أو جهل حاله يعني أن الذي وصلت منه الأرض ليد مستحقها إذا جهل حاله هل غاصب أو ذو شبهة أو جهل حاله، هل هو متعد أو ذو شبهة فإنَّه يكون كذي الشبهة، فإن استحقت الأرض من يده بعد الزرع وقبل فوات الإبان فله كراء السنة، وليس له قلع الزرع، ولو استحقت بعد الزرع وفوات الإبان فلا كراء للمستحق؛ لأنَّ الغلة لذي الشبهة وفي حكمه من جهل حاله.
تنبيه: قال الحطاب: وسئل في رجل ابتاع كتابا من كتب العلم ثمَّ جاء رجل آخر فادعاه وأتى بكتاب بذلك وقد فات الكتاب، فقال: لا يتوجه الحكم لمستحق الشيء إلا بعد شهادة العدول على عينه، والإعذار إلى الذي في يده ولا يصح الحكم دون تعيين المشهود فيه عند الحاكم. انتهى. التسولي: قلت وهذا إذا كان معه في البلد مشارك في الصفة وإلا صح الاستحقاق ورجع بالثمن على قابضه.
وفاتت بحرثها فيما بين مكر ومكتر يعني أن من اكترى أرضا بمعين كعبد أو ثوب أو غيرهما ثمَّ استحق ذلك المعين قبل أن يحرث المكتري الأرض، فإن عقد الكراء ينفسخ ويأخذ المستحق شيئه والمكري أرضه، وإن استحق بعد حرث المكتري لها فإن الأرض تفوت فيما بين المكري والمكتري، بمعنى أنَّه يلزم العقد بينهما ويأخذ المستحق شيئه حيث فسخ الكراء وللمكري على المكتري كراء المثل، وهذه حينئذ من أفراد قوله: وفي عرض بعرض بما خرج من يده وأولى من حرثها زرعها الذي (١) لا يحتاج لحرث كالبرسيم، وكذا بإلقاء الحب عليها حيث لم يحتج لحرث فيما يظهر لا إن احتاجت له فلا تفوت. قاله عبد الباقي. قال وما قررناه من أن كلامه هنا فيما إذا استحق الكراء المعين ظاهر لا فيما إذا استحقت الأرض المكتراة؛ لأنها إذا استحقت لم يبق للمكري كلام حرثها المكتري أم لا.
وللمستحق أخذها ودفع كراء الحرث يعني أنَّه إذا استحق الكراء العين بعد حرث الأرض، فإن المستحق يخير بين فسخ الكراء فيأخذ شيئه ويلزم العقد حينئذ بين مكري الأرض ومكتريها، وللمكري على المكتري كراء المثل وأن يجيز الكراء، وإذا أجاز مستحق الكراء المعين العقد كان له أخذها أي الأرض، سواء كانت مؤجرة سنة أو سنتين، ويدفع كراء الحرث أي تقليب الأرض
стр. 6862
للمكتري فيكون العقد بين المكري والمستحق، فإن أبى المستحق من دفع كراء الحرث للمكتري قيل له أي للمكتري: أعط المستحق كراء سنة أو سنتين؛ لأنه لم يرد الفسخ بل أجاز العقد بشيئه، وإلا تعط يا مكتري للمستحق كراء سنة أو سنتين أسلمها أي أسلم الأرض يا مكتري للمستحق بلا شيء من كراء الحرث، قوله: "وللمستحق" أي مستحق الأجرة كما قررت فهو من تتمة ما قبله، وهو شامل أيضًا لمستحق الأرض أيضًا فيكون أول الكلام في مستحق الأجرة، وقوله: "وللمستحق إجازته" لخ فيما إذا استحق الكراء أو الأرض من يد ذي شبهة وقد كان حرثها فالمستحق مخير أيضًا.
والحاصل أن الأرض إذا استحقت بعد أن زرعت من يد الغاصب أو المتعدي فهو قوله: "وإن زرع فاستحقت" لخ ومن ذي الشبهة أو المجهول حاله هو قوله كذي شبهة أو جهل حاله، فإن استحقت الأجرة المعينة قبل الحرث انفسخ الكراء وبعده إن شاء فسخ وأخذ شيئه، ولزم العقد بين المكري والمكتري بكراء المثل بخلاف ما إذا استحقت الأرض فلا كلام للمكري حرثها المكتري أم إلا، وإن شاء المستحق أجاز ودفع كراء الحرث لخ، ومثل استحقاق الكراء في هذه استحقاق الأرض من ذي الشبهة بعد الحرث وقبل الزرع، قال المواق: ابن يونس: وقد قالوا فيمن استحق أرضا بعد أن حرثت إنه يدفع قيمة الحرث ويأخذها، فإن أبى قيل للآخر أعطه كراء سنة، فإن أبى أسلمها بحرثها. انتهى. قاله مستدلا به على مسألة استحقاق الكراء المعين، وهذا قول ابن القاسم وهو أصح من قول سحنون: لا شيء له وإن زبلها؛ لأنَّ ذلك مستهلك فيها. قاله ابن رشد. ووجه قول ابن القاسم. والله تعالى أعلم.
وفي سنين يفسخ أو يمضي يعني أن من آجر أرضا في يده بوجه شبهة سنين ثمَّ استحقت والحال أنَّه قد مضى بعض السنين، فإن المستحق للأرض يخير بين أن يفسخ الكراء وأن يمضيه، فإن فسخ لم يكن له في الماضي شيء، وإن أمضى كان للمستحق كراء ما بقي إن عرف النسبة شرط في قوله: "يمضي" أي إنما يكون لمستحق الأرض أن يمضي عقد الكراء، حيث عرف النسبة أي عرف ما ينوب ما بقي من المدة من الكراء، قال الحطاب: قال ابن يونس: ولا يجيز الكراء فيما
стр. 6863
بقي حتى يعلم ما ينوب ذلك ليجيز بثمن معلوم على مذهب من لا يجيز جمع السلعتين للرجلين في البيع. انتهى.
وقال عبد الباقي: ومحل الإمضاء إن عرف النسبة أي عرف ما ينوب ما استحقه من بقية المدة من الأجرة في المستقبل بأهل المعرفة، أو كون المتكاريين من أهل المعرفة، أو كون الزرع في أجزاء المدة مستويا لتكون الإجارة بثمن معلوم، وإلا أدى إلى بيع سلعة بثمن مجهول وهو ممتنع. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "وفي سنين" لخ في حق ذي الشبهة للعلة التي ذكرها ابن يونس، ولذا قال البناني عند قول عبد الباقي وعممه بعضهم في ذي الشبهة وغيره للعلة المذكورة ما نصّه: فيه نظر، فإن الغاصب إذا أكراها فلا شيء له من الكراء كما تقدم في قوله: "وغلة مستعمل" ويكون للمستحق كراء الماضي والمستقبل، فإن أمضى فقد أمضى في الجميع بكراء معلوم، فلا يتقيد بقوله: "إن عرف النسبة". والله أعلم. انتهى كلام البناني. فقال الرهوني: فيه نظر واحتجاجه المذكور وما فرعه عليه بقوله: فإن أمضى فقد أمضى الجميع بكراء معلوم إنما يتم لو كان الاستحقاق وقع قبل أن يستوفى شيء من المنفعة أصلًا، وأما بعد استيفاء شيء منها كما هنا فلا يتم؛ لأنَّ الواجب للمالك فيما مضى الأكثر مما اكتريت به ومن كراء المثل ويطالب به الغاصب، وتخييره في فسخ الكراء وإمضائه إنما هو باعتبار ما بقي، فإن اختار الفسخ فالأمر واضح، وإن اختار الإمضاء لزم ذلك المكتري ذا الشبهة بنسبة ما وقع به العقد أولًا مع الغاصب، ولا يعرف قدر ما ينوب الباقي إلا بعد معرفة النسبة قطعا. فتأمله بإنصاف. انتهى كلام الرهوني. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: الظاهر ما لبناني ومن وافقه؛ لأنه إذا أمضى العقد لم يكن له إلا ما وقع به العقد وإنما يظهر ما قاله الرهوني لو قال أمض ما بقي. والله تعالى أعلم. وقوله: "يفسخ" عطف على "أخذها"، وفي سنين "متعلق" بالمستحق" والتقدير: وللمستحق في مسألة كراء سنين الفسخ والإمضاء.
ولا خيار للمكتري للعهدة يعني أن من اكترى دارا أوأرضا مدة ثمَّ استحقت وأجاز المستحق الكراء لزم العقد، ولا خيار للمكتري في حل العقد ولا حجة له في أن يقول إنما رضيت بأن تكون عهدتي على الأوّل، فإن ذلك لا يفيده، وقوله: "للعهدة" أي لأجل العهدة أي الاستحقاق الطاري
стр. 6864
بعد الاستحقاق الأوّل، والعهدة ما عهد عند الشَّارع أي عرف عنه من الرجوع بما دفع عند ظهور الاستحقاق مثلا، قال عبد الباقي: وإذا أمضى المستحق الكراء وكان الأوّل انتقد جميع المدة أو بعضها كما في أحمد، وأولى إن لم ينتقد شيئًا فإنَّه لا خيار للمكتري للعهدة أي لأجلها؛ أي أن خيار المكتري لأجل خوف طرو استحقاق ثان بعد الأوّل منتف، فلا كلام له في فسخ العقد فيما بقي من المدة؛ أي ليس له أن يقول: أنا لا أرضى إلا بأمانة الأوّل لملائه، ولا أرضى بالمستحق لأنها إذا استحقت لا أجد من أرجع عليه لعدم المستحق. أهـ.
وقال البناني: قال في المدونة: لم يكن للمكتري أن يترك الكراء ويقول إنما كانت عهدتي على الأوّل فلا أرضى أن تكون عليك أيها المستحق، فقال عياض: هذا كلام غير محصل، وقد تكلم عليه سحنون، وقال: ليس بصواب ولو رضي ما كانت عهدته عليه؛ لأنَّ العهدة لا تنتقل كما لو باعه الغاصبُ عبدا فاستحقه سيده فالعهدة على الغاصب لا تنتقل عنه قاله مالك. أهـ. وقد تقدم ذلك في قوله: ولربه إمضاء بيعه". أهـ. وقال المواق: من المدونة: من اكترى دارا سنة من غير غاصب فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار في نصف السنة فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقي أو الرضى به، فيكون له كراء بقية السنة، فإن أجاز الكراء فليس للمكتري أن يفسخ الكراء فرارا من عهدته؛ إذ لا ضرر عليه لأنه يسكن، فإن عطبت الدار أدى بحساب ما سكن. انتهى.
وانتقد إن انتقد الأوّل وأمن هو يعني أنَّه يقضى للمستحق أن ينتقد أي يأخذ حصة ما بقي من المدة بشرطين: أحدهما أن يكون الأوّل قد انتقد جميع الأجرة أي أخذها، الشرط الثاني أن يكون المستحق مأمونا. واعلم أنَّه وقع في المدونة أن يكون مأمونا وليس عليه دين محيط، فيحتمل أنهما شرطان احترازا من الملد وممن أحاط دينه، ويحتمل أن الثاني تفسير للأول. أهـ. قاله البناني. قوله: ويحتمل أن الثاني تفسير للأول، بهذا جزم أبو الحسن إذ قال ما نصّه: ثمَّ فسرت بالذي لا دين عليه، وغير المأمون هو الذي أحاط الدين بماله. انظر التاودي وأبا علي. قاله الرهوني.
وقوله: "إن انتقد" أي انتقد الكراء بالفعل أو اشترط نقده أو كان العرف نقده، وأما لو انتقد بعضه بالفعل فإن عينه عن مدة كان لمن له تلك المدة، وإن جعله عن بعض مبهم كان بينهما على
стр. 6865
حسب ما لكل، وكذا يقال فيما إذا اشترط بعضه أو جرى به أي بقبض بعضه عرف، وقال عبد الباقي: وانتقد المستحق حصته فيما بقي من المدة أي قضي له بأخذ أجرة ما بقي من مدة الإجارة؛ أي يأخذها الآن بشرطين أشار للأول منهما بقوله: "إن انتقد الأوّل" وهو المكري أي إن كان قد أخذ جميع الأجرة عن مدة الإجارة وحينئذ يلزمه أن يرد إلى المستحق حصة ما بقي، الثاني أن يكون المستحق مأمونا كما أشار إليه بقوله: "وأمن هو" أي المستحق بأن لم يخف من دين أحاط به، فإن خاف لم ينتقد المستحق إلا أن يأتي بحميل ثقة، قال ابن يونس: لعل هذا في دار يخاف عليها الهدم، وأما إن كانت صحيحة فإنَّه ينقد ولا حجة للمكتري من خوف الدين لأنه أحق بالدار من جميع الغرماء. أهـ. قاله عبد الباقي. قوله عن ابن يونس: لعل هذا في دار يخاف عليها الهدم لخ.
قال الرهوني: ظاهره ولو كانت البقعة والنقض بعد السقوط تساوي قيمتها مقدار الكراء، لكن لابد من تقييده بما إذا لم تساو ذلك، لقول أبي الحسن: قال عبد الحق: إنما يكون له الامتناع متى كان لو انهدمت الدار لم تساو قيمتها مهدومة مقدار الكراء الذي دفع المكتري، وإلا فلا كلام له. ابن رشد: هذا صحيح لأنَّ البقعة تكون بيده كالرهن فيما قدم من الكراء إن انهدمت الدار. أهـ بلفظه على نقل أبي علي. ونقله التاودي بأتم منه فزاد عقب قوله: الكراء الذي دفع المكتري ما نصّه. وأما إن كانت قيمتها مهدومة تساوي ذلك فأكثر فلا كلام له؛ لأنَّ له ذمة فيدفع إليه حصة باقي الأمد، وهكذا حفظته من شيوخنا. ابن رشد إلى آخر مامر. اهـ.
وقال المواق: [ولو انتقد (١)] الأوّل كراء السنة كلها -يعني فيما إذا كان أمد الكراء سنة- لدفع إلى المستحق حصة كراء ما بقي من المدة إن كان مأمونا وسلم من دين أحاط به ونحوه ولا يرد باقي الكراء على المكتري، قال أبو محمَّد وغيره فإن كان المستحق غير مأمون قيل للمكتري: إن شئت أن تدفع إلى المستحق كراء بقية السنة وتسكن، فإن أبى قيل للمستحق إن شئت أن تجيز الكراء على أنك لا تأخذ منه إلا كراء ما سكن، كلما سكن شيئًا أخذت بحسابه وإلا فلك أن تفسخ بقية كراء المدة. ابن يونس: لعله يريد في دار يخاف عليها الهدم الخ.
стр. 6866
والغلة لذي الشبهة يعني أن الغلة لذي الشبهة، قال عبد الباقي: كمشتر ومكتر من غاصب لم يعلما بغصبه لا وارثه مطلقا كموهوبه إن أعسر الغاصب ولا محيي أرض يظنها مواتا فلا غلة له كما لأبي الحسن خلافا لل تتائي في كبيره، وإن كان لا يقلع زرع واحد من هؤلاء الثلاثة ولا يهدم بناؤه، فذو الشبهة الذي له الغلة أخص من ذي الشبهة الذي لا يقلع غرسه ولا بناؤه. أهـ. قوله: وإن كان لا يقلع زرع واحد من هؤلاء الثلاثة ولا يهدم بناؤه؛ يعني محيي الأرض يظنها مواتا، وموهوب الغاصب الذي لم يعلم حيث أعسر الغاصب، ووارث الغاصب الذي لم يعلم. ومعنى قوله: مطلقا أعسر الغاصب أو أيسر. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. قوله: ولا محيي أرض يظنها مواتا نحوه عند ابن يونس ولم يحك فيه خلافا. قاله البناني. وقال المواق عند قوله: "والغلة لذي الشبهة أو المجهول للحكم" ما نصّه في الحديث: (الخراج بالضمان (١)) معناه أن المشتري للشيء الذي اغتله لو هلك في يده كان منه.
أو المجهول يعني أن الغلة للمجهول حاله هل هو غاصب أم لا، أو هل واهبه غاصب أم لا؟ قاله غير واحد. وأخصر من هذا وأتم أن تقول: المجهول حاله هل هو ذو شبهة أم لا؟ وقوله: للحكم راجع للأمرين قبله يعني أن من استأجر شيئًا أو اشتراه أو وهب له ولم يعلم أن بائعه أو موجره أو واهبه غاصب ثمَّ استحقه شخص فإن الغلة للمستحق ذلك من يده من يوم وضع يده إلى يوم الحكم به لذلك المستحق؛ لأنه ذو شبهة، وكذلك المجهول حاله من يوم وضع يده إلى يوم الحكم به لذلك المستحق لأنه بمنزلة ذي الشبهة. وكان القياس أن تكون النفقة عليه ليوم الحكم لكن المؤلف مشى على خلاف ذلك، والنفقة على المقضى له به، وما مشى عليه المؤلف هو مذهب المدونة وهو خلاف القياس، قال عبد الباقي: لكن سيأتي أن معنى قوله: والنفقة على المقضي له به في زمن الخصام فقط لا ما قبله فلا إشكال في كلامه هنا وهو القياس. أهـ. قوله: فلا إشكال في كلامه كأنه يعني به ما ذكروه من التوقيف زمن الخصام كما يأتي آخر الشهادات قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
стр. 6867
قال البناني عند قوله: "للحكم" ما نصّه: قيل هذا مخالف لما ذكروه من التوقيف زمن الخصام كما يأتي آخر الشهادات فانظر ما يكون جوابا عنه. انتهى. والجواب ما يأتي مما هو الحق أن التوقيف في الرباع إنما هو بالمنع من التفويت لا بالإخلاء فلا ينافي الاستغلال إلى الحكم. انتهى.
تنبيهات: الأوّل: قال الرهوني عند قول عبد الباقي: فذو الشبهة الذي له الغلة أخص من ذي الشبهة الذي لا يقلع غرسه ولا بناؤه. أهـ. ما نصّه: صحيح ومن ذي الشبهة الذي يعطى الكراء ولا يقلع زرعه من جر السيل زرعه إلى أرض غيره بعد نباته انظر النص بذلك عند قوله في الإجارة: "كمن جره السيل إليه" ومنه من حرث أرض جاره غلطا على مذهب أصبغ في نوازله من كتاب المزارعة، مفرقا بين البناء غلطا وبين الزرع غلطا، ونصه: فأما البناء في العرصة فلا يعذر ولربه أن يعطيه قيمة البناء منقوضا أو يأمره بقلعه، وأما في الحرث فيشبه أن يكون غلطا فأرى أن يحلف ويبقى زرعه ويؤدي كراء المثل كان في إبان الزراعة أو لم يكن وهو على الخطإ أبدا حتى يتبين أنَّه تعمد. قال سحنون: إذا غلط فزرع أرض جاره أو خرج ليلًا فغلط فزرع أرض غيره أو حرثها فلا شيء له على رب الأرض وغلطه على نفسه، وهو مصيبة نزلت بالزارع إلا أن يكونا لم يتحاكما أو لم يعلم بذلك حتى فات إبان الزراعة فيكون الزرع لزارعه وعليه كراء المثل. اهـ.
قال القاضي: ابن رشد: لا يعذر بالعرصة اتفاقا لمعرفة حدودها بخلاف الفدادين، وفي المقصد المحمود: ومن غلط وزرع أرض جاره فلا يمين عليه إلا أن يتهم وعليه الكراء فات الإبان أو لم يفت. انتهى منه بلفظه. فأتى بقول أصبغ غير معزو كأنه المذهب، وقيد الحلف بالمتهم ولا شك أنَّه يفيد أنَّه المعتمد. اهـ. وبحث ابن عرفة في الاتفاق المتقدم عن ابن رشد في بناء العرصة بقول المدونة في الشفعة: من بنى أو غرس في أرض يظنها له ثمَّ استحقت فعلى مستحقها قيمة ذلك قائما للشبهة. اهـ. ثمَّ قال: إلا أن يتأول ما في [الشفعة (١)] على أنَّه بنى في مضمون عليه بثمنه، لقوله: "ثمَّ استحقت". أهـ منه. وهذا التأويل هو المتعين فكلامها فيمن اشترى غير عالم بالغصب أو من وهب له أو ورث غير عالم أيضًا وعلى ذلك حمل الشيوخ كلامها. والله أعلم.
стр. 6868
الثاني. قال الرهوني: قول عبد الباقي هل هو غاصب لخ يريد وكذلك إذا جهل هل بائعه أو مكري الأرض منه غاصب أم لا؟ وكذلك إذا ادعى الشراء ولم يثبت، قال في كتاب الاستحقاق من المدونة: وإن كان مكر لا يعلم أغاصب هو أو مبتاع فزرعها المكتري منه ثمَّ استحقت فمكريها كالمشتري حتى يعلم أنَّه غاصب. اهـ منها بلفظها. وبهذا استدل أبو الحسن على قولها، قال سحنون في قولها: الغلة للمتصرف هذا إذا كان مبتاعا أو صارت إليه من مبتاع؛ إذ قال عقبه ما نصّه: هذا إذا علم وكذا إذا جهل، قال في الاستحقاق: فذكر كلامها السابق ونحوه لابن ناجي، ونصه: وعلى ذلك حمله أبو إبراهيم، وسئل أبو الهيثم عن غائب عن ماله مدة من الزمان فلما انصرف وجده عند أقوام ادعوا ابتياعه ولم يثبت لهم ذلك وطلب صاحب الأرض منهم الغلة، فقال: إذا ثبت الأصل للقائم وأنه لم يفوته في علم شهوده ولا علم شراء من وجد في يده إلا بقوله، فاختلف فيه أصحاب مالك واختلف فيه قوله، فقالوا: يحمل على الشراء حتى يتبين خلافه ولم يعلم أنَّه غاصب ولا غلة عليه، وقالوا أيضًا: هو كالغاصب عليه الغلة حتى يعلم الشراء، ووقع القولان في أمهات كتبه، وخالفه أبو علي حسون في المسألة وقال: لا رجوع عليه ولا أعلم فيه خلافا من مالك وأصحابه، وإنما يجب الرجوع بالغلة على الغاصب. أهـ.
الثالث: قال الرهوني: وقد نقل في نوازل المعاوضات من المعيار جوابي أبي الهيثم وأبي علي حسون، وزاد في جواب أبي الهيثم بعد قوله: ووقع القولان في أمهات كتبه ما نصّه: وللحاكم أن يأخذ بأيهما شاء. أهـ منه بلفظه. أهـ. قال الرهوني: إذا ادعى الشراء من غير القائم وأبهم، وأما إذا ادعى أنَّه اشترى من القائم فعجز عن إثباته فالخلاف فيه شهير والراجح فيه أنَّه يرد الغلة، ففي نوازل المعاوضات من المعيار: سئل ابن زرب عمن ادعى أنَّه ابتاع دارا من رجل فأنكر ذلك ولم تقم للمدعي بينة، هل يؤخذ بكرائها أم لا؟ فأجاب بأنّه يؤخذ بخرجها، وكان ﵀ يقضي بذلك فقال له ابن دحون: أليس الغلة بالضمان؟ فقال: ليس في مثل هذا، هذا مقر بأن الدار كانت للقائم ويزعم أنَّه ابتاعها ولم يثبت ذلك فهو يرجع عليه بالغلة، ولو قال: الدار ملكي ولم يدع ابتياعها ثمَّ أثبت للقائم ملكها لم يرجع عليه بالغلة، الوانوغي ويشهد لابن زرب ما في أوائل القذف من المدونة إذ قال: ومن أقر بوطء أمة رجل وقامت عليه بينة وادعى أنَّه ابتاعها
стр. 6869
منه وأنكر ذلك ربها، فإن أتى بالبينة على الشراء وإلا حددته وحددت الأمة، وإن أتى بامرأة تشهد له على الشراء لم يزل عنه الحد بذلك، وإن طلب الواطئ يمين السيد أنَّه لم يبعها منه أحلفته، فإن نكل حلف الواطئ وقضي له بها ودرأت عنه الحد، ولابن رشد نحو ما لابن زرب في المدونة، قال ابن القاسم: من زرع أرض رجل وادعى أنَّه اكتراها منه وربها منكر فربها مصدق مع يمينه إلا أن يعلم به حين زرعها فلم ينكر عليه، ثمَّ قالت: قال ابن القاسم: وإن لم يعلم وقد مضى إبان الزراعة فله كراء المثل ولا يقلعه، فإن لم يفت الإبان ولم تقم بينة أنَّه علم به وتركه [ولا (١)] أنَّه أكراها حلف على ذلك ثمَّ خير بين أن يأخذ من المكري ما أقر به. قال غيره: أو كراء المثل قالا فإن أتى فله أن يأمره أن يقلع زرعه إلا أن يتراضيا على ما يجوز فينفذ بينهما، ولو تركه لرب الأرض جاز ذلك إن رضي به وإن لم يكن للمكتري في الزرع نفع إذا نقله لم يكن له قلعه وبقي لرب الأرض إلا أن يأباه فيأمره بقلعه، ومثله لابن يونس عنها وسلمه. فتأمله. والله أعلم.
الرابع: قال ابن أبي زمنين في منتخبه ما نصّه وفي سماع يحيى وسألت ابن القاسم عن رجلين تداعيا في أرض فبذرها أحدهما فولا ثمَّ أعقب الآخر فبذرها قمحا على فول صاحبه وقلب ما نبت منه فاستهلك بذلك القول ثمَّ اختصما فيها فاستحقها الذي كان بذرها فولا؟ فقال: إن استحقها في أوان عمل كان له كراؤها على الذي بذر القمح ويكون زرعها للذي بذره ويغرم صاحب القمح لرب الأرض التي استحقها مع كرائه قيمة الفول الذي استهلك، وذلك أنَّه كان زرعها على ما كان يدعي من حقه في الأرض ولم يكن غاصبا لها وإن استحق الأرض ربها وقد فات أوان العمل فلا كراء لمستحقها على الذي بذرها قمحا والقمح للذي بذره، ويغرم صاحب القمح لرب الأرض قيمة الفول الذي استهلكه على كل حال. انتهى منه بلفظه. وسلمه ونقله ابن يونس وسلمه، ولم يتعرض ابن أبي زمنين وابن يونس وابن رشد صريحا لمن يكلف بالبينة منهما ولا يؤخذ من جعلهم الثاني ذا شبهة أن الأوّل هو المكلف بذلك؛ لأنهم قد جعلوا الأوّل ذا شبهة أيضًا فأوجبوا له على الثاني غرم زريعته، لكن يؤخذ من قول ابن رشد في أرض بأيديهما جميعًا أو ليست بيد واحد منهما أنهما معا مكلفان بذلك وباليمين عند عجزهما معا وإقامتهما معا البينة من غير وجود مرجح.
стр. 6870
كوارث يعني أن وارث ذي الشبهة له الغلة إلى يوم الحكم، وكذلك وارث من جهل حاله له الغلة إلى يوم الحكم، وموهوب يعني أن موهوب ذي الشبهة له الغلة إلى يوم الحكم، وكذلك موهوب من جهل حاله له الغلة إلى يوم الحكم، ومشتر منه يعني أن المشتري من ذي الشبهة له الغلة إلى يوم الحكم، وكذا المشتري من مجهول الحال له الغلة إلى يوم الحكم، قال عبد الباقي: كوارث لذي شبهة أو لمن جهل حاله أو وارث لمشتر من غاصب فلا غلة له اتفاقا كما في ال تتائي وأحمد عن التوضيح. انتفع بنفسه أو أكرى لغيره، علم بأن موروثه غاصب أم لا وموهوب من غير غاصب كمنه إن أيسر الغاصب لا إن أعسر فلا غلة لموهوبه فيرجع عليه. أهـ. وقال الخرشي: يعني أن وارث ذي الشبهة أو وارث من جهل حاله وموهوب ذي الشبهة أو من جهل حاله وموهوب الغاصب حيث كان الغاصب مليا أو المشتري من ذي الشبهة أو ممن جهل حاله أو المشتري من الغاصب حيث لم يعلموا إذا اغتلوا شيئًا ثمَّ استحقه شخص، فإن الغلة تكون لهم إلى يوم الحكم به لذلك المستحق. أهـ. وقال عبد الباقي: ومشتر منه أي من الغاصب إن لم يعلموا أي تحقق عدم علمهم أو جهل علمهم لحملهم على عدم العلم استصحابا لحال المسلم، فالغلة لهم إلى يوم الحكم به للمستحق، وهذا شرط في الثلاثة المذكورة على ما قررنا به قوله: "كوارث" والجمع حينئذ على حقيقته، فإن حمل على وارث الغاصب كان الشرط راجعا لغيره وجمع ضميره باعتبار الأفراد، كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾، وأما وارثه فلا غلة له علم أم لا، انتفع بنفسه أو أكرى لغيره كما مر. اهـ كلام عبد الباقي. قوله: فإن حمل على وارث الغاصب لخ ظاهره أن هذا الحمل صحيح وهو غير صيحح بقرينة الكاف، وقد ذكر عن التوضيح آنفا أن وارث الغاصب لا غلة له اتفاقا. قاله البناني. وقال عبد الباقي: ومفهوم الشرط إن علموا لا غلة لهم بل للمستحق، والمعتبر علم المشتري من الغاصب وعلم الناس في موهوب الغاصب كما لأبي عمران وذكر (١) ال تتائي، فيتبع وإن كان خلاف ظاهر قول المص فيما تقدم: "ووارثه وموهوبه إن علما كهو وإلا بدئ بالغاصب" انتهى.
стр. 6871
قوله والمعتبر علم المشتري من الغاصب لخ، قال الرهوني: ما عزاه لل تتائي هو كذلك فيه نقله عن ابن ناجي، وما نسبه (١) لابن ناجي هو كذلك فيه، ذكره عند قول المدونة في كتاب الاستحقاق: فإن كان الموهوب له عالما بالغصب فإن المستحق يرجع بالغلة على أيهما شاء، وإن لم يعلم بالغصب فإن المستحق يرجع بالغلة على الغاصب، فإن كان عديما رجع بها على الموهوب، ونصه: قال أبو عمران: لا ينظر إلى معرفة الموهوب وإنما ينظر إلى معرفة الناس بذلك، وأما المشتري فإنَّه ينظر إلى معرفة المشتري بنفسه، فإن كان عارفا بأن البائع منه غاصب لم تكن له الغلة وإلا كانت، وقد نقل في التوضيح كلام أبي عمران وسلمه أيضًا وسلم الناصر في حواشيه ذلك، كما سلم ابن عاشر ومصطفى كلام ال تتائي، وقد نقل كلام التوضيح الشيخ ميارة في شرح التحفة، ونقله جسوس عند قوله فيما مر: "ووارثه وموهوبه إن علما كهو"، وأقره وقد سلم ذلك التاودي والبناني أيضًا بسكوتهما عنه، وذلك كله يدلّ على صحة قول الزرقاني فيتبع وإن كان خلاف ظاهر قول المص فيما تقدم لخ.
تنبيهات: الأوّل: قوله: "كوارث وموهوب ومشتر إن لم يعلموا" إما تشبيه وهو ما يفيده ما قررت به تبعًا للخرشي، وإما تمثيل. والله تعالى أعلم.
الثاني: قال عبد الباقي: قال الشارح أبو الحسن الصغير: انظر هذا مع من ابتاع عبدا فاغتله ثمَّ استحق بحرية أو ابتاع أرضا فاغتلها ثمَّ استحقت بحبس، فعند ابن القاسم: لا يرد الغلة، وعند عبد الملك والمغيرة يردها. اهـ. ويقيد قوله: لا يرد الغلة بما إذا لم يكن المشتري عالما وإلا رد إلا أن يكون البائع له هو الموقوف عليه وهو رشيد فلا يرجع عليه بالغلة، انظر الحطاب عن المشدالي في قوله: لا صداق حرة. انتهى. فمن اشترى بعض أماكن وقف عالما بوقفيته من بعض الموقوف عليهم فله من غلته بقدر حصة بائعه من الغلة؛ لأنه كهبتها له ويرجع المشتري بجميع ثمنه ويرجع عليه غير البائع بغلته، والبيع باطل يفسخ متى عثر عليه ويعاقب بالأدب والسجن إن لم يكن له عذر كما في ابن سهل، وإذا فسخ وقلنا يرجع بجميع ثمنه فإن أعدم هذا البائع اختص المشتري بنصيبه من الغلة في الحبس إلى أن يستوفي ثمنه بعد أو ينتقل الحق لغيره قبل
стр. 6872
الاستيفاء. اهـ بعضه من عبد الباقي وبعضه من التاودي. وقول عبد الباقي: إلا أن يكون البائع له هو الموقوف عليه وهو رشيد لخ، قال البناني: هذا نقله الحطاب عن ابن سهل، ونصه: إذا كان المحبس عليه هو البائع وكان مالكا أمره ينبغي أن لا يكون له طلب المبتاع بشيء من الغلة، وإن علم المبتاع حين ابتياعه أنَّه حبس وقد نزلت بقرطبة وأفتيت فيها بذلك وكان غيري قد خالفني فيها وخلافه خطأ. أهـ. ونقل مثله عن المشدالي وهو مخالف لقول التحفة:
وما يبيع من عليه حبسا … يرد مطلقا ومع علم أسا
والخلف في المبتاع هل يعطى الكرا … واتفقوا مع علمه قبل الشرا
وقال ابن الناظم في شرحه: ما أفتى به ابن سهل معارض لما نقله الشيخ من الاتفاق على رد الغلة إذا علم قبل الشراء، وما قاله ابن سهل لا يخلو من نظر، والأظهر رجحان قول من خالفه لما في تسويغ الغلة للعالم بالتحبيس قبل ابتياعه من تمكينه من ثمرة عقد باطل لا شبهة له فيه فليتأمل. أهـ. قلت: وفيه أيضًا سلف جر نفعا إذ علمه بالتحبيس قبل الشراء دخول على فسخ البيع ورجوع الثمن له بعد غيبة البائع وهو سلف والغلة منفعة في السلف فتأمله. أهـ. وقوله: فعند ابن القاسم لا يرد الغلة لخ، قال الرهوني: هذا هو الراجح والمعمول به. انظر الحطاب عند قوله بعد: لا صداق حرة.
الثالث: قال عبد الباقي: وارث موهوب الغاصب ووارث المشتري منه حيث لم يكن موروثهما عالما يفرق فيهما بين العالم فلا غلة له كوارث الغاصب، وبين غير العالم فله الغلة. انتهى.
الرابع: في نوازل الأحباس من المعيار أن الإمام سيدي عبد الله العبدوسي سئل عمن أوصى بثلثه لرجل معين فاستغل ذلك ثمَّ ظهر بعد ذلك بنحو ثلاثة أعوام أن الموصي كان أوصى بعرصة وفدان للمسجد، فأجاب بما نصّه: يلزم الموصى له كراء ما ناب الحبس من وقت انتفاعه إلى وقت ظهور الرسم، وليس هذا بمنزلة من استحق من يده ملك بالحباسة ولم يعلم أنَّه لا يرجع عليه بالغلة على قول ابن القاسم، وبه مضى العمل وبالله التوفيق. أهـ. ووجدت بخط بعض من أدركناه وهو الفقيه العلامة أبو العباس الملوي ما نصّه: فقد قال في نوازل الأحباس من المعيار فيمن أوصى
стр. 6873
بثلثه للمسجد وجعل الورثة يستغلون جميع عقار الميت زمانا فقام عليهم ناظر الأحباس بالوصية: إنهم يغرمون الغلة قائلا ولا يشمل هذا قولهم لا غلة على من استحق من يده بحبس. نقله -ومسألة العبدوسي- الرهونيُّ قائلا: إن محل كون من استحق من يده بالوقف لا يرد الغلة إذا لم يكن دخوله فيه من جهة المحبس بإرث أو وصية، وأما إن كان دخوله فيه من جهة المحبس بإرث أو وصية فإنَّه يرد الغلة. ولما نقل كلام الملوي قال: انتهى من خطه بلفظه ولم أجد هذا بعينه في نوازل الأحباس من المعيار في النسخة التي بيدي منه فلعله سقط منها أو خفي علي موضعه لأنه ثقة حافظ ورع لا يتهم مع أنَّه موافق في المعنى لما قدمنا من جواب العبدوسي، ووجهه ظاهر لأنه إنما كان يستغل بسبب الميت معتقدا أنَّه المستحق، فكشف الغيب أنَّه لا يستحق ذلك من الجهة التي عول عليها فهو بمنزلة طرو وارث على وارث يحجبه الطارئ الذي لا خلاف فيه أنَّه يرد الغلة كما قاله أبو الوليد بن رشد في المقدمات، وأما من لم يؤد فيه ثمنا ولا كان عليه فيه ضمان كالوارث يرث ثمَّ يأتي من هو أحق منه بالوراثة فلا خلاف أنَّه يرد ما اغتل أو سكن. أهـ منها بلفظها. ونقله المواق بالمعنى فانظره والله أعلم.
الخامس: قال الحطاب: سئلت عن جماعة ورثوا دارا كبيرة بعضها عامر وبعضها خراب وبعض الورثة حاضر وبعضهم غائب، فاستولى الحاضر على الدار وسكن العامر وعمر الخراب وسكنه فهل للغائبين الرجوع عليه بالأجرة في هذه المدة؟ وهل لهم ما عمر من الخراب لكونه بغير إذنهم؟ فأجبت: إن كان الوارث الحاضر الذي سكن لم يعلم بالغائب فلا رجوع له عليه فيما سكن وله الرجوع عليه بحصته فيما أكراه واغتله هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك. قاله في أول كتاب الصدقات من البيان. وهو الذي مشى عليه المص بعد هذا حيث قال: "كوارث طرأ على مثله إلا أن ينتفع" وأما إن علم به فإنَّه يرجع عليه بأجرة ما سكن وبحصته من الغلة، وما عمره الحاضر مما لابد له منه فله الرجوع على القادم بحصته، وما عمره مما ليس بضروري فإن أراد أحدهم القسمة قسمت الدار، فإن وقع ما بناه في حصته كان له وعليه من الكراء بقدر ما انتفع به من نصيب أصحابه قبل القسمة، وإن وقع في نصيب غيره خير من وقع في حصته بين أن يعطيه قيمته منقوضا أو يسلم إليه نقضه، وعلى الباني من الكراء بقدر ما انتفع من نصيب أصحابه قبل
стр. 6874
القسمة، وإن أراد واشركته ولم يرد أحد منهم القسمة فلهم ذلك بعد أن يدفعوا حصصهم من قيمة ما عمله، قيل قائما وقيل منقوضا، والقول بأنّه يأخذ قيمته منقوضا هو الظاهر لقول ابن يونس في كتاب العارية في ترجمة من أعار أرضه: كل من بني في أرض غيره من زوجة أو شريك أو غيره بغير إذن ربها أو علمه فله قيمة عمله منقوضا. والله أعلم. أهـ.
بخلاف ذي دين على وارث راجع لقوله: "والغلة لذي الشبهة" يعني أن الغلة لذي الشبهة كما عرفت بخلاف الوارث الذي طرأ عليه دين يستوفي الغلة، وإيضاح هذا أن تقول: إن الوارث إذا ورث عقارا مثلا اغتله ثمَّ طرأ دين على الميت فإن الوارث يرد الغلة حيث كان الدين يستوفيها، ولو قال المص: بخلاف وارث طرأ عليه دين لكان أولى. قاله أحمد لأنه أنسب. قال عبد الباقي، وظاهر هذا الكلام أن الغلة لذي الدين ولو ناشئة عن تجر الوارث أو وصية وهو كذلك، فإذا مات شخص وترك ثلاثمائة دينار مثلا وترك أيتاما فأخذ شخص الوصية عليهم واتجر بالقدر المذكور حتى صار ستمائة مثلا، فطرًا على الميت دين قدر الست مائة أو أكثر فإنَّه يستحق الجميع عند ابن القاسم خلافا للمخزومي. نقله الشيخ أبو الحسن في كتاب النكاح. قاله أحمد.
قلت: وقوله فاتجر بالقدر المذكور أي اتجر به للأيتام، وأما إن اتجر به لنفسه فالظاهر أن ربح المال له كما مر في باب الوديعة عند قوله: كالتجارة والربح له؛ لأنه متسلف. اهـ. قوله: وظاهر هذا الكلام أن الغلة لذي الدين لخ، قال البناني: فيه نظر، والذي انفصل عنه شيخ شيوخنا العلامة سيدي أحمد بن الحاج كما رأيته بخطه أن الربح للأيتام لا لرب الدين، وما في الزرقاني غير صحيح فتأمله. أهـ. وقال الرهوني: سوى عبد الباقي بين تجر الوارث الرشيد وتجر الوصي للأيتام وهو غير صحيح، وما قاله في تجر الوصي للأيتام هو الصحيح المؤيد بالنص الصريح. أهـ. ويأتي ما استدل به قريبا إن شاء الله تعالى، فقول البناني: والذي انفصل عنه شيخ شيوخنا أن الربح للأيتام لخ فيه نظر.
تنبيهات: الأوّل: قال البناني عند قول المص "بخلاف ذي دين على وارث" ما نصّه: ما قرر به الزرقاني عليه حمله الحطاب واستدل عليه بما في سماع يحيى في الورثة يقتسمون التركة ونما ذلك بعد ذلك في أيديهم أو نقص أو استهلك، قال: ما أخذوا على حال الاقتسام فنماؤه للغرماء ولا ضمان على الورثة فيه إلا أن يستهلكوا شيئًا فعليهم غرمه. أهـ. واعترضه مصطفى بما يعلم
стр. 6875
بالوقوف عليه، ورد غير واحد اعتراضه وصحح ما حمله عليه الحطاب وقرره عبد الباقي، وهو الذي قررت أنا به المص، قال البناني بعد كلام طويل ما نصّه: وإذا علمت أنهم لا يضمنون السماوي للغرماء كما هو منصوص عليه في غير ما ديوان حتى في ابن الحاجب وابن عبد السلام والتوضيح كما يأتي في القسمة ظهر لك أن الغلة ليست لهم، وإنما هي للغرماء يكمل دينهم بها كما فهمه الحطاب، ولا يكون منها للورثة إلا ما فضل عن الدين، وأن استظهار مصطفى غير صحيح لأنه بناه على غير أساس. انتهى. قال الرهوني في أول مسألة من رسم قطع الشجر من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا الأوّل: قال مالك في الذي يوصي إلى رجل بولده ويترك ثلاث مائة دينار ويأمر الوصي أن ينظر لهم فيها ويتجر الوصي لهم فيها فتصير ستمائة دينار: أرى أن تؤخذ الست مائة دينار كلها في الدين، وذلك أن الثلاث مائة دينار لوأنفقها الوصي على الورثة لم يضمنها له الوصي ولا يضمنها الورثة المولى عليهم ولو كان الورثة كبارا لا يولى عليهم، وليس مثلهم يولى عليهم باعوا مال الميت ثمَّ تجروا بما نض في أيديهم من المال لم يكن عليهم إلا ما نض بأيديهم، ولهم نماؤه وعليهم نقصانه، وكذلك ما غابوا عليه من العين، وأما الحيوان الذي ورثوه ثمَّ نمى أو تلف فإنَّه ليس عليهم ضمان ما مات من ذلك إذا مات بأيديهم، قال ابن القاسم: أخبرني بهذه المسألة من أثق به عن مالك ولم أسمعها أنا من مالك، قال القاضي ابن رشد: المخزومي يرى الربح للأيتام والضمان عليهم، وسواء كان الذي ترك المتوفى ناضا أو عروضا فباعها، وفرق ابن الماجشون بين العين والعرض، فقال في العين كقول ابن القاسم، وقال في العرض كقول المخزومي، والاختلاف في هذا مبني على اختلافهم في الدين الطارئ على الميت هل هو متعين في التركة أو واجب في ذمة الميت؟ أهـ المراد منه.
الثالث: قال ابن رشد: لا خلاف إذا طرأ غريم على ورثة أنهم لا يضمنون التلف بالسماوي، ولا خلاف أنهم يضمنون ما أكلوا أو استهلكوا أو استنفقوا. أهـ. ومر السماع الذي استدل به الحطاب للمص أن الورثة إذا اقتسموا التركة ونما ذلك بعد ذلك في أيديهم أو نقص أو استهلك فإن ما أخذوا حال الاقتسام نماؤه للغرماء ولا ضمان فيه على الورثة إلا أن يستهلكوا شيئًا فيكون عليهم غرمه. أهـ. وقد مر أن مصطفى اعترض على الحطاب؛ يعني حيث قال إن السماع المذكور ليس فيه تصريح بالغلة، قال: إلا ما يؤخذ من قوله: فنماؤه للغرماء، وفيه بعدٌ إذ ربما يقال نماؤه في
стр. 6876
بدنه أو بولادة، ولذا لما نقل المواق قول ابن رشد: لا خلاف إذا طرأ غريم لخ، ثمَّ قال مصطفى: على أن هذا السماع خلاف المشهور. اهـ المراد منه. وقد مر رد كلام مصطفى وأنه منتقد، وقول مصطفى: على أن هذا السماع خلاف المشهور، قال الرهوني: ليس بمسلم لأنَّ محلّ الخلاف والتشهير إذا كان الدين الطارئ غير محيط ولا (١) موضوع كلام السماع أن الدين محيط، ويتضح لك صحة ما قلناه بجلب ذلك، ففي أول سماع يحيى من كتاب القسمة: قال يحيى: سألت ابن القاسم عن الذي يوصي بوصايا وعتاقة فتنفذ الوصايا والعتاقة، ثمَّ يطلع على أن على الموصي دينا محيطا بماله وقد شهد العبيد المعتقون على حقوق وطال زمان ذلك واقتسم الورثة ونما بعض ذلك في أيديهم أو نقص أو استهلك؟ فقال: ترد الوصايا التي أخذها أهلها بحال ما توجد في أيديهم نامية أو ناقصة، وما هلك منها فلا ضمان عليهم فيها إلا أن يستهلكوا شيئًا فيغرمونه، أو يكونوا اشتروا شيئًا فحوسبوا به في وصاياهم فيكون لهم نماؤه وعليهم تواه ويردون الثمن الذي حوسبوا به، قال: والورثة بهذه المنزلة فيما اقتسموا ما أخذوا على حال الاقتسام فنماؤه للغرماء ولا ضمان على الورثة فيه إلا أن يستهلكوا شيئًا فيكون عليهم غرمه وما اشتروا على حال البيع وليس على وجه الاقتسام، فنماؤه لهم وضمانه عليهم يغرمون الثمن الذي كان وجب له عليهم، قال: وما اقتسموا من ناض ذهب أو ورق أو طعام أو إدام فإنهم يغرمون ذلك، وإنما يوضع عنهم ضمان ما هلك من العروض والحيوان والعقار التي تقسم بالقيمة، قلت: أرأيت ما اقتسموا من العروض بالقيمة وغابوا عليه ولا يعرف هلاكه إلا بقولهم [أيبرءون (٢)] من ضمانه أو الطعام أو الادام أتوجب عليهم ضمانه وتراه كالذهب إذا عرف هلاكه بعينه أم يبرءون من ضمانه؟ فقال: ضمانه في كل ما غابوا عليه كضمان المرتهن والمستعير وبراءته مما عرف هلاكه بالبينة كبراءة المرتهن والمستعير وحاله فيما لم يغب عليه كحالهما.
قال محمَّد بن رشد: الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى في آية المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فنص تعالى على أن لا ميراث لأحد من الورثة إلا بعد تأدية الدين
стр. 6877
والوصية، واختلف إذا طرأ على الورثة دين أو وصية بعد اقتسام الورثة لما ترك الميت من دنانير أو دراهم أو طعام أو عرض أو حيوان أو عقار على خمسة أقوال: أحدها أن القسمة تنقض لحق الله تعالى شاء الورثة أو أبوا فيكون ما نقص أو هلك من جميعهم وما نما لجميعهم، فيخرج الدين والوصية من ذلك ويقسم الورثة ما بقيَ إن بقيَ شيء وهذا قول مالك في رواية أشهب عنه.
الثاني: أن القسمة تنقض فيكون ما هلك أو نقص أو نما بين جميع الورثة إلا أن يتَّفق جميعهم على أن لا ينقضوها ويخرج الدين والوصية من أموالهم ويقروها فيكون ذلك لهم، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم المنصوص له في المدونة، وقد اضطرب في ذلك قوله.
والثالث أن القسمة تنقض أيضًا فيكون ما هلك أو نقص أو نما بين جميعهم إلا لمن شاء من الورثة أن يخرج من ماله ما ينوبه من الدين، ويحصل نوبه مما هلك ويبقى حظه في يديه فيكون ذلك له وهو قول ابن حبيب في الواضحة، مثال ذلك أن يهلك المتوفى وله أربع بنين ويترك عروضا ثماني بقرات في التمثيل، قيمة كل بقرة منها عشرة مثاقيل يقسمونها بينهم فيأخذ كل واحد منهم بقرتين، فتموت بيد واحد منهم بقرة من البقرتين اللتين صارتا له في قسمة ويطرأ على المتوفى دين عشرة مثاقيل، فإن الواجب في ذلك على مذهبه أن تنقض القسمة ويخرج الدين من السبع البقرات الباقية، فإن بيع فيه بقرة واحدة قسمت الستة الباقية بين البنين الأربعة بالسهمة حسبما نص من الاختلاف في صفة القسمة بها إن لم يتفقوا على قسمتها بالتراضي، ولمن شاء منهم على مذهبه أن يخرج من ماله ما ينوبه من الدين وذلك ديناران ونصف رينار، ويحمل نوبه من قيمة البقرة التي ماتت وذلك ديناران ونصف دينار أيضًا إن كانت قيمتها عشرة فيؤدي خمسة دنانير ديناران ونصف دينار لصاحب الدين وديناران ونصف دينار لسائر الورثة ويترك حظه في يديه، ويرد الباقون جميع ما بأيديهم إن أبوا إلا نقض القسمة يقتسمون الخمس بقرات التي بأيديهم مع الدينارين ونصف دينار التي حمل الراضي بالقسمة بينهم على السواء بعد أن يودوا بقية الدين وذلك سبعة دنانير ونصف دينار.
والقول الرابع أن القسمة لا تنتقض وهو قول أشهب وسحنون إلا أنهما اختلفا في فض الدين، فقال سحنون: إنه يفض على كل واحد منهم يوم الحكم، وقال أشهب في أحد قوليه: إنه يفض
стр. 6878
على الأجزاء التي اقتسموا عليها، زادت أو نقصت ما كانت قائمة فلا اختلاف أنَّه لا يضمن من تلف ما بيده من السماء لصاحب الدين شيئًا من دينه.
والخامس أن القسمة تنتقض بين من بقي بيده حظه أو شيء منه أو استهلكه أو شيئا منه، وأما من تلف جميع حظه بأمر من السماء فلا يرجع عليه صاحب الدين ولا يرجع هو على الورثة فيما بقي بعد تأدية الدين، فقول ابن القاسم في هذه الرواية: إذا لحق دين يستغرق التركة بعد تنفيذ الوصايا والعتق واقتسام الورثة إن الوصايا ترد بنمائها ونقصانها وتنقض القسمة ويكون النماء للغرماء والضمان عليهم ولا يكون على الورثة شيء منه إلا أن يستهلكوه فيكون عليهم غرمه بَيِّنٌ لا كلام فيه على مذهبه إذا كان الدين يستغرق التركة بنمائها، وأما إذا كان لا يغترقها فاتفق جميعهم على أن يؤدوا الدين وتمضي قسمتهم بذلك على مذهبه، وأما قوله: فيما اشتروا من التركة فحوسبوا به في ميراثهم أو اشتراه الموصى لهم منها فحوسبوا به في وصاياهم إن لهم النماء وعليهم الضمان وليس عليهم إلا الثمن، فهو بين صحيح لا اختلاف فيه إذ لا فرق بين أن يشتروه فيحاسبوا به في ميراثهم وفي وصاياهم، وبين أن يباع من غيرهم فيدفع إليهم الثمن في ذلك. وأما قوله: وما اقتسموا من ناض ذهب أو ورق أو طعام أو إدام فإنهم يغرمون ذلك كله وإنما يوضع عليهم ضمان ما هلك من العروض والحيوان والعقار التي تقسم بالقيمة، فالظاهر منه أن الذهب والورق والطعام والإدام يغرمونه إن هلك ولا يوضع عنهم ضمانه، وإن قامت بينة على تلفه بخلاف العروض والحيوان والعقار التي تقسم بالقيمة، وقد بين ذلك إذ جعل الحكم فيه حكم المستعير لأنَّ العارية فيما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه مضمونة كالقرض، وكذلك قال في العارية من المدونة: إنها قرض وهو قول ابن الماجشون في رسم النكاح من سماع أصبغ خلاف قوله فيه أن لا ضمان عليه في العين ولا في كل ما يغاب عليه إذا قامت البينة على تلفه، وخلاف قول أصبغ في تفرقته بين العين وبين ما سواها مما يغاب عليه.
فيتحصل في العين والطعام والإدام إذا قامت البينة على تلفه ثلاثة أقوال: أحدها أنَّه ضامن وهو قوله في هذه الرواية، والثاني أنَّه لا ضمان عليه وهو قوله في سماع أصبغ من كتاب النكاح، والثالث الفرق بين العين وبين الطعام والإدام وما كان في معناه من المكيل كله وهو قول أصبغ،
стр. 6879
وأما إذا لم تقم بينة على تلف ذلك فهو ضامن ولا اختلاف في العروض التي يغاب عليها أَنه ضامن إلا أن تقوم البينة على تلفها ولا في الحيوان الذي لا يغاب عليه أنَّه يصدق في تلفه. وبالله التوفيق.
الرابع: قال عبد الباقي: وأما لو طرأ غريم بعد إيقاف الوليّ المال المخلف على الورثة، فقال في المدونة ما نصّه: وإذا أنفق الوليّ التركة على الطفل ثمَّ طرأ دين على أبيه يغترقها ولم يعلم به الوصي فلا شيء عليه ولا على الصبي وإن أيسر لأنه أنفق بوجه جائز. أهـ. أي لأنه يطلب منه الإنفاق عليهم وهذا بخلاف إنفاق الورثة الكبار نصيبهم من التركة فإنهم يضمنون للغريم الطارئ بلا خلاف أي لكشف الغيب أنهم لا حق لهم في التركة إلا بعد أداء الدين ولا يضمنون التلف بأمر من الله بلا خلاف قاله ابن رشد وسيأتي للمص آخر باب القسمة ما يفيد ذلك وزيادة، والفرق أن التركة في ضمان الورثة بخلاف الوصي، وحَمْلُ الشارح وتبعه ال تتائي كلام المص على أن ذا الدين الطارئَ على الوارث إذا أخذ في دينه شيئًا واستغله ثمَّ استحقه إنسان فإنَّه لا غلة لذي الدين، خلاف النقل من أن لذي الدين الغلة للحكم لأنه ذو شبهة، وأيضًا على هذا الحمل يصير قوله على وارث ضائعا، وكلام المص فيما إذا قسم الورثة عين التركة ونمت في أيديهم، وأما إن اشترى الورثة شيئًا من التركة وحوسبوا به في ميراثهم ونما ذلك في أيديهم فلهم نماؤه ولا شيء لأرباب الدين منه، وكذا يقال في الموصى لهم إذا اشتروا من التركة وحوسبوا به في وصاياهم، فإنَّه يكون ذلك بمنزلة ما إذا اشترى ذلك أجنبي ونما في يده. قاله الحطاب وهو حسن.
كوارث طرأ على مثله تشبيه في قوله: "بخلاف ذي دين على وارث" يعني أن الوارث إذا اغتل ثمَّ طرأ عليه وارث لم يعلم به فإنَّه لا غلة للوارث المطرو عليه، والمراد لا يختص بالغلة بل يقاسم أخاه الطارئ فيها. إلا أن ينتفع يعني أن الغلة لا يختص بها الوارث المطرو عليه كما عرفت إلا فيما إذا حصلت أمور أربعة وأما إن حصلت تلك الأمور الأربعة فإن المطرو عليه يختص بها ولا يرجع عليه الطارئ بحصته أحدها: أن ينتفع بنفسه كأن يسكن البيت مثلا، واحترز بذلك عما لو أكرى فإن الطارئ يرجع عليه بحصته، ثانيها: أن لا يكون في نصيب المطرو عليه ما يكفيه
стр. 6880
وأما إن كان في نصيبه ما يكفيه فإن الطارئ يرجع عليه بما ينوبه، ثالثها: أن لا يعلم المطرو بالطارئ وإلا رجع الطارئ بحصته، رابعها: أن يفوت الإبان فيما يعتبر فيه الإبان وأما إن لم يفت الإبان فإن الطارئ يحاص.
تنبيه: قال عبد الباقي: إلا أن ينتفع المطرو عليه بنفسه ولم يكن في نصيبه ما يكفيه ولم يعلم بالطائ وأن يفوت الإبان فيما يعتبر فيه إبان فإن الغلة له ولا يشاركه الطارئ، فإن أكرى أو كان في نصيبه ما يكفيه وتعدى وانتفع بزائد أو علم بالطارئ أو لم يفت الإبان حاص الطارئ وهذه الشروط الأربعة ما لم يكن الطارئ حاجبا للمطرو عليه وإلا رجع عليه بجميع ما اغتله، وبما قررنا علم أن شروط عدم رجوع الوارث الطارئ على الوارث المطرو عليه أربعة، قال ال تتائي: وربما أشعر قوله طرأ وارث بأنّه لو طرأ مستحق وقف على مستحق آخر استغله وهو يرى أنَّه منفرد به أو سكنه لم يرجع بالغلة ولا بالسكنى وهو كذلك. رواه ابن القاسم عن مالك. أهـ باختصار.
وقوله: وهو يرى لخ يفيد أنَّه غير عالم بالطارئ وهو كذلك؛ إذ لو كان عالما لرجع عليه. أهـ.
قوله: ولم يكن في نصيبه ما يكفيه تبع في هذه العبارة ال تتائي والشارح وأصله في التوضيح وهو غير صحيح، بل هو مقلوب لأنَّ الشرط كما صرح به أبو الحسن هو أن يكون في نصيبه ما يكفيه لسكناه وليس به ضرورة إلى مسكن أخيه، وبهذا صرح الأبياري في شرح البرهان، وقد اعترض على ال تتائي بهذا الشيخ أحمد بابا ومصطفى وغيرهما: نعم إن كان في نصيبه ما يكفيه وسكن أكثر منه رجع عليه، فالشرط إذا هو أن يسكن قدر نصيبه. قاله ابن عاشر ومصطفى. قاله البناني. وقول عبد الباقي: ولم يعلم بالطارئ وفات الإبان لخ، قال البناني: جرت الفتوى بخلاف هذين الشرطين وفي العمليات:
وما على الشريك يوما إن سكن … في قدر حظه لغيره ثمن
وإن غرس أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائما يعني أن من غرس أو بنى في أرض الغير بوجه شبهة ثمَّ استحقت الأرض من يده يؤمر مستحق الأرض منه بأن يعطي الغارس أو الباني قيمة
стр. 6881
البناء أو الغرس قائما على أنَّه في أرض الغير بإذنه، قال عبد الباقي: وإن غرس ذو الشبهة مكتر أو مشتر أو نحوهما أو بني قيل للمالك الذي طرأ استحقاقه للأرض: أعطه قيمته قائما على أنَّه في أرض الغير بإذنه على التأبيد إن استعارها أو استأجرها كذلك، فإن استعارها أو استأجرها مدة فقيمته قائما في تلك المدة وبه يندفع استشكال الأشياخ مذهبها بأن مالكا أوجب له قيمة البناء قائما، وإذا قوم قائما فقد أعطي جزءا من الأرض، وإن قوم منفكا عنها صار منقوضا. أهـ.
فجوابه أن تقويمه قائما على الوجه المذكور يفيد قطع النظر عن الأرض، وأنه يقوم قائما لا منقوضا. أهـ. قوله: فقيمته قائما في تلك المدة وبه يندفع استشكال الأشياخ لخ، قال البناني: هذا الجواب نقله ابن عرفة عن عبد الحق وأبي إسحاق التونسي، وذكر أن ابن يونس تعقبه ونص ما نقله عن ابن يونس: انظر كيف صفة تقويم البناء على أن يقلع إلى عشرين سنة، فإن قلت بكم يمكن أن يبنى مثله على أن يقلع إلى عشرين سنة فالقيمة لا تختلف سواء قال إلى سنة أو إلى عشرين سنة، ولذلك قال ابن القاسم: يدفع إليه قيمة البناء قائما ولم يحده بوقت، وإنما يصح ذلك على تأويل ابن حبيب الذي يقول معنى قوله قائما هو ما زاد البناء في قيمة الأرض، وأما على تأويل ابن القاسم فإنما يقال بكم يبنى مثل هذا البناء، فيقال بخمسين ومائة فهذه قيمة البناء قائما. قاله ابن يونس. قال ابن عبد السلام: فمراد ابن القاسم بقيمة البناء قائما قدر ما يبنى به مثله؛ لأنا إذا أبقينا الكلام على ظاهره أدى ذلك إلى أن يكون للباني جزء من الأرض وهو موضع أساس البناء. ابن عرفة: ما فسر به ابن يونس من اعتبار قدر ما يبنى به مثله صواب جار على أصل المذهب. أهـ.
تنبيهان: الأوّل: قال الحطاب: لو قال رب الأرض ما أعطيه الآن وما أريد إخراجه ولكن يسكن حتى يرزقني الله ما أؤدي عنه لم يجز ذلك، ولو رضي الذي عمر الأرض لأنه سلف جر منفعة. قاله في سماع يحيى من كتاب الاستحقاق. ونصه: ولو رضي الذي عمر الأرض أن يؤخر المستحق على أن ينتفع بها ما حل لأنه سلف جر منفعة، قال ابن رشد: ولو أكراه منه المستحق بما وجب له عليه من قيمة البناء لم يجز عند ابن القاسم للدين بالدين، ويجوز على مذهب أشهب لأنَّ قبض أوائل الكراء عنده كقبض جميعه. والله أعلم. أهـ.
стр. 6882
الثاني: قال الحطاب: سئلت عن مسألة محصلها شريك غرس أو بنى في بعض أرض مشتركة بينه وبين جماعة، فهل لشركائه إلزامه بقلع ما غرس أو بناه؟ فإن أراد هو أو أحد منهم القسمة قسمت الأرض، فإن وقع غرسه أو بناؤه فيما خصه كان له وعليه من الكراء بقدر ما انتفع من نصيب أصحابه قبل القسمة، وأما إن لم يرد أحد منهم القسمة بل أراد بقاء الأرض مشتركة فلهم أن يدخلوا معه ويشاركوه بقدر حصصهم من الأرض بعد أن يسلموا إليه قدر حصصهم من قيمة عمله، قيل قائما وقيل منقوضا وهو الراجح الجاري على مذهب المدونة. وانظر المسألة في أول كتاب الاستحقاق من البيان وتكررت بعد ذلك في سماع عيسى منه، وفي رسم القطعان من سماع عيسى من الشركة وابن يونس في كتاب العارية وغير ذلك. والله أعلم. انتهى. قوله: وهو الراجح لخ قال الرهوني: ما ذكره الحطاب من أن الراجح أن له قيمة البناء منقوضا، صرح ابن ناجي في شرح المدونة بأنّه المشهور، قال في كتاب العارية: وكذلك اختلف إذا بنى المكتري بغير إذن المكري، ومن بنى في أرض زوجته، والشريك إذا بنى بغير إذن شريكه فالمشهور له قيمة عمله منقوضا. انتهى. وأما إذا كان بعلمه وسكوته بلا عذر، فقال في البيان: وأما إذا كان بنيانه وغرسه حفرة بحضرة شريكه وسكوته دون أن يأذن له في ذلك فيتخرّج ذلك على الاختلاف في السكوت، هل هو كالإذن أم لا؟ فعلى القول إنه كالإذن إن كان قد مضى من المدة ما يرى أنَّه أذن له إلى مثلها لم يكن عليه إلا قدر حظه من ذلك منقوضا، وإن كان لم يمض من المدة ما يرى أنَّه أذن له إلى مثلها كان عليه قدر حظه من ذلك قائما، ويختلف على هذا القول هل يكون له الكراء في حصته لما مضى من المدة أم لا؟ فقيل: إنه لا كراء له وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه، وقيل: إن له الكراء بعد أن يحلف أنَّه ما رضي بترك حقه من الكراء في ذلك وهو قول عيسى بن دينار من رأيه، وعلى القول بأنّه ليس كالإذن يكون له كراء حصته لما مضى من المدة قولًا واحدا، ويكون عليه قدر حظه من البنيان منقوضا وإن لم يمض من المدة ما يرى أنَّه يبنى إلى مثلها، ثمَّ قال الرهوني ما نصّه: وبتأمل ذلك يظهر لك أن الراجح أن السكوت هنا ليس كالإذن كما أفاده إطلاق ابن ناجي والحطاب. والله أعلم. انتهى. ثمَّ قال: ظاهر هذه النصوص وغيرها أنَّه لا فرق بين الأب وغيره في هذا، وبذلك أفتيت حين سئلت عن أب بنى في دار مشتركة بينه وبين أولاد
стр. 6883
له صغار فمات وقام بقية الورثة يطلبون حقهم في بناء أبيهم، ويشهد لذلك أيضًا ما في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب الاستحقاق، ونصه: قال ابن القاسم: وأبناؤهم وأبناء أبنائهم لاحق لهم فيما عمر الأب والجد من دار مواليه أو أرضه أو صهره أو ابنه أو جده إلا أن يطول الزمان جدًا، ولا ينافي هذا كون الأب له شبهة في مال ولده، ولذلك لا تقطع يده إن سرق منه لأنه لا يلزم من كون ذلك شبهة يدرأ بها الحد أن يكون شبهة هنا، ألا ترى أنَّه لو استغل مال ولده على وجه الغصب لوجب عليه رد الغلة اتفاقا. انتهى المراد منه.
فإن أبى فله دفع قيمة الأرض يعني أن من بنى أو غرس في أرض الغير بوجه شبهة، يقال لمالك الأرض وهو مستحقها: أعط قيمة البناء والغرس للمستحق من يده قائما إن شئت كما عرفت، فإن أبى المالك فله أي للغارس أو الباني أن يدفع قيمة الأرض للمالك براحا أي بغير غرس ولا بناء، فإن أبى ذو الشبهة من دفع قيمة الأرض للمالك براحا بعد إباية المالك من دفع قيمة البناء أو الغرس قائما فهما شريكان في الأرض والبناء أو الغرس بالقيمة لكل بانفراده، هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة غرسه وبنائه، والقيمة فيهما معتبرة يوم الحكم بالشركة لا يوم الغرس والبناء، فيقال ما قيمة البناء قائما على أنَّه في أرض الغير وما قيمة الأرض فيكونان شريكين بقيمة ما لكل.
تنبيهان: الأول: قول: المص "أعطه قيمته قائما" قال الخرشي: ولو من بناء الملوك لأنه وضعه بوجه شبهة. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل قيده ابن عرفة بما إذا لم يكن البناء من بناء الملوك وذوي الشرف، أما إن كان كذلك فالمنصوص أن فيه القيمة منقوضا، واحتج ابن عرفة لذلك بسماع القرينين وذكر أنها نزلت بالشيخ ابن الحباب. انظره. انتهى. وقال الرهوني: إن ما ذكره ابن عرفة وحكم به أبو إسحاق بن عبد الرفيع ونزل بالشيخ أبي عبد الله بن الحباب غير مسلم عندي، فإنَّه بعد أن ذكر عن المازري عن شيخه عبد الحميد أنَّه قال فيمن بنى بشبهة: إن له قيمة بنائه على أنَّه منقوض، قال عقبه: ونزلت هذه المسألة بشيخنا أبي عبد الله بن الحباب استحق منه جنة قد أحدث فيها من اشتراها منه بناء معتبرا، فحكم الفقيه أبو إسحاق بن عبد الرفيع بقيمة البناء منقوضا مقلوعا فاشتكى ذلك بعد موت الحاكم المذكور، فوقع في قضيته ما ذكرته في كتاب الأقضية، وكان أهل الإنصاف والمعرفة ينسبون القاضي للحكم بالشاذ الذي نقله
стр. 6884
المازري إلى آخر ما ذكر الرهوني من النقول وما رأى، والذي قاله في ذلك وقواه أنَّه يقوم قائما على إلغاء ما فيه من السرف الخارج عن المعتاد، فيقال: ستمائة مثلا فيعطى ستمائة ويلغى الزائد لأنَّ المستحق إذا دفع قيمة المعتاد وأسقط عنه السرف لا ضرر عليه في ذلك، بل له النفع الذي بيده لتمتعه بزخارف الملوك دون عوض، ولأنه لو استحقه وهو مبني البناء المعتاد فقط لم يكن له سبيل إلى أخذه بقيمته منقوضا، فيا عجبا كيف يقضى عليه بقيمة البناء قائما حيث لا نفع له إلا فيه، ويقضى عليه بقيمة البناء منقوضا حيث يكون له نفع زائد واستمتاع بما يغبطه عليه أبناء الدنيا، فبأي شيء يحتج هذا المستحق وماذا يقول؟ هذا لا تساعده النصوص ولا يجري على القواعد والأصول، قال: وليس السماع المذكور نصا فيما ذكره ابن عرفة لا النص الفقهي ولا الأصولي؛ لأنه محتمل، ومن المعلوم المقرر أن ما احتمل واحتمل لا دليل فيه بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، وتعليل أبي الوليد يدلّ على أنَّه فهمه عليه. انتهى. ويعني بالاحتمال الثاني ما قدمته من إلغاء ما فيه من السرف الخارج عن المعتاد. والله تعالى أعلم.
الثاني: قال عبد الباقي: قال أحمد قوله: "وإن غرس أو بنى" لخ أي الأرض، وفرض المسألة في الأرض لأنه وقع نص أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب في ذلك وهي صورة مسألة (١) ولو كان المعمر سفينة لكان الحكم كذلك إذ لا فرق وكذا لو اشترى شخص عرضا وصرف عليه مبلغا في تفصيل وخياطة ثمَّ استحق. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وإن غرس أو بنى قيل للمالك" إلى قوله: "فإن أبى فشريكان" ما نصّه: وبذلك قضى عمر ﵁.
إلا المحبسة فالنقض بضم النون وكسرها يعني أنَّه إذا استحق الأرض مالكها ممن هي بيده بوجه شبهة فالأمر فيها على ما عرفت، وإن استحقت منه بحبس فإنَّه ليس للباني أو الغارس إلا نقضه؛ إذ لا يجوز له أن يدفع قيمة البُقعة لأنه يؤدي إلى بيع الحبس، قال عبد الباقي: إلا المحبسة فالنقض، وهذا استثناء من الأوجه الثلاثة أي أن الأرض إذا استحقت بملك ففيها ما مر من الأوجه وأما إذا استحقت بحبس فلا يجري فيها وجه من الأوجه المتقدمة، فلا يقال لناظر
стр. 6885
الوقف أعطه قيمته إلى آخر الثلاثة، وإنما يقال للباني اهدم بناءك وخذ نقضه، وظاهره أنَّه لا يؤمر بتسوية الأرض، وليس له أن يعطي قيمة البقعة لأنها حبس، ومحل عدم إعطاء قيمة بنائه إن لم يشترط الواقف أنَّه يشترى بغلة الحبس عقار وإلا اشتري ذلك حيث وجد في حبسه ريع زائد عن مستحقيه فيشترى بقيمته منقوضا، بل قد يقال يشترى وإن لم يشترطه الواقف حيث وجد ريع للوقف؛ لأنَّ وقف ريع الوقف قد يؤدي إلى ضياعه كما بحثه أحمد مع بعض شيوخه، وظاهر كلام المص سواء كان الحبس على معينين أو على غير معينين. أهـ. وقال الحطاب: من أكرى الأرض المحبسة لمن بنى فيها لمدة فله أن يأخذ الأنقاض بقيمتها مقلوعة، وليس عليه أن يلحقها بالحبس، ولو كان الحبس على رجلين فأكرى أحدهما حصته بشيء فليس لصاحبه الدخول عليه. انتهى.
وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم يعني أن من استولد أمة وهو ذو شبهة فيها ثمَّ استحقت منه، فإنها تكون له أم ولد ويضمن لمستحقها قيمتها وقيمة ولدها لمن ثبت أنها ملكه، وتعتبر القيمة يوم الحكم باستحقاقها، قال عبد الباقي: وضمن مشتر ذو شبهة أمة أولدها ثمَّ استحق برق قيمة المستحقة، وقيمة ولدها الحر يوم الحكم بالاستحقاق على المشهور لا يوم الوطء والولد حر نسيب باتفاق، والدليل على أنها مستحقة برق ضمانها بالقيمة. وقوله الآتي: "لا صداق حرة" وقول الشارح: استحقت برق أو حرية غير جيد، وأجاب عنه الوالد بأن قوله: أو حرية على حذف مضاف أي وعقد حرية أي إذا استحقت إما برق خالص أو عقد حرية كما يأتي تفصيله قريبا، فإن كان ولدها رقيقا بأن كان من غير سيدها المشتري لها أو من سيدها العبد فيأخذه ويأخذها، وإذا اعتبرت قيمة ولدها الحر فبدون ماله على المشهور كما قال الفاكهاني؛ أي لأنه حر. انظر أحمد وال تتائي. أي فيبقى ماله وكذا الأم تقوم بدون مالها فيما يظهر لأنَّ أخذه قيمتهما كبيعهما وبائع العبد له ماله إلا أن يستثنيه المشتري. قاله علي الأجهوري. وتعليله ربما ينتج عكس المقصود فتأمله، ومفهوم ولدها أنَّه إن لم يولدها أخذها المستحق ولا شيء على المشتري في وطئها ولو بكرا واقتضها كما في المدونة. قاله عبد الباقي.
стр. 6886
تنبيهات: الأوّل: قال عبد الباقي: "قوله" وضمن قيمة المستحقة" لخ أي ويرجع من استحقت منه على بائعه بثمنه ولو غاصبا، وسواء زاد ما دفعه من الثمن على القيمة أم لا، ويرجع ربها على الغاصب بما بقى له من الثمن إن زاد على القيمة التي أخذت من المشتري كما هو قاعدة بيع الفضولي إذا فات؛ لأنَّ أخذ القيمة من المشتري فيه إجازة بيع بائعه الغاصب وهو يضمن يوم الاستيلاء. أهـ. قوله: ويرجع ربها على الغاصب بما بقي له من الثمن لخ فيه نظر، وقال عبد الحق في النكت: إذا استحقت أمة من يد مشتر وقد أولدها فأخذ قيمتها منه على أحد الأقوال يرجع المشتري على البائع بالثمن الذي دفع إليه كله، كان أقل مما دفع من القيمة أو أكثر؛ لأنَّ أخذ قيمتها كأخذ عينها، فلما كان في أخذ عينها يرجع بالثمن لانتقاض البيع فكذلك القيمة إذ هي عوض عنها. أهـ. نقله الطخيخي. وهو صريح في أنَّه لا رجوع لربها على الغاصب بعد أخذ القيمة من المشتري، ولو زاد الثمن عليها لرجوع المشتري بجميعه على الغاصب. وقوله: لأنَّ أخذ القيمة فيه إجازة بيع بائعه لخ غير صحيح، لقول عبد الحق: إن أخذ قيمتها كأخذ عينها، فأخذها نقض للبيع لا إجازة له، وانظر ما تقدم في قوله: "ولربه إمضاء بيعه". أهـ.
الثاني: إذا استحقت مدبرة بعد أن أولدها المشتري أخذ مستحقها ثمنها لا قيمتها وقيمة ولدها قنين، وكانت أم ولد لمن استحقت منه لأنَّ أمومة الولد أقوى من التدبير لعتقها من رأس المال دونه، فهي بمنزلة عتق مشتري المدبرة له، وإذا استحقت مكاتبة بعد إيلاد المستحق منه أخذ المستحق قيمة ولدها وتحسب من الكتابة، فإن وفت بقيمة نجومها أو لم توف ووفت هي بقيمة النجوم خرجت حرة لا يد لواحد منهما عليها، وتكون كمن استحقت بحرية فلا صداق ولا غلة، وإن عجزت كانت بمنزلة القن المستحقة، فيغرم قيمتها وولدها على ما عليه المص، وأما المعتقة لأجل وأم الولد فيغرم الأب قيمة الولد للمستحق كما في المدونة على الرجاء والخوف ويأخذ أم الولد، وكذا المعتقة لأجل إن لم ينقض الأجل قبل يوم الاستحقاق وإلا خرجت حرة ولا يأخذها ولا قيمة ولدها؛ لأنَّ كل ذات رحم ولدها بمنزلتها. أهـ.
الثالث: قوله: "وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم" هو أحد أقوال ثلاثة للإمام، قال البناني عند قول المص هذا ما نصّه: هذا قول مالك الذي رجع إليه، وكان أولًا يقول: لمستحقها
стр. 6887
أخذها إن شاء مع قيمة الولد يوم الحكم، قال في المدونة: وعلى هذا جماعة الناس، وأخذ به ابن القاسم ثمَّ رجع عن هذين القولين معا إلى أنَّه يلزمه قيمتها فقط يوم وطئها، وبه أفتي لما استحقت أم ولده إبراهيم، وقيل أم ولده محمَّد، وعبر عنه ابن رشد بقوله: وبه حكم عليه في استحقاق أم ولده. أهـ. وفيه دليل على أن أفتي في كلام غيره مبني للمفعول وأن غيره أفتاه في ذلك بهذا لا أنَّه أفتى به لنفسه. والله أعلم. وفي كلام الفاكهاني ما يقتضي أنَّه هو الذي أفتى بذلك لنفسه. اهـ.
الرابع: قال ابن عرفة في نوازل سحنون من أمهات الأولاد: من اشترى جارية فأولدها ثمَّ استحقها رجل فدفعها الذي أولدها ثمَّ اشتراها منه، إن كان دفعها إليه بحكم قاض فلا تكون له أم ولد إلا بإيلاد مستقبل، وإن دفعها إليه صلحا دون قضاء كانت أم ولد بإيلادها أولًا. ابن رشد: هذا بين لأنها وجبت لها حرمة الإيلاد فلا تنتقض إلا بحكم لأنه يتهم على إبطال ما وجب لها من الحرمة. أهـ. قال الحطاب عند قوله: "وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم" ما نصّه: فإن أعلم الأب اتبعه بقيمته وقيمتها، فإن كان الولد موسرا أخذ منه قيمته فقط ولا يرجع بها على الأب.
الخامس: قال ابن عرفة: قال اللخمي: لو استحقت حاملًا فعلى أن له أخذها تؤخر لوضعها فيأخذها وقيمة ولدها، فإن أسقطته أو ماتت فلا شيء على الأب، وعلى أخذ قيمتها يأخذ قيمتها الآن على ما هي عليه ولا ينتظر وضعها، وعلى القول الآخر ليس له إلا أخذ قيمتها يوم حملت. أهـ.
والأقل إن أخذ دية يعني أنَّه إذا قتل ولد المستحقة المذكورة قبل الحكم باستحقاقها وأخذ الأب دية الولد ثمَّ استحقت الأم، فإن الأب يغرم الأقل من الدية التي أخذ الأب ومن قيمة الولد، قال الشارح: لما ذكر أنَّه يضمن قيمة المستحقة مع قيمة ولدها خشي أن يتوهم أن ذلك عام في كل ولد سواء قتل الولد فأخذ ديته أم لا، فنبه على أن ذلك فيما إذا لم يكن الأب قد أخذ ديته، فإن أخذها فإن المالك يرجع عليه بالأقل من قيمة الولد أو ما أخذ فيه من ديته، قال في المدونة: ومن
стр. 6888
قتل من الولد خطئا فديته كاملة للأب وعليه لسيد الأمة الأقل من قيمة الولد يوم القتل عبدا أو ما أخذ من ديته، وإن قتل عمدا فاقتص الأب من قاتله لم يكن على الأب فيهم قيمة ويغرم قيمة الولد الحي وإن جاوزت الدية. اللخمي: وقال أشهب: إذا قتل خطئا فالدية للأب ولا شيء عليه للمستحق وهو كالموت، وقول مالك أحسن. أهـ. وقال عبد الباقي: وإن قتل ولدها ضمن للمستحق الأقل من قيمته يوم قتله خطئا ومن ديته إن أخذ الأب له دية، وكذا إن عفا على المعتمد وله في العمد إذا صالح الأب على أقل من الدية وهو قدر القيمة فأكثر الأقل من قيمته يوم القتل ومما صالح به، فإن صالح بأقل من القيمة وأخذه المستحق رجع الأب على الجاني بالأقل من باقي القيمة والدية؛ لأنه يقول إنما صالحت بأقل من القيمة ليبقى لي، وكذا يقال في صلح الخطإ، وإذا عفا الأب في العمد فلا شيء عليه للمستحق وله الرجوع على القاتل بالأقل من القيمة والدية بتقدير أن فيه دية، فإن اقتصَّ الأب في العمد لم يكن للمستحق شيء. ذكره في المدونة. اهـ. قوله: وله في العمد إذا صالح الأب على أقل لخ قال البناني: لو قال وله في العمد إذا صالح الأب الأقل من قيمته يوم القتل ومما صالح به فإن كان المصالح به أقل من القيمة والدية لخ لكان أشمل وأخصر. والله أعلم. وقوله: ورجع الأب على الجاني بالأقل لخ، قال البناني: انظر من قال هذا وأصله - والله أعلم - لأحمد عن بعض شيوخه فهمه من كلام عبد الحق الذي في المواق، والظاهر أن الذي يرجع على الجاني هو المستحق بدليل الفرع الذي بعده وكلام المواق محتمل لذلك، وقوله: وله الرجوع على القاتل الخ، قال البناني: أي وللمستحق الرجوع على القاتل لخ، وهذا قول عبد الحق، وقال ابن شبلون: لا شيء للمستحق على القاتل انظر ابن عرفة. أهـ. قول البناني: وهذا (١) وقال ابن شبلون لخ، قال الرهوني: ما قاله صحيح لكن ما كان ينبغي له إيراد هذا الكلام هكذا لما فيه من الإشعار بأن ما اقتصر عليه الزرقاني أحد قولين متساويين، وأن ابن عرفة سلم ما لابن شبلون وليس كذلك، ونص ابن عرفة: قال عبد الحق: ولو عفا الأب عن قاتله على أقل من الدية، فلابن القاسم في المجموعة: على الأب الأقل من ذلك ومن قيمته يوم القتل، فإن كان ما أخذ أقل من القيمة تبع القاتل بتمام القيمة ولو عفا على غير شيء فلا شيء على
стр. 6889
الأب، ويتبع المستحق القاتل بالأقل من قيمة الولد يوم القتل والدية، واحتج بمتقدم قول ابن القاسم في المجموعة، وقال ابن شبلون: لا شيء للمستحق على القاتل لقولها في كتاب الديات: عفو البنين على غير شيء جائز على البنات؛ لأنَّ القتل لهم دون البنات كالأب مع المستحق، قلت: يفرق بأن أصل حق البنات غير مالي إنما هو دم، وأصل حق المستحق مالي. أهـ منه بلفظه. فاقتصار الزرقاني على ما لعبد الحق هو الصواب فتأمله. أهـ.
لا صداق حرة يعني أن من وطئ أمة بالملك ثمَّ استحقت بحرية فإنَّه لا صداق عليه لها في ذلك الوطء، وكذلك لا يضمن غلتها كما قال: أو غلتَها بالنصب عطف على صداق وهو عطف على قيمة قال الخرشي يعني أن من اشترى أمة فوطئها واستخدمها أو آجرها ثمَّ استحقت بحرية فلا شيء عليه لا من غلة، لما مر أن الغلة لذي الشبهة أو المجهول للحكم، ولا من صداق سواء كانت ثيبا أو بكرا، ومثلها العبد إذا استحق بحرية فلا شيء له على سيده من غلته.
والفرق بين قوله: "لا صداق حرة" والغالط بغير عالمة فإنَّه يضمن صداقها، أن الغالط من وطئ من هي محرمة عليه حال الوطء وإن كانت مباحة بحسب اعتقاده، وأما في مسألتنا فقد وطئ من هي مباحة في اعتقاده وفي نفس الأمر حال الوطء وإن انكشف الأمر بخلاف ذلك بعد. أهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: انظر قوله وفي نفس الأمر لخ فإنَّه غير ظاهر، والظاهر ما في شرح عبد الباقي ونصه: والفرق بينها وبين لزوم الصداق للغالط بغير العالمة كما قدمه والجامع بينهما أن كلا وطء شبهة أن الغالط استند لعقد في زعمه، فتبين أن لا عقد بالكلية وهنا استند لعقد بيع حقيقة وإن تبيّن فساده بحريتها؛ لأنَّ الحقائق تطلق على فاسدها كصحيحها كما لشارح الحدود في غير ما موضع عن شيخه ابن عرفة نفسه والمعدوم شرعا غير معدوم حسا، وإنما هو كالمعدوم حسا، ومثل الأمة العبد يستحق بحرية فلا رجوع له بغلته على سيده الذي استحق منه. أهـ. قول عبد الباقي: كما لشارح الحدود عن شيخه ابن عرفة لخ، قال البناني: الذي في حفظي أن الرصاع شارحَ الحدود لم يدرك ابن عرفة، وإنما أدرك تلامذته. أهـ. قول البناني: الذي في حفظي أن الرصاع لخ، قال الرهوني: ما في حفظه هو ما لأحمد بابا في كفاية المحتاج، ونصه: محمَّد بن قاسم: أبو عبد الله الأنصاري التونسي عرف بالرصاع بمهملتين والتشديد قاضي
стр. 6890
الجماعة الفقيه العالم الصالح المفتي أخذ عن جماعة من أصحاب ابن عرفة وغيرهم، كالبرزلي وابن عقاب وابن القاسم العبدوسي وعمر القلشاني. أهـ. محلّ الحاجة منه بلفظه.
وقد كتب بعض الثقات المعاصرين بهامش البناني في هذا المحل أن ما قاله الزرقاني من أن ابن عرفة من شيوخ الرصاع صحيح، وفيه عندي نظر لأنَّ تاريخ وفاتهما يمنع من ذلك أو يبعده جدًا زيادة على ما قدمنا، فإن ابن عرفة ﵁ ورحمه توفيَ سنة ثلاث وثمان مائة كما في الديباج وغيره، والرصاع توفي سنة أربع وتسعين وثمان مائة بين موتهما واحد وتسعون عاما، فلو فرضنا أن الرصاع ولد يوم مات ابن عرفة لكان عمره إحدى وتسعين سنة، فكيف إذا اعتبر مولده قبل ذلك بمدة يمكنه فيها الطلب حتى يقرأ على ابن عرفة؟ فتأمله بإنصاف. ثمَّ وجدت في كلام الرصاع نفسه ما يوافق ما قلناه، ففي أثناء جواب له مذكور في نوازل الجامع من المعيار ما نصّه: وقد وقع للشيخ الإمام ابن عرفة شيخ شيوخنا أسكنه الله دار السلام في كتاب الإيمان ما وقع للأشياخ. أهـ محلّ الحاجة منه بلفظه.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي بعد قوله المار: ومثل الأمة العبد يستحق بحرية فلا رجوع له بغلته على سيده الذي استحق منه. أهـ ما نصّه. بخلاف ما إذا استحقه شخص آخر برق فيرجع المستحق بغلته على المستحق منه كما يأتي قريبا والفرق لخ، والصواب إسقاط جميع هذا الكلام الأخير لأنه غير صحيح، قال البناني: قول الزرقاني بخلاف ما إذا استحقه شخص آخر برق لخ فيه نظر؛ إذ هو مخالف لقولهم: الغلة لذي الشبهة لأنَّ الفرض أنَّه اشترى واستغل، وقوله كما يأتي قريبا لخ الذي يأتي له خلاف هذا وهو الحر المستحق برق لا الرقيق المستحق بحرية كما هنا، وقوله: والفرق إلى آخر قال البناني: لا حاجة إلى هذا الفرق على كل حال. والله أعلم. انتهى.
وإن هدم مكتر تعديا فللمستحق النقض وقيمة الهدم قال الخرشي: يعني أن من اكترى دارا أو نحوها من ذي الشبهة فهدمها تعديا بأن كان بغير إذن المكري ثمَّ استحقها شخص فإنَّه -يعني المستحق - يأخذ النقض إن وجده وقيمة ما نقصه الهدم؛ إذ [له (١)] أخذه قائما فلو كان الهادم باع النقض فالمستحق بالخيار إن شاء أخذ منه الثمن أو قيمة النقض. أهـ المراد منه. وقال عبد
стр. 6891
الباقي: وإن هدم أو قلع الغرس مكتر لكدار من ذي شبهة ما اكتراه تعديا منه بغير إذن مكريه ثمَّ استحق المهدوم أو المغروس، فللمستحق النقض بضم النون وبالضاد المعجمة لبناء أو غرس وقيمة نقص بفتح النون وبالصاد المهملة الهدم أو القلع، فيقال ما قيمتها مبنية وما قيمة البقعة والأنقاض، فإدا قيل قيمتها مبنية عشرة دراهم وقيمة البقعة والأنقاض ثمانية فإنَّه يكون على الهادم درهمان. انظر أحمد. وهذا إذا كان النقض بالضم باقيا أوأفاته المكتري بغير بيع فللمستحق الأكثر مما باعه به أو قيمته مع أخذ نقص الهدم إن فات عند المشتري، وإلا خير المستحق بين أخذه وإجازة بيع المكتري فليس له حينئذ إلا ما باعه به يرجع به عليه إن أخذه من المشتري، وإلا طالب به المشتري أو المكتري كما تفيده المدونة وشرحها، وهذا بخلاف بيع الفضولي لأنه كالوكيل إذا أجازه فإنما له المطالبة عليه وإن لم يقبض الثمن خلافا لأحمد.
ومفهوم "تعديا" أنَّه إن هدمه لا تعديا فكهدم المكري يأخذه فقط إن لم يبعه، فإن باعه فليس له إلا ثمنه وإن كان قائما وبه جزم أحمد لأنه ذو شبهة أقوى من المكتري، فلم يجعل كالفضولي بالنظر للمستحق، ولعل الفرق أن المشتري أو المكتري استند لعقد حقيقة، والفضولي لم يستند لعقد سابق على بيعه فحين إجازته صار كالوكيل فيطالب هو بالثمن، وقال غيره: إنما له ثمنه إن فات عند المشتري وإلا خير فيه وفي ثمنه، وإن فات بغير سبب المكتري فلا شيء عليه وبسببه ضمن قيمته. أهـ. قوله: فليس له إلا ثمنه وإن كان قائما وبه جزم أحمد لخ، قال البناني: هذا هو ظاهر قول المدونة ولو هدمها المكري لم يلزمه قيمتها وإنما له النقض بعينه إن وجده وإن بيع فله ثمنه. أهـ. وقد علم أن هدم المكتري بإذن كهدم المكري. أهـ.
وقول المص: "فللمستحق النقض وقيمة الهدم" لخ قال البناني: هذا أحد تأويلات لعياض انظرها في الحطاب. أهـ. وقال الحطاب عند قوله: "وإن هدم مكتر تعديا" لخ ما نصّه: هذا كقوله في المدونة: ومن اكترى دارا فهدمها تعديا ثمَّ قام مستحق فله أخذ النقض إن وجده وقيمة الهدم من الهادم، قال في التنبيهات: قوله بقيمة الهدم، قيل بما بينها بقعة وما بينها من القيمة بذلك البناء فيغرمه، وقيل قيمة ما أفسد من البناء، وعند ابن حبيب: يضمن له ما أنفق في البناء،
стр. 6892
وقيل يأخذ النقض من مستحقها ثمَّ يغرم له ما أفسد من الهدم، قال الشيخ أبو الحسن: قول عياض بما بينها بقعة يعني من الأنقاض. أهـ.
وإن أبرأه مكريه مبالغة في أن قيمة الهدم للمستحق على المكري تعديا؛ يعني أن للمستحق قيمة الهدم على المكري وإن كان المكري أبرأ المكتري من قيمة الهدم قبل ظهور الاستحقاق، كسارق عبد ثمَّ استحق يعني أن المكتري عليه قيمة الهدم ولا ينفعه في ذلك إبراء المكري له من الهدم قبل الاستحقاق، فهو كمسألة من سرق عبدا وأفاته بوجه من وجوه المفوتات فأبراه منه المسروق منه المالك له بشراء ونحوه من كل ذي شبهة ثمَّ استحق بعد ذلك الإبراء، فإن السارق يضمنه ولا ينفعه إبراء المسروق منه ذي الشبهة الواقع قبل الاستحقاق ولا رجوع له على المسروق منه، فكما لا ينفع الإبراء في هذا لا ينفع الإبراء الواقع من المكري للمكتري من الهدم قبل الاستحقاق، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من اكترى دارا فهدمها تعديا ثمَّ قام مستحق الدار فله أخذ النقض إن وجده قائما وقيمة الهدم من الهادم، ولو كان المكري قد ترك للمكتري قيمة الهدم قبل الاستحقاق لرجع بها المستحق على الهادم كان مليا أو معدما؛ لأنَّ ذلك لزم ذمته بالتعدي ولا يرجع على المكري إذ لم يتعد، وهو كمن ابتاع عبدا فسرقه منه رجل فترك له قيمته ثمَّ قام ربه فإنما يتبع السارق خاصة. انتهى.
بخلاف مستحق مدعي حرية راجع لقوله: "أو غلتها" يعني أن العبد إذا ادعى أنَّه حر فعمل لشخص عملا ثمَّ استحق بالملك، فإن المستحق يرجع على من استعمله بجميع أجرته وغلته، فهو مخالف لمن كان مملوكا بوجه شبهة، ثمَّ استحق بحرية أو بملك لآخر فلا غلة للمستحق على المستعمل ولا للمستحق بحرية على المستعمل، قال عبد الباقي: وأخرج من قوله: "لا صداق حرة أو غلتها" بالنظر إلى الغلة فقط، قوله: "بخلاف مستحق شخص مدعي حرية" نزل ببلد فاستعمله شخص ثمَّ استحق برق فإن مستحقه يرجع على من استعمله بأجرة استعماله. أهـ. قال المواق من المدونة: لو نزل عبد ببلد فادعى الحرية فاستغله رجل فعمل له عملا له بال من بناء أو غرس أو غيره بغير أجر أو وهبه مالا فلربه إذا استحقه أخذ قيمة عمله ممن استعمله إلا أن يكون عملا لا بال له، كسقي الدابة ونحوه.
стр. 6893
وإلى هذا أشار بقوله: إلا القليل قال عبد الباقي: إلا الاستعمال القليل كسقي دابة وشراء من سوق مرة فلا رجوع لمستحقه بأجرة ذلك، وإذا رجع بغير القليل سقط منه قدر نفقته فتحسب على المستحق، فإن زادت على الغلة لم يرجع بها وإن نقصت رجع المستحق بما زاد منها على النفقة كذا في بعض التقارير، وانظره مع ما سيأتي من أن النفقة التي تكون على المستحق إنما هي النفقة في زمن الخصام لا فيما قبله. أهـ.
قوله: وانظره مع ما سيأتي لخ أي في باب القضاء لا إشكال مع ما يأتي أصلًا؛ لأنَّ ما هنا لم يدع المستغل أنَّه أنفق على ملك بل على حر، وفيما يأتي المستغل يدعي أنَّه أنفق على ملكه وأيضًا فيما يأتي لا يرجع عليه بالغلة وفيما هنا يرجع عليه بها. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وظاهر قوله "بخلاف" لخ سواء استعمل بأجر أم لا، لكن إن استعمل بأجر ولم يدفع خير ربه بين إجازة الأجر وأخذه وبين رده وأخذ أجرة المثل، وكذا لو دفع له وهو قائم بيده فإن أتلفه ففي رجوع مستحقه على مستعملة وعدمه وهو ظاهر المدونة قولان كما في الشارح، وظاهر المص كظاهر المدونة فلو استأجره إنسان فيما يعطب فيه وعطب فينبغي أن يضمنه كما في اللقيط المذكور، بقوله: "وضمنه إن أرسله إلا لخوف" كمن استأجره فيما يعطب فيه أي وعطب فيضمن قيمته، وقد يفرق بأن مستأجر المستحق استأجره ممن له التصرف كتصرف المالك في ملكه بخلاف مستأجر اللقيط. انتهى. قوله: وظاهر المص كظاهر المدونة لخ، قال البناني: غير صحيح، بل ظاهر المص الرجوع سواء استعمل بأجر أم لا، وهو خلاف ظاهر المدونة لأنها فرضت المسألة فيما إذا استعمله بغير أجر. انظر لفظها في المواق. أهـ. وقال المواق من المدونة: لو نزل عبد ببلد فادعى الحرية فاستغله رجل إلى آخر ما مر قريبا.
وله هدم مسجد قال الخرشي: يعني أن من بني مسجدا في أرض ثمَّ استحقها شخص فللمستحق أن يهدم البناء أي له طلب الباني بأن يهدم بناءه، فإذا هدمه فإنَّه يلزمه أن يجعله في مسجد آخر لأنه خرج منه لله تعالى على وجه التأبيد، فلو أخذ قيمته كان ذلك بيعا للحبس، وسواء بنى بوجه شبهة أو غصب. أهـ المراد منه. وقال عبد الباقي: وله أي لمستحق عرصة هدم مسجد بني فيها بوجه شبهة عند ابن القاسم ولا يعطي قيمته ليلًا يباع الحبس، ورجح اللخمي وعبد
стр. 6894
الحق قول ابن القاسم كما ذكره ابن ناجي وأولى عنده ما بني غصبا، وخصص سحنون الهدم بما بني غصبا، وأما ما بني بشبهة فلا يهدم ويقال للمستحق: أعطه قيمة بنائه قائما ويجعلها في مسجد آخر، فإن أبى قيل للباني أعطه قيمة الأرض فإن أبى كانا شريكين، وحينئذ فإن احتمل القسم وكان فيما ينوب الحبس ما يكون مسجدًا قسم، فإن لم يحتمل القسم أو لم يكن فيه لمن بنى ما يكون مسجد بيع وجعل أي ما ينوب ذا الحبس في مثله. قاله أبو الحسن. ورجح أبو عمران قول سحنون لأنَّ الحبس قد يباع للضرورة، ففي هدم مسجد بني بوجه شبهة قولًا ابن القاسم وسحنون، وقوله: ويجعلها في مسجد آخر لعله الأولى وإلا فالذي لابن عرفة في حبس آخر أي مسجد أو غيره، ثمَّ ما يهدم يجعل المستحق منه الأنقاض في مسجد آخر فإن لم يكن في موضعه مسجد نقل ذلك النقض إلى أقرب المساجد إليه ويكون الكراء على نقله منه، ويجوز لمن أخذه في كرائه ملكه. نقله الحطاب عن أبي الحسن. وينتفع المستحق بالبقعة انتفاع الأملاك هذا ظاهره، وشق التخيير الثاني من المص هو ترك البقعة للباني مجانا؛ أي للمستحق الهدم وترك ما استحقه مجانا. أهـ. وقال الخرشي: ثمَّ على القول بأن ما بني مسجدا بوجه شبهة يأخذ الباني قيمته يعني وهو قول سحنون، فإنَّه يكون ملكا لمن دفع قيمة بنائه قائما ينتفع به فيما يشاء. انتهى.
وإن استحق بعض فكالمبيع يعني أن من اشترى سلعا متعددة في صفقة واحدة فاستحق بعضها، حكم ذلك كحكم المبيع المتعدد إذا تعيب بعضه فينظر، فإن كان المستحق وجه الصفقة نقضت كلها وحرم التمسك بالباقي. ورُجِعَ للتقويم يعني أنَّه إذا كان المبيع المستحق بعضه مقوما فإنَّه يرجع في معرفة البعض المستحق هل هو وجه الصفقة أولًا للتقويم؟ فإن كان المستحق وجه الصفقة بأن كان أكثر من نصف القيمة نقضت الصفقة كلها وحرم التمسك بالباقي كما عرفت، وإن لم يكن وجه الصفقة بأن كانت قيمة المستحق نصف قيمة الجميع فدون فإنَّه يلزم المشتري التمسك بالباقي والرجوع بمناب المستحق، وهذه المسألة قد تقدم للمص ذكرها في باب البيع فذكرها هناك بطريق الاستطراد وهنا بطريق الأصالة.
стр. 6895
البناني: حاصل استحقاق البعض أن تقول: لا يخلو إما أن يكون شائعًا أو معينا، فإن كان شائعًا مما لا ينقسم وليس من رباع الغلة خير المشتري في التمسك والرجوع بحصة المستحق من الثمن وفي رده لضرر الشركة، سواء استحق الأقل أو الأكثر، وإن كان مما ينقسم أو كان متخذا للغلة خير في استحقاق الثلث ووجب التمسك فيما دونه، وإن استحق جزء معين فإن كان مقوما كالعروض والحيوان رجع بحصة البعض المستحق بالقيمة لا بالتسمية وإن استحق وجه الصفقة تعين رد الباقي، ولا يجوز التمسك بالأقل، وإن كان مثليا فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن وإن استحق الأكثر خير في التمسك والرجوع بحصته من الثمن وفي الرد، قال في المدونة: ولو كان ما ابتاع مكيلا أو موزونا فإن استحق القليل منه رجع بحصته من الثمن ولزمه ما بقي، وإن كان كثيرا فهو مخير في أن يحبس ما بقي بحصته من الثمن أو يرده، وكذلك يخير في التمسك والرد في جزء شائع من الثمن لأنَّ حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به. أهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قوله: فإن كان شائعًا مما ينقسم أو كان متخذا للغلة خير في استحقاق الثلث لخ مخالف لما مر أن الكثير في المثلي والدار الواحدة الثلث، وفيما تعدد من الدور ما زاد على النصف كالحيوان والعروض والنصف في الأرض كثير. أهـ. وقال الرهوني: قول البناني خير في استحقاق الثلث فيه نظر؛ لأنَّ التخيير في استحقاق الثلث خاص بالدار الواحدة المتخذة للسكنى. راجع تحرير المسألة فيما قدمناه في العيوب عند قوله: "أو استحق شائع" لخ. أهـ.
تنبيه: قوله: "ورجع للتقويم" جعله غير واحد مرتبا على ما إذا استحق غير وجه الصفقة وهو خلاف ما قررته به من أنَّه عام فيما إذا استحق وجه الصفقة وفيما إذا استحق ما دونه؛ لأنه لا يعرف وجه الصفقة إلا بالتقويم ولا يرجع في ذلك إلى التسمية، قال عبد الباقي: وإن كان غير وجهها تمسك بالباقي ورجع فيه للتقويم؛ أي نظر لقيمته فيتمسك به بقيمته ولا يرجع فيه لما سمي للجميع حين شرائه قبل الاستحقاق؛ لأنَّ بائعه للمشتري كان من حجته أن يقول بعته بجملته يحمل بعضه بعضا، فلو رجع للتسمية لكان فيه غبن على المشتري المستحق من يده غير وجه الصفقة ولو سكتا، لا إن شرطا الرجوع للتسمية كما قدمه المص في فصل الخيار بقوله:
стр. 6896
"وتلف بعضه واستحقاقه كعيب به ورجع للقيمة لا للتسمية وصح ولو سكتا لا إن شرطا الرجوع لها" فذكره هناك استطرادا وهنا بطريق الأصالة.
وعلم مما قررنا أن قوله: "فكالمبيع" أي المعيب المتقدم في الخيار، وأن قوله: "ورجع للتقويم" مرتب على ما إذا استحق غير وجه الصفقة. أهـ. وقوله: "ورجع للتقويم" أي لا للتسمية كما عرفت، قال المواق من المدونة: قال مالك: من ابتاع سلعا كثيرة صفقة واحدة فإنما يقع لكل سلعة منها حصتها من الثمن يوم وقعت الصفقة، ومن ابتاع صبرة قمح وصبرة شعير جزافا في صفقة واحدة بمائة دينار على أن لكلّ صبرة خمسين دينارا أو رقيقا أو ثيابا على أن لكل عبد أو ثوب من الثمن كذا وكذا، فاستحقت إحدى الصبرتين أوأحد العبيد أو أحد الثياب فإن الثمن يقسم على جميع الصفقة، ولا ينظر ما سميا من الثمن لأنه لم يبع هذه بكذا إلا على أن الأخرى بكذا فبعضها يحمل بعضا. أهـ المراد منه.
تنبيه آخر: قد مر قول عبد الباقي: فلو رجع للتسمية لكان فيه غبن على المشتري، قال الرهوني: يعني والمستحق جيد فإن كان رديا فالغبن على البائع. انظر التاودي. أهـ.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قوله: فإن كان رديا فالغبن علي البائع، لا يطرد ما قال. تأمل. والله تعالى أعلم.
وله رد أحد عبدين استحق أفضلهما بحرية يعني أن من اشترى عبدين صفقة واحدة ثمَّ استحق أفضلهما بحرية، للمشتري أن يرد أحد العبدين المذكورين أي له رد الباقي منهما، قال الحطاب: كذا قال أبو سعيد في تهذيبه: ومن ابتاع عبدين في صفقة واحدة فاستحق أحدهما بحرية بعد أن قبضه أو قبل، فإن كان وجه الصفقة فله رد الباقي، وإن لم يكن وجهها لزمه الباقي بحصته من الثمن. أهـ. وقد تعقب على أبي سعيد في قوله: فله رد الباقي، قال الشيخ أبو الحسن: ليس في الأمهات فله رد الباقي وإنما فيها رد الباقي، وهذه أي عبارة أبي سعيد متعقبة لأنَّ ظاهره له الرد وله التماسك، فيكون كقول ابن حبيب وأشهب. انتهى. وما ورد على أبي سعيد يرد على المص، وقوله: "بحرية" وكذلك برق، وقد دخل في قوله: "وإن استحق بعض
стр. 6897
فكالمبيع" وإنما نبَّه عليه لأنه قد يتوهم في هذه أنها صفقة جمعت حلالا وحراما، فترد كلها لأنهما هنا لم يدخلا على ذلك. والله أعلم. اهـ كلام الحطاب.
وقال الخرشي: اعلم أنه لا فرق في الاستحقاق بين أن يكون بحرية أو بملك أو بتدبير أو بولادة أمة، ثم قال: فكلام المؤلف مشكل لأن لفظة له تقتضي التخيير، فإما أن يقال له الرد وله التمسك بالباقي بجميع الثمن، وإما أن اللام بمعنى على. اهـ. وقال عبد الباقي: وله رد أحد عبدين اشتراهما صفقة استحق أفضلهما وهو ما فاق النصف بحرية وله هو التمسك بالباقي بجميع الثمن، أو يحمل على ما إذا فات الباقي أو اللام بمعنى على، فلا يخالف قوله: في الخيار ولا يجوز التمسك بأقل استحق أكثره أي لأنه وجه الصفقة. اهـ. قوله: أو يُحمل على ما إذا فات الباقي نحوه في الخرشي. البناني: لا معنى له إذ كيف يتصور رده مع فواته. انتهى.
كإن صالح عن عيب بآخر تشبيه في قوله: "وإن استحق بعض فكالمبيع" يعني أنه إذا اشترى شخص عبدا ثم اطلع على عيب فيه قديم فصالح عن عيب ذلك العبد بعبد آخر فملك العبدين ثم استحق أحدهما فله الرد كالبيع أي فينظر في المستحق منهما، فإن كان وجه الصفقة نقضت كلها وإن لم يكن وجهها وجب التمسك بالباقي والرجوع بمناب المستحق من الثمن، قال عبد الباقي: وهل يجوز الصلح عن العيب قبل معرفة ما ينوبه من الثمن؟ وهو ظاهر المدونة لأنه وإن كان الصلح بيعا لكن يغتفر فيه الغرر؛ لأن اللاحق للعقد كالواقع فيه، فكأن البيع على المبيع وعلى الصالح به ابتداء بالثمن المعين أولا تأويلان، قلت: مقتضى البناء المذكور أنه إذا وقع الصلح بعد زمن طويل من البيع أنه يمتنع قبل معرفة ما ينوب العيب من الثمن باتفاق التأويلين. واختلف الشيوخ هل يقوم العبد الأول مع الثاني المأخوذ عن العيب؟ فيقومان معا يوم الصلح لأنه يوم تمام قبضهما فيعلم ما ينوب الباقي من الثمن بعد استحقاق الآخر، أو يقوم الأول يوم البيع، وأما الثاني فيقوم يوم الصلح بلا خلاف في ذلك تأويلان، قال البناني: هذه النسخة بكاف التشبيه هي الصواب وهو مشبه بما قبله لأنهما في المدونة سواء، وفي بعض النسخ: لا إن صالح لخ بحرف النفي وهي فاسدة. اهـ. وقوله: تأويلان قال التاودي: الأول نقله عياض عن أبي عمران، والثاني ذكره عبد الحق وعابه أبو عمران، قال: لأن ابن القاسم يقول: كأنهما في صفقة واحدة
стр. 6898
وهذا يجعلهما في صفقتين. اهـ. وقال الرهوني: الأول لأبي عمران، والثاني لعبد الحق كما في التنبيهات. ونقله ابن ناجي وغيره لكن عياض أبهم عبد الحق ثم قال الرهوني: وتأويل أبي عمران عندي أقوى لأنه ظاهر المدونة. انظر نصها في المواق. ولأنه الجاري على قول ابن القاسم وهو المشهور أن الصلح على ترك القيام بالعيب مبايعة بعد فسخ الأول، راجع ما قدمناه عند قوله في الصلح: "أو إجارة" والله أعلم. اهـ.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: من اشترى عبدا فأصاب به عيبا فصالحه البائع على العيب على عبد آخر دفعه له جاز وكأنهما في صفقة، فإن استحق أحدهما فليفض الثمن عليهما وينظر هل وجه الصفقة أم لا كما وصفنا فيمن اشترى عبدين فاستحق أحدهما. اهـ.
وإن صالح فاستحق ما بيد مدعيه رجع في مقر به لم يفت صورتها أن يدعي زيد على عمرو بجمل مثلا معين فأقر له به عمرو، ثم صالح المقر له المقر على قطيفة مثلا ثم استحقت القطيفة من يد زيد المقر له، فإن المقر له يرجع على عمرو المقر في الجمل المقر به إن لم يفت الجمل بحوالة سوق فأعلى، وإلا بأن فات بحوالة سوق فأعلى فيرجع في عوضه أي عوض شيئه المقر به من قيمة أو مثل. قال عبد الباقي: وإلا بأن فات ولو بحوالة سوق، ففي عوضه وهو قيمته إن كان مقوما ومثله إن كان مثليا. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: من ادعى شيئا بيد رجل ثم اصطلحا على الإقرار على عوض فاستحق ما أخذ المدعي فليرجع على صاحبه، فليأخذ منه ما أفر له به إن لم يفت، فإن فات بتغير سوق أو بدن وهو عرض أو حيوان رجع بقيمته حكمه حكم البيع، ابن يونس تحصيله أنه لا خلاف إذا استحق ما بيد المدعي والصلح على الإقرار أنه يرجع في شيئه أو قيمته أو مثله إن فات كالبيع. اهـ.
كإنكار تشبيه في الرجوع بالعوض وإن اختلف العوض في المسألتين؛ إذ الرجوع في الأولى بعوض المصالح عنه، وفي الثانية بعوض المصالح به، وهذا يفرقه ذهن السامع لأن في الإقرار يثبت الشيء له، وأما في الإنكار فلم يثبت فكيف يتوهم أنه يأخذه؟ فيتعين أن يكون المراد عوض الشيء المصالح به: وبهذا يندفع اعتراض المواق وابن غازي والله تعالى أعلم. ومعنى كلام المص أن الصلح إذا كان عن إنكار فاستحق ما بيد المدعي، فإن المدعيَ يرجع بعوض ما صولح به أي بقيمته إن
стр. 6899
كان مقوما ومثله إن كان مثليا. هذا قول سحنون أنه يرجع بقيمة المصالح به أو مثله حيث استحق. ابن يونس: وهو الصواب، وإلى تصويب ابن يونس أشار بقوله: على الأرجح وعلى هذا القول الذي رجحه ابن يونس لا يرجع المدعي إذا استحق ما بيده إلى الخصومه، وإنما يرجع بعوض ما صولح به كما عرفت، وقال ابن اللباد: المعروف من قول أصحابنا إذا استحق ما بيد المدعي والصلح على الإنكار أنهما يرجعان إلى الخصومة. قاله الشارح.
وأشار إلى مفهوم قوله فاستحق ما بيد مدعيه بقوله: وإن استحق ما بيد المدعى عليه بعد أن صالح عنه المدعي فينظر في ذلك، فإن كان الصلح واقعا في الإنكار فإن المدعى عليه يرجع على المدعي بما دفع له فيأخذه منه إن كان قائما، وإلا بأن فات بحوالة سوق فأعلى فإنه يرجع على المدعي بقيمته أي بقيمة ما دفع له أو مثله إن كان مثليا، وإن كان الصلح قد وقع في الإقرار واستحق المقر به فإن المدعى عليه المقر لا يرجح على المدعي بشيء لإقراره أنه ملكه، وذلك يتضمن أن أخذ المستحق له منه ظُلم ومن ظلم لا يظلم، ولذلك علل المص عدم رجوعه عليه بقوله: لعلمه أي لا يرجع لأجل علمه صحة ملك بائعه أي بائع المقر به، ومعنى بيعه مصالحته عنه بما أخذ في مقابلته إذ الصلح على غير المدعى بيع، وفي بعض النسخ: كعلمه صحة ملك بائعه بكاف التشبيه فتكون مسألة مستقلة، ومعناها أن من اشترى شيئا من شخص والمشتري يعلم صحة ملك بائعه ثم استحق ذلك الشيء من يد المشتري فإنه لا يرجع بثمنه على بائعه عند ابن القاسم، لعلمه أن المستحق ظلمه فيما أخذه من يده، وقال أشهب: يرجع ونسخة الكاف أولى، قال عبد الباقي: وأما عكس كلام المص وهو ما إذا علم صحة عدم ملك بائعه فالمشهور أن له الرجوع بثمنه حيث استحق من يده؛ لأنه إنما قصد المعاوضة ولم يراع علم المشتري لسبق علم البائع وظلمه بالبيع، ومقابله عدم رجوعه. قاله الغرياني ويقدر كأنه وهبه الثمن. اهـ.
وقوله: كعلمه صحة ملك بائعه، قال البناني: ومثل ذلك ما إذا طعن في الشهود الذين استحق بهم لا رجوع له على البائع ولو لم يطعن رجع. قاله ابن سلمون. ونحوه في المعين. انظر المواق. وقال المتيطى في نهايته في أول البيوع: ولو أن المبتاع صرح بتملك البائع للمبيع ثم استحق ما بيده، ففي رجوعه على البائع روايتان: إحداهما له الرجوع عليه ولا يضره إقراره، والأخرى أنه
стр. 6900
لا يرجع بشيء. رواها أصبغ وعيسى عن ابن القاسم. وقال ابن العطار: وبالرواية الأولى القضاء. المتيطى: الذي وقع لابن القاسم في العتبية من سماع عيسى أنه إذا أقر المبتاع أن جميع ذلك المبيع للبائع منه ثم استحق من يده لا يرجع على البائع بشيء، وقال أشهب وعبد الملك وسحنون وابن حبيب: لا يمنع ذلك من الرجوع، وهذا اختيار الشيوخ بالأندلس. اهـ. ومثل عبد الباقي للقول الدال على صحة الملك بقوله: كقوله داره من بناء آبائه أو من بنائه قديما لا مجرد تصريحه بالملك مجردا عن القول المذكور، فلا يمنع الرجوع إذا استحقت من يده كما عليه جمع، خلافا لتصحيح ابن عبد السلام عدم الرجوع أيضا.
وإلى القول الأول أشار بقوله: لا إن قال داره يعني أن المبتاع لدار إذا قال هي دار البائع ولم يذكر سبب إضافتها له من كونها من بناء آبائه أو من بنائه قديما ثم استحقت منه، فإن قوله هي داره لم يعلم منه صحة ملك البائع لها فلا يمنع ذلك رجوع المبتاع على البائع بثمنها، وفي المدونة: فيمن له على رجل ألف درهم فحط عنه خمسمائة على أن يأخذ عبده ميمونا بخمسمائة ثم استحق العبد فإنه يرجع بالألف، فقوله: على أن يأخذ عبده ميمونا كقول الموثق ابتاع منه داره. اهـ. وقد علمت أن ابن عبد السلام قال: الأصح من القولين عدم الرجوع.
وحاصل ما أشار إليه المص إذا قال داره وعبده ولم يذكر سبب ذلك أن له الرجوع وهذا هو المعتمد، وأما لو قال من بنائه قديما أو بناء ابائه، فذكر عن ابن القاسم أنه لا يبطل رجوع المبتاع بقوله: هي داره إلا أن يقر أنها من خطة آبائه وأجداده فيبطل دركه حينئذ، وكذلك في العبيد والدواب لا يبطل دركه إلا أن يقر أن ذلك من تلاد البائع فيبطل دركه. انتهى. ونحوه في الوثائق المجموعة، وقوله: من خطة آبائه أي من بناء آبائه، وقوله: من تلاده أي ولد عنده. والله تعالى أعلم. مثل علم صحة الملك ما إذا طلب الإعذار في البينة ليجرحها فعجز عن الطعن فيها فإنه لا يرجع إلا إذا كان جاهلا بذلك كما ذكره التسولي عن ابن رحال.
تنبيهات: الأول قوله: "كعلمه صحة ملك بائعه" قد علمت أن عبد الباقي فرضه فيما إذا ذكر سببب ملك الدار مثلا وهو الذي قررته به، وقررت قوله: "داره" بأنه لم يذكر سبب الملك، وتحقيق القول في ذلك أن تقول في العلم بصحة الملك قولان: أحدهما لأشهب وعبد الملك وسحنون