الحطاب هنا عن ابن رشد من الخيار هو الموافق لا قدمه الزرقاني نفسه في باب الخيار عند قول المص: "وتلف بعضه واستحقاقه كعيب به" من أن المبيع إذا كان متحدا واستحق منه بعض معين، فإن كان المستحق النصف فأقل خير المبتاع وإن استحق الأكثر حرم التمسك بالأقل، وأن محل لزوم التمسك بالباقي إن كان النصف فأكثر إنما هو في البيع المتعدد، ولا شك أن ما هنا من قبيل المتحد وأن الجب أو البيرَ من قبيل الأقل. فتأمله تعلم أنه لا معارضة.
الغرناطي: من اشترى حوتا فوجد في بطنه لؤلؤة، فإن كانت مثقوبة فلقطة وإلا فقيل للبائع وهو الصواب وقيل للمشتري، وتقدم في التتائي أنه إن اشترى وزنا فللمشتري وجزافا فللبائع والمثقوبة لقطة. انتهى المراد منه. وإذا كانت لقطة فتُعرَّف سنة على حكم اللقطة الآتية. قال ابن سلمون: وفي نوازل ابن الحاج: من صاد حوتا فباعه فوجد المبتاع في جوفه لؤلؤة، قال: إن كانت مما يصح أنها ملكت مثل أن تكون مثقوبة فهي كاللقطة ويعرفها وليست للبائع ولا للمشتري، وإن لم تكن مثقوبة ففيها الخلاف وذكره. انتهى.
والمراد بالبائع الصائدُ أو وارثه، وإذا تعدد البيع ولم يطلع عليها إلا المشتري الأخير فالقولان جاريان أيضا، لكن هل للصائد أو وارثه أو للمشتري الأخير الذي اطلع عليها؟ انظر الرهوني. وإذا وهب الحوت أو تصدق به فوُجِدَ في بطنه حوتٌ فهل يجري القولان أو يكون للواهب اتفاقا؟ وهذا هو الظاهر، وإذا ذهبنا على القول بأنها للصائد أو وارثه وجهل فهل تكون لقطة أو تجعل في بيت المال والظاهر الثاني؟ قاله الرهوني. وقال: قال ابن غازي: لو قال ولو جهل لكان أجرى على اصطلاحه أي ليشير بلو لرد الخلاف المذهبي، فقد قال ابن سلمون بعد ما قدمناه عنه يعني قوله فيما مر يكون للبائع مع يمينه إن ادعاه وأشبه أن يملكه ما نصه: وقال محمد بن دينار: إن ذلك يكون للمبتاع وهو قول سحنون في نوازله، وقول ابن حبيب في الواضحة. انتهى.
ولا الشجرُ المؤبرَ يعني أن من اشترى نخلا قد أبرت فإن ذلك لا يتناول ثمرها المؤبر كلُّهُ أو أكثره فهو بالرفع عطف على الضمير المستكن في المؤبر المؤكد بكله والتأبير خاص بالنخل وهو كما في الصحاح تعليق طلع الذكر على الأنثى ليلا تسقط ثمرتها وهو اللقاح. الباجي: والتأبير في التين وما لا زهو له أن تبرز جميع الثمر عن موضعها وتتميز عن أصلها، وأما الزرع فإباره أن يظهر على وجه الأرض وسواء اشترى الشجر فقط أو دخل ضمنا بأن اشترى أرضا بها شجر فيه ثمر
стр. 5672
مؤبر، وَإيضاح هذا أن من باع شجرا وفيه ثمر قد أبر كله أو أبر أكثره يكون الثمر للبائع، وذلك شامل لما إذا باع أرضا وفيها ثمر مؤبر، وفتوى ابن الفخار وابن عتاب بدخول الثمار في العقد خارجة عن هذا، لأن محل فتواهما إذا كان في الوثيقة لفظ عام يشمل الثمرة مثل اشترى فلان من فلان جميع ما حوته أملاكه فهي عندهما مما اشترطه المبتاع، وأما إذا باع أرضا فيها شجر من غير لفظ فدخلت الشجرة ضمنا فقد صرح في الجلاب بعدم دخول الثمار وهو في المواق، وبهذا بحث ابن عرفة مع المتيطى وأطال فيه، ومثله يرد على المواق وهو ظاهر. قاله بناني.
وقوى الرهوني كلام بناني هذا غاية ورد ما للمتيطى ومن وافقه كابن رشد، وقال بعد جلب كثير من المنقول: فَتَحَصَّلَ أن اعتراض ابن عرفة على المتيطى صحيح متجه وأن من اعترض عليه كائنا من كان لا يلتفت إليه، وقال: إن من تأمل وأنصف ظهر له أن كلام ابن عرفة هو الحق. انتهى. ومفهوم كلام المص أن الثمر غير المؤبر أو المؤبر أقله يتناوله العقد فيكون للمشتري وهو كذلك وإن أبر النصف فسياتي وليس للبائع اشتراط غير المؤبر، كما لا يجوز اشتراط الجنين وقد مر ذلك قريبا، والقول للبائع في التأبير عند العقد إن نازعه المشتري وادعى حدوثه بعده. قاله ابن المواز. وقيل: القول للمبتاع وهو قول إسماعيل.
إلا بشرط يعني أن العقد لا يتناول الشجر المؤبر كما عرفت وذلك حيث لم يشترط المشتري دخوله، وأما إن اشترط المشتري دخوله فإنه يكون له، قال الشارح: يريد أن من باع نخلا وفيها ثمَرٌ مؤبر كله أو أكثره فإنه لا يدخل في عقد البيع ولا يستحقه المشتري إلا إذا اشترطه لنفسه، والأصل في ذلك ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) (١) متفق عليه، يقال: أبرت النخل بفتح الباء مخففا ءابره بضم الباء وكسرها أبرا وابارا مخففا فهي مأبورة، وأبَّرتها بتشديد الباء أُؤَبِّرها تأبيرا وإبارا فهي مؤبرة، واختلف في معناه فقيل هو تعليق طلع الذكر على الأنثى ليلا تسقط ثمرتها وهو اللقاح. قاله في الإكمال. وقال ابن حبيب: هو شق الطلع عن التمر. انتهى.
стр. 5673
وقال عبد الباقي: إلا بشرط من المبتاع لجميع ما أبر ولا يجوز شرط بعضه لأنه قصد لبيع الثمار قبل بدو صلاحها بخلاف شرط بعض المزهي، وكذا لا يجوز شرطها إن ابتاع أصولها بطعام أو شراب أبرت أم لا إلا إن شرط الجذ مكانه. قاله الباجي. قال الأجهوري: وانظر ما وجه منع ابتياعه بطعام لأجل مع أنه قبل بدو صلاحه غير طعام. انتهى. قال عبد الباقي: ولعله اتهامهما على بيع طعام بطعام لأجل. انتهى. وقوله: أو شراب يحمل على غير الماء كخل أو نبيذ أو لبن ويكون من عطف الخاص على العام. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال عبد الباقي: وقد يتوقف في منع اشتراط ذلك مع ما يأتي في قوله: "وقبله مع أصله أو ألحق به" وكذا لا يجوز شرط بعض مال العبد وبعض حلية السيف ولا أن تباع الأرض فيها زرع صغير بطعام خلافا لسحنون وعبد الملك، وقولهما هو القياس. قاله عبد الباقي. ويأتي بحث بناني في بعض مال العبد حيث اشترطه السيد لنفسه. واعلم أن قوله في الحديث: إلا أن يشترطه المبتاع يشمل بحسب العموم من باع دارا بما فيها من النخل وفيها الثمر المؤبر. واللَّه أعلم. انظر الرهوني.
كالمنعقد يعني أن من اشترى ما فيه ثمر من غير النخل وهو أي الثمر منعقد فإن العقد لا يتناوله بل يكون للبائع ولو كان غير منعقد لتناوله العقد فيكون للمشتري، وقوله: "كالمنعقد" يعني إلا أن يشترطه المبتاع كما يفيده التشبيه فالانعقاد في غير النخل كالتأبير في النخل، قال عبد الباقي: كالمنعقد من غير (ثمر) (١) النخل كخوخ وهو ما برزت فيه الثمرة من موضعها وتميزت عن أصلها، فلا يدخل في شراء أصله إلا بشرط. انتهى. وقوله: "كالمنعقد" وأما غير المنعقد فهو للمشتري كما عرفت ولا يجوز للبائع اشتراطه.
ومال العبد عطف على مدخول الكاف يعني أن العبد الكامل الرق لمالك واحد لا يتناول العقد عليه ماله، فيكون للبائع إلا أن يشترطه المشتري لنفسه أو للعبد فيكون لمن اشْتُرِط له، فإذا اشترطه للعبد فإنه يبقى بيده حتى ينتزعه المشتري، ويجوز حينئذ أي حين اشترطه للعبد ومال العبد دراهم أو دنانير أن يشتريه بالعين نقدا أو إلى أجل، قال في المدونة: ومن اشترى عبدا
стр. 5674
واستثنى ماله وماله دنانير ودراهم ودين وعروض ورقيق بدراهم نقدا أو إلى أجل فذلك جائز. انتهى.
أبو الحسن: قال ابن يونس: لأنه إنما استثناه للعبد لا لنفسه ولو استثناه لنفسه لم يجز، وقاله جماعة من البغداديين. انتهى. ونحوه في القلشاني عن ابن رشد، ونصه: قال ابن رشد: ويجوز لمشتري العبد أن يستثنيَ ماله ولو كان عينا وسماه، والثمن عين ولو كان إلى أجل لأنه للعبد لا للمبتاع وهو بيِّن من قول مالك في الموطإ، ثم قال ابن رشد: ولو اشترط مشتري العبد ماله لنفسه لا للعبد لم يجز أن يشتريه إلا بما يجوز به بيعه وهو لابن رشد في رسم البيوع الثاني من سماع ابن القاسم ويؤخذ منه أنه عند الإبهام يحمل على أنه للعبد ويصح البيع خلاف قول ابن أبي زيد بالفسخ عند الإبهام.
وعلم مما مر أنه إذا اشترطه المشتري لنفسه فيشترط كونه معلوما وبيعه بما يجوز بيعه به، ولا فرق حينئذ بين اشتراط الكل أو البعض وإنما يظهر التقييد به أي بالبعض إذا جعل المال للعبد وفقدت الشروط. واللَّه أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقولي لمالك واحد وأما إذا كان لمالكين فإن باعه أحد الشريكين من شريكه فلا اختلاف في جواز البيع، استثنى المبتاع ماله أو لم يستثنه؛ لأنه إن لم يستثنه بقي النصف للبائع فكان ذلك مقاسمة له كما قال سحنون، وأما إذا باعه من غير شريكه ولم يستثن المبتاع ماله فقيل إن البيع فاسد وهو قول مالك في هذه الرواية وفي سماع أشهب في كتاب الشركة، وقيل إن البيع يفسخ إلا أن يرضى البائع أن يسلم ماله للمبتاع وهو دليل ما في رسم العارية لخ. نقله بناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: يفهم من هذا أنه لو استثناه المشتري في المسألتين لصح ذلك. واللَّه سبحانه أعلم. ولو باعه الشريكان معا فالظاهر أنه للبائع إلا أن يشترط المشتري ماله خلاف ما لعبد الباقي والخرشي، وقد رد بناني ما قالاه. واللَّه سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ولا يجوز بيع عبدين واستثناء مال أحدهما. انتهى. وقولي: الكامل الرق قاله عبد الباقي، وقال احترازا عن المبعض إذا بيع ما فيه من الرق فإن ماله يبقى بيده ولا ينتزعه مشتر ولا بائع اتحد أو تعدد وينفق منه على نفسه يوم حريته، فإن مات ولو يومها أخذ التمسك بالرق جميع ملكه ولو كان له وارث حي يحوز جميع المال.
стр. 5675
فَرْعٌ: من ابتاع عبدا واستثنى ماله فهلك ثم رد العبد بعيب أو استحق فإنه يرجع بجميع ثمنه ولا يحط لمال العبد شيء. قاله المص. أي إذا هلك المال قبل أن ينتزعه المبتاع وإلا فضمانه منه.
وخلفة القصيل عطف على مدخول الكاف، والقصيل ما يقصل أي يجذ، والخلفة هنا ما يخلف ما جذ أي ينبت في مكان ما قطع، وقال الخرشي: قال الجوهري: الخلفة اختلاف الليل والنهار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ والخلفة نبت ينبت بعد النبات الذي تهشم، وقال في التنبيهات: الخلفة بكسر الخاء ما يخلف من الزرع بعد جذه وكل شيء خلف شيئا فهو خلفته. انتهى. يعني أن من اشترى من الزرع ما يبلغ حد الانتفاع فإنه لا تدخل في ذلك خلفته أي ما يخلفه بعد قطعه إلا بشرط، قال الخرشي: والمعنى أن العقد على القصيل كالقضب والقرط وما أشبه ذلك لا يتناول خلفته ولا يكون للمشتري إلا بالشرط. انتهى.
وقال الشارح: يعني ولا يدخل أيضا خلفة القصيل معه إذا وقع العقد عليه من غير ذكر الخلفة إلا بالشرط. انتهى. وقال التتائي: وخلفة القصيل بالجذ لا تندرج في العقد عليه وليس له غير الجزة الأولى إلا لشرط. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف على المنعقد قوله: "وخلفة القصيل" أي ما يقصل ويجذ وخلفته بكسر الخاء ما يخلف من الزرع بعد حصده، أي إذا عقد على قصيل كقضب وقرط وبريسيم مرءيا فلا يندرج فيه خلفته، وليس للمشتري إلا الجذة الأولى التي وقع العقد عليها إلا بشرط من المشتري فله. انتهى.
واعلم أنه يشترط في جواز شراء القصيل كما يأتي أن يبلغ حد الانتفاع، وأن لا يشترط تركه إلى أن يحبب لأنه يؤدي إلى بيع الحب قبل بدو صلاحه، فلا يجوز بيعه إلا على القطع، وإذا كان هذان الشرطان في جواز شراء أصل الخلفة فلا يحسن جعلهما في جواز اشتراط الخلفة، لأن جواز اشتراط الخلفة؛ فرع عن جواز شراء الأصل، ويشترط في جواز اشتراط الخلفة أن تكون مأمونة كبلد سقي بغير مطر وأن تشترط الخلفة كلها، وأن لا يشترط تركها إلى أن تحبب فلجواز اشتراطها شروط ثلاثة، قال في المدونة: وإذا خرج القصيل من الأرض ولم يبلغ أن يرعى أو يحصد لم يجز شراؤه، ويشترط أن يتركه حتى يبلغ أن يرعى أو يحصد ولا يجوز شراء قصيل أو قرط أو قضب قد بلغ أن يرعى أو يحصد على أن يتركه حتى يحبب أو يقضب أو يتركه شهرا
стр. 5676
إلا أن يبتدئ الآن في قصله فيتأخر شهرا وهو دائم فيه، فأما تأخيره لزيادة نبات فلا يجوز. انتهى.
أبو الحسن: قوله لم يجز شراؤه ظاهره شرط أن يتركه حتى يبلغ أن يرعى أم لا؛ لأنه إن لم يشترط ذلك كان في ذلك فساد المال وإن شرط ذلك كان في ذلك الغرر، ومثل اشتراط الخلفة اشتراؤها بعد أن اشترى أصلها فتشترط الشروط المتقدمة كلها، وفي كلام عبد الباقي هنا نظر، وقال المواق من المدونة: يجوز لمن اشترى جزة من القصيل اشتراء خلفته بعد ذلك ولا يجوز ذلك لغيره. ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إنما يجوز شراء الخلفة بعد الرأس إذا كان مشتري الرأس لم يجزه حتى اشترى الخلفة، وأما إن جز الرأس ثم أراد شراء الخلفة فهو وغيره سواء لا يجوز له ذلك لأنه غرر منفرد، والأول قد أضافه إلى أصل فاستخف لأنه في حيز التبع. انتهى. وفي الخرشي: والمراد بالقصيل ما يقصل أي يرعى طريا فيدخل البريسيم والقضب والقرط والبقل والعنب وإن كان القصيل نوعا خاصا من العشب.
وإن أبر النصف فلكل حكمه يعني أنه إذا باع الشجر المؤبر نصفه أو المنعقد نصفه فإنه يكون للنصف المؤبر أو المنعقد حكم ذلك، فلا يتناول العقد عليه ثمره المؤبر أو المنعقد ولغيره حكم غير المؤبر والمنعقد، فيكون للمشتري النصف الذي لم يؤبر ثمره أو لم ينعقد، قال الشارح: ذكر المص هنا أن المؤبر إذا كان متساويا مع غيره بأن كانا نصفين أن لكل واحد حكم حصته، فيكون المؤبر للبائع إلا أن يشترطه المبتاع. انتهى. وقال الخرشي: وإن أبر النصف أو انعقد النصف أوما قاربهما فما أبر أو انعقد للبائع إلا لشرط. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن أبر أو انعقد النصف أو ما قاربه فلكل حكمه، فما أبر أو انعقد للبائع إلا بشرط ومقابله يعني ما لم يؤبر وما لم ينعقد للمبتاع، وقد مر أن ما لم يؤبر وما لم ينعقد لا يجوز للبائع اشتراطه، كما لا يجوز له اشتراط الجنين وهذا هو المشهور، ومقابله صححه اللخمي واعتمده في الشامل إذ قال: وجاز لبائع شرط ما لم يؤبر على الأصح وشهر. انتهى.
قال الشيخ محمد بن الحسن: لكن تقدم أن المشهور خلافه، وعلم مما مر أن الأقسام ثلاثة: أبر كله أو جله فهو للبائع إلا بشرط، لم يؤبر شيء منه أو لم ينعقد أو أبر الأقل أو انعقد فللمشتري، ولا يجوز للبائع اشتراطه على المشهور، أبر النصف فلكل حكمه، وقوله: "وإن أبر النصف فلكل
стр. 5677
حكمه" قال عبد الباقي: وهذا إذا كان المؤبر أو المنعقد في نخلات وأشجار بعينها وغيره في نخلات وأشجار بعينها، وإلا بأن كان شائعا فهل كله للبائع أو للمبتاع أو يخير البائع في تسليم جميع الثمرة وفي فسخ البيع أو البيع مفسوخ؟ أربعة أقوال. قال عبد الباقي: ولابن العطار خامس، قال: وبه القضاء وهو أن البيع لا يجوز إلا برضى أحدهما بتسليم الجميع للآخر. انتهى. قال الرهوني عن التاودي: الأقوال أربعة والقول الخامس هو الثالث بعينه، ثم قال بعد كلام: فما قاله التاودي هو الصواب. انتهى. وفيه بحث. واللَّه سبحانه أعلم.
ولكليهما السقيُ الضمير للبائع والمشتري يعني أن لِبائعِ الأصلِ -وَالثمرةُ له- أن يسقيَ إلى الوقت الذي جرت العادة بجذ الثمرة فيه، كما أن للمبتاع أن يسقي أصله ما لم يضر بالآخر أي للمشتري أن يسقي أصله ما لم يضر السقي بثمر البائع فلا يفعل ما يضر به، وظاهر المص أن للبائع أن يسقي ثمره ما لم يضر بأصل المشتري، قال بناني: لحوق الضرر للمبتاع بعيد لأنه إنما يلحقه بتضرر أصوله وتضرر الأصول بسقي ثمرها بعيد، وإنما يتوقع الضرر بالثمرة. انتهى. وكلام عبد الباقي يشمل صورتين: بيع الثمرة دون الأصل وبيع الأصل دون الثمرة، قال بناني: وموضوع كلامهم هنا إنما هو في بيع الأصل دون الثمرة، فلو اقتصر عليها لكان أولى وعلى أن المص شامل لصورتين يكون المعنى ما لم يضر سقي صاحب الأصل من بائع أو مشتر بثمر الآخر، وما لم يضر سقي صاحب الثمر من بائع أو مشتر بأصل الآخر، وقد علمت أن لحوق الضرر للأصل بسقي الثمر بعيد. واللَّه سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: ومفهوم قوله "ما لم يضر بالآخر" المنع إن ضر سقي أحدهما بالآخر، كما إذا كان السقي في وقت ينفع الأصول ويضر بالثمرة وفي وقت آخر بالعكس، بل يتصور في وقت واحد أن السقي إن كثر نفع الأصل وضر ثمره، وإن قل نفع الثمر وضر الأصل. انتهى.
قال المص: ولو تقاوم الضرران فإني لم أر فيه شيئا، وللشافعية فيه أقوال قيل يقدم البائع أي يسقي ولو تلف ما للمبتاع وقيل المبتاع وقيل إذا تساوى الضرران يفسخ إن لم يصطلحا. انتهى. قلت: وقد نص أيمتنا على ما تندرج هذه فيه وهو إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما، فإن تساويا فإن لم يصطلحا على شيء باع الحاكم عليهما أو على أحدهما بنظره. انتهى. وقال عبد الباقي في تقرير المص: ولكليهما أي البائع والمشتري كما في توضيحه عن شيخه وابن راشد وغيرهما والأصل
стр. 5678
لأحدهما والثمرة للآخر أو بينهما، وقوله: "ولكليهما السقي" لخ سيأتي للمص في باب القسمة ما نصه: "وسقى ذو الأصل كبائعه المستثنى ثمرته حتى يسلم"، ونحوه قول المدونة السقي على البائع حتى يسلم الأصول لمشتريها فما في القسمة في مئونة السقي على من يكون الماء وجلبه إن احتاج إلى نفقة، وما هنا في ما وراء ذلك هل يمكن منه مريد السقي أو لا. نقله الرهوني عن التاودي. وأصله لابن عاشر وأحاله على التوضيح، قال الرهوني: وهو واضح. واللَّه سبحانه أعلم. والدار الثابت يعني أن العقد على الدار يتناول الشيء الثابت فيها، قال عبد الباقي: وتناولت الدار المبيعة أو المكتراة الثابت فيها بالفعل حين العقد لا غيره وإن كان شأنه الثبوت، ومثل له بقوله: كباب غير مخلوع ورف غير مخلوع لا مخلوع من باب أورف ولا مهيأ بدار جديدة لها قبل تركيبه كما يفيده ابن عرفة خلافا لما استظهره بعض مشايخ الأجهوري، ولا ما بينقل من دلو وبكرة وصخر وتراب معد لإصلاحها ومنهدم وحجر وخشب وسارية فللبائع والمكري إلا لشرط وللبائع أيضا أزيار ونحوها وحيوان بها، فإن لم يمكن إخراجه من بابها إلا بهدمه لم يقض على المبتاع بهدمه ويكسر ربه جراره ويذبح حيوانه. قاله ابن عبد الحكم.
أبو عمران: الاستحسان هدمه وَيَبْنِيهِ البائع إذا كان لا يبقى به بعد بنائه عيب ينقص الدار وإلا قيل للمبتاع: أعطه قيمة متاعه، فإن أبى قيل للبائع اهْدِمْ وابْن وَأَعْطِ قيمةَ العيب، فإن أبى تركا حتى يصطلحا، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن علم المبتاع حال العقد لزمه إخراجها وإلا فإن كان الهدم يسيرا فعله وأصلح، قال في المعونة: وجواب أبي بكر بن عبد الرحمن أكمل وأبين، وقد رأيته لابن أبي زمنين في ثور أدخل قرنيه بين غصني شجرة ولم يقدر على إخراجه من ذلك إلا بقطع الغصن أنه يقطع ويؤدي رب الثور قيمته. انتهى. وقد تقرر أنه إذا اجتمع الضرران وتساويا فإن لم يصطلحا فعل الحاكم ما يزيل ذلك وعند اختلافهما يرتكب أخفهما. قاله عبد الباقي.
والبكرة الخشبة التي يسقى عليها. وقوله: وللبائع أزيار أي إذا لم تكن مبنية بها. قاله بناني. وقال المواق: ابن شأس: لا يندرج تحت الدار المنقولات وتندرج الثوابت كالأبواب والرفرف (١) والسلاليم المثبتة بالمسامير. ابن عرفة: كل ما في الدار البيعة حين العقد مما ينقل من ولو وبكرة
стр. 5679
وباب وحجر وتراب كان معدا لإصلاح الدار وما انهدم منها فهو لبائعها لا لمبتاعها إلا لشرط، وكذا قال ابن فتوح وغيره. ابن عرفة: ونحوه قولها: ما كان ملقى في الأرض من حجر أو باب أو خشبة أو سارية فالقول قول المكتري فيه. وسئل ابن القاسم عن دار بيعت وفيها نقض لرجل هو فيها بكراء وأبواب في بيوت الدار، فقال المشتري وجب لي كل ما في الدار؟ فقال ابن القاسم: أرى الأبواب والنقض للمكتري. ابن رشد: إن كانت له بينة ولو ادعى النقض المبني في الدار والأبواب غير مركبة لما دخلت في البيع ولكانت للمكتري بيعت الدار أو لم تبع مع يمينه إن ادعاها صاحب الدار. انتهى.
والرف شبه الطاق يجعل عليه طرائف البيت والرفرف من معانيه الروشن وهو المناسب هنا. واللَّه سبحانه أعلم. وفي القاموس: الزير الزر إلى أن قال جمعه أزيار، ومن معاني الزر أنه خشبة من خشب الخباء.
فرعان: الأول: قال المتيطى: حد المبيع دارا أو أرضا منه كحدها الشرقي شجرة كذا فتدخل الشجرة إن لم يصرح بضده كحدها القبلي دار فلان.
الثاني: إذا وقع من البائع أو في الوثيقة عموم وخصوص فالمنظور إليه العموم وإن تقدم، كبعته جميع أملاكي بقرية كذا وهي الدار والحانوت مثلا وله غيرهما فهو للمبتاع أيضا، وكذا بعته جميع ما أملك من هذه الدار وهو الربع فإذا لَه أكثرُ فإن له الجميع، ولا يكون ذكر الخاص بعد العام مخصصا له لأن الخاص الذي يقيد العام شرطه أن يكون منافيا له والأمر هنا بخلافه. قاله الشيخ عبد الباقي.
ورحى مبنية بفوقانيتها عطف على قوله: "باب"، والمعنى أن العقد على الدار يتناول الرحا المبنية مع التي فوقها، فالمراد بالرحى المبنية السفلى وأطلقها عليها تجوزا وإلا فهي في الحقيقة اسم للعليا والسفلى، وعليه فقوله: "بفوقانيتها" يقال عليه إنه غير محتاج إليه، والجواب أنه قصد به الرد على القول المفصل بين الأعلى والأسفل. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. وسلم سمر يعني أن العقد على الدار يتناول الثابت فيها كالسلم المسَمَّر والسلم ما يطلع به.
وفي غيره قولان يعني أن السلم غير المسَمَّر جرى فيه قولان قيل العقد على الدار يتناوله وقيل لا يتناوله إلا بشرط، الأول لابن العطار وابن زرب، والقول بأنه لا يتناوله لابن عات. ابن رشد:
стр. 5680
قول ابن العطار إن السلم للمبتاع غير صحيح، واحترز المص بالرحى المبنية من غيرها، فإن العقد على الدار لا يتناولها. قال المواق: سئل ابن عات عمن باع دارا فيها مطاحين لم تذكر في البيع؟ فقال: إن كانت مبنية فهي للمبتاع وكذلك الدرج المبني، وإن كانت غير مبنية فهي للبائع، وقوله: "بفوقانيتها" خلافا لابن العطار القائل إنما يتناول العقد على الدار السفلى فقط، قال عبد الباقي: وإنما جرى في هذا يعني السلم غير المسمر قولان دون الباب الملقى بها المقلوع من محل فيها، لأن ترك إعادته لمحله مظنة عدم الحاجة له بخلاف السلم فإنه مظنة الحاجة وإن لم يسمر.
والعبد ثياب مهنته عطف على البناء والأرض، يعني أن العقد على العبد يتناول ثياب مَهنته بفتح الميم على الأفصح وهي ثياب الخدمة، قال عبد الباقي: وتناول العبد يعني العقد عليه الرقيق ولو أمة ثيابَ مَهنته بفتح الميم على الأفصح وسكون الهاء ثياب الخدمة التي عليه وحدها أو مع ثياب الزينة أو عليه ثياب الزينة فقط فتجب له ثياب مهنته وإن لم تكن عنده كما يفيده نقل المواق، وأما ثياب الزينة فلا تدخل إلا بشرط أو عرف يعني أنه إذا لم تكن عليه إلا ثياب الزينة فإنها تكون للبائع، وعليه أن يكسو العبد ثياب المهنة التي تصلح لمثله، وقيل لا يجب ذلك عليه إذا لم يشترطه المبتاع، فإن اشترطه المبتاع لزم البائع، سمع ابن القاسم: إن بيعت الجارية وعليها حلي وثياب لم يشترطها بائع ولا مبتاع فهي للبائع وما لا تتزين به فهو لها. ابن رشد: إذا كان الثياب والحلي للبائع لزمه أن يكسوها كسوة مثله البذلة، وقيل لا يجب ذلك عليه إن لم يشترطه المبتاع، فإن اشترطه لزمه. انتهى. ونقله المواق وظاهره ترجيح القول الأول وما في الشارح من تقييد لزوم البائع ثيابُ المهنة بما إذا كانت على العبد حال البيع، وأصله لابن شأس وابن الحاجب وأقره المص وابن عبد السلام هو مقتضى القول الثاني، وأنكر مصطفى وجود هذا الخلاف وهو قصور. قاله بناني. وهل يوفى بشرط عدمها يعني أنه اختلف إذا باع العبد أو الجارية واشترط أنه يبيعه على أن لا ثياب مهنة له، هل يُوفىَ له بذلك ويسلمه للمشتري عريانا بلا ثياب مهنة وهذا القول هو الأظهر عند ابن رشد: قال ابن رشد: وهو القياس وبه مضت الفتوى أولا يُوفى له بذلك، فالشرط باطل والبيع صحيح. من المدونة قال مالك: إن اشترط بيع الجارية عريانة أو شرط في العبد ذلك فالبيع جائز والشرط باطل، ويقضى عليه بما يواريها من
стр. 5681
الثياب وصحح هذا القول تردد، فالتردد الآتي إنما هو راجع لهذه المسألة، كما أن قوله الآتي: "وصحح" راجع لقوله: "أو لا" وفي بينهما نظائر راجعة لقوله: "أو لا" خارجة عن التردد. واللَّه سبحانه أعلم.
قال عبد الباقي: وشبه في هذا الثاني ست مسائل أَوَّلُها قوله: كمشترط زكاة ما لم يطب يعني أن من اشترى ثمرا لم يبد صلاحه أو زرعا أخضر مع أصله وشرط أن الزكاة على البائع، فإن العقد صحيح والشرط باطل فالزكاة على المشتري، قال الخرشي: واعترض الحطاب كلام المؤلف بأن الذي في المستخرجة وابن يونس وابن رشد وأبي الحسن وصاحب النوادر والطراز فساد البيع ولم يصرح أحد بصحة البيع وبطلان الشرط غير المؤلف في توضيحه. انتهى. ونحوه لعبد الباقي وغيره، ونص عبد الباقي واعترضه الحطاب في التزاماته بأنه لم ير صحة البيع وبطلان الشرط لغير المص في مختصره وتوضيحه، وأن الذي في كلام أهل المذهب فساد البيع أي لأنه يؤدي لجهل الثمن إذ لا يدري في يفضل له منه لو زكى. انتهى.
ثَانِيهَا: قوله: وأن لا عهدة يعني أن العهدتين عهدة الثلاث وعهدة السنة إذا اعتيدتا أو حمل الناسَ السلطانُ عليهما وبيع الرقيق على أن لا عهدة ثلاث أو سنة فيه فإن البيع صحيح والشرط باطل، فللمشتري الرد في عهدة الثلاث بكل حادث وله الرد في عهدة السنة بالجذام والبرص والجنون: والذي اختاره اللخمي أنه يصعح البيع ويوفى بالشرط ولا عهدة عليه، وذكر الحطاب في التزاماته أن الذي. المص قول قوي. قاله بناني. وفسر المص بأن المراد بقوله: "وأن لا عهدة" عهدة الإسلام وهي الرجوع بالثمن عند ظهور العيب والاستحقاق، فيصح البيع ويبطل الشرط فله الرجوع بالثمن. ظهور الاستحقاق وله القيام بالعيب، وهذا الأخير إنما يأتي في غير الرقيق أو في الرقيق الذي لم تطل إقامته عند البائع على ما مر في قوله: "وتبري غيرهما فيه" لخ. واللَّه سبحانه أعلم. وقال الحطاب في التزاماته: وأما إذا أسقط المشتري حقه من القيام بالعيب بعد العقد وقبل ظهور العيب، فقال الشيخ أبو الحسن في كتاب الاستبراء في مسألة إسقاط المواضعة بعد العقد: يقوم من هنا أن من تطوع بعد العقد بأن لا قيام له بعيب يظهر في المبيع أنه يلزمه، سواء كان مما تجوز منه البراءة أم لا، وفي كتاب ابن المواز فرق بين في تجوز منه البراءة وما لا
стр. 5682
تجوز منه البراءة، ونحوه في كتاب الصلح من المدونة، قال أبو محمد صالح: الفرق بينهما أن مسألة الاستبراء بغير عوض وما في كتاب الصلح وكتاب ابن المواز بعوض، وَوَجَّهَه الحطاب بأنه إذا أسقطه بعوض فهي معاوضة مجهولة؛ لأن المشتري لا يدري ما يظهر له من العيوب، وأما إذا أسقطه بغير عوض فلا محظور فيه. انتهى. نقله بناني.
ثَالِثُهَا: قوله: وإن لا مواضعة يعني أنه إذا باع الأمة التي حكم الشرع بمواضعتها ودخلا عند البيع على أنها لا تتواضع فإن البيع صحيح والشرط باطل، قال ابن رشد: إن باعها بشرط ترك المواضعة فالبيع جائز والشرط باطل ويحكم بينهما بالمواضعة. انتهى. لأنه حق للَّه تعلى فليس لأحد إسقاطه. قاله غير واحد.
رَابعُهَا: قوله: أو لا جائحة يعني أنه إذا باع ثمرا واشترط البائع على المشتري أنه إذا أجيح لا يوضع عن المشتري شيء من الثمن، فإنه يصح البيع ويبطل الشرط فيوضع من الثمن عن المشتري بحسب ما أجيح على الكيفية الآتية، قال عبد الباقي عند قوله: "أو لا جائحة": ظاهره ولو فيما عادته أن يجاح، وفي أبي الحسن أنه يفسد العقد فيه لزيادة الغرر.
خَامِسُهَا: قوله: أو إن لم يأت بالثمن لكذا فلا بيع يعني أنه إذا وقع البيع بينهما على شرط أنه إن لم يأت بالثمن لكذا أي للوقت الفلاني فلا بيع بينهما، أو أنه إن أتى بالثمن لذلك الوقت فالبيع ثابت بينهما، فإن البيع صحيح ويبطل الشرط، قال في المدونة: ومن اشترى سلعة على أنه إن لم ينقد ثمنها إلى ثلاثة أيام وفي موضع آخر إلى عشرة أيام فلا بيع بينهما، ولا يعجبني أن يعقد على هذا فإن نزل ذلك جاز البيع وبطل الشرط وغرم الثمن الذي اشترى به. انتهى. قال بناني: فدل كلامها على أن البيع انعقد على هذا الشرط لا قبله، وقوله: "أو إن لم يأت بالثمن لكذا" قال عبد الباقي: ويكون الثمن مؤجلا للأجل الذي سمياه، قال بناني: قال عياض: حمل المدونة على هذا أكثرهم، وظاهرها أن المشتري يجبر على نقد الثمن في الحال. انتهى. قال الشيخ أبو الطاهر بن بشير: اختلف فيمن باع سلعة بثمن على أنه إن لم يأت به إلى أجل كذا فلا بيع بينهما على ثلاثة أقوال، أحَدُهَا: أن البيع باطل، الثَّانِي: أن البيع صحيح ويوفى بالشرط، الثَّالِثُ: أن البيع صحيح والشرط باطل، وفي المذهب قول رَابعٌ: أن ذلك جائز فيما لا يسرع إليه
стр. 5683
التغير كالرباع وما أشبهها، ومكروه فيما يسرع فيه التغير. انتهى، سَادِسُهَا: قوله أو ما لا غرض فيه ولا مالية يعني أنه إذا باع شيئا واشترط المشتري فيه شرطا لا غرض فيه ولا مالية فإنه يبطل الشرط ويصح البيع كاشتراط كون الأمة نصرانية فتوجد مسلمة، ولم يكن ذلك الشرط لأجل تزويجها بعبده النصراني كما مر فيصح البيع ويبطل الشرط.
وقوله: وصحح راجع لقوله: "أو لا" أي وصحح القول الثاني وقرر المواق أنه الراجح. قاله عبد الباقي. وقوله: تردد فيما قبل التشبيه، وقد مر عند قول المص: كبيع وشرط لخ تقسيم ابن رشد للشروط إلى أربعة أقسام فراجعه إن شئت.
ولما قدم أنه يدخل البذر والثمر غير المؤبر في العقد على أصلهما دون الزرع والمؤبر شرع في الكلام على بيعهما منفردين، فقال: وصح بيع ثمر ونحوه بدا صلاحه يعني أن الثمر ونحوه كالرمان والخوخ والتين والعنب والقمح والشعير والدخن والذرة والفول والخس والكراث وما أشبه ذلك يصح بيعه إذا بدا صلاحه، قال عبد الباقي: وصح بيع ثمر بمثلثة ونحوه كقمح وشعير وفول وخس وكراث بدا صلاحه بيبس حب وقرطم وبانتفاع بكعصفر. انتهى.
وقال المواق: في الموطإ: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدوَ صلاحها نهى البائع والمشتري) (١)، قال مالك: وبيع الثمار قبل بدو صلاحها من بيع الغرر. انتهى.
إن لم يستتر يعني أن الثمار ونحوها إذا بدا صلاحها فإنه يجوز بيعها حيث لم يستتر الثمر بأكمامه، فإن استتر بها كقلب لوز وجوز وفستق في قشره وكقمح في سنبله وبزر كتان في جرزه لم يصح بيعه جزافا لأنه غير مرءي، ويصح كيلا كما سبق في قوله: "وحنطة في سنبل وتبن إن بكيل" وأما شراء ما ذكر مع قشره فيجوز جزافا ولو كان باقيا في شجره لم يقطع إذا بدا صلاحه. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: أي ولم يستتر بورقه فيما له ورق وإلا منع بيعه جزافا، وتقدم أول البيوع مسألة بيع الزرع جزافا. انتهى. قول عبد الباقي: ولم يستتر بورقه فيما له ورق وإلا منع لخ، قال التاودي: فيه أن كل الثمار له ورق فيلزم أن لا يباع شيء منها جزافا في رؤوس
стр. 5684
الشجر ومن أكثرها ورقا الجوز، وقد نصوا على جواز بيعه إن لم يستتر بقشره. انتهى. وما قاله ظاهر غاية، وما نقله المواق عن ابن القاسم عند قوله الآتي: "إن بلغت ثلث المكيلة" كاف في بطلان ما قاله الزرقاني. قاله الرهوني.
وقبله مع أصله يعني أنه يجوز بيع ما ذكر من الثمر ونحوه قبل بدو صلاحه إذا بيع مع أصله، كبلح صغير مع نخله وزرع مع أرضه أو بيع أصله من نخل أو أرض ثم بعد ذلك بقرب أو بعد بحيث لم يخرج من يد المشتري ألحق الزرع والثمر به أي بأصله البيع قبله، وأما العكس فممنوع يفسد به البيع أو على قطعه، يعني أنه يجوز بيع ما ذكر منفردا قبل بدو صلاحه إذا بيع على القطع أي على شرط أن يقطع في الحال أو قريبا منه بحيث لا يزيد ولا ينتقل عن طوره إلى طور آخر، فهذه ثلاث مسائل يجوز فيها بيع الثمر ونحوه قبل بدو صلاحه، وإنما يجوز في هذه الأخيرة -أعني بيعه على القطع- بثلاثة شروط أشار لأولها بقوله:
إن نفع يعني أنه إنما يجوز بيعه على القطع إذا بلغ أن ينتفع به، وإلا فلا يجوز لأنه فساد وإضاعة مال وذكر المص شرط الانتفاع هنا مع أنه معلوم للتنبيه عليه.
وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: واضطر له يعني أنه يشترط في جواز ما ذكر على القطع أيضا أن يضطر لبيعه المتبايعان أو أحدهما، والمراد بالاضطرار الاحتياج لا بلوغ الحد الذي ينتفي معه الاختيار وهذا الشرط لا يغني عنه ما قبله؛ لأن ضرورة البيعين أو أحدهما لا تستلزم كون الثمرة منتفعا بها وهو قد صرح بذلك كما قاله الرهوني وهو ظاهر.
وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: ولم يقال عليه يعني أنه يشترط في جواز البيع على القطع أيضا أن لا يتمالأ أهل البلد أو أكثرهم عليه أي على البيع قبل بدو صلاح ما ذكر كما في الخرشي، فإن اختل واحد من هذه الشروط الثلاثة لم يصح البيع، وقال عبد الباقي: ولم يتمال أي لم يقع من أهل محله أو أكثرهم التمالؤ عليه أي على قطعه، فاتفاق البائع والمشتري على بيع ذلك من غير وقوع مثل ذلك من أكثر أهل البلد لا يضر في الجواز، فإن تمالأ أكثرهم عليه بالفعل وينبغي أو اعتادوه قبل البيع المذكور منع وإن لم يقطعوا إلا بعده، والمراد بالتمالؤ التوافقُ حقيقة أو في نفس الأمر لا التوافقُ حقيقة فقط.
стр. 5685
لا على التبقية يعني أنه لا يجوز بيع ما ذكر من الثمر ونحوه قبل بُدُوِّ صَلَاحِهِ منفردا عن أصله على التبقية، أو الإطلاق أي وكذا لا يجوز بيعه منفردا قبل بدو صلاحه على الإطلاق أي من غير بيان قطعه ولا تبقيته فلا يصح، وضمان الثمر من البائع ما دام في رءوس الشجر فإن جذها المشتري رطبا رد قيمتها وتمرا رده بعينه إن كان باقيا وإلا رد مثله إن علم وإلا رد قيمته. قاله عبد الباقي. قوله: فإن جذها المشتري رطبا رد قيمتها لخ، قال بناني: ما ذكره إنما هو في الشراء على التبقية وأما في الإطلاق فإنه إذا جذها يمضي بالثمن على قاعدة المختلف فيه كما في التتائي وغيره، وقال بناني عند قول المص: "لا على التبقية أو الإطلاق": قيد اللخمي والسيوري المنع هنا بكون الضمان مشترطا من المشتري أو من البائع والبيع على النقد لأنه تارة بيع وتارة سلف، فإن كان الضمان من البائع والبيع بغير نقد جاز. انتهى.
وهذا التقييد خلاف المذهب، قال ابن عرفة فيها مع غيرها: جواز بيع الثمر قبل بدو صلاحه على جذه. اللخمي: شرط ذلك بلوغ الثمر أن ينتفع به واحتيج لبيعه ولم يتمالأ عليه أكثر أهل موضعه وإلا لم يجز لأنه فساد، وعلى بقائه نصوص المذهب فساد بيعه، وقال اللخمي: هذا إن شرطا مصيبته من المشتري أو من البائع والبيع بالنقد، وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير نقد جاز. وصرح المازري بأن بيع الثمر قبل بدو صلاحه على البقاء لا يجوز إجماعا، ولم يستثن منه شيئا، ثم قال: انفرد بعض أشياخي في بيع الثمر قبل الزهو فذكر ما قاله اللخمي، قال: وقول الأشياخ وظاهر المذهب أنه لا يجوز. قاله الرهوني. وقال بناني: ابن رشد: إذا اشترى الثمرة على الجذ قبل بدو الصلاح ثم اشترى الأصل جاز له أن يبقيها، بخلاف ما إذا اشتراها على التبقية ثم اشترى الأصل فلا بد من فسخ البيع فيها، لأن شراءها كان فاسدا فلا يصلحه شراء الأصل، فإن صار الأصل إليه بميراث من بائع الثمرة لم ينفسخ شراؤها، إذ لا يمكن أن يردها على نفسه، فإن ورثه من غير بائع الثمرة وجب الفسخ فيها، ولو اشترى الثمرة قبل الإبار على البقاء ثم اشترى الأصل فلم يفطن لذلك حتى أزهت أو نمت بغير الزهو فإن البيع ماض وعليه قيمة الثمرة؛ لأنه بشراء الأصل كان قابضا للثمرة وفاتت بما حصل فيها من النماء عنده، ولو اشترى الثمرة قبل الإبار ثم اشترى الأصل قبل الإبار أيضا فسخ البيع فيهما؛ لأنه بمنزلة من
стр. 5686
اشترى نخلا قبل الإبار على أن تبقى الثمرة للبائع وهو لا يجوز، فإن اشترى الأصل بعد الإبار فسخ البيع في الثمرة فقط.
وقوله: "لا على التبقية أو الإطلاق" قد علمت أن المنع في التبقية مجمع عليه فلا يصح، وأما الإطلاق فكذلك على المعتمد وهو المذهب عند العراقيين. الباجي: وهو المشهور عن مالك، وتأول ابن أبي زيد المدونة عليه، وظاهر المدونة الصحة في الإطلاق، وأبقاها ابن محرز وعبد الحميد واللخمي وغيرهم على ظاهرها.
وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه يعني أن بُدُوَّ الصلاح أي ظهوره في بعض حائط من الثمار ولو نخلة يكفي في جنس ذلك الحائط أي صنفه كنخل كله أو تين كله أو رمان كله في ذلك الحائط وكذا في مجاوره، والمراد بمجاوره ما يتلاحق طيبه بطيبه عادة أو بقول أهل المعرفة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وهو ما يتلاحق طيبه بطيبه عادة قريبا بعضه من بعض، فيكفي في جواز بيع ذلك الجنس على المعتمد. وقال ابن كنانة: وإن لم يقرب بعضه من بعض إن كان لا يفرغ آخر الأول حتى يطيب أول الآخر، وأشعر قوله: "في بعض" أنه لا يشترط عموم الصلاح في الحائط كما قررت.
إن لم تبكر يعني أن بدو الصلاح في بعض الحائط كاف في جواز بيع الحائط حيث لم يكن البعض باكورة، وأما إن كان البعض الذي بدا صلاحه باكورة فإن ذلك لا يكفي في جواز بيع الحائط، قال عبد الباقي: إن لم تبكر النخلة التي بدا صلاحها أي إن لم تكن باكورة أي تسبق بالزمن الطويل الذي لا يحصل معه تتابع الطيب لمرض وهي كافية في نفسها فتباع، وفي مريضة أو أكثر مثلها عادتها لمرضها أن تبكر. وفهم من قوله: "وبدوه في بعض حائط" لخ أن بدوه في بعض حب أو مقثاة لا يكفي في جواز بيع بقيته، والأول ظاهر والثاني يفيد الأقفهسي أنه كالحائط.
والفرق بين الثمار والحب حاجة الناس لأكل (الثمار) (١) رطبة للتفكه بها ولأن الغالب تتابع طيبها وليست الحبوب كذلك لأنها للقوت لا للتفكه، والتعليلان المذكوران كل منهما يفيد أن المقثاة
стр. 5687
كالحائط، فلو قال المص: وبدوه في بعض كحائط كاف لخ لشمل المقثاة، وقوله: كاف في جنسه أخرج به غير الجنس، فلا يباع بلح ببُدوِّ صلاح مشمش مثلا، وأجازه ابن رشد إن كان ما لم يَطبْ تبعا لما طاب، وقال التونسي: لا يجوز إذ لا ضررعلى المبتاع في بقاء ما لم يطب للبائع إذ لا بد من دخوله الحائط لسقيه على كل حال. قاله بناني وغيره.
وقال المواق: من كتاب ابن المواز: إذا أزهى في الحائط نخلة أو دالية بيعَ جميعه بذلك ما لم تكن باكورة، قال مالك: وإذا عجل زهو الحائط جاز بيعه وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يُزْهِ هُوَ جاز بيعه، ابن القاسم: وأحب إلي حتى يزهِيَ هُوَ. ابن حبيب: والأول هو القياس لأنه لو ملك ما حواليه جاز بيعه بإزهاء بعضها إلا أن يتفاحش تَبَاعُدُ بعضِها من بعض. انتهى. ابن القاسم: يجوز أن يبيع الحائط فيه صنف واحد من الثمر ببدو صلاحه وإن لم يعم كل الحائط إن كان طيبه متتابعا. ابن رشد: يريد بالصنف الواحد أنه نخل كله أو تين كله ولو اختلفت أجناس ذلك إذا تتابع طيب جميعه قريبا بعضه من بعض. وقال ابن كنانة: وإن لم يقرب بعضه من بعض إن كان لا يفرغ آخر الأول حتى يطيب أول الآخر. ابن رشد: وما استعجل زهوه بسبب مرض في الثمرة وشبهه لم يبع به الحائط اتفاقا. انتهى. قوله: دالية الدوالي: عنب طائفي.
لا بطن ثان بأول يعني أنه لا يجوز بيع بطن ثان بعد وجوده وقبل بدو صلاحه بسبب بدو صلاح بطن أول، ومعنى ذلك كما في أحمد أن من باع بطنا ببُدُوِّ صلاحه ثم بعد انتهاء البطن الأول أراد أن يبيع الثاني بعد وجوده قبل بدو صلاحه ببدو صلاح السابق فإن ذلك لا يكفي. انتهى. قوله: ثم بعد انتهاء البطن الأول بل ولو لم ينقطع حتى يبدو وجود البطن الثاني كما في التتائي: ولعل الفرق بين هذا وبين جواز شراء خلفة القصيل بعد شراء القصيل قبل وجودها أنها إنما تتخلق مما يبقى من القصيل بخلاف البطن الثاني، والفرق بين هذا وبين جواز بيع أصناف ثمر النخل ببدو صلاح صنف آخر منه إذا كان طيبها متقاربا أن البطن الثاني غير موجود حين بيع الأول ولا مرءي بخلاف الصنفين، فإنهما مرءيان حين بيع أولهما طيبا. قاله ابن عرفة. ويفهم منه جواز بيع البطن الثاني بالأول إن وجدا معا كما في بعض الأماكن. قاله عبد الباقي. قوله: ويفهم منه جواز بيع البطن الثاني إن وجدا معا يعني مع كون طيب الثاني قريبا من الأول؛ لأن هذا شرط
стр. 5688
في البطن الواحد فأحرى البطنان، ومع ذلك ففيه نظر لأن ما أخذه من كلام ابن عرفة منصوص عليه لكنه ضعيف. قاله الرهوني.
يعني أن المشهور المنع في بيع البطن الثاني ببدو صلاح البطن الأول حيث وجدا معا، وكان طيب الثاني قريبا من الأول، وقال المواق عند قوله: "لا بطن ثان" ما نصه: ابن القاسم: الشجرة تطعم بطنين في السنة بطنا بعد بطن لا يباع البطن الثاني مع الأول بل كل بطن وحده. ابن رشد: ظاهر قوله: لا يجوز وإن كان لا ينقطع الأول حتى يبدو طيب الثاني وهو خلاف ما تقدم من قول مالك. انتهى. وقال الشارح: لا بطن ثان يعني فلا يجوز أن يبيع البطن الثاني ببدو صلاح البطن الأول إذا كانت الشجرة تطعم بطنين في العام الواحد وهذا هو المشهور، وحكى ابن رشد قولا بالجواز بناء على أن البطن الثاني يتبع الأول في الصلاح. انتهى. وقال عبد الباقي: وتمثيل التتائي هنا للبطن الثاني بالجميز يفيد أنه لا يباع بطن من بطونه إلا منفردا وهو يخالف ما يأتي له في "وللمشتري بطون كياسمين" من قوله: "وجميز" فإنه يفيد أن بطونه كلها تباع بصلاح الأول، وأنه لا يجوز شراء بعضها منفردا عن بعض كما يفيد قوله: ولا يجوز بكشهر ويمكن أن يجاب عنه بأنه أراد هنا بالبطن الثاني منه ما يوجد بعد انقضاء جميع ما يطرحه أولا، وأراد فيما يأتي بالبطون التي لا يباع بعضها منفردا، وإنما يباع جميعها بصلاح أولها ما يوجد فيها متتابعا بحيث ينبت الثاني قبل صلاح الأول مقارنا له أو بعده، وكذا الثالث مع الثاني ثم بَيَّنَ بدو الصلاح من بعض الأجناس ليقاس عليه.
فقال: وهو أي بدو الصلاح في النخل الزهو بفتح الزاي وسكون الهاء وبضمهما، وتشديد الواو كاحمراره واصفراره وما في حكمهما كالبلح الخضاري. قاله عبد الباقي وغيره. وقال المواق: الباجي: الإزهاء في ثمر النخل أن تبدو فيها الحمرة والصفرة وهو البلاح وبدو الصلاح، وذلك بعد أن تطلع الثريا مع الفجر في النصف الآخر من شهر مايه الأعجمي. انتهى.
وظهور الحلاوة يعني أن بدو الصلاح في غير النخل ظهور الحلاوة، قال عبد الباقي: وظهور الحلاوة في غيره من الثمار كالمشمش والعنب وليست الواو بمعنى مع فهو من عطف المغاير، والتهيؤ للنضج يعني أن التهيؤ للنضج بأن يميل الثمر إلى النضج أي الطيب من بدو الصلاح، قال
стр. 5689
عبد الباقي: والتهيؤ للنضج بأن يكون إذا قطع لا يفسد بل يميل إلى الصلاح كالموز؛ لأن من شأنه أن لا يطيب حتى يدفن في التبن ونحوه. انتهى. ونحوه للخرشي، قال المواق: والتهيؤ للنضج. الباجي: وبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن يَنحُوَ إلى السواد وأن ينحوَ أبيضُه إلى البياض مع النضج، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد. انتهى.
وبدو الصلاح في ذي النور بانفتاحه النور بفتح النون الزهر على أي نوع كان، والمعنى أن بدو الصلاح في صاحب النور كالورد والياسمين والنسرين وما أشبه ذلك أن تنفتح أكمامه ويظهر نَوره. قاله الباجي. قاله الخرشي وغيره. وقال المواق: المتيطى: يجوز بيع المقاثي والمباطخ إذا بدا صلاح أولِها وإن لم يظهر ما بعده وكله للمشتري إلى تمام إطعامه والورد والياسمين إذا آن قطاف أوله وكله للمشتري إلى آخر إبانه. الباجي: وأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استقل ورقه وانتفع به ولم يكن في قلعه فساد وقصب السكر إذا طاب ولم يكن كسره فسادا والورد والياسمين وسائر الأنوار أن تنفتح ويظهر نوره، والقصب والقصيل والقرط إذا بلغ أن يرعى دون فساد. انتهى. وقال عبد الباقي: والبدوُ في ذي النَّور بفتح النّون أي صاحب الورق كالورد والياسمين والنوفر والنسرين بانفتاحه أي انفتاح أكمامه فيظهر ورقه وبدو الصلاح في البقول بإطعامها أي بأن ينتفع بها في الحال.
الباجي: بدو الصلاح في المغيب في الأرض كاللفت والجزر والفجل والبصل إذا استقل ورقه وتم وانتفع به ولم يكن في قلعه فساده انتهى. فقد اعتبر في بدو صلاح البقول قدرا زائدا على ما ذكره المص أي وهو قوله: ولم يكن في قلعه فساد. قاله الأجهوري. وظاهر المواق وغيره أن ذلك معنى إطعامها إلا أن يقال لا يلزم من الإطعام أن لا يكون في قلعه فساد كجزر وفجل صغيرين جدا. انتهى. قال الرهوني: وفيه نظر لأن المراد بطعمها حصول طعمها المعتاد، ويلزم من حصوله انتفاء الفساد، واختلف هل هو أي بدو الصلاح في البطيخ الاصفرار بالفعل لأنه القصد منه، أو التهيؤ للتبطخ بأن يقرب من الاصفرار؟ قولان، الأول لابن حبيب والثاني لأصبغ. قاله الشيخ بهرام.
وقال عبد الباقي: ولم يذكر صلاح البطيخ الأخضر ولعله تلون لبه بالحمرة أو غيرها كما في التتائي.
стр. 5690
ولَمَّا ذكر ما له بطون متميزة بقوله: "لا بطن ثان بأول"، وبقوله: "وخلفة القصيل" ذَكَرَ ما لا يتميز بطونه وله آخر أو لا آخر له، وبدأ بالأول فقال: وللمشتري بطون ما يخلف ولا يتميز بعضه من بعض أي يقضى له بذلك ولو لم يشترطه. كياسمين بكسر النون منونا وهو اسم مصروف ولا علمية فيه، لكن يجوز أن يعرب إعراب جمع المذكر السالم. ومقثأة بميم مفتوحة فقاف ساكنة فمثلثة فهمزة مفتوحتين كخيار وقثاء وجُمّيز بضم الجيم وتشديد الميم وسكون المثناة آخره زاي يشبه التين.
ولا يجوز شراء ذلك مؤجلا بكشهر لاختلاف حملها بالقلة والكثرة، وذكر ما لا آخر له بقوله: ووجب ضرب الأجل ولو سنين على المشهور. قاله التتائي. قاله عبد الباقي. إن استمر يخلف كالموز، ومثل ضرب الأجل استثناء بطون معلومة. قاله عبد الباقي. ومعنى ذلك أن يشتريَ المشتري منه بطونا معلومة كخمسة مثلا. انظر الرهوني.
والموز أشجار تكون فيها عناقيد ويكون في العنقود ثمار صفوفا ولونه أخضر، فإذا طاب دخلته صفرة وينفلق له طعم يقرب من طعم سمن وعسل ملتوت ويكون بأرض مصر كثيرا ويكون بسبتة، قال مقيده عفا اللَّه عنه: وعلم مما مر أن الخلفة على ثلاثة أقسام: الأُولَى خلفة القصيل وهو ما ينبت بعد الجذ فلا تجتمع مع الأصل تقدمت في قوله: "وخلفة القصيل". الثَّانِيَةُ خلفة يتميز بعضها من بعض وهي المشار إليها بقول المص: "لا بطن ثان بأول" وهذا البطن الثاني قد يوجد مع البطن الأول في بعض الأماكن فتبطن الشجرة بطنا ثم يخرج بطن آخر بعد انتهاء ذلك البطن أو قبله، وكلاهما من الشجرة أي فموضع البطن الثاني من الشجرة غير موضع البطن الأول. الثَّالِثَةُ ضربان ضرب لا يتميز فيه الآخر من الأول وله آخر وهو المشار إليه بقوله: "وللمشتري بطون كياسمين" الضرب الثاني لا يتميز فيه البطن الثاني من الأول ولا آخر له، وهو المشار إليه بقوله: "ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز".
ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه يعني أن الحب إذا أفرك وبيع قبل يبسه مع سنبله فإن ذلك لا يجوز ابتداء، ويمضي البيع بالقبض للحب، والمراد بقبض الحب حصاده. قال عبد الباقي: ومضي بيع حب مع سنبله كقمح وشعير وفول أفرك وبيع قبل يبسه ولا يجوز ابتداء
стр. 5691
وفيها أكرهه، وأما بيعه مجردا عن سنبله قبل يبسه فلا يجوز جزافا لأنه مغيب وهو مفهوم قوله فيما مر: "إن بكيل" وأما إذا جذ كالفول الأخضر والفريك فإن بيعهما جائز بلا نزاع لأنه حينئذ منتفع به كما في أحمد، ولا يعارض كلام المص هنا ما نص عليه الشيوخ من جواز بيع الزرع القائم اتفاقا؛ لأنه فيما إذا بيع بعد يبسه وهنا قبله ويمضي بقبضه بحصاده في موضوع المص وهو بيعه مع سنبله كما مر، وأما بيعه مجردا عن سنبله قبل يبسه فمضيه بكيله لأنه مما فيه حق توفية.
قال عبد الباقي: وظاهر قوله بقبضه اشتراه على السكوت أو على التبقية وهو قول جمع، ولبعض لا يفوت في الثاني بقبضه بل باليبس. انتهى. وقال محمد بن الحسن: في المدونة: أكرهه فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ. انتهى. فقال عياض (١): اختلف في تأويل الفوات (٢) هنا، فذهب أبو محمد إلى أنه القبض وعليه اختصر المدونة ومثله في كتاب ابن حبيب، وذهب غير أبي محمد إلى أن الفوات هنا بالعقد. انتهى. والذي في سماع يحيى عن ابن القاسم أنه إنما يمضي باليبس. قال ابن رشد عقبه: وقد قيل إن العقد فيه فوت وقيل إن القبض فيه فوت وقيل إنه لا يفوت بالقبض حتى يفوت بعده وهو ظاهر ما في السلم الأول من المدونة فهي أربعة أقوال، وهذا إن اشتراه على أن يتركه حتى ييبس أو كان ذلك العرف فيه، وأما إن لم يشترط تركه ولا كان العرف ذلك فالبيع فيه جائز، وإن تركه مشتريه حتى ييبس. انتهى.
وبه تعلم ما في قول الزرقاني وظاهر قوله: "بقبضه اشتراه على السكت" لخ وقد فرض في التوضيح المسألة في الشراء على السكت فانظره مع كلام ابن رشد. انتهى. وقال الرهوني: لا إشكال في مخالفة ما في التوضيح لما نقله بناني عن ابن رشد؛ لأن ما نقله بناني عن ابن رشد صريح في أن محل الخلاف المذكور (إذا) (٣) اشتراه على أن يترك حتى ييبس أو كان ذلك العرف وإلا فالبيع صحيح، وفي التوضيح جعل محل الخلاف إذا وقع البيع على السكت، ثم نقل الرهوني أن الزرع
стр. 5692
إذا يبس وفيه ما لا خطب له فإنه يجوز بيع جميعه ودَعَّم ذلك بالنقل، ثم قال: وبذلك تعلم (أنه) (١) لا معول على ما للجزولي وابن عمر القائلين: إن الحب لا يباع بيبس بعضه بل لا بد من يبس جميعه. انتهى. أي لأن الزرع يباع بيبس البعض الذي هو الجل بحيث يبقى ما لا خطب له. واللَّه تعالى أعلم.
ولما ذكر أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه ممنوع وبعد بدو صلاحه جائز بشرط عدم ربا الفضل والنساء وعدم الموانع، ذَكَرَ ما استثني من ذلك وهو بيع العرية فقال: ورخص جوازا لمعر وهو واهب الثمرة وقائم مقامه كوارثه، بل وإن قام مقامه باشتراء بقية الثمرة المعراة فقط دون أصلها وأحرى معه لا غاصب اشتراء ثمرة من المعرَى بالفتح أو وارثه أو مشتر منه شأنها أنها تيبس بالفعل لو تركت، وتدخر كما يدل عليه تعبيره بالمضارع لا أنها حين الشراء يابسة وإلا لم يصلح جعل. قوله: وبدا صلاحها شرطا ولا يُكتَفَى بيبس جنسها كلوز وجوز ونخل غير مصر وعنبه وتين وزيتون لا كموز ورمان وخوخ وتفاح لفقد يبس ذلك لو ترك، ومثله ما لا ييبس مما أصله أن ييبس كعنب مصر. وأفاد بقوله: "كلوز" أنها لا تختص بثمر النخل والعنب وهو المشهور، وقيل تختص بهما. قاله عبد الباقي.
وَإيضَاحُ كلام المص أن من أعرى ثمرة أي وهبها يرخص له في أن يشتريها بقدرها من التمر بالشروط الآتية، ومثل الواهب للثمرة من يقام مقامه في أن له ذلك كالوارث والموهوب ومشتري الأصول مع الثمار أو الأصول فقط، بل وإن قام مقامه باشتراء بقية الثمرة ولا بد من أن تكون هذه الثمرة المعراة أنها تيبس. وقوله: "اشتراء" نائب رخص مع أن الرخص فيه إنما يتعدى له بفي، لكن فعل ذلك تجوزا كما في: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي من قومه والرخصة تتعلق بالمعرى بالفتح أيضا وهي مستثناة من أصل محرمة المزابنة والطعام بالطعام لأجل وبيع الرطب باليابس. وفي المواق عن الموطإ: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن المزابنة وأرخص في بيع العرايا بخرصها تمرا ما دون خمسة أوسق أو خمسة أوسق) (٢). التتائي: العرية ثمرة نخل أو غيره تيبس
стр. 5693
وتدخر يهبها مالكها ثم يشتريها من الموهوب له. انتهى. وفيه أن شراءها من الموهوب له ليس من حقيقتها. قاله ابن عاشر. وعرف ابن عرفة العرية بقوله: ما منح من ثمر ييبس.
وإنما يجوز شراء من ذكر للثمرة المذكورة بشروط أشار إليها بقوله: إن لفظ بالعرية يعني أنه يشترط في جواز الشراء المذكور أن يكون عقد العرية وقع بلفظ العرية لا بالهبة أو الصدقة أو العطية أو نحو ذلك، وهذا هو المشهور اتباعا للفظ الحديث، وخالف ابن حبيب وغيره في هذا الشرط فأجازوا شراءها ولو وقعت بلفظ الهبة ونحوها. قاله الشارح. وبدا صلاحها يعني أنه لا بد أيضا في الجواز من أن تكون الثمرة قد بدا صلاحها حال الشراء لا حال العرية، ونص على هذا الشرط وإن لم يكن خاصا بالعرية ليلا يتوهم عدم اشتراطه لأجل الرخصة لا سيما والباجي قد قال بعدم اشتراطه. قاله عبد الباقي. وكان بخرصها يعني أنه يشترط في الجواز أن يكون الاشتراء المذكور بخرصها بكسر الخاء أي لا بد أن يشتريها بقدر كيلها لا أزيد ولا أنقص، وليس المراد أنها لا تباع إلا بخرصها لا بغيره ولو نقدا؛ إذ يجوز بيعها به وبالعروض، فإن جذها بعد أن اشتراها بخرصها فوجدها أكثر من خرصها رد الزائد وأقل وثبت لم يؤخذ منه إلا قدر ما فيها وإن لم يعلم ذلك إلا من قوله: ضمن الخرص الذي تحملة فيؤديه. وقوله: "وكان بخرصها" لما في الصحيح (أنه ﵊ أرخص في بيع العرايا بخرصها)، وروي عن مالك جواز شرائها بغير خرصها.
ونوعها يعني أنه يشترط في الجواز أيضا أن يكون هذا الخرص من نوع الثمرة إن برنيا فبرنيٌ وإن صيحانيا فصيحاني وهذا هو مذهب المدونة، وذكر عن الشيخ أبي الحسن ابن القابسي أنه كالطعام القرض فيجوز أن يأخذ عنه عند الأجل خلاف صفته. قاله الش. وقال عبد الباقي: ونوعها ظاهره ولو أجود أو أردى خلافا للخمي يوفى عند الجذاذ يعني أنه يشترط في الجواز أيضا أن يكون هذا الخرص غير مشترط تعجيله، بل يوفيه له عند الجذاذ بمعجمات وبإهمال الدالين مثلث الأول فيهما، قال عبد الباقي: يوفى عند الجذاذ لا على شرط التعجيل فإنه مفسد للعقد وإن لم يعجل، فإن عجل بغير شرطه جاز إن شرط التأجيل أو وقع العقد على السكت، وإلا فلا فإن جذها في الفساد رطبا رد مثلها إن وجد وإلا فقيمتها. قاله عبد الباقي.
стр. 5694
وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا يجوز شراء العرية بتمر من غير صنفها إلى الجذاذ ولا برطب أو بسر وإنما يجوز شراؤها بخرصها تمرا من صنفها إلى الجذاذ أو بعين نقدا أو عرض إلى أجل ولا يجوز شراؤها قبل زهوها بعين ولا برض إلا على أن يجذها مكانه، ولا يجوز أيضا بخرصها تمرا جذها أو لم يجذها. قال مالك: ولا تباع بخرصها من برني وهي عجوة.
في الذمة يعني أنه يشترط في الجواز أيضا أن يكون عوض الثمرة وهو الخرص في الذمة أي في ذمة المعري بالكسر اتباعا للرخصة لا في حائط معين. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: لا يجوز بيعها بعجوة من صنفها من حائط آخر معين ولكن بتمر من صنفها مضمون عليه. انتهى. وقال الشارح: الشرط السادس أن يكون العوض في ذمة المعري لا في حائط معين اتباعا للرخصة، فإن نزل ذلك فسخ لأنه بيع فاسد، وفي المبسوط: يبطل شرط التعيين ويبقى في الذمة. انتهى.
وخمسة أوسق فأقل يعني أنه يشترط في الجواز أيضا أن يكون المشترى من العرية خمسة أوسق فأقل، سواء كانت العرية خمسة أوسق أو أكثر، فالمراد أن لا يشتري إلا خمسة أوسق، قال في المدونة: فإن أعرى أكثر من خمسة أوسق فله شراء خمسة أوسق. انتهى. ولا يجوز أخذ زائد مما أعراه عليه أي على القدر المرخص في شرائه وهو الخمسة الأوسق فأقل معه أي مع القدر المذكور بعين أو عرض على الأصح لخروج الرخصة عن موضعها. قاله عبد الباقي.
وَإيضاح هذا أنه إذا أعراه أكثر من خمسة أوسق فاشترى خمسة أوسق أو أقل بالخرص والزائد عليها بالدنانير أو الدراهم فإن ذلك لا يجوز على القول الأصح، ومقابله أن ذلك جائز، قال المواق: قال ابن يونس إذا أعراه أكثر من خمسة أوسق فاشترى خمسة أوسق بالخرص والزائد عليها بالدنانير والدراهم، فقال بعض شيوخ بلدنا: إنه جائز ومنع منه بعضهم، والصواب أنه لا يجوز لأنها رخصة خرجت عن حدها كمساقاة وبيع، وقراض وبيع. انتهى. وقال عبد الباقي: على الأصح لخروج الرخصة عن محلها كما لو أقاله من طعام ابتاعه قبل قبضه وباعه سلعة في عقد واحد لخروج رخصة الإقالة عن موضعها. انتهى.
قال محمد بن الحسن: أي لأن الإقالة لما كانت رخصة منع اجتماعها مع البيع ولذا منع جمع القراض والمساقاة مع البيع. ذكر هذا كله ابن يونس. ونقله ابن غازي وبه تعلم أن قول الخرشي:
стр. 5695
وأما لو كان الزائد سلعة فالمشهور الجواز غير صحيح، لأن علة المنع موجودة فيه على أنا لم نر من ذكر ما قاله فضلا عن مشهوريته. واللَّه أعلم. انتهى. وقولي عن عبد الباقي: مما أعراه يعني لو أخذ زائدا على القدر المرخص في شرائه من غير العرية فإن ذلك ليس من محل الخلاف، بل هو ممنوع بلا نزاع.
واستثنى من قوله: "خمسة أوسق فأقل" قوله: إلا لمن أعرى عرايا في حوائط يعني أن محل اشتراط أن يكون المشترى خمسة أوسق فأقل إنما هو في غير من أعرى عرايا على هذه الصفة التي تذكر، وأما إن أعرى عرايا في حائط أو حوائط فإنه يجوز له أن يشتري من كل من العرايا خمسة أي خمسة أوسق، ومحل هذا إن كانت العواري بألفاظ أي عقود وبأوقات مختلفة لا إن كانت بلفظ؛ أي عقد فلا يجوز له أن يشتري إلا خمسة أوسق فقط لأنها كالعرية الواحدة وكذا إن كانت بألفاظ في وقت واحد فهي كالواحدة كما اعتمده ابن عرفة خلافا لأحمد.
وقوله: على الأرجح، قال بناني: صوابه على الأصح لأن الذي رجحه هو ابن الكاتب ونقله ابن يونس وأقره، ولهذا اعترضه ابن غازي، وأجاب التتائي بأنه لما نقله ابن يونس وأقره صحت نسبته إليه. انتهى. وتحقيق المسألة أن الأقوال ثلاثة: الأوَّل جواز الشراء المذكور مطلقا سواء أعرى ذلك في مرة أو مرات وهو للقابسي، الثَّانِي عدم الجواز في الوجهين وهو قول يحيى بن عمر وابن أبي زيد وغيرهما بناء على أن العقد يتعدد بتعدد المعقود عليه أو لا يتعدد وهما تأويلان على المدونة، الثَّالِثُ التفصيل الذي مشى عليه المص وهو لابن الكاتب، قال: إن كان أعرى ذلك لرجل واحد في عقد واحد فهي عرية واحدة ولا يشترى من تلك الحوائط إلا خمسة أوسق فقط، وإن أعراه ذلك في أوقات مختلفة متفرقة فحسن هاهنا أن يشتري من كل خمسة أوسق بخرصها لأنها عرية بعد عرية.
ابن يونس: قال بعض أصحابنا: يؤيد هذا قول مالك فيمن اشترى حوائط فأصابتها جائحة أنه إن كان شراؤه لذلك في صفقات فجائحة كل حائط على حدة، وإن كان في صفقة روعي ثلث الجميع. انتهى. وقوله: إلا لمن أعرى عرايا لخ هذا إذا كان المعرى بالفتح واحدا، وأما إن كان المعرى بالفتح متعددا فإنه لا يشترط تعدد العقود.
стр. 5696
واعلم أن شروط الشراء المذكور عَشَرَةٌ: أَنْ يَكُونَ المشتري واهب الثمرة أو من يقوم مقامه فلا يجوز بخرصها لأجنبي، وَالثَّانِي أن تكون الثمرة تيبس، والسبعة التي ذكر المص فتلك تسعة، وذكر أن جواز شراء العرية بالشروط السابقة معلل بإحدى علتين على البدل وهو في الحقيقة شرط عاشر، فقال: لدفع الضرر يعني أنه إنما يجوز الشراء المذكور لأجل دفع الضرر عن المعري بالكسر الحاصل له بدخول المعرى بالفتح للحائط وخروجه واطلاعه على ما لا يُريد اطلاعه عليه حيث كان يحصل له بذلك الضرر. أو للمعروف أي إنما جاز ذلك الشراء لأحد أمرين إما لدفع الضرر أو للمعروف أي للرفق بالمعرى بالفتح لكفايته حراسته لا للتجر، فيمنع بخرصها لا بالعين خلافا للخمي.
وفَرَّعَ على الثانية ثلاث مسائل: الأُولَى قوله فيشتري بعضها يعني أنه يجوز لواهب الثمرة أن يشتري بعضها نصفا أو ثلثا أو غير ذلك إن كانت خمسة فأقل؛ إذ لا يمتنع أن يقوم المعري بالكسر عن المعرى بالفتح ببعض ما يلزم. قاله التتائي. ويمكن تفريعه على الأولى وهو ما إذا كانت العرية متفرقة في حوائط وكان المعري بالكسر ساكنا ببعضها واشترى البعض الذي بمحل سكناه.
الثَّانِيَةُ: قوله: ككل الحائط يعني أنه إذا أعرى جميع الحائط وهو خمسة أوسق فأقل فإنه يجوز للمعري بالكسر شراء جميعه على العلة الثانية أي ليكفي المعرى بالفتح المؤنة لا على العلة الأولى؛ إذ لا ضرر على رب الحائط مع كون جميع الثمرة لغيره؛ لأنه لا يكثر دخول الحائط بأهله. قاله التتائي.
الثَّالِثَةُ: قوله: وبيعه الأصل عطف على مدخول الكاف، يعني أنه يجوز للمعري إذا باع الأصل شراء عريته، قال عبد الحق: يجوز شراء العرية وإن باع أصل حائطه على قول ابن القاسم؛ لأنه يجيز شراءها لوجهين: للرفق ولدفع الضرر وهو صادق بمن باع الأصل دون الثمرة فيعلل بكل من العلتين، وبمن باع الثمرة مع الأصل فيعلل بالمعروف فقط كما نقله ابن يونس، ونصه: إذا باع المعري أصل حائطه وثمرته جاز له شراء العرية لأنه رفق بالمعري وعلى ذلك حمله ابن غازي والمواق قائلا: في كلام المص نقص.
стр. 5697
تنبيه: اعلم أنه اختلف المذهب في العلة في جواز شراء الثمرة، فقال ابن الماجشون: العلة دفع الضرر وذلك أن المعري يدفع عن نفسه دخول المعرى عليه في حائطه واطلاعه على أهله وشبه ذلك، وقيل إن العلة المعروف فيكفيه القيام بأمر ثمرته، وعلل مالك وابن القاسم جواز شرائها بكل من العلتين على سبيل البدلية، ولهذا قال في المدونة: فيجوز شراؤها بخرصها لمعريها لوجهين، إما لدفع الضرر وإما لكفاية المؤنة. ابن عبد السلام: وهذا أقرب الأقاويل.
وجاز لك شراح أصل في حائطك بخرصه إن قصدت المعروف يعني أنه يجوز لمن ملك أصلا في حائط شخص مملوك له أن يبيعه ثمرة الأصل بخرصه مع بقية شروط العرية الممكنة؛ إذ شرط لفظ العرية غير ممكن حيث قصد المشتري المعروف بكفاية المعري بالفتح المؤنة فقط لا إن قصد دفع الضرر بدخوله في حائطه فلا يجوز؛ لأنه من بيع التمر بالرطب لأنه لم يعره شيئا وهذا هو الذي احترز به (١) عن قوله: "فقط"، وقوله: "بخرصه" وأما لو كان بعين أو عرض فكسائر البيوع، وقوله: "أصل" أي ثمرة أصل، وقوله: "في حائط" أي مملوك ذلك الأصل لغيرك، وقوله: "وجاز لك" يا ربّ الحائط فلا يجوز لأجنبي قصد المعروف أو دفع الضرر أو التجر ولا لك يا ربَّ الحائط إن قصدت دفع الضرر أو التجر. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: وجاز لك يا رب الحائط شراء ثمر أصل مملوك ذلك الأصل لغيرك في حائطك بخرصه إن قصدت بشراء الثمر المعروف فقط، لا إن قصدت دفع ضرره فيمنع لأنه بيع تمر برطب إذ لم يُعْرِه شيئا حتى يشتريه بخرصه، ويشترط في الجواز أيضا بقية شروط العرية الممكنة هنا كبدو صلاحه وبخرصه لا غير الممكنة كاللفظ بالعرية. انتهى. وقال الإمام الحطاب: يشير إلى قوله في كتاب (الغرر) (٢) من المدونة: وإذا ملك رجل أصل نخلة في حائطك فلك شراء ثمرتها منه بالخرص إن أردت بذلك رفقه بكفايتك إياه، وإن كان لدفع ضرر دخوله فلا يعجبني وأراه من بيع التمر بالرطب (وأنه) (٣) لم يعره شيئا.
стр. 5698
ويفهم من قول أبي الحسن ومن قوله في المدونة: كالعرية أن الشروط المذكورة في العرية معتبرة، وأنه لو كان له نخلتان أو ثلاثة جاز شراء ثمرها. انتهى. وعلم من كلامهم أنه لا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق. وفي الحطاب: يجوز شراء ثمرها إذا لم تبلغ خمسة أوسق، وقوله في المدونة: فلا يعجبني هذه لفظة كراهة والمراد بها المنع لقوله: وأراه من بيع التمر بالرطب. قاله أبو الحسن.
وبطلت إن مات قبل الحوز يعني أن العرية تبطل إذا مات العري قبل حوز المعرى بالفتح لأنها عطية كسائر العطايا ولا خلاف في هذا في المذهب. قاله الشارح. وقال الخرشي: أي وبطلت العرية إن مات معريها أو حدث له مانع من إحاطة دين أو جنون أو مرض متصلين بموته قبل الحوز لها عن معريها ونحوه لعبد الباقي، واختلف الشيوخ في المراد بالحوز هل هو حوز الأصل بأن يحوزها المعرى بالفتح في حياة المعري وإن لم تطلع فيها الثمرة وهو قول أبي مروان بن مالك، قال: وهو ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة، (أو) لا يكفي حوز الأصول ولا بد معه من أن يطلع ثمرها أي يظهر ثمرها وإن لم يوضع فيه التأبير وهو بفتح الياء وضم اللام، أو بضم الياء وكسر اللام مخففة وأصل هذا لابن حبيب، وعليه تأول ابن القطان المدونة فإنه قال: قول ابن حبيب تفسير لما في المدونة في العرية والهبة والصدقة، وقال أبو مروان بن مالك: ما قاله ابن حبيب خلاف ما في المدونة من أنها تصح للمعرى والموهوبة له بقبض الأصل في حياة المعري وإن لم يطلع فيها الثمرة، وقال أشهب: الحوز بأحد أمرين إما بحوز الأصل وإما بالتأبير.
وَالْحَاصِلُ أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: حَوْزُ الأصل كَافٍ. قاله اللخمي. غير معزو كأنه المذهب. الثَّانِي لابن حبيب: حَوْزُ الأصل مع ظهور الثمر وإن لم يؤبر. الثَّالِثُ لأشهب: يكفي أحد أمرين إما حوز الأصل وإما التأبير. وقال ابن عرفة في كونها بحوز أصلها أو به مع ظهور الثمرة: ثالثها بالأول أو بمجرد إبارها للخمي غير معزو كأنه المذهب مع الصقلي عنها وله مع الأندلسيين عن ابن حبيب وله مع الصقلي عن أشهب. انتهى. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان؛ قال عبد الباقي عند قوله: "تأويلان": ويجري مثل هذا في هبة الثمرة وصدقتها وتحبيسها ورهنها إذ رهن ما لم يبد صلاحه صحيح وإن لم يتخلق.
стр. 5699
وزكاتها وسقيها على المعري يعني أن زكاة الثمرة المعراة على المعري بالكسر من ماله لا من العرية ولو وقعت العرية قبل الطيب وإن لم يكن فيها خمسة أوسق كملت من ثمر الحائط وزكاها المعري بالكسر، وكذلك سقي الثمرة المعراة على المعري بالكسر، قال عبد الباقي: وسقيها حتى تنتهي على المعري بالكسر. بخلاف الواهب يعني أن من وهب ثمرة قبل طيبها لا زكاة عليه ولا سقي، وإنما السقي على الموهوب وكذا الزكاة على الموهوب إن كانت الثمرة خمسة أوسق فأكثر، فإن وهب بعد الطيب فعلى الواهب من ماله لأنه وجبت عليه زكاتها قبل الهبة ولا سقي على الموهوب لأنه لا كبير منفعة للموهوب في السقي حينئذ.
فرع: قال الشيخ أبو الحسن: من وهب صغيرا يرضع قيل رضاعه على الواهب وقيل على الموهوب حكى القولين ابن بشير. قاله الحطاب.
وَلما كان الأصل تعلق الضمان بالمشتري بالعقد وخرج عن ذلك الثمار لكثرة الجوائح فيها أشار إلى حكم ما إذا وقعت فيها الجائحة بقوله: وتوضع جائحة الثمار المراد بالثمار هنا مطلق ما بينبت، يعني أنه إذا اشترى ثمرة فأجيح منها الثلث فأكثر على ما يأتي فإنه توضع تلك الجائحة بمعنى أنه يحط عن المشتري من الثمن بقدر ما أجيح من الثمرة، ويأتي للمص تعريف الجائحة، ومثل للثمار بقوله: كالموز والمقاثي والأصل فيما ذكر المص خبر جابر في الصحيح (أن الرسول ﵊ أمر بوضع الجوائح، وفيه أنه قال: (لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا ولم يأخذ أحدكم من مال أخيه بغير حق) (١)، والمراد بالمقاثي ما يشمل القثاء والخيار والفقوس والبطيخ والقرع والباذنجان واللفت والبصل والكراث والثوم والجزر والكزبرة ونحو ذلك.
وإن بيعت على الجذ يعني أن الجائحة للثمار توضع وإن بيعت الثمار على الجذ أي القطع، قال عبد الباقي: وإن بيعت على الجذ وأجيحت في مدة تجذ فيها أو بعدها ولم يتمكن من جذها فيها على عادتها أو شرط أن يأخذها شيئا فشيئا في مدة معينة وأجيحت فيها، فقد سأل ابن عبدوس
стр. 5700
سحنون عن وجه وضعها مع أنه لا سقي على البائع، فقال معناه أن المشتري يأخذ ذلك شيئا بعد شيء على قدر الحاجة ولو دعاه البائع إلى أن يأخذه في يومه لم يكن له ذلك بل يمهل. انتهى. قوله: أو بعدها ولم يتمكن من جذاذها يريد واللَّه أعلم إذا كان ذلك من قبل البائع وإلا ففيه نظر. قاله الرهوني. وفي المدونة: ولو اشتراه على الجذاذ مكانه فأجيح قبل الجذ وضعت فيه الجائحة إن بلغت الثلث كالثمار لا كالبقول، ولو اشترى ما لم يطب من (حرز ولوز) (١) وفستق على أن يجذه فأجيح قبل الجذاذ فهو كالثمار توضع فيه الجائحة إن بلغت الثلث، فاستشكل ذلك ابن عبدوس، فأجابه سحنون بقوله: لأن معناه أن المشتري يأخذ ذلك شيئا بعد شيء على قدر الحاجة، ففهم سحنون المدونة على ما ذكر وقبله ابن عبدوس واعتمد ذلك من بعدهما، قاله الرهوني.
وإن من عريته مبالغة بعد مبالغة يعني أن من أعرى لشخص ثمر نخلات من حائطه فإنه يجوز له ولمن قام مقامه أن يشتريها منه، فإذا اشتراها منه بخرصها فأجيحت فإنه يجب وضع الجائحة عنه من الخرص كما يوضع عمن اشترى تمرا بدراهم إن بلغت ثلث المكيلة لأنها بيع ولا تخرجها الرخصة عن ذلك على المشهور، وأما إن اشتراها بغير خرصها فهي كسائر البيوع اتفاقا. قاله الخرشي.
وقال الخرشي: وإن كانت من عريته بأن اشتراها من المعري [أو من] (٢) نزل منزلته ثم أجيحت فتوضع عن المعري بالكسر المشتري لأنها مبيعة فلها حكم البيع ولا تخرجها الرخصة عن ذلك. انتهى. وقال بناني: وإن من عريته هذا هو المشهور، وقال أشهب: لا قيام له بها لأن العرية مبنية على المعروف ومحل الخلاف إذا [أعاره] (٣) نخلات ثم اشترى عريته بخرصها، أما إن اشتراها بالثمن فالجائحة من المعرى بالفتح إتفاقا، وأما إن [أعاره] (٤) أوسقا من حائطه ثم اشتراها
стр. 5701
منه فلم يبق إلا مقدار تلك الأوسق فلا قيام للمعري بالجائحة اتفاقا، فالمسألة ثلاث صور: طَرَفَانِ وواسطة.
لا مهر يعني أنه لو أصدق زوجته ثمرا على رءوس النخل قد بدا صلاحها فأصابتها جائحة تبلغ الثلث فأكثر، فإنه ليس للزوجة قيام بتلك الجائحة على الزوج، لأن النكاح مبني على المكارمة وهو قول ابن القاسم وليس بيعا محضا، قال الخرشي وعلى هذا لا جائحة في الثمار المخالع بها من باب أولى، لأن المعاوضة في الخلع أضعف من المعاوضة في الصداق، بدليل أنه يجوز فيه الغرر، وأما على أن في المهر جائحة وشُهِّرَ فالظاهر أنه لا جائحة في الخلع. انتهى. وعبارة ابن الحاجب تفيد ترجيح قول ابن القاسم وبه صدر الباجي واللخمي وأقامه ابن ناجي من المدونة، لكن ابن يونس واللخمي وإن شاركا غيرهما في التصدير بقول ابن القاسم اختارا قول ابن الماجشون القائل بأن في المهر الجائحة.
وَالْحَاصِلُ أن ما مشى عليه المص رجح ومقابله لابن الماجشون وقد رجح أيضا واللَّه سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: وأما لو كان المهر غير ثمر ثم عوضت فيه ثمرا ففيه الجائحة بلا نزاع ولا جائحة في الخلع ولو على القول بثبوتها في المهر.
وقوله: "وتوضع جائحة الثمار" بشروط ثلاثة أشار إلى الأول منها بقوله: إن بلغت ثلث المكيلة يعني أن الجائحة إنما توضع بشرط أن يجاح من النبات الثلث فأكثر مكيلا كان أو موزونا أو معدودا كالبطيخ، فلو قال: إن بلغ ثلث كيل المجاح أو وزنه أو عدده لكان أشمل. ولو من كصيحاني وبرني يعني أنه إذا كان المبيع صنفان من نوع واحد كتمر مثلا منه ما هو صيحاني ومنه ما هو برني فوقعت الجائحة في أحدهما وكانت الجائحة ثلث مجموعهما، فإن تلك الجائحة توضع عن المشتري ولا ينظر لثلث مكيلة المجاح وحده.
وَاعلَم أنه لا خلاف في المذهب أن الجنس الواحد يعتبر جميعه، لكن ابن القاسم يعتبر ثلث المكيلة وأشهب ثلث القيمة، وعليه رد المص بلو، قال المتيطى: قال الباجي في المنتقى: وإن كان المبيع جنسا واحدا وأنواعه مختلفة فأصيب نوع منها فلا خلاف بين أصحابنا أن الاعتبار بثلث جميع المبيع، وهل يعتبر ثلث قيمته أو ثلث الثمرة؟ فروى ابن المواز عن مالك وابن القاسم وعبد
стр. 5702
الملك أن الاعتبار بثلث الثمرة، وروى عن أشهب أن الاعتبار بثلث القيمة، وأما إن كان نوعا واحدا فهو على ضربين: أحدهما أن يحبس أوله على آخره كالتمر والعنب فهذا لا خلاف في المذهب أن الاعتبار بثلث الثمرة، وإن كان مما لا يحبس أوله على آخره كالقثاء والبطيخ والخوخ والتفاح والرمان فهاهنا يعتبر ابن القاسم أيضا ثلث الثمرة وأشهب يعتبر ثلث القيمة. انتهى.
وقد علمت به أن خلاف أشهب في صورتين ما لا يحبس أوله على آخره وذو الأنواع، خلاف ما يوهمه المص من قصره على ذي الأنواع، وفي الجواهر: إذا كان المبيع جنسا واحدا مختلف الأنواع فأصيب نوع منه فالاعتبار (يثبت بجميع) (١) البيع باتفاق الأصحاب ثم المعتبر في رواية محمد عن مالك وابن القاسم وعبد الملك ثلث الثمرة، وفي روايته عن أشهب ثلث القيمة، ومثله في ابن الحاجب والتوضيح وابن عرفة وغيرهم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن كان (في) (٢) الحائط أصناف من التمر برني وعجوة وشقم وغيره فأجيح أحدها، فإن كان قدر الثلث في الكل من الأصناف وضع من الثمن قدر قيمته من جميعها ناف على ثلث الثمن أو نقص. انتهى. والشقم بالقاف محركة جنس من التمر أو هو البرشوم الواحدة بهاء. قاله في القاموس. وقال في البرشوم: البرشوم ويفتح أبكر النخل بالبصرة.
وأشار إلى الثاني من الشروط الثلاثة بقوله: وبقيت لينتهي طيبها يعني أنه يشترط في وضع الجائحة أيضا أن تكون الثمرة بقيت في الشجر لينتهي طيبها أي ليتكامل طيبها وأما أن تناهت الثمرة فلا جائحة فيها كما يذكره المص، قال عبد الباقي: ومن أيام الطيب حكما أيام الجذاذ المعتادة ثم هذا الشرط في غير ما بيع على الجذ وما في حكمه على ما بيناه إذ ما بيع عليه لا يتأتَّى فيه البقاء لانتهاء الطيب شرعا. انتهى. وقال الحطاب: قال في التوضيح: المسألة على ثلاثة أقسام: أَحَدُهَا أن تكون الثمرة محتاجة إلى بقائها في أصولها ليكمل طيبها ولا خلاف في ثبوت الجائحة في ذلك. الثَّانِي ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه لنضارته كالتمر
стр. 5703
اليابس والزرع فلا جائحة فيه باتفاق. الثَّالِثُ أن يتناهى طيبها ولكن يحتاج إلى التأخير لبقاء رطوبته كالعنب المشتري بعد بدو صلاحه، وحكى المص -يعني ابن الحاجب- فيه قولين.
الباجي: مقتضى رواية ابن القاسم أنه لا يراعى البقاءُ لحفظ النضارة وإنما يراعى تكامل الصلاح، قال: ويجب أن يجرى هذا المجرى كل ما كان هذا حكمه كالقصيل والقضب والبقول والقرط فلا توضع جائحة في شيء من ذلك، قال: ومقتضى رواية سحنون أن توضع الجائحة من جميعه. انتهى. فَإنْ قِيلَ ما ذكره المص من قوله: "وإن بيعت على الجذ" يخالف قوله: "وإن تناهت الثمرة فلا جائحة"، فَالجَوَابُ أنه يفهم من قول المص: "وإن بيعت على الجذ" أن قول المص: "وإن تناهت الثمرة فلا جائحة" محله حيث جرت العادة بقطعه مرة واحدة، فإن جرت العادة بجذه مرة بعد مرة ففيه الجائحة. انظر الرهوني.
وَأَشَارَ إلى الشرط الثالث بقوله: وأفردت يعني أنه يشترط في وضع الجائحة أيضا أن تفرد الثمرة بالبيع عن أصلها، أو ألحق أصله يعني أنه إذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها ثم اشترى الأصل بعد ذلك ففيها الجائحة؛ لأن الثمرة حينئذ مقصودة بالشراء، قال المص: أما لو اشتراها أولا قبل بدو صلاحها على القطع ثم اشترى الأصول فله إبقاؤها ولا جائحة. قاله عبد الباقي. وقال المواق: ابن يونس: إذا اشترى ثمرا بعد زهوه ثم اشترى الأصل ففيه الجائحة. انتهى.
لا عكسه يعني أنه إذا اشترى الأصل ثم اشترى الثمرة فإنه لا جائحة في الثمرة أو معه يعني أنه إذا اشترى الأصول مع الثمار في عقد واحد فإنه لا جائحة في الثمار. ونظر ما أصيب من البطون إلى ما بقي في زمنه قال الخرشي: يعني أن الجائحة إذا أصابت شيئا يطعم بطونا كالمقاثي أو بطنا واحدا ولكن لا يحبس أوله على آخره كالعنب أو أصنافا كبرني وصيحاني وغير ذلك مما يختلف أسواقه في أول مجناه ووسطه وآخره وكان الذاهب ثلث المكيلة، فإنه ينسب فيما ذكر قيمة ما أجيح من البطون أو ما في حكمها إلى قيمة ما بقي سالما، وتعتبر قيمة كل من المصاب والسليم في زمنه على ما ذهب إليه جمع من الشيوخ واختاره عبد الحق كالمجاح يوم الجائحة ويُستأنَى بغير المجاح إلى زمنه ولا يستعجل بتقويمه على الظن والتخمين. وقوله: لا يوم البيع
стр. 5704
هو مقابل قول المص: "في زمنه" يعني أن قيمة كل من السالم والمجاح إنما تعتبر في زمنه خلافا لابن أبي زمنين القائل: تعتبر قيمة كل من المجاح والسليم يوم البيع.
وقوله: ولا يستعجل هو من تتمة قوله: "في زمنه" يعني أنه لا يستعجل بالسليم بل يستأنَى بتقويمه حتى يجنى، وقوله: على الأصح أي يقوم كل في زمنه فيقوم المجاح يوم الجائحة ولا يستعجل بتقويم السليم، بل يستأنى به حتى يجنى. هذا هو الأصح. إشارة إلى اختيار عبد الحق لهذا القول، قال الخرشي: قال في المدونة: مثل أن يشتري مقثاة بمائة درهم فأجيح منها بطن ثم جنى بطنين فانقطعت، فإن كان المجاح مما لم يجح قدر ثلث النبات بعد معرفة ناحية النبات وضع عنه قدره، وقيل ما قيمة المجاح في زمانه، فإن قيل: ثلاثون والبطن الثاني عشرون والثالث عشرة في زمانيهما لِغلاءِ الأول وإن قل ورخص الثاني وإن كثر فيرجع بنصف الثمن، وكذلك إن كان المجاح تسعة أعشار القيمة يرجع بمثله من الثمن، وإن كان أقل من الثلث في النبات لم يوضع فيه شيء وإن كانت قيمته تسعة أعشار الصفقة. انتهى. قد مر أن الأصناف كالبرني والصيحاني والشقم مثلا يعتبر فيها ثلث الجميع أي ثلث جميع المبيع باتفاق الأصحاب لكن اختلف في الكيفية، فروى ابن المواز عن مالك وابن القاسم وعبد الملك أن المعتبر ثلث الثمرة، وروى عن أشهب أن المعتبر ثلث القيمة أي ثلث قيمة المبيع، وكذا خالف أشهب أيضا فيما لا يحبس أوله على آخره كالبطيخ والخوخ والتفاح والرمان فاعتبر ثلث قيمة المبيع، وابن القاسم اعتبر ثلث المكيلة.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: ثم ما اقتضاه قوله إلى ما بقي من نسبة المجاح للسليم فقط فيه نظر، فإن المعتمد أن يجمع المجاح والسليم وينسب المجاح للسليم والمجاح لا للسليم فقط، وأجاب أحمد بأن فيه حذف عاطف ومعطوف أي إلى ما بقي وما أجيح. انتهى. وقال عبد الباقي: واعلم أنه يرجع بقيمة المصاب قل أو كثر لخ، قال بناني: صوابه قلت أو كثرت بالتأنيث، ومراده أنه إذا بلغ المجاح ثلث الثمرة اعتبر ولو قصر منابه من قيمة عن ثلثه وإلا فلا ولو بلغ منابه منه تسعة أعشاره وعكس أشهب فراعى الثلث بالقيمة.
стр. 5705
الثاني: اعلم أن عبارة المدونة ظاهرة فيما أفاده المص، وقد أول الشيوخ المدونة على ثلاث تأويلات: أحَدُهَا أنه يقوم الجميع يوم البَيْع وهو لابن أبي زمنين كما مر، الثَّانِي: أن التقويم يوم الجائحة فيقال ما قيمة التالف يوم الجائحة وما قيمة السالم يوم الجائحة؟ على أن يقبض، وكذا يقال في الثالث؛ إلا أنه يؤخر تقويم ذلك حتى يوجد. قاله الرهوني محصلا به كلام أبي الحسن. وما قررت به المص من حمله على ظاهره هو الذي قواه الرهوني وارتضاه، وقوى غير واحد التأويل الثالث وهو أنه يقوم كل واحد زمن الجائحة بالتالف زمنها، وكذلك السليم فيقوم يوم الجائحة بعد أخذه.
وفي المزهية التابعة للدار تأويلان يعني أن من اكترى دارا أو أرضا فيها نخلة مزهية وهي تبع للدار أي قيمة ثمرتها قدر ثلث الكراء فأقل، فأجيحت تلك النخلة فذهب ثلث مكيلتها فإنه اختلف هل فيها الجائحة لأنها ثمرة مبتاعة فدخل العقد عليها مفردة فهي كغيرها؟ أو لا جائحة فيها ولو ذهب جميعها لأنها تبع والجائحة إنما تكون في ثمرة مقصودة في البيع في ذلك تأويلان على المدونة، فإن لم تكن مزهية فلا جائحة اتفاقا كانت تابعة أم لا، ويفسد الكراء في الثاني دون الأول إذا اشترط إدخالها فيه وضمانها من بائعها. وقوله: "التابعة" مفهومه فيها الجائحة اتفاقا ولا مفهوم للدار. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وفي اعتبار الجائحة الحاصلة في الثمرة المزهية في النخل أو التي طابت في غيره التابعة للدار المكتراة، فإن اشترط الثمرة بعقد الكراء وكانت قيمتها ثلث الأجرة فدون فتوضع نظرا لأنها ثمرة مبتاعة كغيرها وعدم اعتبارها فلا توضع نظرا لتبعيتها وإن لم تدخل إلا بشرط، وَالجائحةُ إنما هي في ثمرة مقصودة بالبيع تأويلان وغير الدار كالفندق حكم الدار، ومفهوم المزهية أن غير المزهية التابعة إذا اشترطها لا يكون حكمها كذلك وهو صحيح إذ لا جائحة فيها بلا نزاع، وإنما يجوز اشتراطها أي غير المزهية التابعة بأربعة شروط: أن تكون تبعا للسكنى في القيمة بأن تكون الثلث فدون وأن يشترط جملتها وأن يكون طيبها قبل انقضاء مدة الكراء وأن يكون قصده باشتراطها دفع الضرر بالتصرف إليها، فإن اختل شرط لم يجز اشتراطها، ومفهوم التابعة أن المشترطة بالكراء مزهية غير تابعة فيها الجائحة بلا نزاع فإنها كعقد مستقل، وأما غير المزهية وغير التابعة فاشتراط المكري لها يفسد
стр. 5706
عقد الكراء هذا وصفة التقويم على القول بثبوت الجائحة فيما ذكره المص وفي غيره أن ينظر أولا إلى قيمة الثمرة، وإلى مثل كراء الدار بغير ثمرة يوم الصفقة فيقسم الكراء عليهما، فما قابل الثمرة منه فهو ثمنها، فإن أصابت الجائحة ثلث الثمرة وضع عنه ثلث حصة الثمرة من جميع الثمن الذي نقد في الكراء. قاله ابن يونس. قاله أحمد باختصار.
وعلم من قولي: فإن اشترطت بعقد الكراء أنها مطلقا لا تدخل في عقده إلا بشرط؛ لأن مكتري الدار مثلا إنما دخل على الانتفاع بها والثمرة شيء آخر وليس في كلام المص هنا ولا في قوله في الإجارة: "واغتفر ما في الأرض ما لم يزد على الثلث بالتقويم" ما يدل على ذلك، وأن اشتراط المزهية جائز كانت تبعا أم لا وفيها الجائحة إن كانت غير تبع، فإن كانت تبعا ففي ثبوت الجائحة فيها خلاف كما أفاده المص، وأن اشتراط غير المزهية التابعة جائز بأربعة شروط ولا جائحة فيها وغير المزهية وغير التابعة يفسد العقد باشتراطها.
اللخمي: وإذا دخلت الثمار في العقد لأنها تبع ثم انهدمت الدار بعد سكنى شهر مثلا، فإن كانت الثمرة لم تطب فسخ البيع فيها ورجعت إلى البائع وحط عن المكتري ما ينوبها. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: من اكترى دارا فيها نخلات يسيرة أقل من الثلث فاشترطها المكتري فأثمرت ثم أجيح ثمرتها فلا جائحة فيها أبرت حين الكراء أو لم تؤبر طابت أو لم تطب؛ لأنها لا حصة لها إذا كانت تبعا كمال العبد، وإن لم تكن تبعا فاشترطها المكتري فإن لم تزه فسدت الصفقة كلها وإن أزهت جازت وفيها الجائحة. اللخمي: ومن اكترى دارا وفيها ثمرة قد طابت فاشترطها، فإن كان جميع الثمرة أقل من الثلث وأصيب جميعها أو ثلثها فأكثر فقيل لا جائحة فيها لأنها تبع وقيل فيها الجائحة وهذا أحسن لأنها مشتراة وليست ملغاة. انتهى.
وأشار المص إلى تفسير الجائحة بقوله: واختلف في حد الجائحة هل هي ما لا يستطاع دفعه لو علم به؟ ومثل لذلك بقوله: كسماوي منسوب للسماء كالبرَد بفتح الراء وسكونها والحر والريح والثلج والمطر والعفن والدود والنار والطير الغالب والقحط والجراد والعفا وهو يبس الثمار مع تغير لونها وجيش، أو هي أعم من ذلك فيشمل ما يستطاع دفعه فهي سماوي وجيش وسارق فهو بالرفع عطف على مقدر أي أو هي سماوي وجيش وسارق كما قررت. وقوله: خلاف مبتدأ حذف
стр. 5707
خبره أي في ذلك خلاف، قال بناني: القول الأول لابن نافع وعزاه الباجي لابن القاسم في الموازية، قال في التوضيح: وعليه الأكثر، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه المشهور، والقول الثاني لابن القاسم في المدونة وصوبه ابن يونس واستظهره ابن رشد قائلا: لا فرق بين فعل الآدمي وغيره في ذلك لما بقي في الثمرة من حق التوفية. انتهى.
وقال الشارح: يعني وهل الجائحة مقصورة على كل ما لا يستطاع دفعه كالآفات السماوية والجيش الذي لا يمكن دفعه لو علم به وهذا مذهب ابن القاسم عند الباجي، فالسارق غير جائحة على هذا لأنه يستطاع دفعه لو علم به. الباجي: وهذا قوله في الموازية، ونقل الشيخ أبو محمد عن ابن القاسم في المدونة أن السارق جائحة وعلى هذا تكون الجائحة الآفات السماوية والجيش والسارق، وإليه أشار بقوله: "أو وسارق" فأتى بعد أو بالواو المقتضية للتشريك. انتهى. وإنما يكون السارق جائحة إن لم يعرف فإن عرف اتبعه المبتاع بقيمة ما سرق وإن كان معدما ولا يكون جائحة. نقله ابن عرفة. وقال: يلزم مثله في الجيش إذا عرف منه وواحد لأنه يضمن جميعه والأظهر في عُدْمِه أي السارق غيرَ مرجو يسره عن قرب أنه جائحة وهو ظاهر المدونة. انتهى.
وتعييبها كذلك يعني أن تعييب الجائحة للثمرة من غير أن تُذْهِبَ مِنْ عينها شيئا كذلك أي يكون جائحة توضع عن المشتري إن نقص ثلث قيمتها فأكثر، ولا ينظر إلى ثلث مكيلتها هذا هو ظاهر التوضيح وابن عرفة وغيرهما إذا لم ينقص من عينها شيء، فالتشبيه في الوضع إن نقص مطلق الثلث لا ثلث المكيلة، ففي كلام أحمد شيء. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: المشهور أن الثمرة إذا لم تهلك بل تعيبت بغبار وما أشبهه فإن ذلك جائحة بالشروط المتقدمة، لكن في التعييب ينظر إلى ثلث القيمة فتوضع من غير نظر إلى ثلث المكيلة فالتشبيه في مطلق الوضع لا بقيد المكيلة لأن المكيلة هنا قائمة فلا ينظر إليها وهو ظاهر كلام ابن عرفة والتوضيح وغيرهما. انتهى. وقال بناني: قال في التوضيح: فإن لم تهلك الثمار بل تعيبت فقط كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبها فينقص ثمنها، ففي البيان المشهور أن ذلك جائحة ينظر إلى ما نقص هل الثلث أم لا؟ وقال ابن شعبان: -وهو أحد قولي ابن الماجشون- ليس ذلك جائحة وإنما هو عيب والمبتاع بالخيار بين أن يتمسك أو يرد. انتهى. وعلى القول بأن ذلك عيب فإن ذهب
стр. 5708
من الثمرة ثلثها وتعيب الآخر فجائحة يوضع عن المشتري بقدر ما ذهب، ويكون المبتاع بالخيار في الباقي بين أن يتمسك به أو يرده ويرجع بجميع الثمن. قاله الرهوني.
وتوضع من العطش وإن قلت يعني أن الجائحة إذا كانت عطشا فإنها توضع سواء بلغت الثلث أو قلت عن الثلث، قال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن الجائحة توضع من العطش سواء كانت قليلة دون الثلث أو أكثر منه وهذا عام في البقول وغيرها؛ لأن سقيها لما كان على ربها أشبهت ما فيه حق توفية، وما وقع في نسخة الشارح من أن سقيها على المبتاع سبق قلم. انتهى. وقال عبد الباقي: وتوضع من العطش وإن قلت عن الثلث لأن سقيها على بائعها فأشبهت ما فيه حق توفية، وظاهر المص ولو قلت جدا. ولابن رشد ما قل إذا كان لا خطب له فلا يوضع له شيء. انتهى.
وقال المواق من المدونة قال ابن القاسم: أما إن هلكت الثمرة من انقطاع ماء السماء أو انقطع عنها عين سقيها فهذا يوضع قليل ما هلك به وكثيره. ولا بأس بشراء شرب يوم أو شهر لسقي أرضه دون شراء أصل العين، فإن غار الماء بنقص قال ابن القاسم: أنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل الماء. الصقلي: ولو اشترى قوم ثمار بلدة وانجلى أهلها عنها لفتنة أو لأهل (١) حرب كان ذلك جائحة. انتهى.
كالبقول تشبيه في الوضع وإن قلت، لكن لا فرق بين كونها من العطش وغيره، قال مالك: من اشترى شيئا من البقول السلق والجزر والفجل والكراث وشبه ذلك فإنه يوضع قليل ما أجيح منه وكثيره، والزعفران والريحان يعني أن الزعفران والريحان توضع جائحتهما وإن قلت ولا فرق بين كونها من العطش وغيره، قال المواق: قال سحنون: أما الزعفران والريحان والبقل والقرط فإن الجوائح توضع في قليلها وكثيرها ولا يصلح فيها المساقاة. انتهى.
والقرط هو حشيش يشبه البريسيم خلقة وهو عطف على مدخول الكاف فتوضع جائحته وإن قلت، ولا فرق بين كونها من العطش وغيره وكذلك قوله: والقطب بقاف مفتوحة فضاد معجمة
стр. 5709
ساكنة، وورق التوت هو الذي يباع لأجل دود الحرير أي يعلف به. التونسي: لو مات دود الحرير الذي لا يراد ورق التوت إلا لأكله هل مشتريه كمكترٍ حماما وفندقا خلا بلده فلا يجد من يعمره فيكون له متكلم؟ أو لا يشبهه لأن ورق التوت سلعة تضمن بالعقد كمن اشترى علفا لقافلة تأتيه فعدلت عن محله. ابن يونس: ورق التوت الذي يباع لعلف دود الحرير، قال ابن القاسم: إنه كالبقل يوضع فيه ما قل منه أو كثر.
ومغيب الأصل عطف على مدخول الكاف فتوضع فيه الجائحة قلت أو كثرت من العطش أو غيره، ومثل لِمغيَّبِ الأصل بقوله: كالجزر قال بناني: جعل مغيب الأصل كالبقول ونحوُه قول المدونة: وأما جائحة البقول السلق والبصل والجزر والفجل والكراث وغيرها فيوضع قليل ما أجيح منه وكثيره انتهى. ابن عرفة: جعل الجزر والفجل من البقول وكذا نقل اللخمي وغيره، وقال ابن عبد السلام: اختلف في الأصول المغيبة كاللفت هل هي كالبقول؟ انتهى. قال المتيطى: وأما المقاثي والبطيخ والباذنجان والقرع والفجل والجزر والموز والورد والياسمين والخيرى والعصفر والفول الأخضر والجلبان فحكم ذلك كله حكم الثمار يراعى فيه الثلث، وروى محمد عن أشهب أن المقاثي كالبقول يوضع قليلها وكثيرها وما قدمناه أشهر وبه القضاء. انتهى. فانظره (مع) (١) ما تقدم. انتهى.
قال عبد الباقي عند قوله "كالجزر": ولا فرق في هذه بين كونها من العطش أم لا، فلو قال: ومطلقا في كالبقول لخ لأفاد ذلك. انتهى. والفرق بين تقييد وضع جائحة الثمار بالثلث وبين وضعها من البقول وما معها وإن قلت أنه لا يتوصل إلى مقدار الثلث لأنه يجز أولا فأولا فلا يضبط قدر ما يذهب منه، وفي قول المص: "ومغيب الأصل" إشعار بجواز بيعه وهو كذلك بشرط قلع شيء منه ويرى. قاله (٢) التتائي. مالك: ويحفر على أصله ويختبر كان حوضا أو أحواضا كثيرة وقيل لا يجوز إلا ما قلع وما لم يقلع مجهول. انتهى. ولا يكفي رؤية ما ظهر منه دون قلع خلافا للناصر اللقاني، ويدخل في مغيب الأصل في جواز بيعه مع قلع بعضه ورؤيته جدرة قصب
стр. 5710
السكر تباع وحدها أو مع انضمام عقد كراء الأرض إليها ولا يجوز اشتراط المكتري على المكري (اشتراط) (١) تبقية الجدرة بعد فراغ المدة لعدم تخلق المشترط وقت الشراء، فإن تطوع له بذلك بعد العقد جاز كما يجوز اشتراطها للمكري لأنها مال من أمواله. قاله الأستاذ أبو سعيد بن لب. قاله ابن عاصم. وهي فائدة حسنة تقع عندنا بمصر.
تنبيهان: الأول: قوله: "ورق التوت" لو مات الدود فهو جائحة في الورق أي فيفسخ عن نفسه الكراء أو البيع، كمن اكترى حماما أو فندقا فخلا البلد ولم يجد من يسكنه.
الثاني: قال ابن عرفة: وفيمن تسلف مالا أو أخذ سلما وقال أؤدي لك من مالي بقرية كذا فحيل بينه وبين ماله ذلك وطلبه المسلم بدينه ثلاثة أقوال: صحة البيع مع القضاء لغريمه من عموم ماله: وبه أفتى ابن عبد الرءوف وابن الشقاق وابن دحون وغيرهم وصحته ولا يلزم القضاء إلا من ماله ذلك، وبه أفتى أبو المطرف عبد الرحمن بن بشير ورجع له الأولون بعد عرضه عليهم. ابن عات: ينبغي أن لا يجوز. انتهى.
ولزم المشتري باقيها يعني أنه يوضع عن المشتري الجائحة وما بقي بعد الجائحة يلزم المشتري وإن قل اتفاقا، "فإن" لدفع التوهم وهذا بخلاف استحقاق الجل فإنه يخير المشتري بين التمسك بالأقل والرجوع بمناب المستحق والرد، ويرجع بجميع الثمن في المثلي كما هنا ويحرم التمسك بالأقل في المقوم والفرق تكرر الجوائح، فالمشتري دخل عليها بخلاف الاستحقاق فلم يدخل عليه لندوره وأيضا العقد وقع في الاستحقاق على غير مملوك للبائع بخلاف الجائحة. قاله التتائي.
وأشار إلى حكم ما إذا تعددت الأجناس المشتراة تقع فيها الجائحة بقوله: وإن أشترى أجناسا فأجيح بعضها وضعت يعني أن من اشترى أجناسا مختلفة مما فيه الجائحة من حائط أو حوائط كنخل ورمان وخوخ وعنب وغير ذلك صفقة واحدة، فأجيح بعض من جنس أو من كل جنس أو جنس وبعض آخر فإن الجائحة توضع بشرطين، الأوَّلُ أشار إليه بقوله: إن بلغت قيمته ثلث الجميع يعني أنه لا بد في وضع الجائحة من أن تكون قيمته أي الجنس الذي وقعت فيه الجائحة