قوله: وإلا منع في الخطإ أي اتفاقا إن لم يبلغ الثلث، وعلى أحد القولين إن بلغ ثلث الدية، ونص ابن رشد على اختصار ابن عرفة الصلح في الجراحات على تراميها للموت في الخطإ فيما دون الثلث كالموضحة لا يجوز اتفاقا؛ لأنه لا يدري يوم الصلح ما يجب عليه ويفسخ إن وقع، فإن برئ ففيه أرشه وإن مات فالدية على العاقلة بقسامة، وفيما بلغ الثلث في منعه وجوازه نقلا ابن حبيب وغيره، وفي العمد الذي فيه القود قولان: المنع لسماع عيسى والجواز لقول ابن حبيب مع قول صلحها والجواز فيه أظهر وما لا قود فيه لا يجوز على تراميه للموت. قاله ابن حبيب. وعلى الجرح دون تراميه للموت أجازه ابن حبيب فيما فيه عقل مسمى. قال مرّة عليه وعلى ما ترامى إليه دون الموت ومرة عليه فقط. انتهى ببعض إيضاح.
وقد نقل الحطاب كلام ابن رشد مبسوطا فانظره، فقول الزرقاني على ما استظهره الحطاب غير صواب لاقتضائه أن الحطاب استظهر المنع وليس كذلك، بل المستظهر هو الجواز لا المنع والذي استظهره هو ابن رشد كما تقدم لا الحطاب، فانظره. قاله البناني. وقال الحطاب: قال ابن رشد: أما جراح الخطإ الذي دون الثلث كالموضحة فلا خلاف في أن الصلح فيها على ما ترامت إليه من موت أو غيره لا يجوز؛ لأنه إن مات كانت الدية على العاقلة فهو لا يدري يوم صالح ما يجب عليه، وإن وقع الصلح على ذلك فسخ إن عثر عليه واتبع فيه مقتضى حكمه لو لم يكن صلح فإن برئ كان عليه دية الموضحة، وإن مات كانت الدية على العاقلة بقسامة وإن بلغ الجرح ثلث الدية ففيه قولان: أحدهما أنه لا يجوز وهو قوله في هذه الرواية وظاهر ما حكم به ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنه جائز. انتهى المراد منه.
وإن وجب -أي ثبت- لمريض على رجل جرح عمدا هذا لفظ المدونة، فقال أبو الحسن: المرض هنا من ذلك الجرح وهو غير ظاهر لأنه يوجب التكرار مع ما مر، وقال الحطاب والسنهوري والأجهوري وعبد الباقي: إن المرض من غير الجرح. قال عبد الباقي: والجرح طارئ على المرض كما تدل عليه عبارته، وقرره شيخنا اللقاني على أنه لا فرق بين تقدم المرض عن الجرح وتأخره، وما يأتي في الجنايات لم يحصل فيه صلح.
стр. 6197
فصالح المريض عن جرحه في مرضه بأرشه أو غيره إن لم يكن فيه شيء، أو بأقل من ديته إن كان فيه شيء معين، ثم مات من مرضه من على بابها بمعنى الأجلية. وقال غير واحد بمعنى في وهي ظرفية: زمانية لأنه إذا تحقق أن موته من مرضه لم يأت قوله: وعلى ما يئول إليه، ويأتي أن التحقيق الأول جاز ذلك الصلح ابتداء. ولزم بعد وقوعه. قاله عبد الباقي. ومعنى كلامه أن المريض الذي ثبت له على رجل جرح عمدا ببينة أو اعتراف نشأ مرضه من ذلك الجرح على قول أبي الحسن، أو طرأ مرضه على الجرح لا من الجرح على ما للقاني أو مرض ثم جرح الجرح المذكور على ما هو التحقيق إذا صالح عن جرحه في مرضه بأرش ذلك الجرح أو بغيره حيث لم يكن فيه شيء مقرر أو فيه وصالح بأقل من الأرش، ثم إن المريض مات من مرضه على ما هو التحقيق أو في مرضه على غيره، فإن ذلك الصلح يجوز ابتداء ويلزم بعد الوقوع.
واختلف الشيوخ هل يجوز ذلك ويلزم إن صالح عن الجرح الحاصل بخصوصه أو عليه؟ وعلى ما يئول إليه، أو إنما يجوز ويلزم إن صالح عليه أي على الجرح فقط، لا إن صالح عليه وعلى ما ينول إليه فلا يجوز ولا يلزم في ذلك تأويلان: الأول هو ظاهر المدونة وتأولها عليه ابن العطار، والثاني تأولها عليه غير واحد وهو موافق لقول ابن القاسم، قال عياض: وعن ابن القاسم يمتنع الصلح إلا بعد البرء خشية السريان، قال البناني: قال أبو الحسن: عياض: تأولها غير واحد على أن الصلح على الجرح دون ما يئول إليه من النفس، وتأولها ابن العطار على الجرح وما يتناهى إليه، وفي العتبية لابن القاسم: لا يجوز أن يصالحه بشيء على الجرح والموت إن كان، لكن يصالحه بشيء معلوم، فإن عاش أخذ ما صالحه عليه، وإن مات كانت فيه القسامة والدية في الخطإ والقتل في العمد.
تنبيه: اعلم أن الصواب في تقرير المص كون من على بابها تعليلية، وأن المرض من غير الجرح، واعلم أن الذي في الحطاب وابن غازي أنه إن وقع الصلح على الجرح فقط جاز على كل من التأويلين، فإن مات من مرضه لزم الصلح الورثة وإن نزي فمات فالحكم ما تقدم في المسألة الأولى؛ يعني فللولي لا له رده والقتل بقسامة، وإن صالح عليه وعلى ما يئول إليه فعلى التأويل الثاني الصلح باطل، ويعمل بمقتضى الحكم لو لم يكن صلح وعلى التأويل الأول يلزم الصلح وإن نزي
стр. 6198
فيه فمات فلا كلام للأولياء، قال الحطاب: وليس معنى هذا القول أنه إذا وقع الصلح على الجرح فقط ثم نزي فمات أن الصلح لازم للورثة؛ إذ لم يقل بذلك أحد فيما علمت. اهـ. نقله البناني.
وقوى الرهوني ما للحطاب، وقال إنه هو الحق، ثم قال بعد جلب كثير من النقول: وحاصل المسألة أن الصلح إن وقع عن الجرح وحده بعد تحقق البرء وصحة المجروح فهو جائز بلا خلاف، وإن وقع على الجرح وحده قبل البرء فهو جائز على المشهور خلافا لأحد قولي ابن القاسم، ثم على المشهور إن لم يترام إلى الموت فلا إشكال، وإن ترامى إليه فالأولياء مخيرون بين أن يتماسكوا به وبين أن يردوه فيقسموا، ويكون لهم القود في العمد والدية في الخطإ، وإن وقع عليه وعلى ما يئول إليه في العمد الذي فيه القصاص، فمنعه ابن القاسم وحمل الأكثر عليه المدونة، وأجازه ابن حبيب واختاره ابن رشد، وحمل هو وابن العطار عليه المدونة، والأول هو الراجح والجاري على المشهور، وقول مالك في المدونة في الصلح عن دم العمد بما فيه غرر والثاني هو الجاري على قول الغير فيها الذي استحسنه سحنون، فعلى الثاني لا إشكال ولا كلام لعاقده ولا لورثته إن ترامى إلى الموت، وعلى الأول فهو باطل مطلقًا فإن ترامى إلى الموت فلورثته أن يقسموا ويقتصوا على ما قاله الحطاب وسلمه من قدمنا ذكرهم؛ يعني الأجهوري وأتباعه وأحمد بابا وابن عاشر ومصطفى وأبو علي وجسوس والتاودي والبناني والجنوي وغيرهم، والصواب أنه ليس لهم بعد القسامة إلا الدية كما قدمناه عن المدونة، ولأن القول الآخر شبهة ولو كان ضعيفا فكيف مع قوله؟ وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات) (١)، هذا الذي ظهر لي بعد البحث ومراجعة ما أمكن مراجعته واستعمال الفكر وإطالة النظر وشدة التأمل وطول السهر، وهو الحق إن شاء اللَّه كما يظهر لكل منصف ذي بصر، فالحمد والشكر الأكملان لمن منَّ بتحريره وأنعم بتوضيحه وتقريره، والصلاة والسلام الأتمان على الواسطة العظمى في حل كل مقفل وتيسيره، سيدنا محمد وآله وأصحابه الباذلين نفوسهم في نصرة دينه وتقريره وتوقيره،
стр. 6199
وعلى كل من تبعهم بإحسان وخصوصا القائمين بحفظ شرعه وصونه عن تغييره. اهـ. كلام هذا الفحل الشامخ، والقرم ذي القدم الراسخ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: هنا وليس القصاص في مثل هذا من القصاص بالشك كما في المسألة الآتية في قوله في باب الجراح: "ومرض بعد الجرح" لما علمت من أن المرض هنا سابق على الجرح، ومحل التأويلين في عمد فيه قصاص، وأما في خطإ أو عمد لا قصاص فيه لكونه من المتالف فيمنع الصلح على ما يؤول إليه حتى الموت اتفاقا، فإن وقع على ما يؤول إليه دون الموت ففي جوازه قولان إن كان في الجرح شيء مقرر، وإلا لم يصالح عليه إلا بعد البرء. اهـ كلام عبد الباقي.
وإن صالح أحد وليين فللآخر الدخول معه يعني أن المقتول عمدا إذا كان له وليان فصالح أحدهما القاتل بمال، فإن للولي الآخر أن يدخل مع المصالح فيما صالح به بأن يأخذ نصيبه من القاتل على حساب دية العمد ويضمه إلى ما صالح به صاحبه ويقتسمان الجميع كأنه هو المصالح به. قاله الحطاب. الرهوني: وهو في المدونة، وله أن لا يدخل معه ويأخذ ما ينوبه من الدية.
وسقط القتل بذلك الصلح فليس للآخر إلا الدخول مع المصالح فيما صالح به ويجبر المصالح على ذلك أو اتباع الجاني بما ينوبه من الدية، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره في المدونة: إن المصالح يختص بما صالح به عن حصته ولا يدخل معه الآخر. وقوله: "وإن صالح أحد وليين" لخ أي صالح عما فيه قصاص سواء صالح عن الدم كله بأكثر من الدية أو أقل، أو صالح عن حصته فقط بأكثر مما ينوبه من الدية أو بأقل. قال عبد الباقي: وإن صالح أحد وليين لمقتول عما فيه قصاص إما عن الدم كله سواء صالح بأكثر من ديته أو أقل، وإما عن حصته فقط بأكثر مما ينوبه من الدية أو بأقل، فللآخر إذا طلب الأخذ بما يجب له الدخول معه جبرا فيأخذ ما ينوبه ولو وقع الصلح بقليل وسقط القتل وله عدم الدخول معه فله نصيبه من دية عمد كما يأتي في باب الجراح، فليس لمن صالح الدخول معه حينئذ وله العفو، فلا دخول له مع المصالح وليس له القتل لقوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي" مع أن الأول إذا عفا بغير شيء فليس للآخر القتل، وإنما له التكلم في المال.
стр. 6200
وما قررت به المص من أن معنى قوله: "فلصاحبه الدخول معه" أنه يأخذ من القاتل نصيبه من الدية ويضمه إلى ما صالح به الآخر ويقتسمان الجميع لا يعارض ما يأتي من قول المص: "وإن صالح على عشرة من خمسينه" لأن ما هنا في الصلح عن دم العمد، وما يأتي في الصلح عن المال، وَالْفَرْقُ بينهما ظاهر لأنه هنا أبطل حق صاحبه الواجب له أصالة وهو القصاص، فوجب أن يدخل معه فيما أخذه إن شاء بخلاف المال إذ ما كان له قبل الصلح هو الذي له بعده كذا يظهر لي، ثم وجدته منصوصا لابن يونس. نقله عن بعض القرويين وسلمه. فإنه لما ذكر قول ابن القاسم في المدونة مثل ما قاله المص، وقول الغير فيها أنه لا دخول لواحد منهما على الآخر وهو كعبد بينهما باع أحدهما حصته بما شاء فلا يدخل عليه الآخر ما نصه: قال بعض القرويين: ولا يلزم ما احتج به الغير ابن القاسم والفرق عنده بين بيع أحد الشريكين حصته من عبد وبين صلحه عن حصتة من الدم أن بيع الشريك حصته من العبد لم يغير على شريكه شيئًا من حصته، فوجب أن لا يدخل عليه وفي الصلح عن الدم قد تغير الأمر بصلح الشريك؛ لأن بصلحة عاد مالًا بعد أن كان دما. اهـ منه بلفظه. وهو موافق لما كان ظهر لنا والحمد للَّه، وثمرة هذا الخلاف إنما تظهر إذا اصطلحا على أكثر من نصف الدية أو على عرض أو دار مثلا، وأما على نصف الدية فلا وكذا على أقل لأن الخيار له وهو لا يختار ما يوجب له الأقل، فإن اختار على سبيل التجوز فقد رضي بترك حقه. فتأمله واللَّه أعلم.
تنبيه: قال جسوس بعد ما قرر كالأم المص ما نصه: وظاهر ما تقدم أن لمن بقيَ نصيبه، رضي الجاني أم لا وهو قول أشهب، ومذهب ابن القاسم أن ذلك إذا رضي الجاني، وفي التحفة:
وإن ولي الدم للمال قبل … والقود استحقه فيمن قتل
فأشهب قال للاستحياءِ … يجبر قاتل على الإعطاءِ
وليس ذا في مذهب ابن القاسمِ … دون اختيار قاتل بلازمِ
اهـ منه بلفظه. وهذا سهو منه ﵀ أو سبق قلم، وليس معناه ما فهمه منه ومعناه بين. واللَّه أعلم. قال جميعه الرهوني.
стр. 6201
كدعواك صلحه فأنكر تشبيه في سقوط القود؛ يعني أن الجاني عمدا إذا ادعى عليه ولي الدم أنه صالحه على مال فأنكر الجاني ذلك، فإن القود يسقط عن الجاني، وكذا المال إن حلف الجاني، فإن نكل حلف مستحق الدم واستحق المال. قاله الخرشي وعبد الباقي. وزاد عبد الباقي: فإن نكل فلا شيء له فيما يظهر. اهـ. قال غير واحد: وإنما سقط القود والمال مع حلف الجاني لأن دعوى ولي الدم أثبتت أمرين: إقراره على نفسه بأنه لا يقتص منه، وأنه يستحق عليه مالًا فيؤخذ بما أقر به على نفسه ولم يعمل بدعواه على الجاني بالمال. انتهى.
وقال المواق: من المدونة: قال ابن القاسم: من وجب لك عليه دم عمدا وجراحة فيهما قصاص، فادعيت أنك صالحته على مال فأنكر الصلح فليس لك أن تقتص منه ولك عليه اليمين أنه ما صالحك. اهـ.
وإن صالح مقر بخطإ بماله لرمه يعني أن من أقر بقتل خطإ إذا صالح بمال فإنه يلزمه الصلح، فلا رجوع له. فقوله: "بخطإ" متعلق "بمقر"، وقوله: "ما له" متعلق: "بصالح" وقوله: "لزمه" جواب الشرط. قال الشارح مفسرا للمص: مراده أن من أقر بقتل خطإ ولم تقم عليه بالقتل بينة فصالح الأولياء على مال وظن أن ذلك يلزمه، فليس له رجوع في الصلح ويلزمه. ونحوه في المدونة. اهـ.
وهل أي اختلف الشيوخ بم يلزم الصلح؟ فتأول أبو عمران المدونة على أنه يلزم بالعقد، وعليه فيلزم مطلقا فيما دفع من المال الصالح به وفيما لم يدفعه، أو أي وتأول ابن محرز المدونة على خلاف ذلك وهو أن الصلح إنما يلزم بالدفع لا بالعقد، وعليه فيلزمه في ما دفع من المصالح به، فإن لم يدفع شيئًا لم يلزمه وإن دفع جميع ما صالح به لزمه، وإن دفع بعضه لزمه ما دفع دون ما لم يدفع.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، قال البناني: الأول لأبي ضمران والثاني لابن محرز وهما على قول المدونة، ولو أقر رجل بقتل رجل يعني خطئا ولم تقم بينة فصالح الأولياء على مال قبل أن يلزم الدية على العاقلة بقسامة وظن أن ذلك يلزمه فالصلح جائز. اهـ. أبو الحسن: أي لازم نافذ، وانظر بماذا يلزم قال أبو عمران بالعقد؟ وقال ابن محرز: إنما يلزم
стр. 6202
بالدفع. اهـ. وقد بقي على المص التقييد بظن اللزوم، والتأويلان مبنيان على أن العاقلة تحمل الاعتراف كما في الحطاب ومصطفى. اهـ.
واعلم أنه اختلف فيمن أقر بقتل خطإ على أربع روايات: الأولى: أنه إن اتهم أن يكون أراد إغناء ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان تقيا مأمونا ولم يخف أن يرشى عن ذلك ثم تكون الدية على العاقلة بقسامة، فإن لم يقسموا فلا شيء لهم. الرواية الثانية: أنها على المقر في ماله، الثالثة: لا شيء عليه ولا على عاقلته، الرابعة: تفض عليه وعلى عاقلته فما أصابه غرمه وما أصاب العاقلة سقط.
إلا إن ثبت القتل وجهل لزومه هذا مفهوم قوله: "مقر بخطإ" يعني أنه إذا ثبت هذا الخطأ ببينة وصالح الجاني أولياء المقتول عن الدية ظنا منه أنها تلزمه لأجل جهله بالحكم، فإن الصلح لا يلزمه. وقوله: "وجهل لزومه" أي تصور في نفسه لزومه أي المال الذي هو الدية له؛ إذ الجهل تصور الشيء على خلاف ما هو عليه، وحينئذ فيندفع ما قيل إن الذي جهله هو عدم لزوم الدية لهم لا اللزوم، فإما أن يكون معناه جهل لزومها للعاقلة أو معناه جهل شأن اللزوم؛ أي لم يعرف يلزم من؛ لأن هذا على تفسير الجهل بالعدمي أي عدم العلم بالشيء لا بالوجودي كما ذكرنا. قال العوفي: ولابد من ثبوت أنه يجهل أي بالفعل، أو أن مثله يجهل فهما صورتان. انتهى. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي.
وحلف يعني أن هذا الصالح الذي جهل لزوم الدية وقد قلنا إنه لا يلزمه الصلح، فإنما ذلك بشرط أن يحلف على ما ادعى من الجهل، فيحلف حيث ثبت قتل الخطإ ببينة أنه ظن لزوم الدية له بانفراده. وقوله: ولابد من ثبوت أنه يجهل بالفعل هذا يكفي في ثبوت اليمين، ولا يمكن أن يكون بالبينة لأنه لا يعلم إلا من جهته. قاله بعضهم. وهو قول المص: "وحلف" لخ. الشيخ أبو الحسن: يقوم من هنا أن من ادعى الجهل فيما الغالب أن جنسه يجهله أنه يصدق. اهـ. قاله البناني. وإذا حلف المصالح الذي ظن لزوم الدية له بانفراده في مسألة ثبوت قتل الخطإ ببينة، رد بالبناء للمفعول المال المصالح به ما عدا ما يخصه مع العاقلة فإنه لا يرد، ولا يقال نصيبه هو لا يلزمه إلا منجما لأنا نقول هو متطوع بتعجيله. قاله عبد الباقي.
стр. 6203
إن طلب بالبناء للمجهول به أي بالصلح من أولياء المقتول مطلقًا. وجد ما صالح به بيد أولياء المقتول أم لا، فيرجع في عينه إن كان باقيا، وفي مثله أو قيمته إن فات بذهاب عينه؛ لأنه كالمغلوب على الصلح أو طلبه أي كان الجاني خطئا هو الطالب للصلح، والحال أنه وجد ما دفعه في الصلح بيد أولياء المقتول كلا أو بعضا، فيرجع فيه وما فات أو تلف فلا شيء له فيه قِبَلَهُم، كمن أثاب على صدقة ظانا لزوم الثواب. قاله التتائي. ويحسب له وللعاقلة ولا يرجع عليهم بشيء. قاله عبد الباقي. وقوله: "إن طلب" شرط في الرد، وقوله: "أو طلبه" عطف على "طلب"، وحاصله أنه إذا كان هو المطلوب بالصلح يرد له ما دفع إن كان باقيا، فإن فات بذهاب عينه رجع بقيمته أو مثله، وإن كان هو الطالب رد له ما وجد بأيديهم وما فات لا شيء له فيه، ويحسب له وللعاقلة ولا يرجع عليهم بما حسب لهم. قاله الهاروني. وقال شيخنا البنوفري: بل يرجع على العاقلة بما حسب لها، ومقتضى نقل الشارح والمواق أنه لا يحسب له ولا للعاقلة، فهي ثلاث مقالات أظهرها من جهة النقل الأخيرة. قاله الأجهوري. وقد يقال أظهرها من جهة النقل ما للبنوفري. قاله عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهان: الأول: قال الرهوني: انظر إذا لم يكن عجل ما ينوبه لكنه وقع الصلح على الحلول، هل يقضى عليه بتعجيله لانعقاد الصلح على الحلول أو يبقى إلى أجله المعتاد؛ لأن القبض له تأثير فلا يلزم من عدم رد ما قبض لزوم دفع ما لم يقبض؟ لم أر في ذلك نصا، والظاهر عندي الثاني. واللَّه أعلم اهـ.
الثاني: قال ابن عاشر: تأمل ما معنى وجوده، هل المراد أنه وجد على هيئته أو كيفما وجد؟ أو هل المراد أن قابضه صار عديما فلم يجد ما يقبض منه؟ تأمل. اهـ منه بلفظه. ونقله جسوس ولم يزد عليه شيئا. قلت: الثاني هو المراد، وبه جزم أبو علي ونصه: والمراد بالوجود وجود عينه كيف ما كان بدليل تشبيه هذا بمن أثاب عن صدقته. اهـ منه بلفظه. وفي الدر النثير من جواب لأبي الحسن ما نصه: هذه مسألة القاتل خطئا يظن لزوم الدية له فيدفعها ثم يعرف أنها لا تلزمه أو من عوض عن صدقته ظانا أنه يلزمه، ثم تبين أن ذلك لا يلزمه إن وجد ما دفع بعينه أخذه وإلا مضى لأنه سلطه عليه، وهذا إن وجد عين ما صالحه به وإلا فقد سلطه عليه. اهـ منه
стр. 6204
بلفظه. وقد صرح عبد الباقي بهذا عند قوله: مطلقا حيث قال: وفي قيمته أو مثله إن فات بذهاب عينه. اهـ.
وقال المواق: من المدونة: قال مالك: والقاتل خطئا إذا صالح الأولياء على مال نجموه عليه فدفع إليهم نجما، ثم قال: ظننت أن الدية تلزمني دون العاقلة فذلك له ويوضع عنه ويتبع أولياء المقتول العاقلة، قال ابن القاسم: ويرد عليه أولياء القاتل ما أخذوه منه إذا كان يجهل ذلك. ابن يونس: قال جماعة من أصحابنا: وعليه اليمين أنه ظن أن الدية تلزمه، قالوا: وينظر ما دفع في الصلح فإن كان قائما أخذه، وإن فات فإن كان هو الطالب للصلح فلا شيء له قبلهم كمن عوض عن صدقة، وقال ظننته يلزمني وإن كان مطلوبا بالصلح فإنه يرجع على الأولياء بما دفع إليهم أو بقيمته إن كان مما يقوم. اهـ.
وإن صالح أحد ولدين وارثين وإن عن إنكار فلصاحبه الدخول قال الخرشي: يعني أن أحد الوارثين سواء كانا والدين (١) أو أخوين أو عمين أو غير ذلك إذا صالح شخصا على مال ادعى عليه أنه خالطه موروثه، فأقر له أو أنكره فإن للوارث الآخر أن يدخل مع صاحبه فيما صالح به عن نصيبه من ذهب أو فضة أو عروض، وله أن لا يدخل معه ويطالب بحصته كلها في حالة الإقرار وله ترك ذلك والمصالحة بما دون ذلك، وأما في حالة الإنكار فإما أن يكون له بينة أم لا، فإن كانت له بينة أقامها وأخذ حقه أو تركه أو صالح بما يراه صوابًا، وإن لم تكن له بينة فليس على غريمه إلا اليمين ويرجع المصالح على الغريم بما أخذ منه إن دخل معه. اهـ.
وقال عبد الباقي: وإن صالح أحد ولدين مثلا وارثين شخصا خليطا لأبيهما ادعى عليه هذا الوارث مالًا لأبيه، وإن كان صلحه عن إنكار من المدعى عليه فلصاحبه الدخول معه فيما صالح به عن نصيبه من ذهب أو فضة أو عرض، وقولنا مثلا لأنه فرق بين كون الوارثين ولدين أو غيرهما، كعمين أو ابني عم. قاله التتائي. وله أن لا يدخل معه ويطالب بحصته كلها في حالة الإقرار وله ترك كله وله المصالحة بدون ما صالح به صاحبه، وأما في حالة الإنكار فإن كانت له
стр. 6205
بينة أقامها وأخذ حظه أو تركه أو صالح بما يراه صوابا، وإن لم يكن له بينة فليس له على غريمه إلا اليمين، ويرجع المصالح على الغريم بما أخذ منه إن دخل معه. اهـ. قوله: ويرجع المصالح على الغريم لخ هذا يجري على قول المص: "وإن صالح على عشرة من خمسينه" وهو ظاهر لتساوي المسألتين وهذه وما يأتي من قوله: "وإن صالح على عشرة مىن خمسينه" الصلح فيهما الصلح عن المال، وما مر من قوله: "وإن صالح أحد وليين" لخ الصلح فيه صلح عن القصاص كما مر. واللَّه تعالى أعلم.
كحق لهما في كتاب تشبيه في أن المصالح لصاحبه الدخول معه، وقوله: "في كتاب" متعلق بمحذوف نعت "لحق" والضمير في "لهما" عائد على ما تقدم باعتبار العددية لا باعتبار الوصف بالولدية والإرثية. قاله أحمد. أي فهو راجع للمقيد بالتثنية بدون قيديه وهما الولدية والوارثية. قاله عبد الباقي. وإيضاحه أن تقول الضمير عائد على الوصوف من قوله: "وإن صالح أحد ولدين وارثين" أي شخصين ولدين وارثين من دون اعتبار الصفة، ومعنى كلام المص أن الحق المشترك بين شخصين إذا كان في كتاب وصالح أحدهما عن حصته بشيء فإن لصاحبه الذي لم يصالح أن يدخل مع المصالح في ما صالح به، وله أن لا يدخل معه ويأخذ جميع حقه.
أو مطلق عطف على قوله: "في كتاب" وفي الحقيقة عطف على الصفة أي أن الشريك الذي لم يصالح له أن يدخل مع صاحبه فيما صالح به سواء كان الحق في كتاب أو كان مطلقًا أي لم يكتب في كتاب فموضوع المص أن أصل الحق مشترك بينهما وباعاه صفقة واحدة بهذا الحق الذي على زيد، فالحق لهما معا إلا الطعام ففيه تردد ظاهر كلامه أنه إذا صالح أحد الشريكين فللآخر الدخول معه إلا في الطعام، ففي دخوله معه تردد وليس هذا هو المراد، بل أراد أن ينبه على أنه في المدونة استثنى الطعام فتردد المتأخرون في وجه استثنائه، فقوله: "إلا الطعام ففيه تردد" أي ففي وجه استثنائه ترددت هل هو مستثنى من صدر المسألة أعني ما أفاده من قوله: "وإن صالح أحد ولدين وارثين وإن عن إنكار كحق لهما في كتاب أو مطلق" من أن لأحدهما أن يصالح عن نصيبه فقال: "إلا الطعام" أي لا يجوز له أن يصالح عن نصيبه في الطعام لأن في ذلك بيع طعام المعاوضة قبل قبضه، أو هو مستثنى من آخر المسألتين أعني ما أفاده قوله الآتي: "إلا أن
стр. 6206
يشخص ويعذر إليه في الخروج أو الوكالة فيمتنع" من جواز الإذن لصاحبه في الخروج لاقتضاء حقه خاصة، فقال: "إلا الطعام" فليس لأحدهما أن يأذن لصاحبه في الخروج لاقتضاء حقه خاصة؛ لأن إذنه في الخروج مقاسمة له وهي في الطعام كبيعه قبل قبضه، والأول لعبد الحق والثاني لابن أبي زمنين وغيره.
واعلم أن الاختلاف المذكور إنما هو في محل المستثنى منه، وأما في الحكم فهما متفقان عليه. قاله التاودي.
وهذا الذي قررت به المص هو الصواب وهو الذي قاله غير واحد من المحققين. إلا أن يشخص ويعذر إليه في الخروج أو الوكالة فيمتنع مستثنى من قوله: "فلصاحبه الدخول معه" يعني أن محل ما مر من قوله فلصاحبه الدخول معه إنما هو حيث لم يشخص المصالح إلى المدين ويعذر إلى صاحبه الذي لم يسر، وأما إن شخص إلى المدين أي سار إليه شخصه أي ذاته وأعذر إلى شريكه الذي لم يسر في الخروج معه في اقتضاء نصيبه، أو في الوكالة له أو لغيره في اقتضاء نصيبه فامتنع من الخروج ومن الوكالة فإنه لا دخول له مع المصالح فيما صالح به عن نصيبه، وكذا لو اقتضى نصيبه ولم يصالح فلا دخول له فيما اقتضى.
وقوله: "ويعذر" أي يقطع عذر شريكه بأن يرفعه إلى السلطان ليخرج أو يوكل فيمتنع من ذلك، قال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "فلصاحبه الدخول معه" قوله: "إلا أن يشخص" بفتح التحتية والخاء المعجمة أي يخرج بشخصه أي ذاته أي يسافر للمدين بعضهم لاقتضاء نصيبه، ويعذر إليه أي إلى البعض الذي لم يشخص عند الحاكم أو بحضور بينة في الخروج معه لاقتضاء نصيبه أو الوكالة له أو لغيره في اقتضاء نصيبه فيمتنع من ذلك، والمدار على الإعذار وإن لم يكن سفر. قاله الأجهوري. وفي التتائي خلافه ولا دخول لصاحبه معه فيما اقتضي؛ لأن امتناعه من الشخوص معه ومن التوكيل دليل على عدم دخوله معه، وأنه رضي باتباع ذمة الغريم الغائب. اهـ.
قوله: والمدار على الإعذار وإن لم يكن سفر لخ، نحوه قول أبي الحسن فصل في المدونة في الغائب: وسكت عن الحاضر وهو مثله في الإعذار اهـ. قاله البناني. وقوله: عند الحاكم أو
стр. 6207
بحضور بينة، قال الرهوني: ظاهره أن الإعذار إليه بالبينة فيمتنع كاف، وإن تأتَّى له الرفع للقاضي وهذا هو ظاهر المدونة في كتاب الحمالة، لكن قال ابن يونس عقب كلامها ما نصه: قال بعض فقهاء القرويين: أما امتناعه بعد الرفع إلى السلطان من الخروج مع صاحبه فلا يدخل مع صاحبه فيما اقتضي، فصواب وأما إشهاده عليه فيجب أن لا ينتفع بذلك لأنه كالمقاسمة فلا يجب أن يكون بحكم قاض، إلا أن يكون بموضع لا قاضيَ به فتقوم الجماعة مقام القاضي ويصير ذلك مقاسمة.
محمد بن يونس: ولعل ابن القاسم أراد ذلك. اهـ منه بلفظه. وقال هنا ما نصه: وإذا أعذر إلى شريكه في الخروج معه قبل الحطيطة فامتنع فلا ينفعه الإشهاد عليه دون أن يرضى له بالخروج وحده، فإن لم يرض له بالخروج وامتنع أن يخرج معه رفع أمره إلى القاضي فيحكم عليه بالقاسمة، فإذا حكم عليه صار مثل حقين لا يدخل عليه فيه كما لو رضيا واقتسما. اهـ منه بلفظه. ونسب ابن غازي ما عزاه ابن يونس لبعض القرويين للتونسي فلعله مراد ابن يونس لكن ظاهر ابن ناجي أنه لم يجعله تفسيرا كما فعل ابن يونس ونصه: وما ذكره فيما إذا أعذر له عند السلطان متفق عليه، وما ذكره فيما إذا أشهد خالف فيه التونسي لأن القسم لا يكون إلا بحكم، إلا أن يكون بموضع لا سلطان فيه فتقوم الجماعة مقامه. اهـ منه بلفظه.
وقال أبو الحسن عند كلام المدونة في الحمالة ما نصه: وقوله: فإن أشهد عليهم لخ ظاهره سلموا أو امتنعوا من التسليم، وقيل إن امتنعوا لابد من الحاكم. اهـ. لكنه جزم في باب الديات بأنه لابد من الحاكم إن لم يسلموا. واللَّه أعلم. اهـ. كلام الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.
وإن لم يكن غير المقتضى يكن تامة وغير فاعل، وهو مبالغة في عدم دخول الممتنع فيما قبضه الشاخص؛ يعني أنه إذا أعذر الشريك الشاخص لصاحبه في الخروج أو الوكالة وامتنع من ذلك، فإنه لا دخول له فيما أخذ ولو كان الذي أخذ هو جميع ما عند المدين، فقوله: "وإن لم يكن غير المقتضى" بفتح الضاد أي وإن لم يكن عند المدين غير ما أخذه الشاخص قضاء عن حقه، قوله: "وإن لم يكن غير المقتضى" استشكله ابن عاشر بقوله: تأمل قائل هذا مع ما تقدم في قوله في التفليس عاطفا على ما للغريم أن يمنع منه من أحاط الدين بماله وإعطاء غيره قبل أجله أو كل ما
стр. 6208
بيده. اهـ منه بلفظه. ونقله جسوس ولم يجب عنه، وأجاب عنه التاودي بما نصه: قد يقال امتناعه من الخروج وتسليمه القبض لشريكه يعد رضى منه باتباع ذمة الغريم وإعطائه كل ما بيده، فليس له المنع بعد. انتهى منه بلفظه. وأجاب عنه أبو علي بقوله: لأن هذا أعذر لشريكه فهو راض بقبضه، ومعلوم أنه يحتمل أن لا يبقى له شيء فقد رضي بإسقاط حقه. اهـ.
قال الرهوني: وفيهما معا نظر لأن رضاه بقبضه بعد الإعذار هو موجب الإشكال لأنه صار به كل واحد منهما كصاحب دين مستقل، وكونه بعد بذلك يعد رضى منه بإعطائه جميع ما بيده ممنوع، وتوجبه أبي علي ذلك بقوله: ومعلوم أنه يحتمل أن لا يبقى له شيء لا يفيد لأنه يجوز أيضًا أن يبقى له ما يوفي به حقه، فمن حجته أن يقول: إن تبين أنه بقيَ بيده شيء فلا يضرني إذني له في ذلك، وإن تبين خلاف ذلك فلي فيه متكلم، وقد ذكر ابن يونس نحو هذا الجواب عن بعض القرويين وأقره، ولكن جعل موضوعه تسليمه له فيما اقتضاه بعد قبضه وهو حينئذ صحيح، ويلزم على هذا الفرق أن ذوي الحقوق المتفرقات إذا خرج أحدهم لقبض حقه بعد إعلامه غيره وإذنهم له في ذلك أنه لا كلام لهم إن دفع المديان لمن خرج جميع ما بيده ولا أظن أحدا يلزم هذا، نعم إذا كان الإذن مع علمهم بأنه ليس له إلا ما يدفعه له كان له وجه.
أو يكون بكتابين عطف على "يشخص" فهو في حيز الاستثناء يعني أنه إذا كان الحق المشترك بين الشخصين مكتوبا في كتابين، بأن كتب نصيب كل منهما بكتاب منفرد فإنه لا دخول لأحدهما فيما اقتضاه صاحبه، كان أصل الحق المشترك بينهما مبيعا في صفقة واحدة أم لا، قال عبد الباقي: أو إلا أن يكون الحق المشترك بينهما بكتابين؛ أي كتب كل منهما نصيبه بكتاب منفرد ثم اقتضى أحدهما حقه أو بعضه فليس للآخر الدخول معه فيما اقتضى؛ لأن كتبهما المشترك بكتابين كالمقاسمة. اهـ. قوله: كتب كل نصيبه بكتاب لخ احترز به عما إذا كتب جميع حقهما بكتاب واحد وجعلا منه نسختين أخذ كل واحد منهما واحدة. قاله الرهوني. وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أن الحق إذا كان بكتابين فلا يدخل أحد الشريكين على الآخر فيما اقتضي، وإن كان ذلك ثمن شيء واحد بينهما وباعاه في صفقة واحدة كعبد أو ثوب، قال في
стр. 6209
المدونة: والحق إذا كان بكتابين كان لكل واحد ما اقتضى ولم يدخل عليه شركاؤه، وإن كان شيئًا أصله بينهم أو باعوه في صفقة. اهـ.
وفيما ليس لهما وكتب في كتاب قولان يعني أنه إذا كان لكل واحد من الشخصين شيء خاص به لم يشاركه فيه صاحبه، وشيئاهما متحدان جنسا وصفة وباعاهما في صفقة واحدة بثمن واحد وكتب ذلك الثمن في كتاب واحد، فإنه اختلف في ذلك على قولين هل يدخل أحدهما فيما اقتضاه صاحبه لجمع مالهما في كتاب واحد أو لا يدخل أحدهما فيما اقتضاه صاحبه من نصيبه؛ لأن أصل الثمن ليس مشتركا بينهما. وقوله: "قولان" مبتدأ وخبره فيما ليس لهما وفي كتاب متعلق بكتب. قال عبد الباقي: وفيما ليس مشتركا لهما أي بينهما بل كل منهما له شيء خاص به لكن باعاه معا بثمن واحد لا بثمنين. قاله أحمد. واتحدت السلعتان جنسسا وصفة كثوبين وحيوانين، وإن اختلف قدر ما لكل وكتب أي ثمنه في كتاب واحد قولان في دخول أحدهما فيما اقتضاه الآخر، بناء على أن الكتابة الواحدة تجمع ما كان مفترقا وعدم دخوله بناء على عدم الجمع، والقولان أيضًا مفرعان على جواز جمع الرجلين سلعتيهما في بيع من غير شرط أو وجد شرطه كأن قوما على ما تقدم في قوله: "كعبدي رجلين بكذا". اهـ.
قوله: والقولان مفرعان أيضًا على جواز لخ، قال البناني: نحوه لابن يونس كما في المواق، قال الحطاب: إذا كانت المسألة مفرعة على جواز جمع الرجلين سلعتيهما في بيع فلا حاجة لذكرها؛ لأنها مفرعة على غير المشهور. اهـ. لكن إن وجد شرط الجواز في جمع السلعتين كان التفريع على المشهور كما في الزرقاني وسقط بحث الحطاب. اهـ. وقوله: "قولان" القول بأن لصاحبه الدخول معه فيما اقتضى لسحنون، قال صاحب التكملة في شرحه: ظاهر الكتاب وصريح قول سحنون اشتراك الكتابة في المفترق يوجب الاشتراك في الاقتضاء، والقول بأنه ليس له الدخول فيما اقتضى صاحبه لابن أبي زيد، قال ابن يونس: وفيه نظر لأن الكتابة لما كانت تفرق ما كان أصله مشتركا بينهما فيكون إذا كتباه بكتابين كقسمة الدين، كذلك ينبغي أن تجمع الكتابة ما كان أصله مفترقا وعليه يدل ظاهر الكتاب. واللَّه أعلم. ومفهوم ما مر من أنهما باعا متاعهما صفقة
стр. 6210
واحدة أنهما لو باع كل بانفراده وجمع الثمن في كتاب واحد أنه لا دخول لأحدهما فيما اقتضى الآخر من حقه وهو كذلك.
تنبيه: قال عبد الباقي: قوله وفيما ليس لهما وكتب في كتاب قولان ما نصه: هذا وما قبله يجري في الأجرة كما يجري في الثمن، فإذا آجر شخصان داريهما صفقة واحدة بأجر متفق صفة، فكل من اقتضى من المستأجر شيئًا دخل معه فيه الآخر؛ يعني وكتب ذلك في كتاب واحد على أحد القولين، والظاهر أن وظائف الخدمة يجري فيها ذلك لأن ما يؤخذ منها بمنزلة الأجرة. اهـ.
ولا رجوع إن اختار ما على الغريم وإن هلك يعني أن محل دخول أحد الشريكين فيما اقتضاه صاحبه من الغريم إنما هو حيث لم يختر اتباع الغريم، وأما إن سلم للمقتضي ما اقتضاه واختار اتباع الغريم أي الدين فإنه ليس له بعد ذلك أن يدخل مع صاحبه فيما اقتضاه وإن هلك ما بيده؛ لأن اختياره اتباع الغريم كالمقاسمة ولا رجوع له بعدها، والضمير في هلك عائد على ما كما يفيده المدونة، وجعله عبد الباقي عائدا على الغريم أو ما، فإنه قال؛ ولا رجوع لأحد الشريكين على الآخر فيما قبضه من الغريم إن اختار تسليم ذلك له واتباعه ما على الغريم، وإن هلك الغريم نفسه أو ما بيده لأن اختياره اتباع الغريم كالمقاسمة ولا رجوع له بعدها، فإن قيل هذا تكرار مع قوله: "وإن لم يكن غير المقتضى" إذ يفيد أحدهما ما يفيده الآخر، أجيب بأن ما مر لم يكن غير المقتضى حين الخروج والهلاك هنا حصل بعد اختيار اتباع الغريم، وبأن ما مر فيما إذا قبض أحدهما بإذن من الآخر له في الخروج وأعذر له في الخروج والوكالة فيمتنع، وهنا قبض بغير إذنه ثم أمضى قبضه واختار اتباع الغريم. اهـ. وقوله: "ولا رجوع إن اختار" لخ قال الشارح: هذا مثل قوله في المدونة: وإن اختار اتباع الغريم ويسلم له ما اقتضى لم يدخل معه بعد ذلك فيما قبض، وإن توي ما على الغريم لأن ذلك كمقاسمة الدين القاضي: وتوى بفتح التاء وكسر الواو وقد تفتح الواو والأول أفصح: هلك. اهـ.
وإن صالح على عشرة من خمسينه فللآخر إسلامها صورتها أن لزيد وعمرو مائة على بكر مثلا من شيء أصله شركة بينهما، كانت المائة بكتاب أو بغير كتاب فصالح زيد مثلا عن خمسينه بعشرة
стр. 6211
من غير شخوص ولا إعذار، فعمرو بالخيار إن شاء أسلم العشرة لزيد ويتبع هو الغريم بخمسينه كلها، وإن شاء أخذ من شريكه خمسة من العشرة التي صالح بها، كما قال: أو أخذ خمسة من شريكه الذي هو زيد، ويرجع على المدين ببقية حقه خمسة وأربعين. وإذا أخذ عمرو الخمسة من زيد يأخذ الآخر الذي هو زيد من المدين خمسة فتتم له العشرة التي صالح بها.
وقوله: "وإن صالح" الأولى التعبير بالفاء لأن هذا مفرع على قوله: "وإن صالح أحد ولدين وارثين" لخ، وقوله: "من خمسينه" من هنا بمعنى بدل كما في قوله : ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي بدل الآخرة، قال عبد الباقي: وإن صالح أحد شريكين في مائة على غريم بكتاب أو غيره على عشرة من خمسينه أي بدلها وقبضها فللآخر الذي لم يصالح إسلامها أي العشرة للمصالح ويتبع الغريم بخمسينه أو أخذ خمسة من شريكه المصالح، ولم يقل منها مع أنه أخصر لاقتضائه الرجوع في عين العشرة وليس كذلك. قاله أحمد. أي غير متعين ويرجع الذي لم يصالح على الغريم بخمسة وأربعين تمام خمسينه، ويأخذ الآخر المصالح، قال ليست للعهد الذكريّ من الغريم خمسة أي يرجع عليه بها لأنها بمثابة المستحقة منه، وهذا بالنسبة إلى الصلح عن الإقرار، وأما على الإنكار فيأخذ شريكه من المصالح خمسة من العشرة المصالح بها ثم يرجع من صالح على الغريم بالخمسة المدفوعة لشريكه ولا رجوع للشريك، على الغريم بشيء لأن الصلح على الإنكار ليس فيه شيء معين يرجع به. فضمير صالح عائد على أحد الشريكين، ومن للبدل كما قررنا على حد قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾.
وأثبت نون خمسينه خوف التباسه بخمسيه بضم الخاء وفتح السين تثنية خمس، وأشر قوله: "على عشرة" أنه لو صالح بدل خمسينه بعرض أو طعام فلشريكه تركه واتباع الغريم بخمسينه، وله أخذ نصف العرض أو الطعالم من شريكه، قال سحنون: ثم يكون بقية الدين بينهما، وذلك أنه تعدى له على دين فابتاع به شيئًا فهو كعرض باعه بغير أمره، وليس كعين تعدى فيه والصلح في غير موضع أشبه شيء بالبيع. اهـ. ولابن القاسم في كتاب المديان أن للذي لم يصالح أن يأخذ من شريكه نصف العرض الذي صالح به، ثم إذا قبض هو جميع حقه رد عليه نصف العرض الذي أخذه منه يوم وقع الصلح به. اهـ. قوله: "ولا رجوع" للشريك على الغريم بشيء،
стр. 6212
قال البناني: مثله في الخرشي وفيه نظر إذ الفرض أنه لم يصالح، فالظاهر أنه يطالبه حتى يحلف أو يؤدي أو يصالح. اهـ. وقد مر له ما هو الصواب عند قوله: "وإن صالح أحد ولدين وارثين" لخ، فقد قال الرهوني: هذا هو الظاهر دون ما يأتي له عند قوله: "وإن صالح على عشرة" لخ، وقوله: وأشعر قوله على عشرة أنه لو صالح بدل خمسينه بعرض أو طعام لخ كله كلام المدونة.
ولما ذكره ابن يونس قال بعده ما نصه محمد بن يونس: قال بعض شيوخنا: ترد عليه القيمة وإن كان مما يكال أو يوزن، ثم قال: وقال غيره من شيوخنا بل يدفع في المكيل والموزون مثله. محمد بن يونس: وهذا هو الصواب لأنه إنما أخذ ما أوجب له عليه الحكم ولا أجر له فيعا صنع. اهـ.
تنبيه قول ابن يونس: ولا أجر له فيعا صنع ظاهره قبض ما اصطلح به في الحضر أو شخص إليه، ولم يعذر إليه في ذلك لأنه ذكره بعدهما معا وهو ظاهر إذا تولى ذلك بنفسه فقط؛ لأن ما أخذ منه شريكه إنما هو كالاستحقاق فلا وجه لأخذه الأجرة، ويشهد له ما يأتي في الحوالة عن ابن رشد وسلمه ابن عرفة، ومثله إذا قبض حقه فقط وادعى أنه إنما قبضه لنفسه وإن ادعى أنه قبضه لنفسه ولشريكه فحكمه حكم ما إذا قبض الجميع، وقد نص ابن الحاج في نوازله على أنه له أجرة مثله بعد أن يحلف أنه ما خرج من بلده لاقتضاء ذلك متطوعا، وسواء خرج بإذن شريكه أو بغير إذنه. اهـ. نقله المواق عند قوله: "ورجعت الزوجة بما أنفقت"، وصاحب المعيار قبل نوازل السماسرة وسلماه، ونقل أبو علي هنا كلام العيار وساقه كأنه المذهب جازما به.
قلت: وهو خلاف ظاهر كلام المدونة ففيها في كتاب الشركة ما نصه: ولو صح عقد المتفاوضين في المال ثم تطوع الذي له الأقل بعمل في الجميع جاز ولا أجر له. اهـ منه بلفظه. لكن قال ابن ناجي: إن قوله هنا تطوعا معناه نصا فلا يعارض قولها في أحد الشريكين: إذا مرض أو غاب إنه يرجع عليه إذا تفاحشت خدمته لأنه هناك عمل فقط. اهـ. بالمعنى. وفيه نظر انظر ما يأتي في الشركة عند قوله: "وله التبرع" فالحق أنهما قولان وأن ما هو في المدونة أرجح واللَّه أعلم. قاله الرهوني.
стр. 6213
وقوله: "وإن صالح على عشرة من خمسينه" لخ هو أحد أقوال ثلاثة في المدونة، وهذا قول ابن القاسم في كتاب الصلح من المدونة وقول غيره في كتاب المديان منها. الثاني: أن للذي لم يصالح أن يأخذ من شريكه خمسة ثم يرجع هو على الغريم بخمسين جميع حقه، فإذا أخذها دفع للمصالح الخمسة التي أخذ منه. ثالثها قول غير ابن القاسم في كتاب الصلح: إن اختار الذي لم يصالح أن يدخل مع المصالح في العشرة فإني (١) أجعل دينهما كالستين دينار فيكون له خمسة أسداس العشرة، وللمصالح سدسها ثم يرجع المصالح بخمسة أسداسها على الغريم ويرجع عليه الآخر بما بقي له: وذلك أحد وأربعون دينارا وثلثا دينار. اهـ. قاله الرهوني.
وقال بعد جلب كلام كثير ما نصه: وبه تعلم أن ما درج عليه المص هو قول ابن القاسم في كتاب الصلح من المدونة وقول غيره في كتاب المديان منها، وأن في المدونة قولين آخرين. وقال الرهوني: فهذه الأقوال الثلاثة متفقة على أنه ليس للمصالح إلا العشرة، وأن للذي لم يصالح خمسين وإنما اختلفت في كيفية ذلك. اهـ. واللَّه تعالى أعلم.
وإن صالح بموخر عن مستهلك لم يجز يعني أن من استهلك شيئًا من المقومات عرضا أو حيوانا فإنه لا يجوز أن يصالح عنه بمؤخر من غير جنس قيمته مطلقًا أو من جنسها وهو أكثر لأن ذلك فسخ ما في الذمة في مؤخر. إلا بدراهم كقيمته هذا مستثنى من قوله: "لم يجز" يعني أن محل عدم الجواز إنما هو حيث كان هذا المؤخر من غير جنس القيمة أو من جنسها وهو أكثر كما قررت وأما إن كان هذا المؤخر من جنس القيمة وهو قدرها أو أقل كما قال. فأقل فإن ذلك جائز. واعلم أن من استهلك مقوما فإنه بنفس استهلاكه ترتب القيمة لمالكه في ذمة المستهلك والقيمة إنما هي بالعين من الذهب أو الفضة، فمن استهلك مقوما فليس له أن يلزم الجاني مثله وله أن يلزمه العين، كما أن المستهلك لا يلزمه المثل وله أن يلزمه العين، فإذا استهلك له مقوما وأرادا أن يصطلحا على مؤخر فلا يجوز ذلك إلا بفضة قدر قيمته أو أقل.
стр. 6214
أو بذهب كذلك أي قدر قيمة المستهلك فأقل إذ لا محذور فيه لأنه انظر مدينه وذلك جائز، فإن صالحه بفضة أكثر من القيمة أو بذهب أكثر من قيمته امتنع لأنه فسخ ما في الذمة في مؤخر، وبقي للجواز شرط آخر أشار إليه بقوله: وهو أي المقوم المستهلك مما يباع به بما صولح به كالعقار فإنه لا يباع إلا بالذهب، وإذا كان لا يباع إلا بالذهب لجري العادة بذلك فإنه لا يقوم إلا بالذهب، فإذا صولح عنه بالفضة المؤخرة لم يجز ذلك لأنه فسخ ما في الذمة في مؤخر لأنه فسخ ما ترتب له من الذهب في ذمة المستهلك في فضة لا يتعجلها مع ما في ذلك من الصرف المؤخر.
والحاصل أن من الأشياء ما تعتبر قيمته بالذهب، ومنها ما تعتبر بالفضة، فما تعتبر فيه القيمة بالذهب لا يصالح عنه بمؤخر عرضا أو فضة قدر قيمته أو أقل أو أكثر، وإنما يصالح بالمؤخر من الذهب إذا كان قدر قيمته فأقل، وكذا يقال فيما يقوم بالفضة كالحلي من الذهب، ففي كتاب الغصب من المدونة: ومن غصب لرجل سوارين من ذهب فاستهلكهما فعليه قيمتهما من الدراهم، وله أن يؤخره بتلك القيمة. وعلم مما مر أنه إذا جرت العادة بتقويم المستهلك بأحدهما معينا وقوماه بخلاف ما جرت به العادة بمؤخر أن ذلك لا يجوز، وفي كلام عبد الباقي هنا نظر ظاهر. انظر البناني.
وقال عبد الباقي عند قوله: "مما يباع به" ما نصه: وأسقط المص قيد كونه يباع به بالبلد، قال التتائي: وكأنه عنده طردي. اهـ. قوله عن التتائي: وكأنه عنده طردي لخ أي غير معتبر وليس كذلك، بل يعتبر في التقويم التقييد بالبلد، ولذا تارة تكون القيمة ذهبا وتارة تكون فضة فالقيد لابد منه كما قاله أبو الحسن. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وإذا كانت عادة البلد تقويم المستهلك بذهب أو فضة وقوماه بأحدهما معينا فلا يجوز أخذ الآخر عنه مؤجلا. اهـ.
ووقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وإن صالح بمؤخر عن مستهلك كعرض أو طعام أو حيوان. اهـ المراد منه. قوله: أو طعام، قال البناني: تبع في ذكر الطعام التتائي والشارح، قال مصطفى: وفيه نظر لأن المسألة مفروضة في المدونة وغيرها في المقومات، والطعام مثلي يترتب مثله باستهلاكه فأخذ العين فيه فسخ دين في دين مطلقًا. اهـ المراد منه. ومفهوم قوله: بمؤخر أنه لو صالحه بدراهم أو ذهب حالين فيجوز من غير اعتبار. قوله: كقيمته فأقل. وعلم من المص أن المسألة في
стр. 6215
المقوم بدليل قوله: "كقيمته" ومن المقوم المثلي مجهول القدر، وأما المثلي المعلوم القدر فلا يصالح عنه بعين مؤخرة لترتب مثله في ذمة المستهلك، فيكون فسخ ما في الذمة في مؤخر كما مر. واللَّه تعالى أعلم. وقال البناني عند قول المص: "إلا بدراهم قدر قيمته فأقل" ما نصه: أبو الحسن: ظاهر المدونة وإن لم يعرفا قيمة المستهلك هذا حيث أخذ الجنس المرتب له في القيمة من دنانير أو دراهم، وأما في غير الجنس فلابد من معرفة القيمة. اهـ باختصار. وجعل الرهوني كلام أبي الحسن هذا فيما إذا كان المأخوذ عن المستهلك معجلا، وجعله البناني فيما إذا كان المأخوذ مؤخرا، فقال: والظاهر أن هذا مع تحقق أن المصالح به لا يزيد على القيمة، أما مع احتمال أنه أكثر من القيمة فلا. واللَّه أعلم. ورده الرهوني بأن هذا يؤدي إلى أنه إذا أخذ غير الجنس مؤخرا مع معرفة قيمة المستهلك فإنه يجوز، مع أنه لا يجوز. واللَّه تعالى أعلم.
كعبد أبق قال الخرشي: تشبيه في الحكم والعلة، والمعنى أن الشخص إذا غصب عبدا لغيره فأبق عنده ولزمته القيمة فإنه لا يجوز له أن يصالحه عنها بعرض مؤخر، فإن صالحه عنها بدنانير أو دراهم قدر القيمة التي لزمت الغاصب بالاستيلاء جاز وليست المصالحة عن نفس السابق وإلا منع؛ لأن الصلح على غير المتنازع فيه بيع وبيع السابق لا يجوز. اهـ. ونحوه لعبد الباقي وزاد: ويجوز بنقد معجل، ومثل الغصب الإجارة والوديعة والعارية حيث ضمن المستأجر أو المودع أو المستعير بتفريطه حتى أبق. اهـ. وقال الحطاب: قال في كتاب الصلح: وإن غصبك عبدا وأبق منه لم يجز أن يصالحك على عرض مؤجل، وأما على دنانير مؤجلة فإن كانت كالقيمة فأقل جاز وليس هذا من بيع الآبق. واللَّه أعلم. اهـ. ونحوه في المواق.
وإن صالح كان عن إقرار بشقص ملك له من عقار عن موضحتي عمد وخطإ أي جنى عليه عمدا فأوضحه وجنى عليه خطئا فأوضحه أيضًا وأراد شريك الجاني الأخذ بالشفعة، فالشفعة بنصف قيمة الشقص يدفعها للمجني عليه مع دية الموضحة، وصورة المسألة أن شخصا أوضح آخر موضحتين إحداهما صدرت عمدا والأخرى خطئا، ثم صالح الجاني المجني عليه عن الموضحتين بشقص أي جزء من عقار مشترك بينه وبين غيره، وقيمة الشقص يوم الصلح عشرون مثلا فأراد الشفيع وهو شريك الجاني أن يأخذ بالشفعة، فإن الشقص يقسم نصفين: نصف في مقابلة
стр. 6216
الموضحة الصادرة عن العمد ونصف في مقابلة الموضحة الصادرة عن الخطإ، فيدفع الشريك للمجني عليه نصف قيمة الشقص وهو عشرة في المثال المذكور؛ لأنه القابل للعمد وليس في العمد شيء مقدر، ويدفع له أيضًا دية الموضحة الصادرة خطئا في نصف الشقص الآخر المدفوع في مقابلة الخطإ ودية الموضحة نصف عشر الدية الكاملة؛ لأن من قاعدة ابن القاسم في المدونة فيما أخذ في مقابلة معلوم ومجهول أنه يوزع عليهما شطرين، للمعلوم نصفه وللمجهول نصفه قاله الخرشي وعبد الباقي. وزادَ: وتعتبر القيمة يوم الصلح كذا ينبغي. اهـ.
وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم من صالح عن موضحة عمد وموضحة خطإ على شقص من دار جاز وفيه الشفعة بدية موضحة الخطإ وبنصف قيمة الشقص؛ لأنا قسمنا الشقص على الموضحتين وإحداهما معلومة والأخرى مجهولة. ابن يونس: ووجهه أن المصالح بالشقص إنما دفعه ثمنا للموضحتين فكان العدل أن يجعل لكل موضحة نصفه. اهـ.
وهل كذلك إن اختلف الجرح يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا لم تتفق جراح العمد والخطإ بل اختلفت، فمنهم من جعل الشقص يقسم بين المعلوم والمجهول نصفين، فأول قول ابن القاسم في المدونة على ذلك، فيوافق قول ابن عبد الحكم إنه يجعل بينهما نصفين وإن لم تتفق الجراح، ومنهم من تأول المدونة على أن محل ذلك إن اتفقت الجراح، وأما إن لم تتفق فإنه يوزع الشقص على قدر دية الجراح وعليه أكثر القرويين. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، قال عبد الباقي: وهل كذلك يقسم ما قابل المعلوم والمجهول نصفين إن اختلف الجرح كنفس ويد وهو قول ابن عبد الحكم، أو أنه عند اختلاف الجرح يجعل الشقص على قدر ديتهما فيأخذ الشفيع الشقص بخمس مائة دينار، وثلثي قيمة الشقص إن كان القطع هو الخطأ والقتل عمدا لأن دية اليد في الخطإ خمس مائة ودية النفس لو كانت خطئا ألف، وإذا نسبت خمس مائة لمجموع خمس مائة وألف كانت ثلثا، فيغرم الخمس مائة دية الخطإ ويغرم في مقابلة النفس العمد ثلثي قيمة الشقص، وعلى هذا فقس في عكس ذلك يأخذ في الشفعة بدية النفس وبثلث قيمة الشقص ومثل ذلك ما إذا أخذ الشقص عن مال مقرر دينا على الجاني وموضحة عمدا مثلا، أو
стр. 6217
عن مال دفعه المجني عليه للجاني وأخذ الشقص في مقابلة المال المدفوع والموضحة. اهـ. كلام عبد الباقي.
وقوله: وإن صالح بشقص عن موضحة عمد وخطإ لخ هو خاص بالصلح على الإقرار كما مرت الإشارة إليه، وأما في الإنكار فالشفيع يأخذ الشقص بقيمة الجميع. انظر البناني.
وَلما أنهى الكلام على الصلح أتبعه بالكلام على الحوالة لأنها شبيهة به؛ لأنه تحويل من شيء لآخر كما أنها كذلك لأنها تحويل الطالب من طلب غريمه لغريم غريمه، فقال:
стр. 6218
باب في الحوالة بفتح الحاء مأخوذة من التحول من شيء إلى شيء، وعرفها ابن عرفة بقوله: الحوالة طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى ولا ترد المقاصة؛ إذ ليست طرحا بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له، قال: وقول ابن الحاجب: نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى تعقب بأن النقل حقيقة في الأجسام. اهى. وتعقب مصطفى تعريف ابن عرفة بأن الطرح مفرع عن الحوالة لا نفسها، إذ المفرع عن الشيء ليس هو ضرورة، وقد جعله في الجواهر حكما من أحكامها، فقال: أما حكمها فبراءة المحيل من دين المحال. اهـ. قال البناني: قلت الطرح في كلام ابن عرفة هو فعل الفاعل أي طرح المحال الدين عن ذمة المحيل لخ، فهو مضاف للمفعول وليس هو البراءة في كلام الجواهر، بل البراءة مفرعة عنه. اهـ.
عياض: قال الأكثر هي رخصة لأنها مبايعة مستثناة من الدين بالدين والعين بالعين، غير يد بيد لأنها معروف، قلت: ليست من الدين بالدين لبراءة المحيل بنفس الإحالة، فهي من باب النقد قاله الباجي. اهـ. قاله البناني. وقال الرهوني: نقله عن الأكثر أنها رخصة لا ينافي ما في التوضيح من قوله: وهي محمولة على الندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة. انتهى. لأن الرخصة لا تنافي الندب كما هو مقرر في محله. اهـ. وقال المواق: ومعناها تحويل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى. عياض: هي مندوبة وقيل مباحة. ابن يونس: لم يختلف في جواز الحوالة. اهـ. المراد منه.
ولم يتعرض المؤلف لتعريف الحوالة بل اعتنى بشروطها فقال: شرط الحوالة رضى المحيل والمحال يعني أنه يشترط في صحة الحوالة أن يرضى بها المحيل والمحال، فإذا كان لزيد دين في ذمة عمرو ولعمرو دين في ذمة بكر، فإنه يشترط في تحويل زيد عن عمرو إلى ذمة بكر أن يرضى بذلك عمرو وهو المحيل في هذا المثال، وأن يرضى بذلك زيد وهو المحال في هذا المثال ولا يشترط رضى بكر وهو المحال عليه عند جميع العلماء كما قال: فقط وهل يشترط حضوره أي المحال عليه، وإقراره بالدين أو لا يشترطان؟ قال عبد الباقي: في ذلك قولان مرجحان. اهـ. قال البناني: فيه نظر، بل الراجح إنما هو القول باشتراط الحضور، وأما عدم اشتراطه فقد انفرد بتشهيره ابن سلمون وهو متعقب بما نقله الحطاب من اقتصار الشيوخ على اشتراطه. اهـ. وهذا
стр. 6219
الذي قاله البناني قاله غير واحد. وتعقبه الرهوني بجلب كثير من النقول، وحاصله تقوية ما لابن سلمون جدا، ويأتي في التنبيه الثاني من هذه التنبيهات بعض تحصيله لذلك. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات الأول: قال عبد الباقي: وإنما يشترط رضى المحال عليه في مسالتين: إحداهما قوله فيما يأتي: "فإن أعلمه بعدمه وشرط البراءة صح"، والثانية: وجود عداوة بينه وبين المحال سابقة عن وقت الحوالة بل لا تصح الحوالة عليه حينئذ على المشهور من المذهب، وهو قول مالك: وأما لو حدثت بعد الحوالة فهل يمنع من اقتضاء دينه ليلا يبالغ في إيذائه بعنف مطالبته فيوكل من يقضيه عنه، أو لا يمنع لأن الحوالة سابقة وقد دخل على أن صاحب الحق يقتضي حقه؟ تردد في ذلك ابن القصار، وفحوى كلامه أنه لا يمكن من الاقتضاء بنفسه. اهـ. قوله: إحداهما قوله فيما يأتي فإن أعلمه لخ فيه نظر يعلم مما يأتي، قاله البناني. وقوله: تردد في ذلك ابن القصار فيه نظر؛ لأن تردد ابن القصار إنما هو في طرو العداوة بعد المداينة، وخرج على ذلك البساطي طروها على الحوالة. قاله الرهوني.
الثاني: قال الرهوني بعد جلب كثير من النقول في تشهير ما لابن سلمون من قوله: المشهور أنه لا يشترط حضور المحال عليه ولا إقراره ما نصه: فتحصل من هذا أن ما شهره ابن سلمون وابن عاصم وولده هو المشهور، وأن دليل ذلك ظاهر غاية الظهور وأنه الذي يفهم من ظواهر المدونة، وليس فيها ما يخالفه أصلا، وقد رأيت وجه ذلك مبينا عقلا ونقلا، فشد يدك عليه ولا تلتفت لما خالفه وإن جل قائلوه، وعظم قدرا مسلموه وناقلوه، فليس الشأن معرفة الحق بالرجال وإن كنت ولابد ممن يعرفه بهم فلا تغفل عن جلالة أبي إسحاق الملقب بالنظار، وأبي عبد اللَّه المازري الذي قال فيه في الديباج: لم يكن في عصره للمالكية أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم في سائر الأقطار، وقيل فيه إنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وأبي بكر بن يونس الذي قيل في ديوانه مصحف المذهب، وأبي الوليد بن رشد الذي قال فيه الإمام ابن مرزوق: إنه المقدم نقلا وفهما شهد له بذلك ابن عبد السلام فمن فوقه، وأنشد فيه ما هو معلوم وغيرهم ممن قدمنا من أهل الإتقان والتحرير. والعلم كله للَّه العلي الكبير. اهـ. وفيه عن ابن يونس: قال بعض الفقهاء: فإن أحاله
стр. 6220
ثم أنكر المحال عليه أن يكون عليه دين، فالأظهر أن لا مقالة له لأنه فرط حين أحاله وهو حاضر مقر إذ لم يشهد عليه، ولكن لو لم يحضر فقبل الحوالة عليه فلما حضر أنكر لا نبغى أن لا تلزمه الحوالة، وكذلك إن مات قبل أن ينكر وذلك كالعيب في الحوالة. اهـ المراد منه.
الثالث: في الصحيحين والموطإ من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: (مطل الغني ظلم فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع) (١)، وهذا الحديث قد دل بظاهره على أنه لابد من معرفة كون المحال عليه مليا. اهـ.
الرابع: قال الخرشي مفسرا للمص: أي شرط لزوم حوالة القطع رضى من عليه الدين، ثم قال: وقولنا في صدر المسألة أي حوالة القطع احتراز من حوالة الإذن فلا يشترط فيها هذه الشروط، بل تجوز بما حل وبما لم يحل وبالطعام وبغيره وهو توكيل وللمحيل عزل المحال، ولا تبرأ ذمة المحيل إلا بالقبض. انتهى. يشير بهذا إلى ما في الحطاب عن ابن جزي في قوانينه: الحوالة على نوعين، إحالة قطع وإحالة إذن. وذكر شروط إحالة القطع ثم قال: وأما الإذن فهو كالتوكيل على القبض فيجوز بما حل وما لم يحل لخ.
وثبوت دين يعني أنه يشترط في صحة الحوالة ثبوت الدين، قال الرهوني: والذي يظهر أن المراد بثبوت الدين وجوده ولو بقول المحيل مع تصديق المحال حقيقة أو حكما، بأن يسكت عند الإحالة ومحترزه إذا لم يدع ذلك المحال، ولذا عقب المص ذلك بقوله: فإن أعلمه بعدمه، وبهذا يوافق ما هنا قوله الآتي: والقول للمحيل إن ادعى عليه لخ. اهـ. وقال ابن عاشر: المراد بثبوت الدين وجوده لا الثبوت العرفي ببينة أو إقرار، وحينئذ يكفي في ثبوته تصديق المحال بثبوته كما يأتي آخر الباب. انتهى المراد منه. قاله على سبيل الاحتمال. وهو الذي جزم به الرهوني كما رأيت. وقال عبد الباقي: وثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه، وكذا للمحال على المحيل وإلا كانت وكالة لا حوالة، وإن لم يوجد دين في الصورة الأولى كانت حمالة لا حوالة ولو وقعت بلفظ الحوالة، ووصف دين بقوله: لازم ليحترز به عن دين صبي وسفيه وعبد بغير إذن وليه
стр. 6221
وسيده، فإنهما لا يصح لهما أن يحيلا به حيث كان لهما ولا أن يحال عليه حيث كان عليهما. اهـ.
وقال البناني: وقول المص: "لازم" لم يذكره ابن شأس ولا ابن الحاجب ولا ابن عرفة، وقد تورك المواق على المص في اشتراطه قائلا: إنما اشترطوا هذا في الحمالة. اهـ. لكن نقل في التوضيح عن التونسي أنه لا تجوز حوالة الأجنبي على المكاتب وهو يفيد شرط اللزوم فتأمله. وما في الزرقاني من أنه احترز به عن دين صبي أو سفيه بغير إذن وليه فلا يحال به حيث كان لهما، ولا يحال عليه حيث كان عليهما فغير ظاهر؛ لأن هذا خارج بشرط ثبوت الدين لأنه لا دين هنا، وكذا من صرف من رجل دينارا بدراهم وأحال غريمه عليها لا دين له لعدم صحة الصرف تأمله. اهـ.
ويدخل في قول المص: "لازم" ما خالعت به الزوجة فإنه يجوز للرجل أن يحيل عليه ويؤخذ من تركة الزوجة إن ماتت ويحاص الغرماء، فإن لم يجد شيئًا سقط، وما نقل عن ابن المواز من أنها إذا ماتت قبل القبض رجع المحال على الزوج بدينه مبني على مذهبه من أن العوض في الخلع يفتقر إلى حيازة فيبطل بموت الزوجة قبل قبضه وهو ضعيف مخالف للمشهور، وما بنوه عليه هنا ضعيف فالصواب إسقاطه، وقد قدمناه في الخلع فراجعه. قاله الرهوني.
وقال المواق: من المدونة: لا تكون حوالة إلا على أصل دين وإلا فهي حمالة. اهـ.
واعلم أن من تصدق على رجل بشيء أو وهبه شيئًا ثم أحال المعطى بالفتح به على من له عليه دين، فإنها حوالة كما في التوضيح مع أنه لا يصدق عليه دين عرفا كما في الحطاب، وإن كانت الهبة والصدقة يلزمان بالقول لكنهما غير دين لازم متقرر لبطلانهما بموت المعطي أو فلسه قبل حوز المعطى بالفتح، قاله عبد الباقي.
قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: علم مما مر أن الثبوت إنما هو شرط في كونها حوالة لا غير فتصير حينئذ حمالة. فإن أعلمه بعدمه وشرط البراءة صح قال الخرشي: فاعل "أعلم" هو المحيل والهاء ترجع للمحال، والضمير في "عدمه" يرجع للدين. انتهى. والمعنى أن المحيل إذا أعلم المحال أنه لا دين له على المحال عليه، وشرط المحيل براءته من دين المحال صح الإبراء ولزم، ولا رجوع للمحال على المحيل عند ابن القاسم؛ لأن المحال ترك حقه والإعلام ليس بشرط بل علمه
стр. 6222
كاف كما في المدونة، وظاهره سواء علم المحيل بعلمه حين الحوالة أم لا، وهو ظاهر، قال البناني: والظاهر أن الحوالة صحيحة وإن لم يرض المحال عليه أي بالتحمل، لكن إن رضي لزمه وإلا فلا. اهـ.
وهل إلا أن يفلس أو يموت تأويلان قوله: "فإن أعلمه بعدمه" لخ هو قول ابن القاسم في المدونة، ومعنى كلام المص أن الشيوخ اختلفوا في قول ابن القاسم في المدونة فمنهم من تأوله على رواية ابن وهب عن مالك في المدونة أنه لا رجوع للمحال على المحيل إلا أن يفلس المحال عليه أو يموت، فيرجع حينئذ المحال على المحيل، ومنهم من حمل قول ابن القاسم على ظاهره فلا يكون للمحال رجوع على المحيل ولو فلس المحال عليه أو مات، والتأويل الأول أي تأويل التوفيق لمحمد وتأويل الخلاف لسحنون وابن رشد. انظر المواق. والشارح.
وقال البناني: التأويلان ذكرهما ابن رشد في المقدمات ونصه: واختلف إن اشترط التحمل له على الحميل أن حقه عليه وأبرأ الغريم، فظاهر قول ابن القاسم في كتاب الحوالة أن الشرط جائز ولا رجوع له على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له عليه إلا أن يموت الحميل أو يفلس، ثم قال: ومن الناس من يحمل رواية ابن وهب عن مالك في المدونة على التفسير، لقول ابن القاسم فيها: ويقول معنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لا رجوع للمتحمل له على غريمه الأول إلا أن يموت أو يفلس. اهـ. ويحتمل عندي أن يؤول قول ابن القاسم على أنهما قد أبرءا الغريم جميعا من الدين جملة فيكون ابن القاسم إنما تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه في رواية ابن وهب عن مالك وهذا ممكن سائغ محتمل. انتهى. فهي ثلاث تأويلات، وعزى ابن يونس الثاني لمحمد والثالث لأبي عمران، وقال أشهب في كتاب محمد: يرجع في الفلس والموت مع العلم وشرط البراءة. قال ابن يونس: يحتمل أن يوفق بينه وبين قول ابن القاسم بمثل التأويل الثاني، وعليه تأوله محمد ولا يمكن فيه التأويل الثالث لأنه شرط البراءة، كقول ابن القاسم بخلاف رواية ابن وهب.
وبما ذكرنا من كلام ابن رشد وابن يونس تعلم أن التوفيق الذي في كلام المص موجود بين قول ابن القاسم ورواية ابن وهب كما هو موجود بينه وبين قول أشهب، خلافا لمصطفى في إنكاره وجوده
стр. 6223
في رواية ابن وهب. اهـ كلام البناني. قوله: وعزا ابن يونس الثاني لمحمد أي ابن المواز هكذا وجدته في ابن يونس، وكذا في نقل المواق ومصطفى عنه وعزاه في التوضيح -وتبعه الشارح والتتائي- لأبي محمد بن أبي زيد، وقد رأيته في ابن ناجي على المدونة معزوا لأبي محمد ناقلا له عن ابن يونس وأظنه تصحيفا. وقوله: كما هو موجود بينه وبين أشهب خلافا لمصطفى لخ اعتراضه هذا على مصطفى صواب، لكن الصواب أن يقول كما هو موجود بينه وبين رواية أشهب؛ لأنه كذلك في ابن يونس. قاله الرهوني.
وجلب نص ابن يونس إلى أن قال: فيصير على هذا التأويل قول ابن القاسم، ورواية ابن وهب في المدونة ورواية أشهب في كتاب محمد واحدة. واللَّه أعلم. وقول البناني: إن ابن يونس عزا الثالث لأبي عمران نحوه يفهم من كلام مصطفى، ولكن لم أجد ذلك في النسخة التي بيدي من ابن يونس، وكلام ابن ناجي ظاهره موافق للنسخة التي بيدي فإنه لما ذكر كلام ابن يونس، قال عقبه: وتأول أبو عمران بأن جواب ابن القاسم فيه ولو علمت وفيه شرط المحيل البراءة فهو اختلاف سؤال، فكل منهما يقول بقول صاحبه. اهـ المراد منه. وقال عبد الباقي عند قوله "تأويلان" ما نصه: قال أحمد: انظر لو رضي المحال عليه بالحوالة ودفع هل يرجع على المحيل أم لا؟ وينبغي أن يكون له الرجوع لأن اشتراط البراءة إنما هو بالنسبة إلى المحال؛ أي ولأن رضاه بمنزلة الحميل وهو يرجع إذا غرم، وتوقف في ذلك بعض شيوخنا ثم قال: البراءة قطعت ذلك. اهـ. أي فصار المحال عليه كالمتبرع بالدفع، وكتب بعض أشياخي على قوله: وينبغي أن يكون له الرجوع فيه قصور إذ النقل كذلك. انتهى. انتهى.
وصيغتها يعني أنه يشترط في صحة الحوالة الصيغة أي اللفظ الدال عليها، نحو: أحلتك، قال الخرشي: وظاهره أنه لابد من لفظها الخاص بها، قال أبو الحسن: وأن يكون بلفظ الحوالة. اهـ. ووقع في البيان ما يدل على أنها لا تتوقف على ذلك، ونص الحوالة أن يقول أحلتك بحقك على هذا أو أبرأ إليك منه، وكذا خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك، وظاهر كلام ابن عرفة أنه ماش على كلام البيان في قوله: لفظ الحوالة أو ما ينوب منابه، حيث قال: الصيغة ما دل على ترك المحال دينه من ذمة المحيل في ذمة المحال عليه. اهـ. وقال أبو علي: وما قاله أبو
стр. 6224
الحسن وافقه عليه أبو عبد اللَّه الفشتالي، ثم قال بعد أن قال ما نصه: وقد تبين من هذا كله أن مذهب المدونة واللخمي وأبي الحسن ومن وافقه أنه لابد من لفظ الحول، ومذهب ابن رشد أن ما ينوب مناب ذلك كالتصريح بلفظ الحول وهو دليل كلام ابن عرفة. اهـ.
قال الرهوني: قلت: ما لابن رشد هو صريح كلام ابن العطار وقد قبله المتيطى، وكون الإشارة من القادر لا تكفي هنا على طريقة أبي الحسن ومن وافقه واضح، وقد وجه أبو الحسن ما اعتمده بقوله: كل عقد خرج عن أصله ورخص فيه يشترط في عقده التصريح كالمساقاة. اهـ. وقد قال المص: "بساقيت"، وقال قبل هذا: "إن لفظ بالعرية"، وأما على طريقة ابن رشد ومن وافقه فلا وجه لعدم إجزاء الإشارة المفهمة، وقد قال ابن ناجي عند قول المدونة في كتاب الحمالة: وما فهم عن الأخرس أنه فهمه من كفالة وغيرها لزمه ما نصه قال المغربي وإشارة غير الأخرس كالأخرس. انتهى.
وقال أبو علي: ويحتمل عندي أن كلام أبي الحسن واللخمي ومن وافقهما موافق لكلام ابن رشد، بحمل كلام اللخمي ومن وافقه على أن المراد صريح اللفظ أو ما ينوب منابه كما يقوله ابن رشد، واحترزوا من الخال (١) منهما ويدل على هذا كلام ابن ناجي الذي ذكرناه وكذا كلام القلشاني والشارح وغيرهما. اهـ. واستظهر ذلك الرهوني أيضًا، وقال المواق: قال يحيى عن ابن القاسم في المطلوب يذهب بالطالب إلى غريم فيأمره بالأخذ منه ويأمره الآخر بالدفع إليه فيتقاضاه فيقضيه البعض أولا يعطيه شيئًا: إن للطالب أن يرجع على الأول لأنه يقول ليس هذا احتيالا بالحق إنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما وجه الحول أن يقول أحيلك بحقك على هذا وأبرأ إليك بذلك. اهـ.
وحلول المحال به يعني أنه يشترط في جواز الحوالة أن يكون الدين المحال وهو المدين الذي للمحال في ذمة المحيل حالًّا، قال البناني: هذا شرط في الجواز، قال عياض في قوله ﷺ : (مطل الغني ظلم): حجة أنه لا تجوز الحوالة إلا من دين حال؛ لأن المطل والظلم
стр. 6225
إنما يصح فيما حل. اهـ. قال في التوضيح: هذا محل الرخصة وهي لا تتعدى موردها، وقال الخرشي: يعني أن من شرط صحة الحوالة ولزومها حلول الدين المحال به وهو دين المحال الذي في ذمة المحيل؛ لأنه إذا لم يكن حالا أدى إلى تعمير ذمة بذمة، فيدخله ما نهي عنه من بيع الدين بالدين ومن بيع الذهب بالذهب أو الورق بالورق لا يدا بيد إن كان الدينان ذهبا أو ورقا، إلا أن يكون الدين الذي انتقل إليه حالا ويقبض ذلك مكانه قبل أن يفترقا مثل الصرف فيجوز ذلك، ونحوه لعبد الباقي قوله إلا أن يكون الدين لخ، قال البناني: هكذا قال ابن رشد كما قاله المواق، قال مصطفى: فإذا خرجت عن محل الرخصة أي بعدم الحلول فأجرها على القواعد فإن أدت لأمر ممنوع فامنع وإلا فأجز كما قال ابن رشد، وإنما أطلق من أطلق المنع إذا لم يحل الدين؛ لأن حقيقتها ذمة بذمة وتعجيل الحق يخرجها عن أصلها، وعلى التعجيل يحمل قولها في السلم الثاني: ولو استقرض الذي عليه السلم مثل طعامك من أجنبي وسأله أن يوفيك وأحالك به ولم تسئل أنت الأجنبي ذلك جاز قبل الأجل وبعده، وبه يعلم جواب ما أورده بعض أهل درس ابن عبد السلام حين إقرائه المدونة أن كلامها هذا خلاف المذهب في اشتراط حلول المحال به، فلم يحضره ولا غيره جواب.
وفي الرهوني أنه لا يحتاج إلى ما قاله مصطفى من التعجيل؛ لأنه ليس هنا بيع دين بدين، إذ هذا الدين الذي يلزم الوفاء به قبل قبض المقترض له لا يسمى دينا اصطلاحا كما في الهبة والصدقة، وقد اعترض الحطاب حد ابن عرفة بأنه غير جامع لأنه يخرج منه من تصدق على رجل ووهبه شيئًا ثم أحاله به على من له عليه مثله قائلا ما نصه: فإنها حوالة ولفظ الدين لا يطلق عليها عرفا وهو ظاهر غاية؛ إذ لو مات الواهب أو المتصدق أو المقرض في مسألة القرض قبل دفعه لم يؤخذ من تركته. اهـ. وما ذكره من أن القرض من التبرع هو المعول عليه كما مر بل هو الحق راجع ما تقدم عند قول المص: "وفي إقراضه قولان"، وعند قوله: "وهل القرض كذلك" لخ، وعند قوله أول الفلس: "من تبرعه". واللَّه تعالى أعلم.
وإن كتابة مبالغة في اشتراط حلول المحال به؛ يعني أن المحال به لابد أن يكون حالًا كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدين المحال به كتابة وأن يكون غيرها، وصورة ذلك أن
стр. 6226
يحل شيء من الكتابة أو الكتابة كلها فيحيل المكاتب بفتح التاء سيده على مدينه أي مدين المكاتب بالفتح. واعلم أن المكاتب إن أحال السيد على أجنبي بالكتابة فإن ابن القاسم يشترط حلولها، قال: وإلا فهو فسخ دين في دين، وقاس ذلك ابن القاسم على ما سمعه من مالك من منع بيع كتابة المكاتب لأجنبي بما لا يجوز. قاله في المدونة. وقال غيره فيها: تجوز الحوالة ويعتق مكانه لأن ما على المكاتب ليس دينا ثابتا، واختار سحنون وابن يونس وغيرهما قول الغير، وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أنه إنما يختلف ابن القاسم وغيره إذا سكتا عن شرط تعجيل العتق وعن بقائه مكاتبا، فعند ابن القاسم يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره يحكما بتعجيل العتق، وأما لو أحال بشرط العتق فلا يختلفان في الجواز ولا في عدمه بشرط عدمه. اهـ.
وقد علمت منه أن مذهب ابن القاسم في المدونة أن الحوالة تصح مع الحلول في الكتابة وإن لم يشترط تعجيل العتق. ابن عرفة: ولا تجوز حمالة بكتابة وتجوز الحوالة بها على أصل دين، وفي شرطها بحلولها قولا ابن القاسم وغيره فيها، وصوبه سحنون واللخمي والصقلي. بعض شيوخ عبد الحق: إن لم تحل الكتابة وأحال سيده بشرط تعجيل العتق أو بشرط عدمه لم يختلفا فيهما، وإن لم يشترطا فقال ابن القاسم: يفسخ يريد ما لم يفت بالأداء وعند غيره يحكم بتعجيل العتق. اهـ. وقد علمت أن هذا الذي ذكرته إنما هو في إحالة المكاتب السيد على أجنبي، وأما إذا أحاله على مكاتب له أسفل فلابد من تعجيل عتق الأعلى حلت كتابته أم لا. ابن عرفة بعد ما تقدم عنه: وفيها إن أحالك مكاتبك بكتابك على مكاتب له بقدرها لم يجز إلا ببت عتق الأعلى، فإن عجز الأسفل كان له أي للسيد الأعلى لما يأتي رقا. الصقلي: يريد وإن لم تحل كتابة الأعلى لشرط تعجيل العتق. المازري: قالوا لا معنى لاشتراط تعجيل العتق لأن الحكم يوجبه. الصقلي عن بعض شيوخه: القياس أن لفظ الحوالة موجب لتعجيل العتق وهو قول غير ابن القاسم، وأشار المازري للاعتذار عن شرط تعجيل العتق بما تقريره أن الحوالة إنما أوجبت براءة المحيل حيث كونها على محقق ثبوته وهو الدين الثابت في الذمة، والمحال عليه هنا ليس كذلك لاحتمال عجز الأسفل فلا يحصل نفس المحال عليه، فضعف إيجاب هذه الحوالة البراءة الموجبة للعتق فافتقر إلى شرطها بالعتق. انتهى. انتهى.
стр. 6227
وفي التوضيح قال في المدونة: ثم إن عجز الأسفل كان لك رقا ولا ترجع على المكاتب بشيء. اهـ. وقال عبد الباقي: ثم إذا بت عتق الأعلى عند حوالته على كتابة الأسفل تبعه السيد، فإن عجز رق له ولا يرجع على الأعلى بشيء لتمام حريته ولأن الحوالة كالبيع كما في المدونة. انتهى
تنبيهان: الأول: إن وقعت الحوالة ببعض النجوم فإنما يشترط حلول ذلك النجم فقط، فإن كان آخر النجوم صار حرا مكانه كما صرح بذلك في المدونة وغيرها، ويفهم من كلامهم أنه إن لم يكن الآخر فإنه يبرأ منه، ثم إن أبى ما بقيَ خرج حرا وإلا رق وهو واضح، وإنما نبهت على هذا لأن بعض الناس توقف فيه لعدم اطلاعه على كلام الناس. واللَّه أعلم. قاله الرهوني.
الثاني: قال الرهوني في نوازل المعاوضات من العيار ما نصه: وسئل أي سيدي عبد اللَّه العبدوسي عمن أسلف بشرط الحوالة، فأجاب بأنه لا يجوز مثل أن يسلفه دراهم أو طعاما أو دنانير على أن يحيله بها على غريمه فلان؛ لأن الحوالة بيع من البيوع فصار قد باع له تلك الدراهم بالدراهم التي على الغريم، فصار دراهم بدراهم إلى أجل. اهـ. وتعقبه الونشريسي بكلام لأبي إسحاق النظار، ورد الرهوني ما قاله الونشريسي والنظار بما هو التحقيق فانظره فيه إن شئت. واللَّه تعالى أعلم. وفي المدونة: ولا يجوز أن تستقرض من أجنبي مثل طعامك وتحيله على الذي عليه السلم، ويوفيك على ذلك حل الأجل أم لا. اهـ. وأما لو وفاكه بغير شرط الإحالة لجاز ذلك قولا واحدا. انظر الرهوني.
لا عليه يعني أنه لا يشترط حلول الدين المحال عليه كان كتابة أو غيرها، نعم يشترط في الحوالة على الكتابة أن يكون المحال هو السيد، ولا يصح أن يحيل السيد أجنبيا على دين الكتابة. قال في التوضيح: وأما الكتابة المحال عليها فلا يشترط ابن القاسم ولا غيره حلولها، ولا يعرف فيها من قال به. التونسي: والمكاتب جائز له أن يحيل سيده بما حل من كتابته على ما لم يحل، وإن كان المحال أجنبيا لم يجز لأن الحوالة إنما أحيلت (١) للأجنبي إذا أحيل على مثل الدين، وهاهنا قد يعجز المكاتب المحال عليه فتصير الحوالة قد وقعت على غير جنس الدين كما لو كان على
стр. 6228
رجل دين لأجنبي فأراد أن يحيله بذلك على مكاتبه ما جاز ذلك؛ لأنه قد يعجز المكاتب المحال عليه فتصير قد خالفت ما رخص فيه منها، وهو أن يكون المحال عليه من جنس المحال به. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهذا ظاهر لكون المكاتب إذا عجز يرق لمن له الكتابة. واللَّه تعالى أعلم. قال في التوضيح: فإن قيل أنتم تجيزون بيع الكتابة قيل أصل الحوالة رخصة فلا يتعدى بها ما خفف منها. اهـ
وهذا الذي قررت به المص من رجوع الضمير في قوله لا عليه للدين قرره به غير واحد، وقال الخرشي: ويحتمل أن الضمير عائد على المكاتب أي لا يصح أن يكون المحال على المكاتب أجنبيا أي لا يصح أن يحيل السيد أجنبيا له عليه دين على كتابة مكاتبه، وعلى هذا الاحتمال يعلم عدم اشتراط حلول الدين المحال عليه من مفهوم قوله: "وحلول المحال به". اهـ.
وتساوى الدينين قدرا وصفة يعني أنه يشترط في الحوالة أن يتساوى الدينان المحال به والمحال عليه في القدر والصفة، والمراد أن لا يكون المأخوذ من المحال عليه أكثر مما أحيل به المحال، فيجوز أن يحيله بخمسة على مدينه الذي له عليه عشرة يدفع للمحال خمسة، قال عبد الباقي: ولا يجوز كما أفتى به الأجهوري أن يأخذ المحال من المحال عليه منافع عين لتنزل المحال منزلة المحيل، وقال البناني: قال في المقدمات: والثاني أي من الشروط أن يكون الدين الذي يحيل به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة لا أقل ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر أو مخالفا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة وكان بيعا على وجه المكايسة، فدخلها ما نهي عنه من الدين بالدين. اهـ.
قال ابن يونس: قال في كتاب ابن المواز: إذا اختلفا في الصفة وفي الجودة والصنفُ واحدٌ وهما طعام أو عرض كانا أو أحدهما من بيع أو قرض فلا تصح الحوالة فيه وإن حلا. محمد بن يونس: لأنه إذا اختلف الصنفان دخله التكايس والتغابن وخرج عن وجه المعروف الذي أجازه إلى بيع الدين بالدين المنهي عنه، قال ابن المواز: إلا أن يقبض قبل أن يفترقا فيجوز إلا في الطعام من بيع فلا يصح أن يقبضه إلا صاحبه. اهـ. واستظهر الرهوني أن المراد بالدين بالدين هنا فسخ ما
стр. 6229
في الذمة في مؤخر، وقال قول ابن يونس: وخرج إلى بيع الدين بالدين هو تجوز في العبارة، وعلى هذا تكون العلة مطردة. واللَّه تعالى أعلم.
وفي تحوله على الأدنى تردد يعني أنه إذا تحول على الأكثر أو الأعلى منع قولا واحدا، وأما إن تحول على الأدنى صفة أو الأقل قدرا ففيه تردد بين المنع والجواز، فابن رشد قال بمنع ذلك كما رأيت، واللخمي والمازري والمتيطى قائلون بالجواز لأنه أقوى في المعروف، وعلل ابن رشد المنع بالخروج عن الرخصة إلى المكايسة فهو من بيع الكالئ بالكالئ، قال الرهوني عند: قوله وفي تحوله على الأدنى تردد ما نصه: أي اختلاف للمتأخرين، فالجواز للخمي والمازري والمتيطي وابن شأس وأكثر المتأخرين، والمنع لابن رشد وعياض. قلت: وما لابن رشد هو ظاهر كلام العتبية والموازية وابن يونس الذي قدمناه. فتأمله. اهـ.
تنبيه: قال الحطاب: قال في التوضيح: وحيث حكم بالمنع في هذا الفصل فإنما ذلك إذا لم يقع التقابض في الحال، وأما لو قبضه لجاز، ففي المدونة: إذا اختلفا في الصنف أو في الجودة والصنف واحد وهما طعام أو عين أو عرض من بيع أو قرض، أو أحدهما من بيع والآخر من قرض فلا تصح الحوالة وإن حلا. محمد: إلا أن يقبضه قبل أن يفترقا فيجوز إلا في الطعام من بيع فلا يصح أن يقبضه إلا صاحبه، وكذلك إن كان أحدهما ذهبا والآخر ورقا فلا يحيله به وإن حلا إلا أن يقبضه مكانه قبل افتراق الثلاثة وطول المجلس. اهـ. وقد مر هذا واللَّه تعالى أعلم.
واعلم أن المص مر على المنع أولا حيث عمم، ثم استدرك بقوله: "وفي تحوله على الأدنى تردد"، قال الخرشي: وكأنه حذف الأقل قدرا للعلم به من الأدنى صفة. اهـ. أي لأنه مما فيه التردد. واللَّه أعلم.
وأن لا يكونا طعاما من بيع يعني أنه يشترط في صحة الحوالة أن لا يكون الدين المحال به والدين المحال عليه طعامين من بيع، وهذا صادق بصورتين: إحداهما أن يكون الطعامان من قرض وهذه يكفي فيها حلول المحال به بلا نزاع، الثانية أن يكون أحدهما من بيع والآخر من قرض وهذه يكفي فيها حلول المحال به أيضًا فقط على المذهب وهو قول مالك وأصحابه، إلا ابن القاسم فإنه اشترط حلول المحال عليه أيضًا. ابن عرفة: الصقلي: وقولهم أصوب. اهـ. ولهذا
стр. 6230
مشى عليه المص وتبعه في الشامل حيث صدر به، ونقل الثاني بصيغة قيل. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. ومفهوم المص أنه لو كان الدينان طعاما من معاوضة لم تجز الحوالة لما فيه من بيع طعام المعاوضة قبل قبضه، ولم يقل المص طعامين لأنه في الأصل مصدر. قاله اللقاني. وقال الأجهوري: لأنه اسم جنس يصدق على القليل والكثير كماء، وثنى في السلم نظرا إلى كونهما نوعين مسلم ومسلم فيه، ولا يقال المحال به والمحال عليه مختلفان أيضًا من حيث وصفهما؛ لأنا نقول: لما اشترط تساويهما قدرا وصفة كانا كشيء واحد. اهـ.
قال عبد الباقي عند نقله كلام اللقاني ما نصه: وأريد هنا بالمصدر اسم المفعول؛ إذ ليس القصد هنا المصدر وإنما هو ذات الطعام المحال به وذات الطعام المحال عليه. انتهى. وقوله: "وأن لا يكونا طعاما من بيع "سواء اتفقت رءوس الأموال أو اختلفت، وقال أشهب: وإن كانا من بيع لم تجز الحوالة وإن حلا إلا أن يتفق رأس مالهما فتجوز، وقوله: وهذه يكفي فيها حلول المحال به بلا نزاع، قال الرهوني: وهو مخالف لما في أبي الحسن، لكن ما قاله أبو الحسن فيه نظر، فإني لم أر من ذكر ذلك غيره، بل قال ابن عرفة: وفيها طعاما القرض كالعرضين. اهـ منه بلفظه. ولم يذكر خلافه أصلا. وقوله: وهذه يكفي فيها حلول المحال به أيضًا على المذهب لخ، قال الرهوني: انظر من صرح بأنه المذهب، مع أن مقابله قول ابن القاسم في المدونة والواضحة والمجموعة والموازية، وبه صدر ابن رشد في المقدمات وعليه اقتصر ابن زرقون، نعم اللخمي اقتصر على ما عزاه ابن حبيب لمالك وأصحابه واختاره ابن يونس فكل منهما قوي. واللَّه أعلم.
لا كشفه عن ذمة المحال عليه يعني أنه لا يشترط في صحة الحوالة كشفه أي المحال عن ذمة المحال عليه أغني أو فقير، بل تصح الحوالة عليه مع عدم الكشف عن ذمته على المذهب، وقد مر الكلام على حضوره وإقراره بالدين هل يشترطان أو لا؟ البناني: المازري: شرط بيع الدين علم حال ذمة المدين وإلا كان غررا، بخلاف الحوالة لأنها معروف فاغتفر فيها الغرر ونحو هذا لابن يونس واللخمي. انظر المواق. اهـ. الرهوني: وهذا الذي في المواق مخالف لما في ابن غازي عن ابن عرفة، فإنه قال بعد ذكره كلام ابن يونس مختصرا ما نصه: ومن لازم هذا الكلام أن الحوالة لا تجوز حتى يرف ملاء الغريم من عدمه، وهو نقل المازري واللخمي فتأمله. اهـ. كذا نقله ابن
стр. 6231
غازي هنا وفي تكميل التقييد وسلمه وقد راجعت كلام ابن عرفة في أصله فوجدت ما نقله عنه ابن غازي هو لفظه، قلت: من وقف على كلام ابن يونس ظهر له ببادي الرأي أن الصواب ما فهمه منه ابن عرفة، ومن تأمله ظهر له أن الصواب ما فهمه منه المواق.
ويتحول حق المحال على المحال عليه يعني أنه بمجرد عقد الحوالة يتحول حق المحال على المحال عليه، فلا رجوع له بعد ذلك على المحيل، وإن كان المحال عليه أفلس حين الحوالة أي أحاله عليه والحال أنه أي المحال عليه مفلس أي فقير فلا رجوع له على المحيل، وأولى لو طرأ له الإفلاس بعد الحوالة. أو جحد يعني أنه لا رجوع للمحال بعد الحوالة على المحيل، وإن جحد المحال عليه الدين بأن قال: لا دين علي لمن أحالك، قال عبد الباقي: جحد بعد تمام الحوالة لا قبلها حيث لا بينة عليه بالدين. اهـ. وكان الأولى أن يأتي بفاء التفريع لأن هذا مفرع على قوله: "لا كشفه عن ذمة المحال عليه"، قوله: جحد بعد تمام الحوالة لا قبلها لخ، قال البناني: فيه نظر بل ظاهر المص أنه لا رجوع للمحال بجحده قبل الحوالة إذا جهل المحيل ذلك بدليل، لكن يقيد بوقوع التصديق من المحال. قال ابن عرفة عن التونسي: لو كان المحال عليه غائبا فلما حضر أنكر كان للمحال حجة. المازري: قوله في الغائب صحيح إن لم يصدق المحال المحيل في صحة دينه، فإن صدقه جرى على الخلاف فيمن دفع وديعة لمن زعم أن ربها أمره بقبضها منه وصدقه المودع وأنكر ربها فغرمها له، هل يرجع على قابضها بها لغرمه إياها أو لا لتصديقه إياه؟ اهـ. وسيأتي عند الزرقاني أن تصديق المحال بالدين يكفي في ثبوته. واللَّه أعلم. وقال ابن عرفة: سمع سحنون المغيرة: إن شرط المحال على المحيل إن فلس المحال عليه رجع على المحيل فله شرطه، ونقله الباجي كأنه المذهب، وقال ابن رشد: هذا صحيح لا أعلم فيه خلافا. ابن عرفة: وفيه نظر لأن شرطه مناقض لعقد الحوالة، وأصل المذهب في الشرط المناقض للعقد أنه يفسده. اهـ. قوله عن ابن عرفة: ونقله الباجي كأنه المذهب. الرهوني: وكذا اللخمي نقله كأنه المذهب، ونصه: فإن أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات أو غاب لم يرجع المحال إلا أن يشترط أنه يرجع إن فلس أو مات فله شرطه، وهو قول المغيرة في العتبية. اهـ. منه بلفظه. وقول ابن عرفة: فيه نظر، سلمه البناني وهو غير مسلم، فإن تسليم سحنون والعتبي قول المغيرة:
стр. 6232
وإتيان الباجي واللخمي به كأنه المذهب من غير أن يذكروا فيه خلافا ولو شاذا مع قول ابن رشد هذا صحيح لا أعرف فيه خلافا كاف، وبحث ابن عرفة جوابه أن تأثير الشرط المناقض محله المعاوضات الحقيقية لبنائها على المكايسات لا التبرعات، فإن ذلك فيها غير موثر، ولذلك عمل بشرط المحبس أن من احتاج من المحبس عليهم باع وشرط الواهب أو المتصدق على محجور أن لا يحجر عليه فيما وهبه أو تصدق به عليه على المشهور في هذه، وهو الصواب كما تقدم تحريره، والحوالة من المعروف بلا نزاع، وابن عرفة لا ينازع في ذلك. اهـ.
تنبيه: قال عبد الباقي: لا يدخل الرهن أو الحميل في عقد الحوالة أو الشراء أو الهبة إلا أن يشترط دخولهما ويحضر الحميل ويقر بالحمالة، وإن لم يرض بالتحمل لمن ملك الدين للسلامة من شراء ما فيه خصومة لكن لرب الدين أن يطلب وضعه عند أمين هذا هو المطابق للنقل دون فتوى الناصر اللقاني بتحوله برهنه وضامنه. اهـ.
إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه يعني أن محل عدم رجوع المحال على المحيل حيث أفلس المحال عليه إذا لم يعلم المحيل بإفلاسه وقت الحوالة، وأما إن علم وقت الحوالة أنه مفلس فللمحال الرجوع على المحيل، وقوله: فقط معناه دون المحال أي علم بإفلاس المحال عليه عند الحوالة المحيل دون المحال، وأما إن علمه المحال معه فلا رجوع له عليه، وإنما كان له الرجوع حيث علم المحيل وحده لأنه غره. قال عبد الباقي: إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه أي المحال عليه فقط دون المحال، فيرجع على المحيل لأنه غره والظن القوي كالعلم فيما يظهر، ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده أو بعدمه، وإن لم يكن مفلسا وكذا بأنه سيء القضاء على أحد قولين والآخر لا يضر، وأما علمه بجحده فإن كان ليس عليه بالدين بينة فلا حوالة لفقد شرطها، وإن كان معناه علمه من حاله أنه بعد تمام الحوالة يجحد إقراره الحاصل حين الحوالة، فهذا لا يوجب رجوع المحال على المحيل فيما يظهر، فإن شك المحال مع علم المحيل بكإفلاس المحال عليه فله الرجوع على المحيل.
تنبيهان: الأول: قوله: "إلا أن يعلم" لخ مقيد بما إذا لم يكتب الموثق في عقد الحوالة بعد معرفة ملاء المحال عليه وموضعه، وإلا فلا رجوع بوجه. قاله ابن سلمون.
стр. 6233
الثاني: قال الحطاب: ولو دفع المحال عليه الدين للمحيل لم أر فيه نصا، والظاهر أنه إن علم المحال عليه بالحوالة لزمه غرمه للمحال، وإلا لم يلزمه كما قال في سماع عيسى من كتاب الصدقات في دفع الدين الموهوب للواهب. اهـ. وقال الخرشي عند قوله: "إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط" ويثبت علم المحيل بإفلاس المحال عليه إما ببينة أو إقرار وعلم الجحود كعلم الفلس. اهـ. وقال غير واحد: ولو عبر المص بعدمه بدل إفلاسه لكان أخصر وأحسن، فيكون الإفلاس أولى بل كلامه يوهم أن العلم بالفقر ليس كالعلم بالإفلاس وليس كذلك. اهـ.
ولو أدخل الكاف على إفلاسه ليشمل ما تقدم من علمه بعدمه أو لدده لكان أحسن. قاله عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق من المدونة: قال مالك: إذا أحالك غريمك، على من له عليه دين فرضيت باتباعه برئت ذمة غريمك ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه، ولو غرك غريمك من ضدم يعلمه بغريمه ففلس فلك طلب المحيل، ولو لم يغرك أو كنتما عالين بفلسه كانت حوالة لازمة لك. المازري: وأما الجحود فاختار بعض شيوخنا أنه لا يوجب الرجوع على المحيل لأن المحال فرط إذ لم يشهد على المحال عليه، فكأنه لما قبل الحوالة برئت ذمة المحيل وفرط في الإشهاد فصار كالمتلف لماله قبل القبض فمصيبة الجحود منه ولا أعرف لمالك في هذا نصا. اهـ. وحلف على نفيه إن ظن به العلم يعني أن المحيل إذا أحال على من هو مفلس ولم يقر بأنه يعلم بأنه مفلس حين الحوالة فإنه ينظر، فإن كان ممن يظن به العلم بذلك أي كان مثله يتهم بأنه يعلم بذلك ولا يخبر به المحال، فإنه يحلف على نفي بأن يقول: باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد أحلته وأنا لا أعلم بأنه مفلس، فإن لم يتهم بذلك لم يحلف. قال عبد الباقي: وحلف على نفيه أي العلم إن ظن بالبناء للمفعول به العلم أي كان مثله يتهم بذلك وإلا لم يحلف، وإن اتهمه المحال كذا يفيده النقل فقراءة ظن بالبناء للمفعول كما ذكر تفيد ما في النقل وضبطه بالبناء للفاعل جري على خلاف النقل، والظاهر جري مثل ذلك في دعوى المحيل على المحال مشاركته في العلم وأنكر المحال. اهـ.
وقال الخرشي: أي إذا ادعى المحال على المحيل أنه يعلم عدم المحال عليه فإنه يحلف إن ظن به العلم؛ أي بأن كان مثله يتهم بهذا، فإن حلف برئ ولزمت الحوالة وإن نكل حلف المحال
стр. 6234
ورجع بدينه على المحيل، فإن لم يظن به العلم فلا يمين عليه، والمناسب قراءة ظن بالبناء للمفعول إذ قراءته بالبناء للفاعل تفيد أن ظن المحال به ذلك يوجب اليمين وإن كان مثله لا يتهم بذلك، وهو خلاف ما يفيده النقل. انتهى. قوله: "وإن نكل حلف المحال" لخ.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: كيف يحلف ويمينه يمين تهمة ويمين التهمة لا ترد فالظاهر ما لعبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: الباجي: لو غر المحيل من حال المحال عليه وقد علم بفلسه كان للمحال الرجوع عليه، وإن جهل أمر المحيل في ذلك فقال مالك: إن كان يتهم أحلف ومعناه إن كان يظن به أنه رضي بمثل هذا أحلف. اهـ.
فلو أحال بائع على مشتر بالثمن ثم رد بعيب ثم استحق لم تنفسخ هذا مفرع على قوله: "ويتحول حق المحال" لخ قوله: "بائع" فاعل "أحال" وقوله: "على مشتر" متعلق "بأحال" وقوله: "بالثمن" متعلق "بأحال" أيضًا، والظاهر أن الباء سببية أو داخلة على محذوف أي بنظير الثمن أو بمعنى على بدل مما قبله. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله: "لم تنفسخ" أي الحوالة جواب لو، وصورة المسألة أنه باع زيد سلعة لعمرو بمائة في ذمته ولم يقبضها منه، ثم أحال بائع السلعة غريما له على المشتري ليدفع له تلك المائة التي هي في ذمته ثم إن السلعة المبيعة استحقت من يد المشتري أو ظهر بها عيبط فإن الحوالة لا تنفسخ، فيدفع المشتري للمحال المائة ويرجع على المحيل فيدفع له مائة، فإذا عرفت هذا فتوضيح المسألة أن تقول إذا باع شخص سلعة بثمن في ذمة مشتريها ولم يقبضه، ثم أحال من له عليه دين على ذلك المشتري بسبب الثمن الذي في ذمته لم يقبض، ورد ذلك المشتري السلعة على بائعها بعيب أو استحقت من يده فإن الحوالة ماضية لا تنفسخ، وحينئذ فيؤدي المشتري للمحال الثمن الذي في ذمته، فإذا أداه رجع على المحيل بائع السلعة المذكورة بنظير الثمن. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: ومثل الرد بالعيب الرد بالفساد ونحوه لعبد الباقي، وزاد كما في الشامل وظاهره ولو مع قيام المبيع. اهـ.
وقال المواق: من المدونة وكتاب محمد: إن أحلت غريمك على ثمن عبد أو سلعة بعتها من رجل وهو ملي ثم استحقت السلعة أو العبد أو ردها عليك بعيب، فقال ابن القاسم: الحول ثابت عليه
стр. 6235
يوفيه للمحال عليه ويرجع به عليك، قال: وبلغني ذلك عن مالك، وقال أشهب: الحول ساقط ويرجع غريمك عليك. ابن المواز: وهو أحب إلينا وهو قول أصحاب مالك كلهم.
وإلى هذا أشار بقوله: واختير خلافه وعلم من هذا أن صوابه والأصح خلافه؛ لأن القول الأول لابن القاسم في المدونة، والثاني لأشهب واختاره ابن المواز وقال إنه قول أصحاب مالك كلهم، فما ذكره المص غير جار على قاعدته من وجهين: التعبير بالاختيار وكونه بالفعل. انظر الحطاب. قاله البناني. وقال عبد الباقي عند قوله: "واختير خلافه" ما نصه: وعليه الأكثر ومحل الخلاف حيث كان البائع يظن ملكه لما باع وإلا فسخت اتفاقا، ومحله أيضًا الرد بالفساد إن لم يعلم به المشتري وإلا لم تبطل الحوالة على القولين، وهل يدفع الثمن أو القيمة قولا ابن القاسم وأشهب؟ ذكره شارح الشامل، قال التتائي: وفرض المص وغيره المسألة في البائع يفهم منه أن المشتري لو أحال البائع بالثمن فرد أي المبيع بعيب أو استحق انفسخت وانظره. انتهى. ونحوه في أحمد. اهـ. قوله، يفهم منه لخ، قال البناني: هذا هو الظاهر وما في الخرشي من الجزم بعدم الفسخ في هذا غير ظاهر، بل ينبغي الجزم [ببطلان] (١) حق المحال بالاستحقاق. قاله بعضهم. اهـ.
وقال عبد الباقي: ولو تصدق البائع في مسألة المص بالثمن على شخص ثم أحاله على المبتاع ثم رد البيع بعيب أو استحق بطلت الحوالة؛ لأن الصدقة إنما كانت فيما يملك البائع ولا شيء له ولو قبض أخذه المشتري على الأصح، وإن مات أو فلس المحال عليه قبل القبض فالظاهر أن الصدقة أو الهبة لا تبطل بل تمضي، فإن لم يرد البيع صحت الحوالة بالصدقة وهذا وارد على قوله: وثبوت دين لازم كما مر. اهـ. قوله: ولو تصدق البائع لخ ما ذكره في هذه هو أحد أقوال خمسة نقلها ابن عرفة والمص في التوضيح، لكن الذي في التوضيح أنه قول أشهب، والمعروف من قول ابن القاسم هو أن الهبة تبطل إذا لم يقبضها الموهوب له، فإن قبضها لم يتبع بها إلا الواهب بمنزلة ما لو قبضها الواهب ثم تصدق بها فيظهر من كلامه أن هذا هو الراجح، فقول الزرقاني فيما ذكره إنه الأصح في عهدته. واللَّه أعلم. اهـ. قاله البناني.