وَقال الحطاب: تقدم في فصل الصداق عند قول المص: "وإن صدقته ففي ثلثها" عن القرافي في الذخيرة عن النوادر عن عبد الملك: إذا أقرت المرأة في الجهاز الكثير أنه لأهلها جَمَّلُوهَا به والزوج يكذبها، فإن لم يكن إقرارها بمعنى العطية نفذ وبمعنى العطية يرد إلى الثلث. انتهى. ويأتي الكلام عليه قريبا إن شاء اللَّه. واللَّه أعلم. وقوله: "وله رد الجميع إن تبرعت بزائد" قال الشارح: وهذا قول ابن القاسم في المدونة. ابن نافع: وسواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، وفي المدونة أيضًا عن ابن القاسم: إذا زادت على الثلث كالدينار وما خف فإن الجميع يمضي للعلم بأنها لم تقصد بما خف الضرر، بخلاف ما إذا كثرت الزيادة فإن له حينئذ رد الجميع وفي المدونة عن المغيرة أنه لا يرد إلا ما زاد على الثلث، وشبه ذلك بالوصايا، وبقوله قال ابن الماجشون. انتهى. قول الشارح عن ابن نافع.
وسواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة. انتهى. قد علمت أن عبد الباقي اقتصر على هذا حيث قال: وظاهره -يعني المص- ولو كان الزائد يسيرا. انتهى. قال الرهوني: اقتصر -يعني عبد الباقي- على هذا فأوهم أنه المذهب وليس كذلك، فقد تقدم نص المدونة وما لابن يونس عنها، وقد نقل المواق هنا والحطاب في باب الضمان كلام المدونة وسلماه مقتصِرَيْنِ عليه وكذا صاحب المنتخب، ونصه: قال سحنون: قلت له في زادت على ثلث مالها من قليل أو كثير لم يَجُزْ منه شيء؟ قال: نعم إلا أن تكون الزيادة كالدينار والشيء الخفيف مما يعلم أنها لم ترد به الضرر فإنه يمضي وهو قول مالك. انتهى.
وقد ذكر المتيطى والمص في التوضيح وابن عرفة كلام المدونة وسلموه، ولم يذكروا مقابله إلا عن ابن نافع، وقال ابن ناجي عند كلام المدونة السابق ما نصه: وما ذكره في الكتاب مما استثناه هو المشهور. وقال ابن نافع: للزوج رد ما زاد على الثلث من قليل أو كثير. انتهى.
تنبيه قال الرهوني: قال الحطاب هنا ما نصه: تقدم في فصل الصداق عند قول المص: "فإن صدقته ففي ثلثها" عن القرافي في الذخيرة لخ ما يأتي له عن الذخيرة، وهو يفيد أن قول المص فيما مر: "فإن صدقته ففي ثلثها" ليس على إطلاقه، وكذلك فعل في النكاح فإنه قال بعد أنقال ما نصه: وَحَاصِلُه أنه إذا بعد ولم يشهد فلا يقبل قوله إذا كذبته الابنة وكذا إذا صدقته وكانت
стр. 6162
سفيهة، وإن كانت رشيدة وصدقته ففي ثلثها إذا كان على وجه العطية، وإن لم يكن على وجه العطية فقال القرافي في الذخيرة في كتاب الحجر: قال في النوادر قال عبد الملك: إذا أقرت في الجهاز الكثير أنه لأهلها جملوها به والزوج يكذبها، فإن لم يكن إقرارها بمعنى العطية نفذ أو بمعنى العطية رد إلى الثلث، وإذا كان هذا في أهلها فأحرى الأجانب. انتهى منه بلفظه. ونقله أبو علي في النكاح مقتصرا عليه وسلمه.
قلت: وما نقله عن النوادر نحوه في المفيد عن ابن حبيب ذكره في ترجمة الترشيد وأفعال السفيه من الفصل الثاني، وأعاده في ترجمة قضاء الرجل في مال ولده والمرأة في مالها من الفصل الثالث بذلك اللفظ بعينه، ونصه: وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون في المرأة تقر في كثير من جهازها أن أهلها جملوها به وصدقوها أنه يجوز إقرارها وإن زاد على ثلث مالها، إلا أن تقر على وجه العطية. قف على هذه المسألة فإنه يخرج منها أن إقرارها بالكثير من مالها لأهلها عامل إلا أن يكون على وجه العطية، وإذا جاز إقرارها لأهلها فأحرى أن يجوز إقرارها لأجنبي بالديون وغيرها، وليست كالمريض ولا المولَّى عليه. انتهى منه بلفظه.
وكلام هؤلاء يدل على أنهم فهموا قول ابن الماجشون على أنه المذهب لا مقابل، فجعل الحطاب هنا وفي ما تقدم قوله تقييدا لإطلاق المص، وتبعه أبو علي هناك موافقا لهم لكنه عندي مشكل؛ إذ لم يبينوا معنى وقوع ذلك منها على وجه الإقرار، ومعنى وقوعه على وجه العطية، والمتبادر من ظاهر عبارتهم أن معنى الإقرار أن تقول مثلا إنه أعلمني أولا بأن ذلك إنما هو على وجه العارية وعلى ذلك أخذته منه، ومعنى العطية أن تقول لا علم لي بحقيقة ما ادعاه ولكني أسلمه له الآن ولا أنازعه، فإن كان هذا مرادهم فما نقلوه عن ابن الماجشون مخالف لظاهر كلام غير واحد، ففي التوضيح ما نصه: بعض الموثقين وإن كان قيام الأب على بعد من البناء والأصل له معروف أم لا، ثم قال: فليس له ذلك وهو للابنة بطول حيازتها ولا ينفعه إقرار الابنة إذا أنكر ذلك الزوج.
ابن الهندي: إلا أن تكون خرجت من ولاية أبيها فيكون الإقرار في ثلثها وللزوج مقال فيما زاد على ثلثها. انتهى منه بلفظه. ونحوه في المتيطية والعين وغيرهما، ومثله لابن فتوح معبرا عن ابن الهندي بأحمد بن سعيد، وفي ابن عرفة عن سماع أصبغ ابنَ القاسم ما نصه: وإن ادعاه بعد طول حوزها فهو
стр. 6163
لها ولو عرف أصله له وللزوج في ذلك مقال، وطول حيازتها تقطع دعوى الأب إن أنكره الزوج، وإقرارها به لغو إن رده الزوج (ولم (١) يقيد ابن رشد فيما نقله هو وعنه ذلك بشيء). فتأمل ذلك كله. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد يعني أن المرأة إذا تبرعت بثلثها فليس لها بعد ذلك أن تتبرع بشيء آخر من مالها، إلا أن يبعد ما بين العطيتين، قال عبد الباقي: وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد ما بينهما بعام على قول ابن سهل، قيل: وهو الراجح أو ستة أشهر على قول أصبغ ونحوه لابن عرفة. انتهى. ولم يحك ابن شأس وغيره، إلا أنها إذا تبرعت بالثلث فليس لها تصرف في بقية ذلك المال الذي أخذت ثلثه، ولها ذلك في مال آخر إن طرأ لها وكأنه عنده هو المذهب لاقتصاره عليه، وظاهره سواء بعد ما بين العطيتين أو قرب وهو قول عبد الوهاب. اللخمي: وهو أحسن، وقال ابن رشد: هو الأصح يريد لأنا لو أجزنا لها ذلك لأدى إلى ذهاب مالها في كرات متعددة وهو خلاف المقصود، ونحوه للمازري لكن قال: المعروف من المذهب أنه لا يمنعها مطلقًا. انتهى. يعني في الطارئ وغيره. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: واعلم أن رد السيد وولي السفيه رد إبطال، ورد الغرماء رد إيقاف، ورد الزوج تبرع زوجته رد إيقاف بناء على قوله: فيمضي إن لم يعلم حتى تأيمت ورد إبطال على مقابله، والقاضي يقوم مقام كل من هؤلاء الثلاثة في الرد الإيقافي والإبطالي. انتهى. قال البناني: ونظم ذلك ابن غازي في نظائر الرسالة بقوله:
أبطل صنيع العبد والسفيه … برد مولاه ومن يليه
وأوقفن رد الغريم واختلف … في الزوج والقاضي كمبدل ألف
وفي نسخة: كمن به خلف وهو معنى قول عبد الباقي: والقاضي يقوم مقام لخ، وقول عبد الباقي: ورد الزوج تبرع زوجته رد إيقاف بناء على قوله فيمضي إن لم يعلم حتى تأيمت لخ لا معنى لهذا
стр. 6164
البناء، ولا يعقل أن يبنى قول من قال إن الرد إيقاف على قول من قال إن فعلها ماض؛ إذ لم يقع رد أصلا حتى تأيمت مع أن مضي فعلها إذا لم يرد حتى تأيمت متفق عليه على طريقة ابن يونس بين جميع أهل المذهب وبين المختلفين، هل رده رد إبطال أو إيقاف على طريقة ابن رشد؟ ثم الخلاف إنما هو في العتق والراجح أنه رد إبطال، ولذلك ذيلت بيتي ابن غازي تتميما للفائدة فقلت:
والزوج كالسيد والولي … في الراجح الجلي والمرضى
وذا بعتق لا على الإطلاق … فغيره يبطل باتفاق
الثاني: إنما يكون للزوج رد الجميع إذا لم يشترط عليه في العقد أنه لا يحجر عليها في ذلك، قال في مسائل النكاح من المعين ما نصه: مسألة إذا شرط لزوجهِ أن لا يمنعها القضاء في مالها فإنه يكون لها بهذا الشرط أن تعتق رقيقها وتهب لمن تشاء مالها؛ لأن شرط ذلك إذن لها فيه. انتهى منه بلفظه. فظاهره سواء كان الشرط معلقا أم لا، ويؤيده تعليله، لكن الذي في المتيطية ومختصرها لابن هارون أن ذلك مع التعليق، ونص ابن هارون: ولو شرط لها أن لا يمنعها من القضاء في مالها فإن فعل فأمرها بيدها جاز، ويكون لها بهذا الشرط أن تعتق رقابا أو تهب مالها إن شاءت ولا يعترضها في ذلك لأن اشتراط ذلك عليه إذن منه فيه. انتهى واللَّه أعلم.
الثالث: قال الرهوني: إذا علم الزوج وسكت مدة ثم أراد الرد هل له ذلك أم لا؟ ولم أر أحدا ممن تكلم على هذا المحل تعرض لذلك حتى أبا علي، وفي نوازل البيوع من المعيار أن أبا الحسن سئل عمن تصدقت زوجته وهو حاضر فلم ينكر ولم يجز ووعد بالتسليم بعد ذلك هل سكوته تجويز لفعلها أم لا؟ فأجاب إذا سكت عن الإنكار فيما تصدقت به زوجته وأَرْبَتْ على الثلث ولم يجز فله ما دامت العصمة ردُّ الجميع على مذهب ابن القاسم في المدونة، وما زاد على مذهب المغيرة فيها. ونقل عن ابن عرفة ما يخالف هذا في امرأة أبرأت من تركة أبيها إخوتها وزوجها حاضر لم يظهر منه تغيير ولا إنكار ولا يمنعه من القيام مانع، فلما كان بعد ثلاثة عشر عاما من حين الإبراء قام يطلب أن يرد ابراء الزوجة، قال ابن عرفة: إن كان عالما بالإبراء فلا قيام له وإلا
стр. 6165
حلف حيث يجب الحلف أنه لم يعلم ذلك إلى حين قام منكرا إبراءها، فحينئذ إن كان ما أبرأت منه يزيد على ثلث كل مالها يوم إبرائها لم يصح إبراؤها، وإلا صح إبراؤها وكذلك لو علم به فسكت لم يكن له رد. انتهى. قال الرهوني: ما لأبي الحسن هو الجاري على أن السكوت ليس كالإذن، وما لابن عرفة يجري على مقابله والخلاف في ذلك شهير في المذهب انبنت عليه فروع كثيرة ذات خلاف أيضًا اختلف فيها التشهير ولم تجر على سنن واحد. واللَّه أعلم بالصواب.
الرابع: إذا رد الزوج تبرع الزوجة بأكثر من الثلث فإنه لا اختلاف أنها تقضي فيه بما شاءت قبل أن تتأيم. قاله ابن رشد.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وَلما أنهى الكلام على ما أراده من أسباب الحجر وكان الحاجر يصلح في شأن المحجور، شرع في الكلام على شيء من مسائل الصلح لأن فيه إصلاح الخصمين، فقال:
стр. 6166
باب في الصلح
قال الحطاب: قال في التوضيح: قال النووي: الصلح والإصلاح والمصالحة والصِّلَاح قطع المنازعة وهو مأخوذ من صلح الشيء بفتح اللام وضمها إذا كمل وهو خلاف الفساد، يقال صالحته مصالحة وصلاحا بكسر الصاد. انتهى. ذكره الجوهري وغيره. والصلح يذكر ويؤنث. انتهى. وقال الشارح: يقال اصطلحا وتصالحا واصَّالحا وصلح الشيء بفتح اللام يصلح بضمها صلوحا مثل دخل يدخل دخولا وصلح الشيء أيضًا بضم اللام. انتهى. وقال الخرشي: والصلح لغة قطع المنازعة، وحقيقته الشرعية كما قال ابن عرفة: انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه. فقوله: انتقال عن حق يدخل فيه الإقرار والثاني صلح الإنكار. وقوله: بعوض متعلق بانتقال يخرج به الانتقال بغير عوض، وقوله: لرفع نزاع يخرج به بيع الدين، وقوله: أو خوف وقوعه يدخل فيه الصلح يكون عن إقرار وإنكار لصدق الحد عليهما والسكوت راجع إلى أحدهما كما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.
وأورد الحطاب على حد ابن عرفة أنه غير جامع لعدم شموله الصلح على بعض الحق المقر به، وتعقبه أبو حفص بأن بعض الحق حق، فيندرج في قوله: انتقال عن حق، ورد الرهوني هذا التعقب بأن ابن عرفة قيد الحق بكونه بعوض ولا عوض فيما أورده الحطاب. واللَّه تعالى أعلم.
والأصل في الصلح قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، إلى غير ذلك من الآي، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما) (١)، و (حديث: المرأة التي سألته ﵇ في فراق زوجها على أن ترد له ما أخذت فأصلح بينهما على ذلك وأخذ الصداق)، وفي البخاري: (أن كعب بن مالك كان له دين على عبد اللَّه بن (أبي) (٢) حدرد،
стр. 6167
فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فأمره النبي ﵊ أن يضع الشطر ففعل) (١): وأحاديث الصلح كثيرة وفيما قدمناه دليل واضح على جواز الصلح. انظر الشارح.
وقسم المص الصلح على ثلاثة أقسام: بيع وإجارة وهبة؛ لأن المصالح به إذا كان ذاتا فهو بيع وإن كان منفعة فهو إجارة، وإذا كان ببعض المدعى به فهو هبة وهذه الثلاثة تجري في الصلح على الإقرار وعلى الإنكار وعلى السكوت، أما الإقرار فظاهر وأما في الإنكار فبالنظر للمدعى به، وأما السكوت فهو راجع إلى أحدهما، وأما قول المص الآتي: "أو السكوت أو الإنكار" فإنما خصصهما بالذكر لانفرادهما عن صلح الإقرار بشروط ثلاثة ذكرها المص، ثم المصالح به إن كان منافع اشترط أن يكون المدعى به معينا حاضرا، ككتاب مثلا يدعيه على زيد وهو بيده فيصالحه بسكنى دار أو خدمة عبد، فلو كان المدعى به دينا في الذمة فلا يجوز أن تصالحه بمنافع لأنه فسخ دين في دين. واللَّه أعلم. قاله البناني.
وأشار المص إلى القسم الأول من أقسام الصلح بقوله: الصلح على غير المدعى بيع يعني أنه إذا ادعى عليه بشيء فأقر به ثم إنه صالحه على غيره، فإن ذلك بيع يشترط فيه شروط البيع وانتفاء موانعه، كما لو ادعى عليه بعرض معين أو بحيوان معين أو بطعام معين فأقر فيصالحه بغير العرض في الأول وبغير الحيوان في الثاني وبغير الطعام في الثالث، فإن ذلك جائز وهو بيع فيجوز عند انتفاء موانعه. وقوله: "بيع" أي حيث كان المصالح به ذاتا.
وإلى الثاني بقوله: أو إجارة يعني أنه إذا ادعى عليه بشيء معين فأقر به فصالحه عنه بمنافع كسكنى دار وخدمة عبد مدة معلومة فإن ذلك إجارة، فيجوز حيث انتفت الموانع، كانت المنفعة معينة أو مضمونة، فإن اختل شرط البيع كصلحه عن سلعة بثوب بشرط أن لا يلبسه أو لا يبيعه لم يجزت كما لو انتفت شروط الإجارة كصلحه بمنافع معينة أو مضمونة عن دين في الذمة. وقولي: بمعين، لا خصوصية للمعين بذلك، بل وكذا الدين فهو بيع أيضًا أو إجارة كما يأتي
стр. 6168
بيانه في قوله: "وعن دين بما يباع به" وقولي: فأقر به وكذا لو أنكر فهو بيع أو إجارة كما سأبينه عند قوله: "أو الإنكار".
وإلى الثالث بقوله: وعلى بعضه هبة يعني أنه إذا ادعى عليه بشيء فصالحه على بعضه فإن ذلك هبة للبعض المتروك فتلزم الواهب، ويشترط فيها قبول الموهوب له، فإن قبل في حياة الواهب صحت وإن قبل بعد موته لم تصح، وقيل: تصح بعد موت الواهب، وعبارة الخرشي: وعلى أخذ بعضه هبة للبعض الباقي فيشترط قبوله في حياة الواهب وفي قبوله بعد موته قولان، المشهور لغوه. انتهى.
قال البناني: ابن عاشر: تظهر فائدة هذا الاشتراط -واللَّه تعالى أعلم- فيما إذا قال المدعي مائة بعد إقرار المدعى عليه مع لدده أو بعد إنكاره أو سكوته: ادفع لي خمسين وأسقط لك الباقي، فلم يجبه إلى ذلك المدعى عليه فلا ينعقد الصلح فلو رضي المدعى عليه بعد لَزِمَ الصلح، واختلف إذا لم يرض حتى مات المدعي. انتهى. وعبارة عبد الباقي عند قوله: "هبة": فيشترط فيها القبول في حياة الواهب لا إبراء حتى يكون غير محتاج لقبول انتهى قال الرهوني قول عبد الباقي لا إبراء حتى يكون غير محتاج لقبول سَلَّمه التاودي والبناني وبنى عليه ما ذكره عن ابن عاشر وفيه نظرت بل هو غير صحيح لأن القول بأن الإبراء لا يحتاج إلى قبول لأشهب وهو شاذ، والمشهور وهو قول ابن القاسم في المدونة أنه يحتاج إلى القبول. انتهى المراد منه. وقال الشارح ما معناه: إنه لو ادعى عليه بشيء فصالحه على أن يدفع له بعضه ويسقط عنه بعضه فلا إشكال أن ذلك القدر الذي أبرأ ذمته منه هبة وهبها له، وذلك لازم للواهب لأنها هبة مقبوضة فيشترط فيها قبول الموهوب في حياة الواهب، وقيل يكفي قبوله بعد موت الواهب. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني لو ادعى شخص على آخر أنه سرق له عبدا مثلا فأنكر المدعى عليه فاصطلحا على مال يغرمه المدعى عليه للمدعي ثم يوجد العبد أي عند غير المتهم به فإن العبد يكون للمدعى عليه الذي غرم المال للمدعي، ولا ينتقض الصلح بظهور العبد وجد صحيحا أو معيبا. قاله ابن القاسم. انتهى. ونحوه لعبد الباقي وزاد إلا أن يقر المدعي بأنه مبطل في دعواه السرقة فللمدعي رد الصلح. انتهى. وقال ابن ناجي: قال ابن أبي زيد: إذا صالح من رُمِيَ متاعُه
стр. 6169
في البحر من لم يُرم له عَلَى شيء فأخذه جاز ولو خرج من البحر انتقض الصلح وقيل لا؛ أي لا مر عن ابن القاسم وهو في العتبية وأقيم من المدونة، وفرق بينهما بأن قولها فيه تعد يوجب تضمينها في الذمة والرمي في البحر ليس تعديا، وإنما هو شيء توجبه الضرورة فإذا زالت رجع إليه متاعه. انظر الرهوني.
الثاني: اعلم أن كل من لزمه غرم شيء من صانع ومكتر ومعار ثم وجد بعد أن غرموا فذلك لازم، ولا رجوع لواحد على الآخر إلا أن يتبين بطلان دعواه الضياع كالغاصب، ولم يكن له رده بعيب وإن كان الصلح بيعا لثقل الخصومة، وهذا غير ما يأتي في قوله: وإن رد مقوم بعيب لخ. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. قوله: ومن لزمه غرم شيء لخ، قال الرهوني: ظاهره مطلقًا، وقال شيخنا الجنوي: وَهذا إذا غرم له قيمته، وأما إذا اصطلح معه على أقل من القيمة ثم ظهر ذلك فالظاهر أن يأخذه ربه ويرد ما أخذ، إذ من حجته أن يقول إنما تركت بعض حقي ظنا مني أن ذلك ضاع من غير سببك وإشفاقا مني عليك، فأما إن ظهر فلا وما قاله ظاهر من جهة المعنى. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
الثالث: في نقل الرهوني عن ابن الحاجب: وأما الصلح على ترك القيام بالعيب فابن القاسم يرى أنه مبايعة بعد فسخ الأول، فيعتبر ما يحل ويحرم من بيع وسلف وفسخ دين في دين، وأشهب يرى البيع الأول باقيا وهذا عوض عن الإسقاط، فيعتبر ما يحل ويحرم من سلف جر منفعة وفسخ دين في دين، فمن اشترى عبدا بمائة ونقدها فصالح عن عيب بمعجل من ذلك النقد أو من العروض جاز عندهما، فلو صالح بعشرة إلى شهر منع. ابن القاسم: لأنه بيع وسلف لأنه اشترى حينئذ العبد بتسعين وأخذ العشرة وجوز أشهب لأنه عن العيب، فلو صالح قبل نقدها على تسعين ويؤخر العشرة انعكس القولان لأنه عند ابن القاسم تأجيل لبيع مستأنف وهو جائز، وعند أشهب أخره بالعشرة ليسقط العيب فهو سلف جر منفعة. انتهى منه بلفظه. قوله: من ذلك النقد أي من تلك السلعة بعينها، وقول ابن القاسم هو الراجح لأنه ورهب المدونة ورجحه بعضهم أيضا، قال في التوضيح: واختار جماعة قول أشهب لأن القيام بالعيب لا يلزم فيه حل البيع. اللخمي: وهو أقيس إذا قام بالعيب ولم يقل رددت، فإن قال: رددت فَالْجَوابُ على قول ابن
стр. 6170
القاسم، وقد نقل ابن القصار عن مالك أن قول المشتري رددت فسخ للبيع وإن لم يحكم بذلك حاكم. انتهى منه بلفظه.
الرابع: قد مر الحديث الشريف أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)، قال في التوضيح: رواه الترمذي وحسنه وعزاه غيره لابن خيارة، قال المازري: أما تحليل الصلح للحرام فمن أمثلته من صالح عن دار ادعاها بخمر أو خنزير أو غير ذلك مما لا تجوز المعاوضة به، وأما قوله: أو حرم حلالا فمن أمثلته أن يصالح عن هذه الدار التي ادعاها على أمة بشرط أن لا يطأها أو بثوب بشرط أن لا يلبسه أو لا يبيعه إلى غير ذلك من وجوه التحجير الممنوعة مع ما (يدخل) (١) في هذا المعنى من تحريم المحلل. انتهى من أول شرح كتاب الصلح من التلقين. انتهى من الحطاب.
الخامس: يشترط في الصلح أن يكون فاعله من أهل المعاملة.
السادس: يجوز الصلح عن المجهول إذا لم يقدرا على الوصول إلى معرفته، وأما إذا قدرا على الوصول إلى معرفته فلا يجوز. انظر الحطاب.
السابع: قال عبد الباقي: قول المص: "بيع أو إجارة" فيما إذا كان الصلح على إقرار وعن معين، وأما على إنكار فسيذكر له ثلاثة شروط، وإن كان عما في الذمة فسيذكره بقوله: "وجاز عن دين بما يباع به". انتهى المراد منه.
ويظهر من صنيع البناني أن قوله: "بيع أو إجارة" عام في المعين وغيره وفي الإقرار والإنكار والسكوت؛ لأنه يرجع إلى أحدهما وهو الذي قررت عليه المص، ولهذا قال البناني عند قوله: وجاز عن دين بما يباع به ما نصه: الأنسب فجاز بفاء التفريع بدل الواو. انتهى. ومعنى قول المص: "وجاز عن دين بما يباع به" أنه تجوز المصالحة عن الدين بما يجوز أن يباع به الدين، كدعواه عرضا في الذمة فيقر به أو ينكر فيصالحه بدنانير أو بدراهم معجلة أو بالجميع معجلا، وكدعواه طعاما من قرض فيصالحه عنه بنقد معجل أو بعرض معجل، ومفهومه المنع عن دين بما
стр. 6171
يمنع بيعه به، كأن يودي الصلح إلى فسخ دين في دين كمصالحته عما في الذمة بمنافع معينة أو مضمونة، وكصلحه عما في الذمة بمؤخر غير جنسه أو من جنسه وكان أكثر، أو إلى نساء في طعام كصلحه عن قمح بشعير أو عكسه مؤجل، أو إلى صرف مؤخر كصلحه عن عشرة دنانير بفضة لأجل، أو إلى بيع الطعام قبل قبضه كصلحه عن طعام من بيع بعشرة دراهم، أو إلى ضع وتعجل كصلحه عن ستة دنانير أو أثواب مؤجلة بأربعة دنانير أو أربعة أثواب نقدا، وضع وتعجل يدخل في النقد والعرض، أو إلى حط الضمان وأزيدك كصلحه عن عشرة أثواب لشهر باثني عشر نقدا وحط الضمان وأزيدك يختص بالعرض من بيع، ثم يرد الممنوع إن كان قائما وقيمته أو مثله إن فات ويرجعان للخصومة ليلا يكون تتميما للفاسد، وأراد بالجواز الإذن فلا ينافي قول ابن عرفة: الصلح من حيث ذاته مندوب وينفذ إن وقع بالمكروه ولو أدرك بحدثان قبضه. قاله مطرف.
وقال عبد الملك: يفسخ بحدثانه وينفذ مع الطول كصلحه عن دين بثمرة حائط معينة قد أزهت واشترط أخذها تمرا على أحد القولين السابقين عند قوله: "وهل المزهي كذلك" لخ، وقرر المواق المكروه بما اختلف فيه خارج المذهب لا حقيقته لأنه لا يتصور فيه فسخ مطلقًا. قاله عبد الباقي. قوله: وقرر المواق لخ. الرهوني: هذا التقرير موافق لما نقله في المفيد عن عيسى بن دينار، ولعله اللقاني؛ إذ ليس ذلك في المواق، وقد صرح ابن رشد في المقدمات بأن المشهور الفسخ إن حرم على دعوى أحدهما، مع أن أصبغ يجيزه ابتداء فلم يراع الخلاف المذهبي، فكيف بغيره. وقال البناني: وقد اشتمل كلام الزرقاني هنا على ما يتقى في الصلح من أوجه الفساد المشار إليها بقول القائل:
جَهْلًا وفَسخًا وَنَسًا وَحُطَّ ضَعْ … والبيعَ قبلَ القبض إن صالَحْت دَعْ
إلا أنه لم يذكر هنا الجهل وقدمه قبل هذا، قال في التوضيح: وكذلك تعتبر معرفة ما يصالح عنه، فإن كان مجهولا لم يجز ولذا اشترط في المدونة في صلح الزوجة عن إرثها معرفتها بجميع التركة. انتهى باختصار. لكن هذا إذا أمكن معرفة ذلك، فإن تعذرت جاز على معنى التحلل إذ هو غاية المقدور. نقله الحطاب عن أبي الحسن.
стр. 6172
وقول عبد الباقي: ويرجعان للخصومة لخ، قال البناني: هذا الذي يفيده كلام ولد ابن عاصم في شرح تحفة أبيه، ونصه: الصلح الحرام مفسوخ إن عثر عليه قبل أن يفوت، فإن فات قبل الفسخ صحَّ بالقيمة كما يصحح البيع الحرام إذا فات ثم رجع على صاحبه في دعواه الأولى إلا أن يصطلحا صلحا آخر بما يجوز به الصلح. انتهى.
الرهوني: ليس هو من كلام ابن عاصم نفسه، بل هو من كلام الأخوين في الواضحة وابن الناظم نقله عن المنتخب والشيخ ميارة وغيره، وقوله: كصلحه عن دين بثمرة حائط بعينه لخ، قال البناني: بهذا مثل أبو الحسن المكروه، وقال ابن عرفة: عن ابن رشد: المكروه ما ظاهره الفساد غير محقق كونه في جهة معينة، كدعوى كل منهما على صاحبه دنانير أو دراهم فيصطلحان على تأخير كل منهما صاحبه لأجل. انتهى.
ابن القاسم: ومن استهلك لك بعيرا لم يجز أن تصالحه على بعير مثله إلى أجل لفسخك ما وجب لك من القيمة في ذلك. قاله المواق. ويأتي هذا للمص في قوله: "وإن صالح بمؤخر عن مستهلك" لخ، وقال ابن القاسم فيمن ذبح لرجل شاة فأعطاه بالقيمة شاة أو بقرة أو فصيلا: فإن كان لحم الشاة لم يفت لم يجز إذ له أخذه فصار اللحم بالحيوان، وإن فات اللحم فجائز نقدا بعد المعرفة بقيمة الشاة نقله المواق.
وعن ذهب بورق وعكسه يعني أنه يجوز الصلح عن المذهب بالفضة وعكسه وهو الصلح بالذهب عن الفضة، كما لو ادعى عليه بمائة دينار فأقر بها أو أنكر وصالحه عنها بفضة، وكذا العكس إن حلا يعني أن محل الجواز في المسألتين حيث حلَّا أي المصالح عنه والمصالح به، ومعنى الحلول في المصالح عنه أن يدعي عليه بالحال ويقر له به أو ينكر، ومعنى الحلول في المصالح به أن لا يشترط تأخيره.
وعجل يعني أنه يشترط في الجواز أيضًا أن يعجل المصالح به بالفعل، وَحَاصِلُ هذا أنه يشترط في الصالح به أمران: أحدهما الحلول وهو أن لا يشترط تأخيره وأن يعجل بالفعل، فالضمير في عجل للمصالح به، وأنه يشترط في الصالح عنه الحلول فإن لم يحل المصالح عنه لم يجز الصلح، ومعنى الحلول فيه ظاهر ولو لم يحل المصالح به، فإن اشترط تأخيره لم يجز الصلح أيضًا ولو
стр. 6173
حل، فإن لم يشترط تأخيره لكن لم يعجل لم يجز أيضًا، ولم يكتف المص بالتعجيل عن الحلول لأن الشيء قد يعجل ولم يكن حالا وقد يحل ولا يعجل، فلذا لم يستغن بالحلول عن التعجيل، وعدم الجواز هنا ينشأ عنه فساد الصلح كما صرح به عبد الباقي.
قال عبد الباقي: ومفهوم كلامه عدم اشتراط ذلك في صلحه عن ذهب بمثله وعن ورق بمثله، وإنما يشترط أن يكون الصلح عن إقرار وإلا كان فيه سلف جر نفعا، ومثل ذلك الصلح عنهما بعرض. انتهى. قوله: ومثل ذلك الصلح عنهما بعرض أي فيشترط تعجيل العرض، وهذا صحيح إذا كانت الدعوى في ورق أو ذهب في الذمة؛ لأن في عدم تعجيل العرض فسخَ دين في مؤخر، أما لو كانت الدعوى في ذهب أو ورق معينين فلا يشترط تعجيل العرض بل يجوز كونه موصوفا في الذمة، بخلاف الصلح بذهب عن ورق وعكسه فلابد من التعجيل فيه مطلقًا. قاله البناني.
كمائة دينار ودرهم عن مائتيهما مثال لقوله: "وعلى بعضه هبة"، وقوله: "ودرهم" عطف على مائة أي درهم واحد، يعني أنه لو ادعى عليه بمائة دينار ومائة درهم، فأقر له بالمائتين وصالحه عنهما بمائة دينار ودرهم واحد فإن ذلك جائز لأنه ترك تسعة وتسعين درهما، وَتَبرَّكَ المص بلفظ المدونة وإن كان الأوضح كدرهم ومائة دينار عن مائتيهما. ابن يونس: وسواء أخذ منه الدرهم نقدا وأخره به، أو أخذ منه المائة دينار نقدا وأخره بها لأنه لا مبايعة هنا، وإنما هو قضاء وحطيطة فلا تهمة في ذلك، ولو كانت المائة دينار والمائة درهم لم تحل لم يجز لأنه ضع وتعجل. انتهى.
فقول التتائي: فيشترط الحلول والتعجيل مخالف لما لابن يونس من أنه لا يشترط التعجيل إن كان عن إقرار، فكلام المص ظاهر حيث صالح بمعجل مطلقًا أو بمؤجل والصلح عن إقرار، فإن صالح عن إنكار امتنع لأنه لا يجوز على ظاهر الحكم ومفهوم قوله: "ودرهم" أنه لو أخذ مائة دينار ودينارا نقدا جاز؛ لأن المائة قضاء والدينار بيع بالمائة درهم، فإن أخذ المائة وتأخر الدينار لم يجز لأنه صرف مستأخر، ولو نقد الدينار وأخر المائة لم يجز لأنه صرف مؤخر أيضًا. قاله عبد الباقي. إلا لأنه صرف مؤخر فإنها للبناني. واللَّه تعالى أعلم.
وعلى الافتداء من يمين يعني أن المدعى عليه يجوز له أن يصالح عن اليمين المتوجهة عليه، فيفتدي منها بمال ولو علم براءة نفسه فالمصالح عليه إعطاء المال عن اليمين والمصالح عنه الحلف
стр. 6174
هذا ما تقتضيه عبارة المص، وقولي: ولو علم براءة نفسه هو ظاهر المص كما هو ظاهر المدونة. ابن ناجي: وهو المعروف خلافا لمن منعه حيث علم براءة نفسه. قاله عبد الباقي. قوله: ولو علم براءة نفسه رد على ابن هشام في قوله: إن علم براءة نفسه وجبت اليمين ولا يصالح لأربعة أمور: مِنْهَا أن فيه إذلال نفسه، وقد قال ﵊: (أذل اللَّه من أذل نفسه)، وَمِنْهَا أن فيه إضاعة المال، وَمِنْهَا أن فيه إغراء للغير، وَمِنْهَا أنه أطعمه ما لا يحل. انتهى.
وَرُدَّ عليه نقلا ومعنى، أما نقلا فإن أبا بكر وعمر حلفا وعثمان صالح عن يمينه ومعلوم كذب من ادعى عليهم رضي اللَّه تعالى عنهم والأمران جائزان، وَأَمَّا معنى فلأن ما استدل به لا ينهض حجة لأن في صلحه إعزاز نفسه لأن الحلف يزري به عند العوام وهم أكثر الناس ولاسيما ذو المال الكثير ولم يضيع ماله بل ادخره، وكونه أطعمه مالًا حراما وأغراه بالغير ليس باختياره وإنما هو مضطر إليه وظلم هو نفسه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية، قال الحطاب: وجعل الشارح كلام ابن هشام تقييدا وجزم به في شامله وهو غير ظاهر، ولم أر شيئًا يعارض هذا الإطلاق بل ما رأيت إلا ما يقويه. انتهى. قال الرهوني: اعتراضه على الشارح صحيح. انتهى. وقال المواق من المدونة: من لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز. ابن عرفة: قيدها غير واحد بمعنى الصلح على الإنكار فيما يجوز وما لا يجوز. انتهى.
أو السكوت يعني أنه يجوز الصلح عن مقتضى السكوت أي ما يترتب عليه من حبس وتعزير وهو على قول مالك وابن القاسم كالإقرار وهو المشهور، وقول ابن محرز الآتي مقابل، وعند ابن محرز كالإقرار والإنكار فيعتبر فيه ما فيه من الشروط الثلاثة الآتية، فإذا ادعى عليه بدينار فسكت فصالحه على دراهم مؤخرة امتنع على مذهب الإمام مالك وابن القاسم؛ لأنه صرف مؤخر ويمتنع أيضًا على قول ابن محرز الذي جعله كالإنكار لأنه صرف مؤخر على دعوى المدعي، وإذا ادعى عليه بعشرة أرادب من قرض فسكت فصالحه على دراهم جاز على مذهب الإمامين لأن حكمه عندهما حكم الإقرار، ويجوز عند ابن محرز أيضًا.
تنبيه: هذا المثال الذي ذكرت أنه يجوز على قول الإمامين وابن محرز جوازه عند الثلاثة صرح به البناني، ومنعه عبد الباقي قائلا: لاحتمال أن يقر المدعى عليه بعد ذلك بأنها من سلم وناقشه
стр. 6175
البناني بقوله: فيه نظر؛ لأنا إن نزلنا السكوت منزلة الإقرار فالمدعى عليه موافق للمدعي، وإن نزلناه منزلة الإنكار على قول ابن محرز واعتبرنا فيه الشروط الثلاثة فلا دعوى للمدعى عليه بحال، فلا يعتبر فيه منع من جهته كما صرح بذلك بعده، إذ قال: فإن لم يُجِب بشيء فالشرط أن يجوز على دعوى المدعِي فقط. انتهى. وأما مجرد الاحتمال فلا عبرة به تأمله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
أو الإنكار يعني أنه يجوز الصلح على الإنكار وهذا باعتبار عقده في الظاهر، وأما في باطن الأمر فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام كما يذكره وإلا فحلال، ويشترط في جواز الصلح على الإنكار -ويدخل فيه الافتداء من يمين- ثلاثةُ شروط عند مالك وهو المذهب، أشار لاثنين منها بقوله: إن جاز على دعوى كل أي يشترط أن يكون جائزا على دعوى المدعي، ويشترط أيضًا شرط ثان وهو أن يجوز على دعوى المدعى عليه، قال عبد الباقي: وإطلاق الدعوى عليه مجاز إذ معناه: قال ليس عندي ما ادعى به علي فهذان شرطان، وَمَحَلُّ كلامه إن أنكر المدعى عليه خصوص ما ادعى به وأجاب بغيره، فإن لم يجب بشيء فالشرط أن يجوز على دعوى المدعي فقط. انتهى. وهو صريح في أن السكوت على أنه كالإنكار لا يعتبر فيه دعوى من جهة المدعى عليه؛ إذ لم يدع شيئًا وإنما يعتبر فيه دعوى المدعي فقط.
والشرط الثالث جوازه على ظاهر الحكم، قال البناني: الظاهر أن المراد بالحكم ما يطرأ بينهما في المخاصمة ومجلس الفصل. انتهى. وليس المراد به حكم القاضي، وهذه الشروط الثلاثة اعتبرها مالك وهو المذهب كما عرفت، واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط وأصبغ أمرا واحدا وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد،
مِثالُ المستوفي للشروط الثلاثة أن يدعيَ عليه بعشرة حالة فأنكرها أو سكت فيصالحه عنها بثمانية معجلة أو بعرض حال،
وَمِثَالُ ما يجوز على دعواهما ويمتنع على ظاهر الحكم فقط أن يدعي بمائة درهم حالة فيصالحه على أن يؤخره بها إلى شهر أو على خمسين يدفعها له عند حلول الشهر، فالصلح صحيح على دعوى كل لأن المدعِيَ أخر صاحبه أو أسقط عنه بعض حقه وأخره، والمدعى عليه افتدى من
стр. 6176
اليمين بما التزم أداءه عند الأجل، ولا يجوز على ظاهر الحكم لأنه سلف جر منفعة، فالسلف التأخير والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه فيسقط جميع المال المدعى به، فهذا ممنوع عند الإمام وجائز عند ابن القاسم وأصبغ.
وَمِثَالُ ما يمتنع على دعواهما أن يدعيَ عليه بدراهم وطعام من بيع فيعترف بالطعام وينكر الدراهم، فيصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو يعترف بالدراهم، ويصالحه على دنانير مؤجلة أو على دراهم أكثر من دراهمه، فحكى ابن رشد الاتفاق على فساده ويفسخ لما فيه من السلف بزيادة والصرف المؤخر،
وَمِثَالُ ما يمتنع على دعوى المدعي وحده أن يدعيَ بعشرة دنانير فينكرها ثم يصالحه على مائة درهم إلى أجل، فهذا ممتنع على دعوى المدعي وحده إذ لا يجوز له أن يأخذ دراهم مؤجلة عن دنانير، ويجوز ذلك على إنكار المدعى عليه لأنه إنما صالح على الافتداء من يمين وجبت عليه فهذا ممتنع عند مالك وابن القاسم وأجازه أصبغ إذ لم تتفق دعواهما على فساد.
وَمِثالُ ما يمتنع على دعوى المدعى عليه وحده أن يدعي بعشرة أرادب قمحا من قرض، وقال الآخر: إنما لك عليَّ خمسة من سلم وأراد أن يصالحه على دراهم ونحوها معجلة فهذا جائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ويمتنع على دعوى المدعى عليه لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه فهذا يمتنع عند مالك وابن القاسم. قاله عبد الباقي. أي ويجوز عند أصبغ، ولمصطفى هنا كلام رده البناني، فظهر أن الصواب ما مثل به هنا عبد الباقي وغيره. واللَّه تعالى أعلم.
وَلَا يحل لظالم يعني أن المصالح به لا يحل للظالم من الخصمين لأخذه ما ليس له، فلا يحل له ما أخذ فيما بينه وبين اللَّه بل ذمته مشغولة به، وظاهره ولو حكم به حاكم يراه وهو ظاهر؛ إذ قوله: "للظالم" يشعر بأن الحكم وقع فيما ظاهره يخالف باطنه، فهو موافق لقوله في القضاء: لا أحل حراما، وأما ما ظاهره كباطنه فإنه يحل الحرام كما يأتي بيانه في القضاء، ثم فرع على قوله: "ولا يحل لظالم" فروعا ثمانية، قال الخرشي: ستة يسوغ للمظلوم نقض الصلح فيها اتفاقا أو على المشهور، واثنتان لا ينقض فيهما اتفاقا أو على المشهور.
стр. 6177
وإلى الأول أشار بقوله: فلو أقر بعده يعني أن الظالم من مدع أو مدعى عليه إذا أقر بعد وقوع الصلح ببطلان دعواه في الأول وبما ادعيَ به عليه في الثاني، فإن للمظلوم نقض الصلح فيرد المدعي للمدعى عليه في أخذ منه في الأول، ويعطي المدعى عليه للمدعي جميع ما أقر له به في الثاني، وهذا مما لا خلاف فيه لأنه كالمغلوب على الصلح وله إمضاؤه، وظاهر المص أن له النقض ولو كانت له بينة يعلمها وهو كذلك، وظاهره أيضًا ولو أشهد على نفسه أنه أسقط البينة وهو كذلك. انظر الرهوني.
أو شهدت بينة لم يعلمها هذا هو الفرع الثاني من الفروع الثمانية؛ يعني أنه إذا شهدت بينة للمظلوم والحال أنه لم يعلم بها حين الصلح قربت أو بعدت فإن له أن ينقض الصلح مع يمينه أنه لم يعلمها ويرجع بماله على الظالم، قال عبد الباقي: وهذا متفق عليه، وقال البناني: بل هو مختلف فيه. واللَّه تعالى أعلم. قوله: "أو شهدت بينة لم يعلمها" قال البناني: هذا مقيد بأن يقوم له على الحق شاهدان، فإن قام له شاهد واحد وأراد أن يحلف معه لم يقض له بذلك. قاله الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ، نقله القلشاني وابن ناجي في شرح الرسالة. انتهى.
قوله: هذا مقيد بأن يقوم له على الحق شاهدان لخ، قال الرهوني: هذه المسألة شبيهة بمن قام بالحجة بعد أن حلف خصمه، وقد نقل البناني فيما يأتي عند قوله في القضاء: "إلا لعذر" عن مصطفى عن ابن عرفة مثل ما ذكره هنا، ثم ذكر بعده كلام ابن ناجي فانظره فيما يأتي. والظاهر أن ماله هناك يجري هنا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وكلام البناني الذي أشار إليه الرهوني عند قول المص: "إلا لعذر" هو في نصه: مصطفى: أي فله القيام بالبينة إلا بالشاهد الواحد. ابن عرفة: لو وجد شاهدا واحدا، فقال الأخوان وابن عبد الحكم وأصبغ لا يحلف معه ولا يقضى إلا بشاهدين. انتهى.
قلت: قال ابن ناجي عند قول المدونة: وإن حلف المطلوب ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضِيَ له بهافي نصه: وظاهر قوله ثم وجد بينة وإن كانت واحدا ويحلف معه وهو كذلك عند ابن القاسم وغيره، وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس له ذلك لأنه يسقط يمينا قد درأ بها حقا بيمينه مع شهيده، ولكن إذا أتى بشاهدين وكلاهما ذكره اللخمي ولم يذكر أبو محمد وابن
стр. 6178
يونس وغيرهما غير القول الثاني معزوا لابن حبيب عن الأخوين وابن عبد الحكم وأصبغ، وبه حكم ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة بتونس. انتهى.
وقد اقتصر ابن عرفة على الثاني أيضًا ولم ينتبه لما نقله اللخمي عن ابن القاسم الذي هو ظاهرها. انتهى. كلام البناني. وحاصل ما للرهوني أن المسألتين مشتبهتان، وأن البناني نقل في مسألة الصلح هذه عن ابن ناجي في شرح الرسالة أن الشاهد الواحد لا يقام به، ونقل عنه في شرح المدونة هذا، ومقابله عن ابن القاسم أنه يقام بشاهد واحد وهو ظاهر المدونة فيجري في هذه أيضًا قول ابن القاسم الذي هو ظاهر المدونة حسبما ظهر له. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قال الحطاب: إذا انعقد الصلح على وجه جائز وأرادا نقضه والرجوع إلى الخصومة لم يجز ذلك لا فيه من الانتقال عن المعلوم إلى مجهول. انتهى.
وأشار إلى الفرع الثالث بقوله: أو أشهد وأعلن أنه يقوم بها يعني أن أحد الخصمين له نقض الصلح فيما إذا صالح، وله بينة يعلمها غائبة بعيدة كما في توضيحه، زاد المواق: بعيدة جدا كإفريقية من المدينة أو من مكة أو الأندلس من خراسان، والحال أنه أشهد أنه يقوم بها وأعلن بالإشهاد أي أظهره عند الحاكم وهذا متفق عليه، وأما إن علم بها وقت الصلح وقربت أو بعدت لا جدا فليس له القيام بها ولو أشهد وأعلن أنه يقوم بها، وقول المص: "وأعلن" يأتي مفهومه قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
وأشار إلى الفرع الرابع بقوله: أو وجد وثيقة بعده يعني أنه إذا صالحه عن إنكار لعدم وثيقته ثم وجد بعد الصلح وثيقته، وقد كان أشهد وأعلن أنه يقوم بها فله القيام بها فينقض الصلح وهذا متفق عليه أيضًا، قال الخرشي: وأما إن نسيها حال الصلح ثم وجدها فإنه يحلف ويقوم بها كالبينة التي لم يعلمها. انتهى. ويأتي قريبا مثله عن عبد الباقي، ويأتي البحث فيه.
وعلم مما قررت أن قوله: فله أي للمظلوم نقضه أي نقض الصلح جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الأربع، قال عبد الباقي: أو صالح على إنكار لعدم وثيقته ثم وجد وثيقته بعده، وقد
стр. 6179
كان أشهد أنه يقوم بها إن (وجدها) (١) فله نقضه اتفاقا وله إمضاؤه، فإن نسيها حال الصلح ثم وجدها فله نقضه أيضًا والقيام بها مع يمينه أنه لم يعلمها كما تقدم في البينة التي لم يعلمها. انتهى. قوله: مع يمينه أنه لم يعلمها لم يبين وقت الحلف، وقد بينه المتيطى ونقل كلامه في الدر النثير، وذكره ابن عرفة عنه وعن ابن فتوح، ونصه: المتيطى وابن فتوح: إن ذكر في الصلح إسقاط البينة فلا قيام له بها ولو لم يكن علمها، وإن لم يذكره فله القيام بما لم يعلمه حين الصلح بعد حلفه ما كان عالما بها، وحلفه هذا إنما يكون بعد قيامه بالبينة وقبولها؛ لأنه لو حلف قبل قبولها ثم ردت لم يُعَدَّ شيئًا إلا أن يكون في (الخصام) (٢) إتعاب المطلوب، بحيث (يرفعه) (٣) عن شغله إلى الخصومة وأداء البينة على عينه، فالقياس إحلاف الطالب قبل تمكينه من إتعاب خصمه. انتهى قاله الرهوني. وقال: قوله: "إن نسيها" حال الصلح لخ لا يصح هذا القياس؛ لأن جهل البينة ضذر في الحيازة والنسيان ليس بعذر فيها لخ.
تنبيه: ظاهر قول المص: "فله نقضه" ولو وقع بعد الصلح إبراء عام وعليه الناصر اللقاني وشيخه برهان الدين اللقاني، فيقيد قوله الآتي: "وإن أبرأ فلانًا مما له قبله برئ مطلقًا" لخ، بما إذا أبرأه من جميع الحق، وأما إن أبرأه مع الصلح على شيء ثم ظهر خلافه فلا يبرأ أي لأنه إبراء على دوام صفة الصلح لا إبراء مطلق، فلما لم يتم وجعل الشرع له نقضه لم ينفعه إبراؤه وبهذا سقط ما عسى أن يقال إذا أبرأه من جميعه صح وبرئ فأولى من بعضه، وجوابه ما علم من أنه إبراء من بعضه معلق على تمام الصلح. وقال أحمد: ظاهر قوله: "فلو أقر بعده" سواء كان هناك براءة أم لا، والذي ينبغي أن يقال إن وقع الصلح بشرط البراءة فلا عبرة بها أي بالبراءة لأنها كالصلح، وإن وقع لا بشرط البراءة ثم وقعت فهي معتبرة وليس له كلام بعدها. انتهى. قاله عبد الباقي.
وأشار إلى الفرع الخامس بقوله: كمن لم يعلن هذا مفهوم قوله: "أو أعلن" يعني أن من ادعى على شخص بشيء معلوم فأنكره فأشهد سرا أن له بينة غائبة بعيدة الغيبة وأنه إنما صالح لأجل بعد
стр. 6180
غيبة بينته وأنه إن قدمت قام بها والحال أنه لم يعلن في الإشهاد عند الحاكم ثم صالحه ثم قدمت بينته، فله القيام بها وينقض الصلح كمن أشهد وأعلن. قاله الخرشي. وغيره وهذا رواه عن ابن القاسم أصبغ، ومقابله أنه ليس له نقض الصلح والأول، قال المص: إنه الأحسن. قال الرهوني: وأشار المص -واللَّه أعلم- بقوله: "على الأحسن" بالنسبة إلى قوله: "كمن لم يعلن" إلى ترجيح غير واحد من المحققين له باقتصارهم عليه؛ إذ الاقتصار على قول واحد ترجيح له لا محالة، بل هو أقوى من ذكر الخلاف مع اختيار بعضه ثم جلب النقل. واللَّه تعالى أعلم.
وأشار إلى السادس بقوله: أو يقر سرا فقط يعني أن المدعى عليه إذا كان يقر بالحق سرا ويجحد علانية خوف أن يطلبه به عاجلا أو يحبسه مثلا، فأشهد المدعي بينة على جحده علانية ثم صالحه على تأخير الحق المدعى به سنة مثلا وقد أشهد المدعي قبل الصلح وبعد الإشهاد على الإنكار كما لابن عرفة بينة لا يعلمها الجاحد، أنه إنما يصالحه على التأخير ليقر له بحقه علانية، وإن لم يشهد البينة أنه غير ملتزم للتأخير، فإن له أن ينقض الصلح عند إقرار المدعى عليه بالحق علانية. هذا قول سحنون. ومقابله لمطرف، والأول هو الأحسن لفتوى بعض أشياخ شيخ المص بذلك.
وقوله: "أو يقر" برفع يقر أي وكمن يقر له المدعى عليه سرا فقط والدعى عليه في هذه مقر حين عقد الصلح، ولذلك لم يمكن المدعي من نقض الصلح إلا بتقديم بينة الاسترعاء لاحتمال أن يكون أقر له قبل عقد الصلح، ووقع الصلح من المدعي طوعًا خلاف قوله في الأولى: فلو أقر بعده فإن المدعى عليه فيها حين عقد الصلح منكر، فإقراره بعده يوجب للمدعي نقض الصلح من غير احتياج لاسترعاءٍ. واللَّه تعالى أعلم. قاله البناني.
وعلم مما مر تصريحا أن قوله: على الأحسن راجع للمسألتين، وقد بان لك وجه الترجيح للقول بنقض الصلح في المسألتين.
تنبيه: قال عبد الباقي: وهذه البينة التي أشهدها المدعي بعد إنكار المدعى عليه، تسمى بينة استرعاء أي إيداع الشهادة، فإن أشهدها أنه ليس ملتزما للتأخير أو إسقاط بعض حقه فهو استرعاء في استرعاء. قال ابن عرفة: وشرطه أي الاسترعاء تقدمه على الصلح فيجب تعيين وقته
стр. 6181
بيومه، وفي أي وقت من يومه خوف اتحاد يومهما أي وقتهما، فإن اتحدا دون تعيين جزء اليوم لم يفد استرعاؤه، وشرطه أيضًا إنكار المطلوب ورجوعه في الصلح إلى الإقرار، فإن ثبت إنكاره وتمادى عليه لم يفد استرعاؤه، فقول العوام: صلح المنكر إثبات لحق الطالب جهل. انتهى. باختصار.
قوله: فإن أشهد أنه ليس ملتزما للتأخير أو إسقاط بعض حقه فهو استرعاء في استرعاء، قال البناني: فيه نظر، بل الاسترعاء في الاسترعاء كما ذكره ابن غازي هو أن يقول في استرعائه: متى أشهد على نفسه بإسقاط البينة المسترعاة فهو غير ملتزم لذلك. قال ابن عرفة: فهذا لا يضره إسقاطه في الصلح استرعاءه، فإن لم يذكر في استرعائه ذلك كان إسقاطه في صلحه الاسترعاء مسقطا لاسترعائه، وإذا قلت في الصلح إنه قطع الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء، وقد قال في استرعائه: (إنه) (١) متى أشهد بقطع الاسترعاء فهو غير ملتزم له لم يفده؛ إذ لا استرعاء في الاسترعاء، زاد المتيطى: وقاله غير واحد من الموثقين وفيه تنازع والأحسن ما قدمناه. انتهى من ابن عرفة.
تنبيه: قال أبو الحسن في شرح قولها في النكاح الثاني: وإن أظهرا مهرا وأسرا دونه أخذا بما أسرا ما نصه: الاسترعاء إما أن يكون في المعاوضات أو في التبرعات، فإن كان في المعاوضات فلابد من إثبات التقية، أو في التبرعات فإنه يصدق وإن لم يثبت التقية ويكفيه مجرد الاستحفاظ فإن لم يستحفظ وادعى بعد العقد التقية، فإن أثبت التقية قبل قوله من غير استحفاظ ولو كان الاستحفاظ لكان أتم، ولا فرق في هذا بين التبرعات والمعاوضات. انتهى بلفظه. انتهى كلام البناني.
قول البناني: زاد المتيطى وقاله غير واحد لخ، قال الرهوني: ما نسبه لابن عرفة هو كذلك فيه، وما نقله ابن عرفة عن المتيطى مثله في اختصار ابن هارون كذا وجدته فيه وكذا نقله أبو علي، وقوله: والأحسن ما قدمناه أي من أنه لا ينفعه استرعاؤه وذلك خلاف ما نقله ابن غازي هنا في
стр. 6182
شفاء الغليل وفي تكميل التقييد، فإنه لم ينقل عن المتيطى والأحسن ما قدمناه بل جعل الأحسن متعلقا بما بعده. فقال ما نصه: زاد المتيطى وقاله غير واحد من الموثقين وفيه تنازع، والأحسن في هذا كله أن يُقِرَّ أن كلّ بينة تقوم له بالاسترعاء فهي ساقطة كاذبة، وإقراره أيضًا أنه لم يسترع ولا وقع بينه وبينه شيء يوجب الاسترعاء فإن ذلك يسقط دعواه ويخرج به من الخلاف إن شاء اللَّه تعالى؛ لأنه يصير مكذبا لبينته ومبطلا لها هذا من دقيق الفقه. انتهى منه بلفظه.
وقد أسقط ابن فرحون في تبصرته من كلام المتيطي، والأحسن ما قدمناه وهو موافق لابن غازي، فابن عرفة وابن هارون كل منهما لم يستوف كلام المتيطى في نهايته، واختصراه اختصارا مخلا ثم في اقتصار أبي علي والبناني على ما نقلاه هنا نظر؛ لأنهما سلما قول المص في الخلع ولا يضرها إسقاط البينة المسترعاة على الأصح والانتفاع بذلك هو الذي اختاره ابن راشد كما في الحطاب هنا، وإلى اختياره أشار المص هناك بالأصح، وعليه اقتصر ابن عات في طرره ونقله عن الاستغناء، ونصه: قال الموثق في غير الوثائق: متى عقد على نفسه قطع الاسترعاء في الاسترعاء، وذكر في استرعائه أنه إن قطع عن نفسه الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء إلى أقصى تناهيه، فإنما يفعله للضرورة إلى ذلك وأنه غير قاطع لشيء من ذلك كله وراجع في حقه فله ذلك، ولا يضره ما أشهد به على نفسه من قطع ذلك كله. من الاستغناء. انتهى منها بلفظها.
وذكره ابن فرحون في تبصرته بالمعنى، ثم ذكر بعده كلام المتيطى إلى قوله: وفيه تنازع، وقال متصلا به ما نصه: وما قاله في الطرر أصح في النظر لأنه ألجأه إلى الصلح بإنكاره والمكره لا يلزمه شيء، وقول البناني (في أبي) (١) الحسن: وإن كان في التبرعات فإنه يصدق لخ، قد نص على هذا المتيطى وضيره. انتهى المراد من كلام الرهوني. ثم قال: انظر هل لابد من ذكر السبب بأن يقول إنما أفعله خوفا مثلا أو لا يحتاج إلى ذلك أصلا؟ بل يكفيه أن يقول ما أفعله من الهبة فأنا غير ملتزم له مثلا؟ لم أر في ذلك نصا صريحا، وظاهر كلامهم هو الأول. انتهى.
стр. 6183
ولما ذكر السائل التي له النقض فيها ذكر فرعين ليس له النقض فيهما، فقال: لا إن علم بينة ولم يشهد هذا مفهوم قوله: "أو شهدت بينة لم يعلمها" وهو الفرع السابع، يعني أنه إذا ادعى شخص على آخر بدين فأنكره ثم صالحه عليه وله بينة يعلمها حين الصلح ولم يشهد أنه يقوم بها، فإنه لا قيام له ببينته فليس له أن ينقض الصلح، سواء كانت بينته حاضرة أو غائبة غيبة قريبة أو بعيدة ولو لم يصرح بإسقاطها. قال عبد الباقي: لا إن علم المصالح على إنكار ببينة شاهدة له على المنكر ولم يشهد قبل صلحه أنه يقوم بها، فليس له القيام بها ولو غائبة بعيدة وليس له نقضه لأنه كالتارك لها حين الصلح لقوة أمر الصلح، ولأنه بيع أو إجارة أو هبة بخلاف ما يأتي من أن المدعي إذا استحلف المدعى عليه وله بينة غائبة غيبة بعيدة، فإن له القيام بها وإن كان عالما بها ولم يشهد أنه يقوم بها للفرق المذكور مع ضعف أمر الاستحلاف. انتهى.
وأشار إلى الفرع الثامن بقوله: أو ادعى ضياع الصك فقيل له حقك ثابت فأت به فصالح ثم وجده يعني أنه إذا ادُّعِيَ على شخص بحق فأقر له به المدعى عليه، وقال له: حقك ثابت فأت بالصك لِنَمْحُوَ ما فيه فتأخذ حقك فقال ضاعت مني وأنا أصالحك، فصالحه ثم وجد الوثيقة بعد ذلك فإنه لا قيام له ولا ينقض الصلح اتفاقا، والفرق بين هذه والتي قبلها أن غريمه في هذه معترف وإنما طلبه بإحضار صكه ليمحُوَ ما فيه، فقد رضي بإسقاطه أي صكه واستعجال ما صالحه عليه والأول منكر للحق، وقد أشهد أنه إنما صالح لضياع صكه فهو بمنزلة من صالح لغيبة بينته الغيبة البعيدة فله القيام بها عند قدومها. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهان: الأول: اعلم أن هذه المسائل الثمان التي ذكر المص هنا أربع منها متفق عليها وأربع منها مختلف فيها، قال في التوضيح: وهنا ثمان مسائل أربع متفق عليها وأربع مختلف فيها، فأما المتفق عليها فَالأُولَى إذا صالح ثم أقر وَالثَّانِيةُ إذا أشهد وأعلن وَالثَّالِثةُ إذا ذكر ضياع صكه ثم وجده بعده فهذه الثلاث اتفق فيها على القبول، وَالرَّابعَةُ إذا ادعى ضياع الصك فقيل له حقك ثابت فأت به فصالح ثم وجده فلا رجوع له باتفاق، وَأمَّا الأربع المختلف فيها فهي إذا غابت بينته وأشهد سرا أَوْ شَهِدَت بينة لم يعلمها والمشهور في المسألتين القبول، وَالثَّالِثةُ إذا صالح وهو
стр. 6184
عالم ببينته والمشهور فيها عدم القبول، وَالرَّابعَةُ من يقر سرا ويجحد علانية وذكر الخلاف. انتهى باختصار. انتهى.
قوله في الثالثة المتفق عليها إذا ذكر ضياع صكه ظاهره وإن لم يشهد بذلك ولم يعلن، قال الرهوني: محل الاتفاق إذا أشهد بذلك وأعلن وقد مر هذا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله في الثالثة المختلف فيها إذا صالح وهو عالم ببينته والمشهور فيها عدم القبول، قال الرهوني: ظاهره كانت قريبة أو بعيدة وليس كذلك، بل محل الخلاف في البعيدة وأما القريبة فلا قيام له بها اتفاقا. انتهى.
الثاني: قوله: "لا إن علم ببينة ولم يشهد" قال الشارح: هذا مذهب المدونة، وذكر ابن يونس وغيره فيها قولين هذا أحدهما والثاني أن له ذلك. وعن إرث زوجة من عرض وورق وذهب بذهب يعني أن الميت إذا ترك ذهبا وفضة وعرضا فإنه يجوز لزوجته أن تصالح عن إرثها من ذلك بذهب من عين التركة ولابد أن يكون ذلك الذهب الذي أخذت من التركة في الصلح قدر ما ترث من ذهب التركة الحاضر أو أقل، قلت الفضة أم لا، وكذا يجوز لها أن تصالح بفضة من عين التركة قدر ما ترث من فضة التركة أو أقل قل الذهب أم لا، ومثل الزوجة غيرها من الورثة، وإنما خص الزوجة تبعا للفظ المدونة، ولأن حصول المنازعة منها أكثر لأنها أجنبية غالبا. وإلى ما ذكرته من أنه لابد أن يكون الذهب قدر ما ترثه من ذهب التركة أو أقل أشار بقوله: قدر مورثها أي يجوز لها أن تصالح عن إرثها بذهب قدر مَوْرثها بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراءِ المهملة منه؛ أي من ذهب التركة الحاضر كصلحها على عشرة دنانير والذهب ثمانون حاضرة، أو على خمسة والذهب أربعون حاضرة، فإن صولحت بعشرة من عين التركة وحضر من الثمانين أربعون أو بخمسة عن الأربعين وحضر بعضها لم يجز. وقوله: "بذهب من التركة قدر مورثها منه" أي وكذلك الفضة يجوز أن تصالح هي أو غيرها من الورثة عن إرثها من ذلك بفضة من عين التركة قدر ما ترثه من فضة التركة أو أقل.
стр. 6185
فأقل أي لابد أن تكون العين المأخوذة في الصلح قدر ما ترثه من عين التركة فأقل، فإن أخذت الذهب في الصلح فلابد أن يكون قدر إرثها من ذهب التركة فأقل والفضة كذلك، وقد علمت أن غيرها من الورثة كذلك.
وأما إن أخذت من الذهب أو من الفضة أكثر مما ترثه من ذلك فهو ما أشار إليه بقوله: أو أكثر إن قلت الدراهم يعني أنها إذا أرادت أن تأخذ في الصلح من الذهب أكثر مما ترثه من ذهب التركة فإن ذلك إنما يجوز إن قلت دراهم التركة التي تخصها بأن لم تبلغ صرف دينار، وأما إن لم تقل بأن بلغت صرف الدينار فأكثر فإن ذلك لا يجوز لاجتماع البيع والصرف في أكثر من دينار. وقوله: "إن قلت الدراهم" يعني أو قلت العروض التي تخصها بأن لم تبلغ قيمتها دينارا وحضرت، وكذا الحكم لو أخذت من فضة التركة أكثر مما ترثه فإنما يجوز ذلك إن قل ما ينوبها من الذهب بأن لم يبلغ دينارا، أو قلت العروض التي تخصها عن قيمة دينار كما يؤخذ من كلام غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. وهذا تقرير المص بحسب ظاهره.
وَالتَّحْقِيقُ في قوله: أو أكثر أنه إن كان الزائد دينارا فقط جاز قلت الدراهم أو العروض أم لا، وإن زاد على دينار جاز إن قلت الدراهم أو العروض وإلا فلا. واللَّه تعالى أعلم. قال الرهوني عن شيخه الجنوي: كلام المص غير تام، وحاصل الفقه أن الزائد على ما تستوجبه إن كان دينارا فالجواز مطلقًا وإن كان أكثر، فإن قلت الدراهم بحيث لم تبلغ صرف دينار أو العروض بحيث لا تبلغ قيمتها صرف دينار فكذلك وإلا فالمنع لاجتماع البيع والصرف في أكثر من دينار. انتهى ملخصا من خطه.
قُلْتُ: فلو قال المص: أو أكثر فكالبيع والصرف لوفى بهذا التحرير الحسن. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقال البناني: ويتحصل من كلامه -يعني عبد الباقي- أن الصور الجائزة ثلاث: أن تقل الدراهم عن صرف الدينار أو يقل منابها من العروض بحيث يكون أقل من دينار أو تأخذ عنهما وإن كثرا دينارا فقط. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز لبعض الورثة الصلح عن إرث زوجة أو
стр. 6186
غيرها من باقي الورثة، وخص الزوجة لأن حصول المنازعة منها أكثر لأنها أجنبية غالبا من عرض وورق وذهب حاضرين. انتهى.
قال البناني: قول الزرقاني حاضرين بل إنما يشترط حضور النوع المأخوذ منه فقط كما بينه بعده وهو في المدونة، وإنما شرطوا في النوع الذي أخذت منه أن يكون حاضرا لأنه إن كان بعضه غائبا لزم النقد بشرط في الغائب، نعم إن أخذت حصتها من الحاضر فقط جاز لإسقاط الغائب. انتهى.
قوله: لأنه إن كان بعضه غائبا لزم النقد لخ، قال الرهوني: فيه نظر إذ لو كانت العلة هذه لجاز ذلك إن كان على مسافة اليومين مثلا، والصواب في التعليل ليلا يؤدي إلى سلف جر نفعا أو إلى المبادلة والتأخير؛ لأنه إذا خلف أربعين دينارا حاضرة وأربعين غائبة مع ثمانين درهما وعرضا فقد أسلفها خمسة الآن ليأخذها من الدنانير الغائبة، وانتفع بإسقاط حقها من الدراهم والعروض، وإن شئت قلت دفع لها خمسة من عنده ليأخذها من الغائب فهي مبادلة بتأخير. انتهى بتغيير قليل. وقوله: وإنما يشترط حضور النوع المأخوذ منه فقط.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: هذا ظاهر حيث أخذت قدر مورثها فأقل من الذهب أو الفضة، وأما إن أخذت أكثر فقال المواق ما نصه من المدونة: قال ابن القاسم: من مات عن ولد وزوجة وترك دنانير ودراهم حاضرة وعروضا حاضرة وغائبة وعقارا، فصالح الولد الزوجة على دراهم من التركة، فإن كانت قدر مورثها من الدراهم فأقل جاز، وإن كانت أكثر لم يجز لأنها باعت عروضا حاضرة وغائبة ودنانير بدراهم نقدا، وذلك حرام. انتهى.
وقال المواق أيضًا: ابن عرفة: صلح الوارث بقدر حظه في صنف ما أخذه واضح؛ لأنه لما سواه واهب وبزائد عن حظه فيه بائع حظه في غيره بالزائد فيعتبر البيع والصرف وتعجيل قبض ما معه.
تنبيه: قال الرهوني: سكت المص عن صلح الزوجة عن صداقها وميراثها معا في صفقة واحدة، وقد صرح ابن فتوح والمتيطي وغير واحد بمنعه ونظمه في التحفة وأطلق غير واحد في ذلك، وقيده أبو الحسن في أجوبته بما إذا زاد ما أخذت على قدر صداقها وإلا جاز وسلمه ابن هلال في الدر
стр. 6187
النثير قائلا ما نصه: فكأنها أخذت صداقها أو بعضه ووهبت ميراثها فلا إشكال في الجواز. انتهى منه بلفظه. انتهى.
لا من غيرها مطلقًا هذا مفهوم قوله: "من التركة" يعني أنه إذا وقعت المصالحة على شيء يعطيها إياه من غير التركة والتركة ذهب وفضة وعروض، فإن كان المصالح به عينا لم يجز مطلقًا ذهبا أو فضة قل أو كثر، كانت التركة أو شيء منها حاضرا أو غائبا؛ لأنه يدخله التفاضل بين المعينين، والتأخير بينهما لأن حكم العروض التي مع العين حكم العين، وأما إن كان المصالح به عرضا فهو ما استثناه بقوله: إلا عرضا الاستثناء متصل؛ لأن قوله: "لا من غيرها" شامل بحسب ظاهره للعين وغيرها، فاستثنى المرض من ذلك وجعله عبد الباقي منقطعا على تقدير لا بعين من غيرها وجوز فيه الاتصال.
ومعنى كلامه أنه يجوز صلح الزوجة في الفرض المذكور أو غيرها من الورثة على عرض من غير التركة، فإن لم يكن في التركة دين جاز بشرطين. وإن كان فيها دين فإنما يجوز بأربعة شروط أشار لأوَّلِهَا بقوله: إن عرفا جميعها يعني أنه إنما يجوز الصلح في الفرض المذكور بالعرض بشرط أن يعرفا أي الوارث والزوجة جميعها أي التركة حتى تكون المصالحة على معلوم، وإلى الثَّانِي بقوله: وحضر يعني أنه إنما يجوز الصلح بالعرض المذكور بشرط أن يحضر جميع التركة، فإن لم يكن في التركة دين اكتفِيَ بهذين الشرطين فيجوز الصلح بالعرض إن حصلا معا، وإن كان فيها دين زيد عليهما شرطان آخران أَحَدُهَمَا أشار إليه بقوله: وأقر المدين يعني أنه إذا كان في التركة دين فإنه لابد في الجواز مع الشرطين المذكورين أن يقر المدين بما عليه من الدين، وأشار إلى الثَّانِي بقوله: وحضر يعني أنه لابد في الجواز أيضًا أن يحضر المدين وقت الصلح، ولابد أيضًا من أمرين آخرين وهما أَنْ يَكُونَ المدين ممن تأخذه الأحكام، وَأن يَكونَ العرض الذي أخذه في الصلح مخالفا للعرض الذي على الغريم. قاله عبد الباقي.
قال البناني: هذا الشرط نحوه في المواق ووجهه بعضهم بأنه لو كان المرض الذي أعطاها موافقا لا على الغرماء لكان سلفا لها بمنفعة؛ لأن الغالب أن لا تأخذ إلا أقل من حقها وهو ظاهر. انتهى. قال الرهوني: سلم هذا التوجيه بل أيده بقوله وهو ظاهر وفيه عندي نظر؛ لأن حاصله أن السلف
стр. 6188
هو دفع الولد في مثال المدونة عرضا من ماله الآن ليأخذ مماثله الذي في ذمة الغريم، والنفع كونه في الغالب لا يعطيها إلا ما تكون قيمته أقل من حظها من جميع التركة، ووجه النظر أنا لا نسلم أن الغالب ما ذكره إذ كثيرا ما يكون مساويا أو أكثر لرغبة الولد في أعيان التركة، وخصوصا دار السكنى ونحوها ويريد دفع ضرر شركتها بمثل حظها أو أكثر، وهذا أمر مشاهد لا سبيل إلى إنكاره، ثم قال: والظاهر في التعليل عندي اجتماع البيع والسلف إلى آخر كلامه. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: إلا بعرض إن عرفا جميعها وحضر جميع التركة حقيقة في العين وحكما في المرض، فإن كان قريب الغيبة بحيث يجوز النقد فيه بشرط فإنه في حكم الحاضر، وعلة الشرط الثاني سلامتهما من النقد في الغائب بشرط وأقر المدين بما عليه حيث كان في التركة دين ولو عرضا وحضر وقت الصلح.
تنبيه: قوله: "إن عرفا جميعها" قال البناني: هذا الشرط وكذا ما بعده يرجع أيضًا لقوله: "أو أكثر". انتهى. وقال عبد الباقي: وأقر المدين وحضر وكان ممن تأخذه الأحكام وكان المرض الذي أعطاه لها مخالفا للعرض الذي على الغريم، ويشترط غير ذلك من الشروط المعتبرة في بيع الدين، فإن اختل شرط من هذه الشروط لم يجز صلحها بعرض من غيرها.
ومَوْضُوعُ مسألة المرض بشروطها أن في التركة عرضا وعينا، وأما إن كانت كلها عروضا فيجوز للولد أن يصالحها بعين من ماله إن عجلها، ولو كانت العروض ديونا على غرماء حضورا مقرين وتأخذهم الأحكام ووصفت العروض التي عليهم. انتهى.
قوله: وأما إن كانت عروضا لخ قال البناني: بل شروط المص لابد منها في هذا أيضًا تأمله. انتهى. وقال عبد الباقي: وأشعر اشتراطه معرفة جميع التركة في صلحها بعرض من غيرها أنه لا يشترط ذلك في صلحها بعين أو عرض منها، وهذا يرد على قولهم: كل موضع يمكن فيه العلم لا يجوز الصلح فيه إلا بعد المعرفة اللهم إلا أن يقال الصلح هنا من باب، "وعلى بعضه هبة".
стр. 6189
والضابط في غيره. انتهى. وكلامه يفيد أن محل كونه لا يشترط فيه المعرفة إنما هو حيث أخذت قدر ما ترثه من الذهب أو الفضة أو العرض فأقل لا إن أخذت أكثر فلا ينافي ما قدمته عن البناني من (١) قوله: إن عرفا جميعها يرجع هو وما بعده، لقوله: "أو أكثر". واللَّه تعالى أعلم.
قوله: "إن عرفا جميعها" قال الحطاب: هو نحو قول المدونة المتقدم: فإن عرفت هي وجميع الورثة مبلغ التركة، قال ابن ناجي في شرح المدونة: وظاهر قولها مبلغ التركة يتناول أنهم لو اتفقوا على أنهم اطلعوا على جميع التركة ولم ينصوا عليها بالتسمية أنه كاف، وأفتى شيخنا ﵀ غير ما مرة بعدم الجواز إلا مع التسمية وهو بعيد. انتهى.
وعن دراهم وعرض تركا بذهب كبيع وصرف يعني أن الميت إذا ترك دراهم وعروضا، فصالح الوارث زوجة الميت على دنانير من ماله أي الوارث، فإن كان حظها من الدراهم يسيرا أقل من صرف الدينار جاز إن لم يكن في التركة دين، وإن كان في حظها منها صرف دينار فأكثر لم يجز، وهو معنى قوله: "كبيع وصرف" أي فإن قلت الدراهم التي تخصها أو العروض التي تخصها. بأن نقصت أو نقصت قيمة العروض عن دينار جاز الصلح لأنه بيع وصرف اجتمعا في دينار. قاله الخرشي وغيره.
وإن كان فيها دين فكبيعه يعني أنه إذا كان في التركة دين وأراد الوارث أن يدفع للزوجة أو غيرها من الورثة شيئًا من عنده في المصالحة على حظها أو حظه من التركة فإن ذلك حكمه حكم بيع الدين، فإذا كان في التركة دين من دنانير أو دراهم لم يجز الصلح على دنانير أو دراهم نقدا من عند الوارث، وإن كان الدين حيوانا أو عرضا من بيع أو قرض أو طعاما من قرض لا من سلم فصالحها الوارث عن ذلك على دنانير أو دراهم عجلها لها من عنده فذلك جائز إذا كان الغرماء حضورا مقرين ووصف ذلك كله كذا في المدونة، وهذا ظاهر حيث لم يكن في التركة نقد، وأما إن كان فيها نقد فلا يجوز صلحه بدنانير أو دراهم معجلة؛ لأن حكم العرض مع النقد حكم العين. انظر الرهوني. وشرح عبد الباقي.
стр. 6190
قوله: "وإن كان فيها دين فكبيعه" هذا جار في جميع صور المصالحة من غير التركة، وكذا إن كان الدين في نوع ما صالحها به أو في غير نوعه وصالحها بأزيد من حظها من النوع الذي صالحها به، فإذا صالحها بذهب قدر مورثها منه فأقل والدين في غير ذلك جاز، وإن صالحها من المذهب بأكثر من حظها والدين في الدراهم أو في العرض فلابد في ذلك من مراعاة بيع الدين، وقصد المص استيفاء الفروع التي في المدونة وإلا فقوله: "وعن دراهم" لخ يغني عنه قوله: "إن قلت الدراهم"، وكذا قوله: "وإن كان فيها دين فكبيعه" يغني عنه قوله فيما مر "وأقر المدين وحضر".
وَلَمَّا تكلم على الصلح على الأموال، شرع يتكلم على صلح الدماء فقال: وعن العمد بما قل أو كثر يعني أنه يجوز الصلح عن دم العمد في نفس أو طرف بما قل عن الدية أو كثر عنها؛ لأن العمد لا دية فيه وإنما فيه القصاص، فتجوز المصالحة على تركه بدية النفس أو بأكثر منها أو بأقل، وكذا يقال فيما دون النفس، قال عبد الباقي: وجاز الصلح عن دم العمد نفس أو جرح بما قل عن الدية وكثر عنها معينا ذلك عند عقد الصلح؛ لأن دم العمد لا دية فيه، وأما إن وقع وقته مبهما فينعقد ويكون كالخطإ. قاله ابن رشد. انتهى. وقال المواق من المدونة: كل ما وقع به الصلح عن دم عمد مع المجروح أو مع أوليائه بعد موته فذلك لازم، كان (أكثر) (١) من الدية أضعافا أو أقل من الدية لأن دم العمد لا دية فيه إلا ما اصطلحوا عليه، وإذا وجب لمريض على رجل جراحة عمدا فصالحه في مرضه على أقل من الدية أو من أرش تلك الجراحة، ثم مات من مرضه فذلك جائز لازم؛ إذ للمقتول العفو عن دم العمد في مرضه وإن لم يدع مالًا. انتهى.
لا غرر يعني أنه لا يجوز الصلح عن دم عمد ولا عن غيره بالغرر، قال الخرشي: الأحسن عطفه على ما يفيده الكلام السابق أي وجاز الصلح بما استوفى الشروط لا بغرر. انتهى. وقال المواق من المدونة: لا يجوز الصلح عن جناية العمد على ثمرة لَمْ يَبْدُ صلاحها، فإن وقع ذلك ارتفع القصاص وقُضِيَ بالدية. انتهى.
стр. 6191
ومثل للغرر بقوله: كرطل من شاة قال عبد الباقي عند قوله "كرطل من شاة" ما نصه: كرطل أو أرطال من شاة صالح صاحبها بذلك ذا دين عليه وهي حية كما في المدونة، أو ذبحت ولم تسلخ كما عَوَلَّ عليه أبو الحسن على المدونة، فإن سلخت جاز وكذا يجوز صلحه بجميعها حية أو مذبوحة، ومن الممنوع صلحه بثمرة لم يبد صلاحها لأن الصلح عقد معاوضة يمنع فيه الغرر كسائر المعاوضات. قاله أبو الحسن. فَإن وقع الصُّلْحُ ارتفع القصاص وقضي بدية عمد.
فرع: قال ابن راشد: ولو وقع الصلح على أن يرتحل القاتل من بلد الأولياء، فقال ابن القاسم: الصلح منتقض، ولصاحب الدم أن يقوم بالقصاص، وقال أصبغ والغيرة: يجوز ويحكم على القاتل بأن لا يساكنهم أبدا كما شرطوه وهذا هو المشهور العمول به، واستحسنه سحنون، وعلى قول أصبغ إن لم يغب أو غاب ثم عاد وكان الدم قد ثبت فلهم القود والدية، وإن لم يثبت كانوا على حجتهم. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: فرع قال ابن راشد لخ قال الرهوني: سلم كلام ابن رَاشِدٍ هذا كما سلمه علي الأجهوري وفيه نظر من وجوه، أحَدُهَا أن ما نسبه لابن القاسم من الرجوع للقصاص مخالف لما نسبه له الناس من الرجوع للدية ثَانِيهَا: أن في نسبه لأصبغ خلاف ما في المفيد عنه، وَالْجَوَابُ عن هذا أن لأصبغ قولين. ثَالِثُهَا أن ما رتبه على المشهور من أنه إن لم يغب أو غاب ثم عاد وكان الدم قد ثبت فلهم القود لخ لا يصح، وإن وقع مثله لابن هارون في اختصار المتيطية.
ثم قال الرهوني بعد جلب كثير من النقول ما نصه: فَتَحصَّلَ مما سبق كله أن الصلح إن انعقد على شرط الرحيل جزما ففي صِحَّتِه ولزومِه وصحِته وبطلان الشرط ثَالِثُهَا: بطلانهما والرجوع إلى الدية، وَرَابعُها والرجوع إلى القود لأصبغ في الواضحة والمغيرة، وسحنون مع المشهور والمعمول به، وأصبغ في كتاب ابن وضاح مع ابن كنانة وابن القاسم وابن نافع، وإن انعقد على أنه إن ارتحل ولم يعد فقد أسقطوا حقهم، وإن لم يرتحل أو ارتحل ثم عاد فهم مخيرون بين القود والدية لم يجز حتى على المشهور، وإن انعقد على أنه إن فعل ذلك فقد أسقطوا حقهم وإن لم يفعل فهم على حقهم فهو صحيح على القول المشهور، فإن وفى بالشرط المعلق عليه لم يكن للأولياء معه كلام، وإن لم يوف فلهم القود إن ثبت الدم وسجنه وطلبهم للحجة إن لم يثبت. فَشُدَّ يدك على
стр. 6192
هذا التحرير العجيب. ولا تلتفت لما خالفه وإن قاله من له في المعلوم والتحقيق أَوْفَرَ نصيبْ. وقد رأيت دليله من العقول والمنقولْ. فلم يبق فيه لصنف ما يقول. واللَّه الموفق. انتهى كلام هذا الرجل ذي القدم الراسخ جزاه اللَّه عنا خيرا بجاه النبي ﷺ .
ولذي دين محيط منعه منه يعني أن المدين دينا محيطا إذا وجب عليه القصاص فأراد أن يصالح عن القصاص الذي ترتب عليه بمال، فإن لرب الدين المحيط أن يمنعه من ذلك سواء كان القصاص متعلقا بنفسه أو بطرف من أطرافه كما هو ظاهر كلام غير واحد؛ إذ فيه إتلاف ماله على ما لم يعامله عليه غرماؤه، ومفهوم قوله: "محيطٍ" أنه إن لم يحط الدين بماله فلا كلام للغرماء أي فليس لهم أن يمنعوه من الصلح عن القصاص؛ لأنه قادر على وفاء الحق بما بقيَ ولو بتحريكه.
تنبيه: ظاهر قوله: "وعن العمد" لخ أنه يجوز الصلح ولو قبل ثبوت الدم وهو كذلك، وقوله: "ولذي دين محيط" لخ قال عبد الباقي: فإن قلت لِمَ كان لذي دين منعه هنا؟ فقدمنا الغرماء هنا على الجسد وهم مؤخرون عن القوت كما مر، فالجواب أنه هنا ظالم بالجناية فلا يضر الغرماء بظلمه، وهناك معذور فقدم بدنه على مال الغير كالمجاعة كذا في الذخيرة. انتهى. ثم تمم قوله: "وعن العمد بما قل" لخ فقال: وإن رد مقوم بعيب يعني أنه إذا وقع صلح العمد مطلقًا أو الخطإ على إنكار على مقوم معين كعبد أو فرس أو ثوب أو دار أو نحو ذلك ثم اطلع فيه على عيب، فإن المجني عليه له أن يرده ويرجع بقيمة ذلك العين الذي رده بالعيب، ولا يرجع إلى القود ولا إلى الخصومة في الإنكار.
أو استحق يعني أنه إذا وقع صلح العمد مطلقًا أو الخطإ على إنكار على مقوم معين ثم استحق من يد المجني عليه، فإنه يرجع بقيمة ما استحق من يده ولا يرجع للقود في الإقرار بالعمد، ولا إلى الخصومة في الإنكار.
وعلم مما قررت أن قوله: رجع بقيمته جواب الشرط فهو راجع للمسألتين، وفاعل "رجع" ضمير يعود على المصالح المجني عليه، والضمير في قيمته عائد على المصالح به. قال عبد الباقي: وإن رد مقوم معين كعبد أو فرس أو ثوب معين صولح به عن دم عمد مطلقًا أو عن خطإ على إنكار
стр. 6193
بعيب، اطلع عليه آخذه أو استحق ذلك القوم المصالح به أو أخذ بشفعة رجع المصالح على دافعه بقيمته يوم عقد الصلح به سليما صحيحا، لا بما صولح عنه إذ ليس للدم ولا للخصام في الإنكار قيمة يرجع بها، وأما على إقرار ففي غير الدم يرجع في المقر به إن لم يفت وفي عوضه إن فات وفي الدم يرجع للدية، وما ذكرته من اعتبار القيمة يوم عقد الصلح نحوه في الحطاب عن أبي الحسن، فَذِكرهُ عليٌّ الأجهوري عن بعض مشايخه بلفظ ينبغي قصُورٌ، وكلام المص فيما إذا وقع الصلح على مقوم معين كما ذكرنا، فإن كان القوم مبهما موصوفا رجع بمثله مطلقًا. انتهى.
قوله: أو أخذ بشفعة، صورتها أن يصالح الجاني المجني عليه في دم عمد مطلقًا أو خطإ عن إنكار بشقص من دار مشتركة بين الجاني وغيره فأخذ الشريد الشقص من يد المجني عليه بالشفعة، فإن المجني عليه يرجع بقيمة الشقص ولا يرجع إلى القود ولا إلى الخصومة في الإنكار. كنكاح يعني أن المرأة إذا استحق من يدها صداق معين مقوم أو ظهر به عيب، فإنها ترجع بقيمة ما استحق من يدها أو تعيب صحيحا سليما على الزوج، ولا ترجع في بضعها فلا ينفسخ النكاح وقد مر هذا.
وخلع يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها بمقوم معين ثم استحق ذلك المعين من يد الزوج أو تعيب، فإنه يرجع بقيمة ذلك المستحق أو المتعيب صحيحا سليما ولا يرجع في عصمة زوجته فقد بانت منه، ومر هذا مستوفى فراجعه إن شئت. قال عبد الباقي: كنكاح وقع صداقه عبدا مثلا فوجدت الزوجة به عيبا وخلع وقع على كعبد، فاطلع الزوج فيه على عيب رجعت الزوجة في النكاح والزوج في الخلع بقيمته صحيحا سليما لأنها قيمة معلومة لا بما خرج من اليد إذ لا قيمة له، وكذا في استحقاق ذلك وأخذ الشفيع له بالشفعة بقيمة الشقص، وكالنكاح والخلع غيرهما من بقية النظائر السبعة التي استثناها في فصل الاستحقاق؛ إذ قال: "وفي عرض بعرض بما خرج من يده أو قيمته إلا نكاحا وخلعا وصلح عمد؛ أي عن إقرار أو إنكار ومقاطعا به عن عبد أو مكاتب أو عمرى". انتهى. والطارئ على جميع ذلك إما عيب أو استحقاق أو أخذ بشفعة، فثلاثة في سبعة بأحدٍ وعشرين، قال ابن غازي وكنا نظمناها في بيت وهو:
стр. 6194
صلحان عتقان وبضعان معا … عمرى لأرش عوض بها ارجعا
وقد فصلها التتائي هنا. انتهى.
وإن قتل جماعة أو قطعوا جاز صلح كل والعفو عنه قتل بالبناء للفاعل وكذا قطعوا، قال الخرشي: يعني أنه لو قتل جماعة رجلا أو رجالا عمدا أو قطعوا يد واحد أو يدين وثبت ذلك ببينة أو اعتراف، فإن ولي الدم يجوز له أن يصالح البعض أي بعض القاتلين أو القاطعين ويعفو عن البعض الآخر، ويجوز له أن يصالح كلا ويعفو عن كل مجانا، فقوله: "قتل" لخ بالبناء للفاعل فيهما وهو صحيح جار مع نص المدونة في تعدد القاتلين أو القاطعين وكذلك الجارحون، وأما العكس وهو تعدد المقتولين واتحاد القاتل فروى يحيى عن ابن القاسم: من قتل رجلين عمدا وثبت ذلك عليه فصالح أولياء أحدهما على الدية وعفوا عن دمه، وقام أولياء الآخر بالقود فلهم القود، فإن استقادوا بطل الصلح ويرجع المال إلى ورثته لأنه إنما صالح على النجاة من القتل. انتهى. المراد منه.
وقال عبد الباقي: وإن قتل جماعة أو قطعوا بالبناء للفاعل في الفعلين رجلا أو رجالا جاز صلح كل والعفو عنه، وجاز قصاص كل. انتهى. وقوله: "وجاز صلح كل" أي على انفراده كما في شرح عبد الباقي، وفي المواق عن المدونة: قال ابن القاسم: إذا قطع جماعة يد رجل أو جرحوه عمدا فله صلح أحدهم والعفو عن من شاء منهم، والقصاص ممن شاء منهم وكذلك الأولياء في النفس. انتهى. وقال البناني: قال مصطفى: إذا علمت مذهب ابن القاسم أن العمد ليس فيه إلا القصاص أو العفو مجانا ولا يكون الصلح إلا برضاهما ظهر لك عدم صحة قول صاحب التكملة: الخيار لأولياء المقتولين فقط، وظهر لك أنه يصح التخيير لأولياء المقتولين باعتبار أن لهم طلب الصلح، لكن يتوقف على رضى القاتلين وكذا العكس، فافهم فلا مخالفة بين كلام الش والمدونة والكل صحيح بهذا الاعتبار. انتهى.
وإن صالح مقطوع ثم نُزِيَ فمات فللولي لا له رده والقتل بقسامة يعني أن من قطعت يده أو رجله عمدا في حال صحته، ثم صالح القاطع من قطعت يده بشيء ثم سال دمه إلى أن أدى إلى الموت،
стр. 6195
فإن لأولياء المقطوع أن يمضوا هذا الصلح ولهم أن يردوه ويقتلون القاطع بعد أن يقسموا لمن ذلك الجرح مات؛ لأن الصلح إنما كان على القطع وكشف الغيب أنه نفس، فالواجب عليه غير ما صالح عنه، فإن أبوا أن يقسموا فليس لهم إلا المال الذي وقع به الصلح، وليس للقاطع أن يرد الصلح ويقول للأولياء ردوا المال الذي وقع به الصلح واقتلوني بغير قسامة؛ لأن الجناية آلت إلى نفس ولا يجاب إلى ذلك؛ لأن النفوس لا تباح إلا بأمر شرعي، والمراد بالقطع الجرح كان قطعا أو غيره ولو قال مجروح كان أشمل. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: وإن صالح مقطوع أو مجروح عمدا على مال عن القطع فقط، ثم نزي بالبناء للمجهول أي سال دم الجرح المفهوم من قوله: "مقطوع" فمات المقطوع فللولي -واحدا أو متعددا أي ولي الميت لا له أي للقاطع- رده أي المال المصالح به والقتل بقسامة أنه مات من ذلك الجرح؛ لأن الصلح إنما كان عن قطع وكشف الغيب أنه نفس، وإنما أقسموا لتراخي الموت عن الجرح ولهم بقاؤه على ما صالح به المقطوع، وليس لهم إمضاء الصلح وأخذ باقي الدية، فإن أبوا أن يقسموا فليس لهم إلا ما وقع به الصلح. اهـ المراد منه.
كأخذهم الدية في الخطإ قال الخرشي: تشبيه تام؛ يعني أن من قطعت يده أو رجله في حال صحته خطئا ثم صالح فمات فلولي المقطوع إمضاء الصلح، وله أن يرد الصلح ويأخذ الدية بعد أن يحلف أيمان القسامة، وتكون الدية على العاقلة ويرجع الجاني بما دفع من ماله لأنه كواحد منهم فإن أبى الولي من القسامة كان له المال الذي وقع به الصلح، وإنما أتى بضمير الجمع هنا ولم يأت بضمير الفرد الراجع للولي إشارة إلى أنه لا فرق بين الواحد والمتعدد. انتهى. فالمراد بالولي الجنس.
وقال عبد الباقي: ثم إن كلام المص فيما إذا وقع الصلح على الجرح دون ما يئول إليه وإلا منع في الخطإ، وكذا في عمد فيه القصاص على ما استظهر الحطاب وهو أحد القولين الآتيين في المص؛ وأما ما لا قصاص فيه فإن وقع عليه وعلى ما يؤول إليه حتى الموت امتنع أيضًا، وإن وقع عليه وعلى ما يؤول إليه دون الموت فإن كان فيه شيء مقرر ففي جوازه قولان، وإن كان لا شيء فيه مقرر لم يصالح عليه إلا بعد برئه. انظر الأجهوري. اهـ
стр. 6196
قوله: وإلا منع في الخطإ أي اتفاقا إن لم يبلغ الثلث، وعلى أحد القولين إن بلغ ثلث الدية، ونص ابن رشد على اختصار ابن عرفة الصلح في الجراحات على تراميها للموت في الخطإ فيما دون الثلث كالموضحة لا يجوز اتفاقا؛ لأنه لا يدري يوم الصلح ما يجب عليه ويفسخ إن وقع، فإن برئ ففيه أرشه وإن مات فالدية على العاقلة بقسامة، وفيما بلغ الثلث في منعه وجوازه نقلا ابن حبيب وغيره، وفي العمد الذي فيه القود قولان: المنع لسماع عيسى والجواز لقول ابن حبيب مع قول صلحها والجواز فيه أظهر وما لا قود فيه لا يجوز على تراميه للموت. قاله ابن حبيب. وعلى الجرح دون تراميه للموت أجازه ابن حبيب فيما فيه عقل مسمى. قال مرّة عليه وعلى ما ترامى إليه دون الموت ومرة عليه فقط. انتهى ببعض إيضاح.
وقد نقل الحطاب كلام ابن رشد مبسوطا فانظره، فقول الزرقاني على ما استظهره الحطاب غير صواب لاقتضائه أن الحطاب استظهر المنع وليس كذلك، بل المستظهر هو الجواز لا المنع والذي استظهره هو ابن رشد كما تقدم لا الحطاب، فانظره. قاله البناني. وقال الحطاب: قال ابن رشد: أما جراح الخطإ الذي دون الثلث كالموضحة فلا خلاف في أن الصلح فيها على ما ترامت إليه من موت أو غيره لا يجوز؛ لأنه إن مات كانت الدية على العاقلة فهو لا يدري يوم صالح ما يجب عليه، وإن وقع الصلح على ذلك فسخ إن عثر عليه واتبع فيه مقتضى حكمه لو لم يكن صلح فإن برئ كان عليه دية الموضحة، وإن مات كانت الدية على العاقلة بقسامة وإن بلغ الجرح ثلث الدية ففيه قولان: أحدهما أنه لا يجوز وهو قوله في هذه الرواية وظاهر ما حكم به ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنه جائز. انتهى المراد منه.
وإن وجب -أي ثبت- لمريض على رجل جرح عمدا هذا لفظ المدونة، فقال أبو الحسن: المرض هنا من ذلك الجرح وهو غير ظاهر لأنه يوجب التكرار مع ما مر، وقال الحطاب والسنهوري والأجهوري وعبد الباقي: إن المرض من غير الجرح. قال عبد الباقي: والجرح طارئ على المرض كما تدل عليه عبارته، وقرره شيخنا اللقاني على أنه لا فرق بين تقدم المرض عن الجرح وتأخره، وما يأتي في الجنايات لم يحصل فيه صلح.
стр. 6197
فصالح المريض عن جرحه في مرضه بأرشه أو غيره إن لم يكن فيه شيء، أو بأقل من ديته إن كان فيه شيء معين، ثم مات من مرضه من على بابها بمعنى الأجلية. وقال غير واحد بمعنى في وهي ظرفية: زمانية لأنه إذا تحقق أن موته من مرضه لم يأت قوله: وعلى ما يئول إليه، ويأتي أن التحقيق الأول جاز ذلك الصلح ابتداء. ولزم بعد وقوعه. قاله عبد الباقي. ومعنى كلامه أن المريض الذي ثبت له على رجل جرح عمدا ببينة أو اعتراف نشأ مرضه من ذلك الجرح على قول أبي الحسن، أو طرأ مرضه على الجرح لا من الجرح على ما للقاني أو مرض ثم جرح الجرح المذكور على ما هو التحقيق إذا صالح عن جرحه في مرضه بأرش ذلك الجرح أو بغيره حيث لم يكن فيه شيء مقرر أو فيه وصالح بأقل من الأرش، ثم إن المريض مات من مرضه على ما هو التحقيق أو في مرضه على غيره، فإن ذلك الصلح يجوز ابتداء ويلزم بعد الوقوع.
واختلف الشيوخ هل يجوز ذلك ويلزم إن صالح عن الجرح الحاصل بخصوصه أو عليه؟ وعلى ما يئول إليه، أو إنما يجوز ويلزم إن صالح عليه أي على الجرح فقط، لا إن صالح عليه وعلى ما ينول إليه فلا يجوز ولا يلزم في ذلك تأويلان: الأول هو ظاهر المدونة وتأولها عليه ابن العطار، والثاني تأولها عليه غير واحد وهو موافق لقول ابن القاسم، قال عياض: وعن ابن القاسم يمتنع الصلح إلا بعد البرء خشية السريان، قال البناني: قال أبو الحسن: عياض: تأولها غير واحد على أن الصلح على الجرح دون ما يئول إليه من النفس، وتأولها ابن العطار على الجرح وما يتناهى إليه، وفي العتبية لابن القاسم: لا يجوز أن يصالحه بشيء على الجرح والموت إن كان، لكن يصالحه بشيء معلوم، فإن عاش أخذ ما صالحه عليه، وإن مات كانت فيه القسامة والدية في الخطإ والقتل في العمد.
تنبيه: اعلم أن الصواب في تقرير المص كون من على بابها تعليلية، وأن المرض من غير الجرح، واعلم أن الذي في الحطاب وابن غازي أنه إن وقع الصلح على الجرح فقط جاز على كل من التأويلين، فإن مات من مرضه لزم الصلح الورثة وإن نزي فمات فالحكم ما تقدم في المسألة الأولى؛ يعني فللولي لا له رده والقتل بقسامة، وإن صالح عليه وعلى ما يئول إليه فعلى التأويل الثاني الصلح باطل، ويعمل بمقتضى الحكم لو لم يكن صلح وعلى التأويل الأول يلزم الصلح وإن نزي
стр. 6198
فيه فمات فلا كلام للأولياء، قال الحطاب: وليس معنى هذا القول أنه إذا وقع الصلح على الجرح فقط ثم نزي فمات أن الصلح لازم للورثة؛ إذ لم يقل بذلك أحد فيما علمت. اهـ. نقله البناني.
وقوى الرهوني ما للحطاب، وقال إنه هو الحق، ثم قال بعد جلب كثير من النقول: وحاصل المسألة أن الصلح إن وقع عن الجرح وحده بعد تحقق البرء وصحة المجروح فهو جائز بلا خلاف، وإن وقع على الجرح وحده قبل البرء فهو جائز على المشهور خلافا لأحد قولي ابن القاسم، ثم على المشهور إن لم يترام إلى الموت فلا إشكال، وإن ترامى إليه فالأولياء مخيرون بين أن يتماسكوا به وبين أن يردوه فيقسموا، ويكون لهم القود في العمد والدية في الخطإ، وإن وقع عليه وعلى ما يئول إليه في العمد الذي فيه القصاص، فمنعه ابن القاسم وحمل الأكثر عليه المدونة، وأجازه ابن حبيب واختاره ابن رشد، وحمل هو وابن العطار عليه المدونة، والأول هو الراجح والجاري على المشهور، وقول مالك في المدونة في الصلح عن دم العمد بما فيه غرر والثاني هو الجاري على قول الغير فيها الذي استحسنه سحنون، فعلى الثاني لا إشكال ولا كلام لعاقده ولا لورثته إن ترامى إلى الموت، وعلى الأول فهو باطل مطلقًا فإن ترامى إلى الموت فلورثته أن يقسموا ويقتصوا على ما قاله الحطاب وسلمه من قدمنا ذكرهم؛ يعني الأجهوري وأتباعه وأحمد بابا وابن عاشر ومصطفى وأبو علي وجسوس والتاودي والبناني والجنوي وغيرهم، والصواب أنه ليس لهم بعد القسامة إلا الدية كما قدمناه عن المدونة، ولأن القول الآخر شبهة ولو كان ضعيفا فكيف مع قوله؟ وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات) (١)، هذا الذي ظهر لي بعد البحث ومراجعة ما أمكن مراجعته واستعمال الفكر وإطالة النظر وشدة التأمل وطول السهر، وهو الحق إن شاء اللَّه كما يظهر لكل منصف ذي بصر، فالحمد والشكر الأكملان لمن منَّ بتحريره وأنعم بتوضيحه وتقريره، والصلاة والسلام الأتمان على الواسطة العظمى في حل كل مقفل وتيسيره، سيدنا محمد وآله وأصحابه الباذلين نفوسهم في نصرة دينه وتقريره وتوقيره،
стр. 6199
وعلى كل من تبعهم بإحسان وخصوصا القائمين بحفظ شرعه وصونه عن تغييره. اهـ. كلام هذا الفحل الشامخ، والقرم ذي القدم الراسخ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: هنا وليس القصاص في مثل هذا من القصاص بالشك كما في المسألة الآتية في قوله في باب الجراح: "ومرض بعد الجرح" لما علمت من أن المرض هنا سابق على الجرح، ومحل التأويلين في عمد فيه قصاص، وأما في خطإ أو عمد لا قصاص فيه لكونه من المتالف فيمنع الصلح على ما يؤول إليه حتى الموت اتفاقا، فإن وقع على ما يؤول إليه دون الموت ففي جوازه قولان إن كان في الجرح شيء مقرر، وإلا لم يصالح عليه إلا بعد البرء. اهـ كلام عبد الباقي.
وإن صالح أحد وليين فللآخر الدخول معه يعني أن المقتول عمدا إذا كان له وليان فصالح أحدهما القاتل بمال، فإن للولي الآخر أن يدخل مع المصالح فيما صالح به بأن يأخذ نصيبه من القاتل على حساب دية العمد ويضمه إلى ما صالح به صاحبه ويقتسمان الجميع كأنه هو المصالح به. قاله الحطاب. الرهوني: وهو في المدونة، وله أن لا يدخل معه ويأخذ ما ينوبه من الدية.
وسقط القتل بذلك الصلح فليس للآخر إلا الدخول مع المصالح فيما صالح به ويجبر المصالح على ذلك أو اتباع الجاني بما ينوبه من الدية، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره في المدونة: إن المصالح يختص بما صالح به عن حصته ولا يدخل معه الآخر. وقوله: "وإن صالح أحد وليين" لخ أي صالح عما فيه قصاص سواء صالح عن الدم كله بأكثر من الدية أو أقل، أو صالح عن حصته فقط بأكثر مما ينوبه من الدية أو بأقل. قال عبد الباقي: وإن صالح أحد وليين لمقتول عما فيه قصاص إما عن الدم كله سواء صالح بأكثر من ديته أو أقل، وإما عن حصته فقط بأكثر مما ينوبه من الدية أو بأقل، فللآخر إذا طلب الأخذ بما يجب له الدخول معه جبرا فيأخذ ما ينوبه ولو وقع الصلح بقليل وسقط القتل وله عدم الدخول معه فله نصيبه من دية عمد كما يأتي في باب الجراح، فليس لمن صالح الدخول معه حينئذ وله العفو، فلا دخول له مع المصالح وليس له القتل لقوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي" مع أن الأول إذا عفا بغير شيء فليس للآخر القتل، وإنما له التكلم في المال.
стр. 6200
وما قررت به المص من أن معنى قوله: "فلصاحبه الدخول معه" أنه يأخذ من القاتل نصيبه من الدية ويضمه إلى ما صالح به الآخر ويقتسمان الجميع لا يعارض ما يأتي من قول المص: "وإن صالح على عشرة من خمسينه" لأن ما هنا في الصلح عن دم العمد، وما يأتي في الصلح عن المال، وَالْفَرْقُ بينهما ظاهر لأنه هنا أبطل حق صاحبه الواجب له أصالة وهو القصاص، فوجب أن يدخل معه فيما أخذه إن شاء بخلاف المال إذ ما كان له قبل الصلح هو الذي له بعده كذا يظهر لي، ثم وجدته منصوصا لابن يونس. نقله عن بعض القرويين وسلمه. فإنه لما ذكر قول ابن القاسم في المدونة مثل ما قاله المص، وقول الغير فيها أنه لا دخول لواحد منهما على الآخر وهو كعبد بينهما باع أحدهما حصته بما شاء فلا يدخل عليه الآخر ما نصه: قال بعض القرويين: ولا يلزم ما احتج به الغير ابن القاسم والفرق عنده بين بيع أحد الشريكين حصته من عبد وبين صلحه عن حصتة من الدم أن بيع الشريك حصته من العبد لم يغير على شريكه شيئًا من حصته، فوجب أن لا يدخل عليه وفي الصلح عن الدم قد تغير الأمر بصلح الشريك؛ لأن بصلحة عاد مالًا بعد أن كان دما. اهـ منه بلفظه. وهو موافق لما كان ظهر لنا والحمد للَّه، وثمرة هذا الخلاف إنما تظهر إذا اصطلحا على أكثر من نصف الدية أو على عرض أو دار مثلا، وأما على نصف الدية فلا وكذا على أقل لأن الخيار له وهو لا يختار ما يوجب له الأقل، فإن اختار على سبيل التجوز فقد رضي بترك حقه. فتأمله واللَّه أعلم.
تنبيه: قال جسوس بعد ما قرر كالأم المص ما نصه: وظاهر ما تقدم أن لمن بقيَ نصيبه، رضي الجاني أم لا وهو قول أشهب، ومذهب ابن القاسم أن ذلك إذا رضي الجاني، وفي التحفة:
وإن ولي الدم للمال قبل … والقود استحقه فيمن قتل
فأشهب قال للاستحياءِ … يجبر قاتل على الإعطاءِ
وليس ذا في مذهب ابن القاسمِ … دون اختيار قاتل بلازمِ
اهـ منه بلفظه. وهذا سهو منه ﵀ أو سبق قلم، وليس معناه ما فهمه منه ومعناه بين. واللَّه أعلم. قال جميعه الرهوني.