← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

الرابع: التفليس لا يتوقف على ثبوت العسر كما هو المستفاد من قول المدونة: ويبيع الإمام ما ظهر من ماله فيتوزعه غرماؤه ويحبس فيما بقي إن تبين لدده أو اتهم. انتهى. خلاف ما يفيده كلام ابن عبد السلام من توقف التفليس على ثبوت العدم. انظر البناني. وعلم من المص أنه متى ثبت عسره أخرج من الحبس، قال ابن رشد: حبس الغريم إنما يكون ما لم يثبت عدمه ويظهر فقره. انتهى. إن جهل حاله يعني أن المفلس إنما يحبس إن جهل حاله هل ملي أو معدم فيحبس لأن الناس محمولون على الملاء، وهذا مما قدم فيه الغالب وهو التكسب على الأصل وهو الفقر؛ لأن الإنسان يولد فقيرا لا ملك له غالبا، ومفهوم الشرط عدم حبسه إن علم عسره. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي عند قوله "وحبس لثبوت عسره إن جهل حاله" ما نصه: ذكرا كان أو أنثى، حرا أو مأذونا له في التجارة هذا إن جهل حاله، أما من علم ملاؤه فيؤمر بدفع الحق الآن طاع أو كره، ومعلوم العدم يجب إنظاره فلو ثبت عسره ولو قبل حبسه لم يحبس، والدليل على جواز حبس المفلس قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، فإذا جازت ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه ولا خلاف في ذلك. هكذا نقل شيخ الإسلام بهرام الدميري. وقوله: "وحبس لثبوت عسره" الخ علم مما مر أن كلام المص في المفلس، وأن المديان غير المفلس يحبس كما أفاده ابن رشد، فإنه قال: حبس المديان على ثلاثة أوجه تَارَةً يحبس للتلوم لاختبار حاله فيمن جهل حاله، وَتَارَةً لاتهام الغريم أن يكون أخفى مالا وغيَّبه، وتَارَةً لكونه أخذ أموال الناس وقعد عليها، والاختيار في المجهول بقدر ما يتبين أمره ويكشف عن حاله، وذلك مختلف باختلاف الدين قلة وكثرة وتوسطا، فيقل في القليل ويكثر في الكثير ويتوسط في المتوسط ووجه ذلك أنه يسجن على وجه اختبار حاله، فوجب أن يكون على قدر الحق الذي يسجن من أجله. اهـ. نقله الشارح. وقول المص: إن جهل حاله هو المعروف من المذهب كما قاله اللخمي، قال الشارح: واختلف في المجهول هل يحمل حاله على الملاء من غير نظر إلى السبب الموجب للدين وهو المعروف من

стр. 6022

المذهب. قاله اللخمي؟ أو يحمل على العدم حتى يتبين ملاؤه وهو قول مالك في المبسوط؟ لقوله فيه: لا يحبس إلا التاجر أو يحمل على الملاء إن كان الدين عن المعاوضة، وعلى العدم في غير ذلك كنفقة الآباء والأبناء وهو قول ابن القاسم وأشهب، وسواء عندهما كان العوض متمولا أم لا، ووافقهما على هذا القول ابن كنانة وسحنون بشرط أن يكون العوض متمولا، فإن كان مما لا يتمول كالصداق الذي هو عوض عن الذي لا يتمول، وكأرش الجناية فهو محمول عندهما على العدم. نقله الشارح. ولم يسئل الصبر له بحميل بوجهه يعني أنه إنما يحبس بشرط أن يجهل حاله، وأن لا يسئل هذا الذي جهل حاله الصبر عن حبسه إلى أن يثبت عسره بإعطاء حميل بالوجه، فأما إن سأل الصبر أي تأخير حبسه إلى ثبوت عسره والحال أنه أعطى حميلا بالوجه فإنه لا يحبس وأولى لو أعطى حميلا بالمال. وقوله: "بحميل" الظاهر أن الباء فيه بمعنى مع، وهو حينئذ متعلق بيسئل أو للسببية ويتعلق حينئذ بالصبر أو هو حال. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله: "له" اللام للغاية وهو متعلق بالصبر، وقوله: "بوجهه" متعلق "بحميل"، والضمير في "يسئل" عائد على "من جهل حاله": وفي "له" عائد على "ثبوت عسره" قال البناني. قال في التوضيح: عياض: لم يبين في المدونة هل الحميل بالوجه أو بالمال؟ والصواب أن يكون بالوجه هكذا نص عليه أبو عمران وأبو إسحاق وغيرهما من القرويين والأندلسيين ولا يقتضي النظر غيره. اهـ. ونقل بعضهم عن المتيطى أنه يكلف إقامة حميل بالمال إلى أن يثبت العدم، فإن عجز عن حميل المال سجنه على القول المشهور المعمول به لخ، فانظره. اهـ. وقال الرهوني: إنما قيد المص بالوجه لأنه محل التوهم فيؤخذ منه بالأحرى أنه لا يسجن إن أعطى حميلا بالمال وهو محل اتفاق، وقول البناني: ونقل بعضهم عن المتيطى أنه يكلف إقامة حميل بالمال لخ، ما نقله هذا البعض عن المتيطى لم يذكره ابن عرفة أصلا لا عنه ولا عن غيره حتى على أنه شاذ فضلا عن أن يكون مشهورا، وقد اقتصر على الحميل بالوجه فانظره، وعليه أيضا اقتصر ابن سلمون فانظرهما، ولم ينقل أبو علي ذلك عن المتيطى ولا وجدته في اختصار ابن هارون ولا في المعين، وقد اقتصر

стр. 6023

ابن يونس على ما اقتصر عليه عياض وغيره وعزاه لابن القاسم ونصه: وإذا أراد أن يعطي حميلا بوجهه إلى أن يثبت فقره فلا يسجن عند ابن القاسم. اهـ. منه بلفظه. ومقابل قول ابن القاسم لسحنون ففي ابن عرفة ما نصه: ففي المدونة: ويحبس أو يعطي حميلا، فقال التونسي: يريد بالوجه لا بالمال في قول ابن القاسم، ثم قال: قلت لما ذكر اللخمي قول ابن القاسم أنه يقبل منه الحميل، قال: ومنعه سحنون والأول أحسن إلا أن يعرف باللدد فلا يقبل منه، ثم قال: ولما ذكر عياض قولي ابن القاسم وسحنون، قال: وحمل بعضهم قوليهما على الخلاف، ثم قال الرهوني: وهذا كله مما يوجب التوقف في تسليم نقل هذا البعض عن المتيطى وعلى تقدير صحتة، ففيما ذكره من التشهير نظر لأن من ذكرنا من الحفاظ لم يذكروا هذا القول أصلا فضلا عن أن يكون مشهورا، ولم يذكره أيضا صاحب التوضيح ولا غيره ممن وقفنا عليه، فلو أسقط البناني كلام هذا البعض أو نبه على أنه لم يعول عليه لسلم من إيهام أن ما للمص خلاف المشهور والمعمول به. واللَّه الموفق انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشارح: وحكى اللخمي في قبول الحميل من الغريم الذي حبس حتى يثبت عسره قولين، قال ابن القاسم: يقبل منه ذلك ومنعه سحنون. اللخمي: والأول أحسن إلا أن يكون معروفا باللدد فلا يقبل منه حميل؛ لأن السجن أقرب لاستخراج الحق من أمثاله. انتهى. قول الرهوني: لم يذكره ابن عرفة أصلا لا عنه ولا عن غيره حتى على أنه شاذ يظهر أنه مناقض لما ذكره ابن عرفة بعدُ عن سحنون. واللَّه تعالى أعلم. فغرم إن لم يأت به يعني أنه إذا فرعنا على القول بقبول الحميل من الغريم فإن الحميل يغرم ما على الغريم من الدين إن لم يأت بمجهول الحال عند انقضاء المدة التي يجب فيها سجنه لو حضر، فإن أتى به برئ. وعلم مما قررت أن فاعل "غرم" ضمير يعو على الحميل، والضمير في به عائد على المدين الذي جهل حاله. وقوله: "غرم" بكسر الراء. ولو أثبت عدمه يعني أن الحميل يغرم ما على المدين حيث لم يأت به، ولو أثبت هذا الحميل عدم المدين عند ابن رشد بناء على أن يمين المدين أنه لا مال له بعد ثبوت فقره يتوقف عليها ثبوت عدمه وقد تعذرت منه، واقتصر في باب الضمان

стр. 6024

على عدم الغرم حيث أثبت عدمه، فقال: لا إن أثبت عدمه أو موته في غيبته أي فلا ضمان على الكفيل بناء على أن اليمين استحسان وهو طريق اللخمي، إلا أن يظن به كتم المال فتكون لازمة له عند اللخمي أيضا، قال عبد الباقي: قال بعض من شرح: والمشهور من القولين ما للخمي. انتهى. وهو مخالف لما تقرر عند أهل المذهب من تقديم ما لابن رشد على ما للخمي. انتهى. قوله: وهو طريق اللخمي لخ قال البناني: قال بعض شيوخنا: ما قاله اللخمي به جرى العمل بفاس. اهـ. وقول عبد الباقي: إلا أن يظن به كتم المال فتكون اليمين لازمة له عند اللخمي أيضا. انتهى. فإن ظن به كتم المال غرم الضامن باتفاق ابن رشد واللخمي. انظر البناني. أو ظهر ملاؤه إن تفالس عطف على قوله: "جهل" يعني أن المديان يحبس حيث جهل حاله كما عرفت، ويسجن أيضا إن ظهر ملاؤه حيث تفالس أي ادعى الفلس أي الفقر، بأن قال: لا شيء معي يفي بالدين، وظاهر الملاء هو الذي يظن به الملاء بسبب لبسه الثياب الفاخرة وله خدم من غير علم حقيقته، ومحل سجنه حيث لم يسئل الصبر عن سجنه لثبوت عسره بحميل وإلا أجيب، وهل بالوجه كالمجهول وهو لابن القاسم؟ أو بالمال وهو لسحنون؟ قولان، أو الأول في غير الملد والثاني في الملد؟ قاله عبد الباقي. قوله: كالمجهول قد مر أن فيه الأقوال الثلاثة فانظره، وقال الشارح: وأما إن وعد بالقضاء وسأل أن يؤخر اليوم ونحوه أخره القاضي إن أعطى حميلا بالمال، قال سحنون: فإن لم يجد حميلا به سجن، وظاهر كلامه في المقدمات أنه لا يطلب بحميل، ففيها: وإن سأل أن يؤخر ووعد بالقضاء أخره الإمام حسبما يرجو له، ولا يعجل عليه بالتفليس وبيعِ عروضه عليه في الحين، قال: والروايات بذلك مسطورة في العتبية والواضحة وغيرهما من الدواوين. انتهى المراد منه. وإلى قول سحنون أشار بقوله: وإن وعد بقضاء وسأل تأخير كاليوم أعطى حميلا بالمال، وعلم مما قدمت أن فاعل: "وعد" ضمير يعود على ظاهر الملاء فهو مفهوم قوله: "إن تفالس"، ويصح أن يعود على من ذكر من مجهول الحال وظاهر الملاء، فيكون مفهوم القسمين؛ لأن الأول يفهم منه أنه ادعى العسر والثاني صرح بذلك. وقوله: "وسأل تأخير كاليوم" أدخلت الكاف يوما آخر، قال عبد الباقي عند قوله: "كاليوم" ما نصه: واليومين فقط، وقوله: "أعطى حميلا بالمال" قد

стр. 6025

علمت أنه لسحنون، ولمالك يؤجل ثلاثا وأربعا وخمسا، وجعل هذا مقابلا يفيد أن المذهب أنه لا يؤخر. وإلا أي وإن لم يعط من ذكر حميلا بالمال سجن حتى يأتي بالحميل أو يقضي ما عليه، وقد مر عن الحطاب على من تكون أجرة الحبْس عند قوله: "إن جهل حاله" كمعلوم الملاء تشبيه بقوله سجن؛ يعني أن معلوم الملاء إذا لم يؤد ما عليه فإنه يسجن حتى يؤدي ما عليه، وقوله: "كمعلوم الملاء" مثلوه بمن يأخذ أموال الناس ويقصد بها التجارةَ ثم يدعي ذهابها ولم يظهر ما يصدقه من احتراق منزله أو سرقة ونحوهما، وقوله: "كمعلوم الملاء" قال عبد الباقي: يسجن أبدا ولا يقبل منه حميل، فالتشبيه في مطلق السجن. انتهى. قوله: يسجن أبدا ولا يقبل منه حميل لخ قال البناني: فيه نظر، بل الذي في التوضيح عن ابن رشد ولا ينجيه من السجن والضرب إلا حميل غارم، ومثله في التوضيح عن عياض ونظمه في التحفة بقوله: وإن أتى بضامن فبالأدا … حتى يوَدِّي ما عليه قعدا انتهى. قوله: ومثله في التوضيح عن عياض، قال الرهوني: الذي فيه هو ما نصه ولا يؤخذ منه حميل إلا أن يلتزم الحميل دفع المال. انتهى. وأجل لبيع عرضه إن أعطى حميلا بالمال يعني أن المدين غير المفلس إذا طلب أن يؤجل لبيع عرضه ليقضي من ثمنه الغريم فإنه يجاب إلى ذلك بأن يوجل باجتهاد الحاكم مدة يبيع فيها عروضه بشرط أن يعطي حميلا بالمال، وإلا أي وإن لم يعط حميلا بالمال سجن وليس للإمام بيع عرضه كبيعه على المفلس؛ لأن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله فيباع عليه عروضه، كما قدمه المص بقوله: "وبيع ماله بحضرته" فلا يحتاج لتأجيل. قوله: "وأجل" قال عبد الباقي: باجتهاد الحاكم المدين غير المفلس علم ملاؤه أو ظهر أو جهل حاله إذا طلب التأجيل لبيع عرضه واستبعد جعل مجهول الحال له عرض يبيعه. انتهى. قوله: "وأجل لبيع عرضه" هو الذي عند كثير من الأشياخ، وقال آخرون: لا يؤجل ويباع عليه العرض لحينه. قاله الشارح.

стр. 6026

وفي حلفه على عدم الناض تردد يعني أن المدين مفلسا أم لا إذا لم يعلم عنده ناض وبيع ماله وقبض الثمن فإن الأشياخ اختلفوا هل يجبر على الحلف على عدم الناض؟ أي العين أي يجبر على أنه يحلف أنه ما أخفى ناضا وهو مذهب ابن دحون، أو لا يحلف وهو مذهب أبي علي الحداد؟ أو يحلف التاجر دون غيره وهو مذهب ابن زرب؟ وهذا الخلاف جار على الخلاف في أيمان التهم. قوله وإن علم بالناض لم يؤخر هو في معلوم الملاء يعني أن معلوم الملاء إذا علم بالناض عنده لم يؤخر أي لم يؤجل ولم يحلف، بل يضرب باجتهاد الحاكم إلى أن يدفع الحق ولو أدى إلى إتلاف نفسه لأنه ملد. وضرب مرة بعد مرة يعني أن معلوم الملاء إذا لم يؤد ما عليه فإنه يضرب المرة بعد المرة باجتهاد الحاكم في التعدد بمجلس أو بمجالس ولو أدى إلى إتلاف نفسه لأنه ملد، وعلم مما مر أن هنا أربعة أقسام: مدين جهل حاله، هل هو ملي أو معدم؟ هو قوله: "وحبس لثبوت عسره" لخ وهو جار في المفلس وغيره أو في المفلس فقط على ما مر. الثاني: من ثبت عسره لا يسجن جار في المفلس وغيره أي حيث كان عسره ببعض المدين. الثالث: ظاهر الملاء يفهم مما مر أنه في غير المفلس، وعلم مما مر أيضا أن قوله: "وإن وعد بقضاء" جار في مجهول الحال وظاهر الملاء. الرابع: معلوم الملاء يفهم مما مر أنه في غير المفلس. وعلم مما مر أيضا أن قوله: "وأجل لبيع عرضه" إنما هو في غير المفلس وأنه في معلوم الملاء وظاهر الملاء وفي مجهول الحال مع أنه مستبعد، وعلم منه أيضا أن قوله: "وإن علم بالناض" هو في معلوم الملاء، وأن قوله: "وضرب مرة بعد مرة" في معلوم الملاء علم بالناض عنده أم لا، فقوله: "وضرب" عطف على "أجل" لا على علم. وعلم مما مر أن الضمير في قوله: "وفي حلفه على عدم الناض" عائد على المدين مفلسا أم لا. واللَّه تعالى أعلم. وإن شهد بعسره أي مجهول الحال وظاهر الملاء، ويبدل من قوله: "عسره" قوله: أنه بفتح الهمزة لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن حلف كذلك يعني أنه إذا شهدت البينة على عسر هذا المدين وهو مجهول الحال أو ظاهر الملاء بأن تشهد بأنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، فإنه لا يطلق حتى يحلف كذلك على ما شهد به البينة، بأن يقول في يمينه لا أعرف لي مالا ظاهرا ولا

стр. 6027

باطنا. وزاد في يمينه على ذلك، وإن وجده أي المال ليقضين الدين وأنظر أي أخر إلى أن يكون موسرا، لقوله جل وعز: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي يجب أن يؤخر إلى أن يرزقه اللَّه ما يؤدي منه ما عليه من المدين، قال عبد الباقي: وإن شهد بعسره أي مجهول الحال وظاهر الملاء، وصفة الشهادة أن تقول البينة إنه بكسر الهمزة على أنها محكية بقول مقدر، وفتحها لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن حلف كذلك أي لا أعرف لي مالا ظاهرا ولا باطنا، والمذهب أنه يحلف على البت وعلى ما للمص إن ترك من اليمين ظاهرا وباطنا لم تعد، بل إذا امتنع منهما لا يجبر عليهما وهذه إحدى المسائل التي يحلف فيها المدعي بعد بينته، كدعوى المرأة على زوجها الغائب بالنفقة والقضاء على الغائب والميت وَضَابطُهُ كل بينة شهدت بظاهر فإنه يستظهر بيمين الطالب؛ أي من شهدت له على باطن الأمر، ويستثنى من هذا إثبات أحد الأبوين فقر نفسه ببينة لتكون نفقته على ابنه، فإنه لا يحلف مع بينته كما قال المص في النفقات "وأثبتا العدم لا بيمين". انتهى. قوله: من شهدت له تفسير للطالب، وقوله: على باطن الأمر متعلق بيستظهر. قاله مقيده واللَّه تعالى أعلم. وقوله: والمذهب أنه يحلف على البت، قال البناني: ما ذكره أنه المذهب عليه اقتصر ابن عرفة عن ابن رشد، واقتصر عليه في المفيد وذكر الخلاف في التوضيح، ورجح ابن سلمون أنه يحلف على العلم واعترضه أبو علي في شرحه. انتهى. تنبيهات: الأول: قوله أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن هو شهادة على نفي العلم، قال عبد الباقي: وفهم منه أنهم لو قطعوا بطلت شهادتهم، وإن قالوا فقير عديم لا مال له ظاهر ولا باطن ففي بطلانها قولان. انتهى. قوله: وفهم منه أنهم لو قطعوا لخ نص ابن عرفة عن ابن رشد، فإن قال الشهود إنه فقير عديم لا مال له ظاهرا ولا باطنا ففي بطلانها قولان بناء على حملها على ظاهرها على البت أو على العلم، ولو نصوا على البت والقطع بطلت. انتهى. الثاني: وقع لعبد الباقي أنه قال عند قول المص هنا: "وأنظر" ما نصه: باجتهاد الحاكم وفيه نظر، بل يؤخر بغير أجل بدليل الآية. قاله البناني. وقال الشارح عند قوله: وأنظر ما نصه إلى ميسرة، وقال الخرشي عند قوله: وأنظر ما نصه: وقوله وأنظر إشارة إلى الاحتجاج بقوله تعالى:

стр. 6028

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ على أبي حنيفة في قوله: إن صاحب الدين يلازم الغريم، ووجه الدليل أن اللَّه تعالى أوجب إنظاره إلى اليسر، وفهم من قوله كذلك حلفه على العلم لا على البت. قال في توضيحه: وإذا حلف المطلوب قال أبو عمران: على البت، وقال غيره: على العلم إذ قد يكون يملك مالًا من إرث أو هبة ولم يعلم به والمذهب أنه يحلف على البت. الثالث: قال عبد الباقي: عند قوله: وزاد وإن وجده ليقضين ما نصه: وفائدة هذه الزيادة عدم تحليفه إذا ادُّعِىَ عليه أنه استفاد مالا، وهذا يفيد أن الزيادة من حق الحالف فله تركها إلا أن يقال تجب عليه لنظر الشارع لترك الخصومة وتقليلها ما أمكن. انتهى. وقال الرهوني في قوله: وزاد وإن وجده ليقضين، نسب المص هذه الزيادة لابن رشد في المقدمات، فقال بعد أن نسبها للمقدمات ما نصه: وهذه الصفة ذكرها في المدونة عن الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، وذكرها أيضا صاحب الوثائق المجموعة والمتيطي وغيرهما، وبها أفتى ابن العطار وابن لبابة وذكرها ابن سهل عن جماعة كثيرة. انتهى. وقال الشارح مفسرا لقوله: وزاد وإن وجده ليقضين أي وإن وجد حقه ليقضين له، وهذه التي ذكرها في المقدمات ذكرها في المدونة عن أبي بكر وعمر ﵄، وذكرها أيضا صاحب الوثائق إلى آخر ما مر، وبهذا تعلم أن قول ابن عبد السلام ما نصه: وروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يزيدان في هذه اليمين، وإن وجد مالا ليقضين ولم ير مالك هذه الزيادة إلى آخر كلامه ليس على ما ينبغي لما رأيت من المنقول. واللَّه تعالى أعلم. الرابع: قال عبد الباقي: وجعلنا ضمير عسره يعني من قوله: "وإن شهد بعسره" للمجهول وظاهر الملاء لأن معلوم الملاء لا تنفعه إلا البينة الشاهدة بذهاب ما بيده كما مر، ولا يكفي قولها: لا نعرف له مالا ظاهرا ولا باطنا، ومثله من يقر بملائه وقدرته على دفع الحق ولم تقم قرينة تكذب إقراره، وكذا من عليه حق منجم دفع بعضه وادعى العجز عن باقيه ومن طلب بنفقة ولده بعد

стр. 6029

طلاق أمه وادعى العجز عنها؛ لأنه كان ينفق عليه وعلى أمه أمس وهو الآن أقدر (لزول) (١) نفقة الأم. انتهى. الخامس: قال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن من جهل حاله وظاهر الملاء إذا شهدت البينة عند القاضي بعسره شهادة على نفي العلم لا على البت أنها لا ترف له مالا ظاهرا ولا باطنا، زاد ابن عات: ولا تبدلت حاله بغيرها إلى حين شهادتهم حلف وجوبا على طبق شهادة الشهود أنه لا يَعْرِفُ له مالا ظاهرا ولا باطنا، ويزيد في يمينه وإن وجد المال ليقضين الحق لغرمائه زاد بعضهم وَلَيُوَدِّين عاجلا وإن كان مسافرا عجل الأوبة. ابن الهندي: هذا كله استظهار واليمين المذكورة كافية لأنها على نية المحلوف له. انتهى. وقوله: "بعسره" نائب الفاعل. السادس: قال المواق: ابن رشد: إذا ثبت عدم الغريم أو انقضى أمد سجنه فلا يطلق حتى يُستَحلف مَالَهُ مَالٌ ظاهر ولا باطن، وإن وجد مالا ليودين إليه حقه وإنما وجب استحلافه لأن البينة إنما تشهد على العلم لا على القطع. المتيطى: ومن لم يكن له مال يؤدي منه فهو في نظرة اللَّه لا يواجر ولا يستعمل؛ لأن المدين إنما تعلق بذمته. ابن المواز: حرا كان أو عبدا مأذونا له في التجارة. قاله مالك وجمهور أهل العلم. انتهى. وحلَّف الطالبَ إن ادعى عليه علم العدم يعني أن المدين إذا ادعى على الطالب أي رب الدين أنه يعلم أنه عديم فإن له أن يحلفه، فإذا قال له: لا يحل لك سجني لأنك تعلم من باطن أمري من العدم ما لا يعلمه غيرك، فإن له أن يحلف رب الدين أنه لا يعلم أنه عديم، قوله: "وحلف" بالتشديد، وفاعله ضمير يعود على المدين مجهول حال أو ظاهر ملاء أو معلوم ملاء إلا من علم بالناض عنده فإنه لا يحلف الطالب. وقوله: "الطالب" مفعول حلف، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وحلَّف بالتشديد المدينُ المجهولُ الحال أو ظاهر الملاء أو معلومه لا من علم بالناض الطالبَ لحقه وهو رب المدين إن ادعى المدين عليه علم العدم إذ من حجة معلوم الملاء أن يقول علم الناس بملاءي بحسب ما يظهر لهم، وأنت تعلم باطن الأمر وأني معدم، فإن نكل حلف

стр. 6030

المطلوب ولم يسجن، فإن لم يحلف سجن ويجوز تخفيف حلف ثلاثيا وفاعله الطالب وعلى الأول مفعوله. انتهى. وقال المواق: المتيطى: إن زعم المدين علم رب الدين عدمه لزمه اليمين أنه ما علم عدمه، فإن نكل حلف المدين -قاله غير واحد من الفقهاء وبه كان يفتي ابن الفخا- وثَبتَ عُدمُه. ابن عرفة: كان بعض قضاة بلدنا لا يحكم بهذه اليمين وهو حسن فيمن لا يظن به علم حال المدين لبعده عنه. انتهى. وقال الرهوني: قال ابن ناجي في شرح المدونة بعد ذكره ما للمتيطي وغيره ما نصه: وكان العمل بهذا بتونس إلى أيام الشيخ القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع حكم به فترك الفضلاء حقوقهم هربا من اليمين فحكم بعدمها واستمر العمل عليه بها وبه أقضي. انتهى. انتهى. فوله: "وحلف الطالب" فإن نكل حلف المطلوب كما علمت أي يحلف أنه لا مال له ظاهرا ولا باطنا، بمنزلة من شهدت له البينة صرح به المكناسي في المجالس. تنبيه: قال ابنُ عرفة: اللخمي: قد تنزل مسائل لا تقبل فيها البينة بالفقر منها من عليه دين منجم لخ، ومن ادعى العجز عن نفقة ولده لخ إلا أن تقوم بينة أنه نزل به ما نقله إلى العجز. قال محمد بن عبد اللَّه: كَتبُ الموثقين أن المدين ملي بالحق الذي كتب عليه حسنٌ إن ادعى عُدْما لم يصدق وإن قامت له بينة لأنه مكذب لها ويحبس ويؤدب إلا أن تشهد بينة يعطبٍ حل به بعد إقراره، وذكره المتيطى في كتاب النكاح وزاد عن بعض شيوخه القضاة عن بعض القرويين أن البينة بالعدم تنفعه لأنه في إشهاده بالملاء مضطر لولا ذلك ما داينه أحد، والذي عليه العمل وقاله غير واحد من الموثقين كفضل وابن أبي زمنين وغيرهما أنه لا يقبل قوله ولا تنفعه بينة ويسجن أبدا حتى يؤدي دينه. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. ومفهوم قوله: "إن ادعى عليه علم العدم" أنه إن لم يدع ذلك عليه لم يحلفه، ولا إشكال في أن صاحب الدين إذا وافق المديان على أنه عديم لا يسجن بل ينظر للآية المتقدمة، وعلم مما مر أن المدين المعلوم بالناض عنده لا يحلف رب الدين بل يضرب مرة بعد مرة. وفي الخرشي ما نصه: وكلام الشارح والتتائي ومن تبعهما يفيد شمول قوله: "وحلف الطالب" لخ للمعلوم الملاء ولو عرف بالناض وهو بعيد في المعلوم بالناض. انتهى واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6031

وإن سأل تفتيش داره ففيه تردد الضمير في سأل يعود على الطالب وهو رب الدين، يعني أن رب الدين إذا سأل الحاكم أن يفتش له دار المدين مفلسا أم لا عسى أن يجد شيئا من متاعه يبيعه، فإنه اختلف الشيوخ هل يجاب إلى ذلك أم لا؟ أفتى فقهاء طليطلة بأنه يجاب إلى ذلك وأنكره ابن عتاب وابن مالك. ابن سهل: وأنا أراه حسنا فيمن ظاهره الإلداد والمطل، وقال ابن رشد بعد كلام ما نصه: يقوم منه أن للإمام أن يفتش عليه داره، وكذلد قال ابن شعبان إنه يفتش عليه داره وكان الشيوخ المتأخرون يختلفون في ذلك، والأظهر أن تفتش عليه فما ألفي فيها من متاع النساء فادعته زوجته كان لها، وما ألفي فيها من عروض تجارة بيع لغرمائه ولم يصدق إن ادعى أنه ليس له، وأما إن ألفي فيها من الروض التي ليست من تجارته فادعى أنها وديعة عنده أو عارية أو ما أشبه ذلك جرى ذلك على ما قد ذكرته من الاختلاف في غير ما موضع. انتهى. انظر البناني. وقال الرهوني: قال أبو علي بعد نقله كلام ابن ناجي: وكلام غيره ما نصه: وقد تبين من هذا أن الراجح في المسألة بحسب الظاهر من المنقول المتقدمة التفتيش في الذي يظهر منه الإلداد دون غيره، وكذا من كان ظاهر الملاء انتهى. وهو ظاهر واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقوله: "داره" أي أو حانوته أو نحو ذلك، فلو قال: كداره لكان أشمل، وقوله: "داره" أي المدين ولو معلوم الملاء وظاهره ولو بعد الشهادة على عدم المدين وحلفه على ذلك ففيه التردد لأن الشهادة على نفي العلم لا على البت. وقوله: "داره" أي بخلاف جيبه وكيسه فيفتش ذلك قولا واحدا؛ لأن هذا أمر خفيف والغالب أن ما في ذلك ملكه. انظر الخرشي. ورجحت بينة الملاء إن بينت يعني أنه لو شهدت بينة بملاء المدين وشهدت بينة أخرى بعدمه فإن بينة الملاء ترجح على بينة العدم أي تقدم عليها أي هي التي يعمل بقولها وتلغى الأخرى، فلا يعمل بقولها بشرط أن تبين سبب الملاء أي بشرط أن تبين ما هو ملي به، بأن تقول له مال باطن أخفاه. قال البناني: قال ابن عرفة: ابن عات: ولو قالت بينة الملاء له مال باطن أخفاه قدمت اتفاقا. أنتهى. هذا معنى قول المص: إن بينت ولم يتنبه له المواق. انتهى. وقال الخرشي: يعني لو شهد له قوم بالملاء وقوم بالعدم، فإن بينة الملاء تقدم إن بينت سبب الملاء أي عينت

стр. 6032

المال أي عينت ما هو ملي به، بأن قالت: أخفى مالا سواء بينت بينة العدم أم لا، فإن لم تبين رجحت بينة العدم بينت أم لا على الراجح، وهما لا يفهم من كلام المؤلف لأن مفهوم بينت يصدق بالتساوي. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه يفهم ذلك منه لأن مفهوم بينت أنها لو لم تبين لرجحت بينة العدم وذلك شامل لا إذا بينت بينة العدم أو لم تبين. واللَّه تعالى أعلم. وقول الخرشي: "إن بينت" أي بينة الملاء سببه قدمت سواء بينت بينة العدم أم لا، قال الخرشي بعده إنه إن بينت بينة الملاء السبب ترجح، قال في الشامل: اتفاقا، وظاهره بينت الأخرى سبب العدم بغرق أو حرق أم لا، إلا أن تشهد بتلف المال الذي بينته بينة الملاء فتقدم؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. ولما ذكر ما يوجب إخراج المجهول وظاهر الملاء وهو البينة ذكر ما يخص إخراج المجهول وهو طول سجنه، فقال: وأخرج المجهول إن طال حبسه يعني أن المدين المجهول الحال هل هو معدم أو ملي يخرج من السجن إذا طال حبسه، والطول يكون بقدر الدين قلة وكثرة، وحال الشخص قوة وضعفا ويخلى سبيله بعد حلفه على نحو ما تقدم في شهادة البينة بعسره، فطول السجن له بمنزلة البينة، واعتبار الدين يفيد أنه لو وجب عليه سجن ثان كما لو خوصم وهو في السجن في حق لغير من سجن له، فإنه يكتب عليه القاضي السجن الثاني ويزيد في سجنه لأجله باجتهاده كما في النص. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: واحترز بالمجهول من الملي فإنه يحبس أبدا حتى يُعطيَ المال، وفي البيان أنه إذا حبسه لتهمة أنه أخفى مالا فلا يخرجه إلا ببينة وإن طال. انتهى. وقال الشارح: قال في المقدمات: ويحبس بقدر ما يثبت أمره ويكشف عن حاله وذلك يختلف باختلاف الدين. انتهى. وفي الشارح: وتحقيق المذهب في الطول وعدمه أنه يحسب اجتهاد الحاكم. انتهى. ويفهم من كلام عبد الباقي وغيره أن ظاهر الملاء لا يخرج من السجن بمجرد طول حبسه بل فيه التصريح بذلك. واللَّه تعالى أعلم. وفي الخرشي: وأما ظاهر الملاء فيخرج إن شهدت بينة بعدمه على ما

стр. 6033

تقدم لا بطول سجنه، ومعلوم الملاء لا يخرج حتى يؤدي أو يموت أو تشهد له بينة بذهاب ما بيده، وأما إن شهدت بعدمه فلا يخرج بذلك. ولما كان جميع ما تقدم من أحكام هذا الباب لا يختص به الرجال ولا النساء بل يشترك الجميع فيه، وكان من ذلك الحبس ذَكَرَ ما يختص بحبسهن بقوله: وحبس النساء عند أمينة يعني أن النساء يحبسن عند أمرأة أمينة ويقبل منهن الكفيل كالرجال، والحاصل أنهن يحبسن بموضع لا وجال فيه، ويكون حبسهن عند أمينة سواء كانت هذه الأمينة وحدها أو مع أمين زوج أو أب أو ابن كما قال: أو ذات أمين. وعلم مما قررت أنه لابد في المرأة التي تحبس النساء عندها أن تكون أمينة وحدها أو مع أمين، فقوله: "ذات" معطوف على محذوف أي منفردة أو ذات أمين. قال المواق: اللخمي: وحبس النساء بموضع لا رجال فيه والأمين عليهن امرأة مأمونة لا زوج لها أو لها زوج مأمون معروف بالخير. انتهى. وعلم مما ذكرته أن المأمونة إن لم تكن وحدها فلابد أن يكون صاحبها أمينا معروفا بالخير. والسيد لمكاتبه يعني أن السيد يحبس لمكاتبه لأنه أحرز نفسه وماله والحقوق المتعلقة بالذمة لا يُراعَى فيها الحرية ولا علو المنزلة، بدليل أن المسلم يحبس في دين الكافر. قوله: "والسيد لمكاتبه" كذا في المدونة، فقال ابن عرفة: ابن محرز عن سحنون: هذا إن كان الدين أكثر مما على المكاتب من الكتابة وإن كان مثلها فأقل لم يحبس. قاله بعضهم. لأن للسيد بيع الكتابة بنقد ابن عبد الرحمن: لم يحبس على كل حال إذا لم يبعها لأن الحاكم يضيق عليه ليبيعها ولا يبيعها عليه الحاكم لأنه لا يبيع إلا على مفلس. ابن عرفة: الحق أن البيع على المفلس جبري وعلى المدين اختياري. انتهى. نقله البناني. وقال عبد الباقي: وحبس السيد في دين عليه لمكاتبه إن لم يحل من نجوم الكتابة ما يفي بالدين، أو يكن في قيمة الكتابة ما يفي بدينه ولا يقاصه السيد جبرا عليه بالكتابة حيث كان دينه حالا على السيد، أو اختلفت قيمتها وقيمة الدين اختلافا لا تجوز معه المقاصة، وكذا يحبس السيد لعبده إذا شهد له شاهد بعتقه ولم يحلف السيد لرد شهادته كما يذكره في باب

стр. 6034

الشهادات، وإنما حبس لمكاتبه لأنه أحرز نفسه وماله ولأن الحقوق لا يُراعَى لخ. ومقتضى التعليل حبسه في مال عبده المأذون المدين حيث احتيج لوفاء دينه بماله على سيده، وعكس كلامه وهو حبس المكاتب في دين له عليه غير الكتابة لا في دينها إلا على القول بأنه إنما يعجزه السلطان فله حبسه فيها إن رأى أنه كتم مالًا رغبة في العجز. أبو الحسن: ويحبس القن المأذون له في التجارة. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: وكذا يحبس السيد لعبده إذا شهد له لخ يعني أن السيد إذا لم يحلف لرد شهادة الشاهد يحبس، فإن طال دين هذا هو الذي عنى بحبس السيد لعبده في هذه المسألة. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشارح مفسرا للمص: يعني ويحبس السيد أيضا لمكاتبه إذا كان له عليه دين قد حل، زاد في المدونة: إن ألدَّ به. اللخمي: إلا أن يكون قد حل من نجومه ما يوفي بدينه أو يكون في قيمة الكتابة ما يبلغ أن يوفي به دينه. انتهى المراد منه. والجد يعني أن الجد ذكرا كان أو أُنثى يحبدى لولد الولد، كان الولد ذكرا أو أنثى، وسواء أيضا كان ولد الولد ذكرا أو أنثى؛ لأن حق الجد دون حق الأب. وَمن المدونة: يحيسُ الولدُ غيرَ أبويه من الأجداد والأقارب. انتهى. قوله: "والجد" أي يحبس له وإن كان للجد ما للأب من البر من عدم القطع لو سرق من مال ولد ولده، وعدم الحد لو وطء أمة ولد ولده لكن حظ الجد دون حظ الأب بدليل أنه يغزو من غير إذن الجد، ولقول مالك: يُحَلِّفُ الجدَّ دون الأب، وقولُ عياض: لا يغزو بغير إذت الجد ليس هو المذهب كما صرح به المؤلف في باب الجهاد حيث قال: "لا جد". قاله الخرشي. ولم يذهب أحد إلى أن الجد لا حظ له من البر. قاله الشارح. والولد لأبيه يعني أن الأب له أن يحبس ولده في دين له عليه، وكذا الأم لها أن تحبس ولدها لا عكسه يعني أن الولد ليس له حبس أحد أبويه في دين له عليه، قال عبد الباقي عند قوله: "لا عكسه" ما نصه: أي لا يحبس الوالد أو الأم نسبا لا رضاعا للولد ولو لدَّا، ولكن يعزرهما الإمام بغير الحبس من حيث اللدد لا من حيث حق الولد، ويستثنى من عدم حبسهما له مسألتان: إحداهما المتقدمة عن المقدمات، ثَانِيَتُهُمَا امتناعه من الإنفاق على الصغير ومن في حكمه. انتهى. يعني بما في المقدمات ما قدمه عنها من أنه إذا كان بيد الأب مال للابن وادعى فساده، وعلى

стр. 6035

الابن دين لأجنبي عجز عن قضائه ولم يعلم فساده فلا يقبل قوله ويحبس لامتناعه من دفع مال ولده ليقضى به ما عليه من الدين، فحبسه إنما هو للأجنبي لا للولد. البناني: ابن يونس: ويحبس الأب إذا امتنع من النفقة على ولده الصغير لأنه يضر بهم ويقتلهم. قال ابن عبد الحكم: ويحبس الأب في دين على الابن إن كان له بيد الأب مال. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "لا عكسه" قال الخرشي: ظاهره أنه معطوف على قوله: "والولد لأبيه" فيكون التقدير لا يحبس عكسه. انتهى. والظاهر أنه فاعل فعل مضمر أي لا يجوز عكسه وهو حبس الولد لأبويه. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. كاليمين تشبيه في الإثبات والنفي، يعني أن الوالد يحلف الولد ولا يجوز العكس أي لا يجوز تحليف الولد للوالد ولا يمكن من ذلك لأنه عقوق ولا يقضى به إن شح، وما يأتي للمص في باب الحدود من قوله: "وله حد أبيه وفسق" ضعيف. إلا المنقلبة يعني أن الولد له أن يحلف الوالد إذا كانت اليمين منقلبة من الولد إلى الوالد، كدعواه على ولده بحق فلم يحلف الولد لرد دعوى الأب فردت على الأب فإنه يحلف اتفاقا، ولا يكون ذلك جرحة في حق الولد، قال عبد الباقي: وكقيام شاهد لولد بحق على أبيه ولم يحلف معه فردت على الأب فيحلف لرد شهادة الشاهد، وليس من انقلابها ولا من تحليف الولد لوالده حلفه مع شاهده على ولده بدين لإثبات الحق ولا حلفه مع إثباته العدم بناء على ما في أحمد هنا وإن كان ضعيفا؛ لأنه خلاف ما مشى عليه في النفقات من قوله "وأثبتا العدم لا بيمين"، وعلى ما في المواق يحلف الأب في صورتين غير منقلبة وفي صورتين منقلبة كما مر. انتهى. قوله: وكقيام شاهد لولد بحق لخ، قال البناني: ما ذكره في هذه من حلف الأب لرد شهادة شاهد الولد غير صواب، وقد صرح ابن رشد بأن مذهب المدونة أن الوالد لا يحلف في شيء مما يدعيه الولد عليه ونصه في رسم صلى من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية الأول. وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وسحنون: إنه لا يقضى بتحليفه أباه ولا يمكن من ذلك إن دعا إليه، ولا أن يحدد في حد يقع له عليه لأنه من العقوق وهو مذهب مالك في المدونة في اليمين في كتاب المديان وفي الحد في كتاب القذف، وهو أظهر الأقوال لقول اللَّه : ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا

стр. 6036

قَوْلًا كَرِيمًا﴾ الآية، (ولما جاء من أنه ما بر بوالديه من شد النظر إليهما أو إلى أحدهما)، وقد روي أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يمين للولد على والده) (١)، ويشهد لصحته قوله ﵊: (أنت ومالك لأبيك) (٢)، وقد روي عن ابن القاسم في كتاب الشهادات أنه يقضي له أن يحلفه في حق يدعيه عليه، وأن يحده في حد يقع له عليه ويكون عاقا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهو بعيد لأن العقوق من الكبائر فلا ينبغي أن يمكن أحد من ذلك، وهذا فيما يدعيه الولد عليه، وأما إن ادعى الوالد عليه دعوى فنكل عن اليمين وردها عليه أو كان له شاهد على حقه عليه فلا اختلاف في أنه لا يقضى له عليه في الوجهين إلا بعد يمينه، وكذلك إن تعلق بيمينه حق لغير ابنه فإنه يلزمه اليمين باتفاق، كالأب يدعي تلف صداق ابنته والزوج يطلبه بالجهاز، أو كالرجل يدعي على أبي زوجته نحلة انعقد عليها نكاحه وهو ينكر. انتهى بلفظه. والمتعلق بها حق لغيره يعني أن اليمين إذا تعلق بها حق لغير الولد فإن الوالد يحلفها ولا محذور في ذلك على الولد؛ لأن الوالد إنما حلف لتعلق حق الغير فيما حلف الوالد فيه كدعواه تلف صداق ابنته وطالبه الزوج بجهازها، وكدعوى الزوج عليه أنه نحل ابنته نحلة في عقد نكاحه فيحلف فيهما ليلا يغرم، وكذا إن ادعى أنه أعار ابنته شيئا من جهازها فيحلف قبل السنة كما قدم المص. قوله: "والمتعلق بها حق لغيره" اعلم أن حلف الوالد في هذه متفق عليه. قاله الخرشي. وفي المواق عن ابن رشد: وانظر لو طلب الأب ابنه بالنفقة عليه وأثبت العدم، هل يقضى له بالنفقة عليه دون اليمين والأظهر وجوب حلفه. انتهى. ولم يفرق بين كالأخوين يعني أنه إذا حبس الأخوان في حق عليهما فإنه لا يفرق بينهما، ودخل بالكاف غيرهما من الغرماء سواء خلا السجن أم لا. المواق: محمد: لا يفرق بين الأب وابنه في السجن ولا بين الإخوة. انتهى. وقال الشارح: يعني أنه لا يفرق بين الأب والابن والإخوة في السجن نص على ذلك سحنون.

стр. 6037

والزوجين يعني أن الزوجين إذا حبسا لحق عليهما، فإنه لا يفرق بينهما في السجن بشرط أشار إليه بقوله: إن خلا السجن من الرجال فلا يجاب رب الدين إلى التفريق إن طلبه. وعلم مما قررت أن قوله: "إن خلا" قيد في الثاني فقط، فإن لم يخل السجن من الرجال حبس الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء. وقوله: "ولم يفرق" يقرأ بالبناء للمفعول ونائب الفاعل، "بين" لأنها ظرف متصرف على لغة كما قرئ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ برفع بين فأوقعها متصرفة وبالبناء للفاعل وفاعله عائد على الإمام؛ أي لم يفرق الإمام بين من ذكر أي لم يوجب التفرقة بينهما. قاله عبد الباقي. وقال المواق: ابن المواز: إذا حبس الزوجان في دين عليهما فطلب الغريم أن يفرق بينهما وطلب الزوجان أن يجمتعا فذلك لهما إن كان السجن خاليا وإن كان فيه رجال حبس معهم وحبست المرأة مع النساء. انتهى. وقال البناني عند قوله: "والزوجين إن خلا" ما نصه: هذا قول ابن المواز، وقول المص بعد هذا: "بخلاف زوجته" هو قول سحنون وجعلهما ابن رشد خلافا واستظهر ما لسحنون ونقل ابن عرفة كلامه وقبله، وجمع المص بينهما لأنهما عنده ليسا بخلاف لعدم تواردهما على محل واحد. انظر الحطاب. وما صنعه المص نحوه للباجي في المنتقى، وَوُجِّهَ ما لابن المواز بأنه لم يقصد بكونها معه إدخال الراحة عليه والرفق به، وإنما قصد بذلك استيفاء الحق من كل منهما والتفريق ليس بمشروع. انتهى. انتهى. ولا يُمنَع مسلما يعني أن المحبوس في الحقوق لا يمنع ممن يسلم عليه من حيث إنه مسلم، وأما من حيث إنه يعلمه الحيلة في خلاصه ونحو ذلك فيمنع، وقوله: "ولا يمنع مسلما" أي ولو كان زوجة لا تبيت عنده. قوله: "ولا يُمنع" نائب الفاعل ضمير يعود على المحبوس، وقوله: "مسلما" مفعول ثان لقوله: "يمنع" والفاعل: "الحاكم". وخادما يعني أن المحبوس في حق عليه لا يمنع ممن يخدمه، قال عبد الباقي: في مرض شديد لا خفيف ولا في صحة بناء على اعتماد هذا القيد كما نقله في توضيحه عن ابن المواز وتبعه عليه شراحه، وظاهره عدم مراعاة العرف والمقام الظاهر. انتهى. وقال الخرشي: ولا يمنع أيضا ممن يخدمه ويباشره ظاهره ولو صحيحا، والذي لابن المواز: إن اشتد مرضه واحتاج لأمة تباشر منه ما لا يباشر غيرها وتطلع على عورته

стр. 6038

فلا بأس بجعلها معه حيث يجوز ذلك وحكاه اللخمي وغيره. قوله: حيث يجوز ذلك أي بأن خلا الموضع. انتهى. بخلاف زوجته يعني أن الزوج إذا كان محبوسا في حق عليه فإنه يمنع من أن يجتمع بزوجته في السجن، قال عبد الباقي: بخلاف زوجته غير محبوسة معه فتمنع من سلامها عليه حيث دخلت عنده لتبيت وحبس في غير دينها وإلا لم تمنع، والظاهر منع سريته من بياتها عنده لمنافاته لقصد التضييق عليه. انتهى. وقال اللخمي: سحنون: من سجن في دين لامرأته أو غيرها فليس له أن تدخل امرأته عليه لأنه سجن للتضييق عليه، فإذا لم يمنع لذته لم يضيق عليه. ابن يونس: إلا أن تشاء الوصول إليه امرأته إذا سجن في دينها فذلك لها لأنها لو تشاء لم تسجنه فيه. انتهى. وقول عبد الباقي: حيث دخلت عنده لتبيت، قال الرهوني: انظر من قيده بهذا وكأنه أخذه مما في التوضيح عن اللخمي، ونصه: اللخمي عن سحنون: ومن سجن في دين امرأته أو غيرها فأرادت زوجته أن تدخل إليه لتبيت عنده لم تمكن من ذلك. انتهى منه بلفظه. فربما يفهم من قوله: "لتبيت" لخ أنها لا تمنع من الدخول عليه لتقيل معه أو تتفقد حاله، ولكن الذي في نقل الناس عن سحنون هو منعها (في) (١) مطلق الدخول، ففي المنتقى ما نصه: ليس له أن تكون معه امرأته ولا أن تدخل عليه لأنه سجن للتضييق عليه، فإذا لم يمنع لم يضيق عليه. قاله سحنون انتهى منه بلفظه. ونحوه لابن يونس، ونصه: قال سحنون: من سجن في دين امرأته أو غيرها فليس له أن تدخل إليه امرأته. انتهى. ونقل في المنتخب نحو هذا عن سحنون، ثم قال: ففيما قاله الزرقاني نظر، وقول عبد الباقي: وحبس في غير دينها وإلا لم تمنع، قال الرهوني: هذا ذكره ابن يونس من عند نفسه لكن جعله في الشامل خلاف الأصح، وقوى أبو علي تفصيل ابن يونس وضعف ما في الشامل، ورد الرهوني ما لأبي علي وصحح كلام الشامل. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "بخلاف

стр. 6039

زوجته" قد مر أن المص وفق بين هذا وبين قوله: "والزوجين" لأن موضوع هذه أنه سجن وحده بخلاف السابقة، وابن رشد جعل ذلك خلافا. راجع ما تقدم. وأخرج لحد يعني أن المحبوس في حق عليه إذا وجب عليه حد فإنه يخرج من السجن ليقام عليه الحد، فإذا أقيم عليه أعيد للسجن. قال الشارح: يعني أن المسجون إذا ترتب عليه حد من الحدود فإنه يخرج له، وظاهره ولو كان حدا يأتي على النفس، لكن الذي نص عليه ابن يونس وغيره أنه يخرج لإقامة حد القذف عليه ثم يعود، والظاهر أنه لا فرق بين حد القذف وغيره من الحدود. انتهى. وقال عبد الباقي: وأخرج لحد قذف ونحوه أو قتل كما قال صاحب التكملة، وحينئذ تؤخذ الديون من ماله إن كان له مال، وإلا ضاعت على أربابها ولا يرد على إخراجه للقتل أنه لا يعود؛ لأنا نقول: قوله الآتي لعوده خاص بقوله: أو ذهاب عقله لعوده اللام للانتهاء، يعني أن المحبوس إذا ذهب عقله فإنه يخرج من السجن إلى أن يعود له عقله فإذا عاد له عقله، أعيد للسجن، وإنما أخرج لعدم شعوره بالضيق الذي هو القصد من السجن. ابن يونس: إذا قذف أحدا أخرج لإقامة الحد عليه ثم يرد، وإذا مرض لم يخرج إلا أن يذهب عقله فيخرج بحميل، فإذا عاد عقله عليه رد. نقله المواق. وعلم من هذا أنه إذا أخرج لذهاب عقله يخرج بحميل ووقع الحميل في النص مطلقا أي لم يقيد بحميل الوجه ولا بغيره، قال الرهوني: هو وإن كان في النص مطلقا لكن يؤخذ أن الكفيل بالوجه فيها كاف بالأحرى من هذه المسألة. انتهى. يعني قوله: "واستحسن بكفيل بوجهه لمرض أبويه" لخ. قوله: "وأخرج لحد" لخ، وهل يخرج لسماع الدعوى عليه؟ حكى الحطاب عن ابن بطال أنه لا يخرج ويأمره الإمام أن يوكل من يخاصم له ويعذر إليه، فإن أبى أن يوكل قضي عليه إذا شهدت البينة وزكُّوا بعد أن يعذر إليه، فإن حضر خروجُ خصمه إلى سفر أو مرض أو خشي فراقهم شهد على شهادتهم. انتهى. قوله: فإن حضر يعني قبل الإعذار إلى المسجون ثم نقل عنه خلاف هذا وأنه يخرج، فإن ثبت عليه مال آخر كتب القاضي أنه محبوس بذلك أيضا، وإذا حبس رجل في دين فأقر المحبوس أنه قد كان آجر نفسه من رجل آخر لم يخرج من الحبس، فإن قامت عليه بينة فإن أوفى وخرج طولب بذلك بعد الخروج، فإن أراد صاحب الإجارة أن

стр. 6040

يفسخ الإجارة فذلك له، وإذا أراد رجل أن ينتقل بامرأته إلى بلد فأقام رجل عليه البينة بدين متقدم عليها، أو أقرت بدين في ذلك الوقت بلا بينة، أو ابتاعت من رجل بيعا لزمها به فأرادوا حبسها وقال الزوج بل أخرج بها وتتبعوها حيث كانت، أو قال: إنما أقرت أو ابتاعت ليلا أخرج بها. فأما ما أقامت البينة به فإنها تحبس فيه ولا تخرج من الحبس ولا يخرجها الزوج إلا بعد دفع الحق، وأما إن أقرت بذلك فإن القاضي ينظر في ذلك، فإن كانت أقرت لأب أو لأحد ممن يتهم أو يرى أنها إنما أرادت أن تعوق الزوج بذلك عن الخروج بها لم يجز ذلك، وينظر القاضي في ذلك على قدر ما يرى حين ينزل ويشاور في ذلك. انتهى كلام الحطاب باختصار واقتصار. واللَّه تعالى أعلم. واستحسن بكفيل بوجهه لمرض أبويه وولده وأخيه وقريب جدا يعني أن المحبوس إذا اشتد مرض أبويه أو أحدهما أو ولده أو أخيه أو قريب له قريب القرابة، فإنه استحسن أن يخرج ليسلم عليه بشرط أن يعطي حميلا بالوجه وهذا القول المستحسن لابن سحنون، قال الباجي: وهو استحسان والصواب عندي وهو القياس المنع أي منعه من الخروج لذلك. وعلم مما قررت أن الاستحسان هنا المراد به الاستحسان غير المقابل للقياس لا المقابل له، فيكون المص أشار بكلامه لقول الباجي: المواق: ابن سحنون: وإذا اشتد مرض أبويه أو ولده أو أخيه أو أخته أو من يقرب من قرابته وخيف عليه الموت يخرج فيسلم عليه، ويؤخذ منه كفيل بالوجه ولا يفعل به ذلك في غيرهم من قرابته. وقوله: "جدا" لا مانع من رجوعه للقريب وللمرض معا، واحترز بالقريب جدا من القريب البعيد القرابة فلا يخرج لمرضه ويرجع في ذلك للعرف، قال الشارح: والباء في قوله: "بوجهه" متعلقة "بكفيل"، وفي قوله: "بكفيل" متعلقة بمحذوف دال عليه ما تقدم، والمعنى، واستحسن أن يخرج بكفيل وكذا لمرض. وقوله: ليسلم أي ليسلم على هؤلاء. انتهى. والباء في قوله: "بكفيل" بمعنى مع كما في شرح عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم. واللام في قوله: "ليسلم" للتعليل متعلقة بالمحذوف، ويحتمل أن تكون للانتهاء. وقوله: "لمرض أبويه" الظاهر أنه يخرج لجنازة أحدهما والآخر حي ولا يخرج لجنازتهما معا كالاعتكاف. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6041

لا جمعة يعني أن المحبوس في حق عليه لا يخرج لصلاة الجمعة وكذلك لا يخرج لصلاة عيد ولا لجماعة أي لا يمكن من ذلك، بل لوضوء إن لم يمكن فيه ولا لحجة إسلام، وإن كان قد أحرم بحج أو عمرة أو بنذر أو حنث ثم قيم عليه بالدين حبس وبقي على إحرامه، وإذا وجب عليه الدين يوم نزوله بمكة أو بمنى أو بعرفات استحسن أن يؤخذ منه كفيل حتى يفرغ من الحج ثم يحبس بعد النفر الأول. قاله اللخمي. والنفر الأول هو المتعجل في الرمي وقد مر في فصل الحصر أن من حبس بحق لا يحل إلا بفعل عمرة. قاله عبد الباقي وغيره. وقال الخرشي: يعني أن المحبوس لا يمكن من الخروج لصلاة الجمعة لأن لها بدلا ولا لصلاة العيد، ولا يمكن من الخروج لحجة الإسلام فلو أحرم بحج أو عمرة، ثم قامت عليه أرباب الديون فإنه يحبس ويستمر على إحرامه، فإن قيل: قوله "وعيد" يقال عليه إذا كان لا يخرج لصلاة الجمعة فالعيد أولى. فَلِمَ أتى به؟ قِيلَ: لأنه قد يقال بإخراجه للعيد لعدم تكراره بخلاف الجمعة. انتهى. وقال الشارح: اللخمي: قال محمد بن عبد الحكم: ولا يخرج المحبوس للجمعة ولا للعيد. انتهى. وقال المواق: ابن سحنون: يمنع المحبوس من الخروج إلى الجمعة والعيد وحجة الإسلام. اهـ. ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين إذا كان لهم في يده مال وكذلك الأب. قاله الشارح. وعدو يعني أن المحبوس في حق عليه لا يخرج لقتال عدو إلا لخوف قتله أو أسره يعني أن المحبوس لا يخرج لقتال العدو ولا لأن يغير على العدو إلا إذا كان يقتل أو يأسر إذا لم يخرج، فيخرج لأجل ذلك إلى موضع غير الموضع الذي كان محبوسا فيه، قال المواق: ابن يونس: لا يخرج ليغير على العدو إلا إذا خيف عليه الأسر أو القتل بموضعه فيخرج إلى غيره. انتهى. وقال عبد الباقي عند قول المص: "إلا لخوف قتله أو أسره" ما نصه: فيخرج لكن إلى موضع آخر غيره، وكذا خوف قتله أو أسره إن لم يطلق بالكلية، وكذا خوف قتل غيره أو أسره إن لم يطلق فيما يظهر، فلو حذف الضميرين لشمل ذلك. وانظر إذا لم يطلق مع خوف ما ذكر حتى حصل ما خيف منه ماذا يجب على من لم يطلقه، وهل هو رب المال أو الحاكم أو السجان أو كل، وكذا لا

стр. 6042

يخرج للدعوى عليه ووكل من يسمع عنه، فإن امتنع تسمع البينة عليه فإذا ثبت عليه يزاد في السجن عليه بالاجتهاد بعد الإعذار إليه. انتهى. وقد مر عن الحطاب أن في هذه قولين. وللغريم أخذ عين ماله المحوز عنه في المفلس لا الموت هذا من أحكام التفليس الأخص، صورتها أن يبيع سلعة وحازها المشتري وقبل أن يقبض البائع ثمنها فلس مشتريها أو مات والسلعة قائمة فلبائعها وهو المراد بالغريم أن يأخذها وهو أحق بها من الغرماء هذا في المفلس، وأما في الموت فإنه لا يأخذ عين شيئه بل هو أسوة الغرماء، فيتحاص هو وهم في مال الميت، ومفهوم قوله: "المحوز عنه" أنه إن لم يحز عنه فإن لرب السلعة أخذها في الفلس والموت، قال الحطاب: قال في المقدمات: ولا خلاف في مذهبنا أن البائع أحق بما في يده في الموت والفلس، وأنه أحق بما أسلمه فألفاه قائما في الفلس دون الموت، وأنه أسوة الغرماء فيما لم يكن بيده ولا ألفاه قائما عند المبتاع في الموت والفلس. انتهى. وقال عبد الباقي: وَلِلْغَرِيمِ ومن تنزل منزلته بإرث أو هبة الثمن أو صدقته به أو حوالة لا بشراء أي اشتراء الدين من بائع السلعة فليس له إلا محاصة أرباب الديون أَخْذُ عين ماله الثابت ببينة أو اعتراف المفلس قبل تفليسه المحوز عنه في الفلس الواقع بعد البيع ونحوه وقبل قبض الثمن، فإن وقع قبله بعد قبضه السلعة ليقلبها أو يتروى في أخذها ثم بعد الفلس عقد له البيع فيها فلا يكون أحق به، وإن لم يعلم حين البيع بفلسه لعدم تثبته بأن المشتري مفلس، وإذا لم يكن أحق اتبع بثمنه ذمة المفلس ولا دخول له معهم ولو قبل قسمهم؛ لأنه عامله بعد الحكم بخلع ماله لهم، ويحتمل دخوله معهم قبل قسمهم وكان يقرره الأجهوري، وعلى الأول فإن كان ثمنه حالًّا فله حبس سلعته فيه أو بيعها له ولا دخول للأولين معه في ثمنها لأنها معاملة حادثة، وإلا لم يكن له إلا المطالبة به، وحلول ما على المفلس سابق على هذا فلا يقال حل به لا المحوز عنه في الموت، فلا يأخذه لخراب الذمة فصار بثمنه أسوة الغرماء، بخلاف المفلس فإن الذمة موجودة في الجملة ودين الغرماء متعلق بها، فإن لم يحز عنه فيه يعني في الموت فله أخذه فهو أحق به فيه أيضا، يعني في الموت. انتهى.

стр. 6043

قوله: وإلا لم يكن له إلا المطالبة به أي وإن لم يحل لم يكن له إلا المطالبة. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله: "أو حوالة" لخ قال الرهوني: جزم بأن المحال ينزل منزلة المحيل، ومن اشترى المدين لا ينزل منزلة بائعه، وما قاله في الحوالة هو قول ابن المواز وهو خلاف قول ابن القاسم وأصبغ، قال ابن يونس: وهو ظاهر قول مالك. انتهى منه بلفظه. وكلامه يدل على أن ابن المواز يسوي بين الحوالة والشراء وهو ظاهر معنى، ففيما صنعه الزرقاني نظر إذ اعتمد قول ابن المواز وخالف ابن القاسم وأصبغ، وظاهر قول مالك: وفرق بين الحوالة والشراء، وَابنُ المواز: لا فرق عنده بينهما. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقول عبد الباقي: أو اعتراف المفلس قبل تفليسه، قال البناني: يعني أو بعد تفليسه على أحد أقوال، قال في المقدمات: وهو يتعين بأحد وجهين إما ببينة تقوم عليه، وإما بإقرار المفلس به قبل التفليس، واختلف إذا لم يقر به إلا بعد التفليس على ثلاثة أقوال: أحدها أن قوله مقبول قيل مع يمين صاحب السلعة وقيل دون يمين، والثاني: أن قوله غير مقبول ويحلف الغرماء أنهم لا يعلمون أنها سلعته، والثالث: إن كان على الأصل بينة قبل قوله في تعيينها وإلا لم يقبل وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم. انتهى. تنبيهات الأول: قال الحطاب: إذا قيم على المفلس فوجد بعض الناس سلعة له فأراد أخذها فخاصمه المفلس في عينها فوقف السلعة ثم مات المفلس، فقال في كتاب الهبات من المدونة: إن ربها أحق بها إن ثبتت ببينة. انتهى. الثاني: قال الفاكهاني في شرح العمدة في باب الرهن حيث يكون البائع أحق بسلعته: هل يفتقر أخذها إلى حكم حاكم أو يستبد بأخذها؟ لا أعلم لأصنحابنا فيه نصا، وظاهر الحديث يدل على الاستبداد. انتهى. قلت إن سلم له الغرماء أخذها لم يحتج إلى حكم حاكم، وإن لم يسلموا له ذلك فلابد من حكم حاكم وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. قاله الحطاب. أيضا. الثَّالِثُ: قال المواق: ابن شاس: الحكم الرابع يعني من أحكام الحجر الرجوع إلى عين المال، لقول رسول اللَّه ﷺ : (أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره)، وفي حديث آخر: وإن مات المشتري فصاحب المتاع إسوة الغرماء، وبذلك أخذ مالك

стр. 6044

وأهل المدينة أن بائع السلعة أحق بها في المفلس وإن لم يكن للمفلس مال غيرها، قال ابن المواز: بجميع الثمن زادت أو نقصت في سوق أو بدن. انتهى. الرابع: قال الشارح: وذهب الشافعي إلى أن البائع أحق بذلك في الموت والفلس، والدليل لنا ما في الموطإ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه ﵇ قال: (أيما رجل ابتاع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع إسوة الغرماء) (١). وهو وإن كان مرسلا هنا فقد وصله أبو داوود من طريق إسماعيل ابن عباس (٢) عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأتى الشارح بما يدل على أن هذا الحديث صحيح وإن عورض بما رواه أبو داوود أيضا عن أبي ذؤيب عن ابن [المعتمر] عن عمر بن خلدة، قال: أتينا إلى أبي هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين لكم بقضاء رسول اللَّه ﷺ (من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه فهو أحق به) (٣)، قال أبو داوود: من يأخذ بهذا وقال (٤) في أحد رواته عقب قوله من يأخذ بهذا ما نصه: من هو أي لا يعرفه. انتهى. ولو مسكوكا مبالغة في أن الغريم له أخذ عين ماله المحوز عنه في المفلس يعني أن الغريم له أخذ عين شيئه المحوز عنه في المفلس، ولو كان شيئه الذي حيز عنه مسكوكا حيث ثبت أن المسكوك عين شيئه ببينة أو طبع عليه كما في الرهن، هذا قول ابن القاسم. قال عبد الباقي: قياسا للثمن على المثمن وبالغ عليه لرد قول أشهب: الأحاديث إنما فيها من وجد سلعته أو متاعه والنقدان لا يطلق عليهما ذلك عرفا. انتهى. قوله عن أشهب: الأحاديث إنما فيها من وجد سلعته أو متاعه لخ، قال الرهوني: انظر هذا الحصر مع ما في الموطإ، ونصه: مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال:

стр. 6045

(أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره). انتهى منه بلفظه. ففيه التعبير بالمال وهو يصدق بالسكوك لغة وعرفا، ففي الاحتجاج ما لا يخفى وإن سلموه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقوله: "ولو مسكوكا" يعني الدنانير والدراهم حيث شهدت البينة على عينها بأن لم تفارق من قبضها من حين دفعها إليه إلى حين التفليس، أَوْ كان مطبوعا عليها قاله الخرشي. وقوله: "وللغريم أخذ عين ماله المحوز عنه في المفلس لا الموت" قد علمت أن هذا التفصيل للإمام مالك، وذهب الإمام الشافعي إلى أنه أحق بذلك في الموت والفلس كما مر، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه ليس أحق بذلك في الموت والفلس. وقوله: المحوز هذه النسخة هي الصواب، وأما نسخة المحاز فغير صواب لأنه لا يقال أحاز وإنما يقال حاز. واللَّه تعالى أعلم. وآبقا يعني أن من اشترى عبدا ثم فلس قبل قبض البائع ثمنه وأبق العبد، فإن للبائع أن يأخذ العبد الآبق بمعنى أنه يطفبه، فإن وجده كان له وإن لم يجده فلا شيء له، ولهذا قال: ولزمه أي الغريم الذي هو رب الدين وهو بائع العبد الآبق إن لم يجده فلا رجوع له على المفلس بشيء، وله أن يترك طلب الآبق ويحاص الغرماء بثمنه، ولا يجوز له أن يقول أطلبه فإن وجدته كان لي وإن لم أجد رجعت إلى الحصاص. هذا قول ابن القاسم. قال المواق: قال ابن القاسم: فيمن باع عبدا فأبق من المشتري ثم فلس فطلب البائع المحاصة بثمنه على أنه إن وجد العبد أخذه ورد ما حاص به، فليس له ذلك إما أن يرضى بطلب العبد ولا شيء له غيره، وإلا فيحاص إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا الثمن إليه ويطلبوا الآبق. قال أشهب: ولا نقول إن هذا من شراء الآبق. ابن يونس: يريد لأنهم وَدَّوْا عن المفلس ثمنه والعبد للمفلس نمى أو نقص. انتهى. ورد المص بلو قول أصبغ، واختاره ابن حبيب أنه ليس لبائع أخذ الآبق بالثمن، وقال فيه ابن رشد: إنه أظهر الأقوال وأولاها بالصواب وسلمه الحطاب، قال الرهوني: لو كان بيعا لما كان جبرا على المفلس وبخصوص الثمن الأول. انتهى. وقال عبد الباقي: ولو مسكوكا وآبقا عند المشتري حين إرادة ربه أخذه فله الرضى به إن وجد بناء على أن الأخذ من المفلس نقض للبيع، وعلى أنه ابتداء بيع لا يجوز وإذا رضي به لزمه إن لم يجده ولا

стр. 6046

يرجع للحصاص خلافا لأشهب. انتهى. قوله بناء على أن الأخذ من المفلس نقض للبيع سبقه الباجي إليه في المنتقى، ووجه الباجي أيضا المقابل المردود بأنه ابتداء بيع كما قال عبد الباقي. وتحصل مما مر أن هنا ثلاثة أقوال: قول ابن القاسم إنه له أخذ الآبق ويوافقه أشهب على ذلك ويختلفان فيما إذا لم يجد الآبق، فابن القاسم يقول: لا شيء له لأنه يقول إنما له طلب الآبق فقط أو الحِصَاصُ فقط، وأشهب يقول: له طلب الآبق على أنه إن لم يجده رجع للحصاص، وأصبغ يقول: ليس له إلا الحصاص ولا يجوز له غير ذلك. واللَّه تعالى أعلم. ولأخذ الغريم عين ماله ثلاثةُ شروط أشار لأوَّلِهَا بقوله: إن لم يفده غرماؤه يعني أن الغريم إنما يكون له أخذ عين ماله إن لم يفده الغرماء بثمنه الذي على المفلس، وأما إن دفعوا له الثمن على أن يترك عين ماله فإن ذلك يلزمه حيث دفعوا له الثمن من مال المفلس، بل يلزمه ذلك فلا يأخذ عين ماله، ولو كان الفداء بمالهم أي بمال الغرماء، ومثل هذا ما إذا ضمنوا له الثمن وهم ثقات فليس له حينئذ أخذ عين ماله، وكذا لو أعطوه حميلا بالثمن ثقة. وقوله: "ولو بمالهم" هو مذهب ابن الماجشون وحكاه في الموازية، وزاد فيها: أو يضمنوا له الثمن وهم ثقات أو يعطوه حميلا ثقة، وقال ابن كنانة: ليس لهم ذلك، وَلِثَانِيهَا بقوله: وأمكن يعني أن الغريم إنما يكون له عين شيئه في فلس المدين إذا أمكن الرجوع في عين شيئه، فإن لم يمكن الرجوع في عين شيئه تعينت المحاصة، ولهذا قال: لا بضع أي لا إن لم يمكن الرجوع في عين شيئه فتتعين المحاصة. مثال ذلك ما إذا تزوج رجل امرأة بصداق فطالبته به بعد بنائه بها فوجدته مفلسا، فإنها ليس لها إلا المحاصة بصداقها، وليس لها الرجوع في بضعها لعدم إمكان ذلك شرعا؛ إذ ليس للزوجة أن تفسخ نكاحها لتعذر صداقها بعد البناء، وأما إذا لم يبن بها فلها الفسخ لأن الزوج هو المبتاع للبضع ولم يَحُزْهُ، والكلام الآن إنما هو في المحوز، فإذا طلقت قبل البناء لعسره بالصداق فإنها تحاص بنصف صداقها، وتقدم الكلام على المحاصة بالصداق عند قوله: "وحاصت الزوجة بما أنفقت وبصداقها". وعصمة يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها على مال تدفعه له ففلست قبل أن تدفعه له فإنما له المحاصة، ولا رجوع له في عصمتها لتعذر ذلك شرعا فقد بانت منه بالخلع.

стр. 6047

وقصاص يعني أن الجاني جناية فيها القصاص إذا صولح بمال يدفعه عن القصاص الذي ترتب عليه، ففلس الجاني قبل أن يدفع المال لأهله فإنه يتعين لمن له القصاص المحاصة، ولا يرجع للقصاص لعدم إمكان الرجوع في القصاص شرعا لفواته بالعفو. قال عبد الباقي: وقصاص صولح فيه بمال ثم فلس الجاني لتعذر الرجوع شرعا في القصاص بعد العفو، قال في توضيحه: وينبغي أن يلحق بذلك صلح الإنكار إذا فلس المنكر، فإن المدعي يحاص بما صولح به ولا يرجع في الدعوى. انتهى. واعترض ابن عرفة هذا الشرط -يعني شرط الإمكان- بأن الكلام في الرجوع في عين ماله لا في عين العوض والعوض في النكاح والخلع والصلح على الإنكار غير مال، أما لو كان المفروض الرجوع للعوض لأمكن ذكرها على أن أهل المذهب لم يذكروا هذه المسائل في هذا الأصل، وإنما ذكرها فيه الغزالي، فتبعه ابن الحاجب وابن شأس. انتهى بالمعنى. وحاصل الاعتراض أن قوله: أخذ عين ماله يخرج ذلك فلم يدخل حتى يخرجه بقوله: "أمكن"، والاعتراض على ابن الحاجب وابن شأس قوي لقولهما شرط الرجوع بعين المال أن يمكن لخ، وأما المص فيمكن الجواب عنه بأن قوله: ماله بفتح اللام على أنه جار ومجرور، وما اسم موصول أي الذي له فيصح حينئذ جعل أمكن شرطا. انتهى. وَلِثَالِثِهَا بقوله ودم ينتقل يعني أنه يشترط في رجوع الغريم في عين ماله أن يبقى على هيئته ولايرجع فيه إن انتقل عن الحالة التي كان عليها: كإن طحنت الحنطة فإذا اشترى منه حنطة حبا وفلس صاحب الحنطة قبل أن يقبض مشتريها ثمنها فوجد حنطته قد طحنت فإنه لا يكون أحق بالدقيق؛ لأن الحنطة لم تبق على حالها. قال عبد الباقي: هذا هو المشهور بناء على ضعيف وهو أن الطحن ناقل. قال البناني: في هذا البناء نظر لأن النقل هنا عن العين وهو يكون بأدنى شيء، والنقل فيما تقدم عن الجنس ولا يكون إلا بأقوى شيء، فلا يلزم من عدم النقل هناك عدمه هنا ولا عكسه. انتهى. وفي بعض النسخ: كإن طحنت الحنطة وهو مثال للمفهوم، قال المواق: قال أصبغ: من اشترى قمحا فزرعه أو طحنه ثم فلس لم يكن للبائع أخذه. انتهى. قوله: "لا إن طحنت الحنطة" وأولى إن عجنت أو خبزت أو بذرت. قاله الخرشي.

стр. 6048

أو خلط بغير مثل يعني أن الغريم إنما له الرجوع في عين ماله حيث لم يخلط بجنس غير جنسه، والحال أنه لم يتيسر تمييغ منه، وأما إن خلط بغير مثله ولم يتيسر تمييزه منه أي عزله عنه كقمح بشعير فإنه ليس له أخذه وإنما له المحاصة، ومن الخلط بغير المثل خلط قمح صحيح بمسوس، وأما إن خلط بمثله فإن ذلك لا يعد فوتا، بل له الرجوع فيه كما لو خلط بغير مثل وتيسر عزله عنه. واللَّه تعالى أعلم. وظاهر المص أن خلطه بغير مثله على وجه لا يفسده مع عدم تيسر عزله مفيت، كما لو اشترى من رجل عسلا ومن آخر خزيرة ثم فلس، وقال ابن المواز: إنهما أحق بذلك من الغرماء ثم وقف عن ذلك. انظر الرهوني. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: بان لك من هذا أن المص باق على عمومه. أو سمن زبدهُ يعني أن من اشترى زبدا ففلس مشتري الزبد قبل قبض البائع ثمنه فوجد زبده قد سمن أي جعل سمنا أي دهنا فإن البائع ليس له أخذه لانتقاله وإنما له المحاصة، وسمن بضم السين وكسر الميم مشددة. أو فُصِّل ثوبه يعني أن من اشترى ثوبا فعمله قميصا أو سراويل مثلا فإن ذلك ناقل له في الفلس، فإذا فلس مشتريه قبل قبض البائع ثمنه فوجد البائع ثوبه قد فصِّل فليس له أخذه، وإنما له محاصة الغرماء. وقوله: "أو فصل ثوبه" أي مثلا، وكذا لو اشترى خشبة فعمل المشتري منها بابا فإن البائع لا يكون أحق به في فلس المشتري، وإنما له المحاصة. هذا هو الذي في التوضيح وابن عرفة وغيرهما. خلاف ما في التتائي من أن ذلك ليس بفوت ونسبته للتوضيح. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. أو ذبح كبشه يعني أن من اشترى كبشا ففلس قبل أن يقبض بائعه ثمنه ووجد البائع الكبش قد ذبح، فإنه لا يكون أحق به بل يكون إسوة الغرماء. أو تتمر رطبه يعني أن من اشترى رطبا ففلس قبل أن يقبض بائعه ثمنه فوجد البائعُ للرطبِ رطبَه قد تتمر أي صار تمرا، فإن البائع لا يكون أحق بذلك التمر وإنما له المحاصة؛ لأن رطبه لم يبق على حاله، وقد علمت أن من شرط الرجوع في عين ماله أن يبقى الشيء المشترى على حالته لا إن انتقل عنها. تنبيهات: الأوَّلُ: فهم من قوله: "ولم ينتقل" أن حوالة الأسواق لا تفيت وهو كذلك.

стр. 6049

الثَّانِي: قال عبد الباقي عند قوله: "أو تتمر رطبه": ولا يعارض هذا ما مر من أن المفلس إنما يفوز بجذها لا بيبسها؛ لأن ما مر في غلة مبيع كنخلة وما هنا المبيع ذات الرطب ولا يجوز تراضيهما على أخذه بعد تتمره، وكذا الكبش بعد ذبحه بناء على أن التفليس ابتداء بيع إن كان الكبش مما لا يباع بطعام لأجل، لا إن كان مما يباع به ولا إن بنينا على أن التفليس نقض للبيع من أصله فيجوز تراضيهما على أخذه حينئذ. انتهى. قوله: إن كان الكبش مما لا لخ، بل الظاهر المنع مطلقا لأن في أخذ اللحم اقتفاءه عن ثمن الحيوان بلحم جنسه وهو ممنوع كما تقدم في قوله: "وبغير جنسه إن جاز بيعه قبل قبضه وبيعه بالمسلم فيه مناجزة". قاله البناني. وقال الرهوني: قول عبد الباقي: ولا يجوز تراضيهما على أخذه بعد تتمره، وكذلك الكبش بعد ذبحه بناء على أن التفليس ابتداء بيع لخ، لا يخفى ما في هذه العبارة، والصواب أن يقول بناء على أن الأخذ من المفلس ابتداء بيع لخ، ثم كلامه يوهم أن الراجح هو الجواز لأن الراجح أنه ليس كابتداء بيع وعلى ذلك بنيت مسألة الآبق السابقة ومسألة الرد بالعيب الآتية، وقد صرح في التوضيح بإجراء ذلك على الخلاف المذكور، ونصه: وأجري على هذا الأصل ما إذا بيع رطبا ثم يبس، فقال مالك: لا يجوز أخذه، وقال أشهب: بجوازه، ونسب الباجي القولين لمالك وذكر علة تفيد المنع حتى على القول بأنه ليس بابتداء بيع ونصه: اختلف قول مالك فيه في العتبية فأجازه مرة ومنعه أخرى لخ، ثم ذكر الخلاف في مسألة ما إذا سمن زبده أو طحن القمح وما أشبه ذلك، ثم قال بعد جلب نقل ما نصه: وكلامه صريح في أنه لا خصوصية لأخذ التمر والكبش خلاف ما يقتضيه كلام الزرقاني والمنع في الجميع هو الراجح. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. الثالث: هل للغريم أخذ عين شيئه في المفلس، ولو باعه ثم أعيد إليه لارتفاع المفيت حينئذ أم لا نقل الخرشي عن أحمد الزرقاني عن بعض شيوخه عن بعض شيوخه أن له أخذ عين شيئه. انظر بقية كلامه. الرابع: قد مر قول المص: "أو خلط بغير مثل" قال المواق عنده من المدونة: قال ابن وهب عن مالك: من ابتاع زيتا فصبه على زيت آخر له أو دفع إلى صراف دنانير فصبها في كيسه وذلك كله بمحضر بينة ثم فلس المبتاع فالبائع أحق بمقدار زيته ووزن دنانيره، وهو كعين قائمة وليس

стр. 6050

خلط المبتاع إياه يمنع البائع من أخذه، قال أصبغ: إلا أن يخلطه بغير نوعه مثل أن يصب زيت الفجل على زيت الزيتون أو القمح النقي على المغلوث أو المسوس حتى يفسده فيكون كما قد فات. الداوودي: من كان له دين على مغترق الذمة لم يجز لأحد أن يقتضي منه شيئا من دينه، وسيأتي في آخر الوديعة أن له أن يأخذ قدر ما يصير له بالمحاصة. انتهى. كأجير رعي ونحوه تشبيه في عدم الأحقية يعني أن من استأجر أجيرا يرعى له ماشية أو نحو ذلك كأجير الحراسة لزرع مثا، وأجير الخدمة إذا فلس أي المستأجر بكسر الجيم قبل أن يقبض الأجير الأجرة، فإن الأجير لا يكون أحق بالماشية التي استؤجر على رعايتها ولا بالزرع الذي استؤجر على حراسته ولا بالشجر الذي يخدم فيه، فلا يكون أحق بشيء من ذلك حتى يستوفي أجرته، وإنما له أن يحاص الغرماء. قال عبد الباقي: كأجير رعي ونحوه أجير علف أو حراسة وصانع سلعة بحانوته لا يكون كل أحق بما استوجر عليه في فلس مؤجره أو موته قبل استيفاء أجرته، بل يحاص الغرماء وهذا بخلاف من اكترى دابة كراء مضمونا ثم فلس ربها فإن المكتريَ يكون أحق بها من الغرماء كما يأتي مع الفرق عند قول المص: "والمكتري بالمعينة وغيرها إن قبضت"، ثم محل كلام المص في الأجير إذا كان يرد ما استؤجر عليه لبيت ربه عند الليل، فإن بقي بيده فهو أحق والظاهر إذا بات ما يرعاه من نحو غنم عند ربه تارة وعنده أخرى فالحكم للغالب إن كان وإلا فانظره، وانظر أيضا إذا كانت تبيت بمحل مشترك بينهما أو بمنزلهما الساكنين به جميعا. انتهى. وقال الخرشي عن الأجهوري: ومثل أجير الرعي الصانع الذي تستعمله في حانوتك، فإذا جاء الليل انصرف فلا يكون أحق بما في الحانوت، وليس من استأجره للدرس ببقرة كذلك إذ صاحب البغر أحق بالأندر لأنه كالحائز للأندر. انتهى. وقال قبل هذا: والفرق بين الأجير ومن اكترى دابة أن الأجير لم تتعلق خدمته بالماشية بل بذمة ربها، والمكتري تعلق حقه بعين الدابة. انتهى. الرهوني: ابن الحارث: قال لقمان بن (يوسف) (١): قرأت على عبد الجبار بن خالد كلام ابن

стр. 6051

القاسم أنَّ الراعي إسوة الغرماء، فقال لي ما معناه: إن كان يردها لمبيتها فإن كانت باقية بيده ومنزله فهو كالصانع. انتهى. قال ابن ناجي في شرح المدونة ما نصه: وهو عندي تفسير، وحمله شيخنا أبو مهدي على الخلاف. انتهى. قال أبو علي ما نصه: من أنصف وتأمل ما نقلناه من كلام اللخمي والموازية وغيرهما، علم أن ما قاله ابن ناجي هو المذهب وليس الخبر كالعيانْ، ولا بيان بعد هذا البيانْ. انتهى. وقال المواق: قال مالك: أما الأجير على رعاية الإبل أو على رحى الماء فهو إسوة الغرماء في الموت والفلس. ابن المواز: وكذلك أجير يبيع لك في حانوتك بزًّا أو غيره، قال في كتاب محمد: ولو استأجر أجيرا يدرس له ببقر الأجير ففلس صاحب الأندر فصاحب البقر أحق بالأندرة لأنه لا ينقلب به صاحبه ولا يحتوي، عليه بخلاف صانع استعملته في حانوتك فإذا كان الليل انصرف هذا لا يكون أحق به في فلس ولا موت. انتهى. وذي حانوت فيما به يعني أن من اكترى حانوتا فجعل فيه متاعه ثم فلس المكتري قبل قبض رب الحانوت أجرته فإن رب الحانوت لا يكون أحق بما في حانوته بل يكون إسوة الغرماء، فقوله: "فيما" أي بما، وقوله: "به" الباء للظرفية أي فيه أي لا يكون رب الحانوت أحق بما في حانوته. ومن المدونة قال مالك: أرباب الحوانيت والدور إسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس، وليس أحق بما فيها من متاع. قاله المواق. وقال عبد الباقي: وذي حانوت تجمد كراؤه على مكتريه حتى فلس أو مات فلا يكون ربه أحق فيما أي بما فيه بل هو إسوة الغرماء، ففي بمعنى الباء متعلقة بمقدر كما ذكرنا. انتهى المراد منه. وقال الشارح: لما ذكر أن الشيء إذا تغير حاله ليس لربه أخذه ويكون فيه إسوة الغرماء، ذكر أن أجير الرعي كذلك فلا يكون أحق في موت ولا فلس وهو منصوص عليه في المدونة وغيرها، ولا خلاف فيه أعلمه. انتهى المراد منه. وقال البناني: ابن عرفة: فيها مع سماع أبي زيد ابن القاسم. أرباب الدور والحوانيت فيما فيها من أمتعة إسوة الغرماء في الموت والفلس. ابن رشد: اتفاقا. ابن عرفة: هذا خلاف نقل الصقلي. هذا قول الجماعة إلا عبد الملك جعل الدور

стр. 6052

والحوانيت كالدواب، ونقله المازري وعبر عنه بابن الماجشون، وذكر الجنان أن العمل جرى بفاس في الرحى بقول عبد الملك، فصاحبها أحق بما فيها من آلة. انتهى. الرهوني: ترك البناني من كلام ابن عرفة ما يشير إلى تسليم صحة الاتفاق الذي ذكره ابن رشد، فإنه قال: في النفس من هذا النقل شيء لأني طالعت هذه الترجمة من النوادر ولم يذكره الشيخ بحال. انتهى. وراد لسلعة بعيب يعني أن من اشترى سلعة ثم ردها بعيب ففلس بائع السلعة، قبل أن يأخذ المشتري منه الثمن فوجد المشتري السلعة التي ردها بعيب قائمة بيد بائعها الفلس، فإن المشتري لا يكون أحق بها بل هو إسوة الغرماء بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع، وقيل هو أحق بها بناء على أنه ابتداء بيع. هكذا قال في المقدمات. قاله في الحطاب. وتحقيق هذه المسألة أن تقول هي على قسمين: الأوَّلُ أن يكون التفليس بعد الرد وهذا هو الذي قررت به المص ففيه القولان اللذان ذكرت مبناهما، الثَّانِي: أن يكون الرد للسلعة بعد التفليس بأن فُلِّسَ البائع والسلعة بيد المشتري فأراد الرد فقيل المشتري أحق بها فتباع له بالثمن، فإن وفى وإلا حاصَّ بما بقيَ له، وقيل لا يكون أحق بها وعليه فقيل يخير في إمساكها ولا يرجع بقيمة العيب وفي ردها ويحاص بثمنها، وقيل له حبسها ويرجع بقيمة العيب ويحاص إن ردها وهذا الثاني هو الذي قرر به الشارح المص. الرهوني: ونص المقدمات: إذا رَدَّ السلعة بعيب ففلس البائع قبل أن يرد إليه الثمن فوجد المبتاع السلعة قائمة بيد البائع المفلس، فإنه يكون أحق من الغرماء إن شاء على القول بالرد بالعيب إنه ابتداء بيع، وأما على القول بأنه نقض بيع فلا يكون له إليها سبيل، وإنما يكون أحق بالثمن الذي دفعه إن وجده بعينه في الموت والفلس لانتقاض البيع ووجوب رد عين ماله، وأما إن لم يجده بعينه فهو إسوة الغرماء على القولين جميعا، وقد اختلف على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع هل يكون المبتاع أحق بالسلعة حتى يستوفي الثمن إذا فلس البائع قبل أن يردها على قولين؟ وأما على القول بأنه ابتداء بيع فيكون أحق بها قولا واحدا. انتهى.

стр. 6053

وإن أخذت عن دبن يعني أن الراد للسلعة بالعيب لا يكون أحق بها إذا فلس بائعها كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مأخوذة في مقابلة ثمن قد نقد وبين أن تكون مأخوذة عن دين بأن يترتب لزيد دين في ذمة عمرو فيدفع له فيه سلعة، ثم يطلع زيد على عيب فيها فيردها عليه ثم يفلس عمرو قبل أن يؤدي الدين لزيد، فإن زيدا لا يكون أحق بالسلعة التي ردها على عمرٍو حيث وجدها عنده قائمة، وإنما يكون إسوة الغرماء. ولو قال المص: وإن أخذت بالنقد لكان أبين لأنه الجاري على ما يأتي في الفساد، قال الحطاب: وأما قول المص: "وإن أخذت عن دين" فلا معنى له لأنه لمَّا حكم بأن المراد لا يكون أحق بالسلعة إذا بيعت بالنقد فمن باب أولى إذا أخذت عن دين، فلو قال: وإن أخذت بالنقد لكان أبين لخ. ثم قال الحطاب: إلَّا أن يحمل كلام المص على القول الأول في كلام ابن رشد، وهو أن المراد للسلعة بالعيب يكون أحق بها فتحسن المبالغة حينئذ، ويكون المعنى أن المراد للسلعة بالعيب يكون أحق بها ولو كان أخذها عن دين أي فيكون قوله: "وراد لسلعة" عطفا على قوله: "وللغريم أخذ عين ماله" ورد الرهوني هذه المبالغة، وقال: فيها نظرت قال: وكذا جواب الحطاب وإن سلمه البناني، وأتى الرهوني بما يدل على أنه لا يحسن تمشية المص على هذا الحمل لكون هذا القول مرجوحا. واللَّه تعالى أعلم. وقال بعد جلب نقول ما نصه: فَتَحَصَّل أن الراجح هو عدم الاختصاص لاقتصار الباجي واللخمي والمازري وابن شاس وابن الحاجب عليه، ولجعله أبو عمر وابن رشد المنصوص عليه لابن القاسم ومقابله تخريجا فقط، ولتصدير ابن يونس به وحكايته الآخر بقيل، فلو كان ذلك المحمل متبادرا من كلام المص لوجب تأويله ورده للراجح فكيف مع بعده منه جدا؟ انتهى. وهل القرض كذلك صورتها أن يقترض زيد من عمرو مثلا شيئًا ثم يفلس زيد المقترض والشيء المقرض باق، فإن الشيوخ اختلفوا فيه فمنهم من قال: إن المقرض بكسر الراء لا يكون أحق بعين شيئه سواء قبضه المقترض أولا، ولهذا قال: وإن لم يقبضه أي الشيء المقرض بفتح الراء مقترِضه بكسر الراء أي آخذه، فيكون إسوة الغرماء مطلقًا، ومنهم من ذهب إلى أن القرض كالبيع، فإن فلس أو مات قبل قبضه فالمقرض أحق بعين شيئه، وإن قبضه المقترض ثم فلس أو مات فالمقرض أحق به في الفلس دون الموت فيكون إسوة الغرماء، ولهذا قال: أو هو كالبيع. وقوله: خلاف

стр. 6054

مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف، والقول الأول لابن المواز. المازري: وهو المشهور، والثاني قول ابن القاسم وروايته عن مالك وعامة أصحابه وهو الصحيح، قال البناني عن ابن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وعامة أصحاب مالك أن الرجل أحق بالعين والعرض في الفلس، كان من بيع أو قرض خلاف ما ذهب إليه ابن المواز من أنه أحق بالعين والعرض إذا كانا من بيع وإسوة الغرماء إذا كانا من قرض، والصحيح قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه أحق في الفلس بالعرض والعين كانا من بيع أو قرض، بدليل قول النبي ﷺ : (أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره)؛ لأنه ﷺ عمم بقوله فأدرك رجل ماله أي لم يخص قرضا ولا بيعا، ووجه ما ذهب إليه ابن المواز قول النبي ﷺ : (أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فهو أحق به من غيره). الحديث. لأنه جعل هذا الحديث مخصصا لعموم الحديث الأول ومبينا له في أن المراد به البيع دون القرض، وهو بعيد لأن الخاص لا يحمل على التخصيص للعام إلا إذا كان معارضا له. انتهى. وأما عكس كلام المص وهو إذا فلس المقرض بعد عقده وقبل قبض المقترض له فيبطل ولا يحاص به غرماء المقرض كما نقله التتائي في صغيره عن ابن بكير في قوله في الرهن: وبطل بشرط مناف، فتنظير علي الأجهوري فيه قصور، فإن فلس المقرض بعد قبض المقترض فليس له ولا لغريمه كلام مع المقترض قبل حلول أجله. قاله عبد الباقي. قوله: فإن فلس القرض بعد قبض المقترض لخ ظاهره ولو كان حين الإقراض قد أحاط الدين بماله، وهو موافق لما تقدم له أول الباب عن الشيخ أحمد ومر ما فيه عند البناني، فيتعين قصر ما قاله هنا على ما إذا وقع ذلك قبل الإحاطة. واللَّه أعلم قاله الرهوني. وله فك الرهن صورتها أن يشتري زيد من عمرو قطيفة مثلا بثمن لم يقبضه فرهن زيد القطيفة لبكر في شيء له عليه وحازها ثم فلس زيد فعمرٌو بالخيار بين أن يترك القطيفة على رهنيتها ويحاص بثمنها، وبين أن يفك القطيفة أي يدفع لبكر ما رهنت فيه ويأخذ قطيفته، وقد مر قول المص: "وحل به وبالموت ما أجل"، وإذا اختار زيد أخذ القطيفة ففكها بدفع ما رهنت فيه.

стр. 6055

حاص الغرماء بفدائه أي بما دفعه في الرهن لا بفداء الجاني يعني أن الغريم إذا وجد سلعته التي حيزت عنه قد جنت فإنه بالخيار بين أن يدعها ويحاص بثمنها، وبين أن يفديها بأرش الجناية فيأخذها ولا يحاص بالفداء الذي دفعه في الجناية بل يضيع عليه. قال المواق: ابن شاس: إذا وجد العبد الذي باعه مرهونا فهو بالخيار بين أن يدعه ويحاص بالثمن أو يفديه ويأخذه بالثمن كله، زاد أو نقص ويحاص بما فداه به، بخلاف ما لو وجده جانيا ففداه وأخذه بالثمن فإنه لا يرجع بشيء مما فداه به، وعزا ابن عرفة مسألة الرهن لسماع ابن القاسم ومسألة الجناية لرواية محمد، وقال ابن يونس: الفرق بين المسألتين أن الرهن من سبب المشتري والجناية لم يتعلق بذمته شيء يلزمه. انتهى. وقوله: "لا بفداء" الفداء فيه أربع لغات: الفداء بالدمع فتح الفاء وكسرها، وبالقصر مع فتح الفاء وكسرها، وقوله: "لا بفداء الجاني" صادق بصورتين ما إذا أسلمه المشتري في الجناية بعد أن فلس وما إذا لم يسلمه أصلا، وبقيت صورة ثالثة وهي ما إذا أسلمه بعد الجناية وقبل فلسه فليس لربه فداؤه؛ لأن تصرف المشتري حينئذ بالإسلام للمجني عليه لا يرد كبيعه قبله، وأما لو فداه المفلس فإن ربه يأخذه مجانا، وكان الأولى أن يقول: وحاص بفكاكه لأن الرهن ليس مفديا وإنما هو مفكوك، لكنه عبر بالفداء لشاكلة قوله: "لا بفداء الجاني" ليصير الكلام على وتيرة واحدة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وله فك الرهن وحاص بفدائه" عام في كل شيء، وقوله: "لا بفداء الجاني" هو مفروض في الذي تتعلق به الجناية وهو الرقيق. ونقض المحاصة إن ردت بعيب معطوف على قوله: "فك الرهن" أي وله نقض المحاصة، ومعنى كلامه أن من حاص غرماء المفلس لأجل عدم سلعته ثم ردت على المفلس بعيب، فإن لربها أن ينقض المحاصة ويأخذ سلعته ويرد الحصة التي نابته في الحصاص، وهذا مذهب ابن القاسم في العتبية وهو مذهب اللخمي، ويصح أن يقال ذلك حكم مضى فلا يرد. قاله الشارح. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ولصاحب السلعة التي حاص الغرماء بثمنها نقض المحاصة إن ردت على المفلس بعيب أو فساد أو تفليس المشتري الثاني، فيأخذ الأول سلعته لأنه إنما حاص لعدم وجدانها ويأخذها بجميع الثمن ولا أرش له، خلافا لقول الشارح: يأخذها ويحاص الغرماء

стр. 6056

بأرشها وله أن لا ينقضها ويستمر على المحاصة بثمنها، وليس له نقضها إن ردت على المفلس بهبة أو صدقة أو وصية أو شراء أو إقالة أو إرث، والفرق أن الرد بالعيب نقض للبيع الثاني فكأنها باقية عند المفلس والرد لفلس الثاني أو فساد بيعه ملحقان بالرد بالعيب في المعنى، بخلاف ردها بهبة وما بعدها فإنها ردت للمفلس بملك مستأنف فلا مقال للبائع. انتهى. ونحوه للخرشي. وقوله: "بعيب" يشمل القديم والحادث عند المشتري إذا رضي به البائع بعد الرد به. وعلم مما مر أن قوله: "بعيب" تنبيه منه على ما إذا ردت عليه بما هو نقض للبيع، وأنه احترز بذلك عما إذا ردت إليه بملك مستأنف كالهبة والإقالة وما في معناهما. واللَّه تعالى أعلم. وردها والمحاصة بعيب سماوي يعني أن البائع إذا وجد سلعته بيد المفلس فأخذها ثم اطلع على عيب سماوي بها حدث عند المفلس فله رد السلعة والمحاصة بثمنها، فقوله: "بعيب" متعلق بردها، والمعنى له رد السلعة والمحاصة بثمنها بسبب عيب سماوي يريد، وله أن يتمسك بها ولا شيء له بسبب العيب الحادث عند المفلس، نص على هذا ابن الحاجب وشارحه، قال ابن الحاجب: فلو أخذها فوجد عيبا حادثا فله ردها ويحاص أو حبسها ولا شيء له. ابن عبد السلام: يعني فلو وجد البائع سلعته بيد المشتري بعد التفليس فأخذها منه ثم اطلع على عيب حدث عند المشتري فللبائع رد السلعة على المشتري ويحاص بثمنها، وله أن يتمسك ولا شيء له بسبب العيب الحادث عند المشتري، ولعل هذا كالمتفق عليه. انتهى. ونحوه في التوضيح. قاله الحطاب. وعلم مما قررت أن قوله: "وردها" اسم مرفوع معطوف على فك من قوله: "وله فك الرهن"، أو على نقض من قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" فهو من تعلقات قوله: "المحاصة بعيب سماوي"، وقوله: "وردها والمحاصة بعيب سماوي" قررته على حسب ظاهره، وقال البناني: الظاهر حمله على تركها للغرماء قبل أخذها، وأما حمل الأخذ على الحقيقي كما في الزرقاني فقد اعترضه ابن عاشر بأنه إذا جنى على السلعة المشتري أو الأجنبي وعادت لهيئتها، ثم أخذها ربها فلا وجه لردها. انتهى. وأصله للقاني. انتهى.

стр. 6057

وقوله: "وردها والمحاصة بعيب سماوي" ليس مكررا مع قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" لأن قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" وقع فيها من المفلس بيع ثم ردت عليه، وقوله: "وردها والمحاصة" لخ لم يقع فيها بيع. قاله البناني. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ولمن أخذ سلعته من مفلس فوجد بها عيبا ردها بعد أن أخذها كما مر أو تركها إن اطلع عليه قبل أخذها أي تركها المفلس والمحاصة لغرمائه بجميع ثمنها بعيب أي بسبب عيب سماوي حدث عند المفلس، فمتعلق المحاصة بجميع الثمن وبعيب متعلق بردها والباء سببية. انتهى. أو من مشتريه يعني أنه لا فرق بين أن يكون هذا العيب من أمر سماوي كما عرفت، وبين أن يكون من المفلس الذي اشترى هذا الشيء، فقوله: "من مشتريه" عطف على سماوي، قال عبد الباقي: أو بسبب عيب من مشتريه الذي هو المفلس عاد لهيئته أم لا. انتهى. فللغريم رده والمحاصة بجميع الثمن، وقد مر بحث ابن عاشر بقوله إذا كانت الجناية من المشتري أو من أجنبي وعاد لهينته فلا وجه لرد الغريم عين ماله. واللَّه تعالى أعلم. أو من أجنبي يعني أنه لا فرق بين أن يكون العيب من سماوي حدث عند المشتري أو من جناية المشتري عليه أو أجنبي فللغريم ترك السلعة والمحاصة وأخذ السلعة إن لم يكن أخذها، وله الاستمرار على أخذها إن كان قد أخذها وردها والمحاصة، وأشار لقيد في جناية الأجنبي بقوله: لم يأخذ أرشه أي إذا كانت الجناية من أجنبي فالأمر فيها أنها كالجناية من المشتري حيث لم يأخذ المفلس من الأجنبي أرش الجناية. أو أخذه أي المفلس الأرش من الأجنبي، والحال أن البيع عاد لهيئته في المسألتين أي في مسألة ما إذا كانت الجناية من أجنبي ولم يأخذ المفلس منه الأرش، وفي مسألة ما إذا أخذ المفلس من الأجنبي الأرش، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية أي وإن لم يعد لهيئته في جناية الأجنبي أخذ منه المفلس الأرش أم لا. فبنسبة نقصه أي فله أن يحاص بنسبة نقصه أي نقص الشيء المعيب ويأخذ الباقي مما ينوبه من الثمن، وصورة ذلك أن يقوم يوم البيع سالما ومعيبا ويحاص بما نقصه العيب من ثمنه كسلعتين فأتت إحداهما عند المشتري، وإن شاء تركه وحاص بجميع الثمن فإذا قوم سالما بمائة ومعيبا بخمسين فإن العيب نقصه النصف، فيحاص بنصف الثمن ويأخذ الباقي منه بما ينوبه من الثمن

стр. 6058

وهو النصف وعلى هذا القياسُ، وإن شاء ترك المعيب وحاص بجميع الثمن، والفرقُ بين جناية المشتري وجناية الأجنبي أن جناية المشتري جناية على ما في ملكه فليس فيها تعد، فأشبهت السماوي بخلاف جناية الأجنبي. وعلم مما قررت أن للغريم في الفروع الأربع التي قبل: وإلا ردها والمحاصة بجميع الثمن وله أخذها بجميع الثمن، قال عبد الباقي: واستُشْكِل قوله: أو أخذه وعاد لهيئته بإنه لا يؤخذ عقل جرح إلا بعد البرء، يعني وإذا برئ على غير شين فلا شيء فيه، وأجيب بأن ذلك يتصور في الجراحات الأربع، فإن فيها ما قرره الشارع برئت على شين أو على غير شين. انتهى. وعلم مما قررت أنه لو حذف المص قوله: لم يأخذ أرشه أو أخذه لكان أخصر، بأن يقول أو من أجنبي وعاد لهيئته لخ. ورد بعض ثمن قبض وأخذها يعني أنه إذا وجد الغريم سلعته باقية عند المفلس وكان قد قبض قبل التفليس بعض ثمن سلعته ولو الأكثر وبقي بعضه لم يقبضه، فإنه يخير بين أن يرد البعض الذي قبضه من الثمن ويأخذ سلعته، وبين أن يتركها ويحاص بما بقي من ثمنها، وهذا جار اتحد المبيع أو تعدد. وقوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" قال الشارح: مثاله إذا باعها بمائة وقبض من حقه خمسين، فإما أن يتركها ويحاص بالخمسين الباقية له من ثمنهات وإما أن يرد الخمسين ويأخذ سلعته. وقال أحمد وإسحاق وداوود وأهل الظاهر إذا قبض من ثمنها شيئًا لم يكن له أخذها ولا شيء منها، وذكره الغزالي عن مالك ومثله لأبي زيد، وأنكر المازري على الغزالي نسبة ذلك لمالك. انتهى. وقوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" قد قدمت أنه جار مطلقًا سواء اتحد البيع أو تعدد قبض الأكثر من الثمن أم لا. قال المواق من ابن يونس: إذا وجد البائع سلعته بيد المفلس وقد قبض بعض ثمنها أو لم يبق له منه إلا درهم لم يأخذها إلا أن يرد جميع ما قبض أو يتركها ويحاصهم بما بقي له. انتهى. وقد مر مثال ما إذا اتحد المبيع، وأما مثال ما إذا تعدد فكما لو باع زيد سلعتين لعمرٍو بمائة درهم ثم فلس عمرو والحال أن زيدا قد قبض بعض الثمن، فوجد زيد السلعتين باقيتين بيد عمرٍو المفلس، فزيد بالخيار بين أن يحاص بما بقي له من المائة وبين أن يرد جميع ما أخذ من الثمن

стр. 6059

ويأخذ سلعتيه. وعلم مما ذكرت أنه لا وجه لتخصيص عبد الباقي قوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" بما إذا اتحد المبيع كما لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. وأخذ بعضه وحاص بالفائت يعني أن من باع سلعتين مثلا ففاتت إحداهما عند المشتري وبقيت عنده الأخرى، ثم فلس المشتري فللبائع أن يأخذ ما وجد منهما فينتقض البيع فيها ويحاص بما ينوب الفائتة من الثمن، كانت الفائتة وجه الصفقة أم لا. وقوله: "وحاص بالفائت" أي بما ينوب الفائت من الثمن، سواء كان هذا الفائت مقوَّما أو مثليا، وتعتبر القيمة يوم البيع. وقوله: "وأخذ بعضه وحاص بالفائت" مثاله ما لو باع عبدين بعشرين واقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقى الآخر عنده وفلس وأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما فليس له أخذه إلا أن يرد من العشرة التي اقتضاها خمسة؛ لأن العشرة الأولى كانت مفضوضة عليهما، وهذا إن كانت قيمتهما متساوية وإلا فض العشرة المقتضاة عليهما ورد حصة الباقي، وإن شاء حاص بباقي ثمنه ولا يأخذ ما بقي من البيع، ومحل أخذ بعضه إن لم يفده غرماء المفلس بمالهم، وهل يختصون به عنه إلى مبلغ فدائه أو لا يختصون به بل يحاص فيه؟ لأن ما فدوه به سلف في ذمة المفلس. قولان مرجحان. قاله عبد الباقي. وقوله: قولان مرجحان، عبارة الحطاب: ولا يكونون أحق بقدر الفداء على الأرجح. قاله في الشامل. وظاهر التوضيح ترجيح الثاني. انتهى. قاله البناني. وعلم مما قررت أن الضمير في قوله: "وأخذ بعضه" عائد على البيع، وأن المراد بالبعض البعض الباقي، وأن الفائت صفة لمحذوف أي البعض الفائت من البيع. كبيع أم ولدت يعني أن من اشترى أمة فولدت عنده ثم باعها دون ولدها ثم فلس فقام البائع يطلب الثمن فوجد الولد دون أمه، فإن حكمه في ذلك حكم ما تقدم في السلعتين، فيكون مخيرا بين أن يأخذ الولد بما يصيبه من الثمن ويحاص الغرماء بما أصاب الأم، وذلك بأن يفض الثمن على قيمة الأم يوم بيعها وقيمة الولد إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا له جميع الثمن، وبين أن يترك الولد ويحاص بجميع الثمن. قاله الحطاب وغيره. وهذا هو المشهور. ووقع لابن القاسم عن مالك في سماع عيسى في بعض روايات العتبية أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم، أو يترك الولد

стр. 6060

ويحاص بجميع الثمن. قاله الشارح. وقال المواق: اللخمي: ولادة الجارية ليست بفوت، فإن باع الأمة كان للبائع أن يأخذ الولد بما ينوبه من الثمن أن لو كانا جميعا يوم البيع. انتهى. وقال الخرشي عند قوله "كبيع" لخ: المراد بالبيع ما قابل الموت. انتهى. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: وشبه في أخذ البعض والمحاصة بالفائت، قوله: "كبيع أم" عاقلة أو غيرها ولدت؛ أي أن من اشترى أمة أو دابة فولدت عنده كانت حاملا وقت الشراء أم لا، ثم باعها وأبقى ولدها غير عاقلة مطلقا أو عاقلة وأثغر أو رضيت بالتفرقة، ثم فلس فلربها أخذ الولد بما ينوبه من الثمن ويحاص بما ينوب الأم من الثمن، ووجه ذلك فيما إذا اشتراها غير حامل أن الأخذ نقض للبيع فكأنها ولدت في ملك البائع وله تركه والمحاصة بجميع الثمن، وأما إن كان ولدها موجودا معها يوم البيع فهي مما تعدد فيه المعقود عليه فلا فرق فيه بين بيع أحدهما أو موته، وتدخل حينئذ في قوله: "وأخذ بعضه"، وتعتبر قيمة الولد على هيئته الآن بتقدير وجوده يوم البيع لا يوم الحكم خلافا لأحمد. انتهى. وكيْفِيَّةُ التقويم أن يقال: ما قيمة الأم يوم بيعها للمفلس؟ فإذا قيل أربعون قيل وما قيمة الولد يوم البيع على هيئته الآن، فإذا قيل عشرون حاص بثلثي الثمن قليلا كان أو كثيرا لأنه تنسب العشرون والأربعون إلى مجموع الأربعين والعشرين، فتكون العشرون ثلثا والأربعون ثلثين والظاهر ما ذكر ولو كانت قيمتهما تزيد على الثمن، كما إذا كانت قيمتهما مائة وخمسين والثمن مائة فيفض الثمن على القيمتين فيكون لكل واحد من الثمن الذي هو المائة بنسبة قيمته إلى مجموع المائة والخمسين، فإذا كانت قيمة الولد مائة يكون له ثلثاها فيأخذ الولد بثلثي المائة، ويحاص بمناب الأم الذي هو ثلث المائة ولو كانت قيمة الأم مائة وقيمة الولد خمسين فإنه يأخذ الولد ويدع ثلث المائة وهو ثلاثة وثلاثون وثلث واحد للمفلس، ويحاص بمناب الأم الذي هو ستون وستة وثلثا واحد. واللَّه تعالى أعلم. وإن مات أحدهما يعني أنه إذا باع أما فولدت عند من اشتراها فماتت هي أو ولدها، فأتى البائع يطلب الثمن فوجد المشتري قد فلس فإنه ليس للبائع إلا أن يأخذ الباقي بجميع الثمن أو يتركه
следующие страницы →