أو مسلم فيه، يعني أن الرقيق المسلم فيه لا عهدة فيه، فإذا أسلم دينارا في رقيق فأخذ الرقيق فإنه لا عهدة فيه للمسلم على المسلم إليه، خلافا لابن حبيب القائل: فيه العهدة، لأنه مشترى، ووجه قول ابن القاسم: بعدم العهدة، أنه ليس مشترى بعينه، وإنما هو في الذمة بصفة فأشبه القرض. أو به، يعني أن الرقيق الذي جعل رأس مال السلم وهو المسلم به لا عهدة فيه، وقال عبد الباقي: أو مسلم فيه أو به لأن السلم لما أرخص فيه طلب فيه التخفيف فيما يدفع فيه أو يوخذ عنه. أو قرض، يعني أن العبد المقترَض بفتح الراء لا عهدة فيه. قال الحطاب: وأما العبد المقترض فقال: يعني ابن رشد -واللَّه سبحانه أعلم- لا اختلاف أنه لا عهدة فيه إذ ليس بمبيع، والعهدة إنما جاءت فيما اشتري من الرقيق. انتهى. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: أو قرض أي لا عهدة في الرقيق المدفوع قرضا، فإذا أقرض رقيقا ثم حدث به عيب يرد به في العهدة أن لو كانت فإنه يلزمه أن يرد غيره، إلا أن يرضى المقرض برده لأنه حسن اقتضاء فهو معروف، والمأخوذ عن قضاء القرض كذلك، أي لا عهدة فيه، ويشمله قوله فيما يأتي: أو مأخوذ عن دين. أو على صفة، يعني أن الرقيق الغائب المبيع على صفة لا عهدة فيه لعدم المشاحَّة فيه بخلاف المرءي والمبيع على رؤية متقدمة ففيهما العهدة. أو مقاطَعٍ به مُكاتَبٌ، يعني أن الشخص إذا كاتب عبده على مال يؤديه له فقاطعه على رقيق أي دفعه المكاتب له عوضا عما في ذمته، فإنه لا عهدة في ذلك الرقيق المقاطع به لتشوف الشارع للحرية، وفي كلام عبد الباقي شيء. واللَّه سبحانه أعلم.
أو مبيع على كمفلس، يعني أن الرقيق الذي يبيعه القاضي على المفلس لأجل أرباب الديون أو على سفيه أو غائب لا عهدة فيه، لأن بيعه بيع براءة كما لا يرد عليه في القديم ولا يقيد بعلم المشتري. قاله الخرشي وعبد الباقي. وقال بناني: ويقيد بعلم المشتري أن البائع حاكم كما قيد به فيما مر، واللَّه سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ودخل بالكاف مبيع على سفيه أو غائب لدَيْنٍ أو غيره كنفقة زوجة. انتهى. أو مشترى للعتق. يعني أن الرقيق المشترى للعتق لا عهدة فيه، سواء
стр. 5602
كان على إيجاب العتق، أو على الإبهام، أو على التخيير، أو على أنه حر بنفس الشراء لتشوف الشارع للحرية ولأنه يتساهل في ثمنه.
أو مأخوذ عن دين، يعني أن الرقيق المأخوذ عن دين لا عهدة فيه ثبت ببينة أو إقرار للحث على حسن الاقتضاء، ولأجل وجوب المناجزة ليلا يكون فيه دين بدين أخذه على وجه الصلح، أو على وجه البيع، ولو كان عن إنكار فقد مر أنه لا عهدة فيه. أو رد بعيب، يعني أن العبد المعيب إذا رد لعيبه فإنه لا عهدة فيه للبائع على الراجح، لأن الرد بالعيب حل بيع لا بيع ثان، والإقالة كذلك عند سحنون في أحد قوليه، والثاني مع ابن حبيب وأصبغ لا تسقط العهدة، ومحلهما إن انتقد وإلا سقطت اتفاقا، لأنه كالمأخوذ عن دين قاله ابن عرفة. قاله عبد الباقي. أو ورث، يعني أن الورثة إذا اقتسموا التركة وخص بعضهم رقيق فلا عهدة فيه، وكذا لو بيع الرقيق الموروث لأجنبي فلا عهدة، وظاهره علم المشتري أنه إرث أم لا، وتقدم في العيب القديم أن بيع الوارث بيع براءة إن بين أنه إرث، وهذا بالنسبة لما يحدث فلا يساويه في حكمه. قاله الخرشي وعبد الباقي. وقد مر بحث بناني معهما عند قول المص: أو مبيع على كمفلس.
أو وُهِبَ، يعني أن الرقيق الموهوب للثواب لا عهدة فيه للموهوب على الواهب لأنه فعل معروفا فلا يكلف معروفا آخر. قاله ابن غازي. فأحرى لغير ثواب. قاله عبد الباقي. وقال التاودي: لم يقله ابن غازي ولا معروف للواهب، والذي في الجلاب عن ابن حبيب في توجيهها: أنها بيع على المكارمة فأشبه النكاح. قال مقيده: وما قاله عبد الباقي من أنها معروف ظاهر. أو اشتراها زوجها، يعني أن المتزوج لأمة إذا اشتراها فإنه لا عهدة للزوج المشتري على بائعها له لما بينهما من المودة المقتضية لعدم ردها بما يحدث فيها في ثلاث أو سنة، وله ردها بقديم، وهذا التعليل يقتضي أن شراءها له كذلك والمعتمد خلافه، كما يفيده تخصيص المصنف، فلها على بائعه العهدة لحصول المباعدة بينهما بفسخ النكاح، ولأن المودة الدائمة توجد في شرائه لها دون شرائها له إذ قد يكون شراؤها له لرفع تحكمه عليها وكونها في عصمته. قاله عبد الباقي.
أو موصى ببيعه من زيد، يعني أن الرقيق الموصى بأن يباع لزيد مثلا إذا اشتراه زيد فإنه لا عهدة فيه لزيد، وهذا ظاهر حيث اشتراه عالما بالوصية، وإلا فكيف يُضَرُّ المشتري لتنفيذ غرض الموصي
стр. 5603
فيحمل على ذلك انظر أحمد. أو ممن أحب، يعني أن الرقيق الموصى ببيعه لمن أحب وأحب شخصا فاشتراه ذلك الشخص فإنه لا عهدة فيه ليلا يفوت غرض الميت. أو بشرائه للعتق، يعني أنه إذا أوصى شخص بشراء رقيق عينه الموصي بالكسر للعتق بأن قال: اشتروا بلالا مثلا وأعتقوه، فاشتري لذلك فإنه لا عهدة فيه على بائعه، وهذا إذا كان الموصى به معينا كما عرفت، وإلا ففيه العهدة لأنه إذا رد بعيب حادث يشترى غيره فلم يفت غرض الميت.
أو مكاتب به، يعني أن العبد المكاتب به أي الذي وقعت به الكتابة ابتداء لا عهدة فيه.
وعلم مما قررت أن قوله: أو مقاطع به مكاتب غير هذا، لأن ذلك أخذ عما في ذمة المكاتب، وهذا أي قوله: ومكاتب به وقعت به الكتابة ابتداء. أو المبيع فاسدا، يعني أن الرقيق المبيع فاسدا لا عهدة فيه على من رده لبائعه بفسخ البيع. قال عبد الباقي: ونص عليه لدفع توهم أن رده بيع مؤتنف يكون به على المشتري العهدة، بل لو فات وأخذ قيمته فلا عهدة عليه. انتهى. يعني لا عهدة فيه على المشتري حيث أخذ عن القيمة عبدا لأن القيمة قد تخلدت في ذمة المشتري فأشبه المأخوذ عن دين. قاله مقيده. فإن فات بالثمن وأخذ به عبدا ففيه العهدة. قاله عبد الباقي. وفيه أيضا نظر لأنه إذا أخذه عن الثمن كان مأخوذا عن دين فلا عهدة فيه. واللَّه أعلم. قاله مقيده.
وسقطتا بكعتق فيهما، يعني أن العهدتين تسقطان بالعتق الناجز والكتابة والتدبير، أي يسقطان بالحاصل مما ذكر فيهما أي في زمنهما، قال عبد الباقي: وسقطتا أي العهدتان بكعتق ناجز وكتابة وتدبير من مشتر حدث منه ذلك فيهما أي في زمنهما، فلا قيام له بما اطلع عليه بعد العتق ونحوه من عيب حدث قبل انقضاء مدتهما، وهو أحد أقوال ابن القاسم، واقتصر عليه هنا مع قوله هو وسحنون وأصبغ: بالرجوع بقيمة العيب. اللخمي: وهو أحسن على أنه اشتهر على ألسنة الشيوخ: متى وجد قول ابن القاسم وسحنون لا يعدل عنه. قال التتائي: وقال المواق: اللخمي: إذا أعتق المشتري العبد أو أولد الأمة في السنة ثم ظهر بها جنون أو جذام أو برص فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يرجع بشيء، رأى أن ذلك رضى بإسقاط العهدة، وقال أيضا:
стр. 5604
يرجع، واختلف أيضا إذا استحق في عهدة الثلاث، فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك قاطع للعهدة فإن أصابه أمر لم يرد به لم يكن له شيء ثم انتقل يتكلم على ضمان ما فيه حق توفية، ومتى ينتهي، فقال:
وضمن البائع مكيلا لقبضه بكيل، يعني أن البائع لشيء مكيل يستمر ضمانه له إلى أن يقبضه المشتري بسبب كيله، فالباء للسببية؛ وقوله: بكيل، متعلق بقبضه، أو الباء بمعنى بعد، أي يستمر ضمان البائع للمكيل إلى أن يقبضه المشتري بعد كيله.
وعلم مما قررت أن اللام في قوله: لقبضه، للغاية والغاية أقصى الشيء؛ وقوله: لقبضه، متعلق بضمن، أي يضمنه إلى أن يقبضه المشتري قبضا كائنا بعد الكيل قاله بناني. وقال عبد الباقي: وضمن البائع مبيعا مكيلا، وغاية ضمانه لقبضه مبتاعه بكيل فيما يكال، والباء ظرفية أو للمعية متعلق بمكيلا أو بقبضه، وأراد بالكيل فعله لا آلته بدليل قوله:
كموزون، يعني أن البائع للموزون يضمن المبيع الموزون إلى أن يقبضه المشتري بعد وزنه ومعدود، يعني أن البائع يضمن المبيع المعدود إلى أن يقبضه المشتري له بعد عده؛ قال عبد الباقي: كموزون ومعدود فيما يوزن ويعد، والمراد أن كل ما كيل أو وزن أو عد من المعقود عليه ولو البعض فضمانه من مبتاعه، وليس المراد أن ذلك يتوقف على كمال كيله أو وزنه أو عده، ولا أن فعل بعض ذلك كاف في الجميع، بل كل ما علم بمعياره ضمنه المشتري إذ هو قبض شرعي، وإن لم يحصل قبض حسي إلا قربة السقاء إذا تلف فيها الماء بعد عقد البيع عليها وقبل القبض الحسي فمن البائع لكونه على البلاغ، كما رواه عيسى عن ابن القاسم. انتهى. وقال أصبغ: من المشتري، كما لابن رشد، ودخل في قولي: كل ما علم بمعياره، صورتان، إحداهما: وزنه وحده ثم تفريقه في جرار المشتري فضمانه منه أي من المشتري إذا تلف بعد حصوله في الوعاء كما في ابن عرفة. ثانيتهما: وزنه وحده أيضا دون جرار البائع ثم فَرَّغ فيها ليذهب بها ليفرغها ببيت المشتري فتلفت من البائع فضمانها من المشتري أيضا، لا يقال: الخطأ كالعمد في أموال الناس، لأنا نقول: البائع حملها على وجه الوكالة من المشتري، فحيث لم يتعمد تلفها لم يضمن، ومثل ذلك لو وزن بزقاق البائع كما في سماع عيسى على ما في التتائي في زقاق زيت أي لمعرفة قدر الزقاق غالبا، بل لو
стр. 5605
وزن بجراره بعد عقد البيع فذهب بها البائع ليفرغها للمشتري ثم يوزن فارغ الجرار ليسقط من الوزن الأصلي كما عندنا بمصر فتلفت من البائع فضمانها من المشتري، كما في الأجهوري عن سماع عيسى في مشتري سمن بوزنه بجراره فله أي للمشتري بعد وزنه في جراره أي جرار البائع بيعه قبل وزن الجرار، إذ لو تلفت كانت مصيبته منه أي من المشتري إذ لم يبق إلا وزن الجرار، وذلك يمكن بعد تلف السمن. انتهى. وظاهره ولو تلف من البائع بغير تفريط. انتهى كلام الأجهوري. أي لأنه كوكيل عن المشتري، وقوله: بغير تفريط، حال من البائع أي حال كون البائع تلفت منه بغير تفريطه فإن فرط ضمن.
تنبيه: قال الرهوني: ظاهر كلام المص أن الضمان من البائع ولو وقع التراخي من المشتري وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وفي نوازل المعاوضات: وسئل بعض الشيوخ عمن ابتاع طعاما بعينه وتأخر قبضه بغير شرط، فأجاب: بأن البيع لازم لمن أباه، وهي في العتبية عن سحنون، وإن حدث بالطعام عيب بسبب التأخير فهو من المشتري وسلمه مؤلف المعيار.
والأجرة عليه، يعني أن أجرة الكيل والوزن والعد عليه، أي على البائع للمكيل والموزون والمعدود، لأن التوفية واجبة عليه ولا تحصل إلا بذلك، وأجرة الثمن إن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا على المشتري لأنه بائعه، إلا لشرط أو عرف في المسألتين، كذا ينبغي، قاله عبد الباقي. وقال المواق: سمع ابن القاسم: الصواب والذي يقع في قلبي أن أجرة الكيالين على البائع، وقد قال إخوة يوسف: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾. ابن رشد: هذا المعلوم من قوله الذي عليه أصحابه واستدلاله بالآية صحيح [على القول] (١) أن شرع من قبلنا لازم لنا. ابن العربي: لا خلاف أن شرع من قبلنا شرع لنا في المسائل الخلافيات. انتهى. ونحوه لأبي علي، وفيه عن ابن المواز: قال مالك: صفة الوزن أن يعتدل لسان الميزان؛ وإن سأله المشتري أن يميله لم أره من باب المسألة، وفي العتبية: في الكيل يصب ويمسك المكيال على رأسه حتى إذا امتلأ أرسل يده، وإنما لم يجعل سؤال إمالة الميزان من ناحية المسألة لأن ذلك مما مضى عليه فعل الناس، إذ هو من التسامح في
стр. 5606
البيع الذي ندب إليه الشارع أهل البيع (رحم اللَّه من باع سمحا) (١) الحديث، ثم ذكر ما حاصله أن من اشترى سلعة وهو مغتبط بها فيذكر لصاحبها ويطلبه أن يضع له شيئا من ثمنها، قال: لا بأس بذلك، كطلب أن يعيره دابة وليس من المسألة ما زال هذا أمر الناس إذا لم يكن إلحاح ولا تضرع ولا تبكى ولا كره، وأما قول المغتبط: إن لم تضع لي خاصتك فحرام، والأولى هو الترك مطلقا، وإنما كره مع إلحاح لأنه يشبه ما لم تطب به النفس والثمن في حكم المثمون.
بخلاف الإقالة، يعني أن أجرة الكيل والوزن والعد في الإقالة مخالف ما مر فليست على المقيل بالكسر وإنما هي على المقال بالفتح. والتولية. يعني أن أجرة الكيل والوزن والعد ليست على الولي بالكسر وإنما هي على المولى بالفتح، فمن اشترى طعاما وقبضه ثم ولاه لأحد أي تعاقد معه على أن يؤدي عنه الثمن ويأخذ الطعام المذكور فإن أجرة الكيل أو الوزن عليه أي على الموَلَّى بالفتح. قال الخرشي: ومعنى التولية عندهم أن يولي ما اشتراه بما اشتراه قبل قبضه، والتولية هنا إنما هي بعد القبض، ففي إطلاق التولية على ذلك تسامح. انتهى.
والشركة، يعني أن أجرة الكيل أو الوزن أو العد على المشرك بالفتح وليست على المشرك بالكسر، فمن اشترى طعاما وقبضه ثم أشرك شخصا في نصفه أي تعاقد معه على أن يأخذ نصف الطعام ويؤدي نصف الثمن فإن أجرة الكيل والوزن والعد عليه أي على المولَّى بالفتح. قال عبد الباقي: والأولى أن يقال: بخلاف الإقالة إلخ، أي فالأجرة على سائل الإقالة والتولية والشركة لا على المسئول لأنه فعل معروفا. انتهى. يعني أن الأجرة في الكيل والوزن والعد إنما هي على من سأل الإقالة أو التولية أو الشركة، فإن سأل الإقالة المقيل بالكسر كانت الأجرة عليه، وإن سألها المقال بالفتح كانت الأجرة عليه، وكذا لو سأل التولية الولي بالكسر كانت الأجرة عليه، ولو سألها الولى بالفتح كانت الأجرة عليه، ولو سأل الشركة المشرك بالكسر كانت أجرة الكيل أو الوزن أو العد عليه، ولو سألها المشرك بالفتح كانت أجرة ما ذكر عليه، هذا هو الفقه في هذه المسألة. واللَّه
стр. 5607
سبحانه أعلم. وقوله: بخلاف الإقالة إلخ، وقيل: إن الأجرة على المقيل والولي والمشرك بالكسر فيهن، قال ابن يونس: والأول أبين، وإلى ذلك أشار بقوله:
على الأرجح، ولما كان القرض أصلا لهذه الثلاثة في أن الأجرة على المقترض بالكسر وهي مقيسة عليه بجامع المعروف قال: فكالقرض، أي فهي كالقرض، أي هي على المولى بالفتح والمشرك بالفتح والمقال بالفتح، لأن المقيل بالكسر والولي بالكسر والمشرك بالكسر فعلوا معروفا فشابهوا المقرض بالكسر، لأن كلا منهم فعل معروفا، وقد علمت أن الأجرة في الثلاثة الأول على المسائل كائنا من كان. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: والعهدة في الإقالة بعد وقوعها على البائع، فمن اقترض إردب قمح مثلا فأجرة كيله على المقترض، وإذا رده فأجرة كيله عليه بلا نزاع، ومحل التوهم الأول. انتهى.
واستمر بمعياره، يعني أنه يستمر ضمان البائع للموزون والمكيل والمعدود ما دام في معياره إلى أن يقبضه المشتري. قال عبد الباقي: واستمر ضمان ما فيه حق توفية بمعياره على البائع حتى يقبضه المشتري أو أجيره أو وكيله من البائع أو أجيره، ويدخل في قبضه له ما إذا ناوله البائع للمشتري مملوا أي معلوم القدر ليفرغه فسقط منه بعد مسكه قبل تفريغه، فإنه من المشتري باتفاق، حكاه ابن عرفة عن ابن رشد، وناقشه في الاتفاق. قاله التتائي. وهو وإن نوقش في الاتفاق فأقل أحواله أن يكون هو المشهور ولا يعارض هذا قوله:
ولو تولاه المشتري، لأن معناه تولى كيله أو وزنه أو عده نيابة عن البائع، وأما إذا اكتاله أو وزنه أو عده البائع وناوله للمبتاع فقد تم القبض بأخذه وليس نائبا عن البائع حينئذ، وأتى بقوله: واستمر إلخ، مع استفادته من قوله: وضمن بائع إلخ، لأجل قوله: ولو تولاه المشتري. انتهى المراد منه. وقال الشارح مفسرا للمص: والمعنى أن ضمان ما فيه حق توفية من البائع حتى يصير في غرائر المبتاع، ولو كان هو المتولي لكيله أو وزنه أو عده، فلو كاله المشتري فسقط المكيال من يده فهلك ما فيه قبل وصوله إلى غرائره ونحو ذلك فمصيبته من بائعه، رواه يحيى عن ابن القاسم، وأشهب عن مالك، وقال سحنون في نوازله: مصيبته من المبتاع، وسواء كان المكيال للبائع أو
стр. 5608
للمبتاع إلا أن يكون المكيال هو الذي يتصرف به المبتاع إلى منزله ليس له غيره فيكون ضمان ما فيه إذا هلك من المشتري ولو استعاره من البائع، رواه ابن جعفر عن ابن وهب، وقيل: ينتقل الضمان عن البائع بمجرد العد والوزن، وقيل: إن تولاه المبتاع فالضمان وإلا فمن البائع. انظر الشارح.
تنبيهات: الأول: قال الشيخ محمد بن الحسن هنا ما نصه: اعلم أن الصور أربع، الأولى: أن يتولى البائع الوزن مثلا ثم يأخذ الموزون ليفرغه في ظرف المشتري فيسقط من يده فالمصيبة من البائع اتفاقا. الثانية: مثلها ويتولى المشتري التفريغ أي يأخذه من الميزان ليفرغه في ظرفه فيسقط من يده فالمصيبة من المشتري اتفاقا، حكاه ابن رشد فيهما، ونازعه فيه ابن عرفة بالنسبة للأولى، فقال: قلت: قوله: في هلاكه بيد البائع أنه منه اتفاقا خلاف حاصل قول المازري واللخمي: في كونه من بائعه أو مبتاعه، ثالثها: إن ولي مبتاعه كيله فمنه. انتهى. وزعم التتائي والزرقاني أن ابن عرفة نازع في الثانية وليس كذلك. الثالثة: أن يتولى المشتري التفريغ والوزن فيسقط من يده فقال ابن القاسم ومالك: المصيبة من البائع لأن المشتري وكيل عن البائع ولم يقبض لنفسه حتى يصل إلى ظرفه، وقال سحنون: المصيبة منه لأنه قابض لنفسه ولم يجر هذا الخلاف في الثانية، لأن البائع لما تولى الوزن بنفسه دل على أن قبض المشتري منه ليفرغ قبض لنفسه. الرابعة: أن لا يحضر ظرف المشتري ويريد حمل الموزون في ظرف البائع، فالضمان من المشتري بمجرد الفراغ من الوزن، لأنه قابض لنفسه في ظرف البائع، ويجوز له قبل بلوغه إلى داره بيعه لأنه قد وجد القبض حقيقة، فليس فيه بيع الطعام قبل قبضه، فعليك بهذا التحرير، فإنه زبدة الفقه. وقرره بعض شيوخنا. انتهى كلام بناني. قال الرهوني: مراده أنه وزن في ظرفه وأراد المشتري أن يذهب بها ثم توزن ويسقط وزنها من الجملة كما ذكره ابن رشد وأقره ابن عرفة، ولا يدخل في كلامه ما إذا أفرغت ظروف البائع ووزن ما فيها فرد في ظروف البائع لطلب المشتري فيفصل في ذلك التفصيل المعلوم فيها. انتهى المراد منه. واللَّه سبحانه أعلم. يعني أن المشتري لا يضمن في هذه بمجرد الفراغ من الوزن بل يفصل في ذلك، فإن ناوله البائع للمشتري ليفرغه فيها ضمنه بأخذه
стр. 5609
له كما مر، وإن كان البائع هو المتولي للتفريغ في الظروف فقد مر أن الضمان من البائع حتى يفرغه. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. واللَّه تعالى أعلم.
الثاني: قال الشيخ أبو علي: قال ابن جماعة: إذا انكسرت الخابية عند تفريغ الماء فضمانها من السَّقَّاء. انتهى. وكتب عليه القبابُ: اعلم أن ما أفسده الأجير المأذون له في الخدمة على ثلاثة أقسام: ما سقط من يده فتلف، وما وطئه فتلف بوطئه، وما أتلفه بسقوط شيء من يده عليه، فإنه يضمن في القسم الأخير، ويضمن في الأول، وفي القسم الثاني قولان، والذي في المدونة عدم الضمان في الوطء وإن اختار اللخمي مقابلها، وسئل الطليطلي عن المدخر للزيت والعسل والرب وما أشبه ذلك يسوق الدلال إلى السلعة ويعقدها على التجار ثم يتولى حمل ذلك على عنقه فتسقط منه قلة في بعض الطريق فتنكسر؟ قال: لا شيء على الدلال ولا على البائع والمصيبة في ذلك من المبتاع وحده. انتهى.
الثالث: قال الشيخ أبو علي: قال البرزلي: أجرة التقويم في بيع فاسد أو استحقاق أو شبهه على البائع لأنه الآخذ للثمن ولا يدريه فعليه تقديره قلت: ظاهر المدونة أنه عليهما معا، وقال البرزلي عن أبي حفص العطار إذا باع سلعة لها حمل فحملها ثم تقايلا فإن سأل البائع الإقالة فالحمل عليه، وإن كان المشتري هو المسائل في الإقالة فالحمل عليه. انتهى. ولا قدم في البيع الفاسد أن الضمان فيه لا ينتقل إلا بالقبض بيَّن القبضَ ما هو؟ فقال:
وقبض العقار بالتخلية، يعني أن قبض العقار أي الأرض وما اتصل بها من شجر وبناء الذي يوجب نقل الضمان عن البائع للمشتري هو التخلية بين المشتري والمبيع وتمكينه من التصرف فيه بتسليم الفاتح إن وجدت وإلا اكتفي بالتخلية وإن لم يخل البائع متاعه، وفائدة ذلك انتقال ضمان الدار مثلا للمبتاع، ولو انهدمت قبل أن يخلي البائع متاعه إلا في دار السكنى فلا ينتقل لضمان المشتري إلا بإخلائها، ولو مكنه من التصرف في غير دار السكنى ومنعه الفاتح فظاهر كلام الشارح أن ذلك ليس بقبض.
стр. 5610
وغيره بالعرف، يعني أن قبض غير العقار من مكيل وموزون ومعدود وغير ذلك يكون بالعرف، كتسليم مقود الدابة واحتياز الثوب وشبه ذلك. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقبض غيره بالعرف بين الناس كاحتياز الثوب وتسليم مقود الدابة، وعلم من التوطئة أن بيان كيفية القبض لا يظهر لها فائدة في البيع الصحيح إذا كان المبيع حاضرا لدخوله في ضمان المشتري بالعقد، وإنما تظهر له فائدة في الفاسد، وفي كل ما يحتاج لحوز كالهبة والوقف والغائب وغير ذلك. واللَّه سبحانه أعلم. واعلم أن معنى قول الموثقين: وأنزله منزلته مكنه من القبض وحوزه إياه.
وضُمِن بالعقد، بالبناء للمفعول، يعني أن المشتري يضمن ما اشتراه وليس فيه حق توفية ولا عهدة ثلاث بالعقد الصحيح اللازم من الجانبين، وفائدة ضمانه أنه إذا هلك يكون من المشتري ويملكه بمجرد العقد، وفائدة ملكه له أن له منعه بعد العقد من البائع ولو طلب الثوب المبيع مثلا ليلبسه لبيته ثم يدفعه للمشتري فإن اخْتُلِسَه بالبناء للمفعول البائع المذكور فتلف فمصيبته من المشتري، فإن استعاره البائع فتلف فمنه إلا ببينة فمن المشتري، وقولي: الصحيح، احتراز من الفاسد فضمانه إنما ينتقل عن البائع بالقبض كما مر، وقولي: ولا عهدة ثلاث، تحرز عما هي فيه فإنما يضمن المشتري بعد تمامها كما مر، وقولي: اللازم من الجانبين، تحرز عن العقد مع فضولي أو عبد أو سفيه أو صغير بغير إذن الولي، أو بخيار فإنما يضمن بعد إجازة المالك والسيد والولي ومضي الخيار. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقوله: ولو طلب الثوب المبيع إلخ، الظاهر أنه مبالغة؛ وقوله: فإن اختلسه، مستأنف ووقع الاختلاس بنفس تمام العقد أو سكت المشتري عن طلبه بالدفع له فلا يَرِدُ عليه ما أورده بناني. واللَّه سبحانه أعلم. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. وقوله: وضمن بالعقد أي وله الغلة بالعقد لأن الخراج بالضمان.
فائدة: قال الشارح: قال سحنون: لا ينتقل الملك في الحرام البين لوجه ويفسخ مطلقا إلا أن يفوت فتجب فيه القيمة إن كان مقوما والمثل إن كان مثليا، وهو قول ابن نافع: والمراد بالحرام البين ما ثبت تحريمه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أو شبه ذلك، وقد حكى اللخمي فيما إذا كان مختلفا فيه أربعة أقوال: قيل: يعضي بالقبض، وقيل: بالفوات فيمضي بالثمن. وقيل: بالقيمة كسائر البياعات الفاسدة. والذي ذهب إليه ابن القاسم أن الحرام المبين يلزم فيه القيمة في
стр. 5611
القوم والمثل في المثلي، وأن غيره يمضي بالثمن. انتهى. وقال الشيخ أبو علي بعد كلام: فحاصله أن المشتري إذا علم بأن من باعه مولَّى عليه لا يجوز بيعه فهو كالغاصب، وإلا فهو كبيع الفضولي ذي الشبهة، ويأتي ذلك في محله عن المدونة وغيره. انتهى. واستثنى خمس مسائل من قوله: وضمن بالعقد فقال: إلا المحبوسة للثمن أو الإشهاد فكالرهن، هاتان مسألتان من الخمس. الأولى منهما: أن يبيع الشخص سلعة ثم يحبسها حتى يقبض ثمنها، فالمشهور من قول ابن القاسم أنها تضمن أي يضمنها البائع كضمان الرهن، فيفرق في ذلك بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، فإن كانت مما يغاب عليه ضمنها البائع ولو ببينة، وإن كانت مما لا يغاب عليه ضمنها المشتري. قاله الشارح. قال عبد الباقي: إلا السلعة البيعة المحبوسة عند البائع للثمن أي لإتيان المشتري بثمنها الحال. الثانية: أن يبيع شخص سلعة ثم يحبسها ليشهد على تسليمها للمبتاع أو على أن ثمنها حال في ذمته ولم يقبضه أو مؤجل فضمانها كالرهن، فإن كانت مما يغاب عليه ضمنها البائع إلا ببينة، وإن كانت مما لا يغاب عليه ضمنها المشتري. قال عبد الباقي: ما ذكره في الثانية مسلم، وأما الأولى فعلى المشهور من قولي ابن القاسم، وأما قوله الآخر وهو رأي جميع أصحاب مالك: أن ضمانها من البائع، ولا يلزم من كونه مشهور قول ابن القاسم أن يكون هو المشهور في المذهب. انتهى. قال بناني: تفريقه بين المسألتين غير ظاهر، بل ما جرى في إحداهما يجري في الأخرى لقول ابن بشير: في معنى احتباسه للثمن احتباسه حتى يشهد، وقوله: ولا يلزم من كونه مشهور إلخ، قال التتائي عقب المتن: عند ابن القاسم وهو المشهور، وقال ابن عبد السلام: المشهور أن المحبوسة للثمن تضمن ضمان الرهان، وقال ابن يونس في كتاب الأكرية ما نصه: ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك في المبيع يحبسه البائع للثمن فهو منه إلا أن تقوم بينة بهلاكه فيكون كالحيوان أي ضمانه من المبتاع والبيع تام. انتهى. فعزاه للمدونة مقتصرا عليه، وقال القرافي: وكذلك في المبيع يحبسه البائع للثمن. فيه قولان، المذهب أنه كالرهن، فهو من المبتاع لأنه في حكم المقبوض، ولأنه المتنع من قبضه بتأخير الثمن، وقيل: هو من البائع مطلقا فليس كالرهن، والقولان لمالك، وما جعله المذهب قال صاحب المفيد:
стр. 5612
هو الأظهر، وبه القضاء. فانظره. وقال بعد كلام: فيدل عزوه وتعليله على ترجيح قول ابن القاسم، فتأمله. ثم قال: فهذا كله يشهد لا قاله ابن عبد السلام واعتمده المص. واللَّه أعلم. انتهى كلام بناني. وقال الرهوني بعد جلب كثير من النقول: فتحصَّل مما قدمناه ومما عند بناني أن ما اعتمده المص هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وأنه الذي رجع إليه مالك وقال فيه ابن رشد: إنه مشهور قول ابن القاسم، وابن عبد السلام والمص: إنه المشهور من المذهب، والقرافي: إنه المذهب، وبه أخذ أصبغ وابن حبيب، وبه العمل كما في المفيد، وكفى بهذا مرجحا. وما رجحه الأجهوري ومصطفى والزرقاني قوي أيضا، لأنه قول ابن القاسم في سماع سحنون، وإليه ذهب سحنون، ونقل ابن عرفة عن ابن رشد: قال سحنون في نوازله: إنه قول جميع أصحاب مالك غير ابن القاسم، ولكن لا يقوى قوة الآخر، ولذلك سلم المواق وابن غازي والحطاب والتتائي وأبو علي كلام المص. واللَّه أعلم. وقول بناني: قال صاحب المفيد: هو الأظهر وبه القضاء، فيه نظر، لأن الذي رجحه في المفيد وقال فيه: هو أقيس وأليق بالأصول، هو غير ما قال: إن به الحكم. انتهى. وقد نقل قبل هذا عن المفيد أن سعيد بن المسيب وربيعة والليث قد روي عنهم أنهم قالوا: إذا لم يدفع البائع المبيع إلى المشتري حتى يأتي بثمنه فالمصيبة من البائع، وبه قال مالك وابن وهب وابن الماجشون، وقال سليمان بن يسار: المصيبة فيه من المشتري، وإلى هذا رجع مالك ﵀، وبه قال ابن القاسم، وبه الحكم، غير أن قول سعيد ومن قال بقوله أقيس وأليق بالأصول إلى آخر كلامه، ومفهوم قول المص: المحبوسة للثمن، أن المشتري لو تركها عنه على غير قصد الحبس فكالوديعة. قاله عبد الباقي. وقال ما نصه: وتقدم أنه لا فرق في الحبس للإشهاد على الثمن بين كونه حالا أو مؤجلا، وأنه إنما له حبسها لقبض الثمن الحالِّ لا المؤجل فليس له حبسها إلى أجله، فإن تلفت ضمنها مطلقا، يعني ضمان العداء، وهل ما حل بعد تأجيله كالحالِّ أصالة أو كالمؤجل فليس له حبسها لقبضه لأنه رضي بتسليمها دون قبض؟ خلاف، وقوله: فكالرهن، أي من حيث إنه يفرق فيه بين ما يغاب عليه فيضمنه البائع في دعواه تلفه إلا ببينة، وبين غيره فلا ضمان عليه في دعوى تلفه إلا أن يظهر كذبه، فالتشبيه من هذه الحيثية فقط إذ لو وطئها البائع لم يحد لشبهة ملكه، وعليه للمشتري قيمة
стр. 5613
ولد نشأ عن وطئه، وأما لو وطئها المشتري فحله ظاهر بخلاف وطء المرتهن فيحد، كما يأتي للمصنف حيث قال: وحد مرتهن وطئ إلا بإذن، وقوله: إلا المحبوسة للثمن أو الإشهاد فكالرهن، يعني في البيع الصحيح، وأما الفاسد فمن البائع، لأنه لا ينتقل ضمان الفاسد إلا بالقبض كما مر، وقيل: من المبتاع، وقيل: كالصحيح في التفصيل المذكور في المص هنا، حكى الثلاثة ابن عمر على الرسالة، ثم ظاهر كلامهم أنه لا خيار للمشتري في هذه المسألة، فلا تدخل في قوله: وخير المشتري إن غيب، يعني مسألة المص هذه إلا المحبوسة للثمن أو الإشهاد. واللَّه سبحانه أعلم. وأشار إلى الثالثة بقوله:
وإلا الغائب فبالقبض، يعني أنه إذا اشترى شيئا غائبا على صفة أو رؤية متقدمة فإنه لا ينتقل ضمانه عن بائعه إلى مشتريه إلا بالقبض، وهذا في غير العقار، وأما هو فإنه يدخل في ضمان المشتري بالعقد الصحيح، وهذا حيث لا شرط، فإن اشترط ضمان الغائب غير العقار على المشتري كان منه، وإن اشترط ضمان العقار الغائب على البائع كان منه كما مر، قال عبد الباقي: وإلا البيع الغائب على صفة أو رؤية متقدمة فبالقبض، أي فإنما ينتقل ضمانه للمشتري بالقبض في فاسد مطلقا كصحيح غير عقار إلا لشرط ضمانه على المبتاع كعقار بيع مذارعة أو جزافا وتنازع مع المشتري في أن العقد أدركه سالما، لا إن توافقا على السلامة فمن المشتري بالعقد. انتهى. وأشار إلى الرابعة بقوله:
وإلا المواضعة فبخروجها من الحيضة، يعني أن الأمة المواضعة لا تزال في ضمان بائعها إلى أن تطهر من الحيض فيضمنها المبتاع بعد الطهر لا بأول الدم، وقال الخرشي: يعني أن من اشترى أمة من علي الرقيق أو وخشه وأقر البائع بوطئها فإن فيها المواضعة، وضمانها من البائع إلى أن ترى الدم، فتدخل حينئذ في ضمان المشتري، قال الباجي: وبأول الدم تخرج من ضمان البائع ويتقرر عليها ملك المشتري ويجوز له الاستمتاع بها بغير وطء، وحينئذ فمن بمعنى إلى، أي بخروجها من الطهر إليها، فبمجرد رؤية الدم تخرج من ضمان البائع، وظاهر المتن القول الضعيف. انتهى كلام الخرشي. يعني القول: بأنها لا تخرج من ضمان البائع إلا بطهرها من
стр. 5614
الحيض. وقال عبد الباقي: وإلا المواضعة فبخروجها من الطهر الذي بيعت فيه إلى الحيضة يضمنها المبتاع، أو من بمعنى إلى إذ لا يشترط طهرها منها على المعتمد، خلافا لظاهر المص والتوضيح والشارح. انظر الحطاب. والمبيعة فاسدا كذلك مع قبض بعد رؤية دم أو معها، فقد افترق الصحيح والفاسد في هذا كما مر افتراقهما في المحبوسة. انتهى. قال الرهوني: لا مفهوم له، وكذا إذا قبضها قبل ذلك لتتواضع تحت يده فتلفت بعد رؤية الدم خلاف ما يوهمه كلامه. وقال أبو علي: وإلا المواضعة فبخروجها من الحيضة، أي فلا تزال في ضمان البائع حتى تخرج من الحيضة، فحينئذ يضمنها المبتاع. انتهى. وقال بعد جلب كثير من النقول: وإذا ثبت هذا فكلام ابن الحاجب والمص صحيح وأن الأمة لا تدخل في ضمان المشتري بأول الرؤية للدم، وهذا قول ابن وهب ورواية أشهب وابن حبيب وابن المواز، ومختار سحنون، وظاهر قول ابن القاسم في موضع من المدونة، وفي هذا كفاية في الدليل كما في المتن وابن الحاجب، ثم قال: فقول المتن: فبخروجها من الحيضة، يصح حملها على الخروج من الحيضة برمتها، وعلى معظمها الذي أقمناه مقام الحيضة برمتها، فافهم؛ ولا يتبين لك ما ذكرناه إلا إذا نظرت ما كتبناه عند قول المتن: فتحل بأول الحيضة الثالثة، ونقلنا هناك: أن أكثر الشيوخ على أنه لابد من كمال الحيضة. انتهى. وقال أيضا بعد جلب كثير من النقول: وقد تبين من هذا كله أن ما به الخروج من العدة به تتم المواضعة. انتهى. وقال الرهوني: قد اقتصر أبو علي على ما للمص وابن عبد السلام وابن الحاجب وأطال في ذلك، فانظره يظهر لك أن مقابل المعتمد في كلام الزرقاني موجود، بل يظهر لك قوته. واللَّه أعلم. وقال الحطاب: صرح في المدونة في كتاب الاستبراء بأنها تخرج من ضمان البائع بدخولها في أول دمها، ونقل الباجي ذلك على أنه المذهب، وقال ابن يونس: قال بعض فقهائنا القرويين: فأول دخولها في الدم صارت إلى ضمان المشتري عند ابن القاسم، وحل له أن يقبل ويتلذذ، وخالف ابن وهب وقال: حتى تستمر الحيضة لإمكان انقطاع الدم. انتهى. والنفقة على البائع في مدة المواضعة، وأما الأمة المستبرأة غير المواضعة فإن ضمانها على المشتري. وأشار إلى الخامسة بقوله:
стр. 5615
وإلا الثمار للجائحة، اللام للتعليل وليست بمعنى إلى، ومعنى كلامه أن الثمار يضمنها بائعها لأجل الجائحة، أي لكثرتها فيها، والضمان ينتهي في حق بائع الثمار ببلوغها حدا تأمن معه من الجائحة، فإذا بلغت ذلك صار ضمانها من مبتاعها، وإنما كانت كذلك دون غيرها لكثرة الجوائح فيها: وقال الخرشي: يعني أن من اشترى ثمارا بدا صلاحها فإن ضمانها من بائعها إلى أن تأمن الجائحة، وذلك إذا تناهت في الطيب المشار إليه بقوله: وإن تناهت الثمرة فلا جائحة، فحيننذ ينتقل ضمانها لمشتريها، فاللام بمعنى إلى، وفي الكلام حذف مضاف أي إلى أمن الجائحة، وأما ما يحصل فيها من غير الجائحة فضمانه من المبتاع. وقال عبد الباقي: وإلا الثمار المبيعة بيعا صحيحا، وذلك بعد بدو صلاحها على رءوس الشجر فيضمنها بائعها للجائحة، أي إلى وقت أمن الجائحة، أي الأمن منها، وهو تناهيها كما سيقول "وإن تناهت الثمرة فلا جائحة"، وبما قررنا علم أن اللام بمعنى إلى، وأنه في الكلام حذف مضاف أو مضافين. انتهى. وما ذكراه من أن اللام للانتهاء بمعنى إلى فيه نظر؛ لأنه يوجب الاعتراض على المص، لأنه إنما يضمن في الثمار ما هو من الجوائح، وأما ما يحصل فيها من غير الجائحة كغصب إنسان معين لها فمن المبتاع، قال عبد الباقي: وضمانها، يعني الثمار في الفاسد من البائع ما دامت في رءوس الشجر حتى يجذها المشتري إن كان الفساد لشرائها قبل طيبها، فإن اشتريت بعده فضمانها من المبتاع بمجرد العقد لتمكنه من أخذها، فنزل منزلة القبض فيلغز بها، فيقال: لنا فاسد يضمن بالعقد. انتهى. وللتاودي ﵀ على طريق اللغز:
لنا فاسد بالعقد يضمن ناجزا … وإن لم يكن قبض أجب أيها الحبر
فأجابه بعض النجباء من الطلبة:
جوابك فرد العصر ما بيع فاسدا … من الثمر بعد الطيب دام لك الفخر
стр. 5616
قال الرهوني: وهذا مبني على أن ضمانه من المبتاع بمجرد العقد، وبه جزم المواق في تاجه، والتاودي في طالعه، وبناني في فتحه، وقد قدمنا عند قول المص: وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض، أن المشهور خلافه، ولذلك ذيلت ما تقدم فقلت:
ولكن ذا قول ضعيف فلا تحد … عن المذهب المشهور يعل لك القدر
ولا تغترر بالتاج مع طالع ولا … بفتح وطالع ما تنآى بك العمر
واللَّه الموفق. انتهى.
وبدئ المشتري للتنازع، يعني أنه إذا تنازع البائع والمشتري في التسليم أولا بأن قال البائع: لا أسلم لك مبيعي إلا بعد أن تدفع لي ثمنه، وقال المشتري: لا أدفع لك الثمن إلا بعد تسليم المبيع لي، فإن هذا المشتري يدفع الثمن للبائع أي يجبر على ذلك؛ قال الخرشي: أي وإذا تنازع البائع والمشتري في التسليم أولا بدئ المشتري، هذا في بيع عرض بنقد، قال ابن رشد: من حق البائع أن لا يدفع ما باع حتى يقبض ثمنه لأن ذلك في يده كالرهن بالثمن، فمن حقه أن لا يدفع إليه ما باعه منه ولا يزنه له ولا يكيله له إن كان موزونا أو مكيلا حتى يقبض ثمنه، وهذا أمر متفق عليه في المذهب، مختلف فيه في غيره انتهى. وأما في غير ذلك فلا تبدئة بل يوكل القاضي في المراطلة من يأخذ بعلاقة الميزان ثم يأخذ كل منهما ما للآخر، وفي الصرف يوكل من يقبض لهما، ويفسد العقد بالتراخي في النقود، وأما في بيع عرض بعرض فيوكل أيضا، ولا يفسد العقد بالتراخي. قاله سند. وفي المفيد: لو زعم المشتري أنه وجد عيبا بالسلعة وامتنع من دفع الثمن حتى يحاكمه في المعيب فله ذلك فيما ينقضي من ساعته لا فيما يتطاول؛ وفي النوادر: اختلاف الناس في الدراهم والدنانير بالجودة والرداءة عيب لا يلزم المشتري أخذها إلا باجتماع الناس على جودتها. انتهى. ولو قلب إنسان شيئا يراه فتلف من يده فإن ناوله له ربه أو أخذه بإذنه فلا ضمان عليه، سواء في ذلك أقداح الخشب والزجاج، والقوس يرمى به فينكسر، والسيف يهزه فينكسر، والدابة يركبها فتموت منه، إلا أن يفعل في هذه كلها فعلا غير معروف فيضمن، وإن
стр. 5617
أخذه بغير إذنه ثم ساومه ثم تركه فينكسر أو يسقط من يده فينكسر، فقال أصبغ: لا ضمان؛ وروى عيسى: يضمن؛ وإن أخذه بغير إذنه وعلمه ضمنه على كل حال، وهذا في ما لا يعرف إلا بالتناول كالأمور المتقدمة، وأما نحو اللبن والدهن يختبر بالشم والخل بالذوق فإذا أخذه بيده فسقط منه ضمنه. انتهى كلام الخرشي. وقال عبد الباقي: وبدئ المشتري بالجبر على دفع الثمن النقد للتنازع أي عنده مع بائع العرض والمثلي، لأنه في يده كالرهن في الثمن، فكلامه في بيع عرض أو مثلي بنقد وإلا لم يجبر واحد منهما على التبدئة، ثم إن كانا نقدين مراطلة أو صرفا قيل لهما: إن تراخى قبضكما انتقض الصرف والراطلة، وإن كانا مثليين غير ما ذكر تركا حتى يصطلحا، فإن ترافعا في شيء من ذلك كله لقاض وكل من يمسك ميزان المراطلة ومن يأخذ عينهما في الصرف ليدفع لكل مناجزة، وفي المثليين كذلك، لكن لا يضر التأخير.
والتلف وقت ضمان البائع بسماوي يَفسخُ، التلف مبتدأ وخبره يفسخ بالبناء للفاعل، والمفعول محذوف للعلم به، أي يفسخ العقد، ومعنى كلام المص أن تلف المبيع وقت ضمان البائع بسماوي أي بأمر من اللَّه لا صنع لآدمي فيه يفسخ المبيع، فيمسك المشتري ثمنه إن لم يدفعه، ويرجع به على البائع إن دفعه، وقوله: وقت ضمان البائع يشمل ما فيه حق توفية والثمار المشتراة بعد بدو الصلاح والمواضعة والغائب؛ قال الشيخ أبو علي عن الشارح: إنه يشمل المحبوسة للثمن أو الإشهاد، ثم قال: مع أن المحبوسة للثمن ضمانها ضمان الرهان، فإذا قامت بينة على تلفها وهي مما يغاب عليه فضمان ذلك من المبتاع، فليتنبه لهذا وأمثاله وإن كان ظاهرا. انتهى. فهو نقد على الشارح وصدق في ذلك، وقال عبد الباقي: والتلف للمبيع بعقد صحيح منبرم وقت ضمان البائع بأن يكون مما فيه حق توفية أو ثمار قبل أمن جائحتها، أو مواضعة، أو غائبا بسماوي أي بأمر من اللَّه تعالى، يعني لا صنع لآدمي فيه، وثبت أو تصادقا عليه، يفسخ العقد، فلا يلزم البائع الإتيان بغير العين العقود عليه، بخلاف تلف المسلم فيه عند إحضاره وقبل قبض المشتري له، فيلزم مثله لوقوع العقد على ما في الذمة، لا على معين، وبخلاف المحبوسة للثمن أو للإشهاد لتقدم حكمهما في كلامه، فلا يدخلان هنا، وبخلاف بيع الخيار لتقدم حكمه، وسيذكر
стр. 5618
إتلاف المشتري والأجنبي إلخ، وبخلاف دعواه التلف بسماوي من غير ثبوته ولا تصادقهما عليه، فأشار له بقوله: وخير المشتري إن غيب أو عيب، ونحوه للخرشي، ولقد صدقا في عدم دخول المحبوسة للثمن أو الإشهاد هنا، لأن موضوع المص هنا أن التلف ثبت ببينة أو بتصادق المتبايعين عليه؛ وقد مر أن المحبوسة لذلك إذا ثبت تلفها يكون الضمان من المبتاع فلا يفسخ البيع، وقد مر عن عبد الباقي في مسألة المحبوسة للثمن أو الإشهاد أن ظاهر كلامهم أنه لا خيار للمشتري، فلا تدخل في قوله: وخير المشتري إن غيب. انتهى. قال مقيد هذا الشرح: فهو صريح أو كالصريح في أن المشتري يرجع على البائع بقيمة ما يغاب عليه عند دعوى البائع تلفه، وفي أنه يدفع للبائع الثمن. واللَّه سبحانه أعلم. ثم رأيت للشيخ محمد بن الحسن عند قوله: وخير المشتري إن غيب، ما نصه: لا تدخل أيضا هنا المحبوسة للثمن على ما درج عليه المص أنها كالرهن إذ لا تخيير للمشتري فيها، وإنما له القيمة بالغة ما بلغت، كما تقدم، لأن الضمان منه فلا موجب للتخيير. انتهى. وعلى المقابل المتقدم عند قوله: إلا المحبوسة إلخ، تدخل هنا أعني قوله: والتلف وقت ضمان إلخ، وتدخل أيضا في قوله: وخير المشتري إن غيب؛ نقله عن مصطفى وقال بناني: فيه نظر، بل صرح ابن رشد في سماع سحنون من جامع البيوع أن تخيير المشتري بين الفسخ والقيمة يجري أيضا على قول ابن القاسم: إن ضمانها كالرهن، وعليه فتدخل المحبوسة للثمن هنا في قوله: وخير المشتري إن غيب. انتهى المراد منه. وهو مخالف لما مر عن عبد الباقي. واللَّه سبحانه أعلم. وقوله:
وخير المشتري إن غيب، يعني أن البائع إذا غيب السلعة وقت ضمان البائع أي أخفاها وادعى هلاكها ولم يصدقه المشتري فإن البائع يحلف على ما ادعى ويفسخ البيع، فإن نكل البائع عن اليمين فإن المشتري يخير بين الفسخ لعدم تمكنه من قبض المبيع وبين تمسكه وطلب البائع بمثله أو قيمته، قال عبد الباقي: وخير المشتري بتا إن غيب -بغين معجمة- البائع المبيع أي أخفاه وادعى هلاكه ولم يصدقه المشتري ونكل البائع عن اليمين، يخير المشتري بين الفسخ لعدم تمكنه من قبض المبيع، وبين تمسكه وطلبه للبائع بمثله أو قيمته، إلا أن يحلف فليس إلا الفسخ. انتهى المراد منه.
стр. 5619
أو عيب، بالبناء للمجهول، يعني أنه إذا تعيب المبيع بسماوي وقت ضمان البائع فإن المشتري يخير بين أن يفسخ المبيع وأن يتمسك بالمبيع معيبا بجميع الثمن؛ وفي الجواهر: وحيث قلنا: إن الضمان من البائع فتلف المبيع انفسخ العقد، وإتلاف البائع والأجنبي لا يفسخ العقد بل يوجب القيمة، وإذا تعيب المبيع بئافة سماوية وكان ضمانه من البائع فللمبتاع الخيار، فإن أجاز فبكل الثمن ولا أرش له.
أو استحق شائع وإن قل، يعني أن المبيع إذا استحق منه جزء شائع فإن المشتري يخير بين أن يتمسك بالمبيع ويرجع بمناب الجزء المستحق من الثمن، وأن يرد المبيع ويرجع بجميع ثمنه، ولا فرق في ذلك بين أن يستحق منه قليل أو كثير حيث لم ينقسم المبيع ولم يتخذ للغلة، والحاصلُ أن صور استحقاق الجزء الشائع ثمانية، وهي: أن يكثر المستحق فيثبت الخيار للمشتري بين التمسك ويرجع حيتنذ بمناب المستحق، والرد ويرجع بجميع الثمن، كان المبيع منقسما أم لا، متخذا للغلة أم لا، وإيضاح ذلك أن يكون منقسما اتخذ للغلة أم لا، أو غير منقسم اتخذ للغلة أم لا، وكذلك يثبت الخيار المذكور للمشتري أيضا حيث قل المستحق وكان المبيع غير منقسم ولم يتخذ للغلة، وبقيت ثلاث لا خيار للمشتري فيها، بل يلزمه التمسك والرجوع بمناب المستحق، وهي: أن يقل المستحق وكان المبيع منقسما اتخذ للغلة أم لا، أو كان غير منقسم ولكن اتخذ للغلة، والكثير الذي يوجب استحقاقه التخيير مختلف، ففي الدار الواحدة والمثلي الثلث من الكثير، وفيما تعدد من الدور ما زاد على النصف، كالحيوان والعروض، والنصف في الأرض كثير، وقال الرهوني بعد كلام: فتحصَّل من هذا أن الدار الواحدة الثلث فيها كثير، والأرض النصف فيها كثير، وما عدا ذلك لا خيار فيه للمشتري إلا باستحقاق الجل. انتهى. وفي الزاهي: ما استحق من الأرض كالدار، وقيل: ليس كالدار، وبالأول أقول، وقال الشيخ أبو علي: قال ابن عرفة: والأقل في الطعام وغيره مكيلا أو موزونا في كونه كالعروض أو ما دون الثلث والثلث كثير، ثالثها: في غير الطعام. انتهى. وقال عبد الباقي: إن الكثير في المثلي الثلث، وقال الشيخ أبو علي: ومذهب ابن القاسم وروايته أن استحقاق ثلث الطعام والكيل والموزون من العروض يوجب
стр. 5620
للمشتري رد الجميع، بخلاف العبيد والعروض، وسوى أشهب بين العبيد والعروض والطعام في ذلك لا يرد المبتاع الباقي إلا أن يستحق الأكثر من النصف. انتهى. ومفهومُ قوله: شائع، أنه لو استحق معين لوجب التمسك والرجوع بمناب المستحق من الثمن ما لم يكن المستحق الجل أي أكثر من النصف فتفسخ العقدة كلها ويحرم التمسك بالباقي، كما يأتي وكما مر في قوله: ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره.
وتلف بعضه واستحقاقه كعيب به، يعني أن تلف البعض المعين من المبيع المتعدد وقت ضمان البائع واستحقاق البعض المعين من المبيع المتعدد كالعيب بالبعض المعين من المبيع المتعدد، فإن كان التالف أو المستحق النصف فأقل وجب التمسك والرجوع بمناب التالف أو المستحق، وإن كان التالف أو المستحق أكثر من النصف نقضت الصفقة كلها، كما قال: وحر التمسك بالأقل، يعني أنه إذا كان البعض التالف وقت ضمان البائع أو المستحق هو الأكثر فإنه حرم التمسك بالأقل مع الرجوع بمناب المستحق، لأنه كإنشاء عقدة بثمن مجهول، بل يتعين إما أن يفسخ البيع ويرجع بجميع ثمنه، أو يتمسك بالباقي بجميع الثمن. قال عبد الباقي: ولم أقيد البعض التالف بالعين كما فعل التتائي، لأن البعض التالف لا يكون إلا معينا، وقوله: وحرم التمسك بالأقل تكرار بالنسبة للاستحقاق مع قوله المار: ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره، ويستغنى عنه أيضا بقوله: كعيب به، ويجاب بأنه أتى به ليرتب عليه قوله:
إلا المثلي، يعني أن المثلي إذا استحق أكثره أو تعيب أو تلف لا يحرم التمسك بباقيه الأقل بل يخير، والتخيير مختلف، ففي الاستحقاق والتلف يخير بين الفسخ والتمسك بالباقي بحصته من الثمن، وفي التعييب يخير بين الفسخ فيرد الجميع وبين التمسك بجميع المبيع لا بالسليم فقط بما ينوبه من الثمن، لأن من حجة البائع أن يقول: أبيعه بجهل بعضه بعضا، كما يفيده قول المص: وليس للمشتري التزامه بجميعه مطلقا. قاله عبد الباقي. وقوله: إلا المثلي يعني أنه لا يحرم التمسك فيه بالأقل والرجوع بمناب الأكثر مستحقا أو تالفا أو معيبا حيث رضي البيعان بذلك بخلاف المقوم إذا استحق أكثره أو تلف أو تعيب فإنه لا يجوز التمسك بالأقل ولو رضي البيعان بذلك، وبه يندفع بحث بناني أن هذا التخيير في المعيب المثلي ثابت في المعيب المقوم، فيتحد
стр. 5621
حكم المستثنى والمستثنى منه بالنسبة للعيب، فالصواب رجوع الاستثناء للتلف والاستحقاق فقط. انتهى. وقوله: وحرم التمسك بالأقل، هو المشهور، ومقابل المشهور جواز التمسك بالأقل، وهو مذهب ابن حبيب. قاله الشارح. واعلم أن الإجارة كالبيع في التفصيل السابق كما في المدونة، قال عبد الباقي: ولما قسم ابن رشد المعيب الموجود في الطعام المثلي وما في معناه من مكيل كحناء وكتان وعصفر وموزون ومعدود، بيع المكيل كيلا أو جزافا، خمسة أقسام استوفاها المص باختصار، وأشار لأولها بقوله:
ولا كلام لواجد في قليل لا ينفك، يعني أن من اشترى مثليا من طعام وغيره فوجد فيه عيبا قليلا لا ينفك عنه في العادة فإنه لا خيار له في رد البيع ولا أرش له في مقابلة ذلك، وقوله: قليل، صفة لعيب؛ ومثل للقليل الذي لا ينفك عنه بقوله: كقاع، القاع المستوي من الأرض، والجمع أقْوُع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة وهي أيضا من ذوات الواو؛ يعني أنه إذا وجد الطعام مخالفا أسفله لأعلاه بما لا ينفك عنه في العادة كقيعان الأهراء فإنه لا كلام له، وقال عبد الباقي: ولا كلام لواجد في قليل وهو ما لا يزيد على المعتاد لا ينفك عنه، بأن تقول أهل المعرفة: إنه من غير أمر طارئ عليه، كقاع لبيت طعام أو أندر به بلل يسير فلا يحط عنه شيء من الثمن ولثانيها بقوله:
وإن انفك المعيب القليل عنه ولا خطب له كابتلال بعضه بعطر أو ندى أو له خطب كالربع، وهُوَ ثالثُها، والمراد به ما دون الثلث، فللبائع التزام الربع المعيب بحصته من الثمن، وإلزام المشتري السالم بما ينوبه من الثمن. انتهى. وإيضاح هذا أن المعيب إن انفك عن الطعام ونحوه بحسب العادة وكان لا خطب له أو له خطب والمعيب منه ما دون الثلث فإن لبائع الطعام أن يلتزم الربع المعيب بأن يأخذه ويدفع حصته أي مقابله من الثمن للمشتري ويلزم للمشتري السالم بما ينوبه من الثمن، أي يمسك بقية الثمن التي تقابل السالم ويجبر المشتري على قبول السالم، وأشار للرابع والخامس بقوله:
стр. 5622
لا أكثر، من الربع بالمعنى المتقدم بأن يكون ثلثا فما فوقه، فليس للبائع إلزام المشتري السالم بحصته ويلتزم المعيب لنفسه ويدفع ما ينوبه من الثمن للمشتري.
وليس للمشتري التزامه أي السالم بحصته، أي ليس للمشتري أن يمسك السالم لنفسه ويدفع ما ينوبه من الثمن للبائع ويرد المعيب للبائع ويأخذ منابه من الثمن مطلقا، أي ليس للمشتري ذلك مطلقا كان المعيب الربع أي ما دون الثلث وله خطب أو كان لا خطب له، أو كان الثلث أو فوقه، أي ليس له ذلك في الأقسام الأربعة، وإنما لم يكن للمشتري ذلك لأن من حجة البائع أن يقول: أبيعه يحمل بعضه بعضا، نعم له التزام السالم والعيب بجميع الثمن، وكذا التزام السالم بجميع الثمن، ورد المعيب فيما يظهر، وفي بعض التقارير منع ذلك للحوق العرة للبائع، وفيه شيء؛ وقوله: لواجد بالجيم. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق: ابن رشد: الخلاف الموجود في الطعام وما في معناه من المكيل والموزون من العروض إذا وجد في أسفله ما هو مخالف لأوله ينقسم على خمسة أقسام، أحدها: أن يكون يسيرا وهو مما لا ينفك عنه الطعام كالكائن في قيعان الأهراء والبيوت، فهو لازم للمشتري. الثاني: ما ينفك عنه الطعام إلا أنه يسير لا خطب له، فهذا إن أراد البائع أن يمسك المعيب ويلزم المشتري السالم بما ينوبه من الثمن فله ذلك اتفاقا، وإن أراد المشتري أن يلتزم السالم ويرد المعيب بحصته من الثمن لم يكن له ذلك على ما في المدونة: أن البائع إنما باع على أن حمل بعضه بعضا. الثالث: أن يكون مثل الخمس والربع، فإن أراد البائع أن يمسك المعيب ويلزم المشتري السالم بما ينوبه من الثمن فله ذلك اتفاقا، إذ لا خلاف أن استحقاق ربع الطعام لا يوجب للمبتاع رد الباقي، وإن أراد المشتري أن يلتزم ويرد المعيب بحصته من الثمن لم يكن له ذلك اتفاقا، ومضمنه أن الفتوى في القسم الثاني والثالث واحدة. ثم قال: القِسْم الرابع: أن يكون مثل النصف والثلث، فإن أراد البائع أن يمسك المعيب ويلزم المشتري السالم بحصته من الثمن لم يكن له ذلك على رواية ابن القاسم ومذهبه، ولم يكن للمبتاع أن يأخذ السالم ويرد المعيب. القسم الخامس: أن يكون أكثر من النصف، فإن أراد البائع أن يمسك المعيب ويلزم المشتري السالم بحصته من الثمن لم يكن له ذلك اتفاقا، ولم يكن للمبتاع أن يأخذ السالم ويرد المعيب أيضا باتفاق. انتهى. وقد تضمن هذا أيضا أن الفتوى في القسم الرابع
стр. 5623
والخامس واحدة. انتهى. وقال محمد بن الحسن بناني: أشار المص إلى الأقسام الخمسة التي ذكرها ابن رشد في المعيب الموجود في المثلي طعاما كان أو غيره، وقد نقل كلامه ابن غازي وغيره، قال في تكميل التقييد بعد نقل كلام ابن رشد: وإذا اقتصرنا على المشهور في أقسام ابن رشد رجعت الخمسة إلى ثلاثة لاستواء حكم الثاني والثالث وحكم الرابع والخامس، وقد جمعت هذه الثلاثة في ثلاثة أبيات من الرجز تقريبا للحفظ فقلت:
عن ابن رشد الرضى المرضي … ألغ معيب العرف في المثلي
وشقصن للشار لا للمشتري … في الربع فالدون على المشتهر
والثلث والنصف امنعن كالجل … تشقيصها إلا بوفق الكل
وإذا كان المبيع مقوما متعددا كعشرة شياه بمائة وسموا لكل شاة عشرة واستحق منها بعضها أو ظهر معيبا وليس وجه الصفقة ووجب التمسك بباقي الصفقة بما يخصه من الثمن رجع في ذلك للقيمة، بأن يقوم المعيب أو المستحق وبقية أجزاء الصفقة وتنسب قيمة المستحق أو المعيب إلى مجموع القيمة، ويرجع بتلك النسبة من الثمن، فإذا قوم مجموع الغنم بمائة وعشرين وقوم البعض المستحق أو المعيب بعشرين، كانت نسبة العشرين إلى قيمة المجموع السدس، فيرجع عليه بسدس الثمن، وهكذا إن كانت قيمة المجموع مثل الثمن أو أقل.
لا للتسمية، يعني أن الرجوع في ذلك إنما هو للقيمة كما مر تقريره، ولا يرجع في ذلك للتسمية، فلا يقال في المثال المذكور: إذا استحق أو تعيب منها اثنتان أنه يرجع بعشرين خمس الثمن، وقال الشيخ أبو علي مفسرا للمص: أي أن العقد إذا وقع على عدد من الثياب ونحوها وسميا لكل ثوب جزءا من الثمن ثم استحق ثوب منها مثلا أو أكثر فإنه يرجع فيه إلى القيمة حينئذ لا إلى التسمية، لأنه قد يكون أحدها أجود أو أردى. انتهى. وقال عبد الباقي: لا للتسمية التي سموها عند العقد لكل سلعة
стр. 5624
لجواز اختلاف الأفراد بالجودة والرداءة، لأنه لما اشتراها مجتمعة فقد يسمى لبعضها عشرة وهي تساوي أقل ويغتفر ذلك الزائد لكون غيره يساوي أكثر مما يسمى له.
وصح ولو سكتا، يعني أن المبيع يصح حيث شرطا الرجوع للقيمة، وكذلك يصح المبيع إذا سكتا عند العقد عن بيان الرجوع للقيمة أو للتسمية، وإذا قلنا بالصحة فإنه يرجع للقيمة، هذا قول ابن القاسم ورواه عن مالك: التسمية لغو والبيع صحيح. وقاله سحنون وأصبغ. وروى ابن القاسم: أن التسمية مراعاةٌ والبيع فاسدٌ. قاله الشيخ أبو علي. وعلى رواية ابن القاسم هذه رد المص بلو.
لا إن شرطا الرجوع لها، يعني أنهما إذا شرطا الرجوع للتسمية وهي مخالفة للقيمة فإنه لا خلاف أن المبيع يفسد. نقله في التوضيح عن البيان. قاله الشيخ أبو علي. وقال عقبه عن غيره: إن الفساد لا يتقيد بذلك، وقال عبد الباقي: لا إن شرطا الرجوع لها فلا يصح المبيع إن اختلفت مع القيمة وإلا صح فهذه المسألة من تتمة قوله: ورد بعض المبيع إلخ، واللَّه سبحانه أعلم.
وإتلاف المشتري قبض، يعني أن المشتري إذا أتلف السلعة التي اشتراها يريد وهي في ضمان البائع فإن إتلافه يتنزل منزلة القبض فيلزمه الثمن، ابن عبد السلام: ولا خلاف في ذلك. قال بعض أهل العلم: وسواء كان ذلك بعد علمه بأنه المبيع أو قبل كان بتسلط من البائع له على ذلك أم لا. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: وإتلاف المشتري المبيع على البت وقت ضمان البائع قبض لما أتلفه مقوما أو مثليا فيلزمه ثمنه سواء كان في كل المبيع أو بعضه. قال عبد الباقي: وليس له في إتلافه أكثره التمسك بما بقي بحصته من الثمن إلى آخر كلامه. قال بناني: لا معنى لهذا الكلام، لأنه إنما أتلف ما في ملكه. انتهى.
والبائع والأجنبي يوجب الغرم، يعني أن إتلاف البائع للمبيع على البت وهو في ضمان البائع أو المبتاع يوجب الغرم عليه للمشتري ولا يفسخ المبيع، وكذلك إتلاف أجنبي المبيع وقت ضمان البائع أو المشتري يوجب الغرم لمن الضمان منه من بائع أو مشتر. قاله. الباقي. وقال أبو علي: أي وإتلاف البائع والأجنبي المبيع قبل قبضه يوجب عليه غرم القيمة أو مثلها، لأن الملك قد تم فيه للمشتري، وسواء كان يومئذ في ضمان البائع أو المبتاع. وقال بناني: قيد الخرشي تبعا للتتاءي غرم البائع بأن يختار المشتري الإمضاء، أي وله اختيار الفسخ ولا سلف لهما في تخيير
стр. 5625
المشتري، بل كلام المدونة صريح في خلافه، ففيها في كتاب الاستحقاق ما نصه: ومن ابتاع من رجل طعاما بعينه ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فعليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره، ولو هلك الطعام بأمر من اللَّه تعالى انتقض المبيع، وليس للبائع أن يعطي طعاما مثله ولا ذلك عليه. انتهى.
وكذلك إتلافه، قال عبد الباقي: أي إتلاف من ذكر، وأراد إتلاف بعضه بمعنى تعييبه لتضمنه إتلاف بعضه، ولو قال: تعييبه لكان أصرح، فليس مكررا مع ما قبله لأنه في إتلاف جميع المبيع، وهذا في بعضه، فتعييب المشتري قبض له. انتهى. وقال بناني: وكذلك إتلافه، ابن عاشر: الذي في ابن الحاجب: وكذلك تعييبه، وكذا في نسخة ابن مرزوق، ثم قال: والظاهر أن قوله: وكذلك إتلافه تصحيف، صوابه ما في ابن الحاجب: وكذلك تعييبه، فقال في التوضيح: أي تعييب المبيع كإتلافه، فيفصل فيه بين المشتري والبائع والأجنبي، كما تقدم انتهى. يعني أن تعييب البائع والأجنبي يوجب الأرش، وتعييب المشتري قبض له. وقال الرهوني عن الجواهر: وحيث قلنا: إن الضمان من البائع فتلف المبيع انفسخ العقد، وإتلاف البائع والأجنبي لا يفسخ العقد، بل يوجب القيمة، وإذا تعيب المبيع بئافة سماوية وكان ضمانه من البائع فللمبتاع الخيار، فإن أجاز فبكل الثمن ولا أرش له، ولو كان التعييب بجناية جان لكان له مطالبته بالأرش، كان البائع أو أجنبيا، وقد صرح الأيمة بأن إتلاف البائع والأجنبي يوجب الغرم من غير تخيير للمشتري، فكيف ينتفي التخيير في إتلاف الكل ويثبت في التعييب الذي غايته أنه إتلاف للبعض؟ إن هذا لعجب. انتهى. وعلم من هذا أنه لا فرق بين كون إتلاف أو تعييب من ذكر عمدا أو خطئا. واللَّه سبحانه أعلم. وهو ما نقله بناني عن الرماصي، فإنه قال: ظاهر كلامهم الغرم بلا تخيير. قال الرهوني: صدق في أن ذلك ظاهر كلامهم، وكلام الجواهر كاد أن يكون نصا في ذلك. انتهى المراد منه.
وإن أهلك بائع صبرة على الكيل فالمثل تحريا ليوفيه، يعني أن البائع إذا أهلك الصبرة التي باعها على الكيل ككل صاع بدينار مثلا، أو أفاتها ببيع أو غيره، وكان ذلك قبل معرفة كيلها،
стр. 5626
فإنه يلزمه أن يأتي بصبرة مثلها على التحري، أي يتحرى قدرها بأن يقال: هذا قدرها فيما نرى، ليوفي للمشتري ما اشتراه منه، وليس للمشتري الخيار في أن يرد المبيع، أو يتمسك به ويأخذ القيمة، لأنه إذا أخذ مثل صبرته التي اشتراها لم يظلم، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا خيار لك، أي لا خيار لك يا مشتري في رد البيع والتماسك وأخذ القيمة، وقوله: وإن أهلك بائع، أي عمدا أو خطئا، لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، قال الشيخ سالم: وإن أهلك بائع صبرة من مثلي طعام أو غيره بيعت على الكيل، ككل إردب بكذا قبل أن يكال تعديا أو خطئا، أو أفاتها بالبيع وذهبت عينها، فالمثل تحريا إلخ، وقال عبد الباقي: وإن أهلك بائع صبرة من مثلي طعام أو غيره كحناء وكتان وعصفر، بيعت على الكيل أو الوزن أو العد، بأن قال للمشتري: أبيعك هذه الصبرة كل صاع أو كل إردب بكذا، وكان إهلاكه لها قبل معرفة كيلها، فالمثل لازم له تحريا لا فيها من الصيعان أو الأرادب، ليوفيه للمشتري، ولا خيار لك يا مشتري في رد البيع والتماسك وأخذ القيمة ولو مع رضى البائع، لأنه يودي لبيع الطعام قبل قبضه، لأنه لا وجب له المثل باعه قبل أن يقبضه، يعني بما يأخذ من القيمة، وأما لو وقع المبيع على آصع معلوم عددها من صبرة ثم أهلكها فإنه يلزمه عدد تلك الآصع، وعلم مما قررنا أنه لا مفهوم لقوله: على الكيل، ولو هلكت بأمر سماوي لكانت من البائع وانتقض المبيع كما قدمه بقوله: والتلف وقت ضمان البائع بسماوي إلخ، فإن جهل كون الهلاك من سماوي أو متلف، فقال ابن القاسم: لا يصدق وعليه أن يوفي ما باع، وإن أهلكها المشتري وعُرِفَت مكيلتها غرم الثمن، فإن جهلت لزمه الثمن تحريا. انتهى. ببعض إيضاح.
تنبيهان: الأول: قال الخرشي: قال الجوهري: الصبرة واحدة صبر الطعام، يقال: اشتريت الشيء صبرة أي بلا كيل ولا وزن، قال الأزهري: سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض، وقال في الذخيرة: الصبرة من الحبس لأنها حبست عن الكيل. انتهى. الثاني: قال الرهوني: أتلف وأهلك وجنى وقتل، كلها تستعمل في الخطإ. انتهى. يعني وفي العمد، كما يفيده كلامه. واللَّه سبحانه أعلم. ولو أهلك البائع الصبرة بعد صرفة كيلها للزمه مثلها.
стр. 5627
أو أجنبي فالقيمة إن جهلت المكيلة، يعني أنه لو أتلف الصبرة البيعة على الكيل أجنبي وهو غير البائع والمشتري فإنه تلزمه قيمتها يوم التلف حيث جهلت المكيلة، ولا يلزمه المثل إذ الجزاف مقوم، وسواء أتلفها الأجنبي عمدا أو خطئا، والفرق بين الأجنبي والبائع أنا لو غرمنا الأجنبي المثل لكان مزابنة، لأنها بيع مجهول بمعلوم من جنسه، والغالب على البائع علمه مكيلة ما باعه، فإن عرفت فمثلها. قاله عبد الباقي بزيادة. ثم إذا غرم القيمة للبائع اشترى البائع بها أو ببعضها ما يوفي قدر تحري ما فيها من الصيعان، فإن فضل شيء من القيمة لحصول رخص فإن الفاضل من القيمة عن قدر تحري ما فيها يكون للبائع، إذ لا ظلم على المشتري إذا أخذ مثل ما اشترى، ولأنه لما كان على البائع التَّوَى كان له النما، وإن لم يفضل شيء فإن اشترى بها قدر تحري ما فيها فالأمر واضح، وإن نقص ما اشترى بالقيمة عن قدر تحري ما فيها من الصيعان لحصول غلاء فكالاستحقاق، قال عبد الباقي مفسرا لقوله: فكالاستحقاق، فإن كثر النقص، أي كان الثلث فما فوقه، فللمشتري الفسخ والتماسك بما يخص ذلك من الثمن، وإن نقص ذلك عن الثلث سقط عنه حصته من الثمن، وفهم من قوله: اشترى البائع، أنه هو الذي يتولى الشراء وهو كذلك. ابن أبي زمنين: وهو الذي يدل عليه لفظ الكتاب، وقيل: المشتري، وقيل: الحاكم، لأنه اللزم لذلك أو نائبه، فإن أعدم الأجنبي أو فقد فعلى البائع المثل، فإن أعدم أيضا اتبع أولهما يسارا. انتهى. وفهم من المص أنه لو أتلفها المشتري لكان ذلك قبضا كما مر في قوله: وإتلاف المشتري قبض، وحينئذ فاللازم للمشتري الثمن تحريا إن لم يعلم كيلها؛ وقول ابن الحاجب: إتلاف المشتري الطعام المجهول كيله يوجب القيمة لا المثل وقبول ابن عبد السلام نقله وَهَمٌ. قاله ابن عرفة. فلو عرف كيلها للزم المشتري الثمن كما مر، ولما كان المذهب جواز تصرف المشتري في المبيع بكل وجه من وجوه التصرفات نبه على تصرفه بالعوض، فغيره أحرى بقوله:
стр. 5628
وجاز البيع قبل القبض، قال الخرشي: يعني أنه يجوز بيع كل شيء قبل قبضه لخبر: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه. فمفهومه أن غير الطعام يجوز بيعه قبل قبضه، فيخص به عموم خبر زيد بن ثابت: (نهى النبي ﷺ أن تباع السلع حيث يبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) (١). ثم استثنى ما ورد الحديث بمنعه بقوله: إلا مطلق طعام المعاوضة، يعني أن مطلق الطعام ربويا كان أو غيره كالفواكه المأخوذة بمعاوضة يحرم بيعه قبل أن يستوفيه، وإنما قدرنا كل شيء بدليل الاستثناء، لأنه من معيار العموم. انتهى كلام الخرشي. وقال الحطاب: يعني أن من ملك شيئا بوجه من الوجوه يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه إلا مطلق الطعام، أي سواء كان ربويا أو غير ربوي المأخوذ بمعاوضة. وفي المدونة: وما ابتعت من الطعام بعينه أو بغير عينه كيلا أو وزنا فلا تواعد فيه أحدا قبل قبضه، وقبض الوكيل كقبض موكله، فيجوز له المبيع به. وقال عبد الباقي: وجاز لمشتر وموهوب شيئا المبيع قبل القبض له من بائعه وواهبه إلا مطلق طعام المعاوضة في مقابلة شيء، وأراد بمطلقه ربويا كقمح وشعير، وغيره كتفاح ورمان وكل فاكهة، فيمنع بيعه قبل قبضه، وضابط منع بيع الطعام قبل قبضه أن يتوالى فيه عقدتا بيع لم يتخللهما قبض. انتهى. وقال بناني عند قوله: إلا مطلق طعام المعاوضة ما نصه: ورد النهي عن ذلك في الموطأ والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله. قال في التوضيح: والصحيح عند أهل المذهب أن منع بيع الطعام قبل قبضه متعبد به، وقيل: معقول المعنى لأن أهل العينة كانوا يتوصلون إلى الفساد ببيعه قبل قبضه، فنهي عن ذلك سدا للذريعة، وقيل: لكون الشارع له غرض في ظهوره، فلو أجيز لباعه أهل الأموال بعضهم من بعض من غير ظهور، بخلاف ما إذا منع من ذلك، فإنه ينتفع به الكيال والحمال ويظهر للفقراء، وتقْوَى به قلوب الناس، سيما في زمن مسغبة أو شدة.
стр. 5629
تنبيه: قال ابن عرفة: والمواعدة على الطعام قبل قبضه كالمواعدة على النكاح في العِدَّة، والتعريض في بيع الطعام قبل قبضه كالتعريض في نكاح المعتدة. ولو كرزق قاض، يعني أن رزق القاضي من جملة طعام المعاوضة فلا يحل بيعه قبل قبضه خلافا لمن قال بجوازه، لأنه عن فعل غير محصور فأشبه العطية، والمراد برزق القاضي خصوص الطعام لا مطلق ما ينتفع به، ودخل بالكاف من هو قائم بمصالح المسلمين، كأيمة المساجد والمؤذنين، وأصحاب السوق أي مشايخه، والقسام والكتاب والجند، ممن جعل لهم ذلك في بيت المال، وكذا العلماء إن جعل لهم ذلك في مقابلة تعليمهم للناس، لا على وجه الصدقة، ولا من اشترى علوفة بشُون حيث كان من أهل الصدقة، إذ الأصل أن السلطان وضعها للصدقة، وأخذ الثمن من المشتري تَعَدٍّ فيجوز بيع كل قبل قبضه، فإن لم يكن من أهل الصدقة لم يجز له المبيع قبل القبض كما لا يجوز له أصل الشراء، قرره الأجهوري. ودخل بالكاف أيضا طعام جعل صداقا أو خلعا فيمنع بيعه قبل قبضه لا ما أخذ عن مستهلك عمدا أو خطئا فيجوز بيعه قبل قبضه. انتهى. قوله: ولا من اشترى علوفة إلخ، هي خراج من الطعام حبسه السلطان على ذوي صفة يستحقه من يسكنها، ثم يشتري أجنبي رفع اليد عنه ممن فيها بدراهم مثلا فيجوز بيعه قبل قبضه، لأنه في الأصل صدقة. قاله بناني. وقال عبد الباقي: والظاهر أن المثلي إذا بيع بيعا فاسدا وفات فوجب مثله ليس بمنزلة ما أخذ عن متلف كأنه صار بمنزلة ما بيع بيعا صحيحا. انتهى. قال بناني: ديه نظر، بل هو كالمأخوذ عن متلف، لأن لزوم المثل فسخ للفساد لا إمضاء. تأمل. انتهى. وقوله: بشون هو بالشين المعجمة المضمومة وبالنون موضع خزن الطعام، وقال الرهوني: جواز بيع المستهلك من الطعام قبل قبضه الظاهر أنه على قول ابن المواز، لا على ما لعبد الوهاب من أنه لا يأخذ عن المستهلك طعاما إذ المبيع أحرى من ذلك. انتهى. والجواز هو الراجح.
أخذ بكيل، يعني أن منع بيع الطعام قبل قبضه إنما هو حيث كان مأخوذا بكيل أو وزن أو عدد لا جزاف، فيجوز بيعه قبل قبضه على الأصح لدخوله في ضمان المشتري بالعقد، فهو في حكم المقبوض، فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض، وقوله: أخذ، حال؛ والمعنى أن
стр. 5630
الطعام المنهي عن بيعه قبل قبضه هو ما أخذ بكيل أي أو وزن أو عدد، وقال المواق: من استهلك لإنسان مكيلة طعام هل له أن يغَرِّمَه ثمنه؟ قال عبد الوهاب: هو بيع الطعام قبل قبضه، وأجاز ذلك محمد بن المواز، وما وجب من الطعام للمرأة في نفقتها، الصحيح أنه يجوز [أن تأخذ] (١) فيه ثمنا، وكذلك ما تنفقه على أولادها.
أو كلبن شاة، عطف على أخذ بكيل، يعني أن مطلق طعام المعاوضة يمنع بيعه قبل قبضه حيث أخذ بكيل أو كان جزافا لا يدخل في ضمان المشتري بالعقد كلبن شاة، قال عبد الباقي: لأنه يشبه الطعام المكيل نظرا إلى كونه في ضمان البائع وهذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم، وأجازه أشهب نظرا إلى كونه جزافا. قال عبد الباقي: ومثله شراء ثمر حائط غائب على الصفة جزافا فيمنع بيعه قبل قبضه. انتهى. قال الرهوني: مثله في المواق عن التونسي وهو مبني على جواز بيعها ابتداء، وتقدم عند قوله "وجزاف إن ريء" أن الصواب خلافه. انتهى. قوله: أو كلبن شاة، قال عبد الباقي: وسيأتي في المسلم جواز بيع لبن شاة أو شياه بالمدة إذا علم قدر ما تحلب تحريا، فإنما يجوز إذا كانت معينة وأن تكثر كالعشرة لا ما يفعله الفلاحون ويسمونه الضمان فإنه فاسد، فيرجع مالك البهيمة بمثل اللبن إن علم قدره، وإلا فبقيمته يوم قبضه، ويرجع عليه الآخذ بكلفة البهيمة كما أفتى به الوالد. انتهى. قوله: أو كلبن شاة، قال بناني: حمله التتائي وتبعه الزرقاني والخرشي على الواحدة لقولهم: لبن شاة أو شياه، كما هو ظاهر المص وهو غير صحيح، ولذا قال المواق: لو قال: لبن شياه، لكان أصوب، لأن الحكم بمنع المبيع قبل القبض.
فرع: كون العقد المشترط فيه القبض جائزا، واشتراء لبن شاة جزافا أو شاتين جزافا غير جائز، إنما يجوز في العدد الكثير كالعشرة كما في المدونة، إلا أن يريد بالشاة الجنس، ففيها في كتاب التجارة: ومن اشترى لبن غنم بأعيانها جزافا شهرا أو شهرين أو إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، فإن كانت غنما يسيرة كشاة أو شاتين لم يجز إذ ليست بمأمونة، وذلك جائز فيما كثر من الغنم كالعشرة ونحوها إن كان في الإبان وعرف وجه حلابها، وإن لم يعرف وجهه لم يجز ذلك.
стр. 5631
انتهى. أبو الحسن: فالشروط خمسة: أن يكون إلى أجل، وأن يكون الأجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن تكثر الغنم، وأن يعرفا وجه الحلاب، وأن يكون في الإبان. انتهى. وكلها مأخوذة من المدونة. انتهى. ولما كان لابد في جواز بيع الطعام من قبض قوي لا ضعيف فلا يكفي أشار للضعيف بقوله:
ولم يقبض من نفسه قيد في المفهوم، أي وبعد القبض جاز إن لم يقبض من نفسه لنفسه، وأما إن قبض من نفسه لنفسه فإن ذلك قبض ضعيف فلا يجوز بيعه بذلك القبض لأنه كلا قبض، وصورة ذلك أن من كان عنده طعام وديعة أو شبهها فاشتراه من مالكه فإنه لا يجوز له بيعه بالقبض السابق على الشراء، لأن ذلك القبض السابق لم يكن قبضا تاما، بدليل أن رب الطعام لو أراد إزالته من يده ومنعه من التصرف فيه كان له ذلك. انتهى. أي لأنه لم يدخل في ملك المشتري، لأنه لم يشتره إذ ذاك، وإنما اشتراه بعد ذلك، وأما تفسير المص بأن معناه: شخص وكل على شراء طعام فاشتراه فصار بيده فيمنع أن يبيعه لنفسه، ولو أذن له موكله، أو أنه وكل على بيع طعام اشتراه الموكل ولم يقبضه فقبضه الوكيل فيمنع أن يشتريه لنفسه؛ فإن المنع في هاتين الصورتين غير صحيح، بل هما جائزتان مع الإذن، ممنوعتان مع عدمه، كما يأتي في باب الوكالة، لأن يد الوكيل كيد الموكل كما حققه غير واحد وإن كان المص شرح به وبالتفسير الذي صدرت به المص كلام ابن الحاجب الماثل لكلام المص، ولا دليل له في كلام المدونة وهو: وإن أعطاك بعد الأجل عينا أو عرضا فقال لك: اشتر به طعاما وكِلْهُ ثم اقبض حقلث، لم يجز إلا أن يكون رأس مالك ذهبا أو ورقا فيجوز بمعنى الإقالة. انتهى. لوجود علة المنع في مسألة المدونة، وهي بيع الطعام قبل قبضه، أي لأن من له دين الطعام إذا وكله الدين على شرائه وقبضه لنفسه يتهم على عدم الشراء وإمساك الثمن لنفسه، فيكون قد باع به طعام الدين قبل قبضه، فليست علة المنع فيها هي القبض من نفسه، بل اتهامه على بيع ما في ذمة الموكل من الطعام قبل قبضه. انظر حاشية الشيخ بناني. قال الرهوني: هذا صحيح ويشهد له ما قاله عبد الحق من أنه: إذا ثبت أنه اشترى مضى ذلك ونفذ بينهما. انتهى.
стр. 5632
إلا كوصي ليتيميه مستثنى من مفهوم: ولم يقبض من نفسه، أي وأما إن قبض من نفسه فإن ذلك لا يجوز إلا أن يَقوَى القبض بأن يكون القابض من نفسه ممن يتولى الطرفين، كالوصي ليتيميه، والوالد لولديه المحجورين، والسيد لعبديه، فإذا باع الولي طعام أحدهما من الآخر وتولى المبيع والشراء عليهما كان له بعد ذلك أن يبيع ذلك الطعام على من اشتراه له قبل قبضه قبضا ثانيا، قال عبد الباقي: إلا أن يكون القابض من نفسه ممن يتولى طرفي العقد كوصي ليتيميه، ووالد لولديه، وسيد لعبديه، ممن قبضه قوي، فإذا باع طعام أحدهما أي من الآخر وتولى المبيع والشراء عليهما، كان له أن يبيع ذلك الطعام على من اشتراه له لأجنبي قبل أن يقبضه قبضا ثانيا، كذا صوره في توضيحه عن ابن عبد السلام.
وجاز بالعقد جزاف، هذا مفهوم قوله: أخذ بكيل، يعني أنه يجوز للمشتري بمجرد العقد بيع طعام اشتري جزافا فيبيعه قبل القبض، والمراد به الجزاف الذي يدخل في ضمان المشتري بالعقد، وأما ما في ضمان البائع فكالمكيل كما أشار إليه بقوله: أو كلبن شاة.
وكصدقة، هذا مفهوم قوله: المعاوضة، يعني أن من تصدق على أحد بطعام أو وهبه له لغير ثواب فإنه يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه، وأما الهبة للثواب فبيع، وبيع طعام السلف قبل قبضه جائز بلا خلاف. قاله أبو علي. وقال عبد الباقي: وصرح بمفهوم طعام المعاوضة بقوله: وكصدقة بطعام وهبة لغير ثواب، كمثل فعل عمر لأزواج النبي ﷺ من ترتيب طعام لهن من بيت المال، فإذا فعل حاكم زمننا مثل ذلك لزوجة عالم مثلا فلها بيعه قبل أن تقبضه كما قال مالك، لعدم توالي عقدتي بيع ليس بينهما قبض. انتهى. وقال المواق: من الواضحة: كل ما ارتزقه القضاة والكتاب والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام فلا يبعه حتى يستوفى، فأما ما كان صلة أو عطية يريد أو هبة أو ميراثا. قال مالك في العتبية: أو مثل ما فرض عمر لأزواج النبي ﷺ من الأرزاق من الطعام فلا بأس ببيع هذا كله قبل قبضه. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قوله: وكصدقة، ما نصه: ويقيد الجواز بما إذا لم يكن التصدق اشتراه وتصدق به قبل القبض، وإلا فالمتصدِّق عليه لا يبيعه حتى يقبضه. انظر المواق. قال في الجلاب: من ابتاع طعاما بكيل ثم أقرضه رجلا أو وهبه له أو قضاه رجلا عن قرض كان له عليه فلا يبعه أحد ممن
стр. 5633
صار إليه ذلك الطعام حتى يقبضه. انتهى. وقال الشارح: ونبه بكاف التشبيه على أن ما كان بغير معاوضة كالهبة والقرض فإن حكمه كذلك في جواز المبيع فيه قبل القبض كما سبق.
تنبيه: قال الشارح: وقد روي في العتبية عن مالك أن من اشترى نصف ثمرة بعد ما بدا صلاحها ليس له بيعها حتى يستوفيه. قال ابن القاسم: ثم سألناه فأجاز بيعه نظرا إلى أنه جزاف، واختلف عن مالك إذا باع شجرا واستثنى ثمرته هل يجوز له بيع الثمرة قبل قبضها وهو اختيار ابن عبد الحكم والأبهري؟ أو لا يجوز، والأول أظهر، لأن المستثنى مبَقًّى، والثاني مبني على أنه مشترًى. انتهى. وتلخص مما مر أن ما كان من الطعام مأخوذا على المعاوضة لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما كان على غير ذلك يجوز بيعه قبل قبضه. قال المواق: من المدونة قال مالك: كل طعام ابتعته بعينه أو مضمونا على كيل أو وزن أو عدد مما يدخر أو لا يدخر فلا يجوز أن تبيعه من بائعك أو غيره حتى تستوفيه، إلا أن تقيل منه أو تشرك فيه أو توليه، وكذلك كل طعام أو شراب عدا الماء، قال مالك: وكل ما اكتريت به أو صالحت عن دم عمدا وخالعت به من طعام بعينه أو مضمون على كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه. ابن عرفة: والمشهور أن الطعام غير الربوي كالربوي. انتهى. وللشيخ أبي علي:
وكل عقد من عقود العوض … كالبيع والنكاح فافهم ما ارتضي
فوصله بمثله حرام … لعلة يعلمها الأعلام
إن لم يكن بينهما قبض علم … والحمد للَّه على ما قد فهم
وبيع ما على مكاتب منه: أي من المكاتب، يعني أنه إذا كان على العبد المكاتب طعام لسيده المكاتب له فإنه يجوز للسيد أن يبيع لعبده المكاتب الطعام الذي عليه قبل قبضه، بأن يأخذ عن الطعام عرضا مثلا أو عينا، قال عبد الباقي: وبيع ما أي طعام على مكاتب منه أي من المكاتب
стр. 5634
بعرض أو عين قبل قبضه منه في نجوم الكتابة، لأنه يغتفر بين السيد وعبده ما لا يغتفر بين غيرهما، هذا هو الذي يفسر به المص، وأما قول عبد الباقي: ويحتمل أن يريد أن العبد إذا اشترى طعاما من غيره ولم يقبضه فإنه يجوز لسيده أن يكاتبه عليه ويقبضه ممن اشتراه العبد منه، فقال الرهوني: هذا الاحتمال لا يقبله لفظ المص إذ لا يقال فيما اشتراه المكاتب: إنه عليه فتأمله. انتهى. وقال بناني: هذا احتمال بعيد من كلام المص. انتهى. فالمص تابع للمدونة. قال المواق: من المدونة قال مالك: إن كاتبت عبدك بطعام موصوف إلى أجل جاز أن تبيعه من المكاتب خاصة قبل الأجل بعرض أو عين وإن لم تتعجله، ولا تبع ذلك الطعام من أجنبي حتى تقبضه. انتهى. وقال عبد الباقي بعد الاحتمال الذي رده الرهوني واستبعده محمد بن الحسن: وانظر هل للسيد في هذه أن يبيعه ثانيا للمكاتب قبل قبضه من بائعه وهو ظاهر التعليل وإن توالى في هذه ثلاث عقد لم يتخللها قبض أم لا؟ انتهى. قال الرهوني: قوله: وانظر هل للسيد في هذه أن يبيعه ثانيا، إلى قوله: وهو ظاهر إلخ، فيه نظر، لأن التعليل السابق وهو قوله: لأنه يغتفر بين السيد وعبده، لا يطرد في كل صورة، بل ذلك حيث يرجى حصول العتق به أو يؤدي إلى التخفيف على المكاتب، ويدل على هذا قول المص: وهل إن عجل العتق، والظاهر في هذه الصورة المنع بلا توقف، وقد نص في المدونة وغيرها على حرمة الربا بين السيد وعبده، ونحو ذلك مما يؤدي إلى حرمة العقد إلا ما يرجع لما ذكرناه. فتأمله. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: وبيع ما على مكاتب منه، أي يجوز للسيد أن يبيع للمكاتب نفسه ما عليه من الكتابة قبل قبضها، يريد وإن لم يأت الأجل، وقاله في المدونة. قال فيها: ولا يجوز بيع ذلك لأجنبي حتى يقبضه. قال ابن حبيب: إلا أن يكون تافها يسيرا. قاله مالك في المدونة. انتهى.
وهل إن عجل العتق، يعني أنه اختلف في جواز بيع ما على المكاتب من الطعام من المكاتب نفسه هل محله إن عجل العتق بأن يبيعه جميع ما عليه وإلا فلا يجوز؟ أو يجوز ذلك مطلقا عجل العتق أم لا، في ذلك تأويلان، قال الرهوني: لم يترض أحد ممن وقفنا عليه من شارح أو محش لعزوهما، وعزا ابن ناجي الأول لظاهر اختصار ابن يونس وأجمل، ونحوه لأبي الحسن، وقال أبو علي: إن كلام المص في الكتابة ربما يدل على ترجيح الإطلاق فانظره. واللَّه أعلم.
стр. 5635
انتهى. وقال المواق: سحنون: لا يجوز أن تبيع من المكاتب نجما مما عليه من الطعام لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وإنما يجوز أن تبيعه جميع ما عليه، فيعتق بذلك. ابن يونس: وقيل: يجوز ذلك وإن لم يتعجل حقه. انتهى. إن عجل العتق بأن باعه السيد جميع الكتابة، وينبغي أن يكون مثل ذلك ما إذا باعه بعض النجوم وأبقى النجوم الباقية لأجلها وعجل عتقه. انتهى.
وإقراضه، الضمير يرجع لطعام المعاوضة، والمعنى أن طعام المعاوضة يجوز إقراضه قبل قبضه، فإذا اشتريت من إنسان إردب حنطة مثلا فإنه يجوز لك أن تقرضه لشخص قبل قبضه، إذ ليس في ذلك توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض، فلم يوجد بيع الطعام قبل قبضه. قاله الخرشي. وقال المواق: ابن بشير: يجوز قرض ما بيع قبل قبضه، وعبارة اللخمي: يجوز لمن له سلم أن يقرضه قبل قبضه. قاله في المدونة. وإذا قبضه وكيله فله أن يبيعه منه أو من غيره، لأن ما قبضه الوكيل دخل في ضمان الموكل، بخلاف ما قبضه التسلف فلم يدخل بعد في ضمان السلف، فإن باعه فهو بيع طعام سلم قبل قبضه. انتهى. وقال بناني: قال في المدونة: وإن ابتعت طعاما فلم تقبضه حتى أسلفته رجلا فقبضه التسلف فلا يعجبني أن تبيعه منه قبل قبضه. انتهى. أو وفاؤه عن قرض، يعني أن طعام المعاوضة يجوز وفاؤه قبل قبضه عن قرض، مثاله: لو كان عليك لرجل إردب قمح عن قرض ثم اشتريت إردبا من القمح فإنه يجوز لك قبل أن تقبضه أن تقضي به ذلك الرجل وفاء عن إردب قمحه القرض الذي عليك، وأما لو كان الإردب الذي عليك من بيع فليس لك أن توفيه بالإردب الذي اشتريته ما لم تقبضه.
وبيعه لمقترض، الجار والمجرور يتعلق بجاز المدلول عليه بالعطف، يعني أنه يجوز لمن اقترض إردب قمح مثلا أن يبيعه قبل قبضه، وسواء باعه لأجنبي أو للمقرض، واعلم أن القرض يملك بالقول وإن لم يقبض، ومحل الجواز إذا اقترضه ممن لم يشتره، أو ممن اشتراه والحال أن المشتري قبضه، وأما إن اقترضه من المشتري له قبل قبض المشتري له فإنه لا يجوز للمقترض حينئذ بيعه.
стр. 5636
تنبيه: قال عبد الباقي وبيعه لمقترض أي جاز لمقترض طعام غير المعاوضة بيعه قبل قبضه، وأما طعام المعاوضة فليس لقرضه بيعه قبل قبضه وله ذلك بعده. انتهى. يعني أن من ابتاع طعاما فلم يقبضه حتى أسلفه لرجل فقبضه الرجل التسلف له فإنه لا يجوز للمسلف بالكسر أن يبيع ما له قبل المتسلف من عوض ما دفعه له حتى يقبضه السلف، أي لا يجوز له أن يبيعه للمتسلف ولا الغريم حتى يقبضه، فإن قبضه هو أو وكيله جاز بيعه للمتسلف وغيره، وقد مر إيضاح ذلك قريبا، فكلام عبد الباقي صحيح بلا شك؛ واعلم أنه يجوز للمقرض أن يبيع للمقترض ما عليه من القرض ولغيره قبل أن يقبضه وقد مر ذلك.
مسألة: قد مر أن قول المص: وبيعه لمقترض، شامل لبيع المقترض للمقرض ولغيره، فإذا باعه للمقرض بطعام فإن ذلك يمنع مطلقا، سواء باعه بطعام حال أو مؤجل، لأن القرض يستلزم الأجل في القرض فيدخله ربا النساء مطلقا. ابن عرفة: ظاهر ابن عبد السلام جواز بيعه ممن أقرضه مطلقا وليس كذلك، لأنه إذا دفع فيه القرض لمن أقرضه ثمنا فإنما هو ثمن على ما يقبضه بعد ذلك، وما خرج من اليد وعاد إليها كأنه لم يخرج، فعلى هذا لو استقرضه قفيز قمح لم يجز له بيعه بزيت ونحوه، لأنه طعام بطعام، ولا بدراهم إلا أن يكون القرض إلى مثل أجل السلم قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال المواق: وبيعه لمقترض، هذا إن كان المبيع من غير المقرض، وأما إن باعه أي المقترض من المقرض، فقال ابن عرفة: الثمن الذي يعطى المقرض إنما هو ثمن على ما يقبض من المقترض فيُراعَى أجل السلم والطعام بالطعام. انتهى. قوله فيُراعَى أجل السلم، أي فإذا أخذ المقترض من القرض دينارا مثلا فما خرج من يد المقرض بالكسر وعاد إليه يعد لغوا، فكأن المقرض أسلم للمقترض دينارا يأخذ عنه بعد ذلك من المقترض طعاما، فيشترط في القرض حينئذ أن لا ينقص عن أجل المسلم.
وإقالة من الجميع، يعني أن الإقالة في الطعام قبل قبضه تجوز إذا كان التقايُل من جميع المبيع، ابن عرفة: الإقالة ترك المبيع لبائعه بثمنه وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع وهي رخصة وعزيمة، الأولى فيما يمتنع بيعه قبل قبضه، وشرطها عدم تغير الثمن بما تختلف به الأغراض غالبا. فيها: لا تجوز بغير الثمن، ولا عليه وأخذ غيره عنه، ولا به مع زيادة عليه، ولا مع
стр. 5637
تأخيره ولو ساعة، ولو برهن أو حميل أو حوالة. قاله بناني. وقال عبد الباقي: وإقالة من الجميع قبل قبضه بأن يرده لربه على الثمن وصفة العقد، لأنها حل بيع، ويشترط كونها بمثل الثمن الأول لا بزيادة أو نقص، فيمنع في الجميع لأنها حينئد بيع مؤتنف، وإذا كان في سلم وجب فيه تعجيل رأس المال ليلا يؤدي إلى فسخ دين في دين، بخلاف تأخير رأس مال السلم في غير الإقالة، فيجوز ثلاثا، كما سيذكر المص ولو بالشرط، لأن اللازم فيه ابتداء دين بدين وهو أخف من فسخ دين في دين الذي هو لازم هنا، وسواء فيما ذكر المص كان رأس المال عينا أو عرضا، غاب عليه المسلم أو البائع أم لا، ومفهوم من الجميع المنع من الإقالة من البعض وأخذ البعض بعد الأجل أو قبله، كما في أحمد عن المدونة، بعد غيبة البائع على ثمنه مثليا بأن لا يعرف بعينه طعاما أو غيره، لأنه بيع وسلف مع ما في الطعام من بيعه قبل قبضه ولو أحضر المثلي عند الإقالة، لأن الغيبة عليه تعد سلفا، فإن لم يغب عليه أو كان مما يرى بعينه كعرض جازت من البعض، ففي المفهوم تفصيل. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: وإن أسلمت إلى رجل ثيابا في طعام فأقلته من نصف الطعام قبل الأجل أو بعده على أن يرد عليك نصف ثيابك التي دفعت إليه بعينها وقد حال سوقها أم لا فلا بأس بذلك، بخلاف أن يكون رأس المال دراهم أو ما لا يعرف بعينه. انتهى. وقال الخرشي: وإقالة من الجميع، أي من جميع الطعام المشترى قبل قبضه، بأن يتركه المشتري لبائعه بثمنه لأنها حل بيع لا بيع، ومفهوم قوله: من الجميع، لو وقعت في البعض جازت إن كان رأس المال عرضا يرى بعينه غاب عليه أم لا، انتهى المراد منه. وبالغ على جواز الإقالة في الطعام قبل قبضه بقوله:
وإن تغير سوق شيئك، يعني أنه تجوز الإقالة من جميع الطعام المبيع قبل قبضه على ثمن الطعام أي ما دفعته فيه بنفسه وإن كان هذا الثمن قد تغير سوقه، قال المواق: من المدونة: أجاز مالك لمن أسلم دابة في طعام أن يقيل منه بعد شهرين ويأخذها، والدواب تحول أسواقها في شهرين فلا يفيت الإقالةَ حوالةُ سوق رأس المال إلا أن يحول رأس المال في عينه بنماء أو نقصان بيِّنٍ عور أو عيب، فلا يجوز حينئذ أن يُقيله من الطعام كله ولا من بعضة، والنماء بمنزلة الصغير يكبر،
стр. 5638
وذهاب بياض العين، وزوال الصمم به؛ فهذه تفيت الإقالة. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالغ على جوازها في الإقالة من جميعه بقوله: وإن تغير سوق شيئك يا مشتري المدفوع ثمنا ولو دابة في الطعام المقال فيه قبل قبضه بغلاء أو رخص، لأن الدار على عينها وهي باقية، وعدل عن ثمنك إلى شيئك، ليلا يتوهم أن المراد بالثمن العين الذهب والفضة إذ هي الغالب فيه.
لا يدنه، يعني أن تغير بدن الشيء المدفوع في الطعام ليس كتغير سوقه، فإذا أسلمت إليه دابة في طعام فسمنت الدابة أو هزلت، أي طرأ لها ما ذكر بعد المبيع فإنه لا تجوز الإقالة على رأس المال حينئذ قبل قبض الطعام المسلم فيه، لأنها حينئذ بيع مؤتنف ففيه بيع الطعام قبل قبضه، وإلى هذا أشار المص بقوله:
كسمن دابة وهزالها، قال عبد الباقي: لا إن تغير بدنه كسمن دابة وهزالها، فلا تجوز الإقالة لأنها حينئذ بيع مؤتنف لتغير رأس المال فيلزم بيع الطعام قبل قبضه. بخلاف الأمة، يعني أن تغير الأمة بسمن أو هزال لا يفيت الإقالة المذكورة، فإذا جُعِلَت رأسَ المال في الطعام ثم بعد ذلك تغيرت بسمن أو هزال فإنه تجوز الإقالة عليها في ذلك الطعام قبل قبضه؛ قال المواق: من المدونة: لو كان رأس المال جارية فتغيرت في بدنها بهزال أو سمن لم تفت الإقالة، ولو كانت دابة كان السمن والهزال مفيتا للإقالة، لأن الدواب تشترى لشحمها، والرقيق ليسوا كذلك، وقال يحيى: ذلك في الأمة والدابة سواء ولا يجوز؛ ابن يونس: وهو الصواب. انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف تغير الأمة بسمن أو هزال فلا يفيت الإقالة، والعبد أولى. وقال ابن عرفة: الأظهر أن ما يراد من الرقيق للخدمة كالدابة. وقال يحيى: الرقيق والدواب سواء. ابن يونس: وهو الصواب. قاله التتائي؛ وظاهره كانت أمة وطء أم لا، وقولنا: بسمن أو هزال، مثله في المدونة، ويفهم من ذلك أن الأمة لو تغيرت بعور أو قطع عضو لكان ذلك مفيتا وهو ظاهر. قاله أحمد. وولادة الأمة تمنع الإقالة في طعام السلم لتغيرها بزيادة الولد، فإن مات وزال تغير نفاسها جازت. انتهى.
(ومثل مثليك) عطف على بدنه؛ قاله أبو علي. يعني أنه لا تجوز الإقالة في الطعام قبل قبضه إلا على نفس الثمن الذي دفعته فيه، فلو دفعت إليه موزونا أو مكيلا أو معدودا في طعام على الكيل،
стр. 5639
فلا يجوز أن تتقايلا فيه قبل قبضه إلا على عين ما دفعته له، فلا يجوز أن تتقايلا على مثله، قال المواق: من المدونة: لو كان رأس المال عرضا يكال أو يوزن أو يعد، أو طعاما أسلمته في عرض فأقالك، لم يكن لك إلا ذلك بعينه، لأن ذلك يباع لعينه والدراهم لا تباع لعينها، فإن أسلمت إليه دراهم في طعام أو غيره ثم أقالك بعد التفرق ودراهمك في يده، فإن أراد أن يعطيك غيرها مثلها فله ذلك، وإن كرهت اشترطت استرجاعها بعينها أم لا، ابن يونس: لأنه لما قبضها صارت في ذمته، فإذا أعطاك مثلها لم يظلمك، يريد وكذلك في البيع الناجز. ابن يونس: رُويَ أن ابن القاسم رجع عن هذا وهو أحسن. قوله: أو طعاما أسلمته في عرض إلخ، يأتي معناه قريبا إن شاء اللَّه عند قوله: فله دفع مثلها وإن كانت بيده.
إلا العين، يعني أن العين ليست كغيرها من المثليات، فإنه تجوز الإقالة على مثلها في الطعام المكيل قبل قبضه، واعلم أنه لا فرق بين السلم وغيره في هذا، فلا تجوز الإقالة على مثل المثلي في الطعام قبل قبضه، كانت العقدة سلما أم لا، إلا المعين فتجوز الإقالة على مثلها في السلم وغيره.
فله دفع مثلها وإن كانت بيده، يعني أنهما إذا تقايلا في سلم أو في بيع النقد كان المبيع طعاما أو غيره والحال أن الثمن المدفوع دراهم أو دنانير، فإنه يجوز لمن دفعت له العين أن يمسكها ويدفع مثلها لمن خرجت من يده وإن كانت الدراهم أو الدنانير قائمة بيد من دفعت له، ومن المدونة: وكل ما ابتعته مما يكال أو يوزن من طعام أو عرض فقبضته فأتلفته فجائز أن تقيل منه، وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه وبعد أن يكون المثل حاضرا عندك وتدفعه إليه بموضع قبضته وإن حالت الأسواق، وكذلك لو اغتصبته وأتلفته فإنما عليك مثله لا قيمته وإن حال سوقه، وتدفعه إليه بموضع غصبته منه. ابن يونس: وهذا إذا كان الموضع الذي نقله إليه قريبا، وأما إن كان الموضع بعيدا صارت إقالة على تأخير فلا يجوز ذلك. انتهى. وكلام المص فيما إذا أسلم المثلي في طعام، وأما لو أسلم المثلي في غير الطعام فتجوز الإقالة على مثل المثلي. قاله عبد الباقي. وقال: وذكر التتائي أن من أسلم طعاما في عرض لا تجوز الإقالة على مثله، وإنما تجوز على عينه. قال بناني: ومثله في المواق عن المدونة وهو مشكل، إذ لا وجه لمنع الإقالة على المثل في
стр. 5640
طعام أسلم في عَرض؛ وأجاب أبو الحسن بأن معنى ما في المدونة بالنظر إلى المسلم في غير الطعام أنه لا يمضي على البائع إلا برضاه، لا أن معناه لا يجوز. فانظره. انتهى.
والإقالة بيع، يعني أن الإقالة بيع من البيوع يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنع فيها ما يمنع فيه، فلا تصح عند أذان الجمعة، ولا إن أبق العبد المبيع، ويراعَى فيها ما يراعَى في المبيع، فلو وقعت وقت نداء الجمعة فسخت، وظاهر المص في فصل الجمعة حتى في المستثنيات الثلاثة الآتية، ولو حدث بالمبيع عيب وقت ضمان المشتري ولم يعلم به البائع إلا بعد الإقالة فله الرد به، وفي المواق: من المدونة: الإقالة عند مالك بيع حادث في كل شيء. انتهى المراد منه. وقال في المدونة: وإن صارفت رجلا ثم لقيته بعد ذلك فأقلته ودفعت إليه دنانيره وفارقته قبل أن تقبض دراهمك لم يجز، والإقالة هاهنا بيع حادث، وقيل: إن الإقالة فسخ فيه، فينبني على الخلاف لو باع ثمرا بعد زهوه ثم يقيل منه بعد يبسه فإن كانت حَلًّا جاز، لا إن كانت بيعا، لما فيه من اقتضاء الطعام عن ثمن الطعام، فلو فلس المشتري لجاز أخذ اليابس اتفاقا. قاله أبو علي.
إلا في الطعام، يعني أن الإقالة بيع فيما عدا هذه المستثنيات، وهي: الطعام قبل قبضه، فإذا اشتريت طعاما على الكيل أو أسلمت فيه فإنه يجوز لك أن تتقايل فيه مع البائع قبل قبضك له، وليس في ذلك بيع الطعام قبل قبضه للحديث: (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة) (١). فالإقالة في الطعام قبل قبضه حَلٌّ للبيع. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: إلا في الطعام قبل قبضه فليس لها حكمه إن وقعت بمثل الثمن الأول فيه، فإن وقعت بزيادة أو نقص عنه فبيع مؤنتف. انتهى.
والشفعة، يعني أن الإقالة في الشفعة ليست بيعا ولا حل بيع بل هي باطلة شرعا، فهي كالمعدوم حسا، والشفعة مرتبة على المبيع الأول، والعهدة فيها على المشتري الأول. والمرابحة، يعني أن الإقالة ليست بيعا في المرابحة. قال عبد الباقي: فإذا اشترى شيئا بعشرة مثلا وباعه مرابحة بخمسة عشر، ثم تقايلا على الثمن الثاني فلا يبيع به مرابحة إلا مع بيان الإقالة، لأنها غير