كان حكمه حكم الحاضر العالم بالبيع فلا تسقط شفعته إلا بعد سنة من يوم قدومه أو يصرح بإسقاطها فلا شفعة له بعد ذلك، وظاهر كلام المصنف سواء بعد محل غيبته أو قرب وهو ظاهر كلام ابن القاسم، وقيدها أشهب بالبعيد وأما القريب الذي لا كلفة عليه في إتيانه فطول زمانه بعد علمه بوجوب الشفعة يصيره كالحاضر، وهو الموافق لقوله آخر باب القضاء: "والقريب كالحاضر" وغيبة الشخص المشتري كغيب الشفيع وغيبتهما عن محل الشقص غيبة بعيدة وهما بمكان كحضورهما. انتهى.
قوله وهو ظاهر كلام ابن القاسم وقيدها أشهب لخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: لا أظن ابن القاسم يخالف أشهب في هذا ولا يفهم من كلام المدونة، ومعلوم أن القريب كالحاضر كما يأتي للمص وكما في الزقاقية وغيرها، وقد أتى ابن سلمون بالتفصيل المذكور فقها مسلما وهو الظاهر. انتهى. قلت: وما قاله طيب الله ثراه متعين وقد تقدم في كلامي المنتخب والمفيد الجزم بذلك، ونحوه في القصد المحمود ونصه: والغائب على شفعته وإن طال الزمان إلا أن يكون قريب الغيبة يمكنه القيام بها إلا أن يكون شيخا كبيرا أو ضعيفا أو امراة فيعذر. انتهى. وفي طرر ابن عات ما نصه: والرجل على شفعته في مغيبه الثلاثة الأيام فصاعدا، وأما اليوم واليومين فهو كالحاضر. انتهى منها بلفظها. وقد ساق ابن يونس - وتبعه أبو الحسن - قول أشهب مساق التفسير للمدونة، وصرح بذلك ابن ناجي ونصه قوله: والغائب على شفعته لخ يريد إذا كانت الغيبة بعيدة وأما القريبة ولا مؤنة في الشخوص منه على الشفيع فهو فيه كالحاضر لنص أشهب بذلك. انتهى منه بلفظه. قلت: بل نص عليه ابن القاسم نفسه ونقله عن الإمام في المنتخب، وفي تفسير ابن مزين قال عيسى: قلت لابن القاسم فما حد الغيبة القريبة التي تقطع الشفعة؟ قال: ما وقت لنا مالك فيه شيئا، قد تكون المرأة والضعيف على البريد فلا تستطيع أن تنهض ولا تستأجر وإنما فيه اجتهاد السلطان. انتهى منه بلفظه. ومثله في المفيد. انتهى كلام الرهوني.
وقول عبد الباقي: وغيبة المشتري لخ قال البناني: إذا غاب المشتري فللشفيع أن يرفع للقاضي ويأخذ بالشفعة كما في المدونة، لكن قال ابن يونس: لاستثقال الناس الرفع إلى القضاة كانت غيبة المشتري عذرا. ابن عرفة: وهذا يحسن فيمن يعلم منه ذلك، فأما من يعلم منه الطلب والدخول
стр. 6967
إلى القضاة فلا شفعة له. انتهى. وقيده أيضا ابن عرفة بغير قريب الغيبة، وأما هو فكالحاضر. انتهى. قوله: لكن قال ابن يونس لاستثقال الناس لخ القائل ذلك هو ابن المواز، وابن يونس نقله عنه كما نقله عنه اللخمي وابن عرفة، وقوله: ابن عرفة وهذا يحسن لخ انظر من نسب هذا لابن عرفة فإني لم أجده فيه، وإنما نسبه ابن غازي في تكميله للخمي وهو كذلك في تبصرته. قاله الرهوني. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال في النوادر: ومن كتاب محمد وهو في العتبية من سماع ابن القاسم: وإذا قال المبتاع نسيت الثمن فإن مضى من طول السنة ما يندرس فيه العلم ويموت الشهود وترتفع فيه التهمة فالشفعة ساقطة، وكذلك إن كان صغيرا أو غائبا، وأما إن كان على غير ذلك فالشفعة قائمة بقيمة الشقص. انتهى المراد منه. وقال اللخمي: اختلف إذا قال المشتري نسيت الثمن وطالت السنون مما ينسى فيه الثمن، أو مات المشتري وقال الورثة لا علم عندنا وكان الشفيع غائبا أو صغيرا، فأسقط ابن القاسم الشفعة وأثبتها عبد الملك بالقيمة. انتهى. قاله الحطاب. ثم قال: علم من كلام ابن يونس والنوادر أنه إذا تجاهل المشتري بالثمن في الأمد القريب أنه يؤخذ الشقص بقيمته، إلا أنه في النوادر لم يقل يوم البيع، وصرح بذلك ابن يونس وصرح به ابن بطال في مقنعه، فقال: يأخذ بقيمته يوم ابتاعه المبتاع. والله أعلم. انتهى.
أو أسقط لكذب في الثمن عطف على قوله: "غاب أولا" يعني أن الشفيع إذا علم بالبيع فلما أخبر بالثمن أسقط شفعته لكثرته، ثم ظهر بعد ذلك أن الثمن أقل مما أخبر به فإن الشفعة تثبت له ولو طال الزمن قبل ذلك، ويحلف أنه ما سلم إلا لكثرة الثمن كما قال: وحلف قال عبد الباقي: أو أسقط أو سكت وسلم لكذب من بائع أو مشتر أو أجنبي له بهما علاقة في الثمن ولو قل الكذب بزيادة، وكذا بنقص وكانت قيمة الأنقص أشد فله الشفعة ولو طال الزمان قبل ذلك لا إن كانت أخف فتسقط شفعته، وحلف أنه ما أسقط إلا لكذب في الثمن. انتهى. قوله: وكذا بنقص وكانت قيمة الأنقص أشد لخ، قال البناني: يتصور هذا إذا اشتراه بعشرة دنانير صغار وأخبرد بثمانية كبار تزيد في القيمة على ما اشتري به، وذلك في الحقيقة يرجع لما قبله. انتهى. وقول عبد الباقي: أو أجنبي له بهما علاقة،
стр. 6968
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا مفهوم لقوله أو أجنبي له بهما علاقة. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله "وحلف" ما نصه: وكالكذب في الثمن لو أسقط لجهل في الثمن ولم يطل ولو اتهم المشتري بإخفاء الثمن فلا تسقط ويأخذ الشقص بقيمته، وأما جهل الثمن مع الطول أو موت الشهود فمسقط. قاله الجزيري في وثائقه. انظر أحمد عند قوله: وسقطت إن قاسم. انتهى. قوله: وكالكذب في الثمن لو أسقط لجهل في الثمن لخ، قال الرهوني: صنيعه يقتضي عزو ذلك للجزيري وليس في المقصد المحمود للجزيري ما يفيد ذلك نصا ولا مفهوما، وقد نقل الحطاب كلامه وأطال في نقله كلام الناس وليس فيه ما ذكره، ولم يذكره الأجهوري أيضا في النسخة التي بيدي منه، والظاهر أنه غير صحيح، وقياسه على مسألة المص لا يصح لظهور الفارق، وقد اختار اللخمي سقوط الشفعة مع جهل الثمن دون إسقاط فكيف معه. والله الموفق. انتهى. وقال الخرشي: ولو أسقط لكذب في جنس الثمن لزمه، كما إذا أخبر أنه باع بدراهم فإذا هو باع بقمح مثلا إلا أن تكون قيمته أقل مما أخبر به. انتهى.
أو في المشترى يعني أن الشفيع إذا أسقط شفعته لأجل الكذب في الشقص المشترى بفتح الراء بأن قيل له فلان اشترى نصف نصيب شريكك ثم أخبر أنه اشترى جميع نصيب شريكه فله القيام بشفعته؛ لأنه يقول لم يكن لي غرض في أخذ النصف لأن الشركة بعد قائمة، فلما علمت أنه ابتاع الكل أخذت لارتفاع الشركة وزوال الضرر. قاله الخرشي. وقال البناني: في الاستغناء عن أشهب: إذا سلم ثم علم أن شريكه باع نصف حصته فقط فأراد الأخذ وقال إنما سلمت لعدم قدرتي على أخذ الجميع فليس له ذلك؛ لأن إسلام الجميع إسلام للنصف. انتهى. نقله في تكميل التقييد. انتهى. ويحتمل أن يكون قوله: "أو المشتري" بكسر الراء يعني أنه إذا أسقط الشفيع الشفعة لأجل كذب في المشتري بكسر الراء بأن قيل له فلان اشترى نصيب شريكك فأسقط لذلك ثم ظهر أنه غير الذي سمي له، فإن له أن يأخذ كائنا ما كان الشخص.
أو انفراده أي أسقط لكذب في انفراده أي المشتري، وتوضيح كلامه أن لا تسقط شفعة الشفيع إذا قيل له إن فلانا اشترى حصة شريكك فأسقط شفعته لأجل حسن سيرة هذا المشتري ثم علم بعد
стр. 6969
ذلك أن الشقص اشتراه هو وشخص آخر فله القيام بشفعته؛ لأنه يقول إنما رضيت بشركة فلان وحده لا بشركته مع غيره، ولم يذكر في هذه الأمور الثلاثة الحلف، وينبغي أن يحلف فيها أيضا. قاله الخرشي. وقوله: "أو انفراده" قال عبد الباقي: وكذا عكسه أي أخبر بتعدد المشتري فسلم لغرضه في شركة المتعدد فتبين أنه واحد كذا ينبغي، وعليه فيمكن شمول المص له بتقدير أو شأن انفراده. قاله الأجهوري. انتهى. قوله: لغرضه في شركة المتعدد يوضحه قول الخرشي: لو أخبر بتعدد المشتري فرضي ثم تبين أنه واحد فإنه يمضي ما حصل منه إلا أن يكون له غرض في المتعدد كذا ينبغي، وعليه فيمكن إدخاله في قول المؤلف: "أو انفراده" أي شأن انفراده. انتهى.
أو أسقط وصي أو أب بلا نظر يعني أن الوصي أو الأب إذا أسقط شفعة المحجور وكان ذلك الإسقاط على غير وجه النظر للمحجور، فإن الشفعة تثبت للمحجور، فله إذا رشد أن يأخذ بشفعته، ومفهوم قوله: "بلا نظر" أنه إذا كان على وجه النظر فإنه تسقط شفعته وهو كذلك، قال عبد الباقي: أو أسقط أو سكت وصي أو أب حالة ثبوت أن فعلهما بلا نظر فلا تسقط شفعته وله الأخذ بها إذا بلغ رشيدا، فإن أسقط لنظر ثابت سقطت وحملا عليه عند الجهل بخلاف الحاكم عند الجهل. انتهى. ونحوه للخرشي فإنه قال: وقوله: "بلا نظر" أي إن ثبت أن إسقاطها على غير وجه النظر وذلك لأنهما محمولان على النظر عند الجهل بفعلهما، وأما الحاكم فلا يحمل فعله على النظر عند الجهل. انتهى. وفيه نظر. والصواب أن فعله عند الجهل محمول على السداد فهو مثل الوصي والأب. انظر الرهوني. وقال البناني عند قوله "أو أسقطه وصي أو أب" ما نصه: نحوه في الوثائق المجموعة وظاهر المدونة أن الشفعة تسقط ولو كان غير نظر، قال أبو الحسن: وبه قال أبو عمران، وسبب الخلاف هل الشفعة استحقاق أو بمنزلة الشراء؟ أي فعلى الأول له الأخذ وعلى الثاني لا أخذ له؛ إذ لا يلزم الوصي إلا حفظ المال لمحجوره لا تنميته. انظر الحطاب. وقد مر عن عبد الباقي أن السكوت كالتصريح بالإسقاط فيجري فيه قيده، وما جزم به من أن [له] (١) الأخذ في السكوت، قال الرهوني: خلاف الراجح والمعمول به، ثم قال بعد كلام ما نصه: فقد صح سقوطها بسكوت الوصي ولم يحك في سقوطها بسكوت الأب خلافا، فظاهر كلامه أنه متفق عليه وصرح بذلك في المفيد، ونصه: وقال ابن أبي زمنين: إذا لم يقم
стр. 6970
الوصي بشفعته ليتيم ولا علم أنه أسلمها حتى كبر الصبي (١) فهو على شفعته حتى يقوم بها، كذلك قال أشهب وقد جاء عن أشهب خلاف ذلك وهذه الرواية أشبه بأصولهم وعليها العمل، ولم يختلف في الأب إذا لم يقم بالشفعة لابنه ولا علم أنه [تركها] (٢) حتى بلغ الصبي بعد مدة طويلة أنه لا شفعة له. انتهى. وفي التحفة:
والأب والوصي مهما غفلا … عن أخذها فحكمها قد بطلا
قال الشارح: اعتمد الشيخ ﵀ في مسألة الوصي ما ذكره ابن أبي زمنين عن أشهب ثانيا ونقله الشيخ ميارة قلت: بل اعتمده لذلك ولاعتماد صاحب المفيد عليه مع قوله: وعليه العمل عند أصحاب الوثائق، ثم حكى قولا أنه لا تسقط شفعة الصبي بسكوت. والله تعالى أعلم. انتهى. باقتصار.
ثم قال بعد جلب كثير من النقول ما نصه: قد علمت أن الراجح والمعمول به خلاف ما في المختصر، وأن الإسقاط والسكوت سواء بل من يقول بأن الراجح والمعمول به سقوطها بالسكوت يلزمه أن يقول بسقوطها بالإسقاط بالأحرى، وقد ذكرنا لك دليل ذلك بما لا مزيد عليه فشد يدل عليه. والله الموفق. انتهى.
تنبيهان: الأول: قد فرق أبو عمران بين الحاكم وبين الوصي والأب فيما إذا كان الأخذ نظرا وقبله المتيطي وغيره، ولا يقبله كلام المدونة لأنه صرح فيها بمساواة السلطان للأب والوصي، فإن حمل كلامها على ظاهره ففي الجميع، وإن قيد بما لابن فتوح ومن وافقه فكذلك، والتفريق المذكور عمل باليد وهو مخالف لكلام الرجراجي واللخمي وغيرهما. قاله الرهوني.
الثاني: إذا أسقط الوكيل الشفعة الواجبة لوكله، قال في المدونة: ولك أن توكل بأخذ الشفعة غبت أو حضرت ولا يلزمك تسليم الوكيل إلا أن تفوض إليه في الأخذ والترك ولو أقر الوكيل أنك أسلمتها فهو كشاهد يحلف معه المبتاع، فإن نكل حلفت أنت وأخذت. انتهى. قوله: إلا أن تفوض إليه في الأخذ والترك، مثل ذلك ما لو وكله وكالة مفوضة، ففي النوادر ما نصه: وإذا
стр. 6971
وكلته على طلب شفعة فسلم الوكيل، فأما المفوض إليه فذلك يلزمك وإن لم يكن مفوضا لم يلزمك. قاله ابن القاسم وأشهب. انظر الرهوني.
وشفع لنفسه يعني أن المولي إذا كان شريكا لمحجوره في عقار فباع حصة محجوره لأجنبي لمصلحة فإن له أن يأخذ بالشفعة لنفسه ولا يكون توليه للبيع مانعا من ذلك ولابد في ذلك من الرفع للحاكم لاحتمال بيعه برخص لأخذه لنفسه، وكذا العكس كما لو باع حصته من الدار لأجنبي فإنه يشفع لمحجوره ولا بد فيها من الرفع للحاكم أيضا لاحتمال أن يبيع بغلاء لأخذه للمحجور.
أو ليتيم آخر يعني أن من في حجره يتيمان مشتركان في دار مثلا وباع حصة أحدهما فله أن يأخذ للآخر بالشفعة ولا يكون توليه للبيع مانعا من ذلك، وقوله: "وشفع لنفسه" وكذلك الوكيل، ففي المدونة: لو وكل رجلا أن يبيع له شقصا أو يشتريه والوكيل شفيعه ففعل لم يقطع ذلك شفعته. انتهى. وظاهره سواء كان الوكيل مفوضا أم لا وهو كذلك. انظر الرهوني.
وقوله: "أو ليتيم آخر" اعلم أن عقار اليتيم لا يتوقف بيعه على استبدال إذا بيع لحاجة. المواق: عبد الملك: إن باع وصي شقصا لأحد أيتامه فله أخذ الشفعة لباقيهم لا يدخل فيهم من بيع عليه ولا حجة على الوصي بأنه بائع لأنه باع على غيره. محمد: ولو كان له معهم شقص لدخل في تلك الشفعة أحب إليَّ وينظر، فإن كان خيرا لليتيم أمضي.
تنبيه: في الرهوني بعد أن ذكر أن الأب والوصي والوكيل والشريك المفوض لهم الشفعة ما نصه: لم يختلف في وجوب الشفعة لمن ذكر إذا اشتروا، وخالف ابن زرب في ذلك إذا باعوا، قال أبو الحسن: قال ابن زرب: أربعة بيعهم إسقاط لشفعتهم: الأب يبيع حصة ابنه الصغير من دار مشتركة بينهما، والوصي يبيع حصة محجوره، وأحد المتفاوضين والوكيل على بيع شقص هو شفيعه، فهؤلاء لا شفعة لهم؛ لأن البيع تسليم بخلاف الشراء، وقيل في الوكيل له الشفعة. انظر الحطاب. وما حكاه ابن زرب خلاف الكتاب إلا في أحد المتفاوضين. انتهى.
أوأنكر المشتري الشراء يعني أنه إذا ادعى الشفيع على المشتري شراء الشقص وأنكر المشتري الشراء، وحلف على عدم الشراء فإن الشفعة تسقط فقوله: "أنكر" عطف على قاسم من قوله:
стр. 6972
وسقطت إن قاسم ولا فرق "في سقوط الشفعة بين أن يقر البائع بالبيع وأن لا يقر، فقوله: وأقر البائع أتى به نصا على التوهم واعتناء بمحل الخلاف المشار إليه بقول ابن الحاجب: وقيل يأخذ لأن البائع مقر أنه حق. انظر الرهوني. وقال الشارح: تجَوَّز رحمه الله تعالى في إطلاق المشتري على من لم يثبت له شراء لأن الفرض أنه منكر، وكذا قوله: وأقر به بائعه وهذا الكلام معطوف على الأمور التي تسقط بها الشفعة، قال ابن القاسم في المدونة: وإذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع فتحالفا وتفاسخا فليس للشفيع أن يأخذ الشفعة بإقرار البائع؛ لأن عهدته على المشتري، فإذا لم يثبت للمشتري شراء فلا شفعة للشفيع.
أبو الحسن: صوابه فحلف أي المشتري، ابن يونس: قال أبو محمد: قوله فتحالفا إنما يعني أن المبتاع وحده يحلف فإذا حلف برئ. انتهى. ولو نكل المشتري عن اليمين حلف البائع وثبت البيع والشفعة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ومفهوم أنكر المشتري أنه لوأقر به مع إقرار البائع فللشفيع الأخذ، وكذا إن غاب البائع وأثبت المشتري الشراء ببينة وإلا فلا. انتهى. ولو ادعى الشفيع أن شريكه باع نصيبه لفلان فأنكر البائع والمشتري ذلك، فقيل يحلف البائع وتسقط دعوى الشفيع، فإن نكل حلف المشتري وسقطت دعوى الشفيع أيضا، فإن نكل حلف الشفيع وأخذ بالشفعة وقيل لا يمين على المتبايعين إلا ببيان السبب. انتهى.
وهي على الأنصباء يعني أن الشفعة تكون على قدر الأنصباء لا على الرؤوس؛ لأن الشفعة إنما وجبت بشركتهم لا بعددهم فيجب تفاضلهم فيها بتفاضل الأنصباء، فإذا كان العقار بين ثلاثة مثلا لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللآخر سدسه فباع صاحب النصف نصيبه من أجنبي فلشريكيه الأخذ بالشفعة، فيأخذ صاحب الثلث ثلثي النصف ويأخذ صاحب السدس ثلثه، ولو باع صاحب الثلث نصيبه لأخذ صاحب النصف ثلاثة أرباعه وصاحب السدس الربع، ولو باع صاحب السدس نصيبه لأخذ صاحب النصف ثلاثة أخماسه وصاحب الثلث خمسيه، فقوله: "وهي" أي الشفعة قال الخرشي: بمعنى الشقص المأخوذ بالشفعة أي هي مستحقة ومفضوضة على قدر الأنصباء أي حظوظ الشركاء.
стр. 6973
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: ولا مانع من كون الشفعة هنا بمعنى الأخذ أو الاستحقاق كما هو معناها الحقيقي؛ أي يستحق الشريك الشقص المبيع على قدر حظه أو يأخذه على قدر حظه. والله تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: وهي أي الشفعة عند تعدد الشركاء مفضوضة على قدر الأنصباء للشركاء لا على الرؤوس؛ لأن فيه غبنا على ذي النصيب الكثير بمساواة ذي النصيب اليسير له، والمعتبر في الأنصباء يوم قيام الشفيع على المعتمد لا يوم شراء الأجنبي، وتقدمت ثمرة ذلك عند قوله: "أو باع حصته".
تنبيه: قال الخرشي: وكلام المؤلف فيما ينقسم وأما فيما لا ينقسم فهي على الرؤوس اتفاقا. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. قال البناني: ما ذكراه من الاتفاق غير صحيح إذ المنصوص في المدونة والموطإ إطلاق أنها على الأنصباء، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق والتفصيل بين ما ينقسم وما لا ينقسم أصلُه للخمي ذكره جازمًا به كأنه المذهب، ونصه: وهذا أي كونها على الأنصباء فيما ينقسم وأما ما لا ينقسم إذا حكم فيه بالشفعة فعلى الرؤوس؛ لأن المقصود فيه رفع الضرر عند البيع وذلك يستوي فيه القليل النصيب والكثير. انتهى. وجعله ابن عرفة طريقة، وجعله القرافي في الذخيرة مقابلا للمذهب، وظاهر التوضيح ضعفه وكثيرمن الشيوخ لم يعرجوا عليه كالمتيطي وابن رشد وابن شأس وغيرهم. والله تعالى أعلم. انتهى.
وترك للشريك حصته يعني أن الشريك إذا كان هو المشتري من أحد الشركاء فإنه يترك له حصته ويأخذ منه بقية الشركاء على أنصبائهم، مثاله: دار بين أربعة لأحدهم الربع ولآخر الثمن ولآخر الثمن أيضا ولآخر النصف فباعه لصاحب الربع، فإن لصاحبي الثمنين أن يأخذا نصف المبيع ويترك نصفه لمشتريه أي يستحقه بالشفعة، فقوله: "وترك للشريك" هو المشتري، وفي بعض النسخ: وترك للشفيع وكل صحيح ومعناهما واحد، وقوله: "وترك للشريك حصته" أي لأنه يستحق ذلك بالشفعة لو كان البيع لأجنبي. قاله عبد الباقي. وقال البناني عند قوله: "وترك للشريك حصته" ما نصه: كذا في المدونة، قال ابن عرفة: يقوم منها لو اشترت إحدى الزوجتين حظها من الأخرى فطلب بقية الورثة الشفعة في ذلك وطلبت هي الاختصاص به لأنها أشفع منهم
стр. 6974
فيه، لو اشتراه غيرها فهي أحق منهم. ونزلت في أيام ابن عبد السلام فحكم فيها بالشفعة لبقية الورثة: فسألني عنها المحكوم عليه فقلت له لا شفعة لهم عليك، فذكر لي أنه حكم عليه بها فذكرت المسألة والأخذ منها للقاضي ابن عبد السلام، فرجع بإنصافه عن الحكم عليه بالشفعة. انتهى. الرهوني: قال ابن غازي: بعد أن ذكر كلام ابن عرفة هذا ما نصه: ووهم ابن عبد السلام في هذا عجيب. انتهى.
ومثلُ نازلة ابن عرفة هذه المسألةُ التي اختلف فيها ابن آملال والقوري، فقد قال في المجالس: فمسألة المدونة تشهد لفتوى القوري، وفي نوازل الشفعة من العيار: وسئل الفقيه أبو عبد الله ابن آملال عمن هلك وترك نصف دار له شفيع، فصير الورثة النصف المتروك للزوجة فأراد الشريك الأجنبي أخذه هل له شفعة أم لا، فأجاب بأن له الشفعة لأن الدار إنما صيرت في الدين على ملك الهالك، وبه أفتى المزجلي (١) أيضا، وأجاب القوري بأن لا شفعة للأجنبي وأن المرأة تختص بالنصف المتروك المصير لها، وكأنها اشترت شيئا هي شفيعة لبعضه ولم يقض فيها بقضاء، بل اصطلح الأجنبي مع المرأة. انتهى.
قال الرهوني: قلت كلام هؤلاء الأئمة الأعلام يقتضي أنه لا نص في المسألة لمن قبل ابن عبد السلام، أما اقتضاء كلام ابن عبد السلام وابن آملال والمزجلي (٢) ذلك فظاهر، وأما اقتضاء كلام ابن عرفة وابن غازي والقوري والونشريسي والمكناسي، فلأنهم لم يستشهدوا على ذلك بنص إنما استشهدوا بأخذه من المدونة وذلك من أغرب الغريب لأن المسألة منصوصة لمن قبل ابن عبد السلام ومن ذكر معه بأزمنة متطاولة مذكورة في الكتب الشهيرة المتداولة، ففي المفيد ما نصه: وقال ابن لبابة في منتخبه: إذا كان مال مشترك بين أهل سهم واحد مع أجنبي كالإخوة للأم والزوجات والجدتين، تكون حظوظهم في أصل ويكون سائره لأجنبي يبيع واحد من أهل السهام من صاحبه الذي هو معه في سهم واحد، فلا شفعة للشريك الأجنبي؛ لأنه لو كان المبتاع أجنبيا لكان هذا الذي اشترى الآن أحق بالشفعة، فكيف إذا كان هو المشتري؟ انتهى.
وقال ابن سلمون: وفي مسائل ابن الحاج: إذا كانت دار بين رجلين على الإشاعة فتوفي أحدهما فتقاومها ورثته وضم أحد الورثة حظوظ سائرهم، فلا يكون للشريك شفعة لأنهم لو باعوها من
стр. 6975
أجنبي إلا واحدًا لكان أحق بالشفعة من الشريك. انتهى. ووفاة محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة صاحب المنتخب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ووفاة ابن عبد السلام سنة تسع وأربعين وسبع مائة. والله سبحانه الموفق. انتهى.
وطولب بالأخذ بعد اشترائه الطالب بكسر اللام هو المشتري أو وكيله، والطالب بفتح اللام هو الشفيع أو وكيله؛ يعني أن الشفيع -لا بقيد كونه مشتريا- للمشتري مطالبته عند الحاكم بالأخذ بالشفعة أو الترك؛ بأن يقول له: إما أخذت وإما تركت لا يلحقه من الضرر بعدم التصرف في الحصة التي اشتراها، وإنما تكون له المطالبة بالأخذ بعد اشتراء الشقص، قال عبد الباقي: وطولب الشفيع لا بقيد كونه مشتريا كما في الذي قبله أي طالبه المشتري عند حاكم بالأخذ بالشفعة بعد اشترائه أي المشتري للشقص لما يلحقه من الضرر بعدم تصرفه في الحصة التي اشتراها، وإن كان لا يجب عليه الترك أي ترك التصرف في الحصة حتى يعلم الشفيع وإنما يندب فقط خلافا لفتوى ابن رزق، كما أنه لا يجب على البائع ترك البيع حتى يعلم المشتري، وإنما يستحب فقط خلافا لفتوى ابن زرب، وقوله: "وطولب بالأخذ" يريد أو الترك كما في الشارح، فإن أخذ وإلا فلا شفعة له على ما يأتي.
لا قبله يعني أن المشتري ليس له مطالبة الشفيع بالأخذ بالشفعة أو الترك قبل شرائه للشقص، وإذا أسقط الشفيع شفعته في هذه الحالة لم يلزمه إسقاطه لأنه إسقاط للشيء قبل وجوبه، فقوله: ولم يلزمه مفرع على قوله: "لا قبله"، قال غير واحد: الأولى التفريع بالفاء ليفيد أنه مفرع عليه أي على قوله: "لا قبله".
قال مقيده عفا الله عنه: ولم يظهر لي كون ذلك أولى، وفي الرهوني أن ما فعله المص هو الأولى ليفيد أنه لا يلزمه الإسقاط، سواء وقع بعد أن طولب بالأخذ أو قبله. انتهى. وفي المدونة: لو قال الشفيع للمبتاع قبل الشراء اشتر فقد سلمت لك الشفعة وأشهد بذلك فله القيام بعد الشراء لأنه سلم ما لم يجب له بعد، قال اللخمي: ويجري فيها قول آخر أنه لا شفعة له، قياسا على من قال إن اشتريت عبد فلان فهو حر وإن تزوجت فلانة فهي طالق، وفرق ابن رشد في الأجوبة بأن الطلاق والعتق من حق الله بخلاف الشفعة، وقال ابن عبد السلام: هذا الفرق ليس بالقوي ويظهر
стр. 6976
لبادئ الرأي صحة تخريج اللخمي، وذكر ابن عرفة عن شيخه ابن الحباب أنه فرق بأن التزويج وشراء العبد في مسألتي الطلاق والعتق من فعل الملتزم، وشراء الشقص المشفوع في هذه المسألة ليس من فعله. نقل ذلك في تكميل التقييد، وقد تعقب الأبي في شرح مسلم فرق ابن الحباب قائلا: لم يكن ابن الحباب عارفا بالفقه إنما كان عارفا بالعقليات. انتهى. نقله البناني.
وقال عبد الباقي: لا قبله ولم يلزمه إسقاطه ولو على وجه التعليق الصريح، كإن اشتريت أنت فقد أسقطت أنا شفعتي، وفي نص المواق ما يدل عليه، والفرق بينه وبين تعليق الطلاق والعتق على دخول دار أو نكاح أجنبية وطء لك رقيق تشوف الشارع للحرية والاحتياط في الفروج في النكاح، وأيضا الحق في هذين لله بخلاف الشفعة، وأيضا كل من الطلاق والعتق مقدور عليه بخلاف عقد البيع الناشئ عنه الشفعة. انتهى. قوله: وأيضا كل من الطلاق لخ أي مقدور عليه للملتزم بالكسر؛ إذ له إنشاؤهما متى شاء بخلاف عقد البيع الناشئ عنه الشفعة؛ إذ لا قدرة لملتزم إسقاط الشفعة على إنشاء عقد بيع بين شريكه وشخص آخر، وفي هذا الفرق نظر لاقتضائه أنه لو قال قائل إن باع زيد كذا لعمرو فزوجه طالق أنه لا يلزمه شيء إذا وقع المعلق عليه وليس كذلك فتأمله. قاله الرهوني.
وقال المواق: اللخمي: للمشتري وقف الشفيع على الأخذ أو الترك، فإن أبى جبره الحاكم على ذلك من المدونة، قلت: فمن أراد الأخذ بالشفعة ولم يحضره الثمن أيتلوم له؟ قال: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرون الأخذ بالشفعة في النقد اليوم واليومين والثلاثة، واستحسنه مالك وأخذ به: قال ابن المواز: وإنما يؤخر هكذا إذا أخذ بشفعته، فأما إذا أوقفه الإمام ليأخذ شفعته فقال أخروني اليوم والثلاثة لأنظر في ذلك فليس ذلك له، ويقال له بل خذ شفعتك الآن في مقامك وإلا فلا شفعة لك. وقاله أشهب ومطرف. وقال مالك في رواية ابن عبد الحكم: يؤخر السلطان اليوم والثلاثة ليستشير وينظر. انتهى. ومن المدونة قال مالك: إذا قال الشفيع للمبتاع قبل الشراء اشتر فقد سلمت لك الشفعة إلى آخر ما مر.
واله نقض وقف يعني أن المشتري للشقص إذا وقفه فإن للشفيع أن ينقض ذلك الوقف ولو مسجدا، ويأخذ الشقص بالشفعة، فقوله: "نقض" مصدر مضاف لمفعوله، والنقض هو الإبطال.
стр. 6977
كهبة وصدقة يعني أن المشتري للشقص إذا وهبه أو تصدق به فإن الشفيع له أن ينقض ما أحدث فيه المشتري من هبة أو صدقة ويأخذه بالشفعة قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: وله أي للشفيع نقض وقف أحدثه المشتري في الشقص ولو مسجدا كهبة وصدقة وعتق بأن يشتريَ نصف حائط به عبد مثلما فيعتقه المشتري وإذا نقض العتق والوقف ورد الثمن للمشتري فعل به ما شاء كما هو ظاهر كلامه؛ ومحل المص ما لم يحكم بعدم ما ذكر مخالف يرى ابطال الشفعة بذلك. قاله البساطي على سبيل التردد. وانظر إذا زاد في الشقص بناء ووقف الجميع وأخذ الشفيع الشقص فقط هل له في أنقاض الوقف التفصيل بين علم المشتري وعدمه؛ فإن علم كانت في وقف آخر وإلا فلات أو يقال وهو المظاهر لما علم بالشفيع دخل على أن الوقف يستمر إلى قيامه فيملكه المشتري بعد قيام الشفيع، كما يأتي في مسألة الإجارة المشار لها بقوله: "والنقض لربه إذا نقضت" والظاهر أيضا للتعليل المذكور أنه لا يكون ثمنها للموقوف عليه معينا. انتهى.
قال البناني: جزم في الثمن بأن المشتري يفعل به ما شاء وتردد في الأنقاض ولا فرق بينهما، وجزم بعضهم في الثمن بجعله في حبس آخر قياسا على ما إذا حبس أحد الشريكين حصته ولم يرض الشريك الآخر شركة الحبس، فإنه يباع ويجعل ثمنه في حبس آخر بناء على ما جرى به العمل من قول ابن الماجشون، وجزم بذلك قياسا على ما تقدم في الاستحقاق من قوله: "وله هدم مسجد". وسواء فيهما علم أن له شفيعا أم لا. والله أعلم. انتهى. ولوأعمر المشتري ما اشتراه لشخص وقد علم أن له شفيعا وأمضى الشفيع العمرى، فالظاهر أنه يجب على الشفيع دفع جميع ثمن الشقص لأن خيرته في نقضها تنفي ضرره، فلا يجاب لدفع ثمنه على أنه معمر بالفتح. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
والثمن لمعطاه يعني أن الثمن الذي يأخذه المشتري للشقص من الشفيع يكون لمن أعطي الشقص في مسألتي الهبة والصدقة، وأما في مسألتي الوقف والعتق فقد مر ما يفعل به، وإنما يكون الثمن لمن أعطي الشقص إن علم المشتري الذي وهبه شفيعه أي شفيع الشقص أي علم أن له شفيعا، وإن لم يعلم عينه لأنه لما علم به فكأنه دخل على هبة الثمن، فإن لم يعلم معطي الشقص بأن له شفيعا فالثمن له لا لمعطاه، قال عبد الباقي: فإن قلت: كيف يتصور أن يشتري شقصا ولا يعلم أن له
стр. 6978
شفيعا؟ قلت: يتصور ذلك فيما إذا اعتقد أن بائعه حصل بينه وبين شريكه قسمة، وأنه باع ما حصل له فيها أو اعتقد أن بائعه يملك النصف الآخر. انتهى. ولا حاجة إلى هذا السؤال والجواب؛ لأنه يغني عن ذلك قوله: لا إن وهب مارا فاستحق نصفها هذه الصورة مفهوم قوله: "إن علم شفيعه"؛ يعني أن من اشترى دارا فوهبها كلها لشخص ثم استحق شخص نصفها وأخذ المستحق النصف الثاني بالشفعة، فإنه لا يكون ثمن النصف المأخوذ بالشفعة للموهوب له والمتصدق عليه وإنما هو للمعطي بكسر الطاء لأنه لم يعلم أن له شفيعا، وقول الخرشي: لأنه لم يثبت للمشتري ملك عليه فهبته له كالعدم، وإذا كان ثمن النصف المأخوذ بالشفعة للواهب فأولى المستحق الذي يرجع به المشتري على البائع؛ لأنه إذا لم يكن له ثمن النصف الذي هو ملك للواهب فأولى أن لا يكون له ثمن النصف الذي تبين له أنه ليس ملكا للواهب. انتهى. فيه نظر من حيث التعليل؛ لأن المشتري ملكه بالشراء.
والحاصل أن الثمن كله للمعطي بالكسر ثمن المستحق وثمن غيره، وأن الصواب التعليل بما ذكرت وقوله: "فاستحق نصفها" أي بملك سابق على الهبة ولا مفهوم لنصفها، وضمير وهب للمشتري ونص المدونة: ومن اشترى دارا فوهبها لرجل ثم استحق رجل نصفها وأخذ باقيها بالشفعة كان ثمن النصف المستشفع للواهب. انتفى. أبو الحسن: وكذا ثمن النصف المستحق. انتهى.
وملك بحكم يعني أن الشفيع يملك الشقص المشترى أي يدخل في ملكه بأحد أمور ثلاثة: إما بحكم حاكم بأنه له، وإما بدفع الثمن. للمشتري سواء رضي بذلك أو لم يرض، ولهذا قال: أو دفع ثمن، وإما بإشهاده أي بأن يشهد الشفيع بأنه أخذه بالشفعة، ولهذا قال: أو إشهاد، ابن عبد السلام: المراد بالإشهاد أنه بمحضر المشتري وإلا فلا معنى له، خلافا لابن عرفة فإنه قال يملكه بالإشهاد ولو في غيبة المشتري، قال البناني: ورأيت بخط الشيخ السناوي ﵀ أن ما لابن عبد السلام من اشتراط حضور المشتري هو الذي جرى به العمل، نقل ذلك عن شيخه أبي عبد الله العربي بردلة، خلافا لما في العمليات. انتهى.
الرهوني: وعلى هذا العمل اقتصر التاودي في شرح التحفة وعزاه لبردلة أيضا، وعليه اقتصر الفشتالي في وثائقه، فقال الونشريسي في طرره عليها: قوله لم ينفعه الإشهاد يعني بطلت
стр. 6979
شفعته، وهذا محكي عن ابن القاسم، قال بعض الشيوخ: ووقعت فحكم بهذا. انتهى. وأشار بقوله: وهذا محكي عن ابن القاسم إلى ما في طرر ابن عات عن بعض الموثقين، وإن قال الشفيع قد أخذت بالشفعة من غير توقيف لم يكن له ذلك إلا بحكم القاضي إلا أن يسلم إليه ذلك المشتري فله ذلك؛ وكذلك حكى ابن القاسم. من الاستغناء. انتهى. ثم قال بعد كلام ما نصه: وكل ذلك شاهد لابن عبد السلام وهو الحق الذي لا محيد عنه لا ما لابن عرفة، والعمل الزي ذكره أبو زيد الفاسي بقوله:
والأخذ بالشفعة سرا ينفع … به قضاة الوقت قالوا أجمع
لا عمل عليه لأنه منسوخ بالعمل المنقول عمن ذكرنا. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "أو إشهاد" ما نصه: لا إشهاد خفية أنه باق على شفعته ثم يسكت حتى يجاوز الأمد المسقط حق الحاضر، ثم قام يطلبها "فلا ينفعه ذلك وتسقط كما لأبي عمران العبدوسي، فهذه فيها الإشهاد أنه باق على حقه غير مسألة المص التي هي الإشهاد بالأخذ. انتهى. وقال البناني: ابن عبد السلام: المراد بالإشهاد أنه بمحضر المشتري وإلا فلا معنى له.
ابن عرفة: ونزلت عندنا هذه المسألة عام خمسين وسبع مائة في شفيع أخذ شفعته في دار يملك باقيها بشهادة عدلين دون أن يوقف المشتري ويشهد عليه بذلك، ثم إن الشفيع باع جميع الدار فنازعه المشتري الأول لوقوع البيع قبل الإشهاد عليه بالأخذ منه، فشاور القاضي في ذلك أبا عبد الله السطي فلم يذكر غير ما أشار إليه ابن عبد السلام من كلام ابن رشد، وكنت أنا وابن خليل السكوني شهيدي النازلة فعاتبنا القاضي في الشهادة فاحتججت عليه بما في المدونة من أن من له الخيار من المتبايعين له أن يختار في غيبة صاحبه، ويشهد على ذلك فيقاس عليه الشفيع، وبقولها أيضا: ولا يجوز بيع الشفيع الشقص قبل أخذه بالشفعة؛ إذ مفهومه جواز بيعه بعد أخذه والعمل بمفهوم المدونة معهود من طريقة ابن رشد وغيره. ابن غازي: وفي استدلالة الثاني ضعف. انتهى. باختصار. انتهى.
стр. 6980
قوله عن ابن غازي: وفي استدلالة الثاني ضعف، يقتضي أن استدلال ابن عرفة الأول مسلم لا ضعف فيه، وعندي أنه غير مسلم لأن مسألة بيع الخيار قد يراعى فيها القول بأن بيع الخيار منعقد والرد فيه حل للبيع من أصله، وقد بني على هذا القول بعينه في هذا الباب ما تقدم للمص تبعا للمدونة وغيرها من قوله: "ووجبت لمشتريه إن باع نصفين خيارا" لخ، وليس هنا ما يراعى فتأمله. والله أعلم قاله الرهوني.
تنبيهان: الأول: على ما لابن عرفة وأبي زيد الفاسي قال الونشريسي في غنيته: وانظر إذا قلنا إنها تكون له بمجرد الإشهاد ممن يكون ضمانها في هذه المدة ولمن يكون خراجها، والظاهر أن الضمان من المبتاع والخراج له. انتهى. وفيه نظر، والظاهر من كلام ابن عرفة عكس ما فهمه؛ لأن ابن عرفة استدل بإشهاد من له الخيار من المتبايعين في غيبة الآخر وذلك يفيد أن الضمان هنا من الشفيع والخراج له؛ لأن الحكم كذلك في القيس عليه ولأن الحكم بصحة الأخذ يوجب ذلك؛ لأن فائدة صحة العقد ترتب أثره عليه ولا وجه للتوقف في ذلك على المشهور من أن الأخذ بالشفعة بيع؛ لأن العقد الصحيح فيما ليس فيه حق توفية ينقل الضمان بمجرده اتفاقا، ويظهر أن الأمر كذلك على المقابل على أنه استحقاق لأنه قد وقع بالفعل بمجرد الإشهاد. فتأمله. قاله الرهوني.
الثاني: علم مما قررت أن الضمير في ملك للشقص لا للأخذ، وبذلك يسلم المص من التعقب الذي حصل من ابن عرفة على ابن شأس وكلام ابن شاس هو ما في المواق، ونصه: ابن شأس: يملك الأخذ بتسليم الثمن وإن لم يرض المشتري وبقضاء القاضي له بالشفعة عند الطلب وبمجرد الإشهاد، قال البناني: وظاهر كلام ابن شأس وابن الحاجب ما فهمه ابن عبد السلام منهما من أن المراد أن الشفعة تملك بأحد الأمور الثلاثة، فتعقب ابن عرفة عليهما بأن هذا المعنى لا يعلمه لأحد من أهل المذهب إلا لابن شأس تبعا للوجيز على عادته لظنه موافقته للمذهب، قال: وروايات المذهب واضحة بخلافه وإن الموجب للك الشفعة إنما هو ثبوت ملك الشفيع لشقص شائع مع شراء غيره شقصا آخر. انتهى. وأما المص في التوضيح ففهم كلامهما على أن المراد يملك الشفيع الشقص بأحد هذه الوجوه، وجرى على ذلك هنا فهو سالم من تعقب ابن عرفة، ولو
стр. 6981
أجيب عن كلام ابن شأس وابن الحاجب بأن تملك الشفعة بمعنى تلزم مجازا لربما كان ظاهرا، فمعنى تملك الشفعة يلزم صاحبها الأخذ بواحد من هذه الوجوه. انتهى المراد منه. والله تعالى أعلم.
واستعجل إن قصد ارتياء يعني أن الشفيع للمشتري أن يستعجله بطلب الأخذ أو الترك حيث طلب الشفيع التأخير بقصد أن يتروى أي ينظر في أمره هل يأخذ أو يترك؟ فيقول له إما أن تأخذ أو تترك، وكذلك له أن يستعجله إذا طلب التأخير بقصد أن ينظر إلى الشقص المشترى بفتح الراء كما قال: أو نظرًا للمشترى فلا يمهل بل يأخذ أو يسقط إلا كساعة يعني أنه إذا طلب الهلة لأجل أن ينظر إلى الشقص المشترى، وكان غائبا كساعة بأن تكون المسافة بين محل الشفيع ومحل الشقص ساعة فإنه يمهل، فهو مستثنى من الثانية فقط كما في الحطاب والبساطي لا من الأولى أيضا خلافا لابن غازي، وليس المراد أن تكون مدة النظر كساعة لأن مدة النظر والإحاطة بمعرفته بعد مدة المسافة والكاف استقصائية كما في نقل المواق، والظاهر أن المراد بها الفلكية وهي خمس عشرة درجة دائما، لا الزمانية التي تختلف باختلاف الزمن من مساواة الفلكية تارة أو نقص أو زيادة عنها تارة أخرى. قاله عبد الباقي. ونحوه للخرشي فإنه قال: الاستثناء قاصر على قوله أو نظرًا للمشترَى ومن رجعه لما قبله أيضا فقد خالف النقل إلى آخر كلامه، وقال المواق: سمع القرينان من باع شقصا في حائط فقال الشفيع حتى أذهب فأنظر أين شفعتي، فقال ليس له ذلك فراجعه السائل، فقال: إن كان الحائط على ساعة من نهار فذلك له وإلا فلا. ابن رشد: ونحو هذا في المدونة. ابن عرفة: ذكر القول بالتأخير ثلاثة أيام اللخمي والصقلي والباجي رواية ابن عبد الحكم. انتهى. انظر نص الرواية عند قوله: "وطولب بالأخد". انتهى. وقال عبد الباقي: وقوله "وطولب" لخ، وقوله: "واستعجل" لخ مخصصان لقوله قبل: "أو شهرين إن حضر العقد وإلا سنة" أي إن محل ذلك ما لم يطلبه المشتري ويستعجله المشتري بدفعه له الثمن. انتهى. وقال غير واحد عند قوله "واستعجل إن قصد ارتياء أو نظرًا للمشترى إلا كساعة" ما نصه: وهذا كله إن وقفه الإمام، وأما إن وقفه غيره فهو على شفعته. انتهى. وقال عبد الباقي:
стр. 6982
وانظر إذا كانت مسافة المشترى على أقل من كساعة هل يؤخر كساعة ومقدار مدة النظر أو لا يؤخر إلا مقدار المسافة ومدة النظر؟ انتهى.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه لا يؤخر إلا مقدار المسافة ومدة النظر؛ لأن الاستثناء يفهم ذلك باعتبار الأحروية مع عموم ما قبله. والله تعالى أعلم.
ولزم إن أخذ وعرف الثمن يعني أن الشفيع إذا عرف الثمن الذي بيع به الشقص، وقال أخذت بصيغة الماضي أي قال اشهدوا أني أخذت بشفعتي ثم رجع فإنه يلزمه ذلك الأخذ ولا ينفعه رجوعه، وهذا داخل تحت قوله: "أو إشهاد" وصرح به هنا ليرتب عليه قوله: فبيع يعني أن الشفيع يلزمه الأخذ بقوله اشهدوا أني أخذت بشفعتي ولا ينفعه رجوعه حيث عرف الثمن، وقد ملك الشقص المشترى بقوله ذلك، فلهذا إذا لم يدفع الثمن للمشتري يباع الشقص أو غيره من مال الشفيع لأجل أن يدفع الثمن للمشتري، والواو من قوله: "وعرف الثمن" واو الحال فإن لم يرى الثمن: فقال في المدونة ما نصه: وإذا قال الشفيع بعد الشراء اشهدوا أني قد أخذت بشفعتي ثم رجع فإن علم الثمن قبل الأخذ لزمه، وإن لم يعلم به فله أن يرجع. انتهى منها بلفظها. وفي الموازية أن الأخذ غير جائز وفسخ ذلك على ما أحب أو كره. انتهى.
واختلف الشيوخ في ذلك فمنهم من حمله على الخلاف ومنهم من حمله على الوفاق، والقائلون بالتوفيق اختلفوا في وجه التوفيق، فحمل أبو الوليد الباجي ما في الموازية على أن الأخذ وقع على اللزوم؛ ونصه: قال في كتاب ابن المواز: ولو استوجب الشقص قبل المعرفة بما يقع عليه من الثمن لم يجز، ومعنى ذلك أن يستوجبه على أنه عليه بما يصيبه من الثمن دون خيار له عند المعرفة فذلك غير جائز، وأما قول الشفيع قد أخذت بالشفعة ولم يرى الثمن فإنه ليس بأخذ لازم وله الخيار إذا عرف الثمن. انتهى. والله أعلم وأحكم. وحمل بعضهم قول المدونة: فله أن يرجع على أن معناه أن ذلك العقد لا يلزمه لفساده؛ لأنه لم يعرف بما يأخذ. نقله عياض. ويرده قول الأمهات له أن يترك إن أحب إذا عرف الثمن. نقله أبو الحسن. الشيخ: ولا يقال في مثل هذا له أن يترك وإنما يقال يجب عليه الترك. انتهى.
стр. 6983
وحمل الأكثر ذلك على الخلاف كاللخمي وابن يونس والمازري والمتيطي وابن شاس وغيرهم؛ ورجحوا مذهب المدونة فمنهم من رجحه بعزوه لها مع عزو الأخذ لأشهب في الموازية فقط كاللخمي وابن يونس وابن عرفة، ومنهم من رجحه باقتصاره عليه كأنه المذهب كابن شأس وابن الحاجب، ومنهم من صرح بمشهوريته كالإمام المازري. نقله عنه في التوضيح وسلمه. ونقله الشيخ ميارة وجسوس وسلماه، وذكر ذلك الشارح هنا أيضا، ونصه: قال المازري إن أخذ قبل علمه بالثمن فقال ظننته أقل، فإن أراد أن يرد فله ذلك اتفاقا، وإن أراد أن يتمسك به فإن له ذلك على المشهور. انتهى منه بلفظه.
وذكر التشهير في الشامل أيضا، وسلم أبو علي التشهير هنا، وفي حاشية التحفة: وكلام البناني مخالف لهذه الطرق كلها فلا يعول عليه. قاله الرهوني. وانظر أي فائدة تظهر للخلاف؛ لأن قول المشهور الأخذ صحيح، وقول الشاذ هو فاسد ثم له الأخذ بها بعد ذلك إذا عرف الثمن واحد. الرهوني: والظاهر أن الثمرة تظهر فيما إذا لم يعلم بالثمن إلا بعد مضي المدة المسقطة للشفعة، فعلى المشهور هي ثابتة إن أحب التماسك لأن الأخذ الأول صحيح، ويؤخذ ذلك من كلام الباجي. والله تعالى أعلم. وقوله: "فبيع" قال عبد الباقي: جواب شرط مقدر أي ويدفعه فإن لم يدفعه بيع الشقص للثمن، وظاهر قوله: "فبيع" من غير تأجيل وفي النقل بعد التأجيل ولم يبين مدته، والظاهر أنها باجتهاد الحاكم، وإذا أراد المشتري أخذ الشقص حيث لزم بيعه للثمن فله ذلك ويقدم على غيره، وقوله: "فبيع" ينبغي أن يباع من ماله ما هو أولى بالبيع. والله تعالى أعلم.
والمشتريَ إن سلم يعني أن المشتري إذا سلم للشفيع الأخذ بالشفعة بأن قال الشفيع: أخذت، وقال المشتري: سلمت فإن المشتري يلزمه ذلك التسليم. فإن سكت المشتري حين قول الشفيع أخذت مع معرفة الثمن فله أي للمشتري نقضه أي نقض البيع إن لم يأت الشفيع بالثمن بعد التأجيل باجتهاد الحاكم، وله البقاء على أخذ الشفيع فيباع للثمن أيضا، فقوله: "فبيع للثمن" يتفرع أيضا على سكوت المشتري كما فرعه على تسليمه ولا يعترض على المص بأن تقديمه على
стр. 6984
هذه يوهم أنها ليست كذلك مع أنها كذلك؛ لأن قوله: "والمشتريَ" لخ مرتب على ما قبله. والله أعلم.
والحاصل أن هذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك فيقول قد أخذت ويقول المشتري وأنا قد سلمت فادفع إلي مالي فيؤجله الإمام في ذلك فلا يأتي بالمال إلى الأجل، فهذا بيع تام يباع في الثمن جميع ماله الحظ الذي استشفعه والحظ الذي استشفع به، وليس للشفيع أن يقول للمشتري خذ حائطك لا أريده ولا للمشتري أن يقول رد إلى حائطي لا أسلمه لك إذ لم تنقدْ لي مالي إلى الأجل الذي أجله لك السلطان فلا ينحل البيع إلا برضاهما جميعا وهذا هو قول المص: "ولزم إن أخذ" إلى قوله: "والمشتري إن سلم".
الثاني: أن يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك فيقول قد أخذت فيسكت المشتري ولا يقول وأنا قد سلمت، فيؤجله الإمام بالثمن بطلب واحدهما لذلك فلا يأتي به إلى الأجل، فهذا إن طلب المشتري أن يباع له في الثمن مال الشفيع كان ذلك له، وإن أراد أن يأخذ شقصه كان له ذلك، وإن أراد الشفيع أن يرد الشقص على المشتري أو يتمسك به حتى يباع ماله في ثمنه لم يكن له في ذلك خيار، وهذا الوجه في المدونة هو قول المؤلف فإن سكت فله نقضه. الثالث: أن يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك، فيقول قد أخذت مع معرفة الثمن فيمتنع المشتري من التسليم، قال عبد الباقي: أخذه جبرا إن عجل الثمن وإلا أبطل الحاكم شفعته حيث أراد المشتري وهذا الوجه مفهوم سلم وسكت. انتهى. قال الرهوني: هذا الوجه لم يذكره ابن رشد ولا غيره ممن وقفنا عليه سوى علي الأجهوري، وتبعه الزرقاني، وظاهر كلامهما أو صريحه أن الحاكم يبطل شفعته في الحين من غير ضرب أجل وهو غير صحيح قطعا؛ لأنه إذا كان يؤجله في قوله آخذ فكيف في قوله: أخذت؟ والحق أن حكم هذه الصورة حكم السكوت. فتأمله. والله أعلم. انتهى باقتصار. وهذه الأوجه التي ذكرت هي في قول الشفيع أخذت بصيغة الماضي.
وأشار إلى مفهوم قوله: أخذت بقوله: وإن قال أنا آخذ أجل ثلاثا للنقد يعني أن الشفيع إذا طولب بالأخذ أو الترك، فقال أنا آخذ بصيغة المضارع أو اسم الفاعل فهما سواء، وكذا لو أسقط لفظ أنا وطلب التأجيل ليدفع الثمن وسلم له المشتري فإنه يؤجل ثلاثة أيام لأجل الإتيان بالنقد
стр. 6985
أي بالثمن للمشتري، فإن أتى به فلا كلام وإلا أي وإن لم يأت بعد مضي ثلاثة أيام سقطت شفعته، وبقي الشقص لشتريه، فإن لم يسلم المشتري لم يؤجل الشفيع ثلاثا، وكذا لو سكت فليست كالأولى لأن ما حصل من الشفيع ظاهر في الوعد حتى في صيغة اسم الفاعل لاحتمال إطلاقه على ما سيحصل منه أخذ. قاله عبد الباقي. قوله: "وإن قال أنا آخذ" لخ هذا الذي مر عليه المص هو الذي استظهره ابن رشد، قال الرهوني: قال محمد بن رشد: إن قال الشفيع أنا آخذ ولم يقل أخذت، فيؤجله الإمام في إحضار الثمن فلا يأتي به إلى الأجل، قيل يرجع الشقص إلى المشتري إلا أن يتفقا جميعا على إمضائه للشفيع وابتاعه بالثمن، وقيل إن أراد المشتري أن يلزم الشفيع الأخذ كان له ذلك ويباع ما له في الثمن، وإن أراد الشفيع أن يرد الشقص لم يكن له ذلك وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وقول أشهب، والقول الأول بين. وبالله التوفيق. انتهى. وإن اتحدت الصفقة وتعددت الحصص والبائع لم تبعض يعني أنه إذا باع رجال حصصا لهم من عقار لرجل واحد في صفقة أي في عقد واحد والشفيع واحد، فإن الشفعة لا تبعض أي ليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة في بعض الحصص ويترك في بعض، بل يقال له: إما أن تأخذ الحصص كلها أو تتركها كلها، مثال ذلك أن يكون لثلاثة مع رابع شركة هذا يشاركه في دار وهذا يشاركه في حانوت وهذا يشاركه في بستان، فباع الثلاثة أنصباءهم في صفقة واحدة من رجل فقام الشريك وأراد أن يشفع في بعضِ المبيعِ دون بعض، فليس له ذلك لأنه يبعض على المشتري صفقته فليس له إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع إلا أن يرضى المشتري بالتبعيض، قوله: "إن اتحدت الصفقة"، قال الخرشي: أي العقد بأن كان واحدا والثمن واحد وإلا لم تكن الصفقة واحدة. انتهى. قوله: "وإن اتحدت الصفقة" أي واتحد الشفيع والمشتري، وقوله: "والبائع" أي وانتقد البائع، قال الخرشي: وأولى إن اتحد، وقال عبد الباقي: ومفهوما (١) تعدد الحصص والبائع أحروي، فالدار في عدم التبعيض على اتحاد الصفقة فإن تعددت جاز التبعيض. انتهى. وقوله: "وإن اتحدت الصفقة" لخ انظر مع ما مر من قوله: "كعبدي رجلين بكذا". انظر المواق.
стр. 6986
كتعدد المشتري تشبيه في عدم التبعيض؛ يعني أنه إذا تعدد المشتري والمسألة بحالها من اتحاد الصفقة بأن وقع الشراء لجماعة في صفقة واحدة وتميز لكل مشتر ما يخصه تعدد البائع أو اتحد فيلس للشفيع الأخذ من بعض دون بعض، بل إما أخذ من الجميع أو ترك الجميع وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. ومقابله بالتبعيض لأشهب وسحنون واختاره اللخمي والتونسي. وقال ابن رشد وابن شأس: إنه الأصح، وكذا ابن يونس نقل تصحيحه عن بعض الفقهاء، ومع هذا فالذي عليه المص هو الأصح عنده، ولهذا قال: على الأصح، قال عبد الباقي: وشبه في عدم التبعيض عاطفا على كتعدد المشتري لإفادة أنه لا يجري فيه قوله على الأصح.
قال: وكأن أسقط بعضهم يعني أنه إذا أسقط بعض الشفعاء شفعته وأراد من بقي أن يشفع، فإنه يقال له: إما أن تأخذ الحصص كلها أو تتركها كلها، وليس له أخذ نصيبه فقط جبرا على المشتري، أو غاب يعني أنه إذا كان بعض الشفعاء غائبا وبعضهم حاضر وأراد الحاضر أن يأخذ حصته فقط بالشفعة ويترك الباقي فليس له ذلك جبرا على المشتري، وإنما له أن يأخذ الحصص كلها أو يتركها كلها، وإن قال الشفيع: أنا آخذ حصتي فإذا قدم أصحابي فإن أخذوا شفعتهم وإلا أخذت لم يكن له ذلك إما أن يأخذ الجميع أو يدع، فإن سلم فلا أخذ له مع أصحابه إن قدموا، ولهم أن يأخذوا الجميع أو يدعوا، فإن سلموا إلا واحدًا قيل له خذ الجميع وإلا دع، ولو أخذ الحاضر الجميع ثم قدموا فلهم أن يدخلوا معه كلهم إن أحبوا أو الصغير إذا لم يكن له من يأخذ بالشفعة كالغائب وبلوغه كقدوم الغائب. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: وكان أسقط بعضهم أي بعض الشفعاء حقه من الشفعة قبل أن يأخذ الباقون بشفعتهم، فليس للباقي أخذ نصيبه فقط جبرا على المشتري، بل إما أخذ الجميع أو تركه، وقولي: قبل أن يأخذ الباقون احترازٌ عما لو أخذ جميعهم بها ثم أسقط بعضهم للمشتري حصته وقبلها فليس له إلزامها لأحد الشفعاء؛ لأن قبوله لحصة المسقط رضي منه بتبعيض الصفقة، وبقي ما لو أخذ بعضهم ما يخصه منه مع حضور الباقين ثم امتنعوا من أخذ ما يخصهم، فهل للمشتري إلزام الأخذ أم لا؟ انتهى.
وقال الرهوني عند قوله: "وكأن أسقط بعضهم أو غاب": ما ذكره المص منصوص عليه في المدونة وغيرها، وفي العتبية: انظر إذا كان الشفعاء حضورا فقام أحدهم، هل يكون للمشتري حجة في أن
стр. 6987
يقول: أنا لا أعطيك نصيبك إذ يأبى البعض فتتبعض عليَّ صفقتهم ولا الجميع إذ قد يقوم علي الباقون ويقولون أعطيت حقوقنا ويرجعون علي أو يقول له القائم إنما يرجعون علي لا عليك إذ لا حق لهم عندك فابحث على النص فيه. انتهى. قلت: قد بحثت على ذلك غاية فلم أقف على نص صريح في ذلك، لكن ظاهر كلامهم أن من طلب أخذ الجميع ممن حضر يمكن منه إذ لا ضرر في ذلك على المشتري. والله أعلم. انتهى. قال عبد الباقي: ولا ينافي ما ذكره المص هنا قوله: "وهي على الأنصباء" إما لأنها بآخرة الأمر على الأنصباء، وإما لأن ما مر يخص بما إذا حضر جميع الشركاء بدليل ما هنا: فإن قلت: يرد على قوله وكأن أسقط بعضهم ما في الحطاب عن المدونة من أن لبعض المتعدد أخذ بعض الصفقة الواحدة مع اتحاد المشتري، قال أبو الحسن: ظاهره ولو كان ما يأخذه الشفيع جل الصفقة ولا كلام للمشتري، فليس كالاستحقاق يجاب بأن محل عدم التبعيض في تعدد الشفيع حيث كانت الشفعة في كل شقص مشتركة بين شريكين أو أكثر. انتهى.
أو أراده المشتري الضمير البارز للتبعيض يعني أن المشتري إذا قال: خذ بعض الحصص واترك بعضها وأراد التبعيض وحده وامتنع الشفيع، فإن المشتري لا يجاب إلى ذلك، كما أنه إذا أراد الشغيع التبعيض وامتنع المشتري لا يجاب الشفيع إلى ذلك، فالحاصل أنه إذا أراد الشفيع والمشتري التبعيض عمل به وإلا فالقول قول من دعا لعدمه. قاله في المدونة. انظر الخرشي.
ولمن حضر حصته يعني أنه إذا أخذ بعض الشفعاء جميع ما فيه الشفعة ثم حضر الآخر بعد ذلك، فإن كان غائبا وقدم فإن لمن حضر أخذ حصته من الشقص المأخوذ مقسوما على نصيبه ونصيب من أخذ قبله، ولا ينظر لنصيب من بقي غائبا، فإن حضر ثالث أخذ منهما على تقدير أن الشفعة للثلاثة ويقطع النظر عن غائب رابع وهكذا. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: ولو أخذ الحاضر الجميع ثم قدموا فلهم أن يدخلوا كلهم معه إن أحبوا، فيأخذ بقدر ما كان لهم من شفعتهم، فقوله: "ولمن حضر حصته" أي على تقدير أن لو كان حاضرا مع الذي أخذ الجميع لأخذ حصته على تقدير حضور الجميع، فإذا كانت دار بين أربعة لواحد النصف ولآخر الربع ولآخر ثمن ولآخر ثمن أيضا باع صاحب النصف مع حضور صاحب الثمن فأخذ الجميع ثم قدم
стр. 6988
صاحب الربع، فإن النصف المأخوذ يقسم بينه وبين الذي قبله على الثلث والثلثين، لصاحب الربع ثلثاه ولصاحب الثمن ثلثه، فإذا قدم الشريك الآخر أخذ من صاحب الربع الثلثين ومن صاحب الثمن ربع ثلثه.
وفي الحطاب عن المنتقى ما نصه: وإن كان أشراكه غيبا لم يكن للشفيع الآن أن يأخذ حصته دون حصة أشراكه الغيب حتى يقدموا، وليأخذ الآن الكل أو يترك، فإن ترك فلا حق له مع أصحابه إذا قدموا وأخذوا بالشفعة، فإذا قدم واحد ممن غاب قيل له خذ الجميع أو اترك الجميع، فمن قدم دخل معه في الشفعة إن أراد ذلك على قدر حصصهما كما لو لم يكن شريك غيرهما. قاله ابن القاسم. في المدونة. وقاله أشهب في غيرها. انتهى.
وهل العهدة عليه أو على المشتري أو على المشتري فقط يعني أنه إذا غاب الشفعاء إلا واحدا فأخذ جميع الشفعة ثم جاء أحد الغيب فأخذ من ذلك الواحد الذي كان حاضرا حصته على ما مر، فإن الشيوخ اختلفوا فيمن تكون عليه العهدة أي فيمن يكتب القادم عهدته عليه عند ظهور غيب أو استحقاق، فقيل: إنه مخير فيمن يرجع عليه عند الاستحقاق أو العيب إن شاء رجع على الشفيع الذي أخذ الجميع أو لا وأخذ منه هو حصته حين قدم، وإن شاء كتب عهدته على المشتري الأول وهذا قول أشهب وإليه أشار بقوله: "وهل العهدة عليه أو على المشتري" فأو للتخيير؛ وقيل يكتب عهدته على المشتري فقط لا على الشفيع المأخوذ منه وهو قول ابن القاسم، ثم إن جاء ثالث فقال ابن رشد: هو مخير إن شاء كتب عهدته على المشتري وإن شاء على الشفيع الأول، وإن شاء عليه وعلى الثاني. قاله البناني.
واختلف الشيوخ في قول أشهب، فمنهم من قال إنه تفسير لقول ابن القاسم فما في المدونة من قول ابن القاسم موافق لقول أشهب، فمعنى قوله: إن العهدة على المشتري إن شاء وإن شاء جعلها على الشفيع، وهذا تأويل ابن رشد وحمل عبد الحق ذلك على الخلاف، فقال: إن العهدة إنما هي على المشتري فقط لا على الشفيع المأخوذ منه، والحاصل أن المدونة تؤولت على أنهما متفقان، وتؤولت على أنهما مختلفان. والله تعالى أعلم وأحكم.
كغيره تشبيه في التأويل الثاني؛ يعني أن غير من لم يكن غائبا من الشركاء إنما تكون عهدته على المشتري فقط، قال عبد الباقي: كغيره أي غير من لم يكن غائبا وهو الحاضر ابتداء، فإنه
стр. 6989
يكتب عهدته على المشتري. انتهى. قال الرهوني: صوابه أن يقول فإن عهدته على المشتري؛ لأن الكتب ليس بشرط. انتهى.
تنبيه: قال الرهوني: قال ابن عرفة بعد أن ذكر أن العهدة على المشتري ما نصه: وقول ابن عبد السلام عن سحنون إن للشفيع أن يكتب عهدته على من شاء من بائع أو مشتر لا أعرفه. انتهى. ونقله ابن غازي، وقال عقبه ما نصه: فلم يقف على قول ابن زرقون: حكى أبو إسحاق عن سحنون أن له أن يكتب عهدته على من شاء من بائع أو مشتر. انتهى.
ولو أقاله البائع يعني أن الشفعة لا تسقط بإقالة بائع الشقص للمشتري فتثبت الشفعة للشفيع وعهدته على المشتري، فالإقالة باطلة، وقوله: "ولوأقاله" مرتب على قوله: "كغيره" وهو مذهب المدونة، وأشار "بلو" لرد قول مالك أيضا: إنه مخير في كتبها على البائع أو على المشتري. إلا أنه يسلم قبلها يعني أنه إذا سلم الشفيع الشفعة للمشتري أي ترك الأخذ بها ووقع ذلك التسليم قبل الإقالة ثم تقايلا بعد ذلك التسليم فإن الشفعة ثابتة للشفيع وعهدته على البائع لأن هذا بيع حدث، فلا يكون إسقاطه (١) لها قبل التقايل مسقطا لشفعته بعده، قال عبد الباقي: إلا أن يسلم الشفيع أي يترك الشفعة للمشتري قبلها أي الإقالة، وبطل حقه منها ما دام الشقص مع المشتري، فإذا تقايل مع البائع الأول ثبت للشفيع الاستشفاع حينئذ بناء على أن الإقالة بيع ولا يكون إسقاطه للمشتري قبل ذلك مسقطا لأخذه بها عند بيع المشتري لغيره أو تقايله مع البائع ويكتب عهدته عليه. قوله: "ولو أقاله البائع" هذا إذا وقعت الإقالة على الثمن الأول، فإن وقعت بزيادة أو نقص ولم يحصل من الشفيع تسليم للمشتري فإنه يأخذ بأي البيعتين شاء اتفاقات لأن الإقالة بزيادة أو نقص بيع قطعا.
وقوله: تأويلان فيما قبل "كغيره" لا لقوله: "ولو أقالَ"، وفي كلام الشارح نظر. قاله عبد الباقي. قوله: وفي كلام الشارح نظر، قال البناني: عند قوله "ولو أقاله" ما نصه: هذا مذهب المدونة، وأشار بلو لرد قول مالك أيضا إنه مخير في كتبها على البائع أو على المشتري، وجعلهما الشارح والبساطي تأويلين، فيكون قول المص تأويلان راجعا له أيضا ولم يرتض ذلك ابن غازي قائلا لا
стр. 6990
يخفى على من مارس اصطلاحه في هذا المختصر أن هذا التشبيه راجع للتأويل الثاني فقط، وأن قوله بعد ذلك: "تأويلان" راجع لأول الكلام. انتهى. وقول الزرقاني: وفي كلام الشارح نظر إشارة إلى ما ذكرناه عن ابن غازي. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: قال ابن القاسم: من وكل على قبض شفعتة فأقر الوكيل بأن موكله سلم الشفعة فهو شاهد يحلف معه المشتري وتبطل شفعته، ولو كان مع إقرار الوكيل شاهد آخر وكانا عدلين بطلت الشفعة إلا أن يكون المشهود عليه غائبا غيبة بعيدة يتهم وكيله على عدم مال للغائب، ثم تبين أن له مالا فلا تبطل الشفعة. انتهى.
الثاني: قال عبد الباقي: تقدم أن الإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة والمرابحة، وانظر ما حكمة كون الإقالة في هذه ليست ببيع؟ ولعله لأنها في الطعام رخصة، وأما المرابحة فلأنها لو جعلت بيعا لكان فيها شبهة تدليس على المشتري، وأما الشفعة فلأن الإقالة فيها حينئذ باطلة لاتهامهما على قطع الشفعة بها. انتهى. بتغيير قليل. وهو قولي: تدليس على المشتري، فإن الذي في شرحه تدليس على البائع. والله تعالى أعلم. قوله: "ولو أقاله المشتري" قال الشارح: التولية والشركة كالإقالة. انتهى.
وقدم مشاركة في السهم الضمير في مشاركة لبائع الشقص؛ يعني أنه إذا باع أحد الأشراك في العقار حصته واختلفت أسباب الشركة بحيث يكون بعضها أخص من بعض، فإنه يقدم في الأخذ بالشفعة المشارك للبائع الأخص وذلك هو المشارك للبائع في السهم، والحاصل أنه يقدم المشارك الأخص على المشارك الأعم، فإذا مات إنسان وترك زوجتين وعاصبا فباعت إحدى الزوجتين حظها من الدار الموروثة فإنه تقدم الزوجة التي لم تبع في الأخذ بالشفعة على العاصب، فلا يأخذ إلا بعد تسليمها لأنها أخص منه لمشاركتها للتي باعت في السهم، وكذا من ترك جدتين وعاصبا أو أختين وعاصبا وكذا من ترك زوجتين وجدتين وعاصبا، فتبيع إحدى الزوجتين حظها فالزوجة الأخرى أحق بالشفعة من العاصب والجدتين، وكذا لو باعت إحدى الجدتين فالأخرى أحق بالأخذ من الزوجتين والعاصب وما أشبه ذلك، قوله: "وقدم مشاركة في السهم". المراد بالسهم الحظ فرضا أو غيره، فيشمل مالا فرض فيها وإنما أهلها العصبة كالوراثة السفلى، قال
стр. 6991
في التوضيح: لو حصلت شركة بوراثة عن وراثة لكان أهل الوراثة السفلى أولى. نص عليه في المدونة فيما إذا ورث ثلاثة بنين دارا ثم مات أحدهم عن أولاد، فإنه إذا باع أحد أولاد الولد كان إخوته أولى ثم الأعمام. انتهى.
وإن كأخت لأب أخذت سدسا يعني أنه يقدم المشارك للبائع في السهم في الأخذ بالشفعة، وإن كان المشارك أختا لأب أخذت سدسا معها أخت شقيقة أو بنت ابن أخذت سدسا مع بنت الصلب فإنهما يأخذان السدس تكملة للثلثين، فبنت الصلب إذا باعت فالتي للأب أولى بالأخذ من غيرها من الورثة، وكذا لو باعت التي للأب. قوله: "وإن كأخت لأب" يعتي سواء تعددت التي للأب أو اتحدت وسواء تعددت بنت الابن أو اتحدت، قال في المدونة: ولو مات وترك أختا شقيقة وأختين لأب فأخذت الشقيقة النصف والأختان للأب السدس تكملة الثلثين فباعت إحدى الأختين للأب فإن الشفعة بين الأخت التي للأب وبين الشقيقة؛ إذ هما أهل سهم واحد ولا دخول لبقية الورثة معهما، وعن أشهب أن التي للأب أولى. اللخمي: وهذا أحسن. انتهى. قوله: "وقدم مشاركة في السهم" هو المشهور، وروي أنه لا فرق بين الشريك الأخص والأعم فيشتركون في ذلك. ابن عبد السلام: وهو ظاهر ما قاله ابن القصار وظاهر ما في الموازية وحكاه ابن القصار عن مالك. قاله الشارح. قال عبد الباقي: وبالغ على التي للأب لضعف نصيبها ولم يبالغ على الشقيقة لأنها الأصل، فلا يتوهم فيها عدم المدخول.
ودخل الأخص على غيره يعني أن الشريك الأخص يدخل في الشفعة على الشريك الأعم، فقوله: "غيره" أي غير الأخص وغير الأخص هو الأعم، كميت عن ثلاث بنات ماتت إحداهن عن بنات وباعت إحدى أخوات الميتة، فإن أولاد الميتة يدخلون على خالاتهم إذ الطبقة السفلى أخص والعليا أعم، وإنما دخل في هذه الأخص على غيره لتنزله منزلة موروثه، وإذا باع أحد من أولاد الميتة لم تدخل في حصته واحدة من الخالات، لقوله: "وقدم مشاركة في السهم" وإنما كانت أصحاب الوراثة السفلى أخص لأنهن أقرب للميت الثاني، قوله: "ودخل الأخص على غيره". علم مما قررت أنه عام بحيث يشمل دخول أهل الوراثة السفلى على العليا، ودخول ذي السهم
стр. 6992
على غيره من الورثة ذوي فروض أو عصبة، ودخول الورثة على الوصى لهم ودخول الجميع على الأجانب، ويكون ما بعده مثالا له. والله أعلم.
تنبيه: علم مما قررت من التعميم أنه كما يدخل الأخص من ذوي السهام على الأعم منهم، كذلك يدخل الأخص من العصبة على الأعم منهم كميت عن ثلاثة بنين مات أحدهم عن اثنين فباع أحدهما اختص أخوه بنصيبه ولا يدخل عماه معه، فإن باع أحد العمين دخلا مع عمهما.
كذي سهم على وارث هو مثال لدخول الأخص على الأعم كما مر؛ يعني أن الوارث بالسهم يدخل على الوارث بالتعصيب؛ لأن الوارث بالسهم أخص منه، كميت عن ابنتين وعمين باع أحد العمين نصيبه فهو للجميع بقدر حصصهم ولا يختص به العم، وكذا من يرث بوراثة سفلى يدخل على صاحب الوراثة العليا بما ذكر كما مر التمثيل له قريبا في التنبيه بلصق هذا الكلام.
ووارث على موصى لهم عطف على ما قبله، فهو من أمثلة دخول الأخص على الأعم يعني أنه إذا أوصى لجماعة بثلث عقار فباع أحدهم لأجنبي فحصته بين أصحابه وبين الورثة كلهم، ولو باع أحد الورثة فإنه يقدم الورثة على الوصى لهم ولا يدخلون؛ لأن الوصى لهم مع الورثهَ كالأجانب مع الورثة، وقيل: إن بقية الوصى لهم أحق من الورثة. قاله أشهب. وابن عبد السارم. وسلم ابن المواز دخول ذوي السهام على العصبة، ومنع دخولهم على الموصى لهم، ورأى أن الجزء الذي أوصى به الميت كالجزء الذي يجب لذوي السهام بالميراث. قاله الرهوني.
ثم الوارث عطف على "مشارك" من قوله: "مشاركة في السهم" يعني أن الوارث بالفرض أو بالتعصيب يقدم في الأخذ بالشفعة على الشريك الأجنبي، ثم الأجنبي يعني أنه إذا أسقط الوارث حقه في الشفعة فإن الأجنبي يأخذ بها، وكذا لو لم يكن وارث فإن الشريك له الأخذ بالشفعة وهذا واضح متعارف، وإنما نبهت عليه لتتميم المسألة. والله أعلم.
تنبيهات: الأول: تبين مما تقدم أن المراتب أربع: ذوو الفروض والعصبة والموصى لهم والأجانب، وأن كلا منهم يدخل على من بعده دون العكس، وقد نصوا على أن وارث كل يتنزل
стр. 6993
منزلته، وكذا المشتري من كل منهم يتنزل منزلة البائع، ونظم ذلك العلامة سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي فقال:
قدم شريك بائع في السهم ثم … في الإرث ثم من له أوصي أم
فشرك موروث وأدخل كُلًّا … منهم على من بعده قد حلا
ووارث ومشتر في النقل … كلاهما فيما له كالأصل
وما ذكره في المشتري نقله بعضهم عن المفيد وفي التوضيح ما يفيده.
الثاني: هذا الذي نقله بعضهم عن المفيد، وفي التوضيح ما يفيده قال الرهوني: هو كذلك فيه، ونقله عن أحكام ابن بطال عن سماع ابن القاسم، ونقله المتيطي أيضا عن سماع ابن القاسم وزاد أن بعض الشيوخ قال: لا يعلم فيه خلافا، قلت: المسألة في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب الشفعة، ونصه: وسئل مالك عن أربعة إخوة باع أحدهم نصيبه من دار لهم فسلم إخوته للمشتري ما اشتراه أتراه شفيعا معهم إذا باع آخر منهم؟ قال: نعم، قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا أعلم فيه خلافا؛ لأن المبتاع يحل محل بائعه، ونحوه للشيخ أبي محمد وسلمه ابن عرفة ونصه: الشيخ: روى محمد: من أوصيَ له بثلث دار فهو شفيع مع الورثة فيما باع بعضهم. محمد: (١) ثم قال محمد فإن أوصى أحد ولد الميت بحظه لرجل ثم باع واحد من بقية الولد، فإن من أوصى له الولد يدخل في ذلك مع بقية الإخوة ولم يختلفوا في هذا وليس كالذي أوصى له أبوهم الذي ورثوا الدار عنه؛ لأنه كمبتاع من أحد البنين فيحل محل بائعه. انتهى.
الثالث: قال عبد الباقي عند قوله "وقدم مشاركة في السهم" ما نصه: كدار بين أجنبيين مات أحدهما وترك ورثة فباع أحد الورثة نصيبه لم يدخل الأجنبي في الأخذ بالشفعة، فإن كانت
стр. 6994
الورثة أولادًا أو اثنين قدما على الأجنبي حيث كان نصيبهما ينقسم عليهما إذ لا شفعة فيما لا ينقسم على المذهب، فالزوجات التي لهن الثمن مع ابن إذا باعت واحدة منهن، فإن كان نصيبهن ينقسم عليهن قسمة شرعية فالشفعة لبقية الزوجات، فإن كان لا ينقسم عليهن كانت الشفعة للعاصب حيث كان نصيبه ينقسم قسمة شرعية على الثمن، وإلا لم يكن له شفعة. انتهى. وقوله: "كدار بين أجنبيين" لخ قال البناني: هذا المثال لا يصلح هنا إنما موضعه قوله: "ثم الوارث ثم الأجنبي" فعليه أن يؤخره إليه، وقوله: حيث كان نصيبهما ينقسم عليهما لخ، قال البناني: هذا القيد جار على ما تقدم له أنه المعتمد من تخصيص الشفعة بما ينقسم، لكن اعتباره في السهم الواحد بحيث إذا لم ينقسم على أهله انتقلت الشفعة للعاصب إن انقسمت الدار بالنسبة إليه كما ذكره فيه نظر، ولم أر من قاله وإنما الشرط المتقدم على القول به معتبر في الربع بكماله والقسمة إنما تعتبر على أقل الأنصباء فإن قبلها الربع كانت فيه الشفعة وقدم فيها الأخص على غيره وإن لم يقبلها فلا شفعة فيه أصلا هذا ظاهر كلامهم والله أعلم انتهى قول البناني فيه نظر ولم أر من قاله لخ. قال الرهوني: فيه نظر ظاهر، فإن ما قاله الزرقاني مصرح به في كلام الأئمة، قال اللخمي ما نصه: وقال مالك في رجل هلك وخلف ثلاثة بنين ثم مات أحدهم عن ثلاثة من الأولاد: فإن باع أحد الأعمام نصيبه كانت الشفعة لأخيه ولأولاد أخيه، وإن باع أحد من الإخوة كانت الشفعة لبقية الإخوة لا للأعمام، وقال أبو الحسن بن القصار: اختلفت الرواية عن مالك فقال: الأخ أولى بما باعه أخوه من العم، وقال كل من له ملك في ذلك الشيء فله حقه من الشفعة فيما يبيعه أحد من الشركاء، قال: وهو القياس، وسوى بين الشركاء والورثة في ذلك ولا تخلو الدار من ثلاثة أقسام: إما أن تنقسم أتساعا أوأثلاثا أو لا تنقسم بحال، فإن كانت تنقسم أتساعا كان الجواب على ما قاله ابن القاسم عنه؛ لأنه إذا صار إلى بني الابن سهم قسموه أثلاثا كدار قائمة بنفسها فبعضهم أحق برفع الضرر ممن لا يصير له في ذلك الثلث شركة، وإن كانت لا تنقسم بحال أثلاثا كانت الشفعة لجميع من ما له (١) فيها شركة بوراثة أو غيرها؛ لأن الأصل فيما
стр. 6995
جعلت له الشفعة فيما لا ينقسم خوف أن يدعو المشتري إلى البيع فتخرج الدار من أملاكهم، ومضرة خروج الملك من العقار أضر من مضرة المقاسمة، وإن كانت الدار تنقسم أثلاثا خاصة فباع أحد الأعمام كانت الشفعة لجميعهم؛ لأن بني الإخوة شركتهم مع أعمامهم فيما ينقسم وإن باع أحد الإخوة كان فيها قولان، فعلى أحد قولي مالك أن الشفعة فيما لا ينقسم يتشافعون فيما بينهم دون أعمامهم، وعلى قوله: لا شفعة فيما لا ينقسم تكون الشفعة للأعمام دون بني الإخوة لأن الأعمام يقولون نحن نشفع فيما يحمل القسمة ولا شفعة لأحدكم لأن نصيبكم لا يحمل القسم. انتهى. ونقله ابن ناجي في شرح المدونة وسلمه، واختصره ابن عرفة بقوله: فإن كانت الدار تنقسم أتساعا فالجواب على ما روَاه ابن القاسم، وإن لم تقسم أولا أثلاثا فالشريك بإرث أو شراء سواء، وإن انقسمت أثلاثا لا أتساعا فباع أحد الأعمام فالشفعة لجميعهم، فإن باع أحد الإخوة لخ، وقال اللخمي أيضا: ولو كانت دار بين ثلاثة لأحدهم النصف ولاثنين النصف والدار تنقسم نصفين ولا تنقسم أرباعا فإن باع صاحب النصف استشفع الاثنان وإن باع أحد الاثنين كانت الشفعة على أحد قولي مالك لصاحب الربع، وعلى القول الآخر لصاحب النصف دونه. انتهى. وفي التوضيح بعد أن ذكر أن الشفعة لدفع الضرر: وهل هو ضرر الشركة أو القسمة؟ قولان ما نصه: والأول أظهر على وجوب الشفعة فيما ينقسم من حيث الجملة إلا أنه لا يمكن فيه القسمة لكثرة الشركاء. انتهى. فانظر قول البناني هذا ظاهر كلامهم مع هذه المنصوص القاطعة الشاهدة للزرقاني والله الموفق. انتهى.
الرابع: قال الرهوني عند قوله: "ثم الوارث ثم الأجنبي" بعد أن ذكر أن المشتري يتنزل منزلة البائع ما نصه: مثل هذه المسألة ما إذا باع بعض أهل السهم الواحد حظه منه فسلم الشركاء للمشتري ما اشتراه، وأما إذا اشترى السهم كله جماعة فقال ابن رشد: واختلف لو كان المبتاعون للسهم الواحد جماعة فباع أحدهم حظه، فقال ابن القاسم: لا يكون شريكه أحق بالشفعة من أشراك البائع، وقال أشهب: أشراكه أحق بالشفعة من أشراك البائع لأنهم كاهل سهم واحد. وبالله التوفيق. وذكر الخلاف أيضا في رسم الأقضية من سماع يحيى وكلامه فيه يدل على أن قول
стр. 6996
ابن القاسم هو الجاري على المشهور، وقد نقل ابن عرفة ما في سماع يحيى وسلمه. والله أعلم. انتهى.
الخامس: قال الرهوني: يشمل المشتري عامل المغارسة، فإذا باع أحد الإخوة مثلا حظه من أرض لأجنبي بالمغارسة فتم عمله فباع أحد الإخوة نصيبه فالعامل كأحدهم، وأما إذا باع قبل تمام العمل فقال ابن غازي في تكميله عند قول المدونة لا يأخذ الوصي للحمل بالشفعة حتى يولد ويستهل إذ لا ميراث حتى يولد ويستهل ما نصه: منه أخذ شيخ الجماعة أبو مهدي عيسى بن علال أن العامل في المغارسة إذا باع صاحب الأرض حصته قبل أن يبلغ الغرس، أنه لا يأخذ الآن بالشفعة حتى يبلغ الغرس فبلوغ الغرس كوضع الحمل. انتهى.
الرهوني: المتبادر من كلامه أنه لا شريك لصاحب الأرض إلا العامل ومثله في المعنى إذا كان له شريك، والظاهر أن الشريك يأخذ جميع الحظ المبيع بالشفعة، ثم إن تم العمل دخل معه العامل فأخذ بقدر ماله منها، وإن عجز بقي الجميع بيد آخذه أولا. والله تعالى أعلم. وأما عكس هذا وهو أن يبيع العامل، فإن كان البيع بعد تمام العمل فلا إشكال في وجوب الشفعة لرب الأرض إن كان وحده أو له ولشركائه إن كان له شركاء كمسألة الإخوة المارة. وإن كان بيعه قبل تمام العمل فعلى القول بأنه لا يجوز له البيع لا شفعة لعدم صحة البيع، وعلى القول بصحة البيع تقع الشفعة. انتهى.
وأخذ بأي بيع شاء يعني أن البيع إذا تكرر في الشقص فإن الشفيع يأخذ بأي بيع شاء وعهدته وهي ضمان الشقص المبيع من العيب، والاستحقاق على من أخذ بشرائه من المشتريين كما قال: وعهدته عليه قال عبد الباقي: "وعهدته" أي درك ثمنه عند عيب المأخوذ أو استحقاقه عليه أي يكتبها على من أخذ بشرائه إن لم يعلم الشفيع بشراء من يأخذ بشرائه، فإن كان حاضرا عالما وسكت حتى باع المشتري لآخر فلا يأخذ شفعته بشرائه؛ لأن بيعه لغيره مع علمه وعدم رده له يسقط أخذه الشفعة بشرائه فقط لا مطلقا، بل له الأخذ بعا بعده وكذا إن كثرت البياعات مع علمه فالأخذ بالآخر فقط، كذا قيد اللخمي إطلاق المدونة كالص. وجزم بالتقييد المذكور الحطاب. ثم إن كان الشقص بيد من أخذ بشرائه أخذه منه، وإن كان بيد من بعده أخذه وسلم له ثمنه إن
стр. 6997
ساوى ثمن من أخذ بشرائه، فإن نقص دفع له ثمنه فقط وسلم الزائد لمن أخذ بشرائه وإن زاد لم تلزمه الزيادة ويرجع بها على بائعه. انظر المواق.
وفي كلام الشارح والتتائي نظر، ويستثنى من قوله: "وعهدته عليه" مسألتان: الأولى إذا اشترى عامل القراض بمال القراض شقصا هو (١) شفيعه، والثانية إذا اشترى شقصا ورب المال شفيعه فإن الشفعة فيهما على البائع كما لابن رشد، وذكره التتائي على الرسالة لا على المشتري؛ لأن المشتري في الأولى عين الشفيع وفي الثانية عامل الشفيع ونائب عنه في الشراء، ولا يقال في الأولى شراء العامل بمال القراض له مسقط لشفعته كالمقاسمة؛ لأنا نقول بمنع ذلك وسنده ما مر من قوله: "وشفع لنفسه أو ليتيم آخر"، وأيضا شفعته لا تتقرر إلا بعد شرائه لمال القراض؛ إذ قبل الشراء لا يقال فيما يريد شراءه شفعة. انتهى. قوله: وهو شفيعه بأن يكون العقار مشتركا بين العامل وأجنبي، وقوله ورب المال شفيعه بأن يكون مشتركا بين رب القراض وأجنبي، وقوله وأيضا. لخ أي أنه لم تتقرر له شفعة حتى تسقط. قاله مقيده.
وقال الحطاب: وأخذ بأي بيع شاء هذا إذا كان غير عالم أو غائبا، وأما إن كان حاضرا عالما فإنه تسقط شفعته من البيع الأول وكانت له الشفعة في البيع الثاني، وكذلك إن بيعت بياعات وهو حاضر سقطت شفعته إلا من آخر بيع، وإن كان غير عالم كان بالخيار يأخذ بأيهما شاء. انتهى. وعهدته على من أخذ منه، قال في المدونة: وعهدة الشفيع على المبتاع خاصة وإليه يدفع الثمن كان بائعه قد قبض الثمن أو لا، ولو (٢) باع المبتاع على أن ينقد الثمن ولم يقبض الدار نظر الإمام في ذلك والبائع له منع الشقص حتى يقبض الثمن، فإن شاء الشفيع أن ينقده فذلك (٣) ويقبض الشقص وعهدته على المبتاع لأنه أدى عنه. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: من ابتاع شقصا ثم باعه فتداولته الأملاك فللشفيع أخذه بأي صفقة شاء وينقض ما بعدها، وإن شاء أخذه بالبيع الأخير وتثبت البيوع كلها.
стр. 6998
أشهب: إن تبايعه ثلاثة فأخذها من الأول كتب عهدته عليه ودفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به؛ لأنه يقول لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعت ويدفع فضلا إن كان للأول، وإن فضل للثالث شيءٌ مما اشتراه به رجع على الثاني، وليس للثالث حبسة حتى يدفع إليه بقية ثمنه ثم يرجع الثاني على الأول بتمام ما اشترى به الشقص منه، وإن أخذها من الثاني فعهدته عليه ويثبت بيع الأول ويدفع إلى الثالث من ثمن الشقص ما اشتراه به؛ لأنه يقول لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعت فيدفع فضلا إن كان للثاني وإن فضل للثالث مما اشترى به الشقص شيء رجع به على الثاني، ولا تراجع بين الأول والثاني لتمام بيعهما وإن أخذها من الثالث كانت عهدته عليه وتم ما قبل ذلك من بيع. انتهى.
وإذا تعددت البياعات وقلنا إنه يأخذ بأيها شاء، فإذا أخذ بواحد منها نقض ما بعده أي ما بعد المأخوذ به من البياعات، وتم ما قبله إن كان قبله بيع، ومعنى نقضه تراجع الأثمان، وقوله: "ونقض ما بعده" فإن أخذ بالأول نقض الجميع وبالوسط صح ما قبله ونقض ما بعده، وإن أخذ بالأخير ثبتت البيوع كلها، وقوله: "ونقض ما بعده" هذا بخلاف الاستحقاق إذا تداولت المستحق الأملاك فإن المستحق إذا أجاز بيعا صح ما بعده ونقض ما قبله، والفرق أن المستحق مالك للشيء بالأصالة فإن أجاز تصرف واحد صح ما بعده لأنه مرتب عليه ونقض ما قبله، وأما الشفيع الذي يأخذ بأي بيع شاء فإذا أخذ بواحد نقض ما بعده لأنه غير مجيز له وفسخ ما قبله لإجازته بإجازة الذي أخذ به. قاله بعض الشراح. وهو أظهر من فرق البساطي الذي في التتائي، فإنه يشبه الفرق بالصورة، وأما ما في أحمد فإخبار بالحكم لا فرق. قاله عبد الباقي وغيره.
وله غلته يعني أن غلة الشقص المشترى للمشتري إلى قيام الشفيع بالأخذ بالشفعة لأنه في ضمانه قبل الأخذ بالشفعة و [الخراج بالضمان]، وظاهره ولو علم أن له شفيعا وأنه يأخذ بالشفعة لأنه مجوز لعدم أخذه فهو ذو شبهة، قال المواق من المدونة قال مالك: من اشترى شقصا من أرض فزرعها فللشفيع أخذها بالشفعة ولا كراء له والزرع للزارع، ومن ابتاع نخلا لا تمر فيها فاغتلها سنين فلا شيء للشفيع من الغلة. انتهى. والضمير في "له" للمشتري للشقص، وفي "غلته" للشقص.
стр. 6999
وفي فسخ عقد كرائه تردد يعني أن المشتري للشقص إذا أكراه ثم قام الشفيع يطلبه، فإن الشيوخ اختلفوا هل للشفيع أن يفسخ عقد الكراء فيأخذه الآن أو ليس له ذلك؟ أفتى ابن عات وغيره بالفسخ، وأفتى ابن مغيث وغيره بعدم الفسخ، قال عبد الباقي: وفي جواز فسخ عقد كرائه وجيبة أو مشاهرة ونقد بناء على أن الأخذ بالشفعة استحقاق، وظاهره ولو لم يعلم عند إكرائه أن له شفيعا وعدم جواز فسخه بل يتحتم إمضاؤه بناء على أن الأخذ بها بيع وهو المذهب، وكان ما بقي من مدة الكراء لا يزيد على القدر الذي يجوز تأخيرها إليه ابتداء بالأولى من قوله في الإجارة عاطفا على ما يجوز: "وبيع دار لتقبض بعد عام تردد" فإن زاد عن عام أو كان الكراء مشاهرة ولم ينقد اتفق على الفسخ، قال الخطاب: ثم على القول الثاني في المص تكون الأجرة ولو بعد الأخذ بالشفعة للمشتري. انتهى.
وانظر قوله ولو بعد الأخذ مع قول المص وله غلته الموافق لما مر من أن الغلة لذي الشبهة للحكم إلا أن يجاب بأن هذا أقوى من ذي الشبهة لتجويزه عدم أخذ الشفيع، وبأنه لما كان عقد الكراء قبل الحكم كان ما نشأ عنه كأنه حصل قبل الحكم. انتهى. قوله: وكان ما بقي من مدة الكراء لا يزيد لخ هذا القيد غير صحيح يدل لذلك ما حكاه ابن سهل، ونصه: على نقل القلشاني وابن عرفة إن أكرى الشقص مشتريه ثم قام الشفيع، نزلت بطليطلة وأكراه المشتري لعشرة أعوام فأفتى ابن مغيث وابن رَفَعَ رأسَه وغيرهما بأنه ليس له فسخ الكراء إنما له الأخذ بالشفعة إن شاء كعيب حدث بالشقص، قال الشارقي: وكتبنا بها إلى قرطبة فأفتى فيها ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أن له الأخذ بالشفعة إن شاء إلا في المدة اليسيرة كالشهر، هذا إن علم المبتاع أن له شفيعا وإلا فلا يفسخ إلا في الوجيبة الطويلة، وأما في ما يتقارب كالسنة ونحوها فذلك نافذ لأنه فعل ما كان جائزا له، قال ابن سهل: هذا منه رجوع عما حكاه الشارقي عنه. انتهى باختصار. فانظر قوله: وأكراه لعشرة أعوام فإنه صريح في بطلان القيد المذكور. والله الموفق. قاله البناني.
وقال الخرشي: ومحل التردد إذا كان الكراء وجيبة أو مشاهرة وحصل النقد فيها وإلا فسخ من غير تردد. انتهى.
стр. 7000
ولا يضمن نقصه فاعل يضمن يعود على المشتري، والضمير في "نقصه" يرجع للشقص المبيع يعني أن المشتري لا يضمن للشفيع نقص الشقص، قال المواق من المدونة مع غيرها: لا يضمن المبتاع للشفيع ما حدث عنده في الشقص من هدم أو حرق أو غرق أو ما غار من عين أو بير ولا يحط عن الشفيع لذلك شيء، إما أخذ وإما ترك. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يضمن المشتري نقصه بصاد مهملة الحاصل بغير صنعة كتغير سوق أو بدن، وكذا بصنعة كهدم لصلحة من غير بناء بدليل ما بعده علم بالشفيع أم لا، فإن هدم عبثا ضمن علم أن له شفيعا أم لا؛ لأن الخطأ كالعمد في أموال الناس، ولا يقال هو لم يفعل إلا في ملكه لأنا نقول: لا أخذ الشفيع بشفعته علم بأخرة الأمر أنه ليس ملكه. انتهى.
فإن هدم وبنى فله قيمته قائما يعني أن المشتري إذا هدم ثم بنى وأراد الشفيع الأخذ بشفعته فإنه يكون للمشتري قيمة البناء قائما مع جميع الثمن، وللشفيع النقض الذي كان مبنيا وهدمه المشتري حيث بقي، وإن فات بأي مفوت أسقط عن الشفيع مقابله من الثمن بأن يقال ما قيمة العرصة بلا بناء، فإن قيل خمسة قيل وما قيمة النقض بضم النون وكسرها أي البناء المنقوض، فإذا قيل خمسة حط عن الشفيع نصف الثمن فيأخذ بنصف الثمن وقيمة البناء قائما. والحاصل أنه يأخذ الشقص ببنائه بعد أن يدفع للمشتري ما بقي من الثمن بعد إسقاط قيمة النقض منه مع قيمة البناء قائما؛ أي يدفع الشفيع للمشتري شيئين قيمة البناء قائما وبقية الثمن بعد إسقاط قيمة النقض منه حيث فات بأي مفوت، قال في المدونة: ولو هدم المشتري ثم بنى قيل للشفيع خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر فيها، قال أشهب: يوم القيام وله قيمة النقض الأول منقوضا يوم الشراء، يحسب كم قيمة العرصة بلا بناء وكم قيمة النقض مهدوما، ثم يقسم الثمن على ذلك فإن وقع منه النقض نصفه أو ثلثه فهو الذي يحتسب به الشفيع على المشتري ويحط عنه من الثمن ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائما. انتهى. نقله غير واحد.
قال المواق: قال ابن المواز: وهو قول مالك وأصحابه، قال مالك: فإن لم يفعل فلا شفعة له. انتهى. هذا حيث فات النقض ولو بقي أخذه ودفع جميع الثمن وقيمة البناء قائما. وقال عبد الباقي: فإن هدم وبنى فله قيمته أي البناء قائما يوم الأخذ بالشفعة لعدم تعديه وللشفيع النقض
стр. 7001
الذي كان مبنيا وهدمه المشتري ولم يعده في بنائه فيأخذه، ويدفع جميع الثمن الذي وقع به الشراء مع قيمة البناء قائما، فإن أعاده في بنائه أو باعه أو أهلكه سقط عن الشفيع ما قابل قيمته من الثمن فيغرم قيمة البناء قائما مع ما قابل قيمة الأرض من الثمن، فيسقط عنه ما قابل النقض من الثمن إن باعه أو أهلكه، وينبغي اعتبار قيمة النقض يوم دخوله في ضمان المشتري. انتهى.
البناني: قوله وينبغي اعتبار قيمة النقض لخ قصورٌ إذ هو قول المدونة يوم الشراء. انتهى. وقال الشبراخيتي: والحاصل أن النقض إن كان موجودا فإن الشفيع يأخذه ويدفع جميع الثمن الذي وقع به الشراء مع قيمة البناء قائما، وإن فوته المشتري بإعادته في الحائط أو بغير ذلك فإنه يسقط عن الشفيع ما قابل قيمته من الثمن، فيغرم قيمة البناء قائما مع ما قابل قيمة الأرض من الثمن ويسقط ما قابل قيمة النقض. انتهى. واعلم أنه سأل سائل محمد كيف يتصور الأخذ مع دفع قيمة البناء قائما لأن الشفيع إن علم بهدم المشتري وبنائه حين فعلهما فلا شفعة له وإلا فقيمته منقوضا لتعديه كذا قالوا. قاله غير واحد. قوله: وإلا فقيمته منقوضا لخ، قال الرهوني: هذا هو الصواب خلاف قول ابن ناجي في شرح المدونة، وظاهر الكتاب سواء كان المشتري عالما بالشفيع أم لا وهو كذلك، وقيل إن كان عالما فله قيمته منقوضا. انتهى.
وقال أيضا بعد هذا عند قولها: ولو غرسها المبتاع شجرا أو نخلا، فإما ودى الشفيع ذلك قائما مع ثمن الأرض وإلا فلا شفعة له. انتهى. ما نصه: قال أبو إبراهيم ليس في الأمهات قائما، قلت: وظاهر التهذيب سواء كان المشتري عالما بالشفيع أم لا وهو كذلك في مختصر الوقار، وبه أفتى بعض شيوخنا، وقيل معناه ما لم يعلم به فإذا علم فإنما يعطى قيمة البناء منقوضا لأنه متعد. قاله ابن زرب. قال المقري: وحمله الشيوخ على التفسير قلت وبه أفتى شيخنا أبو مهدي غير ما مرة، وأفتى مرة بالأول. انتهى. وكلاهما معا يعني ابن ناجي وأبا الحسن يوهم أن ابن زرب قال ذلك ولم ينقله عن غيره وليس كذلك، ففي نوازل الشفعة من المعيار ما نصه: وسئل ابن زرب عمن اشترى شقصا له شفيع فبنى ثم قيم عليه بالشفعة هل يأخذ قيمة بنائه قائما أو منقوضا؟ فأجاب العتبي: قيمة البناء منقوضا لأنه متعد إذا علم أن له شفيعا، وبنى قبل أن يعلم أياخذ بالشفعة أم لا؟ وفي كتاب الوقار: قيمته قائما، قال ابن زرب: وقول العتبي أصح وأحب
стр. 7002
إلي. انتهى. وفي المنتقى: وأما من اشترى شقصا من أرض فبنى فيها ثم قام الشفيع فإن العمارة تقوم مطروحة نقضا، فإن شاء الشفيع أخذ ذلك بقيمته منقوضا وإلا أمره بقلعه. قاله مالك في المجموعة. ووجه ذلك أنه متعد بالبنيان. انتهى. وهو وحده كاف فيما قلناه من أن ما للزرقاني هو الصواب؛ لأنه نقله عن مالك نصا وساقه كأنه المذهب ولم يحك خلافه.
وانظر كيف خفي كلامه هذا على غير واحد من الحفاظ، انتهى. وأجاب المص تبعا للأشياخ عن الاستشكال المذكور بخمسة أجوبة، فقال: إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله يعني أن الشريك إذا غاب وله وكيل وحدث ما يوجب للشريك الغائب الشفعة فلم يأخذ له الوكيل بالشفعة بل قاسم المشتري، فهدم المشتري ثم بنى فقدم الشريك الغائب وهو الشفيع فلم يرض ما فعله الوكيل من عدم الأخذ له بالشفعة، فله أن يشفع بعد أن يدفع الثمن على ما مر، وقيمة البناء الذي أحدثه المشتري قائما لأنه لم يتعد في هدمه وبنائه، وتحت هذا الكلام جوابان: الأول أن يكون أحد الشريكين غائبا ووكل في مقاسمة شريكه فباع شريكه نصيبه ثم قاسم الوكيل المشتري ولم يأخذ بالشفعة فهدم المشتري وبنى فقدم الشفيع ولم يرض بذلك، فإنه يدفع قيمة بنائه قائما ويدفع الثمن على ما مر.
الثاني: أن يكون الشفيع غائبا وله وكيل حاضر على التصرف في أمواله فباع الشريك ولم ير الوكيل الأخذ بالشفعة وقاسم المبتاع فهدم وبنى فللمشتري قيمة البناء قائما مع الثمن على ما مر إن أراد الشفيع الأخذ وأنت خبير بأن هذا في الوكيل غير المفوض، وأما المفوض فمقاسمته تبطل الشفعة. قال أبو الحسن: أخذ الوكيل المفوض للشفعة وتركه لها لازم بخلاف المخصوص. انتهى. وأشار إلى الجواب الثالث بقوله: أو قاض يعني أنه إذا غاب الشريك في العقار فباع شريكه الآخر نصيبه فرفع المشتري الأمر إلى القاضي ليقاسمه فقاسم القاضي عن الغائب فهدم المشتري ما نابه في المقاسمة، ثم بنى فقدم الشريك الغائب فأراد الأخذ بالشفعة فإنه يدفع للمشتري قيمة بنائه قائما ويدفع الثمن على ما مر عنه يعني عن الغائب وهو متعلق بقاسم.
تنبيه: قال عبد الباقي: أو قاسم قاض مالكي عنه على أنه شريك غائب لا على أنه وجبت له الشفعة؛ إذ لو علم ذلك لم يجز له أن يقسم عليه؛ إذ لو جاز لَمَا تقرر عليه شفعة إذا قدم، وَلَمَا
стр. 7003
تقرر لغائب شفعة لقدرة المشتري على إبطالها بالحكم. قاله ابن عرفة. فإن كان القاضي غير مالكي يرى أن القسمة تسقط الشفعة سقطت. انتهى. قوله: إذ لو علم ذلك لم يجز له أن يقسم عليه لخ ما نسبه لابن عرفة هو كذلك فيه، ومن جملة ما احتج به قوله: إذ لو جاز قسمه عليه إلى آخر ما في الزرقاني عنه ولكن فيه نظر؛ لأنا إن قلنا بمنع القسم فإما أن نقول إن الحاكم يأخذ بالشفعة للغائب ولا قائل به، وإما أن نقول لا يأخذ له ويمنع المشتري من التصرف حتى يقدم الغائب وقد لا يقدم أبدا، أو يقدم بعد مدة طويلة وفي ذلك من الضرر به ما لا يخفى، مع أن ظاهر نصوص المتقدمين والمتأخرين أن المشتري لا يمنع من التصرف فيما اشتراه إذا كان الشفيع غائبا غيبة بعيدة، وقد أطلق أهل المذهب القول بأن القاضي يجيب شريك الغائب البعيد الغيبة إلى ما طلبه من القسم ولم يقيدوا ذلك بشيء، بل ظاهر كلامهم أنه يجيبه لذلك كان شريكا له بالإرث أو بغيره كالشراء، سواء كان الشراء قبل غيبته أو بعدها وهو ظاهر المدونة وغيرها في هذه المسألة بخصوصها أيضا، ففيها ما نصه: ومن ابتاع شقصا من دار له فيها شفيع غائب يقاسم شريكه ثم جاء الشفيع فله نقض القسم وأخذه؛ إذ لو باعه المشتري بعد القسم كان للشفيع رد بيعه. انتهى.
قال أبو الحسن عقبه ما نصه: وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب: وإنه ليأخذ بالقلب ليس له رد القسم لأنه قاسم من يجوز قسمة. الشيخ: يدل على أن القسم وقع بحاكم، وظاهر الكتاب وقع القسم بحكم أو بغير حكم، قال عبد الحق: وإنما قال ينقض لأنه قاسم بغير حكم، وأما إذا رجع إلى الحاكم فالقسم مضى ويأخذ الشفيع ما يقع له في القسم. انتهى. وفي طرر ابن عات: المشاور: إذا قسم القاضي ويقدم الشفيع الغائب فله نقض القسم والأخذ بالشفعة عند مالك وابن القاسم وسحنون يقول القسمة نافذة، ويأخذ الشفيع النصيب الذي صار للمشتري بالشفعة. من الاستغناء. ونحوه لابن سلمون، وذكر اللخمي قول ابن القاسم الذي قدمناه عن المدونة، وقال عقبه ما نصه: وقال في كتاب محمد مثل ذلك وإن كانت المقاسمة من السلطان، وقال سحنون: لا ترد المقاسمة وللشفيع أن يأخذ ما صار للمشتري بالمقاسمة. انتهى. ابن يونس: وإنما كان له نقض القسم على قول ابن القاسم لأنها شفعة وجبت له قبل القسم، وانظر كيف
стр. 7004
جعل له سحنون الشفعة مع ثبوت القسم فهو مشكل؟ إلا أن يقال قسم لا ينقض لأنه بحكم فلا ينقض حكم الحاكم وكانت له الشفعة لأن حقه تعلق بذلك الشقص قبل القسمة. انتهى. وتأمل ذلك كله مع الإنصاف يظهر لك ما في كلام ابن عرفة ﵀. قاله الرهوني. وقد علمت أن الأقوال ثلاثة ظاهر المدونة وتفريق أشهب وقول سحنون، وعلى ما لعبد الحق ترجع إلى قول واحد ولا يخفى أنها ثلاثة. والله تعالى أعلم.
وأشار إلى الجواب الرابع بقوله: أو أسقط لكذب في الثمن يعني أنه إذا أسقط الشفيع شفعته لإخبار من أخبره بكثرة الثمن، فلما هدم المشتري وبنى تبين الكذب في الثمن فإنه يستمر على شفعته ويدفع للمشتري قيمة البناء قائما، وينبغي أن يكون الكذب في المشترى بالفتح والكسر أو انفراده كالكذب في الثمن، وقوله: "أو لكذب في الثمن" أي من غير المشتري، وأما منه فيدفع له قيمة بنائه منقوضا.
وأشار للخامس بقوله: أو استحق نصفها يعني أنه إذا اشترى دارا بتمامها فهدم وبنى ثم استحق نصفها وأخذ المستحق النصف الثاني بالشفعة، فإن الشفيع يدفع للمشتري قيمة البناء قائما. وحط ما حط لعيب يعني أن الشفيع يحط عنه من الثمن ما حط عن مشتري الشقص لأجل عيب ظهر في الشقص، فإذا اشترى زيد من عمرو شقصا من عقار مشترك بين عمرو ورجل آخر، فاطلع على عيب في الشقص فحط عمرو عن زيد ربع الثمن مثلا لأجل ذلك العيب، وأراد ذلك الرجل أن يأخذ بالشفعة من زيد فإنه يحط عنه ما حط عن زيد وهو ربع الثمن، أو لهبة أي وكذلك يحط عن الشفيع من الثمن ما حط عن المشتري إذا كان ما حط البائع عنه على وجه التبرع مما جرت به العادة بين الناس أن يحطوه، فقوله: إن حط عادة راجع لقوله: "أو لهبة"، ولذلك أعاد اللام فهو خاص به دون قوله: "لعيب" فإن ذلك يحط مطلقا، وقوله: "حط" في الموضعين مبني للمفعول.
أو أشبه الثمن بعده يعني أنه يحط عن الشفيع من الثمن ما حطه البائع عن المشتري من الثمن تبرعا ولم يكن يحط عادة، بشرط أن يكون ما بقي بعد الذي حطه يشبه أن يكون ثمنا للشقص المبيع، فلو لم يشبه الباقي أن يكون ثمنا له لم يحط من الثمن شيء، وقوله: "أشبه" عطف على
стр. 7005
قوله: "حط عادة" أي أو لم يحط عادة وأشبه فهو من مدخول إن، فهو خاص بقوله: "لهبة" كالذي قبله. والله تعالى أعلم. وأوفي قوله: "أو أشبه" لتنويع ما يحط عن المشتري لا لتنويع الخلاف ولا بمعنى الواو، خلاف ما لعبد الباقي فإنه غير صحيح. والله تعالى أعلم. وقوله: "بعده" أي بعد ما حط فالضمير عائد على الحط كما في الشبراخيتي. قوله: "وحط ما حط لعيب" لخ قال المواق: ابن شاس: لو وجد المشتري بالشقص عيبا بعد أخذه الشفيع لم يكن له طلب أرش، فإن رد الشفيع عليه رد هو حينئذ على البائع ولو اطلع على عيب قبل أخذ الشفيع إلا أنه حدث عنده عيب يمنع الرد فيأخذ أرشه، فذلك الأرش محطوط عن الشفيع قولا واحدا. انتهى.
ومن المدونة: من اشترى شقصا بألف درهم ثم وضع عنه البائع تسع مائة درهم بعد أخذ الشفيع أو قبل نظر، فإن أشبه أن يكون ثمن الشقص عند الناس مائة درهم إذا تغابنوا بينهم أو اشتروا بغير غبن وضع ذلك عن الشفيع؛ لأن ما ظهر من الثمن إنما كان سببا لقطع الشفعة، وإن لم يشبه أن يكون ثمنه مائة. ابن يونس: يريد أن يكون ثمنه مثل ثلاثمائة أو أربع مائة لم يحط عن الشفيع شيء وكانت الوضيعة هبة للمبتاع. ابن يونس: وقال في موضع آخر: إن حط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع وضع ذلك عن الشفيع، وإن كان لا يحط مثله فهي هبة ولا يحط عن الشفيع شيء. ابن يونس: وهذا والأول سواء. انتهى.
وعلم من المص أن الحطيطة على وجه التبرع على ثلاثة أقسام: وإن استحق الثمن أو رد بعيب بعدها رجع البائع بقيمة شقصه يعني أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة ثم استحق الثمن من يد البائع للشقص أو رد بعيب فإن البائع يرجع على المشتري بقيمة شقصه لا بقيمة المستحق أو المبيع، وهذا إذا كان الثمن المستحق أو المعيب معينا أي وقع العقد على عينه، ولو كان الثمن مثليا يعني أن البائع إنما يرجع على المشتري بقيمة الشقص ولا يرجع بقيمة الثمن ولا بمثله، ولو كان الثمن مثليا إلا النقد فمثله يعني أن محل رجوع البائع بقيمة شقصه إنما هو حيث لم يكن الثمن نقدًا مسكوكا بأن كان مقوما أو مثليا غير نقد مسكوك، وأما إن كان الثمن نقدا مسكوكا فإن البائع يرجع على المشتري بمثله ولا يرجع في قيمة شقصه. والحاصل أنه إذا استحق الثمن بعد الأخذ