها ولا تعجل العشرة، إلى أن قال: وإن لم يقل: لي، فهل لا يرد البيع إذا فات أو يفسخ الثاني مطلقا إلا أن يفوت فالقيمة؟ قولان. انتهى. والغرض منه وإن لم يقل: لي لخ، لكن لا يخفى أن القول الثاني مخالف لقول المص هنا؛ فإن فات مضى المختلف فيه بالثمن، كما أنه يخالفه أيضا قوله في بيوع الآجال: وصح أول من بيوع الآجال فقط إلا أن يفوت الثاني فيفسخان فلم يمض بالفوات بالثمن، مع أنه مختلف فيه وذكر المواق هناك أن ما ذكره المص من الفسخ هو المشهور، وأن القول بالإمضاء بالثمن ضعيف، والجواب أن قوله هنا: مضى المختلف فيه بالثمن، أكثري لا كلي، ومن أمثلة المختلف فيه أيضا جمع الرجلين سلعتيهما في البيع. انتهى كلام عبد الباقي. وقوله: في الحائط المزهي إنه يفوت بالقبض لخ، نحوه في التوضيح عن ابن القاسم، وكأنه المشهور في خصوص هذا الفرع، وفي بيع حب أفرك ويكون مثالا لمجرد المختلف فيه، وإلا فالذي في كلام المص هو المضي بالفوات لا بالقبض. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وقال المواق: من المدونة: قال مالك: يرد الحرام البين فات أو لم يفت. ابن يونس: معناه يرد بيعه فإن كان قائما رد عين المبيع وإن فات رد قيمته ورجع بثمنه. قال مالك: وما كان مما كرهه الناس رد إلا أن يفوت فيترك. وقال ابن رشد: البيوع المكروهة هي التي اختلف أهل العلم في إجازتها، والحكم فيها أن تفسخ إذا كانت قائمة فإن فاتت لم ترد مراعاة للاختلاف فيها، وقال عياض: لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يغير ما اجتمع على إنكاره وقال القرافي وعز الدين بن عبد السلام: من أتى شيئا مختلفا فيه يعتقد تحريمه أنكر عليه لانتهاكه الحرمة، وإن اعتقد تحليله لم ينكر عليه إلا أن يكون مدرك المحلل ضعيفا ينقض الحكم بمثله لبطلانه في الشرع. انتهى.
وإلا ضمن قيمته حينئذ؛ يعني أن المشتري إذا قبض المبيع بيعا فاسدا متفقا على فساده -وهو معنى وإلَّا- وفات عنده بمفوت مما يأتي فإنه يضمن للبائع قيمته حينئذ أي حين القبض
стр. 5378
ويرجع بثمنه على البائع، وهذا أيضا أكثري إذ قد تكون القيمة يوم البيع كما يأتي في قوله: وفي بيعه قبل قبضه مطلقا تأويلان، من أنه على القول بالفوات تضمن القيمة يوم المبيع. قاله عبد الباقي. وقوله: ضمن قيمته، هذا في المقوم، وإذا فات المبيع بيعا فاسدا ووجب رد القيمة فإنه يقاصه بها من الثمن. نقله الحطاب. وأما المثلي فإنه يضمن مثله. كما قال: وضمن مثل الثاني، إذا بيع بكيل أو وزن أو عدد ولم يجهل ذلك بعد ووجد المثل وإلا ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرد، ومحل القيمة في الجزاف حيث لم تعلم مكيلته بعد فإن علمت وجب رد مثله. قاله عبد الباقي. وقال المواق: كل بيع انعقد فاسدا فضمان السلعة فيه من البائع حتى يقبضها المشتري، وكل ما كان من حرام بين فسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها فإن فاتت بيده رد القيمة فيما له قيمة والمثل فيما له مثل، من مكيل أو موزون طعام أو عروض، وجزاف الطعام كالعروض فيه القيمة، والقيمة فيما ذكر يوم القبض لا يوم البيع، المازري: وأواني الفخار من المقوم. انتهى. وقوله "وإلا ضمن قيمته حينئذ ومثل المثلي" قال ابن عرفة: وأجرة تقويم المبيع إن افتقر إليه على المتبايعين معا لدخولهما في المبيع مدخلا واحدا، وحكى بعضهم أنها على البائع، وقيل: على المبتاع. وقال أبو علي: قال ابن الحاجب: والفوات، قال ابن القاسم في الحرام البين المثلُ في المثلي والقيمةُ في غيره، وما كرهه الناس يمضي بالثمن. التوضيح: فرق ابن القاسم بين أن يكون حراما صريحا ثبت تحريمه بنص أو إجماع وشبه ذلك، وبين أن يكون مدرك تحريمه قياسا أو عموما بعيدا، فالأول تلزم فيه القيمة في القوم والمثل في المثلي، [والثاني يمضي] (١)، بالثمن. نص عليه في الجواهر. ابن عبد السلام: لم يرد ابن الحاجب المكروه الذي يقابل المندوب، وإنما أراد ما جرت به عادة المتقدمين من إطلاق المكروه فيمن أسلم في حائط قد أزهى واشترط أخذه تمرا فإنه يفوت بالقبض. انتهى. نقله أبو علي. قال: وهذا صحيح، ومن وقف على كلام الناس علم هذا يقينا، وسر ذلك أن المختلف فيه بين العلماء إنما يكون عند عدم الإجماع على النازلة، أو عند عدم النص الجلي، وإذا لم يوجد هذا مثلا تحير المجتهد فيرجع للعمومات والأقيسة فيظهر له
стр. 5379
الحكم الشرعي بحسب اجتهاده، ويغلب على ظنه فلا يجزم بالحكم، فيقول أكره هذا، فعلى هذا الأصل قيل فيها بياعات مثلا مكروهة، فهو لا يقدر أن يتجاسر على التصريح بالتحريم تورعا، وما أكثر هذا عند مالك. قاله الشيخ أبو علي. وقوله: وإلا ضمن قيمته، قال القاضي في معونته بعد أن ذكر أن الفوت يوجب القيمة: واختلف عن مالك هل هذا حكم جميع المبيعات أو حكم نوع منها؟ فعنه في ذلك روايتان، إحداهما: أنه حكم جميعها وهي رواية ابن نافع، والأخرى أنه حكم ما اتفق على فساده وتحريمه كالربا، وفي المعونة: لا خلاف في البيع أنه يمتنع عند نداء الجمعة، وقال ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ أجمع الناس على امتناع البيع هنا وقال ابن العربي عند قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلوة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ هذا مجمع على العمل به بلا خلاف في تحريم البيع، واختلف العلماء إذا وقع، ففي المدونة: يفسخ، وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت. وقاله ابن القاسم في الواضحة وأشهب. وقال في المجموعة: البيع ماض، وقال ابن الماجشون: يفسخ بيع من جرت عادته به. وقال الشافعي: يفسخ بكل حال. وقال أبو حنيفة: يفسخ في تفصيل قريب مما للمالكية، وقد بينا وجه ذلك في الفقه وحققنا أن الصحيح هو فسخه بكل حال لقول النبي ﷺ : من عمل عملا ليس على أمرنا فهو رَدٌّ. قاله أبو علي. وبين مفوتات البيع الفاسد بقوله:
بتغير سوق غير مثلي وعقار؛ يعني أن الفوات الذي يوجب مضي البيع المختلف في فساده ولزوم قيمة المبيع بيعا فاسدا للمشتري في المقوم ومثله في المثلي هو تغير السوق بأن كان يباع بعشرة مثلا فصار يباع بأكثر منها أو أقل عند الناس، وهذا في غير المثلي والعقار، وأما المثلي والعقار فلا تفيتهما حوالة الأسواق، وهذا الذي مشى عليه المص هو المشهور، خلافا لابن وهب، وعللوا ما مشى عليه المص بأن المثلي الأصل فيه القضاء بمثله، والقيمة فرع، فلا يعدل إليه مع إمكان الأصل، وبأن العقار لا يشترى إلا للقنية فلا يطلب فيه كثرة الثمن ولا قلته بخلاف غيره، وقوله: بتغير متعلق بفَاتَ قاله أبو علي، وقال عبد الباقي: بتغير سوق غير مثلي وغير عقار
стр. 5380
كحيوان وعروض، وأما المثلي والعقار فلا يفيتهما حوالة الأسواق على المشهور، وظاهره ولو اختلفت الرغبة فيهما باختلاف الأسواق. وقال المواق: ابن رشد: المنصوص عليه من قول مالك وأصحابه المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن المكيل والموزون من الطعام وغيره لا يفيته حوالة الأسواق، والذقي يوجبه النظر أن يفيت ذلك كله حوالة الأسواق كالعروض. انتهى. ومن المدونة قال ابن القاسم: لا يفيت الدور والأرضين حوالة الأسواق أو طول زمان. ابن يونس: لأن الأغلب في الربع إنما يشترى للقنية لا للتجارة ولا سوق له، بخلاف غيره من العروض والحيوان الأغلب فيها أن تشترى لطلب النماء، فكان التأثير في أثمانها مفيتا لها. انتهى. والجزاف تفيته حوالة الأسواق، وكذا الحلي لأنهما من المقومات ولا يفوت الحلي بحوالة الأسواق إذا بيع وزنا، وكذا الجزاف إذا بيع كيلا لا يفوت بحوالة الأسواق.
وبطول زمن حيوان يعني أن الحيوان يفوت بطول الزمن ولو آدميا، والكلام إنما هو في مجرد الطول من غير ضميمة تغير مثلا في بدن أو سوق لأن ذلك فوت وإن لم يحصل طول. اللخمي: اختلف في الطول في الحيوان ففي التدليس منها: من كاتب عبدا اشتراه شراء فاسدا فعجز بعد شهر فَاتَ لأنه طول، وفيها: أي المدونة شهر طول، وفيها: شهران ليسا بطول، وفيها: الثلاثة الأشهر ليست بطول، والحاصل: أن المدونة فيها الشهر يفيت لأنه طول وفيها أن الشهرين والثلاثة ليست بطول، وحمل اللخمي ذلك على الخلاف، فقال: اختلف في الطول في الحيوان، فقيل: يفيت وهو ما في المدونة من أن الشهر مفيت، وقيل: الطول غير مفيت وهو ما في المدونة في موضع آخر أن الثلاثة الأشهر ليست بطول. ولهذا قال:
واختار اللخمي أنه خلاف معنوي، وقال الإمام المازري: ليس ذلك خلافا حقيقيا بل هو خلاف في شهادة؛ أي في مشاهدة أي خلاف لفظي لا معنوي؛ أي أن الإمام مالكا تكلم على الحيوان بحسب ما شاهده وعاينه، فالمحل الذي قال فيه: الشهر فوت في حيوان صغير، والذي قال فيه: الشهران ليسا بفوت في حيوان ليس مظنة للتغير في شهرين، كإبل وبقر. قال عبد الباقي: واعلم أن المحل الذي في المدونة أن الشهرين ليسا بفوت قال فيه: إن الثلاثة ليست بفوت أيضا، فكان ينبغي للمص أن يقول: وشهران أو ثلاثة، أو يقول بعد قوله: شهر، وفيها ثلاثة، ويستفاد
стр. 5381
منه الشهران بالأولى إذ ما ذكره يدل على أن الثلاثة فوت باتفاق المحلين وليس كذلك. انتهى. قاله عبد الباقي. وتحقيق ما قال وإيضاحه أن قول الإمام متفق عند المازري؛ يعني أن الإمام مالكا تكلم على الحيوان بحسب ما شاهده وعاينه، فمرة رأى أن بعض الحيوانات يفيته الشهر لصغر ونحوه ومرة رأى أن بعض الحيوانات لا يفيته الشهران ولا الثلاثة لعدم ذلك فيه. قال عبد الباقي: واعلم أن كلام المص كالمدونة في طول ليس فيه تغير ذات ولا سوق، كما يدل عليه كلامه لذكره تغير السوق قبل، وتغير الذات فيما يأتي، وكما يدل عليه اللخمي والمازري، وبهذا يتبين أن اعتراض المازري على اللخمي غير ظاهر؛ لأن في كلام اللخمي ما يدل على أن التغير بالفعل فوت اتفاقا. انتهى. وقال بناني: إن كلام عبد الباقي توفيق لم يقله المازري ولا هو معنى كلامه، وأنَّ ما بين به الخلاف إنما هو معنى الخلاف في حال لا معنى الخلاف في شهادة. قال: والفرق بينهما أن الخلاف في الحال يقال حيث يكون للشيء حالان، فيقول القائل بجوازه باعتبار أحد الحالين وهي الحاضرة في ذهنه حين القول، ويقول الآخر بمنعه باعتبار الحال الأخرى لأنها هي التي حضرت في ذهنه حينئذ، ولو حضر في ذهن كل منهما ما حضر في ذهن الآخر لوافقه، فهذا ليس بخلاف في الحقيقة، وأما الخلاف في شهادة فإنه يقال: حيث يكون القول من كل منهما مرتبا على إحدى الحالين، وهو مع ذلك ينفي الأخرى، ومثلوا لهما بالماء المجعول في الفم اختلف في التطهير به، فإن كان هذا الخلاف من أجل أن الماء قد ينضاف بذلك وقد لا، فمن منع تكلم على حال الإضافة، ومن أجاز تكلم على حال عدمها، وكل يسلم وقوع الحالين فهو خلاف في حال، وإن كان هذا الخلاف من أجل أن القائل بالمنع يرى أنه ينضاف ولابد، ولا يمكن بمجرد العادة عدم إضافته، والقائل بالجواز يرى نقيض هذا فهو خلاف في شهادة، والخلاف في مسألتنا من هذا الثاني؛ لأن من قال: إن الثلاثة وما دونها فوت يرى أنها مظنة للتغير ولابدّ، ومن قال: إنها ليست بفوت يرى أنها ليست مظنة للتغيير ولابد، هذا ما فهمه ابن عرفة. انتهى. وقال أبو علي: قال ابن عرفة: قال اللخمي: اختلف في الطول في الحيوان، ففي التدليس منها: من كاتب عبدا اشتراه شراء فاسدا فعجز بعد شهر فَاتَ لأنه طول، وفي ثالث
стр. 5382
سلمها: الثلاثة الأشهر ليست بفوت في العبيد والدواب. المازري: اختلف في مجرد طول الزمان يمر على الحيوان ولم يتغير في ذاته ولا في سوقه هل هو فوت؟ فذكر قولها في الكتابين، ثم قال: اعتقد بعض أشياخي أنه اختلاف قول على الإطلاق وليس كذلك، إنما هو اختلاف في شهادة بعادة لأنه أشار في المدونة إلى المقدار من الزمان الذي لا يمضي إلا وقد تغير الحيوان فتغيره في ذاته أو سوقه معتبر، وإنما الخلاف في قدر الزمان الذي يستدل به على التغير. قلت: في رده على اللخمي تعسف واضح؛ لأن حاصل كلامه أن الخلاف إنما هو في قدر الزمن الذي هو مظنة لتغيره لا في التغير، وهذا هو نفس مقتضى كلام اللخمي لمن تأمل وأنصف. انتهى. قال أبو علي: ما قاله ابن عرفة لا شك فيه، فقد أنصفنا والحمد لله، ويفهم من المص أن العقار والعروض لا يفيتها طول الزمان وهو كذلك، إلا إذا طال جدا. قال ابن بشير: طول الزمان ليس بفوت في العقار إلا أن يطول جدا، وألحق بذلك العروض إلا أن الطول فيها دون الأول. انتهى. والطول جدا هو نحو العشرين سنة كما قاله أصبغ قائلا: فإن هذا لابد أن يدخله التغير.
تنبيه: اعترض المغيلي على اللخمي والمازري ومن تبعهما في المعارضة بين كلامي المدونة بأن قولها: الثلاثة ليست بطول، إنما هو في الإقالة من المسلم فيه إذا كان طعاما ورأس المال حيوان، فإن كانت الإقالة على عين رأس المال ولم يتغير في حاله جاز ذلك، وإلا منع لبيع الطعام قبل قبضه، فقال: فيها في كتاب المسلم الثالث: إن طول زمن الحيوان المدة المذكورة بمجرده ليس بفوت ولا مانع من الإقالة، ولا يلزم أن يقول في البيوع الفاسدة بذلك لأن الإقالة معروف وقد عدوا حوالة الأسواق فيها غير مفيتة مع القطع بأنها مفيتة هنا. انتهى. وهو ظاهر انتهى. والله سبحانه أعلم. (وبنقل عرض ومثلي لبلد بكلفة) يعني أن نقل العروض كالثياب والمثلي كقمح من موضع إلى موضع مفيت إذا كان بكلفة من كراء أو خوف طريق أو مكس، فيرد قيمة العروض ومثل المثلي في محلهما، واحترز بالكلفة من الحيوان الذي ينتقل بنفسه فإن نقله لا يفيته إلا لخوف طريق أو مكس، ولا مفهوم لبلد بل لو نقله من موضع إلى موضع ببلد واحد فالحكم كذلك، فالمدار على قوله: بكلفة، وقوله: بكلفة أي ما شأنه الكلفة، ولو نقله بعبيده ودوابه، وقوله: ومثلي لبلد؛ أي ويضمن مثله بموضع قبضه. اللخمي: لو كان المبيع عروضا مما له حمل
стр. 5383
وأجرة لكان نقله فوتا وإن لم تختلف له الأسواق، وإذا لم يكن في نقله كلفة فالظاهر أن رده على البائع ولكن الضمان على المشتري حتى يقبضه البائع. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وبنقل عرض كثياب ومثلي كقمح من بلد العقد لبلد آخر أو من بلد آخر لبلد العقد، وكذا لمحل آخر كما في اللخمي وإن لم يكن لبلد إذا كان ذلك بكلفة في نفس الأمر، وإن لم يكن عليه كلفة كحمله له على دوابه وصحبته عبيدة. قال أحمد: ويضمن مثله بموضع قبضه. انتهى. قوله: ويضمن مثله بموضع قبضه، نحوه للتتائي وتعقبه مصطفى قائلا: من قال بفوات المثلي بالنقل قال: يلزمه قيمته، ومن قال بعدم فواته قال: عليه رده من حيث نقله. انتهى. ورد عليه بناني بما هو ظاهر، فالصَّوَابُ ما للتتاءي وعبد الباقي والخرشي، وهو الجاري على قول المص: ومثل المثلي. قال عبد الباقي: واحترز به أي بما في نقله كلفة عما ليس في نقله كلفة كعبد وحيوان ينتقل بنفسه فليس ذلك بفوت فترد، إلا أن يكون في الطريق خوف لص أو أخذ مكاس فالقيمة. قاله التتائي والشارح الصغير والوسط. وما في الكبير من عطف أخذ مكاس بالواو فهو بمعنى أو كما له في غيره. انتهى.
وبالوطء يعني أن من اشترى أمة شراء فاسدا فوطئها فإنها تفوت بذلك. قال المواق: من المدونة قال مالك: الرقيق يفيته العتق والكتابة والتدبير والولادة. ابن المواز: والوطء فقط. انتهى. قوله: فقط؛ يعني أن الوطء يفيت وحده دون الولادة. ابن يونس: إنما كان الوطء للأمة فوتا لأنه لابد فيها من المواضعة لاستبرائها فيطول الأمر في ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالوطء لأمة من المشتري فاسدا بكرا أو ثيبا فيفيت، وعلل باحتمال تعلق القلب بالواطئ فلا ينتفع بها غيره، وباستلزامه المواضعة المستلزمة لطول الزمان، وتقدم أنه فوت. قاله التتائي. وهو يدل على أن الواطئ بالغ وهي مطيقة لا صغير لعدم تعلق قلبها بوطئه غالبا، إلا أن يفتضها فيفوت لأجل تغير ذاتها لا لتعلق قلبها به، وهل يشمل وطء البالغ بدبرها فيفيت لأنه قد قيل به وإن كان ضعيفا جدا أو لا لعدم ظهور التعليل بتعلق القلب. انظره. وأما في الذكر فليس بمفيت قطعا فيما يظهر لأنه لم يُقَل به أصلا، والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وفهم من قوله: بالوطء، أن الغيبة عليها
стр. 5384
ليست بفوت وهو كذلك، إلا أن يدعي وطأها فيصدق علية أو وخشا، صدَّقه البائع أو كذبه، فيفوت في هذه الأربع، فإن لم يدعه بل ادعى عدمه صدق في الوخش صدقه البائع أو كذبه وترد ولا استبراء، كعلية إن صدقه البائع فترد ولكن تستبرأ، فإن كذبه فاتت.
وبتغير ذات غير مثلي يعني أن من اشترى شيئا شراء فاسدا فإنه يفوت بتغير ذاته، حيث كان غير مثلي كالعقار بذهاب عينه واندراسه، والدور بهدمها أو بنائها، والأرض بغرسها وقلع الغرس منها، وأما المثلي فإنه لا يفيته ذلك لقيام مثله مقامه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وبتغير ذات غير مثلي وعقار وعرض وحيوان، فيفوت العقار بذهاب عينه واندراسه، والدور بهدمها وبنائها: والأرض بغرسها وقلع الغرس منها، ويفوت العرض بتغير ذاته بنقص وزيادة، وأما المثلي فلا يفيته ذلك لقيام مثله مقامه، ومن تغير الذات تغير الدابة بالسمن أو الهزال، والأمة بالهزال دون سمنها، وهذا مخالف لما يأتي في الإقالة من أن هزال الأمة وسمنها غير مفيت للإقالة. انتهى. وقال عبد الباقي: لكن في ابن الحاجب كالجواهر، وأقره في الذخيرة هو وابن عبد السلام: أن تغير ذاته مفيت فيرد مثله، واعتمده الأجهوري، فقال: الواجب حذف غير مثلي؛ قلت: لكن في التتائي تبع المص اللخمي والمازري وابن بشير وناهيك بالثلاثة. انتهى. قوله: تبع المص اللخمي والمازري لخ، طريقة هؤلاء الشيوخ غير الطريقة التي جرى عليها المص أولا في وإلا ضمن قيمته ومثل المثلي. قال مصطفى: اعتمد المؤلف هنا قوله في توضيحه: الذي للخمي والمازري وابن بشير: أن المثلي لا يفوت لأن المثل يقوم مقامه وهو غير ملتئم مع ما قدمه من قوله: ومثل المثلي، وتلك طريقة ابن شأس وابن الحاجب وتبعهما المؤلف، وأصلها لابن يونس وعزاها لابن القاسم في غير المدونة، فهما طريقتان إحداهما لابن يونس ومن تبعه أن اللازم في الفوت القيمة في المقوم، والمثل في المثلي، إلا إن عدم كثمر حائط في غير إبانه فقيمته، والثانية لابن رشد وابن بشير واللخمي والمازري أن اللازم في الفوات هو القيمة مطلقا في القوم والمثلي، وهذه الطريقة هي التي انتخلها (١) ابن عرفة، وعليها يأتي التفريع والخلاف في حوالة الأسواق،
стр. 5385
والنقل، والتغيير هل يفيت المثلي أم لا؟ فمن أوجب فيه المثل وهو المشهور، قال: بعدم الفوات فيه، ومن أوجب فيه القيمة قال: بالفوات. وأما رده متغيرا أو مع أرش النقص كما توهم الأجهوري فلا قائل به. قاله بناني. والحاصل من كلام أبي علي أن قول المص: غير مثلي، لا يصح؛ لأن عدم الفوات بذلك عند اللخمي معناه أنه لا يرد القيمة بل يرد المثل، والمص حكم برد المثل في فوت المثلي، فظاهر كلام المص هنا أن المثلي إذا تغيرت ذاته يرده ونقصه مع أنه لا قائل بذلك، فالصواب لو قال: وبتغير ذات، ويسقط قوله: غير مثلي، وقد جلب أبو علي من النقول على فوت المثلي بتغير الذات ما يقتضي أنه متفق عليه، وصرح بأن الخلاف بين ابن شأس واللخمي ليس حقيقيا، فالأول جعل في فوت المثلي، الرجوع بالمثل والثاني لا يفوت عنده بتغير ذات لرده مثله لا قيمته، والمص تبع اللخمي في عدم فوات المثلي بذلك، وقد علمت معنى عدم الفوات عند اللخمي. والله تعالى أعلم. وهو مخالف لكلام البناني.
وخروج عن يد؛ يعني أن من اشترى شيئا شراء فاسدا وخرج من يده ببيع صحيح أو هبة أو صدقة أو نحو ذلك فإنه يفوت بذلك. قال الخرشي: أي ومما يفيت المبيع خروجه عن يد مبتاعه بهبة أو صدقة أو عتق أو بيع صحيح أو حبس من المشتري عن نفسه، وقيدنا المبيع بالصحيح احترازا من الفاسد فإنه غير مفيت، وقيدنا الحبس بكونه من المشتري عن نفسه احترازا عما إذا أوصى الميت بشراء دار أو بستان، وأن يحبس فاشترى ذلك الموصي شراء فاسدا وحبسه، فالذي يظهر على ما يأتي في الرد بالعيب أنه يفسخ البيع الفاسد، ثم إن بيع البعض وإن قل فيما لا ينقسم كبيع الكل، وأما ما ينقسم فإنَّ بيع أكثره كبيع كله، والأكثرُ ما زاد على النصف، وإلا فيفوت منه ما وقع فيه المبيع، والتولية والشركة لا يحصل بهما فوت، وفي الإقالة نظر. وليس للمشتري شراء فاسدا التصرف في المبيع ويحرم عليه ذلك، وكذا يحرم على من علم بذلك شراؤه منه أو قبول هبته ونحو ذلك. قاله الخرشي. وقال الشيخ أبو علي: إن الإقالة فوت ولا معنى للتوقف في ذلك. وقال: قال ابن الفاكهاني: ما محصلة أن البيع الصحيح يفوت البيع الفاسد، ومعنى ذلك أنه لا يرد لربه لا أنه يمضي البيع الأول على ما هو عليه، فإن هذا لا يقوله مالك ولا
стр. 5386
أحد من أصحابه، ولكن معناه ما ذكرناه، ولو كان يمضي على ما ذكر لمضى بالثمن، والمبيع فاسدا قبل فواته يحرم الانتفاع به، والإقدام على بيعه لا يجوز، وشراؤه لمن علم بفساد عقده كذلك حرام إن علم بعدم فواته، ولكن إن وقع تم البيع وصح الملك للبائع والمشتري، وقال القباب: وجميع ما اشتري شراء فاسدا لا يجوز أكله ولا الانتفاع به بوجه من الوجوه ما دام على حاله لم يفت، فإذا دخله شيء من هذه المفيتات كان أكله والانتفاع به جائزا حلالا. انتهى. ولكن كلام ابن رشد يقتضي جواز التصرف في المبيع فاسدا ولو مع العلم انتهى. وقد مر عن الشيخ أبي علي أنه قال بعد جلب نقول: وقد تبين من هذا أن عتق المشتري وهبته ماضيان قبل الفوات، وظاهرها يعني المدونة: قبض ذلك المشتري أو لم يقبضه كما رأيته، وكذا يمضيان من البائع قبل الفوات، وظاهرها خرج عن يده أم لا، وقد رأيته أيضا. انتهى. وقال عبد الباقي: وخروج عن يد ببيع صحيح أو هبة أو صدقة أو حبس من المشتري عن نفسه، فالبيع الفاسد غير مفيت، وقيدنا الحبس بكونه من المشتري عن نفسه احترازا مما إذا أوصى ميت بشراء دار أو بستان وأن يحبس، فاشترى الموصي ذلك شراء فاسدا وحبسه لخ، ما مر عن الخرشي، وقوله: خروج عن يد، قد علمت أن من جملة ذلك البيع الصحيح وهو ظاهر في بيع المشتري للأجنبي فلو باعه المشتري لبائعه فهل ذلك فوت كما لو اشتراه أجنبي أم لا؟ ذكر الفقيه راشد في كتاب الحلال والحرام فيه قولين [لأبي (١) إسحاق] وابن رشد. قاله الحطاب. وقال أبو علي: ويفيت الرقيق العتق والكتابة والتدبير والعتق لأجل. انتهى.
وتعلق حق؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبضه المشتري وتعلق به حق غيره فإنه يفوت، ومثل لتعلق الحق بقوله: كرهنه؛ يعني المبيع بيعا فاسدا إذا رهنه المشتري فإنه يفوت حيث لم يقدر على فك الرهن لعسر ونحوه. وإجارته، عطف على رهنه؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبضه المشتري وآجره فإنه يفوت حيث كانت الإجارة لازمة ولم يتراضيا على الفسخ وإلا فلا تُفِيتُ، ثم الخروج عن اليد وتعلق الحق مفيتان بعد القبض لا قبله في الرهن والإجارة، ويأتي تفصيل في
стр. 5387
الخروج عن اليد في قوله: وفي بيعه قبل قبضه لخ، ودخل بالكاف إخدامه مدة معينة إلا أن يتراضيا على فسخها. انتهى. قاله عبد الباقي.
تنبيه: قال الشيخ أبو علي: حاصل ما نقله الحطاب هنا أن من أكرى داره كراء فاسدا فأكرى المكتري الدار مثلا لغيره كراء صحيحا فذلك غير فوت، والفرق بينه وبين البيع الفاسد أن المبيع في ضمان المشتري فباع ما في ضمانه ولا كذلك المكتري، قاله ابن عرفة. هذا حاصل نقوله، وإن كان نقل عن النوادر أن كراءه الصحيح يفيت كراءه الفاسد، ثم قال: وأما قبض البعض فيظهر أن ما قبض يضمنه المشتري دون ما لم يقبضه، والإخدام المحدود كالإجارة كما في ابن شأس، وهو داخل في كلام المتن، وانظر غير المحدود فإنه يظهر أنه كذلك لأن الإخدام لازم وهو حق للغير، قال عبد الباقي: ولما قدم أن تغير الذات مفيت وشمل الأرض وكان فيها تفصيل وخفاء بيَّنه بقوله:
وأرض ببير؛ يعني أن من اشترى أرضا شراء فاسدا وحفر فيها بيرا فإنها تفوت بذلك البئر إن كان لغير ماشية لا إن كان لماشية.
وعيْن؛ يعني أن من اشترى أرضا شراء فاسدا وأجرى فيها عينا فإنها تفوت بإجراء تلك العين كانت لماشية أو لا، ولا يراعى في البئر والعين عظم المؤنة لأن ذلك شأنهما والواو بمعنى أو وكذا في قوله: وغرس وبناء؛ يعني أن الأرض المبيعة بيعا فاسدا تفوت بالغرس فيها، وكذلك تفوت بالبناء فيها، قال الشيخ أبو علي مفسرا للمص: أي أن الأرض تفوت بحفر بير فيها أو إجراء عين أو غرس شجر أو بناء، واحترز من الزرع فإنه لا يفيتها. قاله ابن القاسم. وعليه كراء المثل إن فسخ في إبان الزراعة، وإن فسخ بعده فلا كراء له.
عظيمي المئونة؛ يعني أن الغرس إنما يفيت الأرض المبيعة بيعا فاسدا بشرط أن يكون عظيم المئونة، وكذلك البناء فإنما يفيت الأرض المبيعة بيعا فاسدا حيث كان عظيم المئونة. قال عبد الباقي عند قوله: عظيمي المئونة، صفة لغرس وبناء فقط ولا يرجع لبير وعين فهو مثنى لا جمع، والهدم والقلع كهما؛ يعني أن الهدم كالبناء فيفيت، وقلع الشجر كالغرس فيفيت، وينبغي
стр. 5388
تقييدهما بعظم المئونة أيضا، ثم الغرس أو البناء يفيت الأرض كلها إن وقع بكلها أو معظمها وإن لم يحط بها، ويحمل على أنه عظيم المئونة، وإن لم يكن عظيم المئونة، وإن أحاط بكلها ولم يكن بمعظمها فكذلك إن عظمت مئونته، وإلا لم يفت شيئا، وإن وقع فيما دون الجل أي وهو عظيم المئونة فأشار إليه بقوله:
وفاتت بهما جهة هي الربع فقط؛ يعني أنه إذا باع الأرض بيعا فاسدا وقبضها المشتري وأحدث فيها بناء وغرسا أو أحدهما فإنه تفوت تلك الجهة التي فيها البناء والغرس أو أحدهما فقط دون غيرها من الجهات التي لا بناء فيها ولا غرس، وهذا حيث كانت الجهة المذكورة هي ربع الأرض المبيعة بيعا فاسدا، وكذا لو كانت الجهة المذكورة هي ثلث الأرض المبيعة. قال عبد الباقي: وكذا لو كانت النصف عند أبي الحسن، وظاهرُ ابن عرفة وأحمد أنه كوقوعه بجلها. انتهى. قوله: وكذا النصف عند أبي الحسن، قال بناني: بل وكذا كلام ابن رشد يفيد أن النصف كالربع لأنه قال: وإذا كان الغرس في ناحية منها وجلها لا غرس فيه وجب أن يفوت منها ما غرس ويفسخ البيع في سائرها إذ لا ضرر على البائع في ذلك إذا كان المغروس من الأرض يسيرا، كما لو استحق من يد المشتري في البيع الصحيح لزمه البيع ولم يكن له أن يرده، فأنت تراه أحال القدر الذي يفوت بالغرس دون ما لم يغرس على القدر الذي لو استحق من يد المشتري في البيع الصحيح لزمه الباقي، وقد قال المص: "ورد بعض المبيع بحصته إلا أن يكون الأكثر، " ثم قال "وتلف بعضه واستحقاقه كعيب به" والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: أصبغ: وإذا غرس حول الأرض شجرا حتى أحاط بها وعظمت بذلك المئونة وبقي أكثرها بياضا إنها تفوت جميعها، وإن لم يغرس إلا ناحية منها فاتت تلك الناحية. انتهى. وقال المواق عن ابن رشد: ووجه العمل في ذلك أن ينظر إلى الناحية التي فوتها بالغرس ما هي من جميع الأرض؟ فإن كانت الثلث أو الربع فسخ البيع في الباقي بثلثي الثمن أو ثلاثة أرباعه فسقط عن المبتاع إن كان لم يدفعه ورد إليه إن كان دفعه، وفسخ البيع في الناحية الفائتة بالقيمة يوم القبض، فمن كان منهما له فضل على صاحبه في ذلك رجع به عليه إذ قد تكون قيمة تلك الناحية أقل مما نابها من الثمن أو أكثر.
стр. 5389
لا أقل؛ يعني أنه إذا كانت الجهة التي فيها الغرس والبناء أو أحدهما أقل من الربع فإنه لا يفوت شيء منها أي من الأرض المبيعة لا الجهة التي فيها ذلك ولا غيرها، ولو عظمت مئونة ذلك، وكذا غير عظيم المئونة فيما اعتبر فيه عظمها لا يفوت به شيء منها وإن أحاط بها كما مر، ويعتبر كون الجهة الربع أو أقل أو أكثر بالقيمة يوم القبض لا بالمساحة. انتهى. قال أحمد: قوله: أو الربع يريد أو الثلث فيقال: ما قيمة هذه الجهة؟ وما قيمة الجهة الباقية؟ فإن قيل: قيمة الجهة المغروسة مائة، وقيمة الجهة الأخرى مائتان أو ثلاث، فاتت تلك الجهة ورد الباقي وقاص بتلك القيمة من الثمن. انتهى. قال الأجهوري عقبه: فإن قلت: هذا يخالف ما تقدم من أن ما غرسه يمضي بمنابه من قيمة جميعها لا بقيمته مفردا، قلت: إن لنا أمرين أحدهما: التقويم ليعلم قدر قيمة المغروس وقدر قيمة غيره وهذا إنما يكون [بتقويم] (١) ما غرس مفردا وتقويم غيره كذلك. الثاني: التقويم ليعلم ما ينوب المغروس من قيمة الجميع وما ينوب غيره منها وهذه إنما تكون بتقويم الجميع وفض القيمة على كل منهما، وحاصل هذا الثاني تقويم الجميع لفض القيمة على قيمة كل منهما مفردا، وكلام أحمد في الأول. انتهى. قلتُ: ففائدة كل من الجهتين مفردة فض قيمة الجميع عليهما ليعلم مناب الجهة المغروسة من الجميع، وذكر الفيشي والسنهوري لذلك وجها آخر، وهو: أن تُقَوَّم الجهة المغروسة مفردة يوم القبض لتعرف القيمة التي يمضي بها البيع فيها إذا فاتت وحدها، ويُقَوَّم الجميع لتعرف نسبة قيمة الجهة المغروسة من قيمة الجميع، هل النصف فأقل إلى الربع فتفوت وحدها أو أكثر فيفوت الجميع؟ انتهى. قاله بناني. وإيضاح ما مر أن الأقسام ثلاثة: قسم تفوت فيه الأرض المبيعة كلها، وقسم لا يفوت فيه شيء منها، وقسم يفوت فيه بعض الأرض، فالأول هو ما إذا وقع ما ذكر من بناء وغرس في جميعها أو جلها عظمت المئونة أم لا، وما إذا أحاط بها ولم يكن بمعظمها وعظمت مئونته لأنه يحمل محلى أنه عظيم المئونة، وهذه خمس صور، والثاني ما إذا لم يكن بكلها ولا بجلها ولم تعظم المئونة نصفا كان أو أقل أحاط بها أم لا، أو كان أقل من الربع وعظمت مئونته، والثالث ما
стр. 5390
إذا كان ما ذكر بجهة هي الثلث أو الربع أو النصف على ما مر عن أبي الحسن وغيره، وكان ما ذكر عظيم النونة.
وله القيمة قائما. هذا مرتب على قوله: لا أقل، وعلى ما لم يفت مما مر تفصيله، والضمير في: له للمشتري؛ يعني أن المشتري للأرض شراء فاسدا إذا أحدث فيها ما ذكر من بناء أو غرس ولم يفت شيء من الأرض بذلك البناء والغرس إما لأنه في جهة هي أقل من الربع، وإما لأنه لا يقع بكلها ولا بجلها، ولم يكن عظيم المئونة فإن المشتري يرجع بقيمة بنائه وغرسه قائما، ولا يرجع بقيمة البناء منقوضا ولا بقيمة الغرس مقلوعا؛ لأنه فعله بشبهة على التأبيد لشبهه بمن بنى في ساحة فاستحقت. قاله التونسي. وقال أبو علي عن أصبغ: وإن كان إنما غرس يسيرا لا بال له رد جميعها وكان للغارس على البائع قيمة. ابن محرز والمازري: والصواب أن يكون له قيمته قائما لأنه غرسها بشبهة، وإلى هذا أشار بقوله: على المقول. إشارة إلى تصويب المازري. والمصحح. إشارة إلى تصحيح ابن محرز، ومقابله لابن رشد. قال: له قيمة الغرس مقلوعا والبناء منقوضا. والله سبحانه أعلم. وفي بيعه قبل قبضة مطلقا؛ يعني أنه اختلف في البيع بيعا فاسدا إذا باعه مشتريه قبل أن يقبضه هل يفوت بذلك أم لا، والقولان لمالك في الموازية. عياض: اختلفوا في حمل المدونة عليهما، وإليه أشار بقوله: تأويلان وهو مبتدأ وخبره المجرور قبله، ومعنى قوله: مطلقا سواء كان مما تفيته حوالة الأسواق أم لا، ولا يصح تفسير الإطلاق بأنه سواء كان البيع صحيحا أو فاسدا؛ إذ لا يحصل الفوات بالبيع الفاسد اتفاقا. قاله عبد الباقي. وقال عند قوله: تأويلان، أحدهما: أنه فوت، وعليه فإن باعه المشتري قبل قبضه لزمه قيمته لبائعه يوم بيعه أي بيع المشتري له، وهذه تخصص ما تقدم من أنه تضمن القيمة في البيع الفاسد يوم القبض. ثانيهما: أنه ليس بفوت، وعليه فلا يمضي بيع المشتري له ولا تجب عليه قيمته للبائع، بل يرد إلى مالكه الأصلي الذي باعه. والله سبحانه أعلم. وقوله: تأويلان، الأول لابن محرز وجماعة، والثاني لفضل وابن الكاتب، وقوله: وفي بيعه؛ أي في بيع المشتري المبيع فاسدا قبل قبضه؛ أي قبل قبض المشتري له؛ يعني أنه اختلف شراح المدونة في أي القولين الذين في الموازية لمالك تحمل عليه المدونة، فحملها بعضهم على أحد القولين، وتأولها بعضهم على الآخر، وأما لو باعه
стр. 5391
البائع بعد أن قبضه المشتري وقبل أن يرد إلى البائع ففيه قولان، أحدهما: أنه يمضي ويكون نقضا للبيع الفاسد من أصله ويرد الثمن للمشتري إن كان قبضه. ثانيهما: أن بيع البائع له قبل أن يرد إليه كالعدم فيكون بمنزلة ما إذا باعه بيعا فاسدا وقبضه المشتري، ولم يحصل من بائعه فيه بيع بعد قبض المشتري له، وضمانه إن حصل فيه ما يوجب الضمان منه؛ أي من المشتري، وتظهر فائدة هذا أيضا فيما إذا حصل فيه مفوت عند المشتري قبل فسخ الفاسد، فإنه يمضي لمشتريه فاسدا ويفسخ البيع الصحيح الواقع من البائع. والله سبحانه أعلم. والخلاف وإن كان موجودا في البائع والمشتري لا يحسن إيراده في بيع البائع على جهة التأويل للمدونة؛ لأن التأويلين إنما هما في بيع المشتري كما في كلام عياض وغيره، وقد نقل الحطاب كلام عياض ولم يتنبه لمحل التأويلين، واستدل على تعميم التأويلين بكلام ابن شأس مع أن ابن الحاجب إنما ذكر الخلاف ولم يتعرض للتأويلين فلذا عمم فتأمله. قاله بناني. ولو باعه أي المبيع فاسدا بائعُه قبل قبض المشتري له وقبل تمكينه منه فإن بيعه ثانيا صحيحا ماض اتفاقا، وأما لو باعه بيعا صحيحا بعد التمكين وقبل القبض ففيه قولان، أحدهما: لابن القاسم وعليه قول المص "وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض." والثاني: لأشهب أنه ينتقل الضمان للمشتري بالتمكين. قاله بناني وغيره. والذي يفهم من الحطاب أنه يتفرع على القولين المذكورين في بيع البائع بعد تمكين المشتري من القبض مضي البيع وعدمه، بل قد يدعى أن كلامه صريح في ذلك. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: والظاهر من القولين فيما إذا باعه مشتريه قبل قبضه من بائعه، الإمضاء قياسا على العتق والتدبير والصدقة، ففي المدونة: عتق المشتري بأنواعه وهبته قبل قبضه فوت إن كان المشتري مليا بالثمن، فإن كان معدما رد عتقه ونقض بيعه ورد لبائعه، وفي كلام ابن يونس المتقدم وكلام أبي إسحاق: أن البيع أوكد من الهبة والصدقة، وفيه ترجيح القول بنفوذ البيع. انتهى. قال الرهوني: وقد صرح بترجيحه ابن مغيث وقبله ابن هشام في المفيد. انتهى المراد منه.
стр. 5392
الثاني: قال عبد الباقي: واعلم أنه يمضي عتق كل من المتبايعين فاسدا ولو كان المبيع بيد الآخر فإن أعتقا مضى عتق الأول منهما فإن جهل الأول مضى عتق من هو في يده. انتهى. ولو أعتقاه معا في آن واحد فالظاهر أنه يمضي عتق من هو بيده أيضا. الثالث: علم مما مر أنه لو باعه البائع بعد أن رد إليه فإن بيعه يمضي لأن البيع وقع بعد رجوع الضمان إليه وسقوطه عن المشتري. والله سبحانه أعلم. الرابع: قوله: وفي بيعه قبل قبضه لخ، سبب هذا الخلاف كون البيع الفاسد نقل شبهة الملك أم لا. ابن بشير: وإن كان الفوات بأن أحدث المشتري فيه حدثا من إعتاق أو إعطاء أو بيع فإن كان في يد البائع فهل يمضي ويكون فعل المشتري فوتا؟ قولان، وهما على الخلاف في البيع الفاسد هل ينقل شبهة الملك أم لا؟ ولو كان الأمر بالعكس فأحدث البائع فيه عقدا وهو في يد المشتري ففي مضيه قولان، وهما على الخلاف في نقل شبهة الملك فلا يمضي وعدم النقل فيمضي. انتهى. وقال في الشامل: وفي فوته ببيع صحيح قبل قبضه قولان، ثم قال: ولو باعه بائعه ثانية قبل إقباضه فالقولان. انتهى. وهذا الذي قاله لم أقف عليه لغيره بل ظاهر كلامهم أنه ماض ولا خلاف فيه، قال ابن محرز وغيره: ولم يختلفوا أنه إذا لم يقبض المبيع ولا مكنه منه أنه في ضمان بائعه، واختلفوا إذا مكنه منه ولم يقبضه وانتقد ثمنه. انتهى. وقد يقال: إن مراد صاحب الشامل الصورة المختلف فيها وهي ما إذا باعه مرة ثانية قبل إقباضه وبعد تمكين المشتري منه. فتأمله والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
الخامس: قد مر ترجيح الحطاب القول بنفوذ بيع المشتري قبل القبض وأنه مفوت، قال: وكذلك الظاهر من القولين الذين في العكس وهو ما إذا باعه وهو في يد مشتريه قبل أن يقبضه برده إليه الإمضاء أيضا، وقوله: وفي بيعه قبل قبضه، هو شامل لهبة الثواب ولو آجر البائع المبيع بيعا فاسدا أو رهنه قبل قبض المشتري له فالظاهر نفوذ ذلك إن كان المبيع بيد البائع ولا إشكال فيه، وأما إن كان بيد المشتري ولم يقبضه منه برده إليه أنه يدخله الخلاف، وقول ابن بشير: أحدث فيه عقدا، شامل لذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. والحاصل أن الصور أربع، إحداها: أن يحدث
стр. 5393
فيه المشتري حدثا بعد قبضه من إخراج عن يد وتعلق حق فالفوات. ثانيها: أن يحدث فيه بيعا أو هبة أو صدقة أو عتقا قبل القبض ففيها الخلاف المشار إليه بقوله: وفي بيعه قبل قبضه لخ، والراجح نفوذ ذلك كما علمت. ثالثها: أن يحدث فيه البائع حدثا من ذلك بعد أن قبضه المشتري ففيه الخلاف المتقدم ذكره والراجح الإمضاء كما مر. رابعها: أن يحدث فيه البائع ما ذكر قبل قبض المشتري له فيتفق على نفوذ ذلك إلا أنه إذا مكنه يجري فيه قولان بالنفوذ فيفوت وعدمه فلا يفوت، وقد علمت أن الراجح هو النفوذ بناء على أن التمكين كالقبض أولا، واعلم أن المعتبر من البيع في هذه الصور هو البيع الصحيح وإلا فلا عبرة به، ومحل الكلام في هذه الصور إن لم يقصد بها المشتري الإفاتة ومثله البائع في ذلك، وأما إذا قصد بها الإفاتة فأشار إليه بقوله: لا إن قصد بالبيع الإفاتة؛ يعني أنه إذا قصد المشتري بالبيع أو الهبة أو الصدقة أو غير ذلك إفاتة المبيع فإنه لا يفوت بذلك ويرد فعله، وكذلك البائع وهذا في غير العتق، وأما العتق فماض. قال عبد الباقي: ويفسخ البيع وجوبا كبيع فاسد لم يحصل فيه فوت، كذا يفيده الشارح. قال ابن عرفة: وسمع عيسى ابن القاسم: من باع عبدا أو دارا بيعا حراما فقام بفساد المبيع على المشتري يريد فسخ المبيع ولم يفت ذلك فيفوت المشتري ذلك بتصدق بالدار أو بيعها أو بيع العبد أو بعتقه بعد قيام البائع عليه، لم تجز صدقته ولا بيعه بعد قيامه عليه بفسخه، ويمضي العتق لحرمته. ابن رشد: وهذا صحيح لأنه متعد فيما فعل بعد القيام عليه إنما يجوز له ذلك قبل القيام عليه لأنه أذن له في ذلك حين ملكه المبيعَ بالبيع الفاسد، فإذا باع أو وهب أو تصدق بعد أن قام عليه فله إجازة ذلك وأخذ القيمة يوم القبض لأنه بفعله ذلك رضي بالتزام القيمة، وله رد ذلك وأخذ مبيعه، وليس له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن إذ ليس بعداء صرف. عياض: ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قاصدا تفويتها أن بيعه غير ماض، قلت: هذا خلاف قول اللخمي: إن قصد المشتري بالبيع والهبة تفويت البيع (١) قبل أن يقوم عليه البائع كان فوتا.
стр. 5394
واختلف إن فعل ذلك بعد أن قام عليه البائع ليرد البيع، قلت: ففي فوته بصحيح بيعه بقصد تفويته، ثالثها: إن كان قبل قيام بائعه بفسخه لظاهرها مع اللخمي على المذهب وعياض مع ابن محرز عنه ونقل اللخمي مع سماع عيسى ابن القاسم.
تنبيهات: الأول: قد مر قول المص وفي بيعه لخ، وقد مر أنه البيع الصحيح وأن الفساد غير مفيت وهذا من قبيل قول الفقهاء: النجاسات لا تزيل أحكام النجاسات. الثاني: قد علمت مما مر أن الراجح تفويت ما يحدثه البائع أو المشتري مما مر ذكره. قال الشيخ أبو علي بعد جلب كثير من النقول: وقد تحصل من هذا كله أن كل عقد عقده البائع في المبيع وهو في يد المشتري ماض بيعا كان أو إجارة أو رهنا أو حبسا أو صدقة أو نوعا من أنواع العتق، ولو كتابة لأن الكتابة بيع أو عتق، وكذا إن كان بيده وهو أحرى، والخلاف فيه ضعيف، وكذا المشتري كل ما فعله مما تقدم فهو ماض: أما إن كان بيده فلا إشكال، وكذا وهو بيد البائع على الراجح.
الثالث: يفهم من كلام ابن رشد المتقدم أن المشتري شراء فاسدا يجوز له التصرف في المبيع قبل القيام عليه، وهو خلاف ما مر من أن فائدة معرفة ما يكون فوتا أن جميع ما اشتري شراء فاسدا لا يجوز أكله والانتفاع به بوجه من الوجوه ما دام على حاله لم يدخله مفيت، فإذا دخله شيء من هذه المفيتات حل أكله والانتفاع به جائز حلال. قاله القباب. وقد مر قول ابن رشد: وأخذ القيمة يوم القبض خلاف ما مر من اعتبارها يوم المبيع قاله الشيخ أبو علي. الرابع: قوله: لا إن قصد بالبيع الإفاتة، قال عبد الباقي: وصدق بيمينه في دعواه قصد الإفاتة أو عدمه حيث لم يقم دليل على كذبه كذا ينبغي.
وارتفع المفيت إن عاد؛ يعني أنه إذا حصل مفيت في البيع الفاسد ووجبت القيمة في المقوم والمثل في المثلي دفع ذلك أم لا، ولم يحكم حاكم بعدم رده، ثم عاد المبيع إلى حالته التي كان عليها قبل الفوات، فإن ذلك المفيت يرتفع بمعنى أنه يكون بمنزلة ما إذا لم يحصل في المبيع مفوت فيرد إلى ربه الأصلي، وإذا كان فواته بخروج عن يد وعاد لمشتريه فلا فرق بين أن يعود إليه باختياره كشرائه أو بغيره كحصوله بإرث، فإن حكم حاكم بعدم رده مضى ولم يرد لربه بعد عوده له، وأشعر قوله: إن عاد أن ما لا يمكن عوده إما حسا كطول زمان حيوان وإما شرعا
стр. 5395
كالعتق والتدبير ونحوهما حيث لم يُرَدُّ ذلك شرعا فلا يتأتى ارتفاعه، وما ذكره المص هو قول ابن القاسم. وقال أشهب: لا يرتفع لعوده من بيع ولا غيره ويجري على هذا الاختلاف العتق أو التدبير يرده الغريم، والعيب يزول بعد حصوله. المازري: وكذلك إذا آجره أو رهنه ثم افتكه فإن ذلك كله يجري على القولين.
إلا بتغير السوق؛ يعني أن المبيع بيعا فاسدا إذا فات بحوالة سوق فيما تفيته حوالة الأسواق، ثم إن السوق عاد إلى حالته التي كان عليها قبل الفوات فإن ذلك المبيع لا يرد، بل يمضي بالثمن أو بالقيمة على ما مر ولا ينظر إلى ما رجع إليه. قال الشيخ أبو علي: قال ابن يونس: ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا تغير سوق السلعة ثم عاد لهيئته فقد وجبت القيمة، وكذلك إن ولدت الأمة ثم مات الولد، وأما إن باعها ثم رجعت إليه بعيب أو شراء أو هبة أو ميراث أو كاتبها ثم عجزت بعد أيام يسيرة فله الرد، إلا [إن تغير] (١) سوقها قبل رجوعها إليه فذلك فوت، وإن عاد لهيئته أو يَمْضِيَ للأمة نحو الشهر فلابد أن تتغير في بدنها أو سوقها، وأشهب يفيتها بعقد البيع والكتابة وإن رجعت إليه بقرب ذلك، كحوالة الأسواق؛ وقول أشهب: إن حوالة الأسواق والبيع سواء أقيس. انتهى. ولما أنهى الكلام على البيوع التي نص الشرع على المنع فيها، عقَّبها ببيوع ظاهرها الجواز ويتوصل بها إلى ممنوع، فمنعها أهل المذهب وأجازها غيرهم فقال: