بأرشها وله أن لا ينقضها ويستمر على المحاصة بثمنها، وليس له نقضها إن ردت على المفلس بهبة أو صدقة أو وصية أو شراء أو إقالة أو إرث، والفرق أن الرد بالعيب نقض للبيع الثاني فكأنها باقية عند المفلس والرد لفلس الثاني أو فساد بيعه ملحقان بالرد بالعيب في المعنى، بخلاف ردها بهبة وما بعدها فإنها ردت للمفلس بملك مستأنف فلا مقال للبائع. انتهى. ونحوه للخرشي. وقوله: "بعيب" يشمل القديم والحادث عند المشتري إذا رضي به البائع بعد الرد به.
وعلم مما مر أن قوله: "بعيب" تنبيه منه على ما إذا ردت عليه بما هو نقض للبيع، وأنه احترز بذلك عما إذا ردت إليه بملك مستأنف كالهبة والإقالة وما في معناهما. واللَّه تعالى أعلم.
وردها والمحاصة بعيب سماوي يعني أن البائع إذا وجد سلعته بيد المفلس فأخذها ثم اطلع على عيب سماوي بها حدث عند المفلس فله رد السلعة والمحاصة بثمنها، فقوله: "بعيب" متعلق بردها، والمعنى له رد السلعة والمحاصة بثمنها بسبب عيب سماوي يريد، وله أن يتمسك بها ولا شيء له بسبب العيب الحادث عند المفلس، نص على هذا ابن الحاجب وشارحه، قال ابن الحاجب: فلو أخذها فوجد عيبا حادثا فله ردها ويحاص أو حبسها ولا شيء له. ابن عبد السلام: يعني فلو وجد البائع سلعته بيد المشتري بعد التفليس فأخذها منه ثم اطلع على عيب حدث عند المشتري فللبائع رد السلعة على المشتري ويحاص بثمنها، وله أن يتمسك ولا شيء له بسبب العيب الحادث عند المشتري، ولعل هذا كالمتفق عليه. انتهى. ونحوه في التوضيح. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أن قوله: "وردها" اسم مرفوع معطوف على فك من قوله: "وله فك الرهن"، أو على نقض من قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" فهو من تعلقات قوله: "المحاصة بعيب سماوي"، وقوله: "وردها والمحاصة بعيب سماوي" قررته على حسب ظاهره، وقال البناني: الظاهر حمله على تركها للغرماء قبل أخذها، وأما حمل الأخذ على الحقيقي كما في الزرقاني فقد اعترضه ابن عاشر بأنه إذا جنى على السلعة المشتري أو الأجنبي وعادت لهيئتها، ثم أخذها ربها فلا وجه لردها. انتهى. وأصله للقاني. انتهى.
стр. 6057
وقوله: "وردها والمحاصة بعيب سماوي" ليس مكررا مع قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" لأن قوله: "ونقض المحاصة إن ردت بعيب" وقع فيها من المفلس بيع ثم ردت عليه، وقوله: "وردها والمحاصة" لخ لم يقع فيها بيع. قاله البناني. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ولمن أخذ سلعته من مفلس فوجد بها عيبا ردها بعد أن أخذها كما مر أو تركها إن اطلع عليه قبل أخذها أي تركها المفلس والمحاصة لغرمائه بجميع ثمنها بعيب أي بسبب عيب سماوي حدث عند المفلس، فمتعلق المحاصة بجميع الثمن وبعيب متعلق بردها والباء سببية. انتهى.
أو من مشتريه يعني أنه لا فرق بين أن يكون هذا العيب من أمر سماوي كما عرفت، وبين أن يكون من المفلس الذي اشترى هذا الشيء، فقوله: "من مشتريه" عطف على سماوي، قال عبد الباقي: أو بسبب عيب من مشتريه الذي هو المفلس عاد لهيئته أم لا. انتهى. فللغريم رده والمحاصة بجميع الثمن، وقد مر بحث ابن عاشر بقوله إذا كانت الجناية من المشتري أو من أجنبي وعاد لهينته فلا وجه لرد الغريم عين ماله. واللَّه تعالى أعلم.
أو من أجنبي يعني أنه لا فرق بين أن يكون العيب من سماوي حدث عند المشتري أو من جناية المشتري عليه أو أجنبي فللغريم ترك السلعة والمحاصة وأخذ السلعة إن لم يكن أخذها، وله الاستمرار على أخذها إن كان قد أخذها وردها والمحاصة، وأشار لقيد في جناية الأجنبي بقوله: لم يأخذ أرشه أي إذا كانت الجناية من أجنبي فالأمر فيها أنها كالجناية من المشتري حيث لم يأخذ المفلس من الأجنبي أرش الجناية. أو أخذه أي المفلس الأرش من الأجنبي، والحال أن البيع عاد لهيئته في المسألتين أي في مسألة ما إذا كانت الجناية من أجنبي ولم يأخذ المفلس منه الأرش، وفي مسألة ما إذا أخذ المفلس من الأجنبي الأرش، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية أي وإن لم يعد لهيئته في جناية الأجنبي أخذ منه المفلس الأرش أم لا.
فبنسبة نقصه أي فله أن يحاص بنسبة نقصه أي نقص الشيء المعيب ويأخذ الباقي مما ينوبه من الثمن، وصورة ذلك أن يقوم يوم البيع سالما ومعيبا ويحاص بما نقصه العيب من ثمنه كسلعتين فأتت إحداهما عند المشتري، وإن شاء تركه وحاص بجميع الثمن فإذا قوم سالما بمائة ومعيبا بخمسين فإن العيب نقصه النصف، فيحاص بنصف الثمن ويأخذ الباقي منه بما ينوبه من الثمن
стр. 6058
وهو النصف وعلى هذا القياسُ، وإن شاء ترك المعيب وحاص بجميع الثمن، والفرقُ بين جناية المشتري وجناية الأجنبي أن جناية المشتري جناية على ما في ملكه فليس فيها تعد، فأشبهت السماوي بخلاف جناية الأجنبي.
وعلم مما قررت أن للغريم في الفروع الأربع التي قبل: وإلا ردها والمحاصة بجميع الثمن وله أخذها بجميع الثمن، قال عبد الباقي: واستُشْكِل قوله: أو أخذه وعاد لهيئته بإنه لا يؤخذ عقل جرح إلا بعد البرء، يعني وإذا برئ على غير شين فلا شيء فيه، وأجيب بأن ذلك يتصور في الجراحات الأربع، فإن فيها ما قرره الشارع برئت على شين أو على غير شين. انتهى.
وعلم مما قررت أنه لو حذف المص قوله: لم يأخذ أرشه أو أخذه لكان أخصر، بأن يقول أو من أجنبي وعاد لهيئته لخ.
ورد بعض ثمن قبض وأخذها يعني أنه إذا وجد الغريم سلعته باقية عند المفلس وكان قد قبض قبل التفليس بعض ثمن سلعته ولو الأكثر وبقي بعضه لم يقبضه، فإنه يخير بين أن يرد البعض الذي قبضه من الثمن ويأخذ سلعته، وبين أن يتركها ويحاص بما بقي من ثمنها، وهذا جار اتحد المبيع أو تعدد. وقوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" قال الشارح: مثاله إذا باعها بمائة وقبض من حقه خمسين، فإما أن يتركها ويحاص بالخمسين الباقية له من ثمنهات وإما أن يرد الخمسين ويأخذ سلعته. وقال أحمد وإسحاق وداوود وأهل الظاهر إذا قبض من ثمنها شيئًا لم يكن له أخذها ولا شيء منها، وذكره الغزالي عن مالك ومثله لأبي زيد، وأنكر المازري على الغزالي نسبة ذلك لمالك. انتهى. وقوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" قد قدمت أنه جار مطلقًا سواء اتحد البيع أو تعدد قبض الأكثر من الثمن أم لا. قال المواق من ابن يونس: إذا وجد البائع سلعته بيد المفلس وقد قبض بعض ثمنها أو لم يبق له منه إلا درهم لم يأخذها إلا أن يرد جميع ما قبض أو يتركها ويحاصهم بما بقي له. انتهى.
وقد مر مثال ما إذا اتحد المبيع، وأما مثال ما إذا تعدد فكما لو باع زيد سلعتين لعمرٍو بمائة درهم ثم فلس عمرو والحال أن زيدا قد قبض بعض الثمن، فوجد زيد السلعتين باقيتين بيد عمرٍو المفلس، فزيد بالخيار بين أن يحاص بما بقي له من المائة وبين أن يرد جميع ما أخذ من الثمن
стр. 6059
ويأخذ سلعتيه. وعلم مما ذكرت أنه لا وجه لتخصيص عبد الباقي قوله: "ورد بعض ثمن قبض وأخذها" بما إذا اتحد المبيع كما لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم.
وأخذ بعضه وحاص بالفائت يعني أن من باع سلعتين مثلا ففاتت إحداهما عند المشتري وبقيت عنده الأخرى، ثم فلس المشتري فللبائع أن يأخذ ما وجد منهما فينتقض البيع فيها ويحاص بما ينوب الفائتة من الثمن، كانت الفائتة وجه الصفقة أم لا. وقوله: "وحاص بالفائت" أي بما ينوب الفائت من الثمن، سواء كان هذا الفائت مقوَّما أو مثليا، وتعتبر القيمة يوم البيع. وقوله: "وأخذ بعضه وحاص بالفائت" مثاله ما لو باع عبدين بعشرين واقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقى الآخر عنده وفلس وأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما فليس له أخذه إلا أن يرد من العشرة التي اقتضاها خمسة؛ لأن العشرة الأولى كانت مفضوضة عليهما، وهذا إن كانت قيمتهما متساوية وإلا فض العشرة المقتضاة عليهما ورد حصة الباقي، وإن شاء حاص بباقي ثمنه ولا يأخذ ما بقي من البيع، ومحل أخذ بعضه إن لم يفده غرماء المفلس بمالهم، وهل يختصون به عنه إلى مبلغ فدائه أو لا يختصون به بل يحاص فيه؟ لأن ما فدوه به سلف في ذمة المفلس. قولان مرجحان. قاله عبد الباقي.
وقوله: قولان مرجحان، عبارة الحطاب: ولا يكونون أحق بقدر الفداء على الأرجح. قاله في الشامل. وظاهر التوضيح ترجيح الثاني. انتهى. قاله البناني.
وعلم مما قررت أن الضمير في قوله: "وأخذ بعضه" عائد على البيع، وأن المراد بالبعض البعض الباقي، وأن الفائت صفة لمحذوف أي البعض الفائت من البيع.
كبيع أم ولدت يعني أن من اشترى أمة فولدت عنده ثم باعها دون ولدها ثم فلس فقام البائع يطلب الثمن فوجد الولد دون أمه، فإن حكمه في ذلك حكم ما تقدم في السلعتين، فيكون مخيرا بين أن يأخذ الولد بما يصيبه من الثمن ويحاص الغرماء بما أصاب الأم، وذلك بأن يفض الثمن على قيمة الأم يوم بيعها وقيمة الولد إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا له جميع الثمن، وبين أن يترك الولد ويحاص بجميع الثمن. قاله الحطاب وغيره. وهذا هو المشهور. ووقع لابن القاسم عن مالك في سماع عيسى في بعض روايات العتبية أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم، أو يترك الولد
стр. 6060
ويحاص بجميع الثمن. قاله الشارح. وقال المواق: اللخمي: ولادة الجارية ليست بفوت، فإن باع الأمة كان للبائع أن يأخذ الولد بما ينوبه من الثمن أن لو كانا جميعا يوم البيع. انتهى.
وقال الخرشي عند قوله "كبيع" لخ: المراد بالبيع ما قابل الموت. انتهى. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: وشبه في أخذ البعض والمحاصة بالفائت، قوله: "كبيع أم" عاقلة أو غيرها ولدت؛ أي أن من اشترى أمة أو دابة فولدت عنده كانت حاملا وقت الشراء أم لا، ثم باعها وأبقى ولدها غير عاقلة مطلقا أو عاقلة وأثغر أو رضيت بالتفرقة، ثم فلس فلربها أخذ الولد بما ينوبه من الثمن ويحاص بما ينوب الأم من الثمن، ووجه ذلك فيما إذا اشتراها غير حامل أن الأخذ نقض للبيع فكأنها ولدت في ملك البائع وله تركه والمحاصة بجميع الثمن، وأما إن كان ولدها موجودا معها يوم البيع فهي مما تعدد فيه المعقود عليه فلا فرق فيه بين بيع أحدهما أو موته، وتدخل حينئذ في قوله: "وأخذ بعضه"، وتعتبر قيمة الولد على هيئته الآن بتقدير وجوده يوم البيع لا يوم الحكم خلافا لأحمد. انتهى.
وكيْفِيَّةُ التقويم أن يقال: ما قيمة الأم يوم بيعها للمفلس؟ فإذا قيل أربعون قيل وما قيمة الولد يوم البيع على هيئته الآن، فإذا قيل عشرون حاص بثلثي الثمن قليلا كان أو كثيرا لأنه تنسب العشرون والأربعون إلى مجموع الأربعين والعشرين، فتكون العشرون ثلثا والأربعون ثلثين والظاهر ما ذكر ولو كانت قيمتهما تزيد على الثمن، كما إذا كانت قيمتهما مائة وخمسين والثمن مائة فيفض الثمن على القيمتين فيكون لكل واحد من الثمن الذي هو المائة بنسبة قيمته إلى مجموع المائة والخمسين، فإذا كانت قيمة الولد مائة يكون له ثلثاها فيأخذ الولد بثلثي المائة، ويحاص بمناب الأم الذي هو ثلث المائة ولو كانت قيمة الأم مائة وقيمة الولد خمسين فإنه يأخذ الولد ويدع ثلث المائة وهو ثلاثة وثلاثون وثلث واحد للمفلس، ويحاص بمناب الأم الذي هو ستون وستة وثلثا واحد. واللَّه تعالى أعلم.
وإن مات أحدهما يعني أنه إذا باع أما فولدت عند من اشتراها فماتت هي أو ولدها، فأتى البائع يطلب الثمن فوجد المشتري قد فلس فإنه ليس للبائع إلا أن يأخذ الباقي بجميع الثمن أو يتركه
стр. 6061
ويحاص بجميع الثمن. أو باع الولد يعني أن المشتري المذكور إذا لم يبع الأم وإنما باع الولد، فإنه ليس للبائع إلا أن يأخذ الأم بجميع الثمن أو يتركها للمفلس ويحاص بجميع ثمنه.
وعلم مما قررت أن قوله: فلا حصة جواب الشرط فهو راجع للمسألتين أي لا حظ للميت من الثمن في الأولى كان الميت الأم أو الولد، فليس للبائع إلا أخذ الباقي منهما بجميع حقه أو يتركه ويحاص بجميع الثمن، وكذا لا حصة أيضًا للولد حيث كان هو البيع دون أمه، فإنما للبائع أن يأخذ الأم بجميع حقه أو يتركها ويحاص بجميع الثمن.
قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإن مات أحدهما أي الأم أو الولد بغير قتل أو باع الولد وأولى هبته أو عتقه لأنه لم يأخذ فيه عوضا ثم فلس، فلا حصة للميت منهما في الأولى ولا للولد البيع، بل إما أخذ الباقي بجميع الثمن أو تركه وحاص بجميع الثمن. وَالفرقُ بين بيع الأم وبين بيع الولد أنه إذا حدث عند المشتري كعيب سماوي فات وتقدم أنه لا يحاص بأرشه، وإذا اشتراها حاملا به كالغلة التي يفوز المفلس بها، وبهذا يجاب عن توقف سحنون في ذلك وعن قول ابن رشد واللخمي القياس في بيعهما وموتهما سواء، فلو وجدهما معا أخذهما لأن الولد ليس بغلة على المشهور فلا يأخذه المشتري. وَالفرقُ بين موت الأم وبيعها أنه أخذ لها ثمنا في البيع، فإن قتل أحدهما وأخذ له عقلا وبقي الآخر فكالبيع في تفصيله، وإن لم يأخذ له عقلا فكالموت. قاله ابن حبيب. وقوله: فكالموت أي فليس له أخذ الوجود إلا بجميع الثمن، ولعل قوله: وإن لم يأخذ له عقلا محمول على ما إذا لم يأخذه لعجزه، وأما إن تركه مع قدرته فهو بمنزلة أخذه. انتهى.
وفي المدونة: قال مالك: من ابتاع أمة فولدت عنده ثم فلس فللبائع أخذ الأمة وولدها، فإن كانت الأم قد ماتت عند المبتاع وبقي الولد فليس للبائع إلا المحاصة بجميع الثمن، أو أخذ الولد بجميع الثمن قال في العتبية والموازية: وكذلك أيضًا إن كان الولد هو الذي مات وبقيت الأم ليس له إلا أخذ الباقي منهما بجميع الثمن أو يترك ويحاص، وفي الموازية أيضًا والعتبية إن كان المشتري قد باع الولد وبقيت الأم أن البائع بالخيار، إن شاء أخذ الأم بجميع الثمن وإن شاء ترك وحاص بثمنها، قال: لأن الأم هي المشتراة بعينها، والولد كالغلة بخلاف إذا باع الأم وبقي الولد فيقسم الثمن كما تقدم. قاله المواق.
стр. 6062
وأحذ الثمرة يعني أن من اشترى أصلا ثم فلس فإنه يكون أحق بما فيه من الثمار غير المؤبرة حين الشراء، وإنما يكون أحق بذلك إن جذ الثمرة.
وَالحاصلُ أنه إن أخذ البائع الأصل الذي باع للمفلس فإنه يأخذه بما فيه من الثمر الذي لم يجذ حدث الثمر عند المشتري أو اشتراه وهو به لكنه لم يؤبر، وأما إن جذ فإنه يكون للمفلس، وأما إن اشتراه وبه ثمر مؤبر فإنه يأخذه البائع ولو جذه المشتري كما سترى ذلك قريبا. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وأخذ المفلس الثمرة غير المؤبرة حين شراء أصلها التي جذها أي فاز بها إذا أخذ البائع الشجر، وكذا إن جز الصوف غير التام فإن لم تجذ لم يأخذها ويرجع بسقيه وعلاجه، وظاهره ولو زاد على قيمة الثمرة. انتهى.
وقال الشارح: وهذا الذي ذكره فيما إذا زايلت الثمرة الأصول ولم تكن مؤبرة حين الشراء كما سيذكر، وأما لو لم تنفصل عن أصولها فإن للبائع أخذها مع الأصول على المشهور ولو يبست ما لم تجذ لأنها ما دامت في أصولها كأغصان الشجر، ومقابل المشهور ثلاثة أقوال فقد حكى في البيان فيما إذا اشترى الأصول ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة لم تؤبر أربعة أقوال: أَحَدُهَا أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر. الثَّانِي: أن البائع أحق بها ما لم تطب وهو قول ابن القاسم في العتبية. الثَّالِثُ: أنه أحق بها ما لم تيبس. الرَّابعُ: أنه أحق بها ما لم تجذ وهو نص ما في المدونة. انتهى. والغلة يعني أن المفلس يفوز بالغلة حيث أخذ البائع عين شيئه كاللبن حيث حلب، وإلا فللبائع، قال عبد الباقي. هنا ما نصه: وأخذ الغلة كمال العبد الحادث بعد الشراء حيث انتزعه أو لم ينتزعه وفداه الغرماء، وكاللبن إن حلبه وإلا فللبائع وأما غلة الدور فيفوز بها المفلس مطلقًا أخذت أم لا، وكذا غلة الحيوان غير اللبن والصوف. انتهى. قوله: أخذت أم لا، الظاهر أن معنى قوله: أم لا هو ما إذا أكرى هذه الدار أو هذه الدابة ثم فلس قبل قبض الأجرة. قاله مقيده واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "والغلة" هو من عطف العام على الخاص، ويحتمل أن يريد بالغلة ما ليس قائم العين، وقوله: "وأخذ الثمرة والغلة" أي بخلاف الولد كما في المدونة: من ابتاع أمة فولدت عنده ثم فلس فللبائع أخذ الأمة وولدها، قال مالك: وكذلك من ابتاع غنما ثم فلس فوجد البائع الغنم قد تناسلت فله أخذ الأمهات والأولاد كالرد بالعيب.
стр. 6063
إلا صوفا تم مستثنى من قوله: "والغلة" يعني أن المفلس يأخذ الغلة إن اختار البائع أخذ عين ماله إلا الصوف التام حين الشراء فإنه لا يأخذه المشتري ولو جزه، بل يرده للبائع مع الحيوان. وثمرة مؤبرة مستثنى من قوله: "وأخذ الثمرة" يعني أن المشتري للأصول والحال أن فيها ثمرا مؤبرا قد اشترطه المشتري لا يأخذه المفلس إن اختار البائع أخذ الأصول، بل تكون له الأصول مع ثمرتها المؤبرة.
قَالَ مقيده عفا اللَّه عنه: وظاهر المص أن الثمرة المؤبرة تكون للبائع مطلقًا جذت أم لا، وقال عبد الباقي: إلا صوفا تم يوم الشراء وثمرة مؤبرة يوم شرائه لأصلها ثم فلس المشتري فيأخذ البائع غنمه مع صوفها؛ لأن كلا منهما كسلعة ثانية جز الصوف أم لا، فيأخذه البائع إن كان قائما مع جزه، فإن فات حاص الغرماء بثمنه وكذا الثمرة إن لم يجذها المفلس فيأخذها مع أصلها لأنها حينئذ مقصودة ولها حصة من الثمن، وأما إن جذها عن أصولها فإنه لا يأخذها ولو كانت قائمة بعينها.
المازري: وهو المشهور، ولكن يحاص بما يخصها من الثمن. وَالْفَرْقُ أن الصوف لما كان تاما يوم البيع كان مستقلا بنفسه إذ يجوز بيعه منفردا عن أصله، فلا يفيته على البائع إلا ذهاب عينه لا مجرد جزه، والثمرة المؤبرة يوم البيع لم تكن مستقلة إذ لا يجوز بيعها منفردة عن أصلها، فجذاذها يفيتها على البائع. انتهى. قوله: جز الصوف أم لا لخ، قال البناني: هذا قول ابن القاسم في المدونة، قال ابن رشد: ولغير ابن القاسم وهو أشهب في التفليس من المدونة أن الصوف إذا جزه المشتري غلة ليس للبائع إلا أن يأخذها أي الغنم مجزوزة بجميع الثمن أو يتركها ويحاص الغرماء، وأما إن اشترى الغنم ولا صوف عليه ثم فلس فالصوف تابع للغنم ما لم يجز، فإن جز كان غلة ولا اختلاف في هذا. انتهى.
وقال في الأول على قول ابن القاسم: إن البائع يؤدي ثمن جزازه. انتهى. وقول عبد الباقي: وأما إن جذها عن أصولها فإنه لا يأخذها لخ، قال البناني: محل هذا في الثمرة إذا لم تكن يوم البيع قد طابت وإلا فيأخذها ولو جذها كالصوف كما صرح به ابن رشد، ونصه: وأما إن اشترى الأصول وبها ثمرة قد طابت ثم فلس فالبائع أحق بالنخل والثمرة وإن جذت ما كانت قائمة
стр. 6064
كمشتري سلعتين. ولا خلاف في هذا بين ابن القاسم وأشهب. وَالفرْقُ عند أشهَبَ بين هذه المسألة وبين الغنم تشترى وعليها صوف أن الصوف لما كان يدخل في البيع وإن لم يشترط كان في حكم التبع لها كالأصول تشترى بثمرتها قبل الإبار. انتهى المراد منه.
تنبيهات: الأوَّلُ: قد مر أن في الثمرة التي لم تؤبر حين الشراء أربعة أقوال، وقد علمت المشهور منها، وأما الثمرة المؤبرة حين الشراء ففيها ثلاثة أقوال: المشْهُورُ أنها يأخذها البائع ما لم تجذ فإن جذت حاص بما ينوبها من الثمن وإن كانت قائمة، والثَّانِي يأخذها وإن جذت ما دامت قائمة، والثَّالثُ هي كالغلة إن جذت. انظر الشارح. وقد مر أنها إذا طابت يأخذها البائع وإن جذت باتفاق ابن القاسم وأشهب.
الثَّانِي قال الخرشي: وإنما لم يقل المؤلف في الثمرة المؤبرة إذا اشترطها المشتري كما قال ابن الحاجب أو ثمرة كان اشترطها البائع مأبورة اتكالا على ما تقرر أن المأبورة لا تدخل إلا بالشرط. الثَّالثُ: قوله: "إلا صوفا تم" اعلم أنه إذا فات الصوف التام عند المشتري يكون حكمه حكم ما إذا اشترى سلعتين وفاتت إحداهما عنده وأراد البائع أخذ الباقية منهما، فيجري فيه قوله: "وأخذ بعضه وحاص بالفائت"، ففي ابن يونس ما نصه: ومن العتبية وكتاب محمد وابن حبيب، قال ابن القاسم: وإن اشترى غنما عليها صوف قد تم فجزه وباعه ثم فلس المشتري ولم يكن نقد الثمن، فأراد البائع أن يأخذ ما وجد في حقه فلينظر كم قدر الصوف والرقاب لا إلى ما باعه به، فيأخذ الغنم بحصتها بالصوف ويحاص الغرماء بما وقع للصوف. قال في كتاب ابن حبيب: يقال كم قيمة الغنم يوم وقع البيع بلا صوف؟ وكم قيمتها بصوفها؟ فينظر اسم قيمة الغنم وحدها من تلك القيمة فيأخذ الغنم بذلك الاسم من الثمن الذي باع به، ويحط عن الغريم ذلك الاسم ويحاص الغرماء باسم الصوف بجميع الثمن كسلعتين بيعتا في صفقة ففاتت واحدة وأدرك الأخرى. انظر الرهوني.
وأخذ المكري دابته وأرضه يعني أن من اكترى دابة أو أرضا ثم فلس قبل قبض المكري للكراء، فإن للمكري أن يأخذ دابته وأرضه لأن الغريم له أخذ عين ماله في المفلس لا في الموت فإنما له الحصاص، وقوله: "وأخذ المكري" لخ أي حيث أراد أخذ عين ماله، وأما إن أراد المحاصة
стр. 6065
بكرائه فله ذلك. وَالْحَاصِلُ أنه في الموت ليس له إلا المحامة، وفي المفلس يخير بين أخذ عين ماله المكتَرَى وبين المحاصة، وقد علمت أنه يحل بالفلس وبالموت ما أجل ولو دين كراء، قال عبد الباقي مفسرا للمص: وأخذ المكري دابته وأرضه من مكتريهما وجيبة وفلس قبل استيفائه منفعتهما، وقوله: "أخذ" أي له أخذه لقوله: "وللغريم أخذ عين ماله المحوز عنه في الفلس" وإن شاء حاص لحلوله لقوله فيما مر: "ولو دين كراء" وله أخذ الدابة والأرض في الفلس وحاص بباقي الكراء الماضي لا في الموت فلا يأخذهما حتى تنقضي مدة الوجيبة، ولكن يحاص بكرائهما حالا. وبهذا يعلم أنه لا منافاة بين ما هنا وبين ما قدمه في قوله: "ولو دين كراء".
وإِيضَاحُه أن ما هنا في الفلس خاصة مع إرادة أخذ عين شيئه وما مر فيه، وفي الموت مع إرادة المحاصة لا مع إرادة الأخذ في الفلس. قَالَ أحمدُ: قوله: "وأخذ المكري" لخ قدْ يُقالُ هذا معارض لما مر من أن دين الكراء يحل بالموت والفلس؛ لأنه إذا حل كان الحق في المنفعة للغرماء وليس له أخذ ما أكراه، وقد جعل له هنا الأخذ. وَالجوابُ أن الحكم بالحلول يقتضي ثبوت الحق للغرماء وثمرة الحكم بالحلول تظهر فيما إذا أراد أخذ الثمن. انتهى. انتهى.
وقدم في زرعها في الفلس من تتمة قوله: "وأرضه" يعني أن المكتري لأرض إذا زرع فيها ثم فلس قبل قبض المكري للكراء فإن المكرِيَ يقدم في زرع أرضه على غيره من الغرماء حتى يستوفي من ثمنه كراءه. وتَحقيقُ هذه المسألة أن تقول: كلام المص شامل للسنة التي فلس فيها ولا قبلها من الأعوام، فيقدم المكري في الزرع إلى أن يستوفي من ثمنه جميع ما يقابل السنة التي فلس فيها من الكراء وما قبلها من الأعوام أخذ الأرض أم لا، وشامل أيضًا لما بعد السنة التي فلس فيها حيث لم يأخذ أرضه، فإن أخذها لم يكن فيما بعدها شيء لأنه فسخ الكراء فيما بعدها.
وقوله: "وقدم في زرعها" أي سواء جز الزرع أم لا، وقوله: "في الفلس" أي وأما في الموت فهو إسوة الغرماء هذا هو المشهور وهو قول مالك وأصحابه، قال في المدونة في آخر كتاب الدور والأرضين: وإذا فلس المكتري أو مات بعد أن زرع ولم ينقد فربها أحق بالزرع في المفلس وهو في
стр. 6066
الموت إسوة الغرماء، ولابن القاسم في كتاب محمد وهو قول أصبغ أنه (أحق) (١) بذلك في الموت والفلس؛ أي لأن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحائزة له وحوزها كحوز صاحبها، فكانت بمنزلة من باع سلعة ثم فلس مشتريها أو مات وهي في يد بائعها، ونظر في الأول إلى أن الزرع لا نشأ عن الأرض فغايته أن يكون كمن باع الطعام فيكون أحق به في الفلس فقط. قاله الشارح.
وقوله: "في زرعها" مثل الزرع الغرس وليس البناء كالزرع والغرس؛ لأن الأرض لا تثمره ولا تنميه، ففي كلام عبد الباقي نظر. انظر الرهوني. قال عبد الباقي: واستشكل تقديمه في زرعها بتأديته إلى كراء الأرض بما تنبته أو بالطعام؛ لأن ما يؤخذ عن الكراء بمنزلة الواقع به ابتداء. انتهى المراد منه. قال البناني: أجاب الشيخ الكسناوي بأن معنى تقديم رب الأرض في زرعها أن زرعها يكون رهنا بيده فيباع ويأخذ من ثمنه الكراء، فلا يلزم كراء الأرض بما يخرج. انتهى. وهو ظاهر. انتهى. وقد أشرت في أول الحل إلى هذا. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساقيه يعني أن المكتري للأرض إذا فلس يقدم المكري على غيره من الغرماء في الزرع كما عرفت، فإذا استوفى من ثمنه فإنه يليه ساقي الزرع المذكور بأجرة معلومة حتى يستوفي أجرته، إذ لولاه ما انتفع بالزرع، وليس المراد بالساقي عامل المساقاة لأنه يأخذ حصته دون رب الأرض وغيره؛ لأنه شريك. انتهى قاله عبد الباقي.
ثم مرتهنه أي الزرع يعني أن المكتري المذكور إذا رهن الزرع فإنه إذا استوفى المكري حقه يليه الساقي للزرع حتى يستوفي أجرته، ثم يليه المرتهن للزرع حتى يستوفي حقه فيقدم على غيره من الغرماء بعد الذين تقدما، ثم إن فضل شيء فللغرماء. قال عبد الباقي: وقدم رب الأرض والساقي على المرتهن لأن الزرع إنما نشأ عن مال هذا وعمل هذا فكانا أخص في الحوز، وصاحب الحوز الأخص مقدم على صاحب الحوز الأعم، كما لو وقعت سمكة في حجر إنسان في مركب فإنه يكون أحق بها من صاحب الركب. انتهى.
стр. 6067
قوله: لأن الزرع إنما نشأ عن عمل هذا لخ، قال البناني: هذا التوجيه ذكره في التوضيح للقول بأن صاحب الأرض مقدم في الموت والفلس، ولذا اعتبر الحوز لأن المقرر أن الشيء الذي لم يخرج عن اليد يقدم من هو في يده في الموت والفلس، أما على المشهور هنا أنه يقدم صاحب الأرض والساقي في الفلس فقط فلا يأتي هذا التوجيه؛ إذ لا يعتبر الحوز وهو ظاهر. فتأمله منصفا قاله مصطفى. انتهى.
تنبيهان: الأوَّلُ: قال عبد الباقي: وقدم صاحب الأرض بكرائها في زرعها في الفلس للمكتري لعامه ولأعوام قبله ولا بعده حيث لم يأخذ أرضه، وسواء جز الزرع أم لا، ثم قال: وقولي لعامه ولأعوام قبله هو لجمع، وقرره بعضهم بأنه يقدم في السنة المزروعة فقط كما هو ظاهر قوله: "في زرعها" وأما في السنين الماضية فهو فيها إسوة الغرماء، وله أن يفسخ في المستقبلة فصارت المنافع ثلاثة أقسام. انتهى. انتهى. وقوله: حيث لم يأخذ أرضه راجع إلى قوله ولما بعده فقط كما مر ما يفيده. انظر الخرشي.
الثَّاني: هذا الترتيب الذي ذكره المص هو في المفلس كما قال المص، وأما في الموت فصاحب الأرض وساقي الزرع إسوة الغرماء، ويقدم المرتهن عليهما في الموت.
وعلم مما قررت أن نائب قدم ضمير يعود على المكري الذي هو صاحب الأرض، وأن الضمير في ساقيه للزرع وكذا الضمير في مرتهنه.
والصانع أحق ولو بموت بما بيده يعني أن الصانع أحق بما في يده أي بمصنوعه الذي في يده حيث فلس من استصنعه أو مات، فيمسك المصنوع حتى يستوفي أجرته من ثمنه؛ لأن كونه تحت يده صيره كالرهن فهو أحق به فلسا وموتا، ولا يكون شريكا أضاف لصنعته شيئًا أم لا بدليل تفصيله فيما لم يكن بيده، وشمل كلامه جميع مصنوعه وبعضه. قال عبد الباقي: فله حبسه في أجرة ما بيده وما رده لربه إن كان الجميع بعقد واحد ولم يسم لكل قدرا، فإن كان كل واحد بعقد أو اتحد ولكن سمى لكل واحد قدرا لم يحبس واحدا عن أجرة غيره. انتهى. قوله: فإن كان كل واحد بعقد أو اتحد ولكن سمى لكل واحد قدرا لخ، قال الرهوني: جزم فيما إذا اتحد العقد مع التسمية لكل واحد بعدم الحبس، وهو الذي وقع لابن القاسم في سماع أبي زيد لكن قال
стр. 6068
ابن رشد في شرحه ما نصه: قوله في الذي فلس بعد أن قبض أحد السوارين من الصانع قبل أن يدفع إليه شيئًا من أجرته إن الصانع يكون أحق بالسوار الذي بيده بأجرته فيه، ويكون إسوة الغرماء بأجرة الذي دفعه صحيح إذا كان استعماله إياهما في صفقتين، وأما إن كان استعماله إياهما في صفقة واحدة فمن حق الصانع أن يمسك الباقي في يده حتى يقبض جميع حقه، كمن ارتهن سوارين أو عبدين بعشرين درهما فدفع أحدهما إلى الراهن ليدفع إليه نصف حقه فلم يفعل حتى فلس أنه أحق بالباقي في يده من السوارين والعبدين من الغرماء حتى يستوفي جميع حقه هذا مما لا إشكال فيه ولا اختلاف. انتهى المراد منه.
وقوى الرهوني ما قاله ابن رشد بأن المنصوص عليه في المدونة وغيرها أن التسمية لمتعدد في عقد واحد ملغاة لا أثر لها كما أشار له المص في العيوب بقوله: "ورجع للقيمة لا للتسمية". انتهى. وقوله: "والصانع أحق" لخ محل هذا إن وقع الفلس بعد العمل، أما إن فلس ربه قبل العمل، فقال في التوضيح: يخير الصانع بين أن يعمل ويحاصَّ وأن يفسخ الإجارة. قاله البناني.
وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية أي وإن لم يكن المصنوع بيد الصانع، بل أسلمه لربه أو لم يَحُزْه من أصله كبناء. فلا يكون الصانع أحق به من الغرماء بل هو إسوتهم فلسا وموتا، بشرط أشار إليه بقوله:
إن لم يضف لصنعته شينا كخياط وصانع وقصار وبناء، واستثنى مما إذا لم يضف لصنعته شيئًا قوله: إلا النسج يعني أن النسج مستثنى عند ابن القاسم من مسألة الصانع الذي لم يضف لصنعته: بل هو ملحق بالصنعة التي أضيف إليها شيء، ولهذا قال: فهو كالمزيد أي النسج كالمضاف المزيد في الصنعة أي حكمه حكم من أضاف لصنعته شيئًا من عنده، كالصباغ يصبغ بصبغهِ والرقاع يرقع برقاعه ونحو ذلك، وبيَّن حكم الزيد بقوله: يشارك الصانع في الفلس فقط بقيمته يوم الحكم ولو نقص المصبوغ بأن يقال: ما قيمة الثوب أبيض وما قيمة الصبغ؟ أي ما يصبغ به كما يأتي بيانه، فإذا كانت قيمة الصبغ خمسة دراهم وقيمة الثوب أبيض عشرة كان لصاحب الصبغ ثلث الثوب وللغرماء ثلثاه. وقولي: في الفلس فقط، احترازا من الموت فإنه أسوة
стр. 6069
الغرماء فيه ووجه اختصاص ذلك بالفلس أنه لما كان فيه أخذ عين شيئه ولا يمكنه هنا شارك بقيمته، وأما في الموت فليس له أخذ عين شيئه فلذا كان أسوة الغرماء.
قال عبد الباقي مفسرا للمص ما نصه: وبين حكم المزيد استينافا بيانيا، ولذا جرده من العاطف جواب سؤال تقديره وما حكم المزيد، فقال: يشارك في الفلس فقط كما يفيده الشارح بقيمته يوم الحكم ولو نقص الثوب، قال أحمد: بأن يقال ما قيمة الغزل أي مثلا وما قيمة صنعته؟ ولا يقال ما قيمته مصنوعا لأن الصانع ليس له إلا الصنعة فلا يقوم إلا صنعته ولو قوم بجملته ربما زاد ذلك، فيأخذه زيادة على حقه. انتهى. وما ذكره من أن النسج كالمزيد ضعيف، والمذهب أنه ليس مثله بل كعمل اليد، كما أن المزيد حقيقة في الموت كعمل اليد يحاص فيه، ثم موضوع المص في النسج أنه استأجر المفلس من ينسج له غزلا، وأما من باع غزلا فوجده منسوجا عند المشتري المفلس فإنه يكون شريكا أيضًا قطعا، ولا يكون هو ولا بناء العرصة فوتا على الراجح. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: ولا يكون هو ولا بناء الرصة فوتا على الراجح، قال الرهوني: ظاهره أنه راجع للنسج والبناء، ولم أر من ذكر مقابل الراجح في مسألة البناء نصا ولا تخريجا مسلما، والنص في الموطإ والمدونة والعتبية أنه ليس بفوت، وعليه اقتصر ابن شأس وابن الحاجب، وكلام ابن عبد السلام وغيره يفيد نفي الخلاف فيها، وخرج اللخمي فيها خلافا ورده المازري، وأما المقابل في نسج الغزل فذكره ابن عبد السلام ونصه المشهور أن يكون البائع والمشتري شريكين في الثوب فالبائع بقيمة الغزل والمشتري بقيمة النسج. وقال بعضهم: يشبه أن يكون النسج تفويتا، وذكرها بعض الشيوخ قولةً لابن القاسم. انتهى المراد منه.
ومر عن عبد الباقي أن قول المص: "إلا النسج فكالمزيد" ضعيف، قال البناني: نص ابن شأس أن النساج كالصباغ والذي عليه ابن رشد في النساج خلافه، ونصه: ابن رشد: إن كان الصانع قد عمل الصنعة ورد المصنوع لصاحبه، فإن لم يكن للصانع فيها إلا عمل يده كالخياط والقصار والنساج فالمشهور أنه إسوة الغرماء. انتهى. وقوله: "يشارك بقيمته" أي يشارك بقيمة ما زاد من
стр. 6070
عنده لا بالعمل. ابن عرفة: وعلى سماع عيسى وهو المشهور لا يكون أحق إلا بقيمة ما أخرج وقيمة عمله يكون بها إسوة الغرماء. انتهى. وأصله لابن رشد ومثله في التوضيح. قاله البناني.
تنبيه: قد مر قول عبد الباقي: وأما من باع غزلا فوجده منسوجا عند المشتري المفلس فإنه يكون شريكا أيضًا قطعا لخ، قال البناني: ظاهر ما في التوضيح والمواق وابن عرفة أن المشتري في هذه شريك، سواء أضاف لصنعته شيئًا من عنده أم لا، بخلاف الصانع. انتهى. وقال المواق: وبقي مسألة -أعني من مسائل النسج- وهي البائع يبيع الغزل فينسجه المبتاع ثوبا ثم يفلس والثوب بيده إن أبى البائع المحاصة كان شريكا بقيمة العمل من قيمة الغزل. انظر ابن يونس. انتهى.
والمكتري بالعينة أي أحق بالعينة يعني أن من اكترى دابة بعينها أو عبدا بعينه مثلا ثم مات المكري أو فلس، سواء كان المكتري لم يقبض ذلك الشيء العين أو قبضه، فإن المكتري أحق بذلك العبد العين وبتلك الدابة المعينة من غيره من الغرماء حتى يتم كراؤه، قال المواق من المدونة: من اكترى دابة بعينها أو عبدا بعينه ثم مات المكري أو فلس ولم يقبض ذلك المكتري فالمكتري أحق بذلك حتى يتم كراؤه، كعبد اشتراه فلم يقبضه حتى فلس بائعه فالمشتري أحق. وقوله: "بالمعينة" مفهومه أنه لو كان الكراء مضمونا ولم يقبضها كان المكتري إسوة الغرماء في الموت والفلس. وأما إن قبضها فهو قوله: وبغيرها إن قبضت يعني أنه لو قبض الدابة المضمونة فهو أولى بها حتى يتم حقه، قال المواق: قال مالك: لو قبض الدابة يعني المضمونة وحمل عليها فهو أولى بها حتى يتم له حقه.
ولو أديرت يعني أنه إذا كانت الدابة المكتراة مضمونة وقبضها المكتري ثم فلس المكري فإن المكتري أحق بتلك الدابة التي قبضها، سواء كان يدير الدواب تحته أي لا يلزمه دابة واحدة بأن يأتيه مرة بدابة وأخرى بدابة أم لا، بأن أتاه بدابة وتركها تحته وهذا هو المشهور، وهو قول مالك في المدونة واختيار ابن حبيب، وقيل لا يكون أحق بها وهو قول أصبغ، وقيل لا يكون أحق بالمضمونة مطلقًا أديرت أم لا.
والحاصلُ أن المكتري أحق بمنافع المعينة مطلقًا قبضت أم لا، وبمنافع المضمونة إن قبضت سواء أبْقى له دابة واحدة أو كان يأتيه بدابة ثم يأتيه بغيرها، وقيل لا يكون أحق بها إن أديرت وقيل
стр. 6071
لا يكون أحق بها مطلقا. انظر الشارح. وقال عبد الباقي شارحا لكلام المص: والمكتري دابة رجل انتقد كراءها ثم فلس ربها أو مات أحق بالمعينة عند عقد الكراء أي بمنفعتها قبضت أم لا لقيام تعيينها مقام قبضها حتى يستوفي منها ما نقده في عقده، فإذا استوفى بيعت لدين الغرماء وأحق بغيرها أي المعينة إن قبضت أي كانت مقبوضة بيد المكتري حين التفليس أو الموت فقبضها بعدهما لا يكون به أحق، وقوله: "إن قبضت" شامل لما إذا قبضت وردت لربها وحين التفليس كانت بيد ربها مع أن المكتري ليس أحق بها في هذه الحالة، ولو أديرت أي كان ربها يدير الدواب تحت المكتري. وفرق ابن يونس بينها وبين كون الراعي ليس أحق بالغنم، بأن الراعي لم يتعلق له حق بعين الدواب بل بذمة المكتري ومكتري الدواب تعلق حقه بقبضه واستيلائه عليها بركوب أو حمل. انتهى كلام عبد الباقي. ونحوه للخرشي فجعلا موضوع المص أن المكتري دفع الكراء للمكري، والظاهر أنه لا فرق كما هو ظاهر كلام المدونة وكلام غير واحد. واللَّه تعالى أعلم.
وربها بالمحمول هذه عكس التي قبلها يعني أنه إذا لم يكن المفلس بائع المنافع بل كان المفلس مشتري المنافع فإن بائع المنافع يكون أحق بما حمل على دابته من متاع المكتري الذي هو مشتري المنافع؛ أي يكون المكري أحق من غيره من الغرماء بما حمل على دابته من متاع المكتري حيث فلس المكتري أو مات فيستوفي منه أجرة دابته ومثل الدابة السفينة.
وإن لم يكن معها يعني أن رب الدابة الذي هو المكري أولى بما حمل على دابته من متاع المكتري في فلسه أو موته، سواء أسلم الدابة إلى المكتري أو كان معها ورب المتاع معه أم لا. ما لم يقبضه ربه يعني أن رب الدابة أحق بما عليها ما لم يقبضه المكتري قبض تسليم فربها أحق حال نزول الأحمال في المنهل ونحوه، فإن قبضه قبض تسلُّم فربها إسوة الغرماء في الموت والفلس قام بالقرب أم لا كما هو ظاهر التوضيح وغيره. قاله البناني. وهو ظاهر المص أيضًا. والفرق بين كون هذا أحق في الموت والفلس وبين قوله وقدم في زرعها في الفلس أن المتاع محوز في مسألة الدابة، أما إن كان معها صاحبها فواضح، وأما إن لم يكن معها فهي حاملة له يتحرك بحركتها ويذهب بذهابها والمحوز لا يفترق فيه الفلس والموت، وليس الزرع بالأرض كذلك قاله الرهوني.
стр. 6072
وقال المواق من المدونة: قال مالك: والمكري على حمل متاع من بلد إلى بلد هو أولى به في الموت والفلس، كان قد أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها ورب المتاع معه أم لا وهو كالرهن، ولأنه على دوابه وصل إلى البلد. ابن يونس: وكأنها قابضة للمتاع كقابض الرهن. انتهى. وقوله: "ما لم يقبضه ربه" قال المواق عنده ما نصه: قال في كتاب ابن حبيب، وهذا ما دام المتاع بيده فإذا أسلمه لم يكن أحق به كالصناع إذا أسلموا المتاع أو لم يسلموه الحكم واحد. ابن يونس: جعلوا الدواب بخلاف الدور وكأن ظهور الإبل حائزة لما عليها، وكأن في حملها لذلك من بلد إلى بلد تنمية للمتاع، بخلاف الدور لا تنمية فيها فعلى هذا السفن كالدواب لا كالدور. انتهى.
وقال عبد الباقي: وربها أي الدابة ومثلها السفينة أحق بالمحمول عليها من متاع المكتري في فلسه أو موته يأخذه في أجرة دابته وكذا سفينته، وإن لم يكن ربها معها ما دام المتاع بيده لم يقبضه ربه المكتري الفلس قبض تسلم، فربها أحق حال نزول الأحمال في المنهل ونحوه، فإن قبضه قبض تسلم فربها إسوة الغرماء في الموت والفلس ما لم يقم بالقرب، فإن قام بالقرب فرب الدابة أحق بالأمتعة مع قبض ربها لها. انتهى. المراد منه.
قوله: ما دام المتاع بيده مناف لقول المص: "وإن لم يكن معها" قاله الرهوني. وقوله: ما لم يقم بالقرب لخ، قال البناني: ظاهر التوضيح وغيره أن ربها إسوة الغرماء قام بالقرب أم لا، وأتى بعد هذا بما يدل على رد ما قاله عبد الباقي، وقوله: "وإن لم يكن معها" أشار بإن إلى قول ابن رشدت قال الشارح: أشار إلى أن كون رب الدابة ليس معها لا يؤثر عدم الأحقية، وأشار ابن رشد إلى أنه يخرج في ذلك قولان: أحدهما أنه لا يكون أحق لا في الموت ولا في الفلس، والثاني أنه أحق به في الفلس دون الموت. انتهى. وقال الشارح: قال في المدونة: وأرباب الحوانيت والدور إسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس، وليسوا أحق بما فيها من المتاع. وقال عبد الملك في الواضحة: كالدواب فيكون أربابها أحق بما فيها انتهى.
وفي كون المشتري أحق بالسلعة يعني أن من اشترى سلعة شراء يفسخ لأجل فساد البيع وأخذ السلعة ودفع ثمنها للبائع أو أخذها عن دين ففلس البائع قبل أن يردها عليه المبتاع، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أَحَدُهَا لسحنون أن المشتري أحق بها حتى يستوفي ثمنه أو
стр. 6073
دينه. ثَانِيهَا: أنه لا يكون أحق بها في الأمرين وهو قول ابن المواز، وإليه أشار بقوله: أولا أي لا يكون أحق بها بل هو إسوة الغرماء مطلقًا. ثالِثُهَا: أنه يكون أحق بها فيما إذا اشتراها بثمن قد دفعه، لا إن أخذها عن دين وهو قول ابن الماجشون، وإليه أشار بقوله: أو أحق بها في الثمن النقد المدفوع لربها لا فيما إذا أخذت عن دين، وليس المحترز أخذت بمؤجل؛ إذ ليس للمشتري به شيء يكون أحق بالسلعة.
وقوله: أقوال مبتدأ خبره "في كون" لخ، قال عبد الباقي شارحا للمص: وفي كون المشتري للسلعة أحق بالسلعة التي اشتراها فاسدا ودفع ثمنها للبائع، أو أخذها عن دين له في ذمة بائعها ثم فلس ذلك البائع قبل فسخ البيع حيث يفسخ عقد شراء السلعة أي يستحق الفسخ شرعا لفساد البيع والسلعة قائمة بيد البائع أو المشتري وفات ثمنها، أو كان لا يعرف بعينه أو لا يكون أحق بها بل هو إسوة الغرماء لأنه أخذها عن شيء لم يتم أو يكون أحق بها في الثمن النقد المدفوع لربها لا فيما إذا أخذت عن دين، أقوال أرجحها أولها فكان حقه الاقتصار عليه. انتهى.
وكذا نص على ترجيحه غير واحد، قوله: بيد البائع فيه نظر، ويأتي الكلام عليه. وقال عبد الباقي عند قول المص: "وفي كون المشتري أحق بالسلعة يفسخ لفساد البيع" ما نصه: وكذا يكون أحق بها في الموت على هذا القول إلى أن يستوفي ثمنه. انتهى. قال الرهوني: جزم بهذا والذي في علي الأجهوري هو ما نصه: فرض مسألة المص فيما إذا فلس البائع ووقع الفسخ بعد الفلس، وجعل بعض مشايخي وبعض الشراح قول المص في الموت والفلس، ولكن الأول هو الذي يفيده كلام الشارح وحلولو. انتهى. قلت: المسألة إنما هي مفروضة في كلام الناس في الفلس، ولم أر من ذكر الأقوال في الموت بحال، نعم توجيه الباجي لقول سحنون يفيد ما قاله الزرقاني. انتهى المراد من كلام الرهوني. وقال عبد الباقي عند قول المص: "أقوال" ما نصه: وَمَحلُّهَا إذا لم يطلع على الفساد إلا بعد الفلس، وأما لو اطلع عليه قبله فهو أحق بها باتفاق. انتهى.
يعني أنه اطلع عليه قبله ولكن لم يقع الفسخ إلا بعده، بدليل ما يأتي له بعدُ ومع ذلك فهو غير صحيح؛ لأن في كلام الأيمة أن الفسخ وقع بعد الفلس ولم يشترطوا أن لا يطلعوا على الفساد
стр. 6074
قبيله (١)، وقد وقع في عبارة الرجراجي ما هو صريح في رد ما قاله، ونصه: وأما من اشترى سلعة شراء فاسدا ففلس البائع بعد أن رد المشتري السلعة فلا سبيل له إليها قولا واحدا، وإنما حقه في عين ثمنه إن وجده فإن فلس بعد أن فسخ البيع وقبل أن يرد المشتري السلعة، فهل يكون أحق بالسلعة حتى يستوفيَ ثمنَه أو لا؟ المذهب على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أنه يكون أحق بها وهو قول سحنون وهو ظاهر المدونة في كتاب الرهون في مسألة الرهن الفاسد. انتهى. المحتاج إليه منه.
تنبيه: علم من كلامهم أن محل الأقوال فيما إذا كانت السلعة بيد المشتري سواء وقع الفسخ أم لا، وأما إذا كانت بيد البائع وقد فسخ البيع فلا شيل للمشتري إليها اتفاقا، فإن كانت بيد البائع ولم يقع فسخ، فإن كان ذلك بعد أن أخذها المشتري فلا سبيل للمشتري إليها قولا واحدا، وإن بقيت بيد البائع بعد المعاقدة فالظاهر أنه لا سبيل للمشتري إليها أيضًا والمستظهر لهذا مقيده عفا اللَّه تعالى عنه خلاف ما يفيده عبد الباقي صريحا من جري الأقوال. واللَّه تعالى أعلم.
وهو أحق بثمنه يعني أن محل الأقوال الثلاثة إنما هو حيث فات الثمن أو لم يفت وهو مما لا يعرف بعينه، وأما إن لم يفت وهو معا يعرف بعينه فالمشتري أحق به بقيت السلعة أو فاتت فهو من تتمة ما قبله.
وقوله: "وهو أحق بثمنه" يعني موتا وَفَلَسًا، قال المواق عند قوله "وهو أحق بثمنه" ما نصه: لما ذكر ابن رشد الثلاثة الأقوال في مسألة من اشترى سلعة شراء فاسدا وفلس البائع، قال ما نصه: ولا خلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعا. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وهو شامل لا إذا طبع عليه، ولما إذا كان يعرف بعينه. واللَّه تعالى أعلم. وبالسلعة إن بيعت بسلعة واستحقت صورتها أن يبيع زيد سلعة لعمرو مثلا بسلعة فاستحقت السلعة التي دفع عمرو، لزيد من يد زيد فوجد زيد سلعته بيد عمرو فإن زيدا أحق بسلعته في موت عمرو أو فلسه قولا واحدا. قال ابن رشد بعد أن ذكر أنه لا خلاف في أن المشتري أحق بثمنه: أعني في مسألة المص وهو أحق بثمنه ما نصه: وكذلك من اشترى سلعة بسلعة
стр. 6075
فاستحقت السلعة التي قبض كان أحق بالسلعة التي دفع إن وجدها بعينها في الموت والفلس جميعا قولا واحدا. اهـ.
نقله المواق وقال عبد الباقي شارحا للمص: وأحق بالسلعة إن بيعت بسلعة أخرى واستحقت السلعة المأخوذة من الفلس، فقوله: واستحقت حال كما في أحمد من النكرة قبلها وسوغ مجيئها منها وصفها المقدر بأخرى أي ورب السلعة أحق بسلعته في الموت والفلس إن بيعت بسلعة واستحقت من يده، فضمير بيعت للسلعة المبيعة التي بيد الفلس، وضمير استحقت للسلعة المأخوذة عوض التي بيد المفلس وهي سلعة المفلس، وسواء كان البيع صحيحا أو فاسدا كما في النقل؛ لأن البيع وقع بشيء معين وما كان كذلك يفسخ فيه البيع ولا يخالف أخذها هنا في الموت. قوله: "وللغريم أخذ عين ماله المحوز عنه في الفلس لا الموت"؛ لأن البيع وقع على معين فباستحقاقه انفسخ فوجب رجوعه في عين شيئه مطلقا وبعوضه إن فات، بخلاف مسألة المفلس فإن البيع وقع فيها على ثمن لم يتعين كالدنانير، وهذه مسألة من أفراد قوله: "وفي عرض بعرض بما خرج من يده"، وذكرها هنا لبيان أنه يحاص بعوضها إذا لم يكن الرجوع فيها وليس له أخذ جميع عوضها. اهـ كلام عبد الباقي. قوله: وهذه المسألة من أفراد قوله: وفي عرض بعرض.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: هو كالصريح في أنه إذا فاتت السلعة بحوالة سوق فأعلى لا رجوع له في عينها، وإنما له المحاصة بقيمتها. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وبالسلعة إن بيعت بسلعة واستحقت" قال الشارح بعد أن ذكر ما مر عن ابن رشد ما نصه: قال: وكذلك من تزوج امرأة بسلعة بعينها فدفعها إليها ثم طلقها قبل الدخول، أو الفى النكاح مفسوخا فهو أحق بجميع السلعة إن وجد النكاح مفسوخا، وبنصفها إن طلقها وأدركها بعينها قائمة في الموت والفلس قولا واحدا. اهـ.
وقضي بأخذ المدين الوثيقة أو تقطيعها يعني أن المدين إذا دفع الحق لرب الدين وأراد المدين أخذ الوثيقة المكتوب فيها الدين أو تقطيعها وامتنع رب الدين من ذلك، فإنه يقضى على رب الدين للمدين بأن يأخذ الوثيقة أو تقطع. قال الرهوني: ظاهر المص أنه يخير بين الأمرين وعلى ظاهره قرره الشارح وتبعه الزرقاني، والذي في المواق عن المتيطى الذي به القضاء للذي عليه الدين أخذ
стр. 6076
وثيقة الدين من صاحبها ويقضي عليه بتقطيعها، وفي الحطاب عن أبي الحسن: وقال ابن عبد الحكم وأصبغ وابن دينار: يجبر على دفعها وتقطع. وقال أبو علي: المراد هو التقطيع لا الأخذ، فلو حذف المص الأخذ وقال بتقطيع الوثيقة لكان أبين. اهـ.
وقال البناني عند قوله وقضي بأخذ المدين الوثيقةَ" ما نصه: وقيل يكتب على ظهرها وتبقى بيد ربها وعليه العمل كما في الحطاب عن ابن عبد السلام، وهو الذي نقله التتائي عن الخضراوي وهو قول أبي القاسم الجزيري. انتهى. الرهوني: كان من حق البناني أن ينبه على استمرار هذا العمل فإنه مستمر. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: وقضي على رب دين اقتضاه بأخذ المدين الوثيقة مخصوما عليها ليلا يدعي رب الدين سقوطها منه فيقبل كما يذكره قريبا، وقيل لا يقضى عليه بدفعها ولو مخصوما عليها ليلا يخفيها المدين ويدعي أن ما دفعه له سلف. اهـ.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: قوله مخصوما عليها، قال الحطاب: قال في الشامل: صُوِّبَ خصم الوثيقة مع الدفع. انتهى. وهو معنى قول المشدالي وتبطيلها. اهـ. كلام الحطاب. فالظاهر أنه من خصمه إذا غلبه في الخصام، فيكون معناه مجعولا فيها ما يبطل خصامه من ضرب عليها أو غيره، وفي الرهوني عن أبي علي: ولعل المراد بالتبطيل هو ما جرى به العمل بفاس من كتب الإبراء بظهر الوثيقة أو طرتها ثم يأخذ الغريم نسخة من الإبراء المذكور. اهـ. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: أو تقطيعها حيث لا سجل فيها وإلا قضي بأخذها مخصوما عليها ليلا يخرج صورتها من السجل، قال صاحب التكملة: ومن الحزم تقطيعها وكتابة براءة بينهما.
لا صداق قضي يعني أن الزوج إذا قضى لزوجته صداقها فإنه لا يقضى عليها بأخذ الوثيقة التي فيها الصداق ولا بتقطيعها، قال المواق: المتيطى: أما الزوجة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها يدفع إليها كالئها فليس عليها أن تدفع كتاب صداقها إلى زوجها ولا إلى ورثته لا فيه من النفعة لها من لحوق نسب وغيره. اهـ. وقال عبد الباقي شارحا للمص: لا صداق أي لا يقضى لزوج ولا لمطلق ولا لورثته إن مات بأخذ وثيقة إذا قضى ما فيها ولا بتقطيعها، بل تبقى مخصوما عليها لأن في بقائها عند الزوجة وأوليائها منفعة بسبب الشروط التي فيها، وكذا في لحوق النسب إذا اختلفا في الولد، وكذا لها نفع في بقائها إذ لا يعلم انقضاء عدتها إلا منه، سواء كانت مدخولا
стр. 6077
بها أم لا ومات الزوج، والتعليل المذكور محمول على ما إذا كتب تأريخ الطلاق على ظهر عقد الصداق. اهـ. وقوله: لا صداق قضي هذا هو المشهور المعمول به، وقيل لابد من أخذه وتقطيعه.
ولربها ردها إن ادعى سقوطها يعني أن رب الوثيقة الذي هو رب الدين المكتوب فيها إذا وجدها بيد المدين وادعى المدين أنه أخذها لكونه قضى رب الدين، وأكذبه رب الدين وقال إنها سقطت من عنده، فإن القول لرب الوثيقة فيردها المدين إليه ويقضية دينه، ولابد من حلف رب الدين على بقائه. قال عبد الباقي: ولربها أي الوثيقة ردها من المدين إن وجدت عنده وادعى القضاء إن ادعى ربها سقوطها أو سرقتها أو غصبها منه، وعليه دفع ما فيها إن حلف ربه على بقائه إذ الأصل في كل ما كان بإشهاد بأنه عليه أن لا يبرأ منه إلا بإشهاد بالبراءة منه بدفعه أو بهبته له أو نحو ذلك. اهـ.
وقوله: "ولربها ردها" لخ هذا هو المشهور، وقيل لا ترد إليه وهي شهادة للمديان بالقضاء لأن رب الدين لم يأت بما يشبه من الأغلب، ومن معنى دعوى السقوط دعوى أنه سرقها أو غصبها، ومفهوم المص أنه إذا قال دفعتها للمدين أنها لا ترد إليه ولا يصدق في دعوى عدم القضاء، بدليل مسألة الرهن وهذا هو المفهوم من كلام المتيطى. انظر الرهوني. وقال المواق: إذا دفع الذي عليه الدين لرب الدين دينه ودفع إليه رب الدين عقده الذي كان له عليه ثم جحده الاقتضاء فاستظهر له الغريم بوثيقة الدين لم يكن ذلك له براءة ويؤمر بردها إلى رب الدين إن ادعى أنها سقطت منه وما أشبه ذلك، وأقصى ما عليه اليمين أنه ما اقتضى من دينه شيئًا. اهـ.
ولراهن بيده رهنه بدفع الدين يعني أن الراهن إذا وجد بيده رهنه وادعى أنه دفع الدين للمرتهن ولم يصدقه المرتهن، بل ادعى سقوطه أو سرقته فإنه يقضى للراهن بأنه دفع الدين للمرتهن مع يمين الراهن. قال عبد الباقي: وقضي لراهن مع يمينه وجد بيده رهنه بدفع الدين أي بأنه دفعه للمرتهن ولم يصدقه بل ادعى سقوطه أو إعارته له أو سرقته، ويبرأ منه الراهن يعني يبرأ من الدين إن قام المرتهن بعد طول كعشرة أيام فيما يظهر، فإن قام بالقرب فالقول للمرتهن بلا خلاف كما في الحطاب، والفرق بين الرهن والوثيقة ندور سقوط الرهن بالنسبة لسقوط الوثيقة، إذ الاعتناء بحفظ الرهن أشد من الاعتناء بحفظ الوثيقة. اهـ. قوله: أو إعارته، قال البناني: في
стр. 6078
تسويته بين دعوى الإعارة وغيرها نظر بل التفصيل إنما هو في غير الإعارة. انظر الحطاب وغيره. اهـ.
وقال الحطاب عند قوله: "ولراهن بيده رهنه بدفع الدين" هذا إذا أقر المرتهن بدفع الرهن إلى الراهن، قال في المتيطية: ولو لم يقر المرتهن بدفع الرهن إلى الراهن وادعى أنه تلف له وسقط لكان القول قوله قولا واحدا إذا كان قيامه عليه بالقرب. وقال قبله: ولا اختلاف بينهم إذا طال الأمر أن القول قول الراهن. اهـ. وهكذا نقل المسألة ابن فرحون في تبصرته عن المتيطي.
كوثيقة زعم ربها سقوطها تشبيه بما تضمنه قوله: "ولراهن بيده رهنه" لخ وهو لا شيء للمرتهن؛ يعني أنه إذا زعم رب الدين سقوط الوثيقة وادعى المدين القضاء فإن القول للمدين مع يمينه، وهذا ظاهر التشبيه في كلام المص فيكون فقد الوثيقة من يد رب الدين شاهدا للمدين فيحلف معه. وعارضها ابن غازي بقوله قبل ولربها ردها، وفرق بينهما بعض بأنه في الأولى لما وجدت الوثيقة بيد المدين غير مخصوم عليها كذبه العرف وهو أن الدين لا يقضى إلا بكتب القضاء على الوثيقة بخلاف هذه. انتهى انظر البناني.
ولم يشهد شاهدها إلا بها هذا الكلام استيناف، ومعناه أن الشاهد إذا كتب شهادته في الوثيقة فلا يجوز له أن يشهد إلا مع إحضارها، وظاهره حَفِظَ الشَاهِدانِ ما يشهدان به أم لا، قال المتيطى عن الكافي: إذا كتب الشاهد الوثيقة وطولب بها يعني بالشهادة وزعم المشهود عليه أنه قد أدى ذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه؛ لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذا أدوا الديون. انتهى نقله ابن غازي وغيره. قال البناني: قلت: مضمن كلام الكافي أن الشاهد في هذه المسألة لا يشهد، ويفهم منه أن القول للمدين أي في أنه أبى الدين إذ لو كان مؤاخذا بإقراره لم يكن لمنع شهادة الشاهد فائدة لموافقتها للإقرار. انتهى واللَّه تعالى أعلم.
ولما أنهى الكلام على التفليس أَتْبَعَهُ بالحجر تكميلا لبيان أسباب الحجر فقال:
стр. 6079
في الحجر وأسبابه حصرها ابن الحاجب تبعا لابن شأس في سبعة ونصه: الحجر أسبابه الصبا والجنون والتبذير والرق والفلس والمرض والنكاح في الزوجة، قال ابن عبد السلام: وتُعقِّب كلام المص هنا من وجهين: أحدهما أنه ترك سببا ثامنًا وهو الردة، والثاني قدم حكم الفلس قبل ذكر سببه، فإنه عند الفلس هنا في الأسباب بعد أن تكلم على أحكام التفليس فيما تقدم. انتهى. وقد اعترض في التوضيح بذلك وزاد تاسعا، ونصه: مفهوم العدد يقتضي الحصر فيها وينتقض عليه بالحجر على الراهن لحق المرتهن وبالحجر على المرتد. انتهى. وسلمه الناصر بسكوته عنه. وقال ابن عرفة بعد ذكره كلام ابن عبد السلام في نصه: قلت يُرَدُّ تعقبه الأول بأنهم ذكروا الحجر على المالك فيما يملكه لا فيما لا يملكه، وحجر المرتد ليس من حجر المالك على ما يملكه؛ لأنه لو مات ما ورث عنه، ولعله في تعقبه تبع القرافي في الذخيرة فإنه قال: أسبابه ثمانية فعد فيها الردة. انتهى.
قال الرهوني: قلت سلم كلام ابن عرفة هذا ابن غازي في تكميله والحطاب وجسوس والتاودي وغير واحد وهو غير مسلَّم، بل الحق ما قاله ابن عبد السلام، وما استدل به ابن عرفة من عدم الإرث لا دليل له فيه لأن مانع الإرث التخالف في الدين بهذا علله غير واحد، ويلزم ابن عرفة أن الكافر بالأصالة إذا لم يكن له ورثة إلا مسلمون أنه ليس بمالك، ثم هو استدل بدليل واحد، ولابن عبد السلام أدلة متعددة كون ماله لسيده المسلم إذا قتل على ردته، فلولا أنه باق على ملكه إلى موته لم يكن لاختصاص سيده به عن سائر المسلمين وَجْهٌ ورجوع ماله إليه إذا راجع الإسلام، فلو زال ملكه عنه بالردة لم يكن لرجوعه إليه بدون سبب وَجْهٌ، وقضاء ما عليه من الديون من ماله وأداء جنايته على عبد أو ذمي من ماله والإنفاق على مدبره وأم ولده من ماله. فتأمله بإنصاف. ثم وجدت أبا علي رد كلام ابن عرفة بنحو هذا وأطال بجلب كلام المعونة والمتيطي والمدونة وابن شأس وابن عرفة نفسِه، ثم قال بعد ذلك ما نصه: ومن ادعى أن الردة مزيلة للملك كابن عرفة فليأت بدليل، وكونه لا يورث ليس بدليل وإلا لزم في كل من لا يورث من كافر أصلا أو غيره، وإن أردت تحقيق هذد المسألة، فانظر كلامنا على إرث المرتد صدر كتاب الردة تجد السحر الحَلَالْ، إن شاء اللَّه تعالى الكبير المتعالْ، انتهى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
стр. 6080
وقال الحطاب: الحجر مصدر حجر يحجر ويحجر بضم الجيم وكسرها وهو لغة حضن الإنسان والمنع والحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ ويثلث في المعاني الثلاثة. قاله في القاموس. وقرئ بهن في الآية، وتقول الكفار يوم القيامة إذا رأوا ملائكة العذاب: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي حراما محرما يظنون أن ذلك ينفعهم كما كانوا يقولونه في الدنيا لمن يخافونه في الشهر الحرام. قاله في الصحاح. وذكر أن الحجر بمعنى الحرام أفصح فيه الكسر من غيره، والحجر مثلث أيضًا ما بين يدي الإنسان من ثوبه، قاله في المحكم وحكاه في القاموس بالكسر فقط. والحجر بالكسر فقط يطلق على العقل كقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ وعلى حجر الكعبة المحاذي لها من الجانب الشمالي وكل ما حجرته من حائط فهو حجر، وعلى ديار ثمود بالشام عند وادي القرى قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ وعلى الأنثى من الخيل وهو في الجميع بمعنى المنع؛ لأن العقل يمنع من الرذائل جميعها والحائط يمنع من الدخول إليه وكذا ديار ثمود والأنثى تمنع صاحبها من العدو، ويطلق أيضًا بالكسر على القرابة وعلى فرج الرجل والمرأة والحجر في الشرع. قال في الذخيرة المنع من التصرف، وقال ابن رشد: المنع من التصرف في المال وفيهما إجمال يجب اجتنابه في الحدود إذ لم يبين هل هو المنع من التصرف بالتبرع أو بالمعاوضة؟ وهل في الكل أو في البعض؟ وقال ابن عرفة: الحجر صفة حكمية توجب لموصوفها منع نفوذ تصرفه في الزائد على قوته أو تبرعه بماله، قال: وبه دخل حجر المريض والزوجة. انتهى.
وقوله: أو تبرعه عطف على تصرفه وبماله بكسر اللام، فإن كان أراد التبرع بكل المال كما قال الرصاع يرد التبرع بأكثر من الثلث، وإن كان الزائد على الثلث فلا قرينة تدل عليه، وإن كان المراد بشيء من ماله ففساده بيِّن. قاله الحطاب. وَأجِيبَ بأن المراد التبرع بكل ماله كما تفيده الإضافة، ولا يخرج منه الزوجة والمريض لأنهما ممنوعان من التبرع بكل المال، وجواز تبرعهما بالثلث فدون شيء آخر يعلم من خارج.
وقال مصطفى: تعريف ابن عرفة لا يطابق معناه لغة ولا اصطلاحا؛ لأنه في اللغة المنع، وفي الشرع المنع من شيء خاص كما قاله ابن رشد وعياض والتوضيح واعترف به ابن عرفة. انتهى.
стр. 6081
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله مصطفى ظاهر لأنه جعل الحجر السفه والصبا ونحوهما وذلك سبب في الحجر والسبب غير المسبب. واللَّه تعالى أعلم.
وقدم المص حجر المجنون لقلة الكلام عليه بالنسبة للصبي فقال: المجنون محجور اللام لانتهاء الغاية، يعني أن المجنون محجور عليه إلى أن يُفيقَ فإذا أفاق زال الحجر لأجل الجنون، وينظر في غيره من الأسباب فإن وجد شيء منها عمل عليه وإلا فرشيد. وقوله: "محجور" أي لأبيه إن كان وجُنَّ قبل بلوغه أو رشده وإلا فالحاكم وإلا فلجماعة المسلمين.
والحاصل أن الجنون الطارئ بعد الرشد يكون للحاكم وإن وجد الأب، وأما الطارئ قبل البلوغ أو بعده مع السفه فهو للأب إن كان وإلا فالحاكم وإلا فجماعة المسلمين. وقوله: "محجور" أي عليه حتى بالنسبة لمهجته، قال عبد الباقي: ولا ولاية للأم من حيث الحجر عليه خلافا لبعض الشراح، وإنما لها الحضانة فقط. وفهم منه أن غير المجنون لا يحجر عليه، ووقع خلاف فيمن يخدع في البيع فقيل يحجر عليه مطلقًا ورجحه القرطبي، وقيل لا إن كان يشترط في بيعه ما يدفع ذلك، وفصل اللخمي فقال: إن كان يخدع باليسير أو بالكثير إلا أنه لا يخفى عليه ذلك ويتبين ذلك الغبن له فلا يحجر عليه ويؤمر بالاشتراط حين البيع ويشهد بذلك، وإن كان لا يتبين له ذلك ويكثر نزول ذلك به أمر بالإمساك عن التجر ولم ينزع ماله منه، فإن لم يمسك عنه نزع منه. انتهى.
وقال المواق: ابن رشد: لا يصح للإنسان أن يتصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف وهي: البلوغ والحرية وكمال العقل وبلوغ الرشد، ولا يصح رشد من مجنون لسقوط ميزه وذهاب رأيه. انتهى. وقوله: "محجور" استعمله المص بغير ذكر متعلق كمضروب ونحوه مما فعْلُه متعد مع أن فعله غير متعدة قال في المصباح: حجر عليه من باب قتل منعه التصرف فهو محجور عليه والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفا لكثرة الاستعمال ويقولون محجور وهو سائغ. انتهى. وقد مر أنه من باب ضرب وقتل. واللَّه تعالى أعلم.
والصبي لبلوغه يعني أن الصبي محجور عليه بالنسبة لنفسه وماله إلى أن يبلغ فإن بلغ سقط حجر النفس، فله أن يذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه فساد أو هلاك فيمنعه الأب والولي
стр. 6082
والناس أجمعون، وما ذكرته من التعميم هو الظاهر. وقال الرهوني: إنما هذا بالنسبة لماله، وأما بالنسبة لنفسه فقد قدمه المص في باب الحضانة إذ قال: وحضانة الذكر للبلوغ. انتهى. وقال عبد الباقي: وأما الصبية فيستمر الحجر عليها بالنسبة لنفسها إلى سقوط حضانتها بالبناء بها لأن الحضانة حق للحاضن. انتهى. وقوله: "لبلوغه" البلوغ هو قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولية إلى غيرها، وهذا التعريف شامل لبلوغ الصبي والصبية. وقول المازري: قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولية إلى حال الرجولية لا يشمل بلوغ الصبية. وفي الصحاح: الرجل خلاف المرأة. انتهى.
ويقال: امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال. ويقال كانت عائشة رجلة الرأي وفي الخبر: (لعن اللَّه المترجلات من النساء) (١) قال ابن الأثير: أي اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهن وهيئتهن فأما في العلم والرأي فمحمود، ويقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة. انتهى. وقال الرهوني في الصباح في نصه: والرجل الذكر من الأناس جمعه رجال وقد يجمع على رجْلَة وزان تمرةٍ حتى قالوا: لا يوجد جمع على فعلة بفتح إلا رَجْلَة وكمأة جمع كمء وقيل كمأة للواحد مثل نظرة من أسماء الأجناس. قال ابن السراج، جمع رَجُلٌ على رَجْلَة في القلة استغناء عن أرجال. انتهى.
وقال المواق: ابن رشد: لا يصح رشد من صبي لضعف ميزه بوجوه منافعه، قال الخرشي:
وَلما كان البلوغ عبارة (عن قوة) (٢) تحدث في الشخص يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية، وتلك القوة لا يكاد يعرفها أحد فجعل الشارع لها علامات يستدل بها على حصولها، أشار المؤلف إلى أنها خمس منها مشترك ومختص، وعطفها بأو ليلا يتوهم أن العلامات مجموعُها أُولَاها السِّنُّ وهي مشتركةٌ بين الذكر والأنثى بقوله:
بثمان عشرة الباء للسببية أو للآلة يعني أن البلوغ يحصل بتمام ثمان عشرة سنة هذا في الذكر والأنثى وهذا هو المشهور، وشهر غير المص ست عشرة ولابن وهب خمس عشرة، لحديث ابن
стр. 6083
عمر: (أجازني رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن أربع عشرة أو خمس عشرة) (١)، وقيل بسبع عشرة وقيل تسع عشرة فهذه أقوال خمسة وقد عرفت المشهور منها. قال القرطبي: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده أو جحده فالعمل فيه ما روى رافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد ألا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسَى. انتهى. وظاهر قوله: وأما من جهل مولده أو جحده أنه يقبل قوله في مقدار سنه وهو بين، وسيأتي في كلام الشيخ زروق عند قول المص: "وصدق إن لم يرب" أنه يصدق في السن إن ادعى ما يشبه حيث يجهل التأريخ. واللَّه تعالى أعلم. انظر الحطاب. وقال عبد الباقي: بثمان عشرة سنة بحذف الياء مع كسر النون وفتحها وبإثباتها ساكنة ومفتوحة أي بتمامها كما هو المتبادر منه وللخمي بالدخول فيها.
ثَانِيَتُهَا أشار إليها بقوله: أو الحلم بضم الحاء واللام وهو الإنزال في النوم وأحرى الإنزال يقظة، يعني أن الحلم من علامات البلوغ في الذكر والأنثى قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الآية، قال عبد الباقي مفسرا للمص: أو الحلم أي الإنزال والنوم حيث أمكن منه كما قيد به ابن شأس لقولهم: ماء المرأة ينعكس لداخل الرحم ومثله بالأولى يقظة، والظاهر أن المذي مثله إذ لا يحصل من غير بالغ ونحوه للشافعية. انتهى. قوله: والظاهر أن المذي مثله إذ لا يحصل من غير بالغ.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: هذا غير صحيح لأني شاهدته أي المذي في نفسي وأنا صبي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عن ابن رشد: حد البلوغ كمال العقل وعلامة البلوغ الاحتلام في الرجال والحيض في النساء لخ.
ثالثتُها ورابعتُها أشار إليهما بقوله: أو الحيض أو الجهل يعني أن الحيض من علامات البلوغ في النساء خاصة وكذلك الحمل هو من علامات البلوغ ويختص بالنساء، قال عبد الباقي: وأشار للثالثة والرابعة بقوله: أو الحيض أو الحمل في أنثى أو خنثى ويزول حينئذ إشكاله كما سيذكره
стр. 6084
المص، ولا يعتبر فيهما كبر النهد أي الثدي. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: وتختص الأنثى بالحمل والحيض. انتهى.
وأشار إلى الخَامِسَة بقوله: أو الإنبات يعني أن الإنبات من علامات البلوغ وإن لم يحصل غيره من العلامات وهو من المشترك بين الذكر والأنثى، قال عبد الباقي: وأشار للخامسة المشتركة وأخرها لقوة الخلاف فيها بقوله: أو الإنبات على فرج الأنثى وعلى أعلى الذكر، والمراد به الخشن لا الزغب، وظاهر المص ولو حصل في زمن لا ينبت فيه عادة. وقوله: "أو الإنبات" أي للعانة كما مر لا الإبط واللحية لأنه يتأخر عن البلوغ. وهذا الذي صدر به المص هو المشهور كما في التوضيح والشامل والتردد ضعيف. انتهى.
وهل إلا في حقه تعالى؟ يعني أنه اختلف في الإنبات هل هو علامة على البلوغ أم لا؟ قال ابن رشد: محل هذا الخلاف فيما بينه وبين الآدميين، قال: وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة. انتهى. أي إذا ترك شيئًا مما يجب على البالغ أو فعل شيئًا مما يحرم على البالغ فلا شيء عليه فيعا بينه وبين اللَّه تعالى وإن كان مما يؤاخذ به في الظاهر إذا اطلع عليه. واللَّه تعالى أعلم. وقال المازري: المشهور أن الإنبات علامة أي مطلقًا في حق اللَّه تعالى وفي حق الآدمي، فالمص أشار لطريقة ابن رشد بشق التردد المذكور، وأشار لطريقة المازري بالشق المطوي وهو كونه علامة مطلقًا على المشهور، فالخلاف على كلامه جارٍ مطلقًا أي في حق اللَّه تعالى وفي حق الآدمي، والخلاف عند ابن رشد إنما هو فيما بينه وبين الآدميين. وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى فليس الإنبات فيه بعلامة.
قال الحطاب بعد أن ذكر عن التوضيح أن المشهور أنه علامة ما نصه: وظاهره مطلقًا ثم قال ولعله يريد مطلق الإنبات، وأما الإنبات الذي تقدم وصفه فلا يوجد إلا في بالغ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد، قال الخرشي: ثم إن العلامات ليست منحصرة فيما ذكر المص؛ لأن منها فرق أرنبة المارِنِ وَنَتْنِ الإبط وغلظ الصوت، ومن ذلك أن تأخذ خيطا وتثنيه وتديره برقبته وتجمع طرفيه في أسنانه فإن دخل رأسه منه فقد بلغ وإلا فلا. انتهى.
стр. 6085
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: وهذه المسائل ليست بمنصوصة وإنما هي بحسب التجربة. انظر الحطاب وغيره. وحينئذ يخف أمرها. واللَّه تعالى أعلم.
البناني عن التوضيح: والمشهور أن الإنبات علامة. قاله المازري وغيره. ودليله حديث بني قريظة حيث قال: (انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه المواسي فاضربوا عنقه)، ولمالك في كتاب القذف أنه ليس علامة على البلوغ ونحوه لابن القاسم في كتاب القطع، وجعل هذا الخلاف في المقدمات فيما بينه وبين الآدميين، قال: وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة. انتهى.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وهل هو علامة مطلقًا في حق اللَّه وحق الآدمي أو علامة إلا في حقه تعالى وهو ما لا ينظر فيه الحكام من صلاة وصوم، وكذا ما ينظر فيه بالنسبة لما بينه وبين اللَّه تعالى فليس بعلامة في الباطن، فلا يأثم بفعله أو ترك ما حظر على محقق البلوغ بغيره بخلاف الظاهر فيلزمه طلاقه، والحد لخمر وغيره لأنه ينظر فيه الحكام. انتهى المراد منه.
وردَّ هذا الكلام الرهوني بأن الصلاة والصوم ينظر فيهما الحكام وقد مر "وقتل بالسيف حدا" فالحق أنه غير صحيح، وإنما معنى هذا القول أنه إذا ترك شيئًا مما يجب على البالغ أو فعل شيئًا مما يحرم على البالغ فلا شيء عليه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وإن كان مما يؤاخذ به في الظاهر إذا اطلع عليه. واللَّه تعالى أعلم. ونحو ما لعبد الباقي للخرشي وهو جدير بالرد. واللَّه تعالى أعلم.
وَصُدِّقَ يعني أن الشخص إذا ادعى أنه بلغ فإنه يصدق في ذلك ادعاه ببلوغ السن المذكورة أو بالحلم أو بالحيض أو بالحمل أو بالإنبات، وكذا يصدق في دعوى عدم البلوغ. فقوله: "وصدق" أي في شأن البلوغ إثباتا أو نفيا. وقوله: "وصدق" أي طالبا كما إذا طلب سهمه في الجهاد فيصدق في دعوى البلوغ أو مطلوبا كما إذا جنى وادعى عدم البلوغ فلا يقتص منه، أو شرب خمرا وادعى عدم البلوغ فيصدق ويدرأ عنه الحد، وما مر من أنه يصدق حتى في البلوغ بالسن خلاف ما في الخرشي وعبد الباقي، حيث قالا: وأما إن ادعى البلوغ بالسن فلابد من إثبات ذلك بالعدد. قال
стр. 6086
البناني: فيه نظر. وفي الحطاب عن الشيخ زروق: ويصدق في السن إن ادعى ما يشبه حيث جهل التأريخ. انتهى.
وقال الرهوني: قوله وأما إن ادعاه بالسن فلابد من إثبات ذلك بالعدد ما نصه: هو ظاهر كلام الجواهر، ونَصُّها فَرْعٌ في طريق معرفة هذه العلامات، وأما السن فبالعدد وأفي الاحتلام فبقوله إذا كان ممكنا. انتهى. وبه جزم أبو علي ولم يحك فيه خلافا مع نقله كلام الجواهر ولم يعارض بينهما. فلعله رآه تقييدا وهو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقال عبد الباقي: وصدق الصبي طالبا أو مطلوبا في شأن البلوغ أي عدمه كطلاقه وجنايته لدرءِ الحد بالشبهة كما يفيده نقل المواق وإفساده ما أمن عليه، أو وجوده أي البلوغ بأي علامة ولو الإنبات، خلافا لابن العربي كيتيمة ادعته لتتزوج وذَكرٍ ادَّعاه ليأخذ سهمه في جهاد أو ليحوز أو ليكمل عدد جماعة جمعة. انتهى. وقال الخرشي: وأما إن ادعت البلوغ بالحمل فلا يلتفت لقولها حيث لم يكن ظاهرا، وينتظر الأمر في ذلك حتى يظهر. انتهى. ونحوه لعبد الباقي ويأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: ولو الإنبات خلافا لابن العربي فإنه قال: ويثبت الإنبات بالنظر لمرءاة تسامت محل النبت بأن تكشف عورته ويستدبره الناظر فينظر في المرءاة. ابن عرفة: أنكر هذا عز الدين وقال: هو كالنظر إلى عين العورة وكذا ابن القطان المحدِّث المتأخر. قال ابن الحاجب: إنه غريب، قال المص: ولو قيل يجس على الثوب كالعنة ما بعد. انتهى. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: وصدق معناه في دعوى البلوغ طالبا أو مطلوبا وفي دعوى عدمه طالبا أو مطلوبا. واللَّه تعالى أعلم.
إن لم يرب يعني أن محل تصديقه في البلوغ إنما هو حيث لم تعارض مقاله ريبة، وأما إن عارضت مقاله ريبة فإنه لا يصدق.
стр. 6087
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: معنى الريبة عندي أن يُتَلمَّح منه ما يدل على الصبا أو على البلوغ. واللَّه تعالى أعلم. وقولي: وأما إن عارضت مقاله ريبة فإنه لا يصدق أي فيما يتعلق بالأموال؛ وأما في الجناية فيصدق مع الريبة لدرء الحد بالشبهة. قال عبد الباقي: ومحل تصديقه فيما يصدق فيه إن لم يرب فيه، فإن ارتيب فيه لم يصدق فيما يتعلق بالأموال وصدق في الجناية لدرء الحد بالشبهة وفي الطلاق فلا يقع عليه استصحابا لأصل صباه، ففي مفهوم الشرط تفصيل ويستثنى من قوله: "وصدق" لخ دعوى الحمل فينتظر ظهوره حيث كان خفيا وقت دعواها وجوده كما في أحمد، وربما يدل له قول المص: "ولا نفقة بدعواها الحمل" بل بظهوره وحركته فيفرق بينه وبين غيره من العلامات بظهوره بعد ذلك، وفي الحطاب خلافه وأنها تصدق. انتهى. قوله: وربما يدل له قول المص ولا نفقة بدعواها لخ لا دليل فيه لا قاله أحمد؛ إذ لا يلزم من عدم وجوب النفقة على الزوج بدعواها عدمُ تصديقها في البلوغ بالحمل الذي ادعته لخ، وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو قوله: قال الشيخ زروق: فأما الاحتلام والحيض والحمل فلا اختلاف في كونها علاماتٍ ويصدق في الإخبار عنها نفيا أو إثباتا طالبا كان أو مطلوبا، وكذا عن الإنبات ولا تكشف عورته. وقال ابن العربي: ينظر إليه في المرءاة لخ.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: إن لم يرب فيه فإن ارتيب فيه لم يصدق فيما يتعلق بالأموال ويسلك حينئذ ما تقدم عن ابن العربي. انتهى المراد منه. قوله: ويسلك حينئذ لخ، قال البناني: فيه نظر إذ حصول الريب لا يبيح محظورا. انتهى.
وللولي رد تصرف مميز يعني أن الولي سواء كان أبا أو وصيا أو وصي وصي أو مقدم قاض له أن يرد ما تصرف فيه المميز المحجور بغير إذنه من بيع أو غيره، سواء كان صغيرا أو بالغا سفيها، وإنما له الرد والإجازة في المعاوضات بشرط أن تستوي المصلحة في الرد والإجازة فإن كانت المصلحة في الرد تَعيَّن أو في الاجازة تعينت، وأما تصرفه بالتبرعات فيتعين ردها. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وللولي أب أو غيره لا لغيره رد تصرف مميز بعوض بغير إذن وليه، فاللام للاختصاص لأن تصرفه إن كانت المصلحة في رده تعين أو إجازته تعينت أو استوت خير، لقول ابن رشد: إن باع شيئًا من متاع نفسه في نفقته التي لابد له منها بمثل الثمن أي القيمة ولا شيء
стр. 6088
له غير البيع أو له والبيع أولى فلوليه إمضاؤه ورده أي لإمكان أن يتسلف له، ويؤخر المبيع لوقت آخر. انتهى.
وقال البناني: ونص البيان في رسم البيوع من كتاب المديان والتفليس: فَتحصَّل فيما باع اليتيم دون إذن وصيه أو الصغير من عقاره وأصوله بوجه السداد في نفقته التي لابد له منها إذا كان لا شيء له غير الذي باع أو كان ذلك أحق ما يباع من أصوله أنَّهُ اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أن البيع يرد على كلّ حال ولا يتبع بشيء من الثمن وهو قول ابن القاسم وأضعف الأقوال. الثَّانِي: أن البيع يرد إذا رأى ذلك الوصي ولا يبطل الثمن عن اليتيم ويؤخذ من ماله وهو قول أصبغ. الثَّالِثُ: أن البيع يمضي ولا يرد إلا أن يكون باع بأقل من الثمن أو باع ما غيرُه أحق بالبيع في نفسه فلا يختلف في أن البيع يرد وإن لم يبطل الثمن عن اليتيم لإدخاله إياه فيما لابد منه. وأما لو باع اليتيم من ماله شيئًا وأدخله في شهواته التي يستغنى عنها فلا خلاف في أنه يرد ولا يتبع بشيء من الثمن كان الذي باعه من ماله يسيرا أو كثيرا وهو محمول فيما باع وقبض من الثمن على أنه أنفقه فيما له منه بد حتى يثبت أنه أنفقه فيما ليس له منه بد. انتهى. وبهذا اللفظ بعينه نقله الحطاب عنه، وكذا ابن سلمون في ترجمة بيع الأب والوصي عن ابن رشد، وكذا ابن هلال في نوازله والفشتالي في وثائقه، ومثله لابن عرفة في باب البيع لما تكلم على بيع المحجور، ونصه عن المتيطى: ولو أفاته أي أفات المحجور ثمن ما باعه وشهدت بينة أنه أنفقه في مصالحه، ففي أخذه من ماله المشهور ونقل يحيى بن إسحاق عن ابن القاسم، ثم قال: وما باعه وأنفق ثمنه في شهواته المستغني عنها رد ولم يتبع بشيء اتفاقا، والثمن محمول على أنه أنفقه فيما له منه بد حتى يثبت غيره، ونص ابن عرفة في باب الوديعة: ومن ابتاع منه أي من صبي سلعة ودفع إليه ثمنها فأتلفه ضمن المبتاع السلعة ولا شيء له من ثمنها لأنه الذي سلط الصبي على ذلك وأتلف ماله وكذلك الوديعة.
اللخمي والصقلي وغيرهما: وكذا السفيه لأن أصحاب ذلك سلطوا يده على إتلافه. اللخمي: ولا تباعة عليهما إلا أن يثبت أنهما أنفقا ذلك فيما لا غنى لهما عنه فيتبعان في المال الذي صوناه، فإن ذهب ذلك المال وأفاد غيره لم يتبعا فيه، وكذا في باب الوديعة من التوضيح. انتهى.
стр. 6089
وَقَوْلُه "وللولي رد تصرف مميز" احترز به من غير المميز فإنه لا يصح تصرفه ولو بمعاوضة، وقول الشارح نبه بالمميز على أن غير المميز أحرى بالرد غير بين، فإنه يتعين رد تصرف غير المميز. واللَّه تعالى أعلم. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وكون اللام للاختصاص لا ينافي قوله الآتي: "وله إن رشد" لخ لأن الآتي بعد رشده واختصاص الولي قبله، وأما تصرف المميز بغير عوض فيجب على الولي رده كما في الحطاب. قال أحمد: استعمل المميز هنا في الصغير والبالغ السفيه، وضميره الآتي في قوله: لاطلاقه في السفيه البالغ بقرينة الاستلحاق ونحوه مما ذكر. انتهى.
ويستثنى من رد الولي تصرف المميز ثلاثةٌ: محْجُورٌ عليه أسر وأراد الفداء بماله وامتنع وليه فلا كلام له. قاله ابن فرحون. الثَّانِي: زوجة عند زوج موسر امتنع من الإنفاق عليها وأراد فراقها وطلبت من الولي الإنفاق عليها من مالها فيجب على الولي ذلك مع ما في هذا من دوام العصمة، وأيضا لو أرادت عدم الزواج لم تجبر عليه ولأنفق عليها من مالها، وفي استثنائهما نظر لأن تخليصه من الأسر والإنفاق عليها من مالها في الحالة المذكورة كلاهما مصلحة، وتقدم أنه يجب على الولي فعلها. الثَّالثُ: إذا وهب ليتيم أو تصدق عليه بشيء شرط معطيه عدم الحجر عليه فليس لوليه رد تصرفه في ذلك كما في التتائي. ونقله عنه علي الأجهوري بغير لفظ يتيم، فيقتضي أن ذا الأب كذلك. ثم قال التتائي: قال ابن فرحون: وبه الفتوى وفيه خلاف. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: ويستثنى من كلام المص ثلاثة لخ بقي عليه رابع، وهو إذا قتل السفيه قتلا يوجب عليه القصاص فأراد أن يدفع عنه الدية لِرِضَى الأولياء بذلك وامتنع وليه كما في المواق. قاله الرهوني. وقوله: الثالث إذا وهب ليتيم أو تصدق عليه لخ ذكر الحطاب هذا الفرع فيما يأتي عند قوله: "ولغير من أذن له القبول" لخ، وجعل العمل بالشرط هو المشهور ثم قال: واعترض بعضهم هذا وضعفه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. قاله ابن الفرس. انتهى.
وذكره الزرقاني فيما يأتي أيضًا. ولما ذكر الحطاب في التزاماته هذا الفرع عن المشدالي، قال عقبه: قلت في هذا نظر لأنه شرط لا يجوز؛ لأن إضاعة المال لا تجوز وإطلاق يد السفيه على المال إضاعة له. فتأمله. والصواب بطلان الشرط. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الرهوني: قول البناني
стр. 6090
عن الحطاب: واعترض بعضهم هذا وضعفه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ لخ لا يخفى ما في الاستدلال بالآية على بطلان هذا الشرط بعد الوقوف على ما قاله المفسرون في معناها. وقوله: أيضًا عن الحطاب فيه نظر لأنه لا يجوز لأن إضاعة المال لا تجوز لخ فيه نظر لأن إضاعة المال إنما تلزم القائلين بإعمال الشرط لو كانوا يقولون بأنه لا يحجر عليه في إتلافه، كإلقائه في البحر وحرقه ونحو ذلك وهم لا يقولون بهذا، بل منعه من هذا من باب تغيير المنكر ولذلك يمنع منه الرشيد إذا أراد فعله لغيظ ونحوه، وإنما المراد بإعمال الشرط أنه لا يحجر عليه في ذلك باعتبار البيع والشراء والهبة ونحوها من أنواع التبرعات.
ولا خفاء في أنه إذا باع ما يساوي عشرة بدرهم واشترى ما يساوي درهما بعشرة مثلا أو تبرع بما وهب له لا يقال في ذلك إضاعة مال؛ لأن إضاعته إنما تكون فيما إذا لم ينتفع به أحد، وهنا النفع حاصل للبائع والمشتري والموهوب له مثلا، وغاية هذا الشرط أن ذلك دائر بين أمرين، إما أن ينتفع به المحجور كانتفاع الرشداء أو يدفعه لمن ينتفع به، إما بغير عوض أصلا أو بعوض مع محاباة على أن اعتراف الحطاب وغيره بأنه المشهور كاف في العمل به، ولو لم يظهر وجه لسقوط البحث فيه فكيف مع ظهوره غاية الظهور؟ انتهى.
تنبيهات: الأوَّلُ: قال الحطاب: قال ابن رشد في المقدمات في باب المأذون له في التجارة: لا اختلاف بين مالك وأصحابه أن الصغير الذي لم يبلغ الحلم من الرجال والمحيض من النساء لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق: وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي إن كان ذا أب أو وصي، فإن باع أو اشترى أو فعل ما يشبه البيع والشراء مما يخرج على عوض ولا يقصد فيه إلى معروف كان موقوفًا على نظر وليه، فإن رآه سدادا أو غبطة أجازه وأنفذه وإن رآه بخلاف ذلك رده وأبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر له بوجه النظر والاجتهاد، وإن غفل عن ذلك حتى وَليَ أبيره كان النظر إليه في إجازة ذلك أو رده. واختلف إن كان فعله سدادا نظرا لما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن يرده وينقضه إن آل الأمر إلى خلاف
стр. 6091
(ذلك) (١) بحوالة سوق أو نماءٍ فيما باعه أو نقصانٍ فيما اشتراه وما أشبه ذلك؟ فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له، وقيل إن ذلك ليس له ولا تلزمه يمين فيما ادعِيَ عليه به، واختلف هل يحلف مع شاهده؟ المشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه، فإن نكل غرم ولا يمين له على صبي إذا بلغ وإن حلف برئ إلى البلوغ، فإذا بلغ الصغير حلف وأخذ حقه، فإن نكل لم يكن له شيء ولا يلزم المدعى عليه يمين ثانية، وقد روي عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين اللَّه من الحقوق والأحكام، لقول رسول اللَّه ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم). انتهى.
الثاني: قال الحطاب: قال ابن رشد: اعلم وفقنا اللَّه وإياك أن السفيه البالغ تلزمه جميع حقوق اللَّه التي أوجبها على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد وقصاص، ويلزمه الطلاق كان بيمين حنث فيها أو بغير يمين وكذلك الظهار، وينظر له وليه فيه بوجه النظر، فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن رأى (أن لا يعتق عنه وإن آل) (٢) ذلك إلى الفراق بينهما كان ذلك له، ولا يجزئه الصوم ولا الإطعام إذا كان له من المال ما يحمل العتق. وقال ابن المواز: إذا لم ير له وليه أن يكفر عنه بالعتق فله هو أن يصوم ولا يطلق عليه إلا بعد ضرب أجل الإيلاء إن طلبت المرأة ذلك؛ لأن له أن يكفر بالصوم، وعلى القول الأول يطلق عليه من غير ضرب أجل وهو قول أصبغ. وقال ابن كنانة: لا يعتق عنه وليه إلا في أول مرة، فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز وأما الإيلاء فإن كان دخل عليه بسبب يمين بالطلاق هو فيها على حنث أو بسبب امتناع وليه من أن يكفر عنه في الظهار لزمه، وأما إن كان حلف على ترك الوطء فينظر إلى يمينه، فإن كانت بعتق أو صدقة أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز له فعله ويحجر عليه في ذلك وليه لم يلزمه به الإيلاء، وعلى قول محمد يلزمه الإيلاء باليمين باللَّه، وإن لم يكن له مال ولا يلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف في ماله إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه لأنها كالزوجة ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء.
стр. 6092
واختلف في مالها هل يتبعها؟ على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب. والثَّانِي: أنه لا يتبعها وهي رواية يحيى عن ابن القاسم. والثالثُ: التفرقة بين الكثير والقليل. وقال المغيرة وابن نافع: لا يلزمه عتقها ولا يجوز عليه ولا يجوز إقراره بالدين إلا أن يقر به في مرضه فيكون في ثلثه. قاله ابن كنانة. واستحسن ذلك أصبغ ما لم يكثر جدا وإن حمله الثلث. انتهى.
الثَّالثُ: قوله: "وللولي رد تصرف مميز" قد علمت أنه في الصبي والبالغ السفيه كما يأتي التصريح بذلك، ومحله فيهما إن تصرف بغير إذن وليه وبغير مرءى منه، أما لو رآه يتصرف وسكت فليس له الرد، قال المواق: وأما إن تصرف المحجور بمرءى من وصيه وطال تصرفه أفتى ابن الحاج وابن عتاب وابن رشد أن ما لحقه من دين فإنه يلزمه وتصرفه ماض، قال البرزلي في نوازله: وبهذا هو العمل، وقال في موضع آخر من المدونة: إنه متى رآه وليه وسكت فإنه ماض ويحمل على أنه قصد ذلك وبه جرى العمل عندنا بتونس. ونقل من نوازل ابن حديد في ابن اشترى ملكا وثبت أنه في ولاية أبيه، فقام الأب يرد البيع مدعيا أنه حين البيع كان غائبا وادعى البائع أن الأب كان حاضرا، أجاب ابن ميسر: إن أثبت الغيبة المذكورة فلا يمين عليه وإلا حلف ورد البيع، وقال ابن زرب: إن ثبت أن البائع لم يزل مطالبا للثمن بعد قدوم الأب ثبت البيع. قال البرزلي: وكذا العرف عندنا أن كل ما فعله المحجور بعلم حاجره فهو ماض ولا رد له، وإنما يرد ما لا شعور له به انتهى المراد منه.
الرابع: قال الحطاب: قال في كتاب الدعوى والإنكار للرعيني: وإذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعها فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك فذلك لهما، فإذا أراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي ما أذن لهما في ذلك فليس له ذلك. انتهى.
وله إن رشد يعني أن المحجور المميز إذا تصرف بغير إذن وليه ثم خرج من الحجر، فإن له أن يرد تصرفه ذلك وهذا في الصغير المميز مولى عليه أو مهملا وفي البالغ السفيه المولى عليه، وأما إن كان مهملا فسيأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى. قال الشارح: يعني فإن لم يكن له ولي أو كان ولم يعلم بذلك حتى خرج من الولاية فإن النظر حينئذ في إجازة ذلك ورده يصير إليه. انتهى.
стр. 6093
وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا يجوز للمولى عليه بيع ولا عتق ولا هبة ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يُجيزه الآن وأسْتحِبُّ له إمضاءَه ولا أجبره عليه. انتهى. قوله: وله إن رشد، وهل لوارثه ذلك؟ قولان، والراجح أن له ذلك وكونه يرد هو الذي مر عليه المص في النكاح حيث قال: "ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين لموته"، قال البناني: وأما وارث البائع ففيه قولان ذكرهما ابن رشد في المقدمات، ونقلهما في التوضيح وابن عرفة وغيرهما، ورجح ابن يونس أن له النقض، ونصه: قال ابن حبيب: سألت مطرفا وابن الماجشون عن المحجور يبيع أو يهب أو يعتق فلا يطلع على ذلك إلا بعد موته أيرد ذلك من فعله كما يرده هو لو كان حيا؟ قالا: نعم لم يزل ذلك مردودا عند فعله وذلك موروث عنه. قال ابن حبيب: وبقولهما أقول وإليه رجع أصبغ وهو الصواب: وحكاه أيضًا عن أبي (١) سلمة وأبي حازم ونسب لمالك. انتهى. وهو نقل كلام ابن يونس مختصرا.
ونص ابن يونس: قال ابن حبيب: سألت مطرفا وابن الماجشون عن البكر أو الصغير أو المولى عليه يبيع أحدهم أو يهب أو يعتق فلا يطلع على ذلك إلا بعد موته؛ أيرد ذلك من فعله كما يرد لو كان حيا؟ فقالا: نعم لم يزل ذلك مردودا عند فعله فموته لا يجيز ذلك وذلك موروث عنه، وكذلك لو تزوج الولى عليه فلم يعلم بذلك وليه حتى مات أنه لا ميراث لامرأته ولا صداق، بنى بها أو لم يبْن لأن ذلك لم يزل مردودا حتى يجيزه الولي فقد انقطع موضع إجازته، وإن كانت المرأة هي التي ماتت وهو المولى عليه كان موضع النظر له قائما، وينظر الولي فإن رأى إجازة نكاحه ويغرم الصداق الذي أصدقها خيرا لما يجر إليه من ميراثها فَعَل وأجاز، وإن رأى رده رده، قال لي مطرف: وهكذا سمعت ابن أبي سلمة وابن أبي حازم يقولان: ولا أعلم لمالك خلافه، وسألت أنا أصبغ عن ذلك، فقال: قال ابن القاسم في ذلك كله إنه ماض جائز لا يرد لأنه أمر قد فات موضع النظر فيه، ومضى الذي به كانت الولاية وله كان يحبس المال فلا كلام
стр. 6094
فيه للورثة أنهم يرثون ما كان له يوم مات، وهذا لم يكن له مال حتى يرد إليه ويجيزه إن رأى إجازته.
قال ابن حبيب: وبقول مطرف وابن الماجشون وابن أبي سلمة وابن أبي حازم أقول، وإليه رجع أصبغ. محمد بن يونس: وهو الصواب لقول النبي ﷺ : (من ترك مالًا أو حقا فلورثته)، وهو على عمومه. انتهى. الرهوني: وبهذا تعلم أن الراجح هو قول مطرف ومن وافقه وهو الذي اعتمده المص في النكاح إذ قال: "ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين لموته"، فهو الذي يجب التعويل عليه. واللَّه أعلم. انتهى.
وَقَوْلُه: وله إن رشد هو الذي صرح به ابن رشد ولم يحك فيه خلافا، وعليه اقتصر ابن عرفة وغيره وخالف في ذلك ابن سلمون وابن عات، فقالا: إن الولي إذا لم يعلم بالنكاح ولا بالبيع حتى ترشد المحجور إن ذلك ماض. انظر المواق. قاله البناني. المواق: محمد: فإن جهل حتى ملك نفسه مضى. ابن عات: ظاهره لا تعقب للمحجور بعد ملكه أمر نفسه في أفعاله مثل النظر له قبل ذلك، ولابن محرز مثله أيضًا. انتهى.
وفي نوازل ابن دحون عن ابن أبي زيد في بكر مولى عليها باعت حصة من أرض مع أخواتها فلما تزوجت طلبت الرجوع فيما باعت، فقال: إن ثبت أن بيعها كان لحاجة والبيع سداد لا غبن فيه فالبيع لازم. انتهى. وقال عبد الباقي: وله رد تصرف نفسه إن رشد وله إمضاؤه؛ لأن ما كان لوليه انتقل إليه. انتهى.
ولو حنث بعد بلوغه يعني أن المحجور إذا حلف في حال صغره أو في حال سفهه وهو بالغ ثم حنث في المسألتين بعد رشده، فإن له أن يمضي ما حلف عليه وله أن يرده، فإذا قال في صغره أو في سفهه: عبدي صانع حر إن دخلت الدار ثم دخل الدار بعد رشده فإنه لا يلزمه عتق صانع، بل الأمر إليه في ذلك إن شاء أمضى عتقه وإن شاء رده. فقوله: "ولو حنث" لخ مبالغة في أن له أن يبطل تصرفه أي ولو كان تصرفه بيمين حنث فيها بأن فعل المحلوف عليه بعد رشده. وَلَوْ أبدل المص قوله: "بعد بلوغه" بأن يقول بعد رشده لَكَان أظهر؛ لأن محل الخلاف المشار إليه بلو إنما هو فيما إذا حنث بعد الرشد لا فيما إذا حنث قبله.
стр. 6095
قال البناني: قال ابن رشد: واختلف فيما حلف به في حال صغره وحنث به في حال رشده، فالمشهور أنه لا يلزمه، وقال ابن كنانة: ذلك يلزمه. انتهى. ولذا قال الحطاب: لو قال المص بعد رشده لكان أبين وأوضح. انتهى. وكلام المص يشمل ما حلف به في حال سفهه. قَال الحطاب: ظاهر المدونة والمقدمات أنه لا يلزمه ما حلف به في حال سفهه ولو لم يرده من ولي عليه حتى رشد وهو الذي وقع في سماع ابن القاسم من كتاب النكاح. وقال ابن رشد: هو الأظهر خلاف ما وقع في رسم المحرم من سماع ابن القاسم في النذور. وأنه يلزمه قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يرُدَّ الولي فعل المولَّى عليه حتى ملك أمره، وكلام المدونة والمقدمات يرجح ما قال ابن رشد إنه الأظهر. واللَّه أعلم. انتهى. وهذا في المال، وأما إن حلف السفيه بالطلاق فإنه يلزمه. انتهى.
أو وقع الموقع عطف على المبالغة ففيه الخلاف أيضًا؛ يعني أن المحجور إذا تصرف في حال صغره أو في حال سفهه وهو بالغ ثم رشد فإن له أن يرد تصرفه ذلك، ولو كان تصرفه قد وقع الوقع أي كان سدادا ونظرا وكذا هو المشهور المعلوم من المذهب، فله الإجازة وله الرد، وقيل: ليس له الرد. قال عبد الباقي: وعطف على المبالغ عليه قوله: أو وقع تصرف المميز الموقع لكونه سدادا ونظرا فله رده وإمضاؤه وهذا إذا تغير الحال بزيادة فيما باعه أو نقص فيما اشتراه، فإن استمر فلا رد له كما يفيده ابن رشد خلافا لأحمد وتخييره المدلول عليه بقوله: "وله" لا ينافي قوله: "ولو حنث" لخ الذي موضوعه أنه تصرف بغير عوض؛ لأن تصرفه بغير عوض إنما يتحتم رده حيث كان النظر في رده وإمضائه للولي، وأما إذا كان النظر له فلا وهو ظاهر. قاله علي الأجهوري. أي فقوله: وله إن رشد سواء كان تصرفه بما يجوز للولي رده أو بما يجب عليه رده كالعتق. انتهى.
قوله: إذا تغير الحال بزيادة فيما باعه أو نقص فيما اشتراه لخ، قال الرهوني: لم يقتصر ابن رشد على هذا بل زاد بعده ما نصه: وما أشبه ذلك. انتهى. كذا وجدته في مقدماته، وكذا في نقل الحطاب عنها وهو يفيد أن الرد غير مقصور على الزيادة والنقصان، بل يشمل غير ذلك