← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

(ذلك) (١) بحوالة سوق أو نماءٍ فيما باعه أو نقصانٍ فيما اشتراه وما أشبه ذلك؟ فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له، وقيل إن ذلك ليس له ولا تلزمه يمين فيما ادعِيَ عليه به، واختلف هل يحلف مع شاهده؟ المشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه، فإن نكل غرم ولا يمين له على صبي إذا بلغ وإن حلف برئ إلى البلوغ، فإذا بلغ الصغير حلف وأخذ حقه، فإن نكل لم يكن له شيء ولا يلزم المدعى عليه يمين ثانية، وقد روي عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين اللَّه من الحقوق والأحكام، لقول رسول اللَّه ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يحتلم). انتهى. الثاني: قال الحطاب: قال ابن رشد: اعلم وفقنا اللَّه وإياك أن السفيه البالغ تلزمه جميع حقوق اللَّه التي أوجبها على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد وقصاص، ويلزمه الطلاق كان بيمين حنث فيها أو بغير يمين وكذلك الظهار، وينظر له وليه فيه بوجه النظر، فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن رأى (أن لا يعتق عنه وإن آل) (٢) ذلك إلى الفراق بينهما كان ذلك له، ولا يجزئه الصوم ولا الإطعام إذا كان له من المال ما يحمل العتق. وقال ابن المواز: إذا لم ير له وليه أن يكفر عنه بالعتق فله هو أن يصوم ولا يطلق عليه إلا بعد ضرب أجل الإيلاء إن طلبت المرأة ذلك؛ لأن له أن يكفر بالصوم، وعلى القول الأول يطلق عليه من غير ضرب أجل وهو قول أصبغ. وقال ابن كنانة: لا يعتق عنه وليه إلا في أول مرة، فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز وأما الإيلاء فإن كان دخل عليه بسبب يمين بالطلاق هو فيها على حنث أو بسبب امتناع وليه من أن يكفر عنه في الظهار لزمه، وأما إن كان حلف على ترك الوطء فينظر إلى يمينه، فإن كانت بعتق أو صدقة أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز له فعله ويحجر عليه في ذلك وليه لم يلزمه به الإيلاء، وعلى قول محمد يلزمه الإيلاء باليمين باللَّه، وإن لم يكن له مال ولا يلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف في ماله إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه لأنها كالزوجة ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء.

стр. 6092

واختلف في مالها هل يتبعها؟ على ثلاثة أقوال: أَحَدُها أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب. والثَّانِي: أنه لا يتبعها وهي رواية يحيى عن ابن القاسم. والثالثُ: التفرقة بين الكثير والقليل. وقال المغيرة وابن نافع: لا يلزمه عتقها ولا يجوز عليه ولا يجوز إقراره بالدين إلا أن يقر به في مرضه فيكون في ثلثه. قاله ابن كنانة. واستحسن ذلك أصبغ ما لم يكثر جدا وإن حمله الثلث. انتهى. الثَّالثُ: قوله: "وللولي رد تصرف مميز" قد علمت أنه في الصبي والبالغ السفيه كما يأتي التصريح بذلك، ومحله فيهما إن تصرف بغير إذن وليه وبغير مرءى منه، أما لو رآه يتصرف وسكت فليس له الرد، قال المواق: وأما إن تصرف المحجور بمرءى من وصيه وطال تصرفه أفتى ابن الحاج وابن عتاب وابن رشد أن ما لحقه من دين فإنه يلزمه وتصرفه ماض، قال البرزلي في نوازله: وبهذا هو العمل، وقال في موضع آخر من المدونة: إنه متى رآه وليه وسكت فإنه ماض ويحمل على أنه قصد ذلك وبه جرى العمل عندنا بتونس. ونقل من نوازل ابن حديد في ابن اشترى ملكا وثبت أنه في ولاية أبيه، فقام الأب يرد البيع مدعيا أنه حين البيع كان غائبا وادعى البائع أن الأب كان حاضرا، أجاب ابن ميسر: إن أثبت الغيبة المذكورة فلا يمين عليه وإلا حلف ورد البيع، وقال ابن زرب: إن ثبت أن البائع لم يزل مطالبا للثمن بعد قدوم الأب ثبت البيع. قال البرزلي: وكذا العرف عندنا أن كل ما فعله المحجور بعلم حاجره فهو ماض ولا رد له، وإنما يرد ما لا شعور له به انتهى المراد منه. الرابع: قال الحطاب: قال في كتاب الدعوى والإنكار للرعيني: وإذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعها فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك فذلك لهما، فإذا أراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي ما أذن لهما في ذلك فليس له ذلك. انتهى. وله إن رشد يعني أن المحجور المميز إذا تصرف بغير إذن وليه ثم خرج من الحجر، فإن له أن يرد تصرفه ذلك وهذا في الصغير المميز مولى عليه أو مهملا وفي البالغ السفيه المولى عليه، وأما إن كان مهملا فسيأتي الكلام عليه إن شاء اللَّه تعالى. قال الشارح: يعني فإن لم يكن له ولي أو كان ولم يعلم بذلك حتى خرج من الولاية فإن النظر حينئذ في إجازة ذلك ورده يصير إليه. انتهى.

стр. 6093

وقال المواق من المدونة: قال مالك: لا يجوز للمولى عليه بيع ولا عتق ولا هبة ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يُجيزه الآن وأسْتحِبُّ له إمضاءَه ولا أجبره عليه. انتهى. قوله: وله إن رشد، وهل لوارثه ذلك؟ قولان، والراجح أن له ذلك وكونه يرد هو الذي مر عليه المص في النكاح حيث قال: "ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين لموته"، قال البناني: وأما وارث البائع ففيه قولان ذكرهما ابن رشد في المقدمات، ونقلهما في التوضيح وابن عرفة وغيرهما، ورجح ابن يونس أن له النقض، ونصه: قال ابن حبيب: سألت مطرفا وابن الماجشون عن المحجور يبيع أو يهب أو يعتق فلا يطلع على ذلك إلا بعد موته أيرد ذلك من فعله كما يرده هو لو كان حيا؟ قالا: نعم لم يزل ذلك مردودا عند فعله وذلك موروث عنه. قال ابن حبيب: وبقولهما أقول وإليه رجع أصبغ وهو الصواب: وحكاه أيضًا عن أبي (١) سلمة وأبي حازم ونسب لمالك. انتهى. وهو نقل كلام ابن يونس مختصرا. ونص ابن يونس: قال ابن حبيب: سألت مطرفا وابن الماجشون عن البكر أو الصغير أو المولى عليه يبيع أحدهم أو يهب أو يعتق فلا يطلع على ذلك إلا بعد موته؛ أيرد ذلك من فعله كما يرد لو كان حيا؟ فقالا: نعم لم يزل ذلك مردودا عند فعله فموته لا يجيز ذلك وذلك موروث عنه، وكذلك لو تزوج الولى عليه فلم يعلم بذلك وليه حتى مات أنه لا ميراث لامرأته ولا صداق، بنى بها أو لم يبْن لأن ذلك لم يزل مردودا حتى يجيزه الولي فقد انقطع موضع إجازته، وإن كانت المرأة هي التي ماتت وهو المولى عليه كان موضع النظر له قائما، وينظر الولي فإن رأى إجازة نكاحه ويغرم الصداق الذي أصدقها خيرا لما يجر إليه من ميراثها فَعَل وأجاز، وإن رأى رده رده، قال لي مطرف: وهكذا سمعت ابن أبي سلمة وابن أبي حازم يقولان: ولا أعلم لمالك خلافه، وسألت أنا أصبغ عن ذلك، فقال: قال ابن القاسم في ذلك كله إنه ماض جائز لا يرد لأنه أمر قد فات موضع النظر فيه، ومضى الذي به كانت الولاية وله كان يحبس المال فلا كلام

стр. 6094

فيه للورثة أنهم يرثون ما كان له يوم مات، وهذا لم يكن له مال حتى يرد إليه ويجيزه إن رأى إجازته. قال ابن حبيب: وبقول مطرف وابن الماجشون وابن أبي سلمة وابن أبي حازم أقول، وإليه رجع أصبغ. محمد بن يونس: وهو الصواب لقول النبي ﷺ : (من ترك مالًا أو حقا فلورثته)، وهو على عمومه. انتهى. الرهوني: وبهذا تعلم أن الراجح هو قول مطرف ومن وافقه وهو الذي اعتمده المص في النكاح إذ قال: "ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين لموته"، فهو الذي يجب التعويل عليه. واللَّه أعلم. انتهى. وَقَوْلُه: وله إن رشد هو الذي صرح به ابن رشد ولم يحك فيه خلافا، وعليه اقتصر ابن عرفة وغيره وخالف في ذلك ابن سلمون وابن عات، فقالا: إن الولي إذا لم يعلم بالنكاح ولا بالبيع حتى ترشد المحجور إن ذلك ماض. انظر المواق. قاله البناني. المواق: محمد: فإن جهل حتى ملك نفسه مضى. ابن عات: ظاهره لا تعقب للمحجور بعد ملكه أمر نفسه في أفعاله مثل النظر له قبل ذلك، ولابن محرز مثله أيضًا. انتهى. وفي نوازل ابن دحون عن ابن أبي زيد في بكر مولى عليها باعت حصة من أرض مع أخواتها فلما تزوجت طلبت الرجوع فيما باعت، فقال: إن ثبت أن بيعها كان لحاجة والبيع سداد لا غبن فيه فالبيع لازم. انتهى. وقال عبد الباقي: وله رد تصرف نفسه إن رشد وله إمضاؤه؛ لأن ما كان لوليه انتقل إليه. انتهى. ولو حنث بعد بلوغه يعني أن المحجور إذا حلف في حال صغره أو في حال سفهه وهو بالغ ثم حنث في المسألتين بعد رشده، فإن له أن يمضي ما حلف عليه وله أن يرده، فإذا قال في صغره أو في سفهه: عبدي صانع حر إن دخلت الدار ثم دخل الدار بعد رشده فإنه لا يلزمه عتق صانع، بل الأمر إليه في ذلك إن شاء أمضى عتقه وإن شاء رده. فقوله: "ولو حنث" لخ مبالغة في أن له أن يبطل تصرفه أي ولو كان تصرفه بيمين حنث فيها بأن فعل المحلوف عليه بعد رشده. وَلَوْ أبدل المص قوله: "بعد بلوغه" بأن يقول بعد رشده لَكَان أظهر؛ لأن محل الخلاف المشار إليه بلو إنما هو فيما إذا حنث بعد الرشد لا فيما إذا حنث قبله.

стр. 6095

قال البناني: قال ابن رشد: واختلف فيما حلف به في حال صغره وحنث به في حال رشده، فالمشهور أنه لا يلزمه، وقال ابن كنانة: ذلك يلزمه. انتهى. ولذا قال الحطاب: لو قال المص بعد رشده لكان أبين وأوضح. انتهى. وكلام المص يشمل ما حلف به في حال سفهه. قَال الحطاب: ظاهر المدونة والمقدمات أنه لا يلزمه ما حلف به في حال سفهه ولو لم يرده من ولي عليه حتى رشد وهو الذي وقع في سماع ابن القاسم من كتاب النكاح. وقال ابن رشد: هو الأظهر خلاف ما وقع في رسم المحرم من سماع ابن القاسم في النذور. وأنه يلزمه قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يرُدَّ الولي فعل المولَّى عليه حتى ملك أمره، وكلام المدونة والمقدمات يرجح ما قال ابن رشد إنه الأظهر. واللَّه أعلم. انتهى. وهذا في المال، وأما إن حلف السفيه بالطلاق فإنه يلزمه. انتهى. أو وقع الموقع عطف على المبالغة ففيه الخلاف أيضًا؛ يعني أن المحجور إذا تصرف في حال صغره أو في حال سفهه وهو بالغ ثم رشد فإن له أن يرد تصرفه ذلك، ولو كان تصرفه قد وقع الوقع أي كان سدادا ونظرا وكذا هو المشهور المعلوم من المذهب، فله الإجازة وله الرد، وقيل: ليس له الرد. قال عبد الباقي: وعطف على المبالغ عليه قوله: أو وقع تصرف المميز الموقع لكونه سدادا ونظرا فله رده وإمضاؤه وهذا إذا تغير الحال بزيادة فيما باعه أو نقص فيما اشتراه، فإن استمر فلا رد له كما يفيده ابن رشد خلافا لأحمد وتخييره المدلول عليه بقوله: "وله" لا ينافي قوله: "ولو حنث" لخ الذي موضوعه أنه تصرف بغير عوض؛ لأن تصرفه بغير عوض إنما يتحتم رده حيث كان النظر في رده وإمضائه للولي، وأما إذا كان النظر له فلا وهو ظاهر. قاله علي الأجهوري. أي فقوله: وله إن رشد سواء كان تصرفه بما يجوز للولي رده أو بما يجب عليه رده كالعتق. انتهى. قوله: إذا تغير الحال بزيادة فيما باعه أو نقص فيما اشتراه لخ، قال الرهوني: لم يقتصر ابن رشد على هذا بل زاد بعده ما نصه: وما أشبه ذلك. انتهى. كذا وجدته في مقدماته، وكذا في نقل الحطاب عنها وهو يفيد أن الرد غير مقصور على الزيادة والنقصان، بل يشمل غير ذلك

стр. 6096

كاحتياجه لسكنى الدار واستغلال البستان وركوب دابة لأنها تناسب حاله أو أمة لتخدمه أو نحو ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: والغلة الحاصلة فيما بين تصرفه ورد فعله كان الرد منه أو من وليه للمشتري إن لم يعلم أنه مولى عليه، فإن علم رد الغلة ولو أمة زوجها المشتري لغيره فولدت منه فترد هي وولدها، لا إن ولدت من المشتري فترد مع قيمة الولد وترد الغنم بنسلها والأرض ولو بنيت، وله قيمة بنائه مقلوعا لأنه كالغاصب، وأما بيع غير المميز فلا يفوز المشتري منه بالغلة علم أم لا؛ لأن بيع غير المميز باطل هذا هو الذي ينبغي دون قول الشيخ سالم: يفوز المشتري من غير المميز بالغلة علم أم لا، كيف يقال في الباطل بذلك ويفصل في بيع المميز الذي هو صحيح بين علمه وعدمه، وأما عكس ذلك وهو ما إذا اشترى البالغ المولى عليه أبية فأولدها فقيل تفوت على بائعها بذلك وتكون له أم ولد ولا يتبع بشيء من ثمنها ويرده له البائع إن قبضه، وقيل لا تفوت وترد إلى بائعها ويرد الثمن للمولَّي عليه والولد حر ولا شيء عليه فيه. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: فترد مع قيمة الولد، قال الرهوني: نحو هذا لابن رشد في المقدمات لكنه لم يجزم به، بل شبهها بالأمة المستحقة وزاد ما نصه: ويأخذ الأمة التي ولدت منه وقيمة ولدها على الخلاف المعلوم في ذلك انتهى وصرح اللخمي أيضًا بأنها كالمستحقة ونصه وإن باع أمة فحملت من المشتري جرت على الخلاف في المستحقة إذا ولدت من المشتري إلا أن يكون المشتري معسرا وهو عالم بأن البائع محجور عليه فتنزع منه بكل حال. انتهى. ونقله ابن عرفة وسلمه وإذا تقرر أنها كالمستحقة، ففي جزم الزرقاني بردها نظر؛ لأن المص درج في المستحقة على خلافه إذ قال هناك: "وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم" وصرح الزرقاني هناك بأن ما للمص هو المشهور، وقد جزم ابن يونس في أمة السفيه بعينها أنه (١) لا ترد، ونصه: والأمة إن كان ولدها من زوج رد معها، وإن كان من المشتري فعليه الأكثر من قيمتها يوم ابتاعها واليوم ويسقط الثمن الأول عن المولَّى عليه إلا أن يكون قائما أو دخل في مصلحة لابد منها.

стр. 6097

وقوله: وقيل لا تفوت وترد إلى بائعها لخ هذا القول هو الراجح، وقول اللخمي: إلا أن يكون المشتري معسرا وهو عالم بأن البائع محجور. قال الرهوني: كذا وجدته فيه بالواو لا بأو، كذا نقله ابن عرفة فيما وقفت عليه من نسخه وفيه نظر؛ لأنه إذا كان عالما لا فرق بين عسره ويسره إذ لا شبهة له: ولذلك يجب عليه رد الغلة كما نص عليه غيره. انتهى. وضمن ما أفسد يعني أن المحجور يضمن ما أفسد بشرط أشار إليه بقوله: إن لم يؤمن عليه أي إنما يضمنه حيث لم يؤتمن عليه، وأما إن ائتمن عليه فلا يضمنه. وقوله: "وضمن" شامل للمميز وغيره، وقوله: "إن لم يؤمن عليه" إنما يتسلط على المميز. تنبيه: قال عبد الباقي: وضمن الصبي ولو غير مميز خلافا للتتائي ما أفسد في ماله، ولا يتبع بثمنه في ذمته إن لم يؤمن عليه إلا ابن شهر فلا ضمان عليه لأنه كالعجماء في فعله. قاله ابن عرفة. ومفهوم الشرط أنه إن أمن عليه لم يضمن إلا أن يصون به ماله فيضمن في المال الذي صونه أي حفظه خاصة، فإن تلف فأفاد غيره لم يضمن فيه، وإذا باع ما أمن عليه وصون به ماله فلا يضمن من ماله إلا قدر ما صون، وظاهره ولو كان الذي باعه من مال الغير يساوي كثيرا وانظره، وأما عكس كلام المص وهو أن المميز لو أودع شيئًا عند آخر فتلف عنده فإنه يضمن، وظاهره وإن لم يعلم أنه غير جائز التصرف، وأما المجنون فلا يتصور تأمينه، والمنقول فيما يتلفه ثلاثة أقوال: أَحَدُها المال في ماله والدية على عاقلته وربما يدل له ما يأتي في الخراج. الثَّانِي: أنهما هدر، الثَّالثُ: المال هدر والدية على عاقلته. انتهى. قوله: "وضمن ما أفسد" في ماله ولا يتبع بثمنه في ذمته، قال البناني: تبع فيه الأجهوري قائلا: ذكره الرجراجي وحلولو، قال الرجراجي في كتاب المأذون: ولا خلاف أنه لا يتبع بالثمن في ذمته. انتهى. قال مصطفى: وهو وهم فاحش خرج به عن المذهب، بل يتبع به في ذمته كما في المدونة في كتاب الوديعة، ونصها: ومن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير فذلك في مال الابن، فإن لم يكن له مال ففي ذمته. انتهى. ونحوه نقل ابن عرفة في كتاب الغصب عن ابن يونس، ونصه: الصقلي: والصبي المميز ضامن للمال في ذمته والدماء على حكم الخطإ، والكبير المولى عليه في جنايته كالمالك أمر نفسه. انتهى. وكلام الرجراجي الذي استدل به الأجهوري على

стр. 6098

ما قال نقله الحطاب في التنبيه التاسع ولا دليل له فيه، قال مصطفى: لأنه في الثمن الذي أخذه الصبي وأنفقه فيما لابد له منه، هل يؤخذ منه أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يتبع به في ذمته كما تقدم عن الحطاب. انتهى. أي في التنبيه الثامن فإن سياقه فيه يفيد ما قاله مصطفى وذكر الشيخ المسناوي مثل ما ذكر مصطفى ثم قال: وبعد كتبي هذا بمدة وقفت على كلام الرجراجي في أصله فوجدته -والحمد للَّه- موافقا لما قلناه ومطابقا لما ظنناه، ولنسق كلامه برمته لمزيد البيان، ورفع ما عسى أن يختلج في الأذهان، قال في المسألة الثالثة من كتاب المأذون المعقودة لما يلزم السفيه من أقواله وأفعاله بعد أن تكلم على ما يلزمه من حقوق اللَّه ما نصه: وأما ما كان من حقوق الآدميين على الخلوص كبيعه وشرائه وما أشبه ذلك مما يخرج على عوض ولا يقصد به المعروف فإنه موقوف على نظر وليه إن كان له ولي، فإن لم يكن له ولي قدم القاضي ناظرا ينظر له في ذلك نظر الوصي، فإن لم يفعل حتى ملك أمر نفسه كان هو مخيرا في رد ذلك وإجازته، فإن رد بيعه أو ابتياعه وكان أتلف الثمن الذي باع به أو السلعة التي ابتاعها فلا يخلو من أن ينفق الثمن فيما لابد له منه أو في غيره، فإن أنفقه في غير واجبه مما هو عنه في غنى فإنه لا يتبع بذلك ولا يتقرر في ذمته، وإن أنفقه فيما لابد له منه مما يلزمه إقامته من ماله فهل يتبع بذلك في ماله أو لا؟ على قولين متأوَّلين على المدونة، ولا خلاف أنه لا يتبع بذلك في ذمته. انتهى المراد منه. من أصله بلفظه. وقال قبل ذلك في كتاب المديان في المسألة الثانية منه في الجواب عن الوجه الثاني منها، وهو طرو الغرماء على الورثة بعد قسمة التركة ما نص المراد منه: ولا خلاف عندنا في المذهب أن جناية الصغير على الأموال لازمة لماله وذمته. انتهى. نقل الشيخ المسناوي ﵀. وقوله: وظاهره ولو كان الذي باعه في مال الغير يساوي كثيرا وانظره، قال البناني: هذا الظاهر هو المصرح به في كلام اللخمي وغيره كما في التوضيح على قول ابن الحاجب في باب الوديعة: ومن أودع صبيا أو سفيها أو أقرضه أو باعه فأتلفها لم يضمن ولو أذن له أهله، ثم قال: وبالرجوع بالأقل صرح ابن عبد السلام. انتهى.

стр. 6099

وقوله: والمنقول فيما يتلفه أي المجنون ثلاثة أقوال لخ، هذه الأقوال ذكرها ابن رشد في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب الجنايات الأول في المجنون وفي الصغير غير المميز، ونقلها أبو الحسن في كتاب الديات ونقلها فيهما أيضًا ابن الحاجب وابن عرفة في كتاب الغصب، فالصغير غير المميز مثل المجنون في المال والدم على كل منها، وعلى القول الأول منها وهو أن جنايتهما على الأموال في مالهما وعلى الدماء على عواقلهما إلا أن تكون أقل من الثلث، ففي أموالهما فهما كالمميز في ذلك كما في ابن عرفة، وهذا القول هو الراجح لقول المص في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: والقول الأول أظهر لأن الضمان من باب خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف. انتهى. زاد ابن عبد السلام: وكذلك لا يشترط التمييز. قال اللقاني: وهو مقتضى ما اقتصر عليه ابن الحاجب في باب القصاص، بقوله: فلا قصاص على صبي ولا مجنون بخلاف السكران وعمدهما كالخطإ، فلذلك تجب الدية على العاقلة مطلقًا إن بلغت الثلث، وإلا ففي ماله أو ذمته. اهـ. أي وإن لم تبلغ الثلث ففي مال الجاني أو ذمته من صبي أو مجنون كما شرحه ابن عبد السلام، قال اللقاني: فإن ظاهره أي ابن الحاجب إنه لا فرق بين المجنون وغيره كما قاله التوضيح هناك، قال الشيخ المسناوي: وعليه فالذمة ثابتة للجميع فلا يشترط لها التمييز فضلا عن التكليف. اهـ. ويَرُجْحَانِ هذا القول يظهر لك أن قول المص: "وضمن ما أفسد" لخ يشمل المميز وغير المميز والمجنون. واللَّه أعلم. اهـ قاله البناني. تتمة اعلم أن الشيخ أبا علي رجح عدم ضمان غير المميز، فإنه قال: والحاصل أن الراجح هو عدم ضمان غير المميز مطلقًا في الأموال وغيرها وأن فعله كلا فعلٍ أصلا. انتهى ورده الرهوني، وقال: إن الصواب ما رجحه البناني تبعا للشيخ السناوي لما تقدم من كلام ابن عرفة السابق، فإنه جزم بأن من سنه فوق شهر يضمن، وبما تقدم عن التوضيح والمواق بأن من زاد سنه على ستة أشهر يضمن. انتهى المراد منه. واعلم أن ابن شهر لا يضمن، وأما ابن ستة أشهر فقد اختلف في ضمانه والراجح أنه لا يضمن، ففي التوضيح: قال ابن القاسم: فإن أفسد شيئًا فإن كان ابن ستة أشهر ونحوها لا ينزجر فلا

стр. 6100

شيء عليه، وإن كان مثل ابن سنة فصاعدا فذلك عليه، وعلى أن ابن ستة أشهر لا شيء عليه اقتصر المواق في الضمان وابن يونس في كتاب الحمالة. الرهوني: فهو الراجح. واللَّه أعلم. وَلما كان الحجر عليه في حياته لحق نفسه كانت الوصية في ماله بخلاف ذلك فهي جائزة، ولا حجر عليه فيها وهي خارجة من ثلثه فساوى فيها البالغ ذكر ذلك بقوله: وصحت وصيته يعني أن الصغير المميز تصح وصيته، وقوله: كالسفيه فيه يحتمل أن معناه تصح وصية الصبي كما تصح وصية السفيه، فيكون قوله: "وللولي رد تصرف" لخ شاملا للمميز من صبي وسفيه بالغ، ويحتمل أن يكون قوله: "كالسفيه" تشبيها تاما (١) في جميع ما تقدم من الأحكام السابقة من قوله: "وللولي رد تصرف مميز" إلى هنا فيكون المراد بالمميز الصبي. قال مقيده عفا اللَّه عنه: هذا أحسن وقد شرحت المص على الاحتمال الأول قبل هذا. واللَّه تعالى أعلم. إن لم يخلط الفاعل ضمير يعود على الصبي المميز وعلى البالغ السفيه المميز، وأفرده لأن المراد أحدهما، وفسر أبو عمران التخليط بقوله الذي يخلط في كلامه ليس بجيد العقل؛ أي بأن يكون كلاما مختلطا لا معنى له، مثل أن يذكر في كلامه ما يبين به أنه لم يعرف ما ابتدأ به كلامه، وسيأتي في الوصية إن شاء اللَّه تعالى تحقيق هذه المسألة في باب الوصية، ومعنى كلام المص أن وصية المميز إنما تصح حيث لم يخلط، وأما إن خلط فلا تصح. واللَّه تعالى أعلم. إلى حفظ مال ذي الأب الكائن بعده أي البلوغ إلى هنا بمعنى مع كما صرح به الشيخ عبد الباقي، يعني أنه لابد أن يضم إلى البلوغ حفظ مال المحجور الذي له أب، فالصبي محجور عليه إلى أن يبلغ مع كونه يحفظ ماله إذا كان ذا أب، فإذا بلغ ولم يكن حافظا لماله يستمر حجر الأب عليه إلى أن يكون حافظا لماله. فقوله: "لبلوغه"، وقوله: "إلى حفظ" متعلقان بقوله: "محجور"، وقوله: "بعده" متعلق "بحفظ"، وقد مر أن حجر النفس ينتهي للبلوغ، فإذا بلغ ذهب حيث شاء

стр. 6101

وليس لأبيه منعه من الذهاب كما قال الإمام مالك في المدونة، وأما الحجر عليه بالنسبة للمال فهو الذي يستمر إلى حفظ مال ذي الأب. قال المواق: قال ابن القاسم: إذا ثمَّر ماله وحاطه استوجب الرشد حتى وإن كان غير مرضي الحال. (ابن شهاب) (١): وبهذا هو العمل، وقال ابن رشد: الابن في ولاية أبيه ما دام صغيرا ويخرج من الولاية ببلوغه، وإن لم يشهد الأب على إطلاقه من الولاية هذا إن بلغ معلوما بالرشد، وليس للأب أن يرد من أفعاله شيئًا، فإن بلغ وهو معلوم بالسفه فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه وأفعاله كلها مردودة غير جائزة. واختلف إن بلغ مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه، وفي المدونة دليل على القولين، والذي في الاستغناء: للأب أن يحجر على ابنه قرب بلوغه، فإن بعد لم يحجر عليه إلا السلطان. انتهى. وقال البناني عند قوله "إلى حفظ مال ذي الأب" ما نصه: ابن عاشر: يستثنى منه إذا حجر الأب عليه في وقت يجوز له ذلك وهو عنفوان البلوغ، فإنه لا ينفك عنه الحجر وإن كان حافظا للمال إلا بفك الأب. انتهى. وهو الذي نقله ابن سهل عن ابن العطار، ونصه: قال ابن العطار: وإنما يكون للأب تجديد السفه على ولده قرب البلوغ وإذا بعد أزيد من العام لم يكن له ذلك إلا ببينة تشهد بسفهه. انتهى. وقال المتيطي: ليس للأب أن يحجر على ابنه إلا بأحد وجهين، إما أن يكون سفهه حين الحلم أو قريبا منه وضرب على يديه وأشهد ببقاء ولايته عليه فذلك جائز له، ولا يزال الابن بذلك باقيا في حجره إلى أن يرشده أبوه أو يحكم له حاكم بإطلاقه، وعلى هذا بنى أهل الوثائق وثائقهم وانعقدت به أحكامهم، والوجه الآخر أن يكون الأب أغفل الحجر عليه حتى بعد عن سن الاحتلام، فلا يكون له تسفيهه إلا عند الإمام. انتهى من كتاب النكاح. لكن في أبي الحسن في كتاب الهبات في شرح قول المدونة: ومن وهب لعبد هبة الخ ما نصه: انظر فالأب أقوى من الوصي لأنه مقيس على الأب، ومع ذلك جعلوا لمحجور الأب أن يخرج من الحجر إذا ثبت

стр. 6102

رشده من غير أن يخرجه الأب، وجعلوا حجر الوصي لا يخرج منه محجوره إلا بإخراج الوصي، ويأتي الجواب عن هذا الاستشكال في شرح قوله: "وفك وصي أو مقدم" إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: "إلى حفظ مال ذي الأب بعده" قال الحطاب: هذا حد الرشد الذي لا يحجر على صاحبه باتفاق، واختلف في الرشد الذي يخرج به من الحجر هل هو كذلك أو يزاد فيه اشتراط حسن التنمية؟ ذكر المازري في ذلك قولين. انتهى. وذكرهما اللخمي فيه أيضًا ونصه على ما قال الرهوني: واختلف في الرشد المراد بالقرآن، فقال في المدونة: هو الذي يحرز ماله. وقال محمد: الرشد هو الصلاح في دينه وماله، وقال أيضًا: الذي يصلح ماله ويثمره ويحجره عن معاصي اللَّه تعالى. وقال أشهب: لا ينظر إلى سفهه في دينه إذا كان ممسكا لماله ولا يخدع فيه كما يخدع الصبي، ولا يخاف عليه في تدبيره ولا يبذره. قال الشيخ: إن اجتمع أن يكون يحرز ماله وينميه فذاك: وإن كان يحرزه ولا يحسن التجر والتنمية فلا يمسك عنه لأن وليه لا يفعل فيه غير ذلك يمسكه وينفق عليه فهو أولى بفعل ذلك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: قد علمت مما مر أن الرشد رشدانِ: رُشْدٌ لا يضرب معه الحجر وهذا متفق على أنه لا يشترط فيه إلا حفظ المال لا حسن التنمية، فمن يحسن الإمساك بأن يحفظ ماله ولا يحسن التجر فيه لا يضرب عليه الحجر اتفاقا. وَرُشْدٌ يخرج به من الحجر وهذا فيه قولان، أَحَدُهُما وهو الراجح أنه كالأول لا يشترط فيه إلا حفظ المال ولا يشترط فيه حسن التنمية، فلو كان لا يحسن التجر في ماله مع أنه يحسن الإمساك لخرج من الحجر. القَولُ الثَّانِي: أنه لا يخرج من الحجر إلا بحفظ المال وحسن التنمية، وعلى هذا فمن حفظ ماله ولكنه لا يحسن التجر فيه لا يحجر ضليه، إما اتفاقا إذا لم يكن محجورا عليه وإما على الراجح إذا كان محجورا عليه، وهذا الراجح هو الذي مر عليه المص؛ إذ ظاهره أن من يحفظ المال ولا يحسن التجر لا يحجر عليه، بل يخرج من الحجر إذا كان محجورا عليه ولا يضرب عليه الحجر إن لم يكن محجورا عليه وهذا الذي هو ظاهر المص نسبه اللخمي للمدونة.

стр. 6103

قال الرهوني بعد جلب كلام ما نصه: فتحصل من هذا أن ما أفاده ظاهر المص هو الراجح، خلاف ما درج عليه في التحفة وهذا هو الذي رجحه أبو علي هنا، وفي حاشية التحفة قائلا هنا: وإنما أطلنا في هذا لأن كثيرا من الطلبة زعموا أن شرط التنمية هو المذهب وليس كذلك. انتهى. وفك وصي يعني أن الوصيّ عليه لا يخرج من الحجر إلا باجتماع ثلاثة أمور: البلوغ والرشد وفك الوصي الحجر عنه، أو مقدم يعني أن القاضي إذا قدم أحدا (١) على صبي أو سفيه ليس له أب ولا وصي فإنه لا ينفك عنه الحجر إلا باجتماع ثلاثة أمور: البلوغ والرشد وفك القدم. واعلم أن الوصي والمقدم لا يحتاجان في فكهما الحجر عن محجورهما إلى إذن القاضي. تنيبهات: الأول: قد مر أن الأب إذا لم يجدد الحجر على ابنه أوان بلوغه أو قريبا منه يخرج من الحجر بحفظه المال، وأنه استشكل ذلك بكون الأب هو الأقوى وقد خرج من حجره بالرشد، والوصيُّ والمقدمُ لا يخرج المولَّى عليه من حجرهما إلا بالبلوغ والرشد والفك، وَالجوابُ أن الأب لا أدخل ابنه في ولاية الوصي صار ذلك بمنزلة ما لو حجر الأب عليه أي جدد عليه الحجر، وهو إذا جدد عليه الحجر لا يخرج منه إلا بفكه عنه أي إذا كان ذلك عنفوان البلوغ، وهو الذي نقله ابن سهل عن ابن العطار، ونصه: قال ابن العطار: وإنما يكون للأب تجديد السفه على ولده قرب البلوغ، وإذا بعد أزيد من العام لم يكن له ذلك إلا ببينة تشهد بسفهه. ويَتحصل من كلام السنهوري وغيره أن الابن إذا بلغ وجدد أبوه عليه الحجر عند بلوغه أن الولاية ثابتة عليه مطلقًا، فإن لم يجدده عليه أوان البلوغ، فإن علم رشده أو سفهه حمل عليه، وإن جهل فالمشهور أنه محمول على السفه وعند ابن العطار أنه محمول على السفه إلى عام، قال السنهوري: فعلى هذا يحجر عليه ما لم يتم له عام. انتهى. ومعنى يحجر عليه يجدد عليه الحجر كما صرح به البناني عن ابن العطار، وفي السنهوري ما يفيد أنه يجدد عليه الحجر حيث علم سفهه، وأن المشهور أن له التجديد مطلقًا إن لم يعلم له سفه ولا رشد، وقد مر للبناني عن المتيطى ما نصه: قال المتيطى: ليس للأب أن يحجر على ابنه

стр. 6104

إلا بأحد وجهين: إما أن يكون سفهه حين الحلم أو قريبا منه وضرب على يديه وأشهد ببقاء ولايته عليه فذلك جائز له، ولا يزال الابن بذلك باقيا في حجره إلى أن يرشده أبوه أو يحكم له حاكم بإطلاقه، وعلى هذا بنى أهل الوثائق وثائقهم وانعقدت به أحكامهم. والوجه الآخر أن يكون الأب أغفل الحجر عليه حتى بعد عن سن الاحتلام فلا يكون له تسفيهه إلا عند الإمام. انتهى. وإنما أعدت هذا الذي قدمته لا أضفت إليه هنا من كلام السنهوري ليجتمع الكلام على المسألة في محل واحد. الثاني: قال عبد الباقي: فإن مات الوصي قبل الفك تصير أفعاله بعد ذلك على الحجر ولابد من فك الحاكم، ولا يقال صار مهملا ولا يأتي الخلاف الآتي بين مالك وابن القاسم لأنه محجور عليه. انتهى. وهذا الذي قال عبد الباقي زيفه الرهوني، وقال: إنه خلاف ما قاله فقهاء طليطلة من أنه على مذهب ابن القاسم إن ظهر منه حسن نظر جائز الأفعال بعد موت وصيه، وإن لم يحكم بإطلاقه كما هو عنده في سفهه مردود الفعل دون حكم بالتحجير عليه والضرب على يديه، وأما على مذهب غيره فلا يخرج من الولاية التي لزمته إلا بحكم. وقاله ابن مالك القرطبي. انتهى المراد منه. لكنه قوى القول بأنه هنا يحتاج إلى الفك، فإنه نقل عن ابن سلمون ما نصه: واختلف في الذي يموت وصيه ولم يوص به إلى أحد ولا قدم عليه السلطان وصيا، فقيل: إن كان حسن النظر لنفسه معروفا بالرشد فأفعاله كلها جائزة، وإن كان معروفا بالسفه فأفعاله كلها مردودة وهو قول ابن القاسم. والذي جرت به الفتوى وعليه الشيوخ أن أفعاله كلها حكمها حكم من كان وصيه باقيا حتى يظهر رشده ويحكم برشده. انتهى المراد منه. الثالث: قول عبد الباقي: إن الوصي ومقدم القاضي لا يحتاج في الفك إلى إذن من القاضي هو المشهور، وقيل لابد من إذن القاضي، ونسبه اللخمي وغيره لعبد الوهاب، وقول المص: "إلى حفظ مال ذي الأب بعده وفك وصي أو مقدم"، قال عبد الباقي: فيه إشعار بأن اليتيم المهمل يخرج من الحجر بالبلوغ.

стр. 6105

الرابع: قال عبد الباقي: قال أحمد: ظاهر قوله: "وفك" لخ أنه لا يشترط مع ذلك ثبوت حفظ المال لعطف هذا عليه وهو ظاهر؛ لأنه سيأتي أن له الترشيد وإن لم يعرف الرشد إلا من قوله فالإثبات غير لازم، وسيأتي أن الفك هو الترشيد. الخامس: قال الرهوني: ظاهر المص أنه لابد من الفك ولو كان أبوه حَدَّ الإيصاء بمدة وانقضت، وقد ذكر ابن سلمون وغيره في ذلك قولين. انتهى. ثم ذكر الرهوني ما نصه: في نوازل ابن سهل ذكر لي عن أبي عمر ابن القطان أن القاضي ابن بشر قال لمن حضره من الفقهاء: ما تقولون فيمن أوصى على ابنه وشرط أنه إذا بلغ عشرين سنة فهو مطلق فمات الوصي وبلغ الموصى عليه هذه المدة ثم تصرف بعد ذلك في بيع وغيره وهو مجهول الحال لم يظهر منه سفه ولا خبر منه رشد، هل تكون أفعاله جائزة دون إطلاق الموصي له من الولاية؟ قال أبو محمد بن دحون وأبو محمد بن الشقاق: لا يجوز له بيع ولا غيره إلا بعد ترشيد لأنه مولًّى عليه، وأخرج القاضي إليهم جواب أبي عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي بأنه مطلق بذلك الشرط جائز الفعل. قال القاضي: وبهذا أقول وهو الصواب عندي. قال ابن القطان: وبه أقول وإياه أختار. انتهى. وابن بشر هذا بكسر الباء وسكون الشين، وأما القاضي محمد بن بشير فهو أقدم منه، كان في طبقة أصحاب مالك، وأما أبو عمر الإشبيلي فهو ابن المكوي وهو من أشياخ ابن عبد البر والتحديد بالبلوغ كالتحديد بالسنين، والخلاف المذكور إنما هو فيمن جهل حاله. وفي المتيطي: وإذا شرط الموصي في وصيته إذا بلغ ابنه الحلم فهو منطلق من الولاية فله شرطه، وينطلق ابنه بالبلوغ إلا أن يثبت عليه أنه سفيه فتستمر عليه الولاية. قاله أبو عمر الإشبيلي. وابن بشر القاضي وابن القطان وغيرهم. وقال ابن أيمن وغيره: الشرط باطل. انتهى. السادس: قال الرهوني: قال ابن عرفة: وفي ثبوت الولاية بتقديم خاص خلاف في أحكام ابن سهل لو قدم القاضي على مهمل من يقاسم عنه فقسم عليه ففي بقائه مهملا مطلقًا، أو إن كان

стр. 6106

حين التقديم بالغا (لا صغيرا) (١) ثالثها عكسه لابن عتاب مع الإشبيلي وابن دحون وابن الشقاق، والقسم على الصغير ماض وفي البالغ قولان لابن دحون والإشبيلي. انتهى. السابع: قال الإمام الحطاب: قال في وثائق الفشتالي: وإذا أراد الوصي أو الأب إطلاق المحجور من الولاية وَرَشَّدَهُ رَشَدَ وملكَ أمرَ نفسه وماله على العموم والإطلاق والشمول والاستغراق ولم تبق عليه ولاية، وقول الأب والوصي مقبول في ذلك، فإن باع ماله وأفسده وقامت البينة أنه لم يزل سفيها منذ بلغ إلى وقتهم هذا لزمتهم الولاية ورد فعله وعزل القاضي الوصي وجعل عليه غيره، ولم يضمن الوصي شيئًا مما أتلفه لأنه فعله باجتهاد، وإن طلب ترشيد نفسه كلفه القاضي إثبات رشده. قال: فإن أثبت ذلك أعذر للأب والوصي والمقدم، فإن لم يكن مدفع أشهدت عليه بذلك، وإن ادعى خلاف الحال المذكورة كلف إقامة البينة، فإن أثبت ذلك أعذر فيه للمشهود عليه، فإن وافق فلا إشكال وإن نازع فيه وعجز عن الدفع فيه من تجريح أو غيره كانت شهادة من شهد بالسفه أعمل. وقال بعض الموثقين: ينظر إلى أعدل البينتين فإذا حكم الحاكم برشده وقام بعد ذلك وادعى أنه لم يزل سفيها، هل تمضي أفعاله لأن القاضي حكم بترشيده ولاسيما إن كانت بينة الترشيد أعمل فيكون قد وافق نقل قائل من أهل العلم، أو يرد ذلك إن كانت بينة السفه (أعمل) (٢) لأنه حكم بخطإ. قال ابن رشد في باب الوصايا في مسألة من أوصى به أبوه إلى أمه فتوفيت ولم توص به إلى أحد فتزوج ومات قبل البناء إن في ميراث زوجته وصداقها ثلاثة أقوال: أَحَدُها لا ميراث لها ولا صداق وَالثَّانِي لها الميراث والصداق وَالثَّالِثُ لها الميراث. وأما الصداق فينظر فإن كان نكاحه غبطة بحيث لو كان له ولي واطلع عليه لم يفسخه كان لها الصداق أيضًا، وإن كان على غير ذلك لم يكن لها صداق، وأما إن كان نكاحه بعد أن ثبت عند القاضي رشده فقضى بترشيده فالنكاح ماض ولها الصداق واليراث قولا واحدا، والحكم نافذٌ لا يرد بشهادة من يشهد أنه لم

стр. 6107

يزل متصل السفه، وإن كانوا أعدل من الشهود الذين قضى القاضي بشهادتهم إذ قد فات موضع الترجيح بين الشهود بنفوذ الحكم، فإنما توجب شهادتهم الحكم بتسفيهه وتكون أفعاله من يوم حكم بترشيده إلى يوم حكم بتسفيهه جائزةً ماضيةً. انتهى. وقد علم أن اليتيم والصغير يجوز له شراء ما لابد له منه حيث كان على وجه السداد، وإذا ادعى على المولى عليه في شيء باعه أنه باعه قبل أن يجوز له البيع، وقال المبتاع بعد أن جاز له البيع فالبينة على البائع لأنه يريد فسخ بيع قديم، ولابن سحنون في كتابه أن القول قول السفيه. انتهى انظر ابن سلمون. إلا كدرهم لعيشه مستثنى من قوله: "وللولي رد تصرف مميز" يعني أن المحجور المميز لا يحجر عليه في تصرفه بمعاوضة في الشيء التافه الذي لابد له منه، كدرهم لعيشه وعيش ولده ورقيقه وأمهات أولاده إذا أحسن التصرف فيه، قال عبد الباقي: وأخرج من قوله: "وللولي رد تصرف مميز" قوله: "إلا كدرهم" شرعي "لعيشه" وعيش ولده ورقيقه وأمهات أولاده من لحم وبقل وخبز فلا يحجر على المولى عليه فيه إذا أحسن التصرف فيه، وأما نفقة زوجته وخادمها فتعطى لها. قاله ابن ناجي. لأنها لحريتها أشبهت غير المحجور عليه، فإن كانت أمة دفعت نفقتها لسيدها فيما يظهر. انتهى. وقال المواق من المدونة: لا يجوز للمولى عليه بيع ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده، ولا يجوز شراؤه أيضًا إلا ما لا بد منه وهو تدفع إليه نفقته فيشتري بها ما يصلحه. انتهى. قوله: نفقته أطلق النفقة على الثمن لأنه سببها من إطلاق المسبب وإرادة السبب. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشارح: لما ذكر أن الولي يخير في رد تصرف الصبي وإمضائه، ذكر أن ذلك مخصوص بما كان له قدر وبال، فأما مثل الدرهم يبتاع به طعاما لنفسه ونحوه فلا. اهـ. لاطلاقه عطف على "تصرف مميز" يعني أن الولي له أن يرد تصرف المميز بتبرع وغيره مما مر، وليس له أن يرد طلاقه أي المميز البالغ السفيه، فإذا طلق السفيه زوجته نفذ طلاقه، وليس للولي فيه كلام لأن الطلاق بيد من يرفع الساق، وأما الصبي فلا يلزمه طلاق. قال عبد الباقي: وأخرج أيضًا من قوله: وللولي رد تصرف مميز بناء على أن يراد به ما يشمل البالغ السفيه كما مر تجوزا ما يخص البالغ السفيه، فقال: "لا طلاقه" بالجر عطف على "تصرف" فلا يرد تصرفه فيه بل

стр. 6108

يلزمه. انتهى. وقال المواق: اللخمي: اختلف في طلاق من لم يحتلم، فقال مالك: لا يلزمه، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إن ناهز البلوغ لزمه. ابن عرفة: المذهب لزوم طلاق السفية المكلف. واستلحاق نَسَبٍ يعني أن السفيه البالغ إذا استلحق ولدا فإنه يلزمه ذلك الاستلحاق فيكون المستلحق ولدا له بالشروط الآتية في فصل الاستلحاق. ونفيه يعني أن البالغ السفيه لا يحجر عليه في أن ينفي ولدا باللعان، قال المواق: ابن شأس: لا حجر على السفيه في استلحاق النسب ونفيه لأنه مكلف. وعتق مستولدته يعني أن السفيه إذا أعتق مستولدته أي أمته التي ولدت منه فإنه لا يحجر عليه في ذلك، بل يلزمه عتقها لأنها تشبه الزوجة التي ليس فيها إلا الاستمتاع بالوطء، وهل يتبعها مالها إذا أعتقت أم لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أَحَدُهَا أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، وَالثَّاني: لا يتبعها وهو رواية يحيى عن ابن القاسم، وَالثَّالثُ: التفرقة بين أن يكون مالها كثيرا وأن يكون قليلا فيتبعها إن قل لا إن كثر. قال ابن رشد: وأراه قول أصبغ وشهر عبد الباقي القول بأنها يتبعها مالها كثر أو قل، فإنه قال: وتبعها مالها ولو كثر على الراجح. انتهى. قال الرهوني: انظر من رجحه وقد تقدم له نحو هذا في عتق المفلس أم ولده، وتقدم البحث معه هناك ولم أر من رجح ما قاله هنا بعد البحث عليه، بل وجدت لا يفيد رجحان غيره، فقد رجح ابن أبي زمنين في منتخبه أنه لا يتبعها مطلقًا، ونصه: وسئل ابن القاسم عن السفيه يعتق أم ولده أيتبعها مالها؟ فقال: لا أرى ذلك؛ لأن عتقها لم يمض على تجويز العتاقة وإنما أمضاه مالك لأنه رأى العتق قد كان سبق إليها بالولادة، فلما أعتقها كان إنما ترك ما كان له فيها من الاستمتاع بها، فلذلك رأيت أن لا يتبعها مالها؛ لأني إن أتبعتها مالها كنت قد جوزت للسفيه القضاء في ماله. قاله سحنون. وسواء كان مالها تافها أو غير تافه لا يتبعها منه شيء. انتهى منه بلفظه. فانظر كيف اقتصر عليه ولم يحك غيره مع نسبته لابن القاسم وسحنون واجتماعُهما من المرجحات؟ أيضًا كما صرح به غير واحد. ورجح اللخمي القول بالتفصيل ونصه: واختلف بعد

стр. 6109

القول بجواز عتقها في مالها، فقال مالك في كتاب محمد: يتبعها مالها، وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرا وهو أشبه. انتهى. وقصاص يعني أن السفيه لا يحجر عليه في القصاص، فله أن يقتص ممن قتل ابنه أو أباه عمدا وجنى عليه هو في طرف فله أن يقطع يد من قطع يده عمدا بشروط القصاص الآتية ولا يتعرض له الولي في ذلك. ونفيه يعني أن البالغ السفيه لا يحجر عليه في نفي القصاص، فإذا قتل ابنه أو أبوه عمدا فله أن يعفو عن القاتل وله أن يعفو عمن جنى على طرفه جناية توجب القصاص. قال المواق: قال ابن القاسم في البكر التي حاضت يجنى عليها عمدا فتعفو هي ويريد (أبوها) (١) القصاص: فليس للأب قصاص خلافا لأصبغ. انتهى. وقال الشارح: ولا خلاف أنه لا يصح عفوه عن دم الخطإ لأنه ماله. انتهى. وفي معنى الخطإ جراح العمد التي لا قصاص فيها، وقد علمت أن هذه المسائل السبع في البالغ كما هو ظاهر. والسابعة هي قوله: وإقرار بعقوبة يعني أن البالغ السفيه يلزمه ما أقر به من عقوبة في بدنه، فإن قال: قطعت يد زيد مثلا فإنه يقتص منه بشروط القصاص، قال في المقدمات: اعلم وفقنا اللَّه وإياك أن السفيه البالغ يلزمه حميع الحقوق التي أوجب اللَّه على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد وقصاص. انتهى. والحاصل أنه يلزمه ما أقر به مما يستحق فيه العقوبة كالقصاص والحد في زنى أو شرب خمر مثلا. وتصرفه قبل الحجر محمول على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم يعني أن السفيه المحقق السفه الذكر البالغ المهمل أي الذي ليس له ولي من أب أو غيره، إذا تصرف قبل أن يحجر عليه فإن تصرفه ماض عند الإمام مالك، وقال ابن القاسم تصرفه غير ماض، وجاز تصرفه عند الإمام لأن العلة عنده في رد فعله الحجر لا السفه لاحتياج ثبوت السفه لاجتهاد وكشف للاختلاف فيه، ولم يمض عند ابن القاسم لأن العلة عنده في رد فعله السفه وهو موجود. قال عبد الباقي: والأول هو الراجح لتبعية كبراء أصحابه كابن كنانة وابن نافع له في ذلك، وشهره ابن رشد في مقدماته

стр. 6110

وفي كلامه إشعار بترجيحه حيث لم يقل: وفي إجازة تصرفه قبل الحجر ورده خلاف، وحملنا كلامه على المحقق سفهه؛ لأن مجهوله أفعاله محمولة على الإجازة باتفاق. انتهى. وقال المواق: ابن رشد: إن مات الأب ولم يوص به إلى أحد ولا قدم عليه السلطان وصيا ولا ناظرا، فقال مالك وكبراء أصحابه: أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة رشيدا كان أو سفيها من غير تفصيل في شيء، وذهب ابن القاسم إلى أن ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيدا جازت أفعاله وإن كان سفيها لم يجز منها شيء، واتفقوا أن أفعاله جائزة لا يرد منها شيء إن جهلت حاله ولم يعلم بسفه ولا رشد. انتهى. وقال ابن هلال في نوازله ما نصه: العمل الآن إنما هو على قول ابن القاسم من اعتبار الحالة دون الولاية فلا عبرة بها مع ظهور الرشد وحسن التصرف، ولا عبرة بعدم الولاية مع وجود السفه وتبطل تصرفاته وإن لم يحجر عليه والدٌ ولا حاكم، بهذا العملُ الآن منذ خمسين سنة ونحوها وبه أفتى شيخنا القوري والعقباني سيدي أبو الفضل قاسم، وبه يحكم حكام البلاد الآن ويفتي مفتيهم وبه نفتي نحن وهذا أمر شائع ذائع يعرفه العامة الممارسون لأمور الخصام، ولعمري إنه هو الصواب وقد كان أفتي بقول ابن القاسم قديما. حكاه ابن أبي زمنين وغيره، ثم جرى العمل بقول مالك وجل أصحابه إلى الزمن الذي ذكرناه فجرى العمل على قول ابن القاسم إلى هلم جرا. انتهى. وقال عبد الباقي: ومحل الخلاف الذي ذكره المص فيمن بلغ سفيها، وأما لو بلغ رشيدا ثم حصل له السفه ففي رد تصرفه خلاف أيضًا، لكن على حد سواء. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل الصورتان معا ذكرهما ابن رشد وسوى بينهما في الخلاف وترجيح القول الأول ونصه: وأما اليتيم الذي لم يوص به أبوه إلى أحد ولا قدم عليه السلطان وليا ولا ناظرا، ففي ذلك أربعة أقوال: أَحَدُها أن أفعاله كلها بعد بلوغه جائزة نافذة، رشيدا كان أو سفيها، معلنا بالسفه أو غير معلن، اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد أن أُونِسَ منه الرشدُ من غير تفصيل في شيء من ذلك وهو قول مالك وكبراء أصحابه، ثم قال الرابع: أن ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه إلى آخر كلام البناني.

стр. 6111

وقال الحطاب: الذكر إذا علم سفهه وكان مهملا فإن أفعاله جائزة عند جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم، وقد روى ابن وهب عن مالك أن أفعاله لا تجوز، مثل قول ابن القاسم، وقد حكى في المقدمات في اليتيم المهمل أربعة أقوال: أَحَدُهَا قول مالك وكبراء أصحابه أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة، رشيدا كان أو سفيها، معلنا بالسفه أو غير معلن به، اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد أن أونس منه الرشد من غير تفصيل. الثاني لمطرف وابن الماجشون: إن كان متصل السفه فلا تجوز وإلا جازت ولزمته ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة بأن يبيع ما يباع بألف بمائة فلا يجوز، ولا يتبع بالثمن إن أفسده من غير تفصيل بين معلن السفه وغيره. الثالث لأصبغ: إن كان معلنا بالسفه فلا تجوز وإن لم يعلن جازت اتصل سفهه أم لا، وذهب ابن القاسم وهو القول الرابع إلى أنه ينظر يوم بيعه، إن كان رشيدا جازت أفعاله وإن كان سفيها لم تجز. انتهى. وليس هذا مخالفا لما مرَّ: أجمَعَ مالك وأصحابه إلا ابن القاسم لأن الخلاف الذي ذكر عن هؤلاء الثلاثة مطرف وابن الماجشون وأصبغ إنما هو في بعض أصحاب السفه. انتهى. وعليهما العكس في تصرفه إذا رشد بعده يعني أن السفيه إذا رشد بعد أن حجر عليه ولم يحكم بفك الحجر عنه فإنه يتخرج على قولي الشيخين قولان آخران عكس القولين المتقدمين، فالإمام يقول بأن الولي له رد تصرفه وإجازته لوجود العلة عنده وهي التولية عليه، وابن القاسم يقول بمضي تصرفه لأن العلة عنده السفه، وقد زال وعبارة المص نحو عبارة ابن الحاجب وقررتها على حسب ظاهرها وهو معترض باقتضائه كون هذين القولين مخرجين وهما منصوصان. قال عبد الباقي: وَأُجِيبَ كما في أحمد بأن على بمعنى اللام. انتهى. أي وللشيخين العكس في تصرفه إذا رشد، وهذا يفيد أن الشيخين نصًّا على ذلك. قال عبد الباقي: ولم يذكر المغني ورود على بمعنى اللام، ومثل لورود اللام بمعنى على بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾. انتهى. وزيد في الأنثى دخول زوج يعني أنه يزاد في الأنثى على ما تقدم أن تتزوج ويدخل بها زوجها، ويزاد على ذلك أيضًا شهادة العدول اثنان على المشهور، ولا يشترط أزيد منهما خلافا للمتيطى كظاهر المص. على صلاح حالها وهو حسن تصرفها وهو أمر زائد على حفظ المال كما عرفت، وينفك الحجر بما ذكره ولو بعد الدخول بقرب على المشهور. قاله عبد الباقي.

стр. 6112

وَالحَاصِلُ أن الذكر يترشد بأمرين البلوغ وحفظ المال إن كان ذا أب، وبالبلوغ وحفظ المال وفك الحجر عنه إن كان ذا وصي أو مقدم، فإن لم يكن ذا ولي رد تصرفه إن كان صغيرا أي لم يبلغ وإن كان بالغا وهو سفيه فهو ما قال الشيخ "وتصرفه قبل الحجر" لخ، وَأما الأنثى ذات الولي فيزاد لها على ذلك أمران: دخول زوج وشهادة العدول على حسن تصرفها، فيقال: ذات الأب تترشد بحفظ المال مع البلوغ، ويزاد لها على ذلك أن تتزوج ويدخل بها زوجها، وأن يشهد عدلان فأكثر على أنها حسنة التصرف، وَذات الوصي والقدم تترشد بالبلوغ مع حفظ المال وفك الحجر عنها، ويزاد على ذلك أن تتزوج وأن يدخل بها زوجها، وأن يشهد العدول عدلان فأكثر على أنها حسنة التصرف. وهذا الذي قررت به المص من تفسير صلاح الحال بحسن التصرف هو المتعين في كلام المص؛ لأنه إذا فسر صلاح الحال بأن لا تعرف بالسفه أي يشهدوا برشدها لا يكون لزيادة شهادة العدول على صلاح الحال معنى؛ لأنه قد مر له إلى حفظ مال ذي الأب، وَيُعَيِّنُ هذا ما نقله الرهوني عند قول عبد الباقي مفسرا لصلاح الحال أي حسن تصرفها فهذا زائد على حفظ مال ذي الأب، وعلى فك وصي أو مقدم. انتهى. قال الرهوني: قول عبد الباقي: أي حسن تصرفها فهذا زائد على حفظ مال ذي الأب لخ نحوه لابن عاشر، ونصه قد يتبادر أن الأنثى لم تختص بهذا القيد لتقدم نظيرة في الذكر حيث يقول: "إلى حفظ مال ذي الأب"؛ لأن حفظ المال مساوٍ لانتفاء السفه، ولا يكفي انتفاء السفه في الأنثى بل ما هو أخص منه وهو صلاح الحال. قف على التوضيح يتبين لك هذا المعنى أعني ما ذكره في القيد الخامس. انتهى منه بلفظه. ونقله جسوس وسلمه. وما نسبه للتوضيح هو كذلك فيه فإنه بعد أن ذكر عن ابن رشد في البيان أن المشهور أنها في ولاية أبيها حتى يدخل بها زوجها ويشهد العدول على صلاح حالها. قال ما نصه: ونحوه لعياض في باب النكاح لكنه زاد بعد أن عين أن المشهور أنها لا تخرج إلا بالدخول ومعرفة صلاح حالها، فقال: ومعناه عندهم أنها لا تعرف بسفه. انتهى. وعلى هذا فلا يشترط أن يشهد العدول بصلاح الحال، بل بعدم السفه. انتهى منه بلفظه.

стр. 6113

قَالَ مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: بهذا الذي في التوضيح يتبين لك أن المص أراد هنا المعنى الذي قررته به؛ إذ لولا ذلك لم يكن لقوله: "وزيد" معنى بالنسبة لشهادة صلاح الحال. وقد نظر الرهوني في كلام المص في التوضيح بأن عياضا لم يقصد مخالفة ابن رشد وغيره في تعبيرهم بصلاح الحال، بل صرح بأن مرادهم بصلاح الحال أنها لا تعرف بسفه وهو الحق، وأتى الرهوني بما يدل على ما قال من أن الرشد في حق الذكر والأنثى سواء، وعلى هذا فعلى المص الدرك في قوله: "وزيد في الأنثى دخول زوج وشهادة العدول على صلاح حالها" بالنسبة لشهادة العدول على صلاح حالها، فلو قال: وزيد في الأنثى دخول زوج لسلم من هذا. واللَّه تعالى أعلم. ولو جدد أبوها حجرا يعني أن ذات الأب تخرج من الحجر بما ذكر، ولا تحتاج إلى أن يفك عنها الحجر بل يفك عنها الحجر بحفظ المال مع البلوغ ودخول الزوج بها وشهادة العدول على صلاح حالها، ولا فرق في ذلك بين أن يجدد عليها الحجر وأن لا يجدده فلا تحتاج إلى فكه. وقوله: على الأرجح مقتضاه أن ابن يونس رجح هذا الذي قاله المص من أنها لا تحتاج في ترشدها إلى الفك ولو جدد أبوها عليها الحجر، قال عبد الباقي عند قوله: "على الأرجح" ما نصه: اعترضه التتائي بأنه لابن رشد لا ابن يونس، وبأن ابن رشد لم يفرع الخلاف المذكور على قوله: "وشهادة العدول" لخ بل على مقابله وهو مضي عام أو أكثر بعد دخول زوج بها. انتهى. تنبيه: هذا الذي ذكره المص إنما هو حيث طلب المولَّى عليه أن يحكم له بالترشيد، فلا يحكم له الحاكم به حتى يثبت عنده ما ذكر فيحكم له بذلك ويمضي تصرفه حينئذ، ولا كلام لوليه وأما إن لم يقع تنازع فللولي أن يرشده حيث علم منه الرشد ولا يحتاج لبينة على ذلك، وهذا عام في الذكور والإناث. وأشار المص إلى ذلك في الإناث بقوله: وللأب ترشيدها قبل دخولها يعني أن الأب له أن يرشد ابنته قبل الدخول وكذا بعده، عُرِفَ عند الناس رشدها أم لا، فإن نازع في ذلك فهو ما قدمه بقوله: "شهادة العدول على صلاح حالها".

стр. 6114

كالوصي يعني أن الوصي له أن يرشد المولَّى عليها قبل الدخول وبعده كالأب كما هو ظاهر المص، ولو لم يُعْرَفْ رشدها يعرف بالبناء للمجهول "ورشدها" هو النائب عن الفاعل؛ يعني أن الوصي له أن يرشد المولَّى عليها قبل الدخول وبعده، ولو لم يعرف رشد المرأة إلا من قول الوصي. تنبيه: جعل عبد الباقي المبالغة في المسألتين ونحوه للتتائي قال البناني: اعترضه مصطفى فقال: الصواب أنه خاص بالثانية إذ فيها الخلاف المشار إليه، وبه قرر الحطاب. انتهى. ونص المتيطى: واختلف في ترشيد الوصي إياها وهي بكر، فقيل له ذلك كالأب، وقيل ليس له ذلك حتى يدخل بها زوجها ويعرف من حالها ما يوجب إطلاقها. وقال أحمد بن بقي: ليس للوصي ترشيدها قبل دخول بيت (١) إلا أن تعنس لأن التعنيس يأتي على ذلك كله، واختلف هل للوصي من قبل الأب ترشيدها بعد ابتناء زوجها بها؟ فالمشهور من المذهب أن ذلك له وبه القضاء وعليه العمل والوصي مصدق في ذلك وإن لم تعرف البينة رشدها وقيل ليس له ذلك إلا بعد ثبوت رشدها. وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ. ونحوه لعبد الوهاب. انتهى. وقررت المص على ظاهره من أن الوصي له الترشيد قبل الدخول وبعده؛ لأنه الراجحِ كما قاله أبو علي. وقال أبو علي بعد أن نقل كلام المتيطيّ الذي قدمته عن البناني: حَاصِلُ كَلَامِ المتيطى أن الوصي فيه قولان، قيل يرشد الأنثى بعد البلوغ وقبل البناء، وقيل لا. وأما بعد البناء فالمشهور وما به العمل يرشد، فالمص مر على أن القول الأول هو المعتبر، وأنه يرشد قبل البناء وهذا كلام صحيح لا شك فيه؛ لأنه هو الراجح. انتهى المراد منه. وفي مقدم القاضي خلاف يعني أنه اختلف في مقدم القاضي هل هو كالوصي فيكون له ترشيدها قبل البناء وبعده كما هو ظاهر المص؟ وإن لم يعرف رشدها إلا من قِبَلِهِ وهذا القول شهره المازري وغيره، أو ليس له ترشيدها إلا بعد ثبوت ما يوجب إطلاقه لها وشهره المتيطى؟ وقوله: "خلاف" مبتدأ وخبره قوله: "في مقدم"، وقال عبد الباقي: وفي مقدم القاضي خلاف في ترشيده لها بعد الدخول فقط، أو ليس له لا قبل الدخول ولا بعده وهو الراجح. انتهى.

стр. 6115

وناقشه الرهوني في ذلك وقال: إن تشهير المازري هو الصواب، ويأتي الكلام على قول عبد الباقي إن شاء اللَّه تعالى. تنبيهات: الأوَّلُ: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وفائدة ترشيد الأب لها من غير ثبوته أنه لا يجوز له تزويجها إلا بإذنها كما مر في قوله "والثيب تعرب كبكر رشدت"، وأما بيعها ومعاملاتها فهي محجور عليها فيها فلا يمضي شيء من ذلك إلا بإجازة أبيها. انتهى. قوله: وأما بيعها ومعاملاتها لخ، قال البناني: مثله في الخرشي وهو غيرُ صحيحٍ، وكأنهما خرجا به عن المذهب، وقد قدمنا الكلام في ذلك أول النكاح وأن الترشيد لا يتبعض. انتهى. الثَّانِي: قال البناني: عند قوله "وفي مقدم القاضي خلاف" مستدلا لكلام المص ما نصه: قال المتيطى: واختلف أيضًا هل لمقدم القاضي ترشيدها بعد البناء بها؟ فالمشهور من القول أنه ليس له ذلك إلا بعد ثبوت ما يوجب إطلاقه لها وبعد أمر القاضي له بذلك، وكما أدخلها في الولاية قاض، فلا يجوز أن يطلقها منه إلا قاضٍ. وقاله ابن زرب وغيره. ونحوه لعبد الوهاب. وقيل إن إطلاقه من الحجر إلى نظره بغير إذن القاضي جائز وإن لم يعرف رشدها إلا بقوله: ونحوه في كتاب محمد. انتهى. وقال في التوضيح: وأما المقدم من جهة القاضي فالمشهور على ما قاله المازري وغيره أنه كوصي الأب؛ لأن القاضي جبر به الخلل الكائن بترك الأبِ تقديمَ وصيٍّ لهذا الابن. انتهى. الثَّالِثُ قال البناني: حاصل ما جرى به العمل عندنا في الأقسام المتقدمة أن غير البالغ من المذكور أفعاله مردودة ولو ظهر به شبه رشد فلا عبرة بذلك، والبالغ منهم إن كانت له حالة الرشد فأفعاله ماضية والضد بالضد، ولا اعتبار بحجر ولا فك كان له أب أم لا، كان له وصي أو مقدم أم لا فالمدار على الحال مطلقًا وإن جهل حاله وله أب ففعله مردود إلى ظهور رشده، وإن كان له وصي أو مقدم ففعله مردود إلى الفك وإن لم يكن له حاجر ففعله جائز هذا حكم الذكور، وَأمَّا الإناث فمن لم تبلغ منهن فأفعالها مردودة مطلقًا، ومن بلغت ولها أب فمن حالها الرشد ففعلها ماض والعكس بالعكس، وإن جهل حالها ففعلها يمضي بمضي عام من دخولها، وذات الوصي أو المقدم فعلها ماض إن علم رشدها، فإن علم السفه أو جهل حالها لم يمض فعلها إلا بفك الوصي

стр. 6116

أو المقدم، ولا فرق بين مسنة وصغيرة وبالغة. نَعَم العانسُ المهملة يمضي فعلها بمجرد التعنيس ولو لم تتزوج. انتهى. ما حصله الشيخ أبو علي في شرح التحفة. اهـ. وقوله: "وشهادة العدول على صلاح حالها" هذا هو المشهور وهو الذي مر عليه المص، قال الحطاب عن ابن رشد: والمشهور في البكر ذات الأب أنها لا تخرج من ولاية أبيها ولا تجوز أفعالها وإن تزوجت حتى يشهد العدول على صلاحها، والذي جرى به العمل عندنا أن تكون أفعالها جائزة إذا مرت لها سبعة أعوام من دخول زوجها بها على رواية ابن القاسم والأنثى المهملة إذا علم سفهها لا تجوز أفعالها إلا على قول سحنون وهو قول شاذ. واعلم أن في البكر ذات الأب سبعة أقوال إذا لم يعلم سفهها، فَقيل: إنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، وَقيل: إنها لا تخرج به حتى تتزوج ويمر بها عام ونحوه من الدخول وقد مر أن هذا القول عليه العمل، وَقيل: ستة، وَقيل: سبعة، وَقيل: عامان، وَقيل: لا تخرج وإن طالت إقامتها مع زوجها حتى يشهد العدول على صلاح حالها. وقد مر أن هذا هو المشهور وهو الذي مر عليه المص. وقيل: تخرج بالتعنيس وإن لم يدخل بها زوجها. فهذه سبعة أقوال. الأَوَّلُ رواه ابن غانم وابن زياد عن مالك، والثَّانِي نص عليه غير واحد من الأشياخ وهو قول مطرف في كتاب ابن حبيب فتكون أفعالها قبل العالم مردودة ما لم يعلم رشدها وجائزة بعده ما لم يعلم سفهها، والرابع ينسب لابن القاسم، والخامس لابن نافع، والسادس هو مذهب الموطأ والمدونة والواضحة وهو المشهور كما عرفت نص عليه ابن رشد وعياض وغيرهما، والسابع جرى به العمل. وَأما اليتيمة المهملة ففيها أيضًا سبعة أقوال والسابع مخرج، قِيلَ: إن أفعالها جائزة بعد البلوغ وَقِيلَ: لا تجوز حتى يمر بعد الدخول العام ونحوه أو العامان ونحوهما، وَقِيلَ: الثلاثة الأعوام ونحوها، وقيل: حتى يدخل ويشهد العدول على صلاح حالها، وَقِيلَ: إذا عنست وإن لم تتزوج فهذه ستة أقوال، ويتخرج فيها قول سابع وهو أن تجوز أفعالها بمرور سبعة أعوام، والمشهور فيها أن تكون أفعالها جائزة إذا عنست أو مضى لدخول زوجها بها العام وهو الذي جرى به العمل، فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إذا علم رشدها أو جهل حالها وردت إن علم سفهها، والأقوال التي تقدمت في ذات الأب جميعها إنما هي إذا لم يعلم سفهها، وأما

стр. 6117

إن علم سفهها فأفعالها مردودة، وكذلك المهملة إذا علم سفهها فلا تجوز أفعالها إلا على قول سحنون، وهو قول شاذ كما مر، بخلاف الذكر إذا جهل سفهه وكان مهملا فإن أفعاله جائزة عند جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم. انظر الحطاب والشارح. وما مر عن مطرف أن أفعال ذات الأب قبل العام مردودة ما لم يعلم رشدها هو للشارح وفيه بعض مخالفة لما في تعميم الحطاب، وهو قوله: والأقوال التي تقدمت في ذات الأب جميعها إنما هي إذا لم يعلم سفهها، فإنه صادق بما إذا علم رشدها وبما إذا جهل حالها. واللَّه تعالى أعلم. الرَّابعُ: قد مر لعبد الباقي أن مقدم القاضي إنما يرشد على القول بترشيده بعد الدخول لا قبله، وقد مر أنه خلاف ظاهر المص، قال الرهوني: وقد قال الشيخ أبو علي: يصح للمقدم أن يرشدها قبل البناء وهو ظاهر المتن؛ إذ فرض المسألة فيما قبل البناء، ومما يدل على هذا أن ابن غازي والحطاب لم يعترضا هنا ظاهر كلام المتن، وكلام المتيطى في المقدم ظاهره أنه لا يرشد قبل البناء وأن المشهور أنه لا يرشد بعد البناء، ولا أظنه يصح بدليل كلام الناس. انتهى. قال الرهوني بعد هذا الكلام -وقد جلب قبله ما هو كالشاهد له- ما نصه: وبهذا كله تعلم ما في قول الزرقاني أو ليس له لا قبل الدخول ولا بعده وهو الراجح. واللَّه أعلم. انتهى. الخَامسُ: قد مر عند قول المص: وشهادة العدول على صلاح حالها أن المشهور أنه يكفي عدلان، ونحوه في تبصرة ابن فرحون أول القسم الثاني، ونصه: الشهادة في الترشيد والتسفيه، قال ابن الماجشون وغيره من أصحاب مالك: يشترط فيهم الكثرة وأقلهم أربعة والمشهور أنه يجزئ في ذلك اثنان. انتهى. لكن ظاهر المص الأول وهو الذي جرى به العمل. انتهى. وعليه درج صاحب التحفة. قال أبو علي في حاشيته على شرحها: وحاصل ما ذكره ابن سهل والجزيري في وثائقه في هذا أن تكثير الشهود في الترشيد والتسفيه شرط، وأقل الكثرة عند ابن الماجشون أربعة وتجوز فيهما شهادة الرجال والنساء أو الرجال فقط، ولابد أن يكون الشهود من الجيران ومن يرى يعلم ذلك إلا أن يفقدوا فيشهد الأباعد. انتهى. وَلَما جرى في كلامه ذكر الولي تكلم عليه فقال: وَالولي الأب يعني أن الأب هو الذي يلي الحجر على الولد إذا كان صغيرا أو بالغا له سفيها حيث لم يطرأ سفهه بعد البلوغ بل بلغ سفيها، وأما لو

стр. 6118

بلغ رشيدا ثم طرأ له السفه فيقدّم الحاكم عليه، قال عبد الباقي: والولي على المحجور صبيا أو سفيها -لم يطرأ عليه سفهه بعد بلوغه- الأبُ المسلمُ الرشيدُ، لا الجد والجدة والأم والعم إلا بإيصاء، وقدم الحاكم على من طرأ سفهه بعد بلوغه وخروجه به من حجر أبيه كعلى وصي أب كافر أو سفيه مهمل كذي وصي على ما به العمل، وفي ابن عاصم المشهور خلافه إذ قال: ونظر الوصي في المشهور … منسحب على بني المحجور انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الأب إذا كان رشيدا هو الذي ينظر في أمور المحجور عليه صبيا أو سفيها، فغير الأب من الأقارب لا نظر له على المحجور عليه إلا بإيصاء من الأب أو الحاكم: واختلف إذا كان الأب سفيها هل ينظر وصيه على أولاده أو لا ينظر إلا بتقديم خاص؟ في ذلك خلاف. انتهى. وَقولُ عبد الباقي: وقدم الحاكم على من طرأ سفهه لخ صحيحٌ نقله الحطاب عند قوله: "وإنما يحكم في الرشد" لخ عن وثائق الجزيري وابن سلمون. وقال المتيطى: وكذلك لو بلغ رشيدا ثم حدث به السفه فإنه يثبته عند القاضي ويقدمه للنظر له إن رأى ذلك وهو أحق بالتقديم عليه إذا كان من أهل النظر. انتهى. وقوله: "كعلى وصي كافر" أي كما يقدم الحاكم على صبي ذي وصي كافر أو سفيه مهمل، وقول ابن عاصم: . . . . . . . . . . . . . … منسحب على بني المحجور قال الشيخ ميارة: الظاهر واللَّه أعلم أن هذا في حياة الأب فقط، وأما بعد موته فلا يكون ناظرا على بنيه لأن نظره لهم كان بسبب التبع لأبيهم. انتهى. وقوله: "والولي الأب" معناه أنه يحوز له مالَه ويتصرف فيه بالنظر ويكون أبير الولد إليه، وهذا إذا كان ينظر له بالنظر السديد وإلا فلا يمكن من قبض ماله، قال الزقاق: وللبعض نزع الشيء من يد حائز … إذا خيف أمر بالبقاء ويجعلا بحفظ أمين هكذا منع والد … فقير من أخذ المال لِلْوُلْدِ فاعملا

стр. 6119

قوله: منع والد، أشار به إلى ما ذكره ابن عرفة: شاهدنا شيخنا ابن عبد السلام حكم بمنع أب قبض إرث ابنه الصغير، فكلمته فيه فقال لي: إنه فقير، وكان الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع يحكم بذلك. انتهى. وله البيع هذا بيان منه رحمه اللَّه تعالى للتصرف الذي يتصرف فيه الولي في مال المحجور؛ يعني أن الأب له أن يبيع مال ولده المحجور عليه بوجه النظر والسداد، ولا إشكال في اشتراط وجود سبب أيّ سبب كان؛ إذ لا يحل للأب فيما بينه وبين اللَّه تعالى أن يبيع بدون سبب أصلا. مطلقًا أيّ أن يبيع مطلقًا أي كان المبيع ربعا أو غيره. وإن لم يذكر سببه يعني أن الأب إنما يبيع مال ولده على وجه النظر والسداد، فلا يبيعه إلا لسبب من الأسباب ويحمل في بيعه على النظر والسداد، وأنه ما باع إلا لسبب فلهذا يمضي بيعه وإن لم يذكر السبب الذي لأجله باع لكن اختلف فيما إذا باع لنفسه، فقيل: يمضي وهو محمول على النظر والسداد وقيل: لا يمضي لأنه إذا باع لنفسه لا يحمل على النظر والسداد، بل على غيره حتى يثبت النظر، فمحل الخلاف إنما هو فيما إذا باع لنفسه متاع ولده، فقال ابن سلمون والمتيطى وابن سهل: يحمل على السداد وهو ظاهر النوادر، وقال ابن رشد: يحمل على غير السداد ودرج عليه في الشامل ونحوه في الحطاب. ونص ابن عرفة: المتيطى: بيعُ الأب على صغار بنيه أو أبكار بناته محمولٌ على النظر حتى يثبت خلافه، قال بعض الشيوخ: اتفاقا إلا في شرائه لنفسه فهو على العكس، قال: ولا اعتراض للابن بعد رشده فيما باعه عليه أبوه. قاله ابن القاسم في الواضحة والثمانية وغيرهما. ابن حبيب عن أصبغ: يمضي بيعه وإن باع لنفعة نفسه ثم رجع لقول ابن القاسم إن باع لمنفعة نفسه وتحقق ذلك فسخ. انتهى. وأطلق في الفسخ فظاهره كان الأب موسرا أو معسرا وهو كذلك عند ابن القاسم. ابن رشد: وحكُم ما باعه الأب من مال ولده الصغير في مصلحة نفسه أو حابى به حكمُ ما وهبه أو تصدق به يفسخ في القيام، وحكمه في الفوات ما ذكرناه في الهبة والصدقة، غير أنه إذا غرم يرجع على الأب بالثمن. انتهى. وقال قبل هذا: فرق ابن القاسم بين أن يعتق الرجل عبد ابنه الصغير وأن يتصدق به أو يتزوج به، فقال: إن العتق ينفذ إن كان موسرا ويغرم القيمة لابنه ويرد

стр. 6120

إن كان معدما إلا أن يطول الأمد فلا يرد. أصبغ: لاحتمال أن يكون حدث له خلالَ ذلك يسر لم يعلم به، وأما إن علم أنه لم يزل عديما في ذلك الطول فإنه يرد، وقال: إن الصدقة ترد موسرا كان أو معسرا، فإن فاتت الصدقة بيد المتصدق عليه بأمر من السماء لم يلزمه شيء وغرم الأب القيمة، وإن فاتت في يده باستهلاك أو أكل والأب عديم لزمه غرم قيمتها ولم يكن له رجوع على الأب. هذا الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في القسمة من المدونة. وقال في التزويج: المرأة أحق به دخل أم لا، موسرا كان الأب أو معسرا ويتبع الابن أباه بقيمته. انتهى باختصار. ونقله مصطفى بتمامه، ثم قال: فَالحَاصِلُ على مذهب ابن القاسم لا فرق بين عسر الأب ويسره في رد البيع والهبة وعدم رد ما يتزوج به، وإنما الفرق بين اليسر والعسر في العتق وعلى هذا درج المؤلف بقوله: "كأبيه إن أيسر"، ثم قال: فظهر لك أن قول ابن القاسم هذا هو المعتمد، وللأخوين التفريق بين اليسر والعسر في البيع والرهن والهبة والصدقة والتزويج فأمضيا ذلك مع اليسر ورداه مع الإعسار. انتهى. وَأطَالَ الحطاب فجلب كلامهما في النوادر وترك قول ابن القاسم المعتمد وهو مذهب المدونة وما ينبغي له ذلك. انتهى. قلت: قال ابن ناجي على قول المدونة في القسمة: وترد الصدقة وإن كان الأب موسرا لخ. المغربي: يعني وكذلك الهبة هما سواء، وما ذكره هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، ثم ذكر قول الأخوين بالتفريق بين اليسر والعسر مطلقًا وقول أصبغ بالمضي من غير تفريق مطلقًا، ثم قال: قال في النكت: قال أبو محمد: الفرقُ بين عتق الأب عبدَ ابنه الصغير عن نفسه وبين صدقته بماله أو هبته للناس أن العتق أوجب الأب على نفسه تمليك شيء يتعجله، وهو ملك الولاء وإنفاذ العتق على نفسه، فذلك تمليك منه لنفسه مالَ ولده وله أن يتملك مالَ ولده الصغير بالمعاوضة، فأجزنا ذلك وألزمناه. وأما الهبة والصدقة فإنما أخرج ذلك من ملك ولده إلى ملك غيره بغير عوض لولده ولا لنفسه. انتهى قاله البناني. وَقال المواق: ابن عرفة: وَلي الموَلَّى عليه أبوه ثم وصيه ثم الحاكم. من المدونة: لا تجوز وصية الجد بولد الولد ولا أخ بأخ وإن قل المال.

стр. 6121

ثم وصيه يعني أنه إذا لم يكن للصبي والسفيه ولي فإن الذي يلي أمرهما هو الوصي من قبل الأب، فهو الذي يلي الأب ويقدم على الحاكم لأنه نائب الأب، فإن مات الوصي فوصيه الذي أوصاه ذلك الوصي وهكذا، وإن كان الوصي قد بَعُدَ فوصي الأب مقدم على وصي الوصي ووصي الوصي مقدم على وصي وصي الوصي وهكذا أبدًا، ثم إن لم يكن من ذكر فالحاكم كما مر. وكمل كالأب؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الموصي، فمنهم من قال إنه كالأب أفعاله محمولة على السداد حتى يثبت خلافه فيبيع وإن لم يذكر السبب الذي لأجله باع؟ أو هو كالأب في جميع مال المولى عليه؟ إلا الربع فإنه يحمل في بيعه على غير السداد فلا يبيعه إلا بعد ثبوت السبب الذي أراد أن يبيعه لأجله، ولهذا قال: فإنما يبيعه ببيان السبب فالمراد ببيان السبب إثبات السبب بالبينة، والمراد بالسبب السبب الآتي الذي يباع لأجله عقار اليتيم. وقوله: خلاف مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف، قال البناني: ظاهر المص تشهير القولين معا، أما القول الأول فقد شهره الجزيري في وثائقه ونصه: فِعْل الوصي محمولٌ على السداد حتى يثبت خلافه هذا هو المشهور. انتهى. قال مصطفى: ونحوه لابن فرحون في شرح ابن الحاجب، لكن انظر من شهر المقابل؟ انتهى. قلت: قال أبو الحسن في شرح قول المدونة: وهبة الوصي لشقص اليتيم كالبيع لربعه لا يجوز ذلك إلا لنظر ما نصه: عياض: قال بعضه: يظهر من هذا أن فعل الأب محمول على النظر حتى يظهر خلافه، وفعل الوصي محمول على غير النظر حتى يظهر النظر، وهذا إنما هو في الرباع خاصة كذا قال أبو عمران وغيره. قال أبو عمران: وهذا معنى ما في كتاب محمد وما في المدونة يفسره. انتهى من كتاب الشفعة. فهذا يدل على أنهم فهموا أن هذا مذهب المدونة وهو يقتضي ترجيحة. واللَّه أعلم انتهى. وعلم مما قررت أن المراد ببيان السبب إثباته كما للبناني لا مجرد ذكره كما قال الشيخ أبو علي. قال الرهوني: ما قاله البناني هو الصواب، والحق ما قاله إذ بذلك تظهر ثمرة الخلاف بين القولين، وأما مجرد الذكر باللسان فلا يظهر له كبير فائدة إذ ما من وصي يريد تفويت ربع اليتيم

стр. 6122

إلا ذكر بلسانه ما شاء من الأسباب الآتية، وذلك مُتَأَتٍّ لكل أحد بلا كلفة أصلا. انتهى. قوله: "فببيان السبب". قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه متعلق بمحذوف تقديره فيبيعه، والباء بمعنى مع أي فيبيعه مع بيان السبب أي إثباته بالبينة كما هو صريح كلام ابن رشد، والظاهر أن مقدم القاضي كالوصي. قاله الحطاب. واللَّه تعالى أعلم. تنبيهات الأول: قوله: "خلاف" قال الرهوني: لا خفاء أن الأول أرجح، وفي المسألة ثالث بالتفصيل بين أن يكون مأمونا ذكرا فالأول وإلا فالثاني، واستحسنه ابن الطلاع. قال أبو علي في حاشية التحفة: وهذا تفصيل حسن لا بأس به عندي، ولكن الذي ينبغي في هذه الأزمنة اتباع ما قابل الراجح أو التوقف في ذلك ومشاورة العدول العارفين، ويجتهد القاضي في ذلك وينظر قرائن الأحوال ويذهب في ذلك مذهب العارف الشحيح في ماله أو مال ولده العزيز عليه. انتهى المراد منه. قال الرهوني: قلت: وما قاله (واضح) (١) وإذا قال ذلك في زمنه ففي زمننا أحرى واللَّه أعلم. انتهى. الثاني: قال الرهوني: ظاهر كلام المص ومن تكلم عليه أنه على القول الأول لا يطلب بالإثبات ابتداء وليس كذلك، وقد قال المتيطى: والأول أحسن أن يذكر في العقد علم الشهود بالوجه الذي باع لأجله، فإن لم يذكر ذلك فالعقد صحيح لأن فعل الوصي محمول على النظر والجواز حتى يثبت خلافه. قاله ابن لبابة، وابن الهندي وابن العطار وابن عتاب. انتهى. الثالث: قال الرهوني: قال الوانوغي: قال شيخنا يعني ابن عرفة: ظاهر نصوصهم أعم من أن يكون الربع موروثا عن أبي المحجور، أو اشتراه له ثم حدث موجب. قال: وكان شيوخنا يقولون إن الذي اشتراه بمنزلة السلع لا يشترط فيه من الوجوه في بيعه ما يشترط في الموروث، وإنما يحتاج إلى مطلق المصلحة كسائر عروض اليتيم، وعندي الفرق بين أن يشتريه بنية القنية

стр. 6123

للمحجور فكالموروث وإن كان للتجارة فكالعروض. انتهى. ونقله ابن غازي في تكميله وأقره. انتهى. الرابع: قوله: "خلاف" محله إذا لم يوص الأب ببيع مال ولده، ففي التوضيح عن ابن رشد ما نصه: ولو أوصى رجل بابنته وأوصى أن يبيع عليها مالها وأصولها جاز ذلك عليها، وإن لم تكن حاجة إذا كان ذلك نظرا كالنكاح. انتهى. وأصله في طرر ابن عات وساقه فقها مسلما. انتهى قاله الرهوني. الخامس: قال الرهوني: ظاهر كلام المص أن غير الربع الوصي فيه كالأب بلا خلاف وليس كذلك، ولعل المص إنما قصر الخلاف على الربع لأنه ذكر الخلاف في التشهير، فقد قال أبو الحسن: ويخرج من إطلاقهم حيث لم يفرقوا بين الأصول وغيرها القول الشاذ في الوصي أنه محمول في غير الأصول على غير النظر. انتهى. وتحصل مما مر أن الأب يجوز له بيع عقار ولده بالنظر من غير أن يحصر وجوه النظر في ذلك بعدد مليا كان أو معدما، وأن الوصي لا يجوز له أن يبيع عقار يتيمه إلا لوجوه معلومة حصرها أهل العلم بالعد لها، وستأتي للمص في قوله: "وإنما يباع عقاره". لخ. وليس لي هبة للثواب يعني أن الوصي ليس له أن يهب مال محجوره للثواب، قال عبد الباقي: لأن الهبة إذا فاتت بيد الموهوب فإنما عليه القيمة والوصي لا يبيع بالقيمة ومثله الحاكم بخلاف الأب. انتهى. أي فله الهبة لثواب لأن له أن يبيع بالقيمة، وقد علمت أن بيعه لا يكون إلا لنظر. قوله: "والوصي لا يبيع بالقيمة" لخ، قال البناني: هو ظاهر إن كان البيع لغير حاجة، وأما إن كان لحاجة فللوصي البيع بالقيمة كما نص عليه المتيطى، وحينئذ يقال: لم لَمْ يكن له في هذا الفرض أن يهب هبة الثواب؟ وأجاب المسناوي ﵀ بما حاصله أن هبة الثواب إنما بقضى فيها بالقيمة بعد الفوات؛ لأن الموهوب له قبل الفوات يخير بين الرد وإعطاء القيمة، والقيمة التي يقضى بها بعد الفوات إنما تعتبر يوم الفوات، ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الفوات عن قيمته يوم الهبة، فلذلك لم تجز له هبة الثواب لما عسى أن يؤدي إليه من النقص،

стр. 6124

بخلاف البيع بالقيمة فإنه يدخل في ضمانه يوم البيع حتى إنه إذا نقص بعد ذلك فلا يعود عليه نقصه. انتهى. قال الرهوني: الظاهر أن هذا الجواب غير تام لأن هذه العلة التي علل بها تجري أيضًا في الأب مع أن ذلك له جائز. وَالحق في الفرق أن الوصي وإن كان يبيع لحاجة بالقيمة بل بدونها لكن إنما يبيع بذلك بعد تسوق وعدم إلفاء زائد وذلك منتف في هبته للثواب وبيع الأب بالقيمة لا يتوقف على ذلك فافترقا، ثُمَّ وجدت لأبي علي نحو ما ظهر لي، ثم قال -أي الرهوني-: هذا الإشكال، والجواب عنه مبني على أن هبة الوصي للثواب مخالفة لبيعه وينظر مع ما في كتاب الشفعة من المدونة، ونصها: ومن وهب شقصا من دار لابنه الصغير على عوض جاز وفيه الشفعة، ولا تجوز محاباة في قبول الثواب ثم قالت؛ وهبة الوصي لشقص اليتيم كالبيع لربعه لا يجوز ذلك إلا لنظر فيجوز وفيه الشفعة. انتهى باختصار. ثم قال: فإعراض الجم الغفير من المحققين عنه واعتمادهم على ما لعبد الحق واستشكالهم إياه وجوابهم من أغرب الغرائب، وأغرب من ذلك احتجاج الحطاب به للمص مع مخالفته له. ثم حاكم يعني أنه يلي الوصي الحاكم أو من يقيمه، قال عبد الباقي: ثم إن لم يكن وصي حاكم أو من يقيمه. انتهى. وقال الخرشي عند قوله: "ثم حاكم" ما نصه: يشير به إلى أن مرتبة الحاكم متأخرة عن مرتبة الأب والوصي، فيتولى أمره بنفسه أو يقيم له من ينظر في مصالحه. وباع يعني أن الحاكم يبيع ما دعت الحاجة إلى بيعه من مال اليتيم فيصرف ثمنه في مصالحه، وأشار إلى شروط جواز بيع الحاكم بقوله: بثبوت يتمه يعني أن الحاكم لا يبيع شيئًا من مال اليتيم إلا بعد أن يثبت عنده يتمه والباء للسببية أو بمعنى مع وَهَذَا أوَّلُ الشروط. ثَانِيهَا قوله: وإهماله يعني أنه يشترط مع ثبوت يتمه ثبوت إهماله أي كونه لا وصي له ولا مقدم قاض. ثَالِثُها قوله: وملكه لما بيع يعني أنه يشترط لجواز بيع الحاكم مع الشرطين المتقدمين أن يثبت عنده أن هذا الذي يريد بيعه ملك لليتيم، فمعنى بيع قصد بيعه. ويشترط أيضًا أن يثبت عنده أنه الظاهر أن الضمير للبيع الأولى أي أن هذا الذي يراد بيعه أولى بيعه لليتيم من بقائه في ملكه.

стр. 6125

وحيازة الشهود له يعني أنه يشترط مع الأربعة شرط خامس أيضًا وهو أن يثبت عنده حيازة الشهود لهذا الشيء الذي يراد بيعه؛ بأن يقول الشهود للحاكم أو لمن وجهه معهم هذا الذي حُزناه هو الذي شهدنا أو شهد بملكه لليتيم خشية أن يقال بعد ذلك ليس المبيع هو الذي شهد بملكه لليتيم، فإن تضمنت شهادة بينة الملك في تشهد به بينة الحيازة من ذكر حدود الدار ومحلها وسائر ما تميز به استغني بها عن بينة الحيازة. قاله عبد الباقي. وقال في القاموس: الحوز الجمع وضم الشيء كالحيازة. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: يتحصل من هذا أن معنى قوله: "وحيازة الشهود له" أن يضبط الشهود في شهادتهم كل شيء من الدار مثلا الشهود بملكها لليتيم بأن يعينوا حدودها ومحلها وجميع أجزائها فتنضم تلك الأجزاء إلى اليتيم وينضم بعضها إلى بعض في ملكه. واللَّه تعالى أعلم. والتسوق يعني أنه يشترط مع الخمسة أيضًا شرط سادس وهو أن يثبت عنده التسوق بالشيء الذي يراد بيعه أي يوقف في السوق مرة بعد مرة، وعدم إلفاء زائد يعني أنه يشترط في بيع الحاكم أو من يقيمه مع الشروط الستة شرط سابع وهو أن يثبت عنده عدم إلفاء أي وجود من يزيد في الثمن الذي يريد أن يبيع به، والسداد في الثمن يعني أنه يشترط مع السبعة شرط ثامن وهو أن يثبت عنده أن الثمن سداد، بأن يكون ثمن المثل فأكثر عينا حالًا لا عرضا ولا مؤجلا خوف الرخص والعدم. وعلم مما قررت أن هذه المعطوفات كلها معطوفة على يتمه، وفي تصريحه بأسماء الشهود قولان يعني أن الحاكم إذا ثبتت عنده الشروط المتقدمة بالبينة فأوجبت البينة له البيع، فإنه اختلف هل يلزمه أن يصرح بأسماء الشهود الذين أوجبوا له البيع؟ بأن يقول ثبت ما ذكر بشهادة فلان وفلان، أو لا يفتقر إلى التصريح بأسمائهم بأن يقول ثبت ما ذكر بالبينة الشرعية، ومحل القولين في الحاكم العدل وإلا فلابد من التسمية وإلا نقض، وعلى القول الأول إذا لم يصرح هل ينقض حكمه قياسا على ما يأتي في بيع الغائب من قوله: "وسمي الشهود وإلا نقض" أم لا؟ والأول هو الظاهر أو التعين لما ذكروه هنا من أن الشروط المذكورة هنا في المص شروط لصحة البيع، ولو باع

стр. 6126

القاضي تركته قبل ثبوت موجبات البيع، فأفتى السيوري برد بيعه ويلزمه المثل أو القيمة إن فات، وكذا لو فرط في قبض الثمن حتى فر المشتري أو هلك. لا حاضن يعني أن الحاضن ليس له أن يبيع ومثل للحاضن بقوله: كجد وأخ، قال عبد الباقي: إلا لشرط بوصيته وكذا عرف فيما يظهر لأنه كالشرط كما يتفق في أهل البوادي بموت شخص من غير وصيته، ويحضن الصغير قريب فهو كالوصي كما نقله الطخيخي عن أبي محمد صالح. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الجد ونحوه كالأخ والعم لا يجوز له أن يبيع شيئًا من مال محضونه، سواء كان الحاضن ذكرا أو أنثى، قريبًا أو أجنبيًا. فالمراد بالحاضن هنا الكافل وتمثيله بالجد يوهم قصر الحكم على الأقربين. وقوله: "لا حاضن كجد" قد مر عنده قول عبد الباقي: وكذا عرف فيما يظهر لأنه كالشرط لخ، قال البناني: بهذا أفتى أبو الحسن في آخر مسألة من نوازله، فقال: شأن البادية تصرف الأكابر على الأصاغر في البادية يتركون الإيصاء اتكالا منهم بأنه يفعل من غير إيصاء، فالأخ الكبير مع الأصاغر في البادية بهذا العرف يتنزل منزلة الوصي على هذا درجوا، ثم نقل رواية ابن غانم عن مالك في أن الكافل بمنزلة الوصي بدون هذا العرف، وذكر قول أبي محمد صالح: هذه الرواية جيدة لأهل البوادي لأنهم يهملون الإيصاء. قال ابن هلال عقبه: وبذلك أقول وأتقلد الفتيا به في بلدنا لأنها كالبادية. انتهى. وعمل بإمضاء اليسير يعني أنه جرى العمل في بيع الحاضن حيث لا شرط بوصيته ولا عرف بأنه يمضي بيعه إذا كان المبيع شيئًا يسيرا، وظاهر المص أن ذلك لا يجوز لتعبيره بالإمضاء مع أنه جائز، فلو قال: وعمل بجواز اليسير (١). قاله غير واحد. وقال الشارح: قال ابن الماجشون في الواضحة: أجاز مالك وغيره من العلماء نظر العم وغيره كالأم والأخ لليتيم دون تقديم من السلطان أو إيصاء من الأب، وأجازوا له ما يجوز للوصي إذا أحسن النظر ولم يتهم. وقال ابن الهندي: إنما يجوز في بلد لا سلطان فيه، وأما ما فيه سلطان فلا يجوز. وفي العتبية: وبه قال أصبغ

стр. 6127

وجرى به العمل أن ذلك يجوز في اليسير دون الكثير، وإليه أشار بقوله: "وعمل بإمضاء اليسير" لكن ظاهر كلامه أن ذلك لا يجوز ابتداء وفيه نظر مع ما تقدم. انتهى. وقال البناني: ابن هلال: في بيع الحاضن على محضونه اليتيم الصغير اضطراب كثير والذي جرى به العمل ما لأصبغ في نوازله من كتاب المديان والتفليس من العتبية من التفريق بين الكثير والقليل، فيجوز في التافه اليسير، ثم قال: فعلى ما جرى به العمل لا يبيع إلا بشروط وهي معرفة الحضانة وصغر المحضون والحاجة الموجبة للبيع، وأنه أحق ما بيع ومعرفة السداد في الثمن، وتشهد بهذه الشروط كلها بينة معتبرة شرعا وهذا المعنى مستوفى في كتب الموثقين. انتهى. وذكر في التوضيح أنه إذا قيم على المبتاع فيما باعه الكافل فعليه أن يثبت هذه الشروط، فذكرها وزاد بيان أنه أنفق الثمن عليه وأدخله في مصالحه فانظره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط فللمحضون إذا كبر الخيار في رد البيع وإمضائه. قاله أبو الحسن فيما عدا كونه أنفق الثمن عليه ونقله في المعيار أيضًا. واللَّه أعلم. انتهى. قوله: وزاد أنه أنفق الثمن عليه لخ هذا فيه تهافت؛ لأن في عده من شروط جواز البيع أنه متقدم على البيع وصرف الثمن في مصالح المحضون متأخر عن البيع مع أنه مخالف لما نصوا عليه من تصديق الحاضن في صرف ما قبضه من النفقة على محضونه إذا لم يدع سرفا. وفي حده تردد يعني أن الشيوخ اختلفوا في قدر اليسير الذي يجوز للحاضن بيعه ويمضي إذا باعه، فقال ابن الهندي: عشر دنانير ونحوها، وقال ابن العطار: عشرون دينارا ونحوها، وقال ابن زرب: ثلاثون دينارا، قال عبد الباقي: والظاهر سؤال أهل المعرفة عن القدر الذي يكون ما ذكر يسيرا بالنسبة إليه، فإن قيل لم كان الحاضن غير ولي بالنسبة إلى التصرف بالبيع ووليا بالنسبة إلى النكاح مع أن النكاح أقوى من المال كما قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، فالجواب أن النكاح لا يستقل فيه بل بإذن الزوجة والذي يقع منه هو مجرد العقد، بخلاف البيع فإنه لا إذن فيه بالكلية وإن حصل إذن فهو غير معتبر فالبيع أقوى باستقلاله بالتصرف فيه لو جعل وليا كذا وقع في مجلس المذاكرة. انتهى. ونحوه للخرشي.

стр. 6128

وللولي ترك التشفع والقصاص يعني أن الولي أبا أو غيره له أن يترك الأخذ بالشفعة للمحجور صغيرا أو بالغا سفيها إذا كان ذلك على وجه النظر للمحجور، وللولي أيضا أبا أو غيره أن يترك القصاص في أطراف الصغير أو في قتل وليه إذا كان ذلك نظرا فيأخذ له الدية، وأما السفيه البالغ فهو الذي ينظر في القصاص لنفسه ولا يحجر عليه فيه كما مر، وإذا ترك الولي الأخذ بالشفعة للمحجور والقصاص للصغير على وجه النظر فإنهما يسقطان أي الأخذ بالشفعة والقصاص، فلا يكون للصغير إذا بلغ ورشد ولا للسفيه إذا رشد أن يأخذا بالشفعة، ولا للصغير إذا بلغ أن يقتص بل يمضي ما فعله الولي من ذلك على وجه النظر. واللَّه تعالى أعلم. بخلاف تركهما على غير وجه النظر فله بعد ذلك القيام كما سيذكره في باب الشفعة بقوله: "أو أسقط وصي أو أب بلا نظر". قاله عبد الباقي. ولا يعفو يعني أنه إذا استحق الصغير المولى عليه قصاصا فإنه لا يجوز له العفو عن الجاني مجانا أو على أقل من الدية إلا لعسر الجاني أو المجني عليه. المواق: ابن عرفة: في دياتها للأب القصاص في جراح ابنه الصغير ولا عفو له إلا بعوض وكذا الوصي، والنظر في شفعة السفيه للولي فإن سَلَّمَ من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصبي لزمه ذلك. انتهى. وقال الشارح: وقوله: "وللولي ترك التشفع" محمول على ما إذا كان ترك الأخذ هو المصلحة، فإن كان الأخذ هو المصلحة وترك ذلك الولي فإن له إذا رشد الأخذ بشفعته، وكذلك له النظر في قصاص وجب له إما بجناية عليه أو على وليه، وفي المدونة: فإن كان فقيرا محتاجا للإنفاق عليه فترك القصاص وأخذ الدية له أولى فيسقط حينئذ القصاص كما قال، وإن كان غنيا ولا حاجة له بالمال فالقصاص له أولى. قال في المدونة: وليس للأب أن يعفوَ إلا أن يعوضه من ماله يريد ولا يعفو إلا في عمد لا خطإ. ومضى عتقه بعوض يعني أن وصي المحجور صغيرا أو بالغا سفيها إذا أعتق عبدا لمحجوره عتقا ناجزا بعوض من غير مال العبد، فإن عتقه ماض حيث كان العوض قدر قيمة العبد فأكثر فلو أعتقه بغير عوض رد فعله لأنه إتلاف لمال محجوره، ولا فرق بين الموسر والعسر في رد العتق بغير عوض من غير الأب، كأبيه إن أيسر يعني أن الأب إذا أعتق عبد ولده بعوض قدر قيمة

стр. 6129

العبد فإن ذلك العتق ماض، وإن أعتقه بغير عوض فينظر إلى يسر الأب وعدمه فإن كان موسرا مضى عتقه وغرم قيمته، وإن كان معسرا رد فعله. قال في المدونة: ولا يجوز ما وهب أو تصدق أو أعتق من مال ابنه الصغير ويرد ذلك كله إلا أن يكون الأب موسرا في العتق فيجوز ذلك على الابن ويضمن قيمته في ماله، ولا يجوز في الهبة وإن كان موسرا. انتهى. وقد مر أن المعتمد قول ابن القاسم إنه لا فرق بين عسر الأب ويسره في رد بيع الأب ما باع من مال ولد في مصلحة الأب، وكذا الهبة والصدقة فيردان موسرا كان الأب أو معسرا، وأما إن أصدق زوجته مال ولده، فقول ابن القاسم أن ذلك ماض موسرا كان أو معسرا دخل بها أم لا، وأما العتق فيرد إن كان مع معسرا لا إن كان موسرا فإنه يمضي ويغرمه له قيمة العبد. هذا هو المعتمد في الجميع. ومقابله للأخوين التفريق بين اليسر والعسر مطلقًا، وقول أصبغ بالمضي مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إن أيسر" قال عبد الباقي: يوم العتق أو قبل النظر فيه، فإن أعسر لم يجز عتقه ورد إلا أن يتطاول زمانه وتجوز شهادته ويناكح الأحرار فيتبع الأب بقيمته. قاله في المدونة. ابن يونس: وإنما يلزمه العتق إذا أعتق عبد ابنه الذي في ولايته وحجره، وأما عبد ابنه الكبير الخارج من ولايته فلا يجوز عتقه. انتهى نقله عن التتائي. وقال عقبه: فَقَوْلُ أصبغ إن حلف شخص بعتق عبد ابنه الصغير أو السفيه أو الكبير وهو ذو مال فحنث فيهم عتقوا عليه وضعن قيمتهم، وسواء حنث فيهم أو ابتدأ العتق فيهم لَا يُوافِقُ المشهورَ في الكبير، و"مفهوم قوله: "عتقه" أن هبته وصدقته ليستا كذلك وهو كذلك، فترد ولو كان الأب موسرا. ثُمَّ ذكر من يتولى الحكم في أمور عدها منها الرشد والسفه فقال: وَإنما يحكم في الرشد وضده يعني أنه لا يحكم في الرشد وضده وهو السفه إلا القضاة أي لا يجوز الحكم فيهما إلا من القضاة لا غيرهم، كالوالي ووالي الماء والمحكم وأما نائب القاضي فهو مثله، فإن حكم فيهما غير القضاة مضى إن حكم صوابا وأدب كما يأتي. والوصية يعني أنه لا يحكم في شأن الوصية أي أصل الوصية أو صحتها، أو بأن هذا وصي لهذا أو بأن الموصى له إذا تعدد يحصل الاشتراك في الموصى به أو يستقل به بعضهم إلا القضاة لا الوالي ووالي الماء والمحكم، فإن حكم غيرهم مضى إن حكم صوابا وأدب. قال عبد الباقي مفسرا

стр. 6130

للمص: وأمر الوصية من تقديم وصي ومن كون الموصى له إذا تعدد يحصل الاشتراك أو يستقل به أحدهما، ومن كونه يدخل في الموصَى به الحمل حيث كان حيوانا أولا يدخل ومن صحتها وعدمها وتقديرنا أمر شامل لأصل الوصية حيث لم يوص الأب ولصحتها وعدمها ولغير ذلك. انتهى. والحبس المعقب يعني أنه لا يحكم أي لا يجوز ابتداء كما عرفت أن يحكم في الحبس المعقب أي المتناول للعقب أي الأولاد إلا القضاة المنتصبون للقضاء لا الوالي ووالي الماء وغير ذلك ممن ليس بقاض والحبس المعقب أي صحة وبطلانا، وأن هذا الحبس معقب أو غير معقب قال عبد الباقي: والحبس المعقب أي المتعلق بموجود ومعدوم كحبس على زيد وعقبه ونسله لأنه حكم على غائب، وأما غير المعقب كحبس على فلان وفلان فلا يتقيد بالقضاة لكون الحكم فيه على غير غائب، وينبغي أن مثل المعقب الحبس على الفقراء. انتهى. ونحوه للخرشي وفيه ممثلا للحبس غير المعقب كفلان وفلان مثلا لكون الحكم فيه على غير غائب. انتهى. وأمر الغائب يعني أن أمر الغائب لا يحكم فيه إلا القضاة يعني الغائب غير المفقود، وأما المفقود فقد مر أن لزوجته الرفع للوالي ووالي الماء لا القاضي فقط، قال عبد الباقي: وأمر الغائب غير المفقود إذ لزوجته الرفع للوالي ووالي الماء كما قدم لا القاضي فقط، على أن التقييد بغير المفقود إيضاح، وإلا فالغائب في اصطلاح الفقهاء من علم موضعه والمفقود من لم يعلم موضعه، وإنما أقحم لفظ أمر لأن ذات الغائب لا تقبل الحكم بخلاف البواقي فإن ذاتها تقبله. انتهى. ونحوه للخرشي. والنسب يعني أن النسب كفلان من نسب فلان لا يجوز أن يحكم فيه ابتداء إلا القضاة. والولاء يعني أن الولاء كفلان له الولاء على فلان لا يجوز أن يحكم فيه ابتداء إلا القضاة المنتصبون للقضاء لا غيرهم، وحد يعني أنه لا يجوز أن يحكم في الحدود ابتداء إلا القضاة لا غيرهم. وقوله: "وحد" يأتي له أن الرقيق يقيم عليه السيد حد الزنى إن لم يتزوج أو تزوج بملك سيده وأما إن تزوج بغير ملك سيده فلا يقيم ضليه الحد إلا الحاكم كما لو كان يقام الحد على الحر فلابد من تخصيص كلامه هنا بهذا. واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →