كسر، أو جنى هو يعني أن الغاصب إذا جنى على الشيء المغصوب فعيبه فإن المغصوب منه يخير بين أن يأخذ شيئه مع أرش نقصه من الغاصب وأن يأخذ قيمته يوم الغصب ولا شيء له، أو أجنبي يعني أن الشيء المغصوب إذا جنى عليه أجنبي أي غير الغاصب والمالك فعيبه، فإن المغصوب منه يخير بين أن يأخذ المغصوب ويتبع الجاني بأرش الجناية وأن يتبع الغاصب بقيمته يوم الغصب، وإذا اتبع الغاصب بالقيمة يوم الغصب فلا شيء له غيرها، ويتبع الغاصب الجاني بأرش الجناية.
وعلم مما قررت أن قوله: خير أي المغصوب منه فيه أي في أخذ الشيء المغصوب بعينه وأخذ قيمته جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الثلاث: التعييب بالسماوي، وبجناية الغاصب وبجناية الأجنبي، قال البناني: "خير فيه" يعني يخير المغصوب منه في الشيء المغصوب يريد وفي قيمته في ثلاث مسائل: الأولى إذا تعيبت بسماوي وليس له فيها إلا أخذه بغير أرش أو أخذ القيمة كما في المدونة، الثانية: إذا تعيبت بجناية الأجنبي يخير في أخذ شيئه وأخذ أرش الجناية من الجاني أو تضمين الغاصب القيمة ويتبع الغاصب الجاني كما في المدونة أيضا، وذكر ابن الحاجب هاتين الصورتين ولم يحك فيهما خلافا، الثالثة إذا تعيبت بجناية الغاصب فيخير أيضا فيها بين أخذ شيئه مع أرش الجناية من الغاصب وبين أخذ القيمة منه هذا مذهب المدونة. وذكر ابن الحاجب فيها قولين وعزا هذا لابن القاسم، ومقابله لأشهب وهو أنه ليس له إلا أخذها بغير أرش أو أخذ القيمة وجعل البساطي هذا الثاني هو المذهب، قال الحطاب: وفيه نظر؛ لأن الأول مذهب المدونة كما علمت، ولم أر من رجح الثاني ولا من شهره. واللَّه أعلم انتهى.
وتعقب مصطفى قوله، ولم أر من رجحه بما في الشارح والتوضيح وابن عبد السلام وابن عرفة من أن قول أشهب اختاره محمد. انتهى كلام البناني. وقال عبد الباقي: وإن تعيب المغصوب ذاته القوم بسماوي أو غيره ومنه غيبته على العلية دون الوخش، ثم قال: وقولي المغصوب ذاته تحرز عما تقدم من أنه إذا تعيب المستعار أو المستأجر من فعل من استاجر أو استعار، فإن ربها يخير في أخذ قيمتها أو كراء الزائد وأخذها لأنه في التعدي، وما هنا في غصب الذات كما علمت. انتهى. قوله: تحرز عما تقدم لخ، قال البناني: يقتضي أن ما تعيب في زائد المسافة في الإجارة
стр. 6827
والعارية واختار ربه أخذه إنما فيه كراء الزائد دون أرش النقص، وقد تقدم رده بكلام ابن يونس فراجعه. انتهى. قوله: ومنه الغيبة على العلية هو صريح أو كالصريح في أنه يخير في تضمين الغاصب القيمة أو أخذها مع أرش نقص الغيبة عليها. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. والقول بتضمين القيمة للأخوين وهو خلاف قول ابن القاسم لا ضمان عليه. انتهى. أي إنما لربها أخذها ولا شيء له، وقوله: "وإن قل" قال الخرشي: وأشار بالمبالغة لرد قول ابن الجلاب إنه لا يضمن ذلك بحدوث العيب القليل وإن رجحه بعض المتأخرين.
مسألة: قال الحطاب: فلو غصب أشياء مختلفة فنقصت في يده فلربها تضمينه قيمتها يوم الغصب أو أخذها ناقصة ولا شيء له وله أخذ بعضها [بنقصه] (١) وقيمة باقيها. انتهى. كصبغه تشبيه في التخيير؛ يعني أن من تعدى على ثوب شخص فصبغه، فإن مالكه يخير في أخذ قيمته أي قيمة الثوب أبيض يوم الغصب، وفي أخذ ثوبه ودفع قيمة الصبغ للمتعدي يوم الحكم ولا يكونان شريكين، قال غير واحد: ومحل التخيير إذا زاده الصبغ عن قيمته أبيض أو لم يزد ولم ينقص كما في التوضيح، وهو مذهب المدونة خلافا لا في البساطي. انظر أحمد. فإن نقصه الصبغ عن قيمته أبيض خير في أخذ قيمته أبيض أو أخذه مجانا كما في الجلاب، وقال أبو عمران: يخير كالتخيير الذي ذكره المص ولو نقصه الصبغ، فقوله: "كصبغه" أي كتخييره في مسألة صبغه بحذف حرف الجر لتقدم نظيره. وقوله: "في قيمته" بدل اشتمال من قوله: "كصبغه" والصبغ هنا بالمعنى المصدري، وقوله: "ودفع قيمة الصبغ" بالكسر بمعنى المصبوغ به. قاله عبد الباقي وغيره. قوله: وهو مذهب المدونة لخ، قال البناني: هذا راجع للتخيير المذكور لا بقيد أن الصبغ زاد أو لم يزد ولم ينقص؛ لأن الذي في المدونة أنه إن أخذ الثوب غرم قيمة الصبغ وأطلقت في ذلك، ومقابله قول أشهب: لا شيء عليه في الصبغ وليس فيها تقييد بالزيادة والمساواة، وإنما التفصيل في التوضيح وغيره عن الجلاب. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: ومن غصب ثوبا فصبغه خير ربه في أن يأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه أو يعطيه قيمة صبغه ويأخذ ثوبه ولا يكونان شريكين فيه. انتهى. ولو سقط ثوب في قدر صباغ فانصبغ الثوب، قالوا: يكونان شريكين فيه، هذا بقيمة ثوبه وهذا بقيمة صبغه. انتهى.
стр. 6828
وفي بنائه في أخذه ودفع قيمة نقضه يعني أن من غصب عرصة وبنى فيها أو غرس فإن المغصوب منه يخير في أخذ البناء والغرس ودفع قيمة البناء منقوضا والغرس مقلوعا، وفي أن يأمر الغاصب بقلع بنائه وتسوية الأرض، وإذا اختار أخذ البناء والغرس ودفع قيمة ذلك الشيء منقوضا أو مقلوعا فإنما يدفعها بعد سقوط كلفة أي يدفع قيمة البناء منقوضا والغرس مقلوعا بعد أن يسقط من ذلك كلفة النقض والقلع، وهذا إن لم يتولها أي الكلفة الغاصب أي لم يكن من شأنه توليها بنفسه أو خدمه، وأما إن كان شأنه أن يتولاها بنفسه أو خدمه فإنه لا يسقط من قيمة النقض ومقلوع الغرس شيء أي فيدفع للغاصب قيمة ذلك منقوضا أو مقلوعا بتمامها، ويؤخذ من الغاصب في الحالتين أجرة الأرض زمن غصبه كما قدمه بقوله: "وغلة مستعمل" فيسقط ذلك أيضا من قيمة النقض إذا أخذ المغصوب منه البناء وهذا حيث استغل بعد البناء والغرس.
تنبيه: قال عبد الباقي: إن أزال الغاصب ما يأخذه المغصوب بلا شيء كجص وحمرة غرم قيمته قائما للمغصوب. انتهى. الرهوني: قال ابن ناجي عند قول المدونة وكل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع كالجص والنقش فلا شيء فيه ما نصه: يريد وإذا أزاله فإنه يغرم قيمته وعرضته على غير واحد ممن لقيناه فارتضى ذلك، وقول عبد الباقي: أو غرسه ظاهره أنه يخير ولو كان الغرس ينبت بأرض أخرى وهو ظاهر المدونة وغيرها، وقيده اللخمي بما إذا كان لا ينبت وإلا فللغاصب أخذها، قال أبو الحسن: ولم أره لغيره.
فرع قال الحطاب: قال ابن عرفة: وفي تضمين الصناع منها ولك أخذ ما خاطه الغاصب بلا غرم أجر الخياطة لتعديه، قلت: الفرق بينهما أن الصبغ بإدخال صنعة في المغصوب فأشبه البناء والخياطة مجرد عمل فأشبه التزيين. انتهى.
وضمن منفعة الحر والبضع بالتفويت يعني أن من غصب امرأة أو حرا واستعملهما بأن وطئ بضع المرءة واستخدم الحر فإنه يضمن منفعة البضع والحر، فالمراد بالتفويت الاستيفاء فعليه في بضع الحرة صداق المثل، وفي بضع الأمة ما نقصها علية كانت أو وخشا، فإن لم يستوف البضع بالوطء ولا استعمل الحر بالاستخدام بل عطل كلا عن العمل والوطء فلا شيء عليه.
стр. 6829
كحر باعه وتعذر رجوعه يعني أن من غصب حرا فباعه وتعذر رجوعه فإنه يلزمه أن يؤدي ديته لأهله سواء تحقق موته أو ظن أو شك فية، قال الحطاب: ويضرب ألف سوط ويحبس سنة، وكذا لو فعل به ضياعا تعذر رجوعه به وإن لم يبعه، فإن رجع فإنه يرجع للبائع ما غرمه. قاله عبد الباقي. سحنون: من غصب أم ولد فماتت عنده لا ضمان عليه فيها، كالحرة يغتصبها فتموت عنده. ابن رشد: قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن أم الولد أحكامها كالقن حتى يموت سيدها أصح فلا تشبه الحرة، ألا ترى أن الحرة لا يضمنها بالنقل؟ بخلاف الأمة ومن فيها بقية رق. قاله المواق.
ومنفعة غيرهما بالفوات يعني أن من غصب منفعة غير الحر والبضع بأن لم يقصد تملك الذات وإنما قصد غصب المنفعة فقط، فإنه يضمن تلك المنفعة وإن لم يستعملها ولا استغل، قال عبد الباقي: وضمن منفعة غيرهما بالفوات وإن لم يستعمله ولا استغله كدار غلقها وعبد ودابة حبسهما ولم يستعملهما، وهذا إذا غصب المنفعة فلا يخالف قوله فيما تقدم: "وغلة مستعمل" لأنه في غصب الذات. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن من تعدى على منفعة غير منفعة الحر والبضع لا يضمنها إلا بالفوات، سواء استعمل أو عطل كالدار يغلقها والدابة يحبسها والعبد لا يستخدمه، ولا يخالف هذا ما مر من قوله: "وغلة مستعمل" إلى آخر ما مر.
وهل يضمن شاكيه لمغرم زائدا على قدر أجرة الرسول، قوله: "لمغرم" بضم الميم وفتح الراء مشددة ومخففة متعلق "بيضمن"، وبكسرها مشددة ومخففة متعلق بشاكيه، ومعنى كلام المصنف أن من تعدى على شخص بأخذ مال منه أو بمنعه حقا له عليه فشكا ذلك الشخص المتعديَ إلى من غرمه أكثر مما يستوجبه المشكوُّ، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن الشاكي يضمن الزائد على ما يستوجبه المشكو أي يغرم جميعه للمشكو إن ظلم الشاكي في شكوه بأن قدر على أن ينتصف من المطلوب بدون شكواه، فتعدى بشكوه إلى المشكو إليه فغرمه ما لا يجب عليه فيغرم جميعه أي قدر ما يستأجر به الشاكي رسولا لو فرض أنه استأجره وما زاد على ذلك، وعلى هذا القول إن لم يظلم الشاكي بل كان هو المظلوم فقط فإن الشاكي يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول لو
стр. 6830
فرض هناك رسول، وتحقيق هذا القول أن الشاكي يغرم جميع الزائد إن كان ظالما في شكواه، فإن لم يظلم فإنما يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول.
ثانيها أشار إليه بقوله: أو الجميع يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي يضمن للمشكو جميع الزائد إن كان الشاكي ظالما في شكواه أي يضمن أجرة الرسول والزائد عليها إن ظلم، وأما إن لم يظلم الشاكي فلا يغرم للمشكو شيئا لا زائدا ولا غيره، وتحقيق الفرق بين هذين القولين أنهما متفقان على أن الشاكي يضمن الجميع إن ظلم ومختلفان إن لم يظلم، فالأول يوجب غرم قدر أجرة الرسول فقط لا غير، والثاني لا يوجب غرم شيء لا أجرة ولا غيرها.
ثالثها أشار إليه بقوله: أولا يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي لا غرم عليه فلا يغرم زائدا ولا غيره، وسواء كان الشاكي ظالما أو مظلوما وإنما عليه الأدب فقط. وقوله: أقوال مبتدأ حذف خبره أي في ذلك ثلاثة أقوال: الأول لبعض شيوخ ابن يونس، والثاني لبعض الأشياخ، قال عبد الباقي: المفتى به بمصر الثاني وهو الموافق لقول ابن عاصم في أجرة الرسول:
وأجرة العون على طالب حق … ومن سواه إن ألد تستحق
فقد جعل الأجرة على المطلوب إن كان ملدا وهو بلدده ظالم فشاكيه غير ظالم، كما أنه إذا كان غير ملد يقتضي كون شاكيه ظالما، وظاهر كلامهم جريان هذه الأقوال سواء قدر المظلوم على الرجوع على الظالم أم لا. انتهى. والثالث عزاه ابن يونس للكثير، قال عبد الباقي: وهو يشعر بترجيحه. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل الذي يدل على ترجيحه ما في الحطاب من عزوه لأكثر الأصحاب. انتهى. قوله وهل يضمن شاكيه لخ لا يختص بالغاصب كما نص عليه غير واحد.
وملكه إن اشتراه يعني أن الغاصب يملك الشيء المغصوب إذا اشتراه من ربه أو وهب له أو حصل نحو ذلك، قال عبد الباقي: وملكه أي الغاصب إن اشتراه من ربه أو ممن يقوم مقامه، وهذا معلوم أن كل من اشترى شيئا ملكه، ونبه عليه ليرتب عليه قوله: ولو غاب يعني أن الغاصب إذا اشترى المغصوب يملكه ولا فرق في ذلك بين كون الشيء المغصوب حاضرا وغائبا، قال عبد
стр. 6831
الباقي: ورد بلو قول أشهب إنه إنما يجوز بيعه من غاصبه بشرط أن يعرف القيمة ويبذل ما يجوز فيها بأن ينقد قدر القيمة فأقل ويحبس الزائد حتى يتحقق أنه موجود ليلا يتردد بين السلفية والثمنية، وبدون هذا لا يتم الرد على أشهب؛ لأنه لا يقول بمنع الشراء مطلقا، ونبه على قوله: "وملكه إن اشتراه" ليرتب عليه قوله: "ولو غاب" وليفهم أن التردد أول البيع ضعيف وأنه يكفي العزم على الرد. فقط. انتهى.
قوله: وأنه يكفي العزم على الرد أي بأن يقر له بالغصب وقد عزل وعاد ممن تأخذه الأحكام، قال ابن رشد: فإن كان على حاله من الظلم والتعدي والقدرة على الامتناع من جريان الحق عليه فهو شراء فاسد؛ لأن ربه مغلوب على بيعه منه وإن كان مقرا له. انتهى. قاله البناني. وقول عبد الباقي عن أشهب: إنما يجوز بيعه من غاصبه لخ، قال البناني: نص ابن الحاجب وفيها لو نقل الجارية إلى بلد ثم اشتراها من ربها في بلد آخر جاز، وقال أشهب: بشرط أن تعرف القيمة ويبذل ما يجوز فيها بناء على أصل السلامة ووجوب القيمة. اهـ. التوضيح: قوله جاز أي الشراء بناء على أن الأصل سلامتها في موضعها، ورأى أشهب أن قيمتها قد وجبت على الغاصب بوضع يده عليها، فلابد أن يعرف قيمتها ويشتريها بما يجوز أن يشتري به تلك القيمة، وبه قال سحنون ومال إليه ابن المواز. اهـ. فالمبيع على قول أشهب هو القيمة الواجبة لا ذات المغصوب لفواتها بالغيبة، وبه يتبين لك أن قول الزرقاني بأن ينقد قدر القيمة فأقل ويحبس الزائد لخ غير صحيح فتأمله. اهـ المراد منه.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وقد مر عند قول المص: "ومعه أخذه إن لم يحتج لكبير حمل" أن نقل الحيوان والعروض فوت يوجب للمغصوب منه الخيار في أخذ عين شيئه وتضمين ربه القيمة للغاصب، فإذا غاب المغصوب واشتراه الغاصب من مالكه ملكه لأن شراءه ذلك جائز، وأشهب إنما يفوت تخييره فيه بشرائه للقيمة التي ترتبت في ذمته بما يجوز شراؤها به. واللَّه تعالى أعلم.
أو غرم قيمته عطف على قوله: اشتراه يعني أن الغاصب يملك الشيء المغصوب إذا غرم قيمته وظاهر المص أنه يملكه إذا غرم القيمة بالفعل وليس ذلك بمراد، وإنما مراده أنه يملكه إذا حكم
стр. 6832
عليه بغرم القيمة وإن لم يغرمها بالفعل، فإذا حكم عليه بها ثم وجد المغصوب فإنه ليس للمغصوب منه فيه كلام وإنما هو للغاصب، هذا إن لم يموه الغاصب أي لم يكذب في دعواه التلف. سواء كذب في الصفة أم لا، ففي المنطوق صورتان، وأما إن كذب في دعوى التلف فإنه لا يملكه ولو غرم قيمته بالفعل سواء كذب في الصفة أم لا، ففي المفهوم صورتان أيضا وقوله: "إن لم يموه" شرط في قوله: "أو غرم قيمته" فقط لا في قوله: "إن اشتراه ولو غاب" لأنه يملكه، ولو موه في الغيبة بأن لم يغب، وبهذا تعلم أن قول عبد الباقي: أو غرم قيمته أي حكم الشرع عليه بها لفوته وإن لم يغرمها بالفعل ولا حكم بها قاض، وسواء حكم عليه بها شرعا لزوما أو مع تخيير المغصوب منه. اهـ. غير صحيح. لما علمت أنه إنما يملكه بحكم الحاكم عليه بالقيمة، قال البناني: قول عبد الباقي وإن لم يغرمها بالفعل ولا حكم بها قاض لخ فيه نظر، بل عبارتهم تدل على أنه لابد من حصول الحكم بها من قاض، وعبارة المدونة: قال ابن القاسم: لو قضينا على الغاصب بالقيمة ثم ظهرت الأمة بعد الحكم، فإن علم أنه أخفاها فلربها أخذها ورد ما أخذ. اهـ. وقال ابن الحاجب: وإذا حكم بالقيمة ملكه الغاصب فلا رجوع له في مثل الآبق على الشهور. اهـ.
ومثله في عبارة التوضيح، وقال أحمد: ظاهر المص أنه لابد أن يغرمها بالفعل، وأما الحكم بذلك فلا يكفي، وعبارة المدونة: إذا حكم بذلك. اهـ. وقول المص: إن لم يموه أي لم يتبين كذبه في دعواه التلف، قال في التوضيح: أشهب: ويحلف أنه لم يخفها عن ربها، ولقد كانت فاتت من يده وتبقى له. أبو الحسن: وقوله تفسير اهـ ابن عرفة: قال اللخمي: وأرى إذا وجد الجارية عند الغاصب أن لصاحبها أن يأخذها ويحمل على أنه أخفاها لأنه قد علم رغبته فيها وتحامله عليها بالغصب، ومن غصب يخفي فيحمل على أن يده عليها حسبما كانت حتى يعلم أنها خرجت عن يده ثم عادت. اهـ. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: لو قضينا على الغاصب بالقيمة ثم ظهرت الأمة بعد الحكم، فإن علم أنه أخفاها فلربها أخذها ورد ما أخذ، وإن لم يعلم ذلك لم يقر بها ربها إلا أن تظهر أفضل من الصفة بأمر بين فله الرجوع بتمام القيمة، وقاله أشهب قال: ومن قال إن له أخذها فقد أخطأ. اهـ. وإن لم يكذب في الذات بل كذب في الصفة
стр. 6833
فقط، كقوله: أسود فتبين أنه أعلى كأبيض مثلا وغرم قيمته أسود رجع المغصوب منه عليه أي على الغاصب بفضلة أخفاها فهو راجع لإحدى صورتي المنطوق.
قال عبد الباقي: وأما الذكورة والأنوثة فمن الاختلاف في الذات أي قال غصبت جارية وقال المالك عبدا، فالقول للغاصب إلا أن يظهر أنه عبد بعد إعطاء قيمة الجارية فله النقض للبيع كما في الشارح وال تتاني، وإذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في تلف الشيء المغصوب فادعى الغاصب أنه تلف وقال المغصوب منه إنه لم يتلف أو اختلفا في نعته أو قدره كان القول له أي للغاصب في تلفه ونعته أي صفته، وقدره وحلف في المسائل الثلاث وظاهر المص أن القول للغاصب في نعته وقدره بيمين أشبه أم لا، وقيده غير واحد بما إذا أشبه وإن لم يشبه فالقول للمغصوب منه بيمين إن أشبه، فإن لم يشبها قضي بأوسط القيم بعد أيمانها، قال الخرشي: يعني أن الغاصب إذا قال إن الشيء المغصوب قد تلف وكذبه ربه فالقول قول الغاصب لأنه غارم، وكذلك القول قول الغاصب في نعته أي في صفته، وكذلك القول قول الغاصب في قدر الشيء المغصوب يريد مع يمينه في المسائل الثلاث كما في المدونة، فالضمير في له للغاصب وإنما يكون القول قوله في نعته وقدره حيث أشبه أشبه الآخر أم لا، فإن لم يشبه وأشبه رب المغصوب فالقول قوله مع يمينه، فإن لم يشبها قضي بأوسط القيم بعد أيمانهما بنفي كل دعوى صاحبه مع تحقيق دعواه، وفهم من قوله: "تعته وقدره" أنهما لو اختلفا في جنسه لم يكن الحكم كذلك وهو كذلك في عدم شبههما فإن القول حينئذ قول الغاصب. اهـ. ونحوه لعبد الباقي وفيه أن القول للغاصب إن اختلفا في الجنس بيمين إن أشبها أو لم يشبه واحد، فإن أشبه المغصوب منه فقط فالقول قوله بيمينه. اهـ.
وقال البناني: قال في التوضيح: وإن غصب جارية وادعى هلاكها واختلفا في صفتها صدق الغاصب في الصفة مع يمينه إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه، وكذلك نص مالك في المدونة والعتبية على وجوب اليمين على الغاصب إذا اختلفا في القدر، ولم أر في الأمهات وجوب اليمين على الغاصب إذا ادعى التلف، لكن نص فيها في الشيء المستحق إذا كان مما يغاب عليه أنه يحلف إذا ادعى المشتري تلفه وكذلك في رهن ما يغاب
стр. 6834
عليه، ولا يمكن أن يكون الغاصب أحسن حالا منهما، وقد نص ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف. اهـ.
وقال الرهوني: تقييد المص بالشبه في النعت وفي القدر صواب مصرح به في المدونة في النعت، والقدر مصرح به في كلام ابن يونس وغيره في منتهب الصرة، وقد أشار المواق إلى الاعتراض على المص في تركه هذا القيد بقوله: انظر هذا الإطلاق. اهـ المراد منه. وقال الشارح: وقع لابن القاسم في المدونة في (١) العتبية فيمن غصب صرة من رجل والناس ينظرون إليه وطرحها في متلف وادعى ربها عددا وأكذبه الآخر ولم يفتحها ولا يدري المنتهب كم فيها أو لم يطرحها، ثم يختلفان أن القول قول المنتهب مع يمينه. وقال مطرف وابن كنانة وأشهب: القول قول ربها إن ادعى ما يشبه وأن مثله يملكه يريدون ويحلف اهـ المراد منه.
كمشتر منه تشبيه تام والضمير في منه للغاصب؛ يعني أن المشتري من الغاصب يكون القول قوله بيمينه في تلفه ونعته وقدره إن أشبه، فالتشبيه هنا باعتبار قوله في هذه الثلاثة، وأما تضمينه وعدمه فيأتي في قوله: "ثم غرم لآخِرِ رؤيةٍ" مع قوله: "وضمن مشتر لم يعلم" لخ، قال البناني: القول قوله في التلف وغيره سواء كان مما يغاب عليه أم لا، علم بغصبه أم لا، لكن إن علم بأن البائع غاصب فحكمه في الضمان حكم الغاصب، وإن كان غير عالم فإن كان مما لا يغاب عليه فلا غرم عليه أي فيصدق في أنه تلف بلا سببه، وإن كان مما يغاب عليه فعليه غرم قيمته فيغرم في ثلاث صور. انتهى.
ثم إذا قلنا بضمان المشتري غرم بعد حلفه قيمة المغصوب الذي اشتراه لآخر رؤية أي تعتبر قيمة المغصوب عند آخر رؤية له بعد الشراء فيعتبر حالته إذ ذاك، وإنما لزمته اليمين مخافة أن يكون أخفاه وهذا فيما يغاب عليه وهو غير عالم ولم تقم على هلاكه بينة، فإن لم ير عنده فيوم القبض أو فيما لا يغاب عليه حيث ظهر كذب المشتري، قال الخرشي: وكلام المؤلف فيما إذا ادعى تلفه بسماوي وكان مما يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة وفيما لا يغاب عليه إذا ادعى تلفه وظهر كذبه. انتهى. وقال المواق: سئل ابن القاسم عن الرجل يشتري سلعة فيقيم رجل بينة أنها
стр. 6835
اغتصبت منه فيزعم المشتري أنها قد هلكت، قال: إن كان حيوانا فهو مصدق وإن كان مما يغاب عليه لم يقبل قوله وأُحْلِفَ أنها قد هلكت ويكون عليه القيمة قيل: فإن باعها قال: لا يكون عليه إلا ثمنها، وقوله مقبول في الثمن، ابن رشد: هذه مسألة صحيحة جيدة، وقوله: يحلف إذا ادعى تلف السلعة مخافة أن يكون غيبها، ومثل هذا يجب في المرتهن والمستعير والصانع يدعون تلف ما يغاب عليه. ولما نقل ابن يونس هذا قال: فإن ريء الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه وادعى ضياعه لا استحق فالأشبه أن يضمن قيمته يوم ريء عنده بعد الشهر، بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن ريء عنده بعد شهر فهو يضمن قيمته يوم قبضوه. انتهى.
والفرق أن هؤلاء قبضوه على الضمان فيتهمون في غيبته على استهلاكه فأشبهوا المتعدي؛ بخلاف المشتري فإنه قبضه على الملكية فلا يتهم، ويأتي أن المشتري العالم بالغصب كالغاصب فيضمن بالاستيلاء ولو تلف بسماوي كما في الخرشي وغيره.
ولربه إمضاء بيعه يعني أن الغاصب أو المشتري منه إذا باع الشيء المغصوب فإن للمالك أن يجيز ذلك البيع لأنه بيع فضولي وله أن يرده، قال الخرشي: وظاهره يعني المص سواء قبض المشتري البيع أم لا، وظاهره سواء علم المشتري أنه غاصب أم لا، كان المالك حاضرا أم لا، قرب المكان بحيث لا ضرر على المشتري في الصبر إلى أن يعلم ما عنده أم لا وهو كذلك في الجميع. انتهى. قوله: قرب المكان بحيث لخ فيه نظر، قال الحطاب: وإن علم المشتري أن البائع منه غاصب وأحب المبتاع رد البيع قبل قدوم المغصوب منه لم يكن له ذلك إذا كان قريب الغيبة، وله ذلك إذا كانت الغيبة بعيدة لأن عليه في وقفه في ضمانه حتى يقدم ضررا. اهـ. وقوله: "ولربه إمضاء بيعه" ويرجع بالثمن على الغاصب إن قبضه من المشتري وكان أي الغاصب مليا، فإن لم يقبضه رجع على المشتري، فإن قبضه من المشتري وكان الغاصب عديما فهل لا رجوع له على المشتري أو له الرجوع عليه؟ قولان حكاهما اللخمي. وهما مبنيان على أن البيع هو العقد أو التقابض، فعلى الأول يكون أجاز البيع دون القبض وعلى الثاني يكون أجاز البيع والقبض، ونقل في النوادر القولين وضعف غرم المشتري وأنكره، فاقتصار الزرقاني والخرشي عليه فيه نظر وقد اقتصر الزرقاني خلى الراجح بعد هذا. والله أعلم. انظر البناني.
стр. 6836
وقال عبد الباقي: وإذا أمضى البائع البيع فلا يتبع الغاصب بالقيمة ولو أزيد من الثمن؛ لأنه بإمضاء بيعه يقدر كأنه البائع وليس لمبتاع رد البيع حين إمضاء ربه، قال اللخمي: إلا أن يكون المالك المجيز فاسد الذمة بحرام أو غيره. اهـ. البناني: ما قاله اللخمي مبني على أن العهدة في المبيع تنتقل عن الغاصب إلى المغصوب منه وهو ظاهر سماع ابن القاسم ودليل ما في كتاب الاستحقاق من المدونة، وقال سحنون: العهدة لا تنتقل عن الغاصب. نقله عن مالك. وهو دليل ما في كتاب الغصب من المدونة من لزوم الشراء المشتري إذا أجازه المستحق. انظر تحرير ابن رشد لهذه المسألة في مصطفى. انتهى.
تنبيهات: الأول قال الحطاب: وسئل ابن القاسم عن الرجل يشتري السلعة في سوق المسلمين فيدعيها رجل قبله ويقيم بينة أنها غصبت منه فيزعم مشتريها أنها قد هلكت، فإن كان حيوانا فهو مصدق، وإن كانت مما يغاب عليه لم يقبل قوله وأحلف ويكون عليه قيمتها إلا أن يأتي بالبينة على هلاك من اللَّه أتاه من اللصوص أو الغرق أو النار ونحو ذلك فلا يكون عليه شيء، قيل له: فإن باعها؟ قال: لا يكون له عليه إلا ثمنها، قيل له: فإن قال بعتها بكذا وكذا ولم تكن له على ذلك بينة إلا قوله أيصدق على ذلك؟ قال: قوله مقبول في ذلك لأنه قد يعرف الشيء في يديه ثم يتغير عنده قبل أن يبيعه بكسر أو عور أو شيء يصيبه. وقال في التوضيح: وإذا صدق فيما لا يغاب عليه فإنما ذلك إذا لم يظهر كذبه كالرهن والعارية، وقال أصبغ: يصدق في الضياع فيما يغاب عليه مع يمينه، ابن عبد السلام: وإذا بنينا على المشهور وضمانه فخرج بعضهم قولا بعدم اليمين. انتهى.
الثاني: قال الحطاب: قال في المدونة: ومن غصب عبدا أو أمة ثم باعها ثم استحقها مالكها وهي بحالها فليس له تضمين الغاصب القيمة وإن حالت الأسواق، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن كما لو وجدها بيد الغاصب وقد حالت أسواقها، فإن أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب فإن الغاصب يغرمه، وليس الرضى ببيعه يوجب له حكم الأمانة في الثمن. اهـ.
стр. 6837
الثالث: قال الحطاب: إذا كان طعام أو غيره مشتركا بين شخصين فغصب منه ظالم حصة أحدهما، فهل ذلك من الشريكين أو هو خاص بمن أخذ باسمه قال ابن أبي زيد: الذي عندي أن المأخوذ بينهما والباقي بينهما، وكذلك أفتى السيوري. انتهى المراد منه.
ونقض عتق المشتري وإجازته يعني أن من غصب عبدا أو أمة فباعها ثم أعتقه المشتري فإن لرب العبد أو الأمة أن ينقض عتق المشتري فيرد البيع وله أن يجيزه أي البيع، فإذا نقض العتق أخذ العبد أو الأمة، وإذا أجاز البيع نفذ العتق وأخذ الثمن، قال المواق من المدونة: من غصب أمة فباعها فقام ربها وقد أعتقها المبتاع فله أخذها ونقض العتق نقصت أو زادت، وله أن يجيز البيع فإن أجازه تم العتق بالعقد الأول. اهـ. وكلام المدونة هذا صريح في أن المجاز هو البيع، فالضمير في إجازته للبيع. واللَّه تعالى أعلم. وبذلك صرح الشارح، وقال عبد الباقي: وللمغصوب منه نقض عتق المشتري من الغاصب وأخذ الرقيق وإجازته فيتم عتقه ويلزم بالعقد الأول ويرجع المغصوب منه بالثمن على الغاصب ولو أعسر ولا رجوع له على المشتري، ويمكن ضبط "وإجارته" براء مهملة أي وله نقض إيجار المشتري لما اشترى.
وضمن مشتر لم يعلم في عمد يعني أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم حين الشراء بأن ما اشتراه مغصوب ثم تلف، فإن كان تلفه من جناية المشتري عمدا فإنه يضمنه ويكون للمالك غريمان: الغاصب والمشتري منه، قال المواق: قال مالك: ومن ابتاع ثوبا من غاصب ولم يعلم فلبسه حتى أبلاه ثم استحق غرم المبتاع القيمة لربه يوم لبسه، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب أو أجاز بيعه وأخذ الثمن، ولو تلف الثوب عند المبتاع بأمر من اللَّه لم يضمنه ولو تلف عند الغاصب بأمر من اللَّه تعالى ضمنه. اهـ. وقال عبد الباقي: وضمن مشتر من غاصب لم يعلم بغصبه في عمد أي في إتلافه عمدا وهو حينئذ مع الغاصب في مرتبة واحدة على المعتمد في اتباع ربة أيهما شاء بمثل المثلي وقيمة المقوم، فإن اتبع الغاصب فيعتبر يوم الاستيلاء ولم يرجع على المشتري، وإن تبع المشتري وذلك يوم الإتلاف رجع على الغاصب. اهـ بتغيير قليل. قوله: وإن تبع المشتري رجع على الغاصب، يحتمل أن مراده رجع المشتري على الغاصب بالثمن الذي كان دفع له وهذا هو الذي في الخرشي، ويحتمل أن مراده رجع المالك على الغاصب بتمام القيمة يوم الغصب إن
стр. 6838
كان قيمته يوم الإتلاف أقل منها وهذا مذهب ابن القاسم. قاله اللخمي. ونقله مصطفى. والاحتمالان معا صحيحان. قاله البناني. وقال الشارح ممثلا لقوله: "في عمد" كما إذا أكل الطعام أو لبس الثوب فأبلاه أو هدم الدار أو نحو ذلك. انتهى.
لا سماوي يعني أن المغصوب إذا تلف عند المشتري بسماوي وهو غير عالم بغصبه فإنه لا ضمان عليه، وهذا في مغصوب يغاب عليه وثبت تلفه بالسماوي ببينة، وفيما لا يغاب عليه ولم يظهر كذب المشتري، وقوله: "لا سماوي" أي لا يضمنه المشتري بمعنى أنه لا يكون غريما ثانيا للمالك، فلا يقال كيف لا يضمن السماوي مع أن الغلة له؛ لأنا نقول إنما نفينا نوعا خاصا من الضمان وهو ضمانه للمالك، وإلا فهو ضامن للغاصب بمعنى أنه لا يرجع بثمنه عليه إن كان دفعه: ويدفعه له إن كان لم يدفعه. انظر التوضيح. ونحوه للخرشي، ولفظ الخرشي: أي لا يكون غريما ثانيا للمالك وإلا فهو ضامن للغاصب، فلا منافاة بين قوله: "لا سماوي" وبين قوله: "وضلة" لأنا إنما نفينا نوعا خاصا من الضمان وهو ضمانه للمالك، وإلا فهو ضامن للغاصب بمعنى أنه لا يرجع بثمنه عليه إن كان دفعه ويدفعه له إن كان لم يدفعه. اهـ. ونحوه للش.
وغلة يعني أن المشتري الذي لم يعلم لا يضمن الغلة بل يفوز بها ولا شيء عليه في مقابلتها، قال عبد الباقي: لا ضمان على مشتر في غلة استعملها غير عالم بأن بائعه غاصب، ولا على الغاصب فيما استغله المشتري لأنه لم يستعمل كما يفهم من قوله فيما مر: "وغلة مستعمل" والفرق بين عدم ضمانه غلة المشترى منه وبين ضمانه غلة موهوبه كما يأتي أنه خرج من يده بغير عوض، فكأنه لم يخرج من يده بخلاف بيعه. اهـ.
مسألة: من استُحِقَّ بعد أن تداولته الأملاك بحرية تراجع بائعوه كل واحد على صاحبه، وكذلك إذا استحق برق وأخذه مستحقه أوأجاز البيع الأخير. قاله الحطاب.
وهل الخطأ كالعمد يعني أنه اختلف في جناية المشتري الذي لم يعلم بالغصب على المغصوب خطئا هل تلحق بالعمد؟ وإلى هذا ذهب أشهب في المجموعة أو يكون كالسماوي؟ وإليه ذهب ابن القاسم في العتبية وجعله في البيان تفسيرا لما في المدونة، وقال أبو الحسن: ظاهر المدونة مساواة الخطإ والعمد، ابن عبد السلام: وربما تؤول على المدونة، وإلى هذا أشار بقوله: تأويلان وهو
стр. 6839
مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، الأول لأبي الحسن وابن عبد السلام، والثاني وهو التأويل المطوي لابن رشد، وقول أشهب هو القياس لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء. انظر الشارح. وقال عبد الباقي: وهل التلف أو التعييب الخطأ من المشتري غير العالم بأن بائعه غاصب كالعمد فيضمن الذات، أو كالسماوي فلا يضمنها؟
ووارثه وموهوبه إن علما كهو يعني أن وارث الغاصب إن علم بالغصب كالغاصب، وكذلك موهوب الغاصب إن علم بالغصب كالغاصب في ضمانهما القيمة، وللمستحق الرجوع بالقيمة على أيهما شاء. قاله الخرشي وغيره. وقال البناني: ووارثه وموهوبه إن علما كهو في الضمان ورد الغلة وتخيير المالك في اتباع أيهما شاء كغاصبين. اهـ. وقال المواق: ابن عرفة فيها مع غيرها: من ابتاع شيئا من غاصب أو قبله وهو عالم أنه غاصب فهو كالغاصب في الغلة والضمان. اهـ. وقال عبد الباقي: ووارثه وموهوبه أي الغاصب إن علما كهو في ضمانهما القيمة لكن الموهوب يضمنها يوم التلف، ويضمن الغلة قبل يوم التلف فللمستحق الرجوع بها على أيهما شاء ولا يتصور بعد يومه، وأما المشتري منه فيضمن القيمة والغلة مع علمه بغصبه، فلو زاد: ومشتريه إن علموا كهو لكان أشمل. اهـ. قوله: فلو زاد ومشتريه إن علموا، لخ قال البناني: فيه نظر إذ لو زاد لم ينزل عليه قوله: "وإلا بدئ بالغاصب" لما مر في المشتري الذي لم يعلم من أنه في العمد كغريم ثان، قال في التوضيح: والفرق لابن القاسم أنه إذا ابتدأ بتضمين المشتري كان للمشتري الرجوع على الغاصب ولا كذلك الموهوب له، فإنه إذا أغْرِمَ لم يكن له رجوع البتة. اهـ باختصار.
وإلا أي وإن لم يعلم الموهوب له بالغصب بدئ بالغاصب في الضمان، فتؤخذ منه القيمة إن فاتت السلعة دون الغلة التي استغلها هو أو موهوبه، وإن كانت قائمة أخذها وأخذ الغلة التي استغلها هو أو موهوبه كما قال: ورجع المغصوب منه عليه أي على الغاصب بغلة موهوبه أي بالغلة التي استغلها الموهوب إن كان المغصوب قائما، فإن فات رجع بالقيمة أو بالغلة أي يخير بينهما ولا يجمع بينهما، فقوله: "بدئ بالغاصب" أي في أخذ القيمة منه إن فاتت وفي أخذ الغلة إن لم تفت، وفهم منه أنه لا رجوع له على الموهوب بما أخذ منه كما هو ظاهر من قوله: "وبدئ بالغاصب" وقصرت المص على الموهوب الذي لم يعلم بالغصب دون وارث الغاصب الذي لم يعلم
стр. 6840
تبعا لغيري، قال البناني عند قوله: "وإلا بدئ بالغاصب" ما نصه: الظاهر رجوع هذا للموهوب فقط إذ لا غاصب مع الوارث يبدأ به، وحينئذ فلا فرق في الوارث بين العلم وعدمه، لكن لا يضمن إن لم يعلم إلا جناية نفسه، والمسألة في المدونة وغيرها مفروضة في الموهوب فقط.
قال مصطفى: وأما الوارث فالمراد به وارث الغاصب، وحينئذ فلا تتأتى فيه البداءة بالغاصب ولا في تركته لأن الفرض أنه مات، وقسموا المغصوب واستغلوا ثم استحق ففيها لو مات الغاصب وترك هذه الأشياء ميراثا فاستغلها ولده كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق. اهـ. ووارث الغاصب لا غلة له علم أو لم يعلم، وأما المشتري فيخير المستحق في اتباعه أو الغاصب في العلم وعدمه، والغلة له مع عدم العلم فلا يغرمها ولد الغاصب. اهـ كلام مصطفى باختصار.
تنبيهات: الأول: قد مر قول البناني لا فرق بين العلم وعدمه في وارث الغاصب، لكن لا يضمن إن لم يعلم إلا جناية نفسه، فعلم منه أن الوارث إن لم يعلم لا يضمن السماوي ولا جناية الغير، وقال عبد الباقي: بدئ بالغاصب حتى في السماوي والخطإ فعلم منه أنها إن ماتت عند الموهوب بسماوي أو بجناية الموهوب عمدا أو خطئا وكان الغاصب معدما أن المالك يرجع على الموهوب بالقيمة، وكذا يرجع بالغلة إن كانت قائمة وعممت الضمان في هلاك الدابة في السماوي وغيره لا في المواق أن من غصب سلعة فوهبها فهلكت أن الموهوب يضمن في عدم الغاصب، فقوله: هلكت ظاهره بسماوي أو غيره بل المتبادر منه الهلاك بسماوي. انظره فيه عند قول المص: "واتبع إن أعدم ولم يعلم بالإعارة".
الثاني قال البناني إذا باع عن الصغير قريبه كالأخ والعم بلا إيصاء ولا حضانة، فكبر الصغير وأخذ شيئه فإن المشتري لا يرد الغلة ولو كان عالما يوم البيع بتعدي البائع. قاله في المعيار. قال الشيخ ميارة: لأن في القريب خلافا بين العلماء هل يتنزل منزلة الوصي أم لا؟ وعلى الثاني فالمشتري منه له شبهة تسوغ له الغلة. قاله أبو الحسن الصغير. وكذا من باع ما يعرف لغيره زاعما أن مالكه وكله على بيعه وهو من ناحيته وسببه فلم يثبت التوكيل وفسخ البيع فلا ترد الغلة، وكذلك إذا باع الحاضن ما ليس بيسير ثم فسخ بيعه فلا ترد الغلة أيضا. اهـ من خط سيدي محمد ميارة ﵀.
стр. 6841
الثالث: وقع في عبارة الشارح والتوضيح هنا: فيغرم القيمة والغلة وظاهرها الجمع بينهما وهو الجاري على ما عزاه في الكافي لمالك وجمهور أهل المدينة، ولكنه خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة فينبغي أن تحمل عبارتهما هنا على التفريق أي يغرم القيمة إن فات والغلة إن رده. انظر مصطفى. وعزوه الشارح لابن القاسم إنما يصح على التفريق، وما في الزرقاني من البحث والجواب مبنيان على ظاهرها على ما للكافي والحق خلافه. قاله البناني.
الرابع: قال المواق عند قوله: "وإلا بدئ بالغاصب": أما بالنسبة للموهوب فلا يتبعه المستحق إلا أن يكون الغاصب عديما أو لم يوجد أو لم يقدر عليه، ووجه هذا أن المشتري إذا غرم اتبع الغاصب بخلاف الموهوب إذا غرم لم يرجع إذ لا عهدة له على الغاصب، وهو يقول لم ألبس على معاوضة فلا يجب علي إذا كان ثم من يرجع عليه، وقال أشهب: يبتدئ بأيهما شاء، قال ابن يونس: وبهذا أقول ولا يكون الموهوب له أحسن حالا من المشتري، ومن المدونة: قال ابن القاسم: من غصب دارا أو عبيدا فوهبهم لرجل فاغتلهم وأخذ كراءهم ثم قام مستحق، فإن كان الموهوب له عالما بالغصب فللمستحق الرجوع بالغلة على أيهما شاء، وإن لم يعلم بالغصب فللمستحق أن يرجع أولا بالغلة على الغاصب، فإن كان عديما رجع بها على الموهوب، وكذلك من غصب ثوبا أو طعاما فوهبه لرجل فأكله أو لبس الثوب حتى أبلاه أو كانت دابة فباعها وأكل ثمنها فاستحقت هذه الأشياء بعد فواتها بيد الموهوب على ما ذكرنا، ولو أن الغاصب نفسه اغتل العبد وأخذ كراء الدار لزمه أن يرد الغلة والكراء للمستحق، ولو مات الغاصب وترك هذه الأشياء فاستغلها ولده كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق، قال ابن القاسم: والموهوب لا يكون في عدم الواهب أحسن حالا من الوارث. اهـ المراد منه. وقال عبد الباقي: ثم محل الرجوع على الغاصب بغلة موهوبه إذا كانت السلعة قائمة أو فاتت ولم يختر تضمينه القيمة؟ إذ لا يجمع بين الغلة والقيمة. انتهى.
فإن أعسر فعلى الموهوب يعني أنه يبدأ بالغاصب في القيمة والغلة كما عرفت، فإذا أعدم الغاصب أو لم يقدر عليه فإن المالك يرجع على الموهوب بما ذكر من غلة أو قيمة، قال عبد الباقي: فإن أعسر الغاصب فعلى الموهوب يرجع بما استغله فقط لا بما استغله الواهب قبل الهبة وأعسر، فإن
стр. 6842
أعسرا اتبع أولهما يسارا، ومن أخذ منه شيء لا يرجع على الآخر في الصورتين، وقول ال تتائي: فإن أعسر فعلى الموهوب ثم يرجع بها الموهوب على الغاصب إذا أيسر. قاله في البيان. اهـ. خلاف ما كتبه جد علي الأجهوري بطرة الشارح عن المدونة وأبي الحسن عليها من عدم الرجوع؛ لأنه يقول: وهبتك شيئا فاستحق. اهـ. قوله: خلاف ما كتبه الأجهوري (١) لخ، قال البناني: هذا قصور، واعلم أن ما نقله ال تتائي عن البيان هو كذلك فيه، إلا أنه ذكره تخريجا وذكر عقبه نص المدونة بعدم الرجوع معترفا به، انظر نصه في مصطفى. ولا ينبغي لأحد أن يعتمد التخريج ويترك نص المدونة، ومثل ما في ال تتائي عن البيان وقع في التوضيح، فإنه اقتصر على تخريج ابن رشد ولم يستوعب كلامه المشتمل على التخريج والنص في المدونة بخلافه. قاله مصطفى. قال البناني: عبارة ابن رشد في المقدمات تقتضي أن مقابل المدونة منصوص لا مخرج. اهـ المراد منه.
وقال عبد الباقي: وأما وارث الغاصب فلا غلة له، علم بغصب مورثه أم لا، مات مليا أم لا حيث كانت السلعة قائمة، وأما لو فاتت وضمن الوارث القيمة فله الغلة لا للمغصوب منه؛ لأنه لا يجمع بين القيمة والغلة. اهـ. وقوله: "وإلا بدئ بالغاصب فإن أعسر فعلى الموهوب" هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم في المدونة، وفي كتاب الاستحقاق منها أنه يرجع أولا على الموهوب لأنه الذي باشر الإتلاف. ابن رشد: فإن وجده عديما رجع على الغاصب، ولأشهب ثالث أنه يرجع على أيهما شاء، فإن كانت قيمته يوم الغصب عشرين وقيمته يوم الإتلاف ثلاثين فاختار اتباع الغاصب أخذ منه عشرين ثم يرجع على الموهوب له بالعشرة الباقية. قاله الشارح
ولفق شاهد بالغصب لآخر على إقراره بالغصب يعني أنك إذا أقمت شاهدا على أن فلانا غصب منك هذه الدابة، وشاهدا آخر على أن فلانا المذكور أقر بأنه غصب منك الدابة المذكورة، فإنه يلفق بعضهما إلى بعض وتتم الشهادة، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن أقمت شاهدا أن فلانا غصبك هذه الأمة وشاهدا آخر على إقرار الغاصب أنه غصبك تمت الشهادة. اهـ. وقال عبد الباقي: ولفق شاهد بالغصب أي بمعاينته من زيد لآخر على إقراره أي الغاصب بالغصب أي
стр. 6843
بأنه غصبه من زيد. اهـ. وقال الحطاب عند قوله: "ولفق شاهد بالغصب لآخر على إقراره بالغصب" ما نصه: ظاهر كلامه أنه يحتاج إلى يمينين (١) وهو كذلك، قال في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب العارية: وسئل عن امرأة أعارت أخرى حجلة لها ولم يشهد على ذلك إلا امرأتان: فتزوجت المستعيرة ودخلت العيرة إلى الريف فأقامت عشر سنين وماتت المستعيرة، فأتت المعيرة تطلب الحجلة وأنكر ورثة المستعيرة فشهدت المرأتان بالعاريَّة وقد غابت الحجلة، قال ابن القاسم: تحلف المرأة مع شهادة المرأتين باللَّه الذي لا إله إلا هو ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت وتستحق ذلك في مال المتوفاة، قال محمد بن رشد: قوله إن المعيرة تحلف مع شهادة المرءتين لخ معناه بعد يمينها مع شهادتهما لقد أعارتها إياها وهذا ما لا خفاء به، وإنما سكت عنه للعلم به إذ لا تستحق العارية بشهادة المرءتين دون يمين، فأراد أنها لا تكتفي بجعلها مع شهادة المرءتين أنها أعارتها دون أن تحلف ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، ولابد أن تحلف أيضا على صفتها فيكون في مال المتوفاة ما قومت به الصفة التي حلفت عليها. وباللَّه التوفيق. اهـ. وتأمل هذا الذي قاله الحطاب فإنه لا يظهر حلفه لأنه حائز لا مالك، ويأتي عن غيره خلاف ما قال أي من الحلف في مسألة المص لا في مسألته هو.
كشاهد بملكك لثان بغصبك تشبيه في التلفيق يعني أنك إذا أقمت شاهدا على أن فلانا غصب منك هذه الأمة مثلا وشاهدا آخر أنها ملكك، فإنه يلفق بعضهما إلى بعض وتتم الشهادة، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: وإن أقمت شاهدا أن فلانا غصبك هذه الأمة وشاهدا آخر أنها لك فقد اجتمعا على إيجاب ملكك لها، فيقضى لك بها بعد أن تحلف أنك ما بعت ولا وهبت كمن استحق شيئا ببينة وذلك إذا ادعى الغاصب لنفسه لأنهما لم يجتمعا على إيجاب الغصب. اهـ. وقوله: "بغصبك" أي بغصبه منك.
وجعلت ذا يد. وفي نسخة: وجعلت حائزا يعني أنك تأخذ الشيء المشهود به في المسألتين، وإذا أخذته فإنك تكون ذا يد أي حائزا له فقط، أما في الأولى فلأنه لم يشهد له واحد منهما بملكها إذ قد تغصب من مستعير ومستأجر ومودع ومرتهن، وأما في الثانية فلأن شاهد الغصب لم يثبت له
стр. 6844
ملكا. وشاهد الملك لم يثبت له غصبا فلم يجتمعا في ملك ولا غصب. قاله الشارح. قاله عبد الباقي.
لا مالكا يعني أنك لا تجعل في المسألتين إلا حائزا ولا تجعل مالكا، وفائدة ذلك تأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى، قال البناني: وفي بعض النسخ وجعلت حائزا والمعنى واحد؛ يعني بلا يمين حتى في الصورة الثانية مع قيام السلعة؛ لأن الشهادتين اجتمعتا على حوز الشهود له، فإن فاتت أو تعيبت فليس له أن يضمن المشهود عليه قيمتها إلا إذا حلف مع شاهد الغصب، وهذا الذي عليه المص تبع فيه ما في التنبيهات لعياض ونقل ابن غازي كلامه، والذي اختصر عليه الأكثر المدونة هو أن الشهادة في الثانية تامة يقضى فيها بإيجاب الملك بعد يمين القضاء، وهذان القولان متفقان على التلفيق في الثانية، ونقل ابن يونس عن بعض الفقهاء عدم التلفيق فيها، وأنها شهادة مختلفة، فمع القيام حلف مع أيِّ الشاهدين شاء وثبت ما شهد به من الملك والغصب لأنهما لم يجتمعا على ملك ولا غصب، وأما مع الفوات فيحلف مع شاهد الغصب ويضمن الغاصب القيمة فهي ثلاثة أقوال، قولان بالتلفيق والثالث بعدمه. ولما لم يقف المواق على ما لعياض اعترض المص بأنه مخالف لما في المدونة ولنقل ابن يونس، ووهم الشارحان، فحملا كلام المص على ما نقله ابن يونس وهو غير صحيح لتصريح المص بالتلفيق ولعدم ذكره اليمين فتأمله، وقول عبد الباقي وشاهد الملك لم يثبت له غصبا لخ الصواب إسقاط هذا من التعليل فتأمله.
إلا أن تحلف مع شاهد الملك ويمين القضاء يعني أنك لا تكون مالكا في المسألتين إلا في الثانية حيث حلفت مع شاهد الملك يمينا مكملة للنصاب؛ بأن تحلف أن ما شهد به لك من الملكية حق، وتحلف مع ذلك يمين القضاء أنك ما بعت ولا وهبت ولا تصدقت ولا خرجت عن ملكك بوجه من الوجوه، قال عبد الباقي: إلا أن تحلف مع شاهد الملك أنه شهد لك بحق يمينا مكملة للنصاب في الثانية؛ إذ هي التي فيها شاهد ملك، وكذا تجعل ذا يد إذا حلفت مع شاهدي غصب شهدا على معاينة غصبه منك، أو على إقراره بأنه غصبه منك. ويترتب على قوله:
стр. 6845
"وجعلت ذا يد" أن له التصرف فيه باستغلال لا بيع أو نكاح أمة، وأنه إذا أتى أخذها (١) مستحقها إن كانت قائمة وقيمتها إن فاتت، وأنه يضمن السماوي على ما يفيده الشارح في اللقطة وتحلف أيضا يمين القضاء ما بعت ولا وهبت ولا تصدقت ولا خرجت عن ملكك بوجه من الوجوه، وهذا على إثبات الواو كما هو خطه فلابد من حلفه يمينين إحداهما مع شاهد الملك والثانية يمين القضاء، ولا يكتفى بالثانية وإن كانت تتضمن الأولى على ما جزم به ابن رشد وجزم اللخمي بالاكتفاء بيمين القضاء، وعلى الأول فهل له جمعهما في يمين واحدة وبه جرى العمل، أولا خلاف؟ اهـ. قوله: لا ببيع أو نكاح أمة لخ، قال البناني: الذي كان يقرره بعض الشيوخ أن له التصرف ظاهرا بالبيع والوطء وغيرهما؛ إذ لا منازع له وإنما فائدة كونه ذا يد أنه إذا قامت بينة بالملك لغيره قدمت على بينته؛ لأنه إنما ثبت الحوز وهو ظاهر. اهـ. وما قاله ظاهر غاية. واللَّه أعلم. وهو كالصريح في أنه لا يضمن السماوي.
وإن ادعت استكراها قال غير واحد: كذا وجد وبعده بياض كمله الأقفهسي بخطه، فقال: على غير لائق بلا تعلق حدت له يعني أن المرءة إذا ادعت على من لا يليق به الزنى وهو الصالح أنه أكرهها ولم تأت متعلقة به، فإنها تحد له حد القذف كانت من أهل الصون أم لا، فضمير "له" للقذف كما يفيده الخرشي، وقال عبد الباقي: وإن ادعت امرأة استكراها أي ادعت أنها أكرهت على الزنى وكان ذلك على رجل غير لائق به ما ادعته عليه بأن كان صالحا بلا تعلق به أي بكمه أو ذيله حدت له أي للزنى المستفاد من ادعت استكراها إن ظهر بها حمل، وكذا إن لم يظهر إلا أن ترجع عن قولها، فإن تعلقت به لم تحد للزنى وتحد للقذف، تعلقت أم لا، كانت ممن تخشى الفضيحة أم لا، ومفهوم غير لائق أمران: أحدهما ادعاؤها على فاسق فيسقط عنها حد القذف وكذا حد الزنى إلا أن يظهر بها حمل ولم تتعلق به فتحد للزنى، ثانيهما ادعاؤها على مجهول حال فحد الزنى كالصالح إن تعلقت سقط وإلا لزمها، وأما حد القذف فإن كانت تخشى الفضيحة سقط إن تعلقت وإلا ففيه خلاف، وإن لم تخش لزمها إن لم تتعلق وإن تعلقت ففيه خلاف، وانظر إذا شك هل هي من تخشى الفضيحة أم لا، وليس لها مهر على واحد من
стр. 6846
الثلاثة لأن ما ذكرته إقرار على نفسها، وعلى المدعى عليه فلا تؤاخذ بإقرارها عليه، وأيضا فقد ذكر ابن رشد عن رواية عيسى عن ابن القاسم أنها لا صداق لها فيما إذا ادعته على فاسق وتعلقت به، فأولى إن لم تتعلق وأولى على مجهول الحال والصالح، ولا يرد على ذلك قول مالك في مغصوبة احتملت بمعاينة بينة ثم خرجت مدعية وطأه لها غصبا، وأنكر لها المهرُ، ابن القاسم لأن الشهادة وإن لم تتم في الحد لعدم معاينة الوطء فلها المهر، وإنما لم ترد هذه على ما ذكرناه في مسألة المص لأنها في مجرد دعواها وهذه احتملت مع شهادة بينة على إكراهها على دخولها محله، ولذا ذكرها ابن عرفة قبل مسألة المص. انتهى. قوله: فإن تعلقت به لخ، قال البناني في الحطاب: نقل صاحب الإكمال عن بعض أصحابنا في المشهورة بذلك مثل صاحبة جريج أنها تحد للزنى على كل حال، ولا تصدق بتعلقها به وفضيحتها نفسها لأنها لم تزل مفتضحة بحالها وهذا صحيح في النظر. اهـ.
قال مصطفى: وهو ضعيف فلا يقرر به كلام المص، وقول عبد الباقي: وانظر إذا شك هل هي ممن يخشى الفضيحة لخ، قال البناني: قلت نص المتيطى على أن المجهولة تحد للقذف، ونصه: وإن كان مجهول الحال حدت له حد القذف وإن كانت مجهولة الحال أيضا ولم تكن من أكمل الصون، وأما إن كانت من أهل الصون فيخرج وجوب حد القذف عليها على قولين. اهـ.
ولما ذكر الغصب وبينه وبين التعدي مناسبة عقبه به، فقال: والمتعدي جان على بعض غالبا، قال ابن عرفة: التعدي هو التصرف في شيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه، ومعنى كلام المص أن التعدي هو الذي يجني على بعض السلعة في غالب أحواله، قال عبد الباقي: والمتعدي جان على بعض السلعة غالبا، كخرق بخاء معجمة لثوب وكسر بعض صحفة، بخلاف الغاصب فإنه جان على جميع السلعة، ومن غير الغالب أنه متعد على كلها كمكتري دابة أو مستعيرها لموضع معين، وزاد في المسافة الدخول عليها فهما متعديان على كل لا على بعض، وحرق الثوب بحاء مهملة وقتل الدابة كذلك، ومما يفترق فيه الغاصب من التعدي أن الفساد اليسير من الغاصب يوجب لربه أخذ قيمة المغصوب إن شاء، والفساد اليسير من التعدي ليس لربه إلا أخذ أرش النقص الحاصل به وقتها، وأن المتعدي لا يضمن السماوي والغاصب يضمنه، ومنها أن المتعدي
стр. 6847
يضمن غلة ما عطل بخلاف الغاصب. أهـ. وقال عبد الباقي أيضًا: وشمل قوله: "جان" الجناية عمدا أو خطئا ولا ينافيه التعبير بلفظ المتعدي لأنه من الأمور الاصطلاحية.
وأشار إلى أن المتعدي يضمن قيمة السلعة في الفساد الكثير دون اليسير فإنَّه يضمن فيه نقصها فقط بقوله: فإن أفات المقصود يعني أن المتعدي إذا أتلف المنفعة المقصودة من الذات فإن ربه يخير بين أن يأخذ قيمة ذلك الشيء يوم التعدي وأن يأخذ متاعه وما نقص، قوله: "فإن أفات المقصود" عمدا أو خطئا، ومثل لما يفيت المقصود بقوله: كقطع ذنب دابة ذي هيئة يعني أن قطع ذنب دابة شخص ذي هيئة ومروءة كقاض وأمير يفيت المقصود، ومفهوم "ذي هيئة" أنَّه إن لم يكن ذا هيئة فإن قطع ذنب دابته لا يفيت المقصود إلا أن تكون دابته ذات هيئة، قال عبد الباقي: فإن أفات المقصود في العمد ومثله في الخطإ كقطع ذنب دابة ذي هيئة ومروءة كقاض وأمير لا غير ذي هيئة إلا أن تكون هي ذات هيئة ولا نتف شعرها أو قطع بعض ذنب ذي هيئة فيضمن النقص فقط إلا لعرف في الجميع ففيه ما ذكره المص، وما تقدم من إيراد الدابة ذات الهيئة على المص مبني على جعل "دابة" مضافة إلى "ذي"، فإن جعل دابة في كلامه منونا وذي صفة له شمل كلامه الصورتين، ولا يمنع ذلك إرادة وصفها بذي فكان الواجب أن يقول ذات، لأنا نقول في الحديث: (دابة أهلب طويل الشعر (١))، وفيه أيضًا: (فأتِيَ بدابة أبيض فوق الحمار ودون البغل (٢))، فذكر وصف البراق لأنَّ دابة في معنى حيوان فراعى في الوصف المعنى. أهـ. وقال الخرشي: ومفهوم ذي هيئة أن قطع ذنب دابة غير ذي هيئة لا يفيت المقصود ولو كانت هي ذات هيئة، ولكن في التوضيح عن مطرف وابن الماجشون أنَّه يفيت المقصود منها في هذه الحالة.
تنبيه: في الخرشي ما نصّه: وإنما تعتبر الهيئة للمسلم. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، ونصه: كقطع ذنب دابة مسلم ذي هيئة، ثمَّ قال: لا غير إلا أن تكون ذات هيئة لمسلم. أهـ. قال الرهوني: قال التاودي: الظاهر أنَّه لا مفهوم لهذا القيد، وأن الذمي كذلك. أهـ. وما قاله صواب
стр. 6848
وهو ظاهر كلام الأئمة ووجهه بين غاية. والله أعلم. أهـ. وما قالاه جلي ظاهر لا خفاء به. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
أو أذنها عطف على ذنب فهو من أمثلة المفيت للمقصود؛ يعني أن قطع أذن دابة ذي هيئة مفيت للمقصود أيضًا فيخير المالك بين أخذ قيمتها وأخذها وما نقصها، أو طيلسانه يعني أن قطع طيلسان ذي الهيئة يفيت المقصود منه، وكذا قطع عمامته أو قلنسوته أو ما أشبه ذلك فيوجب الخيار المذكور، وهو معطوف على ذنب فهو مثال أيضًا، والطيلسان ثوب يلبسه خواص الناس وهو مثلث الللام، أو لبن شاة هو المقصود يعني أن من تعدى على شاة ففعل بها أمرًا أذهب منه لبنها أو قلله وكان اللبن هو المقصود الأعظم منها، فإن ذلك يوجب الخيار في أخذ قيمتها أو أخذها مع نقصها، قال الخرشي يعني أن من تعدى على شاة ففعل بها فعلا قطع لبنها كله أو أكثره وكان اللبن هو المقصود منها، فإن ربها يخير إن شاء أخذها وما نقص اللبن من قيمتها، وإن شاء أخذ قيمتها يوم التعدي. أهـ. فإن قلت لا حاجة لقوله هو المقصود لاستفادته من قوله: "فإن أفات المقصود" فالجواب أن المقصود يشمل المقصود الأعظم وغيره، ولا شك أن لبن الشاة مقصود منها، لكن تارة يكون معظم المقصود منها وتارة لا يكون معظمه منها، فلو اقتصر على الأوّل لاقتضى أن الجناية المفسدة للبنها توجب ضمان القيمة، كان هو الأعظم منها أو دونه وليس كذلك؛ إذ الموجب لتضمين القيمة إنما هو الفعل المفسد للبنها حيث كان معظم المقصود منها انظر شرح عبد الباقي.
أو قلع عيني عبد يعني أن قلع عيني الرقيق مفيت للمقصود منه فيوجب التخيير المذكور، بخلاف العين الواحدة كما يأتي قريبا، أو يديه يعني أن قطع يدي الرقيق من المفيت المقصود فيوجب التخيير المذكور. وعلم مما قررت أن قوله: فله أخذه ونقصه أو قيمته أي فالمالك مخير بين أخذ متاعه مع نقصه وأخذ قيمة شيئه يوم الجناية عليه جَوابُ الشرط فهو جارّ في جميع الأمثلة. فإن لم يفته فنقصه هذا مفهوم قوله: "فإن أفات المقصود" يعني أن المتعدي إذا لم يفت بجنايته المنفعة المقصودة من الشيء فإنَّه ليس للمالك إلا أخذ متاعه مع نقصه وليس له أن يلزم
стр. 6849
الجاني القيمة، وقوله: "فنقصه" إما بالرفع مبتدأ حذف خبره أي فعليه نقصه فقط أو بالعكس؛ أي فاللازم له نقصه فقط وإما بالنصب أي فيغرم نقصه فقط. والله تعالى أعلم.
ومثل لما إذا لم تفت الجناية المقصود بقوله: كلبن بقرة يعني أن من تعدى على بقرة ففعل بها فعلا أذهب منه لبنها فإنما عليه ما نقصها فقط، فيأخذه المالك مع عين شيئه، قال الخرشي: والمعنى أن من تعدى على بقرة شخص ففعل بها فعلا أذهب به لبنها فإنَّه لا يضمن قيمتها، وإنما يضمن ما نقصتها الجناية؛ لأنَّ البقرة تراد لغير اللبن. أهـ. وقال عبد الباقي: ومثل لما لَمْ يفت المقصود بقوله: كلبن بقرة أو شاة ليس هو المقصود الأعظم منها ويد عبد أو عينه هذا أيضًا من أمثلة ما لم يفت المقصود، والمعنى أن قطع يد الرقيق الواحدة أو قلع عينه الواحدة لا يفيت المقصود، فإنما فيه ما نقصه فقط فيأخذ عبده مع نقصه، وهذا إذا كان له يدان وعينان وإلا فذلك من المفيت فيوجب التخيير، قال عبد الباقي: وقطع يد عبد أو قلع عينه إلا أن يكون صانعا أو ذا يد أو عين واحدة فيضمن قيمته في الأخيرين، وكذا في الصانع كما حكى ابن رشد الاتفاق عليه حسبما ذكره ابن عرفة، وأما قطع الرجل الواحدة فمن الكثير. انتهى.
تنبيهات: الأوّل: قال الحطاب: من استهلك فرد خف لرجل لا يلزمه قيمته على انفراده، وإنما يلزمه ما نقص من قيمتهما جميعًا. أهـ من البيان. وفي المسائل الملقوطة: الصحيح فيمن استهلك أحد المزدوجين أو أحد الأشياء التي لا يستغني بعضها عن بعض إنما يغرم قيمة المستهلك مع قيمة عيب الباقي منهما، وقيل بوجوب قيمتهما، واختلف فيمن استهلك سفرا من ديوان في سفرين، فقال بعضهم: يرد السالم وما نقص من ذهاب أخيه ويغرم قيمة الهالك، وفي شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب أنَّه يغرم قيمة الجميع. أهـ من تسهيل المهمات. أهـ كلام المسائل الملقوطة. أهـ.
الثاني: قال الحطاب: قال ابن كنانة: أكره أن يأخذ الرجل من شجرة غيره (١) غرسا إلا بإذنه، قال محمَّد بن رشد: أما إذا أخذ من شجرة غيره ملوخا يغرسها في أرضه وكان ما امتلخ فيها لا قيمة له ولا ضرر فيه على الشجرة التي امتلخت منها فهذا الذي كره ابن كنانة. والله أعلم. وأما
стр. 6850
إن كان لما امتلخ منها قيمة وكان ذلك يضر بالشجرة التي امتلخت منها فلا يجوز لأحد أن يفعله إلا بإذن صاحب الشجرة، قال رسول الله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (١))، فإن فعل ذلك بغير إذنه دلالة لسبب بينه وبينه يقتضي الإدلال عليه فعليه أن يتحلل من ذلك، فإن حلله وإلا غرم له ذلك عودا مكسورا يوم امتلخه، وليس له أن يقلعه ويأخذه وعليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجرة التي امتلخ منها، وإن فعل ذلك غصبا وتعديا بلا إذن من صاحبه ولا دلالة عليه ممن يستوجب الدلالة فله أن يقلعه ويأخذه، وإن كان قد علق إلا أن يكون بعد طول مدة وزمان ونماء وزيادة بينة، فلا يكون له أن يأخذه بعينه وتكون له قيمته يوم امتلخه من الشجرة عودا ميتا مكسورا، وإن كان أضر بالشجرة كان عليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجرة هذا قول أصبغ في الواضحة.
وقال سحنون: إنما يكون أولى بغرسه إذا كان إن قلعه وغرسه ينبت، وإن كان لا ينبت فله قيمته ولا سبيل له إلى قلعه، وكان ربيعة يقول في مثل هذا: وإن نبت فإنما له قيمته أو غرس مثله، وأما إن قلع من بستانه غرسا فغرسه في أرضه دلالة على صاحب البستان فله أن يقلعه ويأخذه، وإن كان قد نبت وعلق إلا أن يتطاول أمره ونما نماء بينا فلا يكون له قلعه وتكون له قيمته يوم اقتلعه نابتا؛ لأنَّ دلالته عليه إذا كان من أهل الدلالة شبهة تمنع، ولو كان اقتلعه غصبا غير مدل لكان صاحب الغرس أحق بغرسه، وإن كان قد نبت في أرضه وطال وثبتت زيادته لأنه شيئه بعينه أخذه حيا فنما وزاد وشب فهو كالصغير يغتصب أو يسرق ثمَّ يجده صاحبه وقد كبر وشب ونما وزاد فهو أبدا أحق به، إلا أن يشاء أن يسلمه ويأخذ قيمته نابتا يوم قلعه فيكون ذلك له. حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ. وبالله التوفيق.
الثالث قال الحطاب: سئل ابن كنانة عن الكرم يقطف والزيتون يجنى والزرع يحصد هل يجوز لأحد أن يأكل بقيته؟ قال: إن كان أهله تركوه لمن أخذه فلا بأس بأخذه، وإن كانوا يريدون الرجعة له فلا يجوز لأحد أخذه. ابن رشد: هذا كما قال، والمعنى فيه بين إن علم أن صاحبه
стр. 6851
تركه لمن أخذه من فقير أو غني، وأما إن خشي أنَّه إنما تركه لمن أخذه من المساكين فلا ينبغي له أن يأكل شيئًا منه. وبالله التوفيق. أهـ والله أعلم.
وعتق عليه إن قوم يعني أنَّه إذا كان المتعدى عليه رقيقا وكان التعدي عليه يفيت المقصود وأختار السيد أخذ قيمته، فإنَّه يعتق على الجاني هكذا في المدونة، قال الخرشي: وهذا بشرط أن تكون الجناية عليه عمدا كما ذكره البساطي، وزاد مع قصد شيئه بالجناية التي قوم بسببها كما يعلم مما يأتي في باب العتق. انتهى. انتهى. وقال عبد الباقي: وإذا تعدى على عبد مثلا مع قصد شين وأفات المقصود منه أولًا واختار السيد أخذ قيمته عتق عليه أي على المتعدي بالحكم إن قوم أي إن طلب سيده قيمته، لا إن أخذه ونقصه فلا يعتق ولا إن كانت خطئا أو عمدا بغير قصد شين، ويدخل في قوله: "إن قوم" ما إذا تراضيا على التقويم فيما لا يجب عليه فيه تقويم، كجناية عمد فيها شين قصد ولا تفيت المقصود، ونحوه للطخيخي فقوله: "إن قوم" أي برضى صاحبه فقط في مفيت المقصود وبرضاهما معا في غير مفيته. أهـ. قوله: وبرضاهما معا في غير مفيته، قال البناني: هذا غير صحيح لنص المدونة كما في المواق على أنَّه لا يعتق عليه فيما لا تخيير فيه. انتهى. ولا منع لصاحبه في الفاحش هذا خلاف قوله: "فله أخذه ونقصه أو قيمته" فإنَّه عام في الرقيق وغيره، ومعنى كلام المص أن المتعدي على الرقيق إذا عابه عيبا فاحشا فإنَّه لا يكون للسيد أخذه وما نقصه، وإنما له القيمة يجبر على قبولها فيعتق العبد على الجاني، فقوله: "ولا منع لصاحبه" أي ليس لمالك العبد أن يمنع العبد من الجاني بأن يحبسه عنه فيأخذه مع نقصه، بل يجبر على قبول قيمة العبد ويعتق على الجاني هذا هو الذي اختاره ابن يونس، ولهذا قال: على الأرجح، قال عبد الباقي: ولا منع لصاحبه أي ليس له حبسه أي أخذه وأخذ نقصه في الفاحش المفيت معظم المقصود، وإنما له أخذ قيمته على الأرجح عند ابن يونس، وهو مقابل لقوله: "فله أخذه ونقصه أو قيمته" وهو خاص بالجناية على من يعتق بالمثلة؛ أي أنَّه عند ابن يونس يتعين على سيده أخذ قيمة الرقيق لا أخذه مع نقصه، فيجبره الحاكم على أخذ قيمته والجاني على دفعها ليعتق عليه العبد فلا يحرمه سيده العتق بأخذه مع نقصه، فهذا مقابل لما
стр. 6852
قدمه من تخيير صاحبه، وما قدمه هو مذهب المدونة، وفي كلام البساطي وجد الأجهوري نظر، وأما غير الرقيق فحكمه عند ابن يونس كحكمه عند غيره وقد تقدم. أهـ.
ورفا الثوب مطلقا يعني أنَّه يجب على الجاني أن يرفأ الثوب مطلقا، سواء كانت الجناية لا تفيت المقصود أو تفيته، واختار رب الثوب أخذ ثوبه مع نقصه لا إن اختار أخذ القيمة، قال عبد الباقي: ورفأ الجاني بهمز وبدونه ويكتب بالألف الثوب الحاصل فيه جناية عمدا أو خطئا مطلقا؛ أي سواء لم تفت المقصود أوأفاتته واختار أخذه ونقصه، وقد يتوهم من المص أن المتعدي يلزم بشيئين رفإ الثوب وأرش النقص قبل الرفإ، وليس بمراد كما قال الناصر، وإنما المراد أنَّه يلزم بشيئين رفإ الثوب وأرش النقص بعد الرفإ لا أرشه قبله إذ هو كثير فيه ظلم على الجاني، وبين الأمرين فرق مثلا أرش النقص قبل الرفا عشرة وبعده خمسة وأجرة الرفإ درهم فإنما يلزمه درهم أجرة الرفإ وخمسة أرشه في نقصه بعده لا عشرة التي هي أرشه قبله. اهـ.
قوله: ويكتب بألف أي على أنَّه غير مهموز، وأما المهموز فلا يحتاج للتنبيه عليه، وأشار بهذا إلى أن ألفه منقلبة عن واو، وقال البناني: اللخمي: قال مالك: فإن كان ثوبا رفاه أو قصعة أصلحها وغرم ما نقصها بعد الإصلاح، وإنما لزمه إصلاحه لأنَّ صاحبه لا يقدر على استعماله إلا بعد إصلاحه، وقد كان في مندوحة عن ذلك وليس هذا من القضاء بالمثل فيما قل قدره، ولو كان ذلك ما غرم النقص بعد الإصلاح، وقول المص: "مطلقا" أي في اليسير والكثير وهو الذي اقتصر عليه عبد الحق واعترضه ابن يونس، فقال: هذا الذي ذكره في الفساد الكثير في الثوب أنَّه يأخذه وما نقصه بعد الرفإ خلاف ظاهر قولهم ووجه فساده أنَّه قد يغرم في رفو الثوب أكثر من قيمته صحيحا وذلك لا يلزمه. أهـ. انظر المواق. أهـ.
وقال الرهوني: رفو اليسير مصرح به في المدونة وغيرها، ولم أر من ذكر فيه خلافا إلا ابن يونس، قال: لو قال قاتل في اليسير إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه دخل الرفو في قيمة هذا النقص. أهـ. وأما الكثير فتبع فيه المص قول ابن الحاجب، وإن كان فسادا كثيرا خير ربه في أخذه وما نقصه وبين قيمته، قالوا: بعد رفو الثوب. أهـ. مع أنَّه قال في توضيحه: قوله قالوا يوهم تواطؤ أهل المذهب أو أكثرهم وإنما نقله ابن يونس، وقال: إن هذا الذي قاله
стр. 6853
بعض الأصحاب خلاف ظاهر قولهم، وبعض الأصحاب الذي أجمله هو عبد الحق كما بينه ابن عرفة، ونصه: وعلى أخذه في الفساد الكثير في كونه بعد رفوه كاليسير أو دونه بخلافه قول عبد الحق ونقل الصقلي عن ظاهر أقوالهم. أهـ باقتصار. ثمَّ قال ما نصّه: وهو يفيد أن الراجح خلاف ما قاله المص في الكثير؛ لأنه سلم نقل ابن يونس عن ظاهر قول أهل المذهب وهو ظاهر المدونة. انظر نصها في المواق. وظاهرها حجة حيث لا يعارضه أقوى منه كما هنا، فكيف إذا كان ذلك ظاهر كلام غيرها أيضًا من أهل المذهب؟
وفي أجرة الطبيب قولان يعني أنَّه إذا جنى شخص على حر أو عبد فاحتاج إلى المداواة، فإنَّه اختلف في لزوم أجرة الطبيب وقيمة الدواء للجاني وعدم لزوم ذلك له على قولين مرجحين، قال عبد الباقي: وفي لزوم أجرة الطبيب وقيمة الدواء على جان حر أو عبد بجرحه جرحًا خطئا ليس فيه مال مقرر أو عمد لا يقتص منه لإتلافه أو لعدم المساواة أو لعدم المثل، وليس فيه مال مقرر أيضًا ثمَّ ينظر بعد البرء، فإن برئ على غير شين فالأدب فقط على المعتمد، وعلى شين غرم النقص والقول الثاني عدم لزوم الأجرة وقيمة الدواء له، ثمَّ ينظر بعد البرء فيغرم النقص إن برئ على شين لا على غيره قولان، فمحلهما في جرح خطإ ليس فيه مال مقرر أو عمد لا يقتص منه لإتلافه أو لعدم المساواة أو لعدم المثل، وليس فيه مال مقرر أيضًا كما تقدم قريبا. أهـ.
стр. 6854
فصل في الاستحقاق: قال في الصحاح ما نصّه: وأحققت الأمر أوجبته واستحققته أي استوجبته. أهـ منه بلفظه. وفي المصباح ما نصّه: واستحق فلان الأمر استوجبه. قاله الفاري (١) وجماعة. فالأمر مستحق بالفتح اسم مفعول، ومنه قولهم: خرج المبيع مستحقا. أهـ منه بلفظه. انتهى. وأما معناه عرفا، فقال ابن عرفة: الاستحقاق رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله وحرية كذلك بغير عوض، فيخرج العتق ومطلق رفع الملك بملك بعده وما وجد في المغانم بعد بيعه أو قسمة؛ لأنه لا يؤخذ إلا بالثمن. انتهى. ولا يرد على حدّ ابن عرفة اعتصار الهبة؛ لأنَّ رافع الملك الاعتصار، وإن كان الاعتصار بسبب ثبوت ملك قبل هذا الملك، وأورد عليه مسألتان: إحداهما إذا قال لزوجته: إن تزوجت عليك فأمر الداخلة عليك بيدك، فتزوج عليها بغير إذنها فطلقت الداخلة عليها فإنَّه يصدق عليه الحد، الثانية امرأة المفقود إذا حكم عليه بالتمويت وتزوجت ثمَّ قدم زوجها فإنَّه أحق بها، قال الرهوني: والحق أن المسألتين معا لا يردان على ابن عرفة؛ لأنَّ الملك إذا أطلق في عرف الفقهاء إنما يراد به ملك المال ذاتا أو منفعة، وذكر جوابا غير هذا، وأورد عليه أيضًا استحقاق مدعي الحرية برق فإنَّه غير منعكس لعدم شموله لهذه المسألة، وأجيب عنه بأنّه يشملها لأنَّ مدعي الحرية يملك منافع نفسه واستحقاقه برقية يرفع ذلك. البناني:
قال الحطاب: لا يتصور الاستحقاق إلا بمعرفة حقيقته وحكمه وسببه وشروطه وموانعه، أما حقيقته فهي ما ذكر، وَأَمَّا حُكْمه فقال ابن عرفة حكمه الوجوب عند تيسر أسبابه في الرفع على عدم يمين مستحقه، وعلى يمينه هو مباح كغير الرفع لأنَّ الحلف مشقة. أهـ. وَأَمَّا سَبَبُه فهو قيام البينة على عين الشيء المستحق أنَّه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملكه حتى الآن، والشهادة بأنّه لم يخرج عن ملكه إنما تكون على نفي العلم في قول ابن القاسم المعمول به، وأما شروطه فثلاثة: الأوّل الشهادة على عينه إن أمكن، وإلا فحيازته بأن يقول شهود الملكية لمن يبعثه القاضي معهم: هذه الدار هي التي شهدنا بها عند القاضي فلان، الثاني: الإعذار في ذلك إلى الحائز فإن ادعى مدفعا أجله بحسب ما يراه. الثالث: يمين القضاء. أهـ المراد منه.
قال الحطاب: واختلف في لزومها على ثلاثة أقوال: الأوّل أنَّه لابد منها في جميع الأشياء. قاله ابن القاسم وابن وهب وسحنون. الثاني: لا يمين في الجميع. قاله ابن كنانة. الثالث: أنَّه لا يحلف في العقار ويحلف في غيره وهو المعمول به عند الأندلسيين وفي سجلات الباجي: لو استحق
стр. 6855
ذلك من يد غاصب لم يحلف، وصفتها أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو ما بعت الفرس أو الثوب أو الجارية المشهود لي بها مثلا، ولا فوته ولا خرج عن ملكي بوجه من وجوه الفوت، وأما موانعه ففعل وسكوت، أما السكوت فمثل أن يترك القيام به من غير مانع أمد الحيازة، وأما الفعل فمثل أن يشتري ما ادعاه من عند حائزه، فلو قال: إنما اشتريته خوف أن يفيته عليَّ فإذا أثبته رجعت عليه بالثمن لم يكن له مقال، وقال أصبغ: إلا أن تكون بينة بعيدة جدًا أو يشهد قبل الشراء أنَّه إنما اشتراه لذلك فذلك ينفعه، ولو اشتراه وهو يرى أن لا بينة ثمَّ وجد بينة فله القيام وأخذ الثمن منه. قال أصبغ والقول قوله. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأوّل: قد مر قول ابن عرفة: حكم الاستحقاق الوجوب عند تيسر أسبابه لخ، وقد يقال: لا يظهر الوجوب في ذي الشبهة لأنه إذا كان لإنقاذه من الإثم بتصرفه في ملك الغير بغير إذن فالإثم منتف عنه لعذره بعدم علمه وتمسكه بالظاهر، فالإثم منتف عنه إجماعا وإن كان لما في تركه من إضاعة ماله فهي منتفية هنا لانتفاع الغير به كما أشرنا إليه فيما سبق. انظر الرهوني.
الثاني: قد مر أن القول المعمول به أن لا يحلف يمين القضاء في العقار ويحلفها في غيره، قال الرهوني: هذا المعمول به هو الراجح أيضًا. انظر ما يأتي عند قوله في الشهادات: "واليمين في كل حق" لخ، وظاهر كلام البناني أن هذا العمل مستمر إلى وقته إذ لم ينبه على مخالفته وهو كذلك، وقول أبي زيد الفاسي في عملياته:
كذا في الاستحقاق للأصول … القول باليمين من معمول
قد انتقد عليه راجع شراحه. أهـ.
الثالث: قد مر قول المص: وضمن منفعة الحر والبضع بالتفويت وغيرهما بالفوات، فالذي تعطلت منفعته بجرح إن كان حرا لا شيء له على من فوتها عليه؛ لأنه وجب عليه غرم منفعته لا الحكم عليه بأن يأتي بشخص آخر يعمل مكانه وهذا ظاهر جلي قاله الرهوني.
وإن غصبت أرض أو منفعتها أو تعدي على ذلك فزرعها الغاصب أو المتعدي، فاستحقت الأرض المدلول عليها بزرع أي قام مالكها فإنَّه ينظر إلى الزرع، هل بلغ أن ينتفع به أو لم يبلغ ذلك، فإن لم ينتفع بالزرع بأن لم يظهر أو ظهر ولكن لا ينتفع به أخذ بالبناء للمفعول بلا شيء أي يقضى
стр. 6856
لمستحق الأرض أن يأخذ الزرع إن شاء بلا شيء يدفعه للغاصب أو المتعدي في مقابلة بذره وحرثه وغير ذلك، وإن شاء أمره بقلعه كما في التوضيح هذا هو الصحيح، ونقل ال تتائي عن التوضيح أن لربه قلعه إن أراد غير صحيح. قوله: "أخذ بلا شيء" وليس لرب الأرض أن يبقي الزرع للغاصب أو المتعدي، ويأخذ منه كراء الأرض لأنَّ ذلك يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه، ونص التوضيح الذي أشرت إليه هو قوله: إن قام رب الأرض بعد الحرث، وقبل الزراعة، ففي اللخمي وغيره: أنَّه يأخذه بغير شيء وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع أو بعد ظهوره وقبل أن ينتفع به، فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه ابن القاسم وأشهب: بغير ثمن ولا زريعة. انتهى.
وإلا أي وإن بلغ الزرع أن ينتفع به ولو لرعي البهائم فله أي فلمستحق الأرض قلعه؛ أي له أن يأمر رب الزرع بقلعه وتسوية أرضه، وقوله: إن لم يفت وقت ما تراد له شرط في قوله: أخذ بلا شيء، وفي قوله: "فله قلعه" يعني أن الغاصب أو المتعدي المذكور إذا زرع الأرض فاستحقت والحال أن الزرع لم يبلغ حد الانتفاع، فإن رب الأرض له أن يأخذ الزرع بلا شيء كما عرفت، وهذا إن لم يفت وقت الزرع الذي تراد له الأرض، وكذا لرب الأرض أن يأمر من ذكر بقلع الزرع وتسوية أرضه حيث بلغ الزرع أن ينتفع به إن لم يفت وقت الزرع الذي تراد له الأرض، قال عبد الباقي: وذكر شرطا في قوله: أخذ بلا شيء، وفي قوله: "فله قلعه" فقال: إن لم يفت وقت أي إبان ما أي زرع تراد له مما زرع فيها كما حمل عبد الحق وغيره المدونة عليه لأنه قول أصبغ تابعَ أتباعِ الإمام ويحتمل مما زرع فيها وغيره، ابن رشد وهو القياس. انتهى. وهو ظاهر عبارة المص؛ لأنَّ حذف المتعلق يؤذن بالعموم، ولكنه لا يعادل الأوّل، وعدل عن أن يقول وقت ما تراد له مع كونه أخصر ليلًا يتوهم أنَّه لابد من بقاء وقت جميع ما تراد له، فيخرج ما إذا بقي منه جزء، فقال: "إن لم يفت" وعدم فواته يصدق ببقاء جزء منه. انتهى.
قال البناني: ما قرره به الزرقاني تبع فيه ابن غازي، ونصه: وشمل قوله ما تراد له الزرع والمقاثي وغيرها من جنس ما يزرع فيها الغاصب ومن غير جنسه، وهذا خلاف ما لأصبغ في نوازله من كتاب كراء الأرضين، وخلاف ما حمل عليه عبد الحق وغيره لفظ المدونة من أن المراد بالإبان إبان ما زرع فيها الغاصب خصوصا، مع أنَّه اقتصر على ذلك في التوضيح، ولعله اعتمد ما لابن رشد في نوازل أصبغ، وقال بعضهم: إن لفظ العتبية عن أصبغ يدلّ لما فهم ابن غازي. الرهوني: ما قاله
стр. 6857
هذا البعض هو الظاهر وهو الذي يدلّ عليه كلام التوضيح لمن تأمله وأنصف، وكذا كلام ابن عرفة. والله أعلم. انتهى.
وله أخذه بقيمته هذا هو الشق الثاني من شقي التخبير فيما إذا بلغ الزرع أن ينتفع به، والأول قوله: "فله قلعه" يعني أن لرب الأرض أيضًا أن يأخذ الزرع بقيمته مقلوعا حيث بلغ أن ينتفع به ويبقيه في الأرض ويسقط من قيمته مقلوعا عنه كلفة قلعه أن لو قلع حيث كان الغاصب شأنه أن لا يتولاها بنفسه أو خدمه، قوله: "وله أخذه بقيمته" وقيل لا يجوز ذلك. اللخمي: والقول بأن ذلك يجوز أصوب؛ (لأن نهيه ﵊ عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح (١)) إنما هو لأنه يريد الإبقاء ولا يدري هل يسلم أم لا؟ وهذا يدفع قيمته مقلوعا، وإلى هذا أشار بقوله: على المختار، البناني: ما اختاره اللخمي، قال ابن رشد: هو ظاهر المدونة، ونصه على ما نقل ابن عرفة: وفي صحة أخذه بقيمته مقلوعا قولان لظاهر كراء الأرض منها، ودليل سماع سحنون في المزارعة. انتهى. وقال عبد الباقي: وأشار لقسيم قوله: "فله قلعه" وهو الشق الثاني من التخيير بقوله و"له" أي لرب الأرض أخذه بقيمته على المختار مقلوعا تقديرا ويبقيه في الأرض ويسقط من قيمته عنه كلفة قلعه أن لو قلع حيث كان الغاصب شأنه أن لا يتولاها بنفسه أو خدمه على ما لابن المواز في بناء الغاصب وغرسه، وقال ابن القاسم هنا: لا تسقط الكلفة فيهما والمعول عليه كلام ابن المواز هناك كما تقدم، ونحوه لأبي الحسن فينبغي أن يعول عليه هنا أيضًا. انظر أحمد. فإذا كان شأنه توليه بنفسه أو خدمه أخذه بقيمته مقلوعا من غير إسقاط كلفة قلعه لو قلع، وكما له أخذه بقيمته له إبقاؤه لزارعه وأخذ كراء السنة منه في الفرض المذكور إن بلغ أن ينتفع به ولم يفت وقت ما تراد له دون القسم الأوّل في المص وهو إذا لم ينتفع به فليس له إبقاؤه وأخذ كرائها منها وفرق ابن يونس بأنّه فيه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأنَّ مالك الأرض لما مكنه الشرع من أخذه بلا شيء وأبقاه لزارعه بكراء فكان ذلك الكراء عوضا عنه في المعنى، فهو بيع له على التبقية. انتهى. قوله: وفرق ابن يونس بأنّه فيه لخ، قال الرهوني: هل نسبه ابن عرفة لابن المواز، ونصه: محمَّد: لا يجوز إبقاؤه للغاصب بكراء لأنه بيع الزرع قبل بدو صلاحه، فقبله الشيخ وابن رشد. انتهى المراد منه.
стр. 6858
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: "وإن زرع فاستحقت" ما نصه: أي قام مالكها فليست هذه من مسائل الاستحقاق الذي عرفه ابن عرفة بقوله: رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية كذلك بغير عوض؛ إذ لا يصدق على أخذ متاعه من غاصب أنَّه رفع ملك لأنه لا ملك للغاصب أو المتعدي. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل هي منها، ومراد ابن عرفة بالملك مطلق الحوز للتصرف والكون تحت اليد مجازا وقرينته إضافة رفع إليه إذ الملك الحقيقي لا يرفع كذلك فتأمله، وبه يسقط قول مصطفى: الاستحقاق المشهور هو أن يكون من ذي شبهة. انتهى.
وإلا هذا مفهوم قوله: "إن لم يفت وقت ما تراد له" أي والإبان فات وقت ما تراد له، فالزرع للغاصب أو المتعدي وعليه لرب الأرض كراء مثلها في السنة، قال عبد الباقي وإلا بأن فات وقت ما تراد له فكراء مثلها في السنة لازم للغاصب. انتهى. وعلم مما قررت -كما يفيده عبد الباقي- أن هذا عام فيما إذا بلغ الزرع أن ينتفع به، وفيما إذا لم يبلغ أن ينتفع به والله تعالى أعلم قال البناني عند قوله: "وإلا فكراء السنة" ما نصّه: اعتمد المص في هذا ما نقله في التوضيح عن اللخمي، ونصه: وإن كان قيامه بعد الإبان فقال مالك: الزرعُ للغاصب وعليه كراء الأرض وليس لربه قلعه. اللخمي: وهو المعروف من قوله: وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه لقوله ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق (١))، وروي عن مالك أيضًا أن الزرع للمغصوب منه الأرض وإن طاب وحصد، واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي: (من زرع أرضا لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته (٢)). انتهى. وذكر ابن يونس في الرواية الثانية أنها أصح كما في المواق، فظهر ترجيح كل من الروايات الثلاث.
تنبيهات: الأوّل: قال الرهوني عند قول البناني فظهر ترجيح كل من الروايات ما نصّه: الثالثة وإن ترجحت باختيار غير واحد لها كما قال هي شاذة في نفسها على (٣) الإمام، وقد بحث ابن عرفة في الفتوى بها، لكن هي وإن كانت شاذة فقد عارضها (٤) أصل. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
стр. 6859
الثاني: قال عبد الباقي: وشمل قوله: "فاستحقت" استحقاق ذات الأرض أو منفعتها كما أشرنا إليه، كمن استأجر أرضا ليزرعها فتعدى آخر فزرعها فإنَّه يثبت للمستأجر حيث بقي على إجارته ما يثبت لمالك الأرض التي لم يؤجرها وهو ظاهر، ولا يقال الغصب يفسخ إجارته كما يأتي في قوله: "وبغصب الدار وغصب منفعتها"؛ لأنا نقول: فسخ الإجارة حق له فله تركه والبقاء على إجارته، أو يحمل خيار المستأجر هنا على ما إذا تعدى على زرعها من يمكن دفعه بالحاكم، وما يأتي من الفسخ في غصب المنفعة على ما إذا غصبها من لا يمكن دفعه بحاكم. انتهى. قوله: أو يحمل خيار المستأجر هنا لخ، قال البناني: هذا هو الصواب، وقد قال ابن القاسم: إذا نزل سلطان على مكتر فأخرجه وسكن الدار إن المصيبة على صاحب الدار، ويسقط عن المكتري ما سكنه السلطان، وقد قال ابن يونس: إذا اكترى دارا أو أرضا فاغتصبها منه رجل فسكن أو زرع إن الكراء على المكتري إلا أن يكون سلطانا. ابن يونس: وهذا صواب لأنَّ منع السلطان كمنع ما هو من أمر الله تعالى، كهدم الدار وقحط الأرض. انتهى نقله المواق في باب الغصب. انتهى.
الثالث: قال البناني: قال ربيعة: العروق أربعة، عرقان فوق الأرض الغرس والبناء، وعرقان في جوفها المياه والمعدن. نقله المواق. انتهى.
الرابع: قال الرهوني: انظر هل فوات الإبان هنا بالنظر إلى زمن الخصام أو إلى يوم الحكم؟ لم أر من تعرض لذلك، والظاهر أنَّه يجري في ذلك القولان اللذان ذكرهما ابن عرفة في ذي الشبهة، ونصه: ولو خاصم المستحق في الإبان وحكم له بعد ذهابه، ففي كون الكراء للأول أو للمستحق قولان، وخرجهما اللخمي على الخلاف في المترقبات هل يعتبر الحكم بها [يوم (١)] ثبوت سببها أو يوم حصولها، وقد يقال إن كانت مخاصمة من استحق منه بما له وجه فالكراء له، وإن كانت بباطل واضح فهو لمستحقها، وحضرت فتوى اللخمي لقاض فيمن دعت زوجها للبناء بها فأنكر [النكاح (٢)] فأثبتته، فإن كان خصام الزوج بتأويل وشبهة فلا يطلب بالنفقة أيام الخصام، وإن خاصمها بباطل واضح قضي لها بالنفقة. انتهى منه بلفظه بإسقاط ما لا يضر. والله أعلم. انتهى.
стр. 6860
كذي شبهة تشبيه غير تام يعني أن من زرع أرضا بوجه شبهة أو اكتراها بوجه شبهة ثمَّ استحقها شخص قبل فوات إبان ما تراد تلك الأرض لزراعته، فإنَّه ليس لمستحق الأرض إلا كراء تلك السنة وليس له قلع الزرع؛ لأنَّ الزارع زرع فيها بوجه شبهة، فإن فات الإبان فليس للمستحق على الزارع شيء من كراء تلك السنة؛ لأنه قد استوفى منفعتها والغلة لذي الشبهة والمجهول للحكم كما يأتي، فهو تشبيه في لزوم كراء السنة فقط لا بقيد فوات الإبان، بل بقيد بقائه وهذا في أرض لا تزرع إلا مرة في السنة، ويأتي محترز هذا القول في قوله: "وفي سنين" لخ، والمراد بالسنين البطون. قاله عبد الباقي وغيره، ولم يفصلوا في هذه بين أن ينتفع بالزرع وأن لا ينتفع به. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله أعلم.
وقوله: "كذي شبهة" ظاهره أن حكم من كانت الأرض بيده بوجه شبهة حكم الغاصب في جميع الوجوه وليس كذلك، وإنما مراده تشبيهه فيما إذا استحقت بعد أن زرعها وقبل فوات إبان الزراعة كما قررت تبعًا لغير واحد، فإن استحقت من يد ذي الشبهة قبل أن يزرعها فهو قوله: "وللمستحق أخذها" قال الحطاب: ودخل في ذي الشبهة المشتري والوارث والمكتري منهما إذا لم يعلموا بالغصب أو التعدي، وكذلك المكتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب كما صرح به الرجراجي، ويؤخذ من كلام المص في التوضيح. والله أعلم. أهـ.
وقال عبد الباقي ممثلا لذي الشبهة: بأن كان وارثا لغير غاصب أو كان اشتراها ممن غصبها ولم يعلم بالغصب، ثمَّ استحقها شخص قبل فوات إبان ما تراد له لخ، قوله: بأن كان وارثا لغير غاصب، قال البناني: وكذا وارث الغاصب كما في مصطفى، ونصه ولا فرق في هذه بين وارث الغاصب وغيره وإنما يفترقان (١) في الغلة وعدمها، فوارث الغاصب لا غلة له وإن كان ذا شبهة بالنسبة لعدم قلع زرعه. انتهى باختصار. وهذا تقرير الزرقاني نفسه عند قوله الآتي: والغلة لذي الشبهة لكن لا يفرق في وارث الغاصب في لزوم الكراء بين فوات الإبان وعدمه بل عليه الكراء مطلقا. انتهى. المواق: قال مالك: إن الزرع إذا أسبل لا يقلع لأنَّ قلعه من الفساد العام للناس كما يمنع من ذبح فتي الإبل لما فيه من الحمولة، وذبح ذوات الدر من الغنم. انتهى.
стр. 6861
أو جهل حاله يعني أن الذي وصلت منه الأرض ليد مستحقها إذا جهل حاله هل غاصب أو ذو شبهة أو جهل حاله، هل هو متعد أو ذو شبهة فإنَّه يكون كذي الشبهة، فإن استحقت الأرض من يده بعد الزرع وقبل فوات الإبان فله كراء السنة، وليس له قلع الزرع، ولو استحقت بعد الزرع وفوات الإبان فلا كراء للمستحق؛ لأنَّ الغلة لذي الشبهة وفي حكمه من جهل حاله.
تنبيه: قال الحطاب: وسئل في رجل ابتاع كتابا من كتب العلم ثمَّ جاء رجل آخر فادعاه وأتى بكتاب بذلك وقد فات الكتاب، فقال: لا يتوجه الحكم لمستحق الشيء إلا بعد شهادة العدول على عينه، والإعذار إلى الذي في يده ولا يصح الحكم دون تعيين المشهود فيه عند الحاكم. انتهى. التسولي: قلت وهذا إذا كان معه في البلد مشارك في الصفة وإلا صح الاستحقاق ورجع بالثمن على قابضه.
وفاتت بحرثها فيما بين مكر ومكتر يعني أن من اكترى أرضا بمعين كعبد أو ثوب أو غيرهما ثمَّ استحق ذلك المعين قبل أن يحرث المكتري الأرض، فإن عقد الكراء ينفسخ ويأخذ المستحق شيئه والمكري أرضه، وإن استحق بعد حرث المكتري لها فإن الأرض تفوت فيما بين المكري والمكتري، بمعنى أنَّه يلزم العقد بينهما ويأخذ المستحق شيئه حيث فسخ الكراء وللمكري على المكتري كراء المثل، وهذه حينئذ من أفراد قوله: وفي عرض بعرض بما خرج من يده وأولى من حرثها زرعها الذي (١) لا يحتاج لحرث كالبرسيم، وكذا بإلقاء الحب عليها حيث لم يحتج لحرث فيما يظهر لا إن احتاجت له فلا تفوت. قاله عبد الباقي. قال وما قررناه من أن كلامه هنا فيما إذا استحق الكراء المعين ظاهر لا فيما إذا استحقت الأرض المكتراة؛ لأنها إذا استحقت لم يبق للمكري كلام حرثها المكتري أم لا.
وللمستحق أخذها ودفع كراء الحرث يعني أنَّه إذا استحق الكراء العين بعد حرث الأرض، فإن المستحق يخير بين فسخ الكراء فيأخذ شيئه ويلزم العقد حينئذ بين مكري الأرض ومكتريها، وللمكري على المكتري كراء المثل وأن يجيز الكراء، وإذا أجاز مستحق الكراء المعين العقد كان له أخذها أي الأرض، سواء كانت مؤجرة سنة أو سنتين، ويدفع كراء الحرث أي تقليب الأرض
стр. 6862
للمكتري فيكون العقد بين المكري والمستحق، فإن أبى المستحق من دفع كراء الحرث للمكتري قيل له أي للمكتري: أعط المستحق كراء سنة أو سنتين؛ لأنه لم يرد الفسخ بل أجاز العقد بشيئه، وإلا تعط يا مكتري للمستحق كراء سنة أو سنتين أسلمها أي أسلم الأرض يا مكتري للمستحق بلا شيء من كراء الحرث، قوله: "وللمستحق" أي مستحق الأجرة كما قررت فهو من تتمة ما قبله، وهو شامل أيضًا لمستحق الأرض أيضًا فيكون أول الكلام في مستحق الأجرة، وقوله: "وللمستحق إجازته" لخ فيما إذا استحق الكراء أو الأرض من يد ذي شبهة وقد كان حرثها فالمستحق مخير أيضًا.
والحاصل أن الأرض إذا استحقت بعد أن زرعت من يد الغاصب أو المتعدي فهو قوله: "وإن زرع فاستحقت" لخ ومن ذي الشبهة أو المجهول حاله هو قوله كذي شبهة أو جهل حاله، فإن استحقت الأجرة المعينة قبل الحرث انفسخ الكراء وبعده إن شاء فسخ وأخذ شيئه، ولزم العقد بين المكري والمكتري بكراء المثل بخلاف ما إذا استحقت الأرض فلا كلام للمكري حرثها المكتري أم إلا، وإن شاء المستحق أجاز ودفع كراء الحرث لخ، ومثل استحقاق الكراء في هذه استحقاق الأرض من ذي الشبهة بعد الحرث وقبل الزرع، قال المواق: ابن يونس: وقد قالوا فيمن استحق أرضا بعد أن حرثت إنه يدفع قيمة الحرث ويأخذها، فإن أبى قيل للآخر أعطه كراء سنة، فإن أبى أسلمها بحرثها. انتهى. قاله مستدلا به على مسألة استحقاق الكراء المعين، وهذا قول ابن القاسم وهو أصح من قول سحنون: لا شيء له وإن زبلها؛ لأنَّ ذلك مستهلك فيها. قاله ابن رشد. ووجه قول ابن القاسم. والله تعالى أعلم.
وفي سنين يفسخ أو يمضي يعني أن من آجر أرضا في يده بوجه شبهة سنين ثمَّ استحقت والحال أنَّه قد مضى بعض السنين، فإن المستحق للأرض يخير بين أن يفسخ الكراء وأن يمضيه، فإن فسخ لم يكن له في الماضي شيء، وإن أمضى كان للمستحق كراء ما بقي إن عرف النسبة شرط في قوله: "يمضي" أي إنما يكون لمستحق الأرض أن يمضي عقد الكراء، حيث عرف النسبة أي عرف ما ينوب ما بقي من المدة من الكراء، قال الحطاب: قال ابن يونس: ولا يجيز الكراء فيما
стр. 6863
بقي حتى يعلم ما ينوب ذلك ليجيز بثمن معلوم على مذهب من لا يجيز جمع السلعتين للرجلين في البيع. انتهى.
وقال عبد الباقي: ومحل الإمضاء إن عرف النسبة أي عرف ما ينوب ما استحقه من بقية المدة من الأجرة في المستقبل بأهل المعرفة، أو كون المتكاريين من أهل المعرفة، أو كون الزرع في أجزاء المدة مستويا لتكون الإجارة بثمن معلوم، وإلا أدى إلى بيع سلعة بثمن مجهول وهو ممتنع. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "وفي سنين" لخ في حق ذي الشبهة للعلة التي ذكرها ابن يونس، ولذا قال البناني عند قول عبد الباقي وعممه بعضهم في ذي الشبهة وغيره للعلة المذكورة ما نصّه: فيه نظر، فإن الغاصب إذا أكراها فلا شيء له من الكراء كما تقدم في قوله: "وغلة مستعمل" ويكون للمستحق كراء الماضي والمستقبل، فإن أمضى فقد أمضى في الجميع بكراء معلوم، فلا يتقيد بقوله: "إن عرف النسبة". والله أعلم. انتهى كلام البناني. فقال الرهوني: فيه نظر واحتجاجه المذكور وما فرعه عليه بقوله: فإن أمضى فقد أمضى الجميع بكراء معلوم إنما يتم لو كان الاستحقاق وقع قبل أن يستوفى شيء من المنفعة أصلًا، وأما بعد استيفاء شيء منها كما هنا فلا يتم؛ لأنَّ الواجب للمالك فيما مضى الأكثر مما اكتريت به ومن كراء المثل ويطالب به الغاصب، وتخييره في فسخ الكراء وإمضائه إنما هو باعتبار ما بقي، فإن اختار الفسخ فالأمر واضح، وإن اختار الإمضاء لزم ذلك المكتري ذا الشبهة بنسبة ما وقع به العقد أولًا مع الغاصب، ولا يعرف قدر ما ينوب الباقي إلا بعد معرفة النسبة قطعا. فتأمله بإنصاف. انتهى كلام الرهوني. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: الظاهر ما لبناني ومن وافقه؛ لأنه إذا أمضى العقد لم يكن له إلا ما وقع به العقد وإنما يظهر ما قاله الرهوني لو قال أمض ما بقي. والله تعالى أعلم. وقوله: "يفسخ" عطف على "أخذها"، وفي سنين "متعلق" بالمستحق" والتقدير: وللمستحق في مسألة كراء سنين الفسخ والإمضاء.
ولا خيار للمكتري للعهدة يعني أن من اكترى دارا أوأرضا مدة ثمَّ استحقت وأجاز المستحق الكراء لزم العقد، ولا خيار للمكتري في حل العقد ولا حجة له في أن يقول إنما رضيت بأن تكون عهدتي على الأوّل، فإن ذلك لا يفيده، وقوله: "للعهدة" أي لأجل العهدة أي الاستحقاق الطاري
стр. 6864
بعد الاستحقاق الأوّل، والعهدة ما عهد عند الشَّارع أي عرف عنه من الرجوع بما دفع عند ظهور الاستحقاق مثلا، قال عبد الباقي: وإذا أمضى المستحق الكراء وكان الأوّل انتقد جميع المدة أو بعضها كما في أحمد، وأولى إن لم ينتقد شيئًا فإنَّه لا خيار للمكتري للعهدة أي لأجلها؛ أي أن خيار المكتري لأجل خوف طرو استحقاق ثان بعد الأوّل منتف، فلا كلام له في فسخ العقد فيما بقي من المدة؛ أي ليس له أن يقول: أنا لا أرضى إلا بأمانة الأوّل لملائه، ولا أرضى بالمستحق لأنها إذا استحقت لا أجد من أرجع عليه لعدم المستحق. أهـ.
وقال البناني: قال في المدونة: لم يكن للمكتري أن يترك الكراء ويقول إنما كانت عهدتي على الأوّل فلا أرضى أن تكون عليك أيها المستحق، فقال عياض: هذا كلام غير محصل، وقد تكلم عليه سحنون، وقال: ليس بصواب ولو رضي ما كانت عهدته عليه؛ لأنَّ العهدة لا تنتقل كما لو باعه الغاصبُ عبدا فاستحقه سيده فالعهدة على الغاصب لا تنتقل عنه قاله مالك. أهـ. وقد تقدم ذلك في قوله: ولربه إمضاء بيعه". أهـ. وقال المواق: من المدونة: من اكترى دارا سنة من غير غاصب فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار في نصف السنة فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقي أو الرضى به، فيكون له كراء بقية السنة، فإن أجاز الكراء فليس للمكتري أن يفسخ الكراء فرارا من عهدته؛ إذ لا ضرر عليه لأنه يسكن، فإن عطبت الدار أدى بحساب ما سكن. انتهى.
وانتقد إن انتقد الأوّل وأمن هو يعني أنَّه يقضى للمستحق أن ينتقد أي يأخذ حصة ما بقي من المدة بشرطين: أحدهما أن يكون الأوّل قد انتقد جميع الأجرة أي أخذها، الشرط الثاني أن يكون المستحق مأمونا. واعلم أنَّه وقع في المدونة أن يكون مأمونا وليس عليه دين محيط، فيحتمل أنهما شرطان احترازا من الملد وممن أحاط دينه، ويحتمل أن الثاني تفسير للأول. أهـ. قاله البناني. قوله: ويحتمل أن الثاني تفسير للأول، بهذا جزم أبو الحسن إذ قال ما نصّه: ثمَّ فسرت بالذي لا دين عليه، وغير المأمون هو الذي أحاط الدين بماله. انظر التاودي وأبا علي. قاله الرهوني.
وقوله: "إن انتقد" أي انتقد الكراء بالفعل أو اشترط نقده أو كان العرف نقده، وأما لو انتقد بعضه بالفعل فإن عينه عن مدة كان لمن له تلك المدة، وإن جعله عن بعض مبهم كان بينهما على
стр. 6865
حسب ما لكل، وكذا يقال فيما إذا اشترط بعضه أو جرى به أي بقبض بعضه عرف، وقال عبد الباقي: وانتقد المستحق حصته فيما بقي من المدة أي قضي له بأخذ أجرة ما بقي من مدة الإجارة؛ أي يأخذها الآن بشرطين أشار للأول منهما بقوله: "إن انتقد الأوّل" وهو المكري أي إن كان قد أخذ جميع الأجرة عن مدة الإجارة وحينئذ يلزمه أن يرد إلى المستحق حصة ما بقي، الثاني أن يكون المستحق مأمونا كما أشار إليه بقوله: "وأمن هو" أي المستحق بأن لم يخف من دين أحاط به، فإن خاف لم ينتقد المستحق إلا أن يأتي بحميل ثقة، قال ابن يونس: لعل هذا في دار يخاف عليها الهدم، وأما إن كانت صحيحة فإنَّه ينقد ولا حجة للمكتري من خوف الدين لأنه أحق بالدار من جميع الغرماء. أهـ. قاله عبد الباقي. قوله عن ابن يونس: لعل هذا في دار يخاف عليها الهدم لخ.
قال الرهوني: ظاهره ولو كانت البقعة والنقض بعد السقوط تساوي قيمتها مقدار الكراء، لكن لابد من تقييده بما إذا لم تساو ذلك، لقول أبي الحسن: قال عبد الحق: إنما يكون له الامتناع متى كان لو انهدمت الدار لم تساو قيمتها مهدومة مقدار الكراء الذي دفع المكتري، وإلا فلا كلام له. ابن رشد: هذا صحيح لأنَّ البقعة تكون بيده كالرهن فيما قدم من الكراء إن انهدمت الدار. أهـ بلفظه على نقل أبي علي. ونقله التاودي بأتم منه فزاد عقب قوله: الكراء الذي دفع المكتري ما نصّه. وأما إن كانت قيمتها مهدومة تساوي ذلك فأكثر فلا كلام له؛ لأنَّ له ذمة فيدفع إليه حصة باقي الأمد، وهكذا حفظته من شيوخنا. ابن رشد إلى آخر مامر. اهـ.
وقال المواق: [ولو انتقد (١)] الأوّل كراء السنة كلها -يعني فيما إذا كان أمد الكراء سنة- لدفع إلى المستحق حصة كراء ما بقي من المدة إن كان مأمونا وسلم من دين أحاط به ونحوه ولا يرد باقي الكراء على المكتري، قال أبو محمَّد وغيره فإن كان المستحق غير مأمون قيل للمكتري: إن شئت أن تدفع إلى المستحق كراء بقية السنة وتسكن، فإن أبى قيل للمستحق إن شئت أن تجيز الكراء على أنك لا تأخذ منه إلا كراء ما سكن، كلما سكن شيئًا أخذت بحسابه وإلا فلك أن تفسخ بقية كراء المدة. ابن يونس: لعله يريد في دار يخاف عليها الهدم الخ.