← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

على الأسفل إلا أن يكون الوقوع بسببه، وذكر أن من ارتقى في بئر فجذبه رجل من أسفل فوقعا فماتا فعلى عاقلة الأسفل دية الأعلى. نقله في الميسر. فإن تعدد المباشر ففي الممالاة يقتل الجميع يعني أن مباشر المل إن كان أكثر من واحدة وهذا معنى قوله: "إن تعدد"، فإن كان أولئك المتعدرون تمالؤا على القتل أي اجتمعوا عليه وقصده جميعهم، فإنهم يقتلون أجمعون. قاله غير واحد. وقد مر أن المعتمد أنهم إن تمالؤا على الضرب يقتل الجميع إن مات ولو لم يتمالئوا على قتله. والله تعالى أعلم. وقوله: "المباشر" فرض مسألة إذ لا فرق في الممالاة بين أن تحصل مباشرة من الجميع وأن لا تحصل إلا من واحد، فإن قلت: قوله "ففي الممالاة يقتل الجميع" مكرر مع قوله: "والمتمالئون وإن بسوط سوط"؟ فالجواب أنه ذكره ليرتب عليه قوله: وإلا يتمالئوا بأن قصد كل واحد قتله بانفراد ولم يتفق مع غيره على ذلك، أو قصد كل واحد منهم ضربه لا قتله ولم يتفق مع غيره على ذلك وجرحه كل أو مات قدم الأقوى فعلا على غيره ويتعين للقتل وحده بقسامة ويقتص من غيره ممن جرح ويعاقب من لم يجرح، وهذا واضح أن تميزت الضربات كما قال المصنف: وأما إذا لم تتميز، فإن قتل مكانه قتلوا، وإن لم يقتل مكانه فقيه القسامة أي يقسم في العمد على واحد يعينوه ويقسموا (١) عليه. انتهى. قاله الخرشي. وقد علمت أنه فهم، من قوله: "قدم الأقوى" أن الأقوى فعلا معروف، فإن لم يعرف الأقوى فهو قولي: وأما إذا لم تتميز فإن قتل الخ. تنبيه: وقع لعبد الباقي والخرشي عند قوله: "وإلا" يكن تمالؤ بل قصد كل واحد قتله بانفراده أي قصد كل ضربه لا قتله، وجرحه كل ومات ولم يدر من أيها مات، قدم الأقوى فعلا، وزاد عبد الباقي: وهو من مات عن فعله أو أنفذ مقتله وإن لم يكن فعله أشد من فعل غيره، فيقدم على غيره فيقتل بقسامة إلى آخره. قوله: ولم يدر من أيها مات. قال البناني: الصواب إسقاطه لأنه ينافي موضوع المسألة من معرفة الأقوى وهو من مات من فعله أو أنفذ مقتلا. كما قرره به

стр. 8507

فتأمله. انتهى. قال عبد الباقي: وبموته في هذه المسألة علم عدم تكرارها مع قوله: "وإن تميزت جنايات بلا تمالؤ" الخ فيما إذا لم يمت. انتهى. ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام يعني أن القاتل والمقتول إذا كانا متساويين عند القتل - ومعنى تساويهما عند القتل أن يكونا كافرين من وقت القتل أو عبدين يدل عليه قوله: "بعتق أو إسلا" - فإن تلك المساواة إذا زالت بعد ذلك بعتق القاتل أو إسلامه، فإن القتل لا يسقط عنه بالانتقال إلى الحال الأعلى؛ لأنه حين القتل وجب عليه القصاص فلا يسقطه شيء، كما لا تسقط التوبة الحدود. قال عبد الباقي: ولا يسقط القتل أي ترتبه الكائن عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام، فإن قتل عبد عبدا مثله عمدا ثم عتق القاتل، أو قتل الكافر كافرا عمدا ثم أسلم اقتص من الحر ومن المسلم؛ لأن المانع إذا حصل بعد ترتب الحكم لا أقوله، وكذا لا يسقط الجرح، فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في العمد. قاله ابن حبيب. فالضمير في "زوالها" للمساواة وما تقدم، من قوله: ولا زائد حرية أو إسلام شرط في القصاص وما هنا بيان لعدم سقوطه بعد ترتبه، فما هنا مغاير لما مر وهو مفهوم قوله: "حين القتل" وكذا لا يثبت القتل بزوال الزيادة الكائنة عمْد القتل برق كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم فر القاتل لدار الحرب ثم أخذ واسترق فلا يقتل به، ومحل قتل الكافر القاتل إذا أسلم في مسألة المؤلف [إن] (١) كان للمقتول ولي، فإن لم يكن له ولي إلا المسلمون ندب العفو عنه وعدم قتله كما في المجموعة، وبه يلغز ويقال: شخص قتل من يقتل به وندب عدم قتله؟ قال الوالد: وانظر هذا أي قوله: لم يكن له ولي إلا المسلمون مع أن أمر المقتول الكافر إنما هو لأهل دينه يرثونه ويعقلون عنه، فينبغي أن يكون قصاصه أيضا لهم لا للإمام. انتهى. وقد يجاب بأنه لشرف الإسلام لم يرد الكافر لهم لئلا يتحاكموا في مسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يسقط القتل ومثله القطع: فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في القطع، وترك المصنف ذلك هنا للعلم به من قوله: "والجرح كالنفس". انتهى. وقوله: "عند" متعلق بمحذوف أي "ولا يسقط القتل"

стр. 8508

الكائن "عند المساواة"، "بزوالها" متعلق "بيسقط"، "وبعتق" متعلق "بزوالها" وقوله: "أو إسلام" عطف على "بعتق"، وقوله: "بعتق" حصل له بعد قتله عبدا مثله، وقوله: "أو إسلام" من كافر حصل منه بعد أن قتل كافرا مثله، إذ العبرة بالتكافؤ حال القتل. قاله الشبراخيتي. وقال: وكما لا يسقط القتل بما ذكر لا يثبت بزوال الزيادة الكائنة عند القتل بالرق، كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم مر القاتل بدار الحرب وأخذ واسترق فإنه لا يقتل به، ولو قتل كافر مثله وأسلم القاتل ولا ولي للمقتول فإنه يستحب العفو عن القاتل لحرمة الإسلام: ويلغز بها فيقال: شخص قتلى من يقتل به ولا يجب قتله، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون فإنه لا يجوز للإمام العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين؟ انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: إن أسلم النصراني بعد قتله نصرانيا قتل به، فإن لم يكن للقتيل ولي فالعفو عنه أحب إلي. ابن رشد: استحب العفو عنه لحرمة الإسلام، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون لا يجوز العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين، فهو كالوصي على الصغير لا يجوز عفوه مجانا ويجوز عفوه نظرا لليتيم. ابن يونس: قال مالك: إذا جرح النصراني والعبد المسلم ثم أسلم هذا وعتق هذا، وقال كل واحد منهما: دمي عند فلان، فإن كان للنصراني أولياء مسلمون وللعبد أولياء أحرار أقسموا مع قوله واستحقوا الدية في مال الجاني ولا قود فيه. انتهى. ويحسن إيراد هذا الفرع بعد قوله: وضمن وقت الإصابة والموت يعني أنه يعتبر في ضمان الدية وقيمة العبد وقت الإصابة في الجرح ووقت الموت في النفس، ولا يراعى وقت السبب فيهما عند ابن القاسم. وقال أشهب وسحنون: إنما يعتبر وقت السبب، ثم رجع سحنون لموافقة قول ابن القاسم، فلو رمى شخص عبدا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق، أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى أسلم، فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، وأما عند سحنون فيضمن عوض جرح عبد أو كافر، فقوله: "وضمن" الخ راجع لفهوم قوله: "عند المساواة بزوالها" الخ؛ أي وإن لم تكن هناك مساواة سقط القتل ووقت الضمان وقت الإصابة في الجرح لا وقت الرمي ووقت الضمان في النفس وقت الموت لا وقت الجرح.

стр. 8509

قال عبد الباقي: وإن زالت المساواة في خطإ أو عمد فيه دية ضمن وقت الإصابة في الجرح لا وقت السبب الذي هو الرمي، ووقت الموت في النفس لا وقت السبب الذي هو الجرح. هذا قول ابن القاسم، فمن رمى عبدا أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق العبد أو أسلم الكافر فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، لا عوض جرح عبد أو كافر كما يقوله أشهب، ولو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزي فمات فلا قود في النفس قطعا، وكذا لا قصاص في الجرح عند ابن القاسم، وقال أشهب: القصاص في الجرح ثابت. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وضمن وقت الإصابة والموت" ما نصه: قد تقدم أنه لا بد في القصاص من استمرار التكافؤ في الحالات الثلاث: حالة الرمي والإصابة والموت، ومتى فقد التكافؤ في واحد منها سقط القصاص، وبين هنا أنه إذا سقط القصاص لفقد التكافؤ بين السبب والمسبب يضمن الدية، وأن المعتبر في ضمانها وقت الإصابة في الجرح ووقت التلف في الموت، ولا يراعى فيه وقت السبب وهو الرمي على قول ابن القاسم، ورجع إليه سحنون خلافا لأشهب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "وضمن وقت الإصابة والموت": هذا في الخطإ والعمد الذي لا قصاص فيه، وما تقدم أول [الباب (١)] في العمد الذي فيه القصاص. انتهى. تنبيه: قد مر أن المعتبر وقت الإصابة في الجرح عند ابن القاسم ووقت الموت في النفس، واعتبر أشهب وقت الرمي في الجرح ووقت الجرح في النفس، ويعتبر أيضا وقت الرمي في النفس عند أشهب. قال المواق: لو رمى مسلم مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية فقتلته أو جرحته، فعليه في قول ابن القاسم - إن مات - الدية في ماله، وإن لم يمت فدية الجرح في ماله، وعلى قول أشهب: لا قصاص على الرامي في وقت لا قود فيه ولا عقل، ولو رمى عبد نفسه ثم أعتقه قبل إصابته، فعلى قول ابن القاسم: عليه الدية، وعلى قول غيره: لا شيء عليه، ولو رمى مسلم نصرانيا فأسلم قبل وصول الرمية فلا قصاص وفيه دية مسلم في قول ابن القاسم، وفي قول أشهب: ديته

стр. 8510

دية نصراني، ولو كان مجوسيا ثم تهود فعلى قول ابن القاسم: دية يهودي. وقاله عبد الملك، وقال أشهب: دية مجوسي. انتهى. ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس، شرع في الكلام على الجناية على الجرح، فقال: والجرح كالنفس في الفعل والفاعل والمفعول يعني أن الجرح بالضم وهو ما دون النفس حكمه حكم الجناية على النفس وأفاد بالتشبيه أنه لا يقتص من الكامل للناقص في الفعل أي في الجرح بالفتح وهو إيقاع الجرح بالضم بأن يقصد ضرب عداوة فنشأ عنه جرح، لا للعب أو أدب فلا قصاص فيه، والفاعل أي الجارح من كونه مكلفا غير حربي إلى آخر ما مر، والمفعول أي المجروح بأن يكون المحل الذي وقعت فيه الجناية معصوما للإصابة. قال الشبراخيتي: والجرح بالضم بدليل قولة: "كالنفس" لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه كالنفس في الفعل أي الجرح بالفتح، وتقدم في قوله: "إن قصد ضربا" أي على وجه العداوة، فما كان على جهة اللعب والأدب لا قصاص فيه: "والفاعل" وتقدم في قوله: "مكلف غير حربي" الخ "والمفعول" وتقدم في قوله: "معصوما للتلف والإصابة". انتهى. ونحوه لعبد الباقي، ففيه أن قوله: "والجرح" بالضم لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه؛ إذ الجرح بالفتح الفعل. انتهى المراد منه. وقال البناني: هذه العبارة - يعني عبارة المصنف: "والجرح كالنفس" الخ - في غاية الحسن والرشاقة، والمراد بالجرح ما دون النفس فيشمل القطع والكسر والفقء وإتلاف المعاني من السمع ونحوه وإن خالفته اللغة والاصطلاح. ابن عرفة: متعلق الجناية غير نفس إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح وإلا فإتلاف منفعة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس شرع في الجناية على ما دونها وهو: إبانة طرف وكسر وجرح وإذهاب ومنفعة، وعبر عنه المؤلف هنا بجرح ولعله لكونه الغالب، وأركانه ثلاثة كالنفس. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: والمعنى أن الجرح الذي فيه القصاص حكمه حكم النفس في الفعل والفاعل والمفعول، ومراده بالفعل الجرح يعني بالفتح، وبالفاعل الجارح، والمفعول المجروح، أي فيعتبر حال الرمي وحال الإصابة فلا بد من مراعاة جميع

стр. 8511

الأحوال، والجرح بالضم بدليل قوله: "في الفعل" لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن الجرح بالفتح الفعل. وقوله: "في الفعل" تقدم في قوله: "إن قصد ضربا"، والفاعل تقدم في قوله: "مكلف غير حربي" الخ، والمفعول تقدم في قوله: "معصوما للتلف والإصابة بإيمان أو أمان". انتهى. إلا ناقصا جَرَحَ كاملا هذا مستثنى من الفاعل، فكان الأولى تأخير قوله: "الفاعل" ليتصل به ما هو مستثنى منه والأمر سهل؛ يعني أن الناقص كالكافر أو العبد إذا جنى على طرف مسلم في الأول وحر في الثاني فإنه لا يقتص للمسلم من الكافر ولا للحر من العبد. قال عبد الباقي: واستثنى من الفاعل وكان الأولى تأخيره ليتصل به قوله: "إلا ناقصا" كعبد أو كافر "جرح كاملا" أي (١) جنى على طرف لحر أو مسلم فلا يقتص منه للكامل، لأنه كجناية اليد الشلاء على الصحيحة، وإن كان يقتص له منهما في النفس كما مر في قوله: "وقتل الأدنى بالأعلى" ويلزمه للكامل ما فيه إن كان شيء مقرر يتعلق برقبة العبد وذمة الحر الكافر، فإن لم يكن فيه شيء مقرر فحكومة إن برئ على شين وإلا فليس على الجاني إلا الأدب كما في أحمد. انتهى. قوله: فحكومة إن برئ على شين يعني وتكون في رقبة العبد كما بينه الحطاب، وقال الشبراخيتي: واستثنى من قوله "والفاعل" قوله: "إلا ناقصا" كعبد أو كافر "جرح كاملا" أي جنى على طرف لحر مسلم كقطع يده مثلا لم يقتص من العبد ولا من الكافر: فلو أخر الفاعل عن المفعول لمسلم من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، وإنما لم يقتص للكامل من الناقص في غير النفس لأن جرحه معه كاليد الشلاء مع الصحيحة. انتهى. وقال التتائي: "إلا ناقصا" كعبد أو كافر جرح كاملا جنى على طرف لحر مسلم، كقطع يد مثلا لم يقتص من العبد ولا من الكافر على ظاهر المذهب وهو المشهور عن مالك، وبه قال الفقهاء السبعة وعليه عمل أهل المدينة. وقال محمد بن عبد الحكم: المسلم بالخيار، إن شاء اقتص أو أخذ الدية وقيل بالقصاص. البساطي: قال بعضهم: وهو الصحيح. انتهى. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: النظر في القصاص في نوعين

стр. 8512

في النفس والطرف، فتكلم على النفس ثم قال: النوع الثاني في القصاص في الطرف وذلك شرط في القطع والقاطع والمقطوع كما دكرنا في شروط القتل والقاتل والمقتول، قال الأستاذ أبو بكر: وعَقْدُ الباب أن كل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس من الجانبين يجري في الأطراف، قال: فأما إذا كان أحدهما يقتص له من الآخر ولا يقتص منه الآخر في النفس، فقال مالك: لا يقتص في الأطراف وإن كان يقتص في النفس كالعبد يقتل الحر والكافر يقتل المسلم يقتلان، ولو قطع العبد أو الكافر الحر والمسلم لم يكن له أن يقتص منهما في الأطراف في ظاهر المذهب، ثم نقل عن ابن عرفة عن الباجي: مشهور مذهب مالك: لا قصاص وتلزم الدية. انتهى. وقال الخرشي عند قوله: "إلا ناقصا جرح كاملا": يعني أن العبد أو الكافر إذا قطع يد الحر المسلم فإنه لا قصاص على العبد ولا على الكافر، وإن كان يقتص له منهما في النفس هذا هو المشهور من المذهب وبه قال الفقهاء السبعة وعليه عمل أهل المدينة، وقال ابن عبد الحكم: المسلم مخير في القصاص أو الدية وقيل بالقصاص وصحح، والاستثناء مستثنى من الفاعل فلو أخره لكان أولى وإنما لم يقتص الكامل من الناقص في الطرف لأن جرحه معه كاليد الشلاء مع الصحيحة. انتهى. وقال الإمام الحطاب: يعني أن الناقص إذا جرح الكامل فإنه لا يقتص من الناقص الكامل، كما إذا جرح العبد الحر والكافر المسلم هذا هو المشهور في المذهب الذي اقتصر عليه صاحب الرسالة، وروى ابن القصار عن مالك وجوب القصاص، قال ابن الحاجب: وقيل إنه الصحيح، وروي: يجتهد السلطان، وروي أن المسلم مخير في القصاص والدية وعلى المشهور، فإن برئ المجروح على غير شين فلا شيء فيه غير الأدب إلا الجراح المقررة، وإن برئ على شين فهو في رقبة العبد يريد في غير الجراح المقررة فإن ديتها المقررة تكون في رقبته. وإن تميزت جنايات بلا تمالؤ فمن كل كفعله يعني أنه إذا جنى على شخص أكثر من واحد وتميزت جنايات كل عن جناية غيره ولم يكن ذلك عن تمالؤ ولم يمت المجني عليه، فإنه يقتص من كل بقدر جنايته. قال عبد الباقي: وإن تميزت جنايات ولم يمت بلا تمالؤ فمن كل يقتص كفعله أي بالمساحة ولا ينظر لتفاوت الأيدي بالغلظ والرقة، بل يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح يعني بقدر ما جرح عمقا وطولا وعرضا إذا عرف ذلك، وإن تميزت مع التمالؤ فكذلك إن

стр. 8513

تعدد المحل كقلع عين من رجل وأخرى من رجل آخر كما ذكر الأبياري أنه الصحيح، فإن اتحد المحل اقتص من الجميع كما في المدونة، وإن لم تتميز ولم يحصل تمالؤ فقال أحمد: انظر هل يقتص من كل واحد بقدر الجميع أو تكون عليهم الدية؟ انتهى. والفرض أنه لم يمت. انتهى كلام عبد الباقي. وقد جزم أبو علي بالثاني فإنه قال: ومفهوم تميزت أنها إذا لم تتميز مع عدم التمالؤ فإن القصاص ينتفي وهو كذلك أي لا يتأتى أن يقتص من كل كفعله بالضرورة، والحكم في هذه الصورة هو اشتراكهم في عقل الجنايات على حد سواء، بدليل قول النوادر: إذا افترقوا عنه وبه موضحة الخ، وكلام النوادر الذي أشار له هو إذا افترقوا عنه وبه موضحة لا يدرى من شجه أن العقل عليهم أجمعين. قال ابن القاسم: بعد يمينه أنه ما يعرف من شجه إلا أن يكونوا إنما اجتمعوا عليه للموضحة ولها أمسكوه وولي بعضهم شجه أو قطع يده فليقتص منهم بذلك الجرح. وقال البناني: قول الزرقاني: كقلع عين من رجل وأخرى من آخر الخ هذا لا يناسب ما هو فرض المسألة من تعدد الفاعل والمحل، وصوابه لو قال كقلع رجلين عيني رجل وهكذا في الأجهوري ونصه: قوله: "بلا تمالؤ" وكذا لو تميزت بتمالؤ كما ذكر الأبياري أنه الصحيح فيما إذا تمالأ رجلان على فقء عين رجل ففقأ كل واحد عينا أنه يفقأ من كل واحد مماثل ما فقأ، وقول المدونة: فيما إذا تمالأ جماعة على قطع يد شخص فإنه يقطع كل واحد لا يخالفه؛ إذ هو إذا وقع التمالؤ على قطع عضو واحد فتأمله. انتهى. وقول البناني: قول الزرقاني كقلع عين من رجل وأخرى من آخر قلع زيد عين عمرو اليمنى وقلع بكر عينه أي عين عمرو اليسرى، فقوله: من رجل متعلق بقلع تأمل. قاله مقيده عفا الله عنه. قال الرهوني: قول البناني: وهكذا في علي الأجهوري ونصه الخ مثله التاوري وكل منهما سلم ما قاله الأبياري، وقال شيخنا الجنوي: فيه نظر والجاري على القياس أن يقلع من كل واحد كلتا عينيه لأنهما مع التمالؤ؛ كأن كل واحد قلع عينيه. انتهى. قلت: وما قاله ﵁ واضح، وفي قول الأجهوري - فتأمله - إشارة إلى البحث فيه مع أنه لم يقتصر على ما نقلناه عنه، بل زاد بعده ما نصه: وذكر أحمد خلاف هذا وأنه يفعل مع كل مثل ما فعل الجميع حيث تمالؤا على ذلك، وإن لم يباشروا فعل كل محل.

стр. 8514

انتهى. ولا وجه لما قاله الأبياري فضلا عن أن يكون هو الصحيح. انتهى المراد منه. والله تعالى أعلم. وقال ابن عرقة: مقتضى المذهب أنه مهما ثبت تعاونهما على القطع، فلو حبسه أحدهما لمن وجب القطع يعلم أنه يقطعه قطعا وقد شبهها في المدونة باجتماعهما على القتل. انتهى. قاله الرهوني. وقال التتائي: وإن تميزت جنايات من اثنين فأكثر على واحد بلا تمالؤ منهم بأن يقطع أحدهم بعض اليد ويبينها الآخر، أو يضع أحدهم السكين من جانب ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر فلا قصاص على كل واحد منهما في جميع اليد، ولهذا قال: فمن كل كفعله ولا ينظر لتفاوت الأيدي في الغلظ والرقة بل يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح إذا عرف ذلك. ابن عبد السلام: لو قطع أحدهما نصف اليد وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول وقطع باقيها، فإن السكين توضع في قصاص الثاني في غير الوضع الذي ابتدأ هو به وتبعه المصنف. ابن عرفة: هذا لا ينفي التماثل لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف وكونه كان وسطا وصف طردي، وفي القصاص منه إنما ابتدأ القطع فيه من طرف. عبد الملك: لو قطعه مسلم ونصراني عمدا قطع المسلم ونصف العقل على النصراني مع الأدب، ولو قطع أربعة مسلمون أحدهم خطأ قطعت أيدي الثلاثة، وعلى المخطئ ربع ديتها في ماله. ثم شرع في بيان ما يقتص منه من الجراح، وما لا يقتص من الجراح، وبدأ بالأول فقال: واهزص من موضحة يعني أن من أوضح عظم إنسان يثبت له القصاص منه بشروطه، وعرف المصنف الموضحة بقوله: أوضحت عظم الرأس والجبهة والخدين يعني أن الموضحة هي التي أوضحت أي أظهرت وأبانت عظم الرأس بأن شقت جميع ما على العظم فظهر، وكذا لو أظهرت عظم الجبهة فإنها موضحة أيضا، وكذا لو أظهرت عظم الخدين فإنها موضحة، والمراد بالإظهار هنا الإفضاء أي وصلت إليه. واعلم أن القصاص ثابت في الموضحة، سواء كانت فيما ذكر أو في غيره من سائر الجسد. قال البناني: قال البساطي: إنما يظهر تعريف الموضحة بما ذكر باعتبار الدية، وأما باعتبار القصاص فلا فرق بين هذه وبين غيرها من موضحات الجسد، فمن حقه أن لا يذكر تفسيرها هنا إذ ليس شرطا في القصاص بل يقول أوضحت العظم، وإنما يحسن تفسيرها في

стр. 8515

الديات كما فعل هنالك. انتهى. وجوابه ما في الزرقاني من أن ما أوضح عظم غير ما ذكر هنا لا يسمى موضحة عند الفقهاء، فتفسير المصنف هنا إنما هو معناها في الاصطلاح وإن كان فيها القصاص مطلقا، ويدل له قول المدونة: حد الموضحة ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة وعظم الرأس محلها وحد ذلك منتهى الجمجمة وموضحة الخد كالجمجمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: واقتص من موضحة بكسر الضار وذكر مع حكمها موضعها اصطلاحا، وإلا فالموضحة في اللغة هي التي أوضحت العظم مطلقا، فقوله: وهي التي أوضحت أي أظهرت، فهو خبر لمبتدإ محذوف ليكون كالتعريف لها لا صفة لموضحة ليلا يوهم التخصيص أي أبدت وضحه أي بياضه، وأزالت الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم في كل ناحية منه سواء، وحد ذلك منتهى الجمجمة لا ما تحتها لأنه من العنق والجبهة وعظم الخدين، ومثل الخدين أحدهما ولا يعتبر أن توضح ماله بال. بل وإن كان ما أوضحته صغير القدر كإبرة أي قدر مغرز إبرة في موضع من الثلاثة المذكورة، قال التتائي: قال الشارح: الواو من والجبهة للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد أن كل موضع منها إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئا من عظمه سميت موضحة، ولذا عطف ابن شأس الجبهة بأولا بالواو، وليس الأنف واللحي الأسفل من الرأس لأنهما عظمان منفردان وليست المبالغة مختصة بالموضحة، بل كل جرح مسمى ثبت فيه اسمه بهذا القدر كان مما يقتص منه أولا. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم شرع في ذكر ما يقتص منه من الجراح وما لا يقتص منه، والجراح عشرة: اثنان في الرأس فقط: الآمة والدامغة ولا قصاص فيهما: وثمانية في الرأس والجسد وهي الموضحة وما قبلها وهو سبعة وفي الثمانية القصاص مطلقا إلا منقلة الرأس، فقال: "واقتص من موضحة" بكسر الضاد وذكر بعد حكمها وصفها اصطلاحا من باب تقديم الحكم على التصور اهتماما بالحكم، فقال: وهي ما أوضحت عظم الرأس وليس منه الأنف واللحي الأسفل بل هما عظمان منفردان، قال: وعظم الجبهة وعظم الخدين والواو فيهما بمعنى أو.

стр. 8516

ربما قررت علم أن قوله: "أوضحت" خبر مبتدأ مع موصول أي هي التي أوضحت الخ لا صفة لموضحة ليلا يتوهم التخصيص لتلك الأماكن الثلاثة، أو أن غيرها يسمى موضحة لكن لا يقتص منه وليس بمراد. انتهى. قوله: وهي سبعة صوابه أن يزيد بعده ما نصه: والثامنة المنقلة، ثم يقول: وفي الثمانية الخ. قاله البناني. والله تعالى أعلم. وما ذكره المصنف في تفسير الموضحة يقتضي أنها لا تكون في غير ما ذكر وهو مذهب الجمهور، لكن قوله: إن كن برأس أو لحي أعلى يفيد أنها تكون في الجسد أيضا، وكذا قوله: وجراح الجسد وإن منقلة لكنه خلاف قول المواق قال مالك: [الأمر] (١) المجمع عليه عندنا أن المنقلة لا تكون إلا في الرأس وكذا المأمومة والموضحة. قاله الشبراخيتي. وسابقها أي سابق الموضحة؛ يعني أن ما يوجد من الجراح قبل الموضحة يقتص منه، وهو ستة: ثلاثة متعلقة بالجلد وثلاثة متعلقة باللحم، فالمتعلقة بالجلد بينها بقوله: من دامية يعني أنه يقتص مما قبل الموضحة، ومنه الدامية وهي التي تضعف الجلد فيرشح منه الدم من غير أن ينشق الجلد لحصول رقة الجلد بالجناية من غير قطع فيه، ويقال لها دامعة بالعين أيضا لأن دمها يقطر كدمع العين. قاله الشبراخيتي وغيره. وحارصة يعني أن من جملة الجراح التي قبل الموضحة فيقتص منها الحارصة بحاء مهملة فألف فراء مهملة فصاد مهملة فهاء تأنيث، وهي التي شقت الجلد كله وأفضت للحم. قال عبد الباقي. وقال التتائي: وهي التي شقت الجلد أي فرقت أجزاءه سواء وصلت نهايته أولا. انتهى. قال الشبراخيتي: وفيه بحث لأنها إذا لم تصل نهايته لم تشق الجلد وإنما شقت بعضه. انتهى. وقال المواق: قال عياض: أولها الحارصة وهي ما حرص الجلد أي شقه، وتسمى الدامية لأنها تدمى والدامعة لأن الدم يدمع منها، وقيل الدامية أولى لأنها تخدش فتدمى ولا تشق الجلد، ثم الحارصة لأنها شقت الجلد. انتهى.

стр. 8517

وسمحاق يعني أن من جملة الجراح التي قبل الموضحة فيقتص منها السمحاق، والسمحاق هي التي كشتطه أي الجلد أي أزالته عن محله، ويقال لتلك الجلدة: السمحاق وكل جلدة رقيقة سمحاق، وبين الثلاثة المتعلقة باللحم بقوله: وباضعة يعني أنه يقتص من الباضعة وهي من جملة ما قبل الموضحة، والباضعة هي التي شقت اللحم. والباضعة اسم فاعل من بضع أي بضعت اللحم أي قطعته، ومتلاحمة يعني أنه يقتص من المتلاحمة وهي من جملة ما قبل الموضحة، والمتلاحمة هي التي غاصت أي دخلت فيه أي في اللحم بتعدد أي في عدة مواضع فأخذت يمينا وشمالا ولم تقرب من العظم. قاله عبد الباقي وغيره. فإن انتفى التعدد فهي [الباضعة] (١). قاله الشبراخيتي. وأصل الغوص النزول تحت الماء. وملطاة يعني أنه يقتص من الملطاة بكسر الميم وهي من جملة ما قبل الموضحة، والملطاة هي التي أزالت اللحم وقربت للعظم بحيث يبقى بين انتهائها والعظم ستر رقيق، وفي التحرير لابن بشير أن المتلاحمة هي التي وصلت لجلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وعلى ما لابن بشير فهي مرادفة للملطاة. قاله البناني. وقوله: "وملطاة" قال التتائي: بهاء في آخرها وبإسقاطها بكسر الميم وبالمد والقصر. انتهى. ولبعض الشافعية رحمهم الله تعالى: إذا رمت إحصاء الشجاج فهاكها … مفسرة أسماؤها متواليه فحارصة إن شقت الجلد ثم ما … أسال دما وهي المسماة داميه وباضعة ما تقْطع اللحم والتي … لها الغوص فيه للذي مر تاليه وتلك لها وصف التلاحم ثابت … وما بعدها السمحاق فافهمه واعيه وقل ذاك ما أفضى إلى الجلدة التي … تكون وراء اللحم للعظم غاشيه وموضحة ما أوضع العظم باديا … وهاشمة بالكسر للعظم باعيه ومن بعدها ما تنقل العظم واسمها … منقلة ثم التي هي آتيه فمأمومة أمت من الرأس أمه … وقد بقيت أخرى بها العشر وافيه

стр. 8518

بدامغة تسمى لخرق جُليدة … هي الأم كيس للدماغ وحاويه ولبعض المالكية رحمهم الله تعالى: وللجراح عند أهل المعرفه … أسماء شتى بينوها بالصفه أولها حارصة بحاء … مهملة كالصاد بالسواء وهي التي حرصت الجلد فما … شقته حتى قطرت منه الدما كذا اسمها دامية ودامعه … وقيل لا بل تسبقان الباضعه وأن الأولى الدامعة وتلوها، إلى آخر النظم. وفي الكافي أن أولها: الحارصة وهي ما تشق الجلد شقا خفيفا بلا دم: ثم الدامية وهي في ظهر دمها ولم يقطر، ثم الدامعة إن قطر كالدمع، ثم باضعة بضعت اللحم ولم تبلغ السمحاق وهي جلدة رقيقة تستر العظم، ثم السمحاق إن بلغتها وتسمى الملطاة. انتهى. نقله اليسر. كضربة السوط يعني أن ضربة السوط يقتص منها، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: في ضربة السوط القود بخلاف اللطمة فلا قود. فيها. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن ضربة السوط يقتص منها، وأما اللطمة فلا قصاص فيها. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: "كضربة السوط" فإن فيها القصاص بخلاف اللطمة ومثلها ضربة العصا، قال الشارح: ويعسر الفرق بين اللطمة وضربة السوط، ومحل كون اللطمة والعصا لا قصاص فيهما حيث لم ينشأ عنهما ما فيه القود كجرح. انتهى. وقال عبد الباقي: كضربة السوط فيها القصاص بخلاف اللطمة لأنه لا انضباط لها، ولأنه لا ينشأ عنها جرح غالبا بخلاف السوط والضرب بالعصا كاللطمة على المشهورك ما في الش. انتهى المراد منه. قوله: والضرب بالعصا كاللطمة على المشهور كما في الشارح، قال الرهوني: في عزاه للشارح أصله للتوضيح نقلا عن ابن عبد السلام وسلمه وهو مشكل مع ما وجه به القصاص في السوط فإنه قال عند قول ابن الحاجب: وفي ضربة السوط القود على المشهور ولا قصاص في اللطمة. انتهى. ما نصه: المشهور مذهب المدونة، والشاذ أيضا فيها أنه لا قود فيها،

стр. 8519

والفرق على المشهور بين اللطمة وضربة السوط عسير إلا أن يقال: الأصل أنه لا قصاص إلا في الجرح لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾، واللطمة لا جرح فيها والخلاف في السوط مبني على أنه يستلزم الجرح غالبا أو لا يستلزمه. ابن عبد السلام: والمشهور أن الضرب بالعصا لا قود فيه. انتهى. ونقله جسوس وسلمه، وفيه نظر إذ لو كان وجه المشهور في السوط ما ذكره لكان العصا بذلك أولى لاستلزامه للجرح أكثر من استلزام السوط له، بدليل المشاهدة. وقد جزم الحطاب عند قوله: "كلطمة" بأن المشهور أنه لا قود في ضربة العصا ولم يعزه لأحد ولم يذكر فرقا، وقال أبو الحسن عند قول المدونة في كتاب الديات، مالك: ولا قود في اللطمة، قال ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود، قال سحنون: وروي عن مالك أنه لا قود فيه كاللطمة وفيه الأدب. انتهى. ما نصه: قوله: ولا قود في اللطمة. الشيخ: لأنها عنده لا تنضبط وبينها عنده تفاوت كثير وفيها الأدب. ابن القاسم الخ، الشيخ: فرأى ضربة السوط تنضبط وتتماثل، وفي روايته عن مالك رآها غير متماثلة كاللطمة فهذا سبب الخلاف هل تنضبط أم لا؟ انتهى. ونقل ابن عرفة كلام المدونة، وقال متصلا به: الشيخ عن المجموعة: قال أشهب: لا قود في اللطمة ولا في الضربة بالسوط أو العصا أو بشيء من الأشياء إن لم يكن جرح لأنه لا يعرف حد تلك الضربة، والضرب من الناس مختلف. انتهى. وبه تعلم أن القول بأنه لا قود في ضربة السوط هو الظاهر، [وأن] (١) ما وجه به في التوضيح المشهور فيه نظر مع تسليمه أنه لا قود في العصا. والله الموفق. انتهى. كلام الرهوني. وجراح الجسد عطف على "موضحة" كما صرح به الخرشي وغيره. والله تعالى أعلم. يعني أنه يقتص من جراح الجسد غير الرأس وإن كانت جراح الجسد منقلة والمنقلة هي التي تنقل العظم، ويأتي للمصنف تفسيرها. قال عبد الباقي: وخصها بالذكر لأنه لما كان لا يقتص منها في الرأس يتوهم أن منقلة الجسد كذلك فنفاه بذكرها. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن منقلة": صوابه وإن هاشمة، فقد قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن المنقلة لا تكون إلا في الرأس والوجه.

стр. 8520

انظر المواق. وقال الشبراخيتي: وجراح الجسد فيها القصاص، وسواء كانت من المذكورات الموضحة وما قبلها أو من غيرها من هاشمة ونحوها، وإن كانت جراح الجسد منقلة. وإنما ذكرها لأنه لا يقتص منها في الرأس فربما يتوهم ذلك في الجسد. انتهى. بالمساحة بكسر الميم يعني أنه حيث اقتص في هذه الأمور فإنه يعتبر ذلك بالمساحة أي بقدر الجرح عمقا وعرضا وطولا، ابن حارث: اتفقوا في جراح العمد في الجسد أن القصاص فيها على قدر الجرح في عمقه وطوله، فإن كانت موضحة في الرأس فقال ابن القاسم: القود على قدر الموضحة. قاله المواق. وقال البناني: قال ابن الحاجب: وفي اعتبار القدر بالمساحة أو بالنسبة إلى قدر الرأسين قولان لابن القاسم وأشهب، وعليهما لو كانت الشجة نصف رأس المشجوج وهي قدر رأس الشاج فلا تكمل بغير الرأس اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: بالمساحة فيقاس طولا وعرضا وعمقا فقد تكون الجراح نصف عضو المجني عليه وهو جل عضو الجاني أو كله. انتهى. وقال عبد الباقي: بالمساحة فيقاس الجرح طولا وعرضا وعمقا، فقد تكون نصف عضو المجني عليه وهي جل عضو الجاني أو كله. انتهى. وقال الخرشي: يعني أنه يقتص بالمساحة بكسر اليم فيقاس الجرح طولا وعرضا وعمقا فقد تكون الجراح نصف عضو المجنى عليه وهي جل عضو الجاني أو كله، بشرط أن يكون ذلك في العضو الواحد يعني كما قال المصنف: إن اتحد المحل وعلى هذا لو عظم عضو المجني عليه حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على العضو المماثل له من الجاني فإنه لا يكمل من غيره بلا خلاف. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم مما مر من اشتراط اتحاد المحل أنه إذا شج نصف رأس المجني عليه مثلا وذلك جل رأس الجاني أو كله، فإنه يشج جل رأسي الجاني في الأولى ويشج كله في الثانية على ما لابن القاسم من أن القصاص بالمساحة لا على ما لأشهب، فإنما يشج من الجاني نصف رأسه، فلو كانت الشجة التي في المجني عليه تزيد على رأس. الجاني فإنه لا تكمل الشجة من غير الرأس بلا خلاف، وأنه لا بد في القصاص من تماثل العضو. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.

стр. 8521

وقال المواق: ابن الحاجب: تشترط المماثلة في المحل والقدر والصفة، فلا تقطع اليمنى باليسرى ولا الثنية بالرباعية، وتتعين عند عدمه الدية. ابن رشد: لا خلاف أن الأنملة تقطع بالأنملة كانت أطول أو أقصر، وإنما اختلف في الجراح فقال ابن القاسم قديما: إنه يقاد بقدر الجرح الأول وإن أوعب رأس المستقاد منه، يريد ولو لم يوعب بالقياس فليس عليه غير ذلك. الباجي: على قول ابن القاسم إن قصر رأس الجاني عن قدر الشق فليس عليه غير ذلك لا يتعدى الرأس إلى الجبهة ولا الذراع إلى العضد، ولا قود في الباقي ولا دية. انتهى. وقال الشبراخيتي: واتحاد المحل عبارة عن كونه لا يتجاوز عضوا إلى عضو أي إنما يقتص بالمساحة حيث كان المحل متحدا، واحترز بذلك عما إذا كان الجرح يزيد على عضو الجاني فإنه لا يكمل من غيره، وهذا في الجرح الذي لم يحصل به إزالة عضو، فأما إن حصل به إزالة عضو فلا ينظر للمساحة، فيقطع العضو الكبير بالعضو الصغير وعكسه، وإذا حصل الجرح في أنملة وكانت مساحته من المجني عليه تزيد على الأنملة المماثلة لها من الجاني فإنه يسقط الزائد؛ لأن كل أنملة محل وأنامل أصابع الرجلين كأنامل أصابع اليدين، ولا تقطع اليمنى باليسرى ولا الثنية بالرباعية ويتعين عند عدمه الدية. ومن شج رجلا موضحة فأخذت بين قرنيه فإنما ينظر إلى قياس الجرح من رأس الجاني فقط، ولا يتعدى الرأس إلى الجبهة لأن الرأس محل والجبهة محل غيره، وأما العضد فهو محل والذراع محل آخر فلا يتعدى أحدهما إلى الآخر، والظاهر أن باطن الكف وظاهره ليسا من جملة الذراع، وأما الأصابع فليست من الذراع قطعا ولا من الكف، وانظر هل اللحي الأعلى والأسفل محل واحد أو محلان؟ والثاني هو الموافق لقوله: "أو لحي أعلى". انتهى. وقال عبد الباقي: إن اتحد المحل فإن زادت على عضو الجاني لم ينتقل لعضو آخر يكمل منه بل يسقط الزائد على المماثل، فإذا كانت يد المجني عليه أطول كما إذا قطع يده من المرفق وكان طول ذلك في يد الجاني إلى رأس الكتف فإنما يقطع منه إلى المرفق ويسقط الزائد ولا عقل له. انتهى.

стр. 8522

تنبيه: قال في المدونة: وإن قطع بضعة من لحمه ففيها القصاص. نقله الحطاب. وقال التتائي في المدونة: من شج رجلا موضحة فأخذت ما بين قرنيه فإنما ينظر إلى قياس الجرح، فيشق من رأس الجاني بقدره، زاد ابن يونس عن غير المدونة: وإن استوعب الرأس ولم يف بالقياس فلا شيء له غيرد ولا يتم له ذلك من الجبهة. قاله ابن القاسم. وعبد الملك. وقال غير ابن يونس: وكذلك لا يتم له ذلك من القفا إذ ليس من الرأس. انتهى. كطبيب زاد عمدا تشبيه في لزوم القصاص يعني أن الطبيب - والمراد به هنا من يتولى القصاص من جان على غيره - إذا زاد على ما أذن فيه الشرع وهو متعمد لتلك الزيادة فإنه يقتص منه. قاله عبد الباقي. وشبه في القصاص قوله: "كطبيب" أي متولي قصاص من جان على غيره زاد على ما أذن فيه عمدا فيقتص منه بقدر مساحة الزائدة واستشكل فيما إذا كان المأذون فيه دائرة صغيرة ففعل دائرة أكثر منها عمدا، بأن كان بين محيط الدائرتين قدر لا يتوصل إليه إلا بعد تمام قطع يكون متصلا به، وأجاب البساطي بأنه ينظر مساحة ما بين [الدائرتين فيقتص منه دائرة بقدره ثم قال فإن قلت الدائرة التي اقتصت منه لم تكن على كيفية الدائرة] (١) التي تعدى فيها، قلت: إنما يعتبر قدر المساحة وقد سبق ابن عرفة البساطي بهذا، ثم جوابه هذا لا يتأتى فيما إذا زاد في العمق. قاله التتائي. ويمكن أيضا أن يقال يعمل في ظاهر جسد الطبيب قدره واحتمال أنه يسقط ذلك عن الطبيب لتعذر فعله فيه أو عليه حكومة بعيد. انتهى. قال البناني عن مصطفى: في تنظير التتائي نظر، وأجاب عنه بما مر يعني أن ابن عبد السلام مر له أنه إذا قطع أحد شخصين نصف يد شخص وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول وقطع باقيها، فإن السكين توضع في القصاص في غير الموضع الذي ابتدأ هو منه. انتهى. قال ابن عرفة هذا لا ينافي التماثل لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف وكونه وسطا طردي، وفي القصاص منه إنما [ابتدأ (٢)] القطع فيه من طرف. اهـ. فهذا صريح في تأتي القصاص في العمق، وقد سلم

стр. 8523

الأجهوري تنظير التتائي وكأنه لم يستحضر كلام ابن عرفة. انتهى. والله تعالى أعلم. وقد مر أن المراد بالطبيب هو المتولي للقصاص، وأما الطبيب بمعنى المداوي فسيذكره في باب الشرب، بقوله: "كطبيب جهل أو قصر". قاله عبد الباقي. ومفهوم قول المصنف: "زاد عمدا" أنه إن نقص الطبيب عمدا أو خطأ فإنه لا يقتص ثانيا لأنه قد اجتهد، قال اللخمي: إذا قطع الطبيب في الموضع المعتاد فمات لم يكن عليه شيء، فإن زاد على ذلك يسيرا ووقع القطع فيما قارب كان خطأ، وإن زاد على ذلك فيما لا شك فيه أن ذلك عمد كان فيه القصاص، وإن تردد بين الخطإ والعمد كانت مغلظة. انتهى. والمراد بالطبيب: المباشر للقصاص من الجاني. انتهى. قاله الخرشي: وقال المواق عند قوله "زاد عمدا" الخ: في الموازية والمجموعة لابن القاسم: ما زاد الطبيب في القدر خطأ فعلى عاقلته. ابن عرفة: مفهومه إن زاد عمدا فالقصاص وهو واضح في إطلاقات الروايات. انتهى. وإلا يتحد محل الجناية ومحل القصاص بأن كان المجنى عليه يسرى ولا يسرى للجاني منه ولم يتعمد الطبيب الزيادة، فالعقل متعين على الجاني ولا قصاص، فلا تقطع يمنى بيسرى ولا العكس ولا الوسطى بسبابة ولا العكس ولا ثنية برباعية ولا العكس، وهكذا ولا يدخل تحت قوله: "وإلا" ما إذا زاد العضو المجني عليه على عضو الجاني، فإن الزائد يسقط أي لا عقل له ولا قصاص: وقد مر مفهوم قول المصنف: "زاد" أنه إن نقص فلا يقتص له ثانيا لأنه اجتهد. وفي التوضيح: وأما خطؤه بالنقصان، ففي المجموعة عن ابن القاسم: لا يرجع فيقتص له من بقية حقه لأنه قد اجتهد له، وكذا الأصبع يخطئ فيها بأنملة ولا يقاد مرتين، وعنه في الموازية والعتبية: إن علم بحضرة ذلك قبل أن يبرأ وينبت اللحم أتم ذلك عليه وإلا فات ولا شيء له في تمام ذلك ولا دية، وقال أصبغ: إن قصر يسيرا فلا يقاد وإن كان كثيرا، فإن كان في جوره اقتص له تمام حقه، وإن كان برد [وأخذه بدواء] (١) ولم يتمه برأ أو لم يبرأ ويكون في الباقي العقل ولي السلطان القصاص أو من جعله يقتص فيها. انتهى.

стр. 8524

كيد شلاء عدمت النفع بصحيحة تشبيه في العقل ودية وحكومة، يعني أن ذا اليد الصحيحة إذا جنى على يد ذي شلاء لا ينتفع بها فقطع يده الشلاء فإنه لا تقطع يده الصحيحة، لذلك ولكن عليه دية اليد الشلاء حكومة. وبالعكس يعني أنه إذا جنى ذو يد شلاء على ذي يد صحيحة فقطع يده الصحيحة فإنه لا يقتص منه، فلا تقطع يده الشلاء وإنما على ذي اليد الشلاء دية اليد الصحيحة لصاحبها، ويأتي بيان الحكومة، ومفهوم قوله: "عدمت النفع" أنه لو كان في اليد الشلاء منفعة فإن القصاص يثبت فيها، ولها: وفي بعض النسخ: كذي؛ أي كصاحب يد شلاء. قال عبد الباقي: وشبه في قوله: "فالعقل" قوله: كذي شلاء جني عليها عدمت النفع يؤخذ لها العقل بصحيحة أي من ذي صحيحة، فلا يقتص لها من الصحيحة وبالعكس أي جنى ذو شلاء عادمة النفع على صحيحة فلا يقتص منها للصحيحة بل عليه العقل، وما ذكرناه من أن قوله: كذي شلاء مجني عليها هو مفاد التشبيه، وعليه فالباء بمعنى: من كما قررنا، ومفاد التتائي بقاؤها على حالها فإنه قال: كذي أي كجان أي صاحب يد شلاء عدمت النفع لا يقتص منها بصحيحة، ظاهره: ولو رضي صاحب الصحيحة وهو كذلك صرح به ابن شأس. ومفهومه أنه: لو كان بها نفع لكانت كالصحيحة في الجناية لها وعليها كما في المواق، وقول التتائي: إن كان لها نفع قطعت بصحيحة إن رضي صاحب الصحيحة فيه نظر، بل الحكم مطلق كما في المواق ثم إسناد العدم إلى اليد مجاز؛ لأن الذي يعدم صاحبها. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: مفهومه لو كان لها نفع لكانت كالصحيحة في الجناية لها وعليها كما في المواق الخ، أي فيقطع بغير [تقييد] (١) برضى المجني عليه وهذا هو الذي نقله المواق عن ابن شأس، لكن تعقبه بعده بنقله عن ابن يونس أن ذلك مقيد بالرضا فانظره. قاله البناني. قوله: مقيد بالرضا أي من الصحيح المقطوع يده. والله تعالى أعلم. وعين أعمى يعني أن الأعمى إذا قلع عينا صحيحة فإنه لا يقتص منه لذي الصحيحة، وكذا إذا قلع ذو عين صحيحة عين أعمى فإنه لا يقتص له من العين الصحيحة. قال عبد الباقي: ولا

стр. 8525

يقتص من عين أتي حدقة أعمى جنى على صحيحة. انتهى. وقال التتائي: ولا من عين أعمى جنى على عين صحيحة وفي عكسه حكومة. انتهى. وقال الشبراخيتي نحوه. ولسان أبكم يعني أن الأبكم - ويقال له الأخرس - إذا جنى على لسان ناطق فقطعه فإنه لا يقتص من الأبكم فلا يقطع لسانه، قال عبد الباقي: ولا يقتص من عين أي حدقة أعمى جنى على صحيحة ولا من لسان أبكم جنى على ناطق، وإنما على كل دية ما جنى عليه وفي عكس ذلك حكومة بالاجتهاد. وقال المواق: ابن شأس: الذكر المقطوع الحشفة والحدقة العمياء ولسان الأبكم كاليد الشلاء. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا من لسان أبكم أي أخرس لا يستطيع النطق به وفي عكس ذلك حكومة. انتهى. والحاصل أنه إذا جنى من ذكر من ذي العاهة على السالم مما ذكر فإن فيه الدية أي في ذلك كله، وإن جنى السالم ففيه حكومة بالاجتهاد ولا قصاص في الأمرين. والله تعالى أعلم. ثم عطف على ما يتعين فيه العقل وينبغي فيه القصاص من شجاج الرأس مجملا فقال: وما بعد الموضحة يعني أن ما بعد الموضحة من شجاج الرأس لا يقتص منه مخافة أن يحصل في المقتص منه ما هو أعظم من جنايته، وبين ما بعد الموضحة مُدْخِلًا عليهن الأولى (١) مِنْ، التي هي للتبيين بقوله: من منقلة يعني أن المنقلة بكسر القاف مشددة وحكي فتحها لا يقتص منها، وقد علمت أن المنقلة خاصة بالرأس واللحي الأعلى، وأما الجسد غير الرأس فقد مر أنه يقتص من المنقلة من جراحه. قال الشبراخيتي: وما بعد الموضحة معطوف على ذي شلاء أي فلا قصاص، وبينه بقوله: "من منقلة" بكسر القاف المشددة وحكي فتحها، وفسرها بقوله: طار فراش العظم إضافة فراش إلى العظم بيانية، والمراد "بطار" نقل من الدواء من سببية أي شأنه ذلك لا أنا ننتظر طيرانه بالدواء. قال الشبراخيتي: والفراش جمع فراشة وهي العظمة الصغيرة الرقيقة. القرافي: المنقلة هي التي ينقل منها الطبيب العظام [الصغار لتلتئم الجراح، فتلك العظام] (٢) هي التي يقال لها: الفراش

стр. 8526

بفتح الفاء وكسرها. قال الأصمعي: الفراش العظام الرقاق يركب بعضها على بعض في أعلى الخياشم، كقشر البصل يطير عن العظم إذا ضرب. انتهى. وهذا لا يتأتى في منقلة الجسد، وجعل ابن الحاجب الذي بعد الموضحة الهاشمة وهي التي تهشم العظم، ولم يتبعه هنا لقوله في توضيحه: سقط ذكرها في قول ابن القاسم لأنها لا بد أن تصير منقلة. انتهى المراد منه. وقال المواق: عياض: المنقلة ما كسرت العظم فيفتقر إلى إخراج بعض عظامها لإصلاحها، ومن المدونة: لا قود في المنقلة. وقال عبد الوهاب: من شرط القصاص أن يكون الجرح لا يعظم الخطر فيه ولا يغلب الخوف منه على النفس كالموضحة مما قبلها، فإن كان مما يغلب خوفه ويعظم خطره فلا قصاص، وفيه الدية حالة في مال الجاني، وذلك كالمأمومة والجائفة والمنقلة على خلاف فيها خاصة. انتهى المراد منه. وقال التتائي: طار فراش العظم أي أطرافه وخفيفه وإن صغر من الدواء؛ لأن ما يداوي مثلها يعفن من العظم ما ليس بصحيح فيطير، ولم يزد في المدونة: "من الدواء". . انتهى المراد منه. وآمة يعني أن الآمة لا يقتص منها، والآمة هي التي أفضت أي وصلت لأم الدماغ وأم الدماغ، جلدة رقيقة تحوي الدماغ ويقال: الآمة والمأمومة. قال الخرشي عن التنبيه: والمأمومة هي التي أفضت أي وصلت لأم الدماغ، ودامغة يعني أنه لا يقتص من الدامغة والدامغة هي الشجة التي خرقت أي شقت خريطته أي الدماغ، والخريطة هي الجلدة المحيطة بالدماغ. قاله الشبراخيني. فالخريطة هي أم الدماغ، وقد علمت مما مر أنه إذا وصلت الشجة لأم الدماغ ولو بقدر إبرة فهي مأمومة: كما أنها إذا خرقت الخريطة فهي دامغة ولو بمغرز إبرة. والله تعالى أعلم. ولطمة يعني أنه لا قصاص في اللطمة، قال عبد الباقي: ولا قصاص في لطمة أي ضربة على الخدين بباطن الراحة، وفي بعض النسخ: كلطمة بالكاف تشبيه في عدم القصاص ولا عقل أيضا كما (١) سيقول وعمده كالخطإ، ومحل عدم القصاص إذا لم ينشأ عنها جرح فيجرح أو ينشأ عنها

стр. 8527

ذهاب معنى كبصر وإلا اقتص منه على ما يأتي في قوله: "وإن ذهب كبصر" الخ، وقال المواق من المدونة: لا قصاص واللطمة. وشفر عين بضم الشين المعجمة يعني أنه لا يقتص من شفر العين، والمراد به هنا الشعر الثابت بأطراف الجفن فوق وأسفل بغير جلد ولا لحم. الشاطبي: الشفر طرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، والعامة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط وإنما الأشفار حروف العين. انتهى. وعليه فكان على المصنف أن يقول: وهدب عين. قاله عبد الباقي. وحاجب يعني أنه لا قصاص في إزالة شعر الحاجب من رجل أو امرأة، ولحية يعني أنه لا قصاص في إزالة شعر اللحية. قال عبد الباقي. وشعر عين وحاجب ولحية فلا قصاص في شيء من هذه الثلاثة لأنها ليست جراحات، فلا تدخل في قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾. وعمده كالخطإ يعني أن عمد ما ذكر مما لا قصاص فيه كالخطإ فيجب فيه عقل خطأ إن كان له عقل كمنقلة وآمة وإلا فحكومة إن برئ على شين وإلا فلا شيء فيه، ولا ينتقض بعدم القصاص من اليد الصحيحة في قطع الشلاء؛ لأن اليد الصحيحة فيها القصاص لو كانت الأخرى غير شلاء. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم. إلا في الأدب يعني أن المتعمد في هذه الأشياء يؤدبه الإمام بخلاف المخطئ، وكذا يؤدب مع القود. قاله فيها. وأدبه دون أدب من لم يقتص منه. نقله الحطاب عن أبي عمران. قال في المقدمات: ويجب على الجارح مع القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته، ولفظ الحطاب: قال في كتاب الجراح من المدونة: في كل عمد القصاص مع الأدب، قال أبو الحسن الصغير: قال أبو عمران: إن اقتص منه فأدبه دون أدب من لم يقتص منه، وقال في العتبية في سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يقتص منه هل عليه عقوبة؟ قال: نعم، قال ابن رشد: قوله إنه لا عقوبة عليه مع القصاص، لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ وهو الأظهر، ووجه قول مالك: وأما القول الذي حكاه ابن رشد بقيل، وقال: إنه الأظهر فلم أقف عليه في المذهب وكلامه في المقدمات

стр. 8528

يدل على أنه ليس في المذهب، قال في المقدمات: ويجب على الجارح [مع (١)] القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته: وقال عطاء بن أبي رباح: الجروح قصاص وليس على الإمام أن يضربه ولا أن يسجنه وإنما هو القصاص؛ إذ القول الثاني الذي حكاه بقيل إنما هو قول عطاء بن [أبي] رباح واختاره ابن رشد. والله أعلم. انتهى. وإلا أن يعظم الخطر في غيرها مستثنى من قوله: وجراح الجسد والصواب ترك الواو، والخطر بالطاء والخاء المعجمة محركة: الإشراف على الهلاك كما فسره به غير واحد؛ يعني أن جراح الجسد غير الرأس يقتص منها إلا أن يعظم فيها الخطر فلا قصاص ليلا تؤخذ النفس بما دون النفس، وكذا إن لم تحقق المماثلة في القصاص كبياض العين. وقال الخرشي: والضمير في "غيرها" ضائد على المنقلة والمأمومة والدامغة، وقوله: "إلا أن يعظم الخطر" رد في المدونة الأمر في ذلك لأهل المعرفة، كعظم الصدر مثال لما عظم فيه الخطر، قال الخرشي: المشهور من المذهب أنه إذا ضربه فكسر عظم صدره أو صلبه أو عنقه وما أشبه ذلك فإنه لا قصاص فيه وإنما فيه العقل. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإلا أن يعظم الخطر" ما نصه: لا وجه لهذا العطف هنا، وفي بعض النسخ: وكأن يعظم الخطر بلفظ التشبيه مع العطف وهذه النسخة هي الصواب، وأما جعل الشارح إلا أن يعظم عطفا على وإلا فالعقل فغير صواب لأن هذا استثناء، وقوله "وإلا فالعقل" شرط. انتهى. وقال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "وجراح الجسد" قوله: "وإلا أن يعظم الخطر" بخاء معجمة فطاء مهملة مفتوحتين الإشراف على الهلاك أو الخوف في غيرها أي غير الجراح التي بعد الموضحة أي جراح الجسد غير ما بعد الموضحة يقتص منها، إلا أن يعظم الخطر فيها فلا قصاص، وكذا إن لم تحقق المماثلة في القصاص لا يقتص كبياض العين. وقوله: "كعظم الصدر" فيه حكومة: إن برئ على شين ومثله عظم العنق والصلب ونحوهما. وقال المواق: قال ابن شأس: وبالجملة فلا قصاص في شيء مما يعظم فيه الخطر كائنا ما كان. انتهى.

стр. 8529

وقال الشبراخيتي: كعظم الصدر وفيه الدية، وذكر الشارح عند قوله: "كدية خطإ" أن فيه حكومة. انتهى. وقال الحطاب: إلا أن يعظم الخطر في ذلك الجرح والكسر كعظم الصدر ورد في المدونة الأمر في ذلك لأهل المعرفة، وكذلك في الضلع. وفي كتاب الجراح من المدونة: والصلب إذا كسر خطأ وبرئ وعاد لهيئته فلا شيء فيه، وكذلك كل كسر يعود لهيئته لا شيء فيه إلا أن يكون عمدا يستطاع فيه القصاص فإنه يقتص منه إن كان عظما إلا في المأمومة والجانفة والمنقلة، وما لا يستطاع أن يقتص منه فليس في عمد ذلك إلا الدية مع الأدب. قال مالك: وفي عظام الجسد القود من الهاشمة وغيرها إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ وشبهه فلا قود فيه. قال ابن القاسم: وإن كانت الهاشمة في الرأس فلا قود فيها لأني لا أجد هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، ولا قصاص في الصلب والفخذ وعظام العنق، وفي كسر أحد الزندين - وهما قصبة اليد - القصاص وإن كان خطأ فلا شيء عليه إلا أن يبرأ على عثم فيكون فيه الاجتهاد، وفي كسر الذراعين والعضدين والساقين والقدمين والكفين والأصابع القصاص وفي كسر الضلع الاجتهاد إذا برئ على عثم وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه، وإن كسرت عمدا كعظام الصدر إن كان مخوفا كالفخذ فالقود فيه، وإن كان مثل اليد والساق ففيه القصاص وفي الترقوة إذا كسرت عمدا القصاص لأن أمرها يسير لا يخاف منه، وإن كسرت خطأ ففيه الاجتهاد إن برئ على عثم وإلا فلا شيء فيه، وكذا اليد والرجل وجميع عظام الجسد إذا كسرت خطأ فبرئت على غير عثم فلا شيء فيها، ومن الجراح التي لا قصاص فيها الجائفة كما في المدونة. وفي النوادر عن ابن المواز: قال: وفي الترقوة والضلع القصاص قيل يسقط القود في شيء من كسر العظام، قال: أما مثل عظام الصدر فلا أرى فيه القصاص، وقد قال أشهب: لا قصاص فيه لأنه متلف، واجتمع ابن القاسم وأشهب أنه لا قصاص في عظام العنق والفخذ والصلب وشبه ذلك من المتالف في العظام وفيه الدية بعد الشين إلا الصلب ففيه الدية وما لا قصاص فيه لخطره إذا برئ على غير عيب فلا شيء فيه، وإن أشل رجله فلا يقدر أن يمس بها الأرض فله دية الرجل كاملة، وإن شله بما ينقص مشيه فله من ديتها بقدر ما نقص منها. وقال ابن القاسم عن مالك:

стр. 8530

وفي الظفر القصاص إن استطيع منه القود. ابن المواز: اختلف قول مالك: وهذا أحب إلينا، قال ابن عبدوس: قال سحنون: ينبغي أن يكون الظفر كسن الصبي لأنه ينبت. انتهى. فائدة: قال عياض: العثم والعثل باللام والميم معا والعين المهملة المفتوحة والثاء المثلثة مفتوحة مع اللام ساكنة مع الميم وكلاهما بمعنى وهو، الأثر، والشين والضلع بالضاد المعجمة مكسورة وبفتح اللام، والترقوة بضم القاف وفتح التاء غير مهموز أعلى الصدر المتصل بالعنق، والزند بفتح الزاي وبالنون. انتهى كلام الحطاب. وفيها أخاف في رض الأنثيين أن يتلف يعني أنه قال ابن القاسم في المدونة: أخاف في رض الأنثيين أي كسرهما أن يتلف، وإيضاح هذا أن ابن القاسم قال: إذا رض الجاني انثيي رجل - أي كسرهما - لا يقتص من الجاني فإني أخاف إذا اقتص منه أن يتلف الجاني أي يموت، فتؤخذ النفس بما دونها وبجلب كلام المدونة يتضح لك أن فاعل "أخاف" هو ابن القاسم، لا الإمام. قال في التهذيب في الأنثيين إذا أخرجهما ورضهما: الدية كاملة، قيل فإن أخرجهما أو رضهما عمدا قال: قال مالك: في إخراج الأنثيين القصاص ولا أدري ما قول مالك في الرض إلا إِني أخاف أن يكون رضهما متلفا، فإن كان متلفا فلا قود فيهما. قاله التتائي. وقال: وبنصها يظهر لك أن الشارح لم يستحضر كلام المدونة، حيث قال: فاعل أخاف يحتمل أن يكون مالكا ويحتمل أن يكون ابن القاسم. انتهى. وقال الرهوني: فاعل "أخاف" هو ابن القاسم قطعا لأنه الذي في المدونة، ونصها: قيل فإن أخرجهما أو رضهما عمدا، قال: قال مالك: في إخراج الأنثيين القصاص ولا أدري ما قول مالك في الرض إلا أني أخاف أن يكون رضهما متلفا، فإن كان متلفا فلا قود فيه. انتهى مثها بلفظها. ومثله لابن يونس عنها مع زيادة التصريح بابن القاسم، ونصه: قيل لابن القاسم فإن أخرجهما إلى آخر ما قدمناه عنها حرفا بحرف. انتهى. وقال عبد الباقي: وفيها أخاف في رض أي كسر الأنثيين أو إحداهما لشخص عمدا فلا يفعل بالجاني ذلك لأني أخاف إن فعل به ذلك أن يتلف أي يهلك فيلزم أخذ نفس فيما دونها، وإنما عليه العقل كاملا. وفاعل "أخاف". ابن القاسم:

стр. 8531

لأنه الذي في التهذيب لا مالك. انتهى المراد منه. أشهب: إن قطعتا أو أخرجتا ففيهما القود لا في رضهما لأنه متلف. انتهى. وذكر ابن رشد أن القصاص خاص بما أمكن فيه ولم يخش منه إتلاف النفس؛ (لأن النبي ﷺ رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة (١)) فكذلك ما في معناها، مما هو متلف كعظام الرقبة والصلب والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين، فإن لم يمكن كذهاب بعض النظر وبعض السمع وبعض العقل فلا قصاص؛ لأنه مأخوذ من قص الأثر فهو أن يتبع الجارح بمثل ما فعله بلا زيد ولا نقص، فإذا لم يُقْدَرْ على ذلك ارتفع التكليف. انتهى. وهذا نحو ما في التوضيح أن من شرط القصاص تحقق المماثلة، فإن لم تكن فلا قود اتفاقا كبياض العين. انتهى. وإن ذهب كبصر جرح اقتص منه يعني أنه إذا جرح شخص شخصا جرحا فيه القصاص وذهب بسبب ذلك الجرح معنى كبصر أو شم أو ذوق أو عقل اقتص من الجاني بمثل ذلك الجرح قال الخرشي: يعني أن من جرح إنسانا جرحا فيه القصاص فتسبب من ذلك الجرح ذهاب كسمع أو بصر المجروح وما أشبه ذلك من المعاني فإنه يفعل بالجاني أي يقتص منه بمثل ذلك بعد برء المجني عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن ذهب كبصر وسمع وشم وذوق وكلام ونحوه من المعاني بجرح من شخص عمدا لآخر فيه قصاص أي بسببه، كما لو أوضحه فذهب مع الموضحة معنى من هذه المعاني أو أكثر كسمعه أو هو وعقله اقتص منه أي من الجاني، فيوضح مثلا بعد برء المجني عليه، فإن اقتص من الجاني بمثل ذلك الجرح حصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه: أو زاد الذاهب من الجاني على ما ذهب من المجني عليه من جنسه أو من غير جنسه فالأمر ظاهر؛ أي لا شيء للجاني في مقابلة الزائد، وكأنهم لم يعتبروا الزائد لأن الظالم أحق بالحمل عليه، وإلا أي وإن لم يحصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه بل حصل بعضه أو غيره فقط، فعلى الجاني في ماله للمجني عليه دية مماثل ما لم يذهب من الجاني، وإيضاح هذا أن تقول: فإذا جرح الجاني مثل جرحه للمجني عليه وذهب نصف بصره وبقي

стр. 8532

نصفه فإنه يعطى للمجني عليه نصف دية بصره؛ لأن نصف بصره الذي ذهب جميعه مماثل في القدر للنصف الذي لم يذهب من الجاني، وإذا ذهب سمع الجاني مما فعل به فإنه يعطى للمجني عليه دية جميع بصره وهو مماثل لبصر الجاني الذي لم يذهب منه شيء. والله تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي بعد أن ذكر ما قررت به المصنف من أن قوله "ما لم يذهب" على حذف مضاف ما نصه: فإن قلت: ما المانع من بقائه - يعني كلام المصنف - على حاله ويراد بما لم يذهب من الجاني؟ قلت: لقصوره لأنه يقتضي أنه إذا كان الجاني امرأة على رجل واقتص منها فذهب منها دون ما ذهب من الرجل فإنه يؤخذ ما بقي على حساب ديتها، وليس كذلك إذ دية عينها على نصف ديتها وعين الرجل على نصف ديته. الثاني: قوله: "كبصر" الكاف فيه اسم وهو فاعل "ذهب"، وقول عبد الباقي: والظاهر أنه لو كانت الجناية الخ، قال الرهوني: هو عندي مشكل فقها وتصورا. الثالث: قال البناني: قول الزرقاني: وسمع وشم، مثل ذلك قوة اليد والرجل، ويأتي قول المصنف: "كأن شلت يده بضربة". انتهى. الرابع: قوله: "فدية ما لم يذهب" قد مر أن ذلك في مال الجاني وهو قول ابن القاسم وهو المشهور، وقيل على عاقلته وهو لأشهب لأنه عمد لا قود فيه، فأشبه الجائفة. وفي الكافي: وإن شجه موضحة عمد فذهب منها عيناه أو صارت منقلة أو قطع أصبعة فشلت يد منها فعليه القصاص فيما جنى والأرش فيما سرى، ويجتمع عند مالك قود وعقل في عضو واحد وضربة واحدة. الخامس: قد مر من التقرير أن قوله: "وإلا" راجع لقوله: "حصل" فهو خاص به، ولا يرجع لقوله: "أو زاد". وقد مر أيضا أنه لو ذهب من الجاني غير ما ذهب من المجني عليه أنه لا شيء للجاني، كما لو ذهب سمعه، والذاهب من المجني عليه بصر وتكون للمجني عليه دية بصره. والله تعالى أعلم.

стр. 8533

وإن ذهب والعين قائمة فإن استطيع كذلك فاعل "ذهب" ضمير يعود على البصر؛ يعني أن من ضرب إنسانا فذهب نور بصره والعين قائمة مكانها، فإنه يفعل في الجاني مثل ذلك إن استطيع أي إن استطيع، إذهاب نور بصره مع بقاء حدقة عينه قائمة، مالك: أي يذهب نور بصره مع إبقاء عينه قائمة، وموضوع هذه المسألة أنه فعل له فعلا لا قصاص فيه، كما لو لطمه أو ضربه بعصا، وما مر من قوله: "وإن ذهب كبصر بجرح" فعل به فعلا فيه القصاص. قال مصطفى: الظاهر أن ما ذكره المصنف في هذه المسألة تبعا للمدونة خاص بالبصر لما جاء في ذلك عن عثمان وعلي؛ لأن غيره من المنافع لا يستطاع فيه ذلك ولو أمكن فيه ذلك. انتهى. والحاصل أن ذهاب المنفعة إما أن يحصل بما فيه قصاص أو بما لا قصاص فيه، فالأول لا فرق فيه بين البصر وغيره: والثاني إن كان في البصر فهو قوله: "إن استطيع كذلك" الخ وإن كان في غيره تعين العقل. والله تعالى أعلم. قاله البناني. يعني لأن غير البصر لا يمكن فيه ذلك، ولو أمكن لقيل فيه كذلك كما مر. وقال عبد الباقي: وإن ذهب البصر مثلا المفهوم من كبصر بفعل ما لا قصاص فيه كلطمة [أذهب] (١) بها بصره، فقد علم افتراق هذه مما قبلها لأن فيها جرحا وفيه القصاص، بخلاف هذه والعين قائمة لم تنخسف، فإن استطيع أي أمكن أن يفعل بالجاني كذلك بأي وجه لا بمثل ما فعل فقط، يدل على ذلك قضية السيد علي. قاله أحمد. انتهى. قوله: قضية السيد علي، قال الشارح: وروي أنه جييء لعثمان ﵁ برجل لطم شخصا أو أصابه بشيء فأذهب بصره والعين قائمة، فأراد أن يقتص له منه فأعيى ذلك عليه وعلى الناس. فأتى علي رضي الله تعالى عنه فأمر بالمصيب فجعل على عينيه كرسفا أي قطنا ثم استقبل به عين الشمس وأدنيت من عينه مرآة فانطمس بصره وعينه قائمة، وقيل: إنه أمر بمرآة فأحميت ثم أدنيت من عينه حتى سالت نقطة عينه وبقيت قائمة مفتوحة. انتهى. وإلا أي وإن لم يستطع أن يذهب نور بصره مع كون عينه قائمة، فالعقل متعين لأنه بمنزلة ما سقط فيه القصاص لعدم إمكانه ويكون في ماله لا على عاقلته، "سأن شلت يده بضربة يحتمل أنه

стр. 8534

تشبيه بقوله: "وإن ذهب كبصر بجرح" الخ، وعلى هذا فتقيد الضربة بما إذا نشأ عنها ما فيه القصاص، كما لو ضربه بعصا فنشأ عن ذلك جرح فشلت يد الضروب فإنه يقتص منه أي يفعل به مثل ذلك الجرح، فإن شلت يده فلا كلام وإلا فالعقل، ويحتمل أنه تشبيه بما يليه؛ أعني قوله: "فالعقل" ويقيد على هذا بما لا قصاص فيه، فإذا ضربه بعصا مثلا ولم ينشأ عن ذلك جرح فشلت يد المضروب من ذلك فإنه يتعين العقل. والله تعالى أعلم. قال البساطي في قوله: "كأن شلت يده بضربة": تشبيه بقوله: "وإن ذهب كبصر بجرح" إلى ما لم يذهب إن حصل الشلل بجرح ونحوه مما يقتص منه، وإلا فهو تشبيه بقوله: "وإلا فالعقل". ولا ينظر هنا لكون الشلل يستطاع فعله بدون الضربة أولا. قاله الشبراخيتي. ونحوه للشيخ محمد بن الحسن البناني، وقوله: "شلت" بفتح المعجمة وضمها خطأ أو قليل أو لغة ردية. قاله القسطلاني على البخاري في مناقب طلحة. قاله عبد الباقي. وإن قطعت يد قاطع بسماوي يعني أن من قطع يد شخص عمدا ثم إن يد القاطع ذهبت بأمر سماوي من الله تعالى، كسقوطها بأكلة مثلا فإنه لا شيء للمجني عليه؛ لأنه لما تعذر محل القصاص سقط حقه في القود، ولا من دية لأنه كموت القاتل. أو سرقة يعني أنه إذا قطع يد شخص عمدا ثم إن القاطع سرق فقطعت يده للسرقة فإنه لا شيء للمجني عليه لا من قصاص ولا من دية للعلة المتقدمة. أو قصاص لغيره يعني أن من قطع يد شخص عمدا، ثم إن القاطع قطعت يده لقصاص من غير هذا المقطوع فإنه لا شيء للمجني عليه لا من قصاص ولا من دية. والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن تعذر محل القصاص كأن قطعت يد قاطع ليد غيره عمدا بسماوي قبل أن يقتص منه، أو سرقة أو قصاص لغيره أي غير المجني عليه، كقطعة يد آخر فاقتص منه فلا شيء للمجني عليه من قصاص؛ لأن حقه إنما هو في القصاص فلما تعذر محله بطل حقه ولا دية له كموت القاتل. انتهى. وقال الخرشي: لأن حقه إنما تعلق بالعضو المخصوص فلما تعذر بطل حق المجني عليه، ومثل ذلك ما إذا مات القاتل فإن المقتول لا شيء له. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: فلا شيء للمجني عليه جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الثلاث.

стр. 8535

فرع: قال الحطاب: إن ضرب رجل عين رجل فأدمعها أو ضرب سنه فحركها أو ضرب يده فوهنها استؤني بجميع ذلك سنة، فما آل إليه العين والسن واليد بعد السنة حكم بذلك للمجني عليه. انتهى. وفي المواق من المدونة: إذا ذهبت يمين من قطع يمين رجل بأمر من اللَّه أو بقطع سرقة أو قصاص فلا شيء للمقطوعة يمينه. انتهى. وإن قطع أقطع الكف من المرفق فللمجني عليه القصاص أو الدية يعني أن الذي يده اليمنى مثلا مقطوعة من الكف إذا قطع يد رجل من المرفق، فإن الذي قطعت يده من المرفق بالخيار إن شاء قطع اليد الناقصة ولا شيء له، وإن شاء أخذ دية يمينه وإنما خير لأن الجاني جنى وهو ناقص ذلك العضو، ولا يجوز أن ينتقل إلى عضو غيره ولا أن يتعين القصاص لأنه أقل من حقه، ولا أن تتعين الدية لأنه جنى عمدا على المعصم، وهذا لا يخالف ما يأتي من أنه لا يجوز لمن قطع من المرفق أن يرضى بقطع يد الجاني من الكوع لأنه في هذه وجد من الجاني مماثل ما جنى عليه وفيما نحن فيه إنما للجاني مماثل بعض ما جنى عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي أنه يفعل بالجاني مثل ما جنى عليه، ولا يجوز له الرضى بدونه لأنه حق للَّه تعالى لا له، ولا شك أن هذا مع الإمكان، وأما مع عدمه فهو حق للمجني عليه لا له تعالى، وقوله: "من المرفق" متعلق "بقطع". قاله الخرشي وغيره. وقال المواق من المدونة: إن قطع أقطع الكف اليمنى يمين رجل صحيح من المرفق فللمجني عليه العقل أو قطع الذراع الناقصة من المرفق. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن قطع أقطع" الخ ما نصه: قال أبو عمران: الفرق بين هذا واليد الشلاء أنها كالميتة، بخلاف هذه فإن في الساعد منفعة. انتهى. ومفهوم قوله: "من المرفق" أنه إن قطع أقطع الكف يد السالم من الكوع فإنما فيه العقل لعدم المماثلة. كمقطوع الحشفة تشبيه تام؛ يعني أن الذي ذكره مقطوع الحشفة إذا قطع ذكر رجل من أصله، فإن الذي قطع ذكره الكامل مخير بين أن يقطع قصبة الذكر وأن يأخذ دية ذكره، والخيار لأجل عدم المماثلة. قاله الخرشي وعبد الباقي وغيرهما. وقال المواق: قال ابن الحاجب: الذكر المقطوع الحشفة كالأقطع الكف. ابن عرفة: هذا تشبيه صحيح. انتهى.

стр. 8536

وتقطع اليد الناقصة أصبعا بالكاملة يعني أن الذي يده ناقصة إصبعا بسبب جناية أو غيرها إذا قطع يدا كاملة لرجل أو امرأة فإن يده الناقصة تقطع بالكاملة، بلا غرم لصاحب الكاملة على الجاني صاحب الناقصة إصبعا. قال عبد الباقي: وتقطع اليد أو الرجل من الجاني الناقصة إصبعا أو وبعض آخر بجناية أو غيرها بالكاملة إذ هو بعض لا يمنع المماثلة ولا خيار لصاحب الكاملة، وما ذكره المصنف هو المشهور من أقوال أربعة. وفي ابن عرفة: ففي لزوم القود في ناقص إصبع واحدة دون غرم عقلها أو معه ثالثها يخير في القود دونه وأخذ كل العقل. رابعها: إن كانت الناقصة الإبهام تعين العقل للمشهور ورواية محمد ونقله عن ابن القاسم مرة وقول ابن الماجشون. انتهى. ونحوه في التوضيح إلا أنه لم يذكر الرابع. قاله الرهوني. وقال المواق من المدونة: من سرق وقد ذهب من يده إصبع قطعت يمينه، كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة أن يده تقطع. ابن رشد: إن لم يقطع من أصابع الجاني إلا إصبع واحدة فليس للمجني عليه إلا القود ولا يغرمه عقل إصبعه الناقصة. انتهى المراد منه. وخير إن نقصت أكثر فيه وفي الدية يعني أنه إذا نقصت يد الجاني أكثر من أصبع؛ بأن نقصت إصبعين فأكثر فإن المجني عليه يخير بين القصاص فيقطع اليد الناقصة إصبعين فأكثر، وبين أن يأخذ الدية أي دية اليد الكاملة التي قطعت. قال عبد الباقي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أو رجله أكثر من إصبع فيه أي القصاص، وفي أخذ الدية أي دية المجنى عليها لا دية يد الجاني وليس له أن يقتص ويأخذ أرش الناقص. انتهى. وقال عبد الملك: لا يخير وليس له إلا أخذ الدية، واستحسن ابن عبد السلام التخيير في إصبعين والدية في ثلاث، وتردد الأجهوري في إصبع زائدة قوية أو أكثر كذلك هل لها حكم الأصلية أو إنما يعتبر نقص الأصول؟ وقال: إن الأول ظاهر إطلاقهم. وقال المواق: ابن شأس: إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع فقال مالك وابن القاسم: المجني عليه بالخيار في أن يأخذ العقل تاما أو يقتص، وقال ابن رشد عن هذا: إنه مذهب المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع كاثنين أو ثلاثة وما زاد على الثلاثة أحرى في القصاص أو الدية أي دية يد المجني عليه، لا دية يد الجاني التي ترك قطعها.

стр. 8537

وإن نقصت يد المجني عليه إصبعا فالقود يعني أنه إذا جنى كامل اليد على من يده ناقصة إصبعا فإنه يثبت للمجنى عليه ذي اليد الناقصة إصبعا القصاص على ذي اليد الكاملة فتقطع يده الكاملة، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الإصبع المذكورة إبهاما وأن تكون غير إبهام، ولهذا قال: ولو إبهاما ولا غرامة على ذي اليد الناقصة لصاحب اليد الكاملة. ابن رشد: رواية ابن القاسم في المدونة وسماع يحيى: لو كان نقص الأصبع من يد المجني عليه استحق القود دون غرم عليه ولو إبهاما. ابن شأس: إن كانت يد المجني عليه هي الناقصة، فإن كان النقص إصبعا واحدا فقال مالك وابن القاسم: يقتص كانت الإبهام أو غيرها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن نقصت إصبعا بدليل ما قبله وما بعده من قوله: ولو إبهاما يد المجني عليه بأمر من اللَّه أو بجناية فالقود على الجاني الكامل اليد: ولو كانت الإصبع إبهاما كما في المدونة. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن نقصت يد المجني عليه أو رجله إصبعا أو وبعض آخر بأمر من اللَّه أو بجناية غير فالقود على الجاني الكامل الأصابع، ولو كان نقص إصبع المجني عليه إبهاما ولا غرامة عليه لصاحب الكاملة، والأولى تقديم هذا على جواب الشرط. انتهى. وقوله: "ولو إبهاما" رد به قول عبد الملك أنه: إذا نقصت يد المجنى عليه إبهاما لا يستحق القود من ذي اليد الكاملة. واللَّه تعالى أعلم. لا أكثر يعني أنه إذا نقصت يد المجني عليه أكثر من إصبع بأن نقصت إصبعين كاملين أو أكثر، فإنه لا يقاد له من اليد الكاملة بل إن كان الباقي أكثر من إصبع فله ديته ولا شيء في الكف لاندراجه في الأصابع، وإن كان إصبعا فديته وفي الكف حكومة. قاله المواق عن ابن شأس. ونقله أحمد فإن لم يبق في يده إلا الكف فحكومة. انتهى. وفي المدونة: ومن قطع يد رجل عمدا وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاث بأمر من اللَّه أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل لم يقتص منه، ولكن عليه العقل في ماله. انتهى. تنبيه: قد مر قول عبد الباقي عند قول المصنف: "وإن نقصت يد المجني عليه" بأمر من اللَّه أو بجناية غير الخ، ثم قال في تفسيره: إنه إن نقصت أكثر من إصبعين بخطإ هذا الجاني قبل ذلك

стр. 8538

وغرم عقلها يقتص منه، وتقطع يده الكاملة بهذه اليد الناقصة إصبعين أو أكثر، قال: لاتهامه أنه تعمد قطعها لما غرمه قبل. انتهى. قال البناني: هذا القيد [غير] (١) ظاهر وانظر من ذكره. انتهى. وهو مخالف أيضا لما مر عن المدونة من قولها: أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل. واللَّه تعالى أعلم. وقررت قوله: "لا أكثر" بأن المراد به أكثر من إصبعين كاملين وهو بحسب ظاهره شامل لإصبع وأنملة لأن الذي في المدونة إصبعان أو ثلاثة، ولأن الذي في المواق عن ابن رشد إن كانت يد المجني عليه ناقصة إصبعين فأكثر فلا قود له على الجاني الخ. ولهذا قال عبد الباقي: بأن نقصت إصبعين كاملين أو أكثر. واللَّه تعالى أعلم. ولا يجوز بكوع لذي مرفق وإن رضيا يعني أن من قطع يد شخص من المرفق ثم تراضيا على أن يقطع المجني عليه يد الجاني من الكوع، فإن ذلك لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ إذ المماثلة في المحل شرط، كما لا يجوز أن يقطع رجله في يده مثلا، وفاعل "يجوز" ضمير يعود على "القصاص"، والباء في قوله: "بكوع" بمعنى "من" التي لابتداء الغاية أي ولا يجوز القصاص من كوع أي مبتدأ من كوع يد من مقطوع؛ أي لا يجوز لذي مرفق مقطوع القصاص من كوع. وكلام المؤلف موافق للنقل، وبحث ابن عرفة ضعيف. والواو في: "وإن رضيا" للحال، وإذا وقع ونزل يجزيء ولا يعاد كما استظهر بعض. قاله الخرشي وغيره. وقال المواق: قال ابن الحاجب: لو قطع من المرفق لم يجز من الكوع ولو رضي. ابن عرفة: قال هذا الأخوان وأصبغ وقبله الشيخ وغيره وفيه نظر. انتهى. وقد مر أن بحث ابن عرفة هذا ضعيف، وكلام المؤلف موافق للنقل. المواق: ومما يرشح [مأخذ] (٢) ابن عرفة: إذا عفا المجروح عن نصف الجرح؟ في المجموع والعتبية عن سحنون: إن أمكن القود من نصفه [أقيد منه] (٣). انتهى. الرهوني: وقد نقل ابن عرفة مسألة سحنون هذه بأتم مما نقلها

стр. 8539

المواق، فإنه قال: وإن عفا المجروح عن نصف الجرح، فلسحنون في المجموعة والعتبية: إن أمكن القود من نصفه [لقيد] (١) منه، وإن لم يكن فالجارح مخير في إجازة ذلك ويغرم نصف العقل، وإلا قيل للمجروح: إما إن تقتص أو تعفو. وقال أشهب: يجبر على عقل النصف. انتهى. قال الرهوني: ومع ذلك فلا حجة فيه لابن عرفة لوضوح الفارق، فإن من جرح جرحا فيه أنملتان مثلا إذا عفا عن نصفه فاقتص بأنملة في محل الجرح فعل عين ما أبيح له، في محله الخصوص وعفوه عن الأنملة الأخرى، لا يصيره فاعلا غير ما أبيح له وإنما هو بمنزلة من قطعت يداه معا فاقتص من إحداهما وعفا عن الأخرى ومن قطع من المرفق وأراد أن يقطع من الكوع هو فاعل القطع في غير محله الذي أبيح له وصانع غير ما أبيح له قطعا، ولا شك أن ذلك قد ثبتت له العصمة من المقطوع من المرفق كما ثبتت لسائر أعضاء القاطع غير يده، فالانتقال إليه كالانتقال من اليمنى إلى اليسرى أو من يد إلى رجل ونحو ذلك فافترقا، ولذلك -واللَّه أعلم- رجع ابن عرفة عن ذلك في درسه كما قاله ابن ناجي في شرح المدونة، فإنه قال: قال ابن عرفة في درسه: لا يقال بارتكاب أخف الضررين لأن محل الكوع محترم فلا يسوغ الإذن في قطعه. انتهى. وقد علمت بهذا أن الصواب ما للمصنف وأنه هو المنصوص، قال مقيد هذا الشرح: وبهذا تبين أن إن للمبالغة، ويكون معنى الكلام: ولا يجوز بكوع لذي مرفق جبرا على القاطع من المرفق، بل وإن رضيا معا فلا يجوز، ورد بذلك ما عسى أن يوافق بحث ابن عرفة. واللَّه تعالى أعلم. وهذا خلاف ما قدمت عن غير واحد أن إن للحال لا للمبالغة. وعلم مما مر أن أصل القصاص حق لآدمي إذ له العفو عنه، وأما المماثلة فيه فحق للَّه إن أمكنت وإلا فحق لآدمي كما مر في أقطع الكف، فالفرق بين ما هنا وبينه أنه هنا وجد مثل ما قطع والحق في المماثلة للَّه تعالى، فيفعل بالجاني مثل ما فعل إذا أمكن وهناك إنما وجد بعض ما قطع يخير بينه وبين الدية. وتؤخذ العين السليمة بالضعيفة يعني أن صاحب العين السليمة إذا قلع عينا ضعيفة البصر، فإن عينه السالمة تؤخذ بالضعيفة أي يقتص منها: فتقلع عينه السالمة كما يقتص للمريض من

стр. 8540

الصحيح، وسواء كان ضعف العين المذكورة خلقة أي من أصل خلقتها فهو منصوب بنزع الخافض. كما قاله غير واحد. أو كان ضعفها من أجل كبر إذ يقتص للشيخ من الشاب، ولو اشترط تساوي العضوين لأدى ذلك إلى عدم القصاص غالبا. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: قال ابن شأس: أما العين الضعيفة فتؤخذ بها السليمة إذا كان الضعف من أصل الخلقة أو كبر. انتهى. لجدري بالواو كما لعبد الباقي؛ يعني أن العين الضعيفة لأجل جدري أصابها إذا قلعها صحيح مماثلتها فإنه تقلع مماثلتها السليمة، أو لكرمية يعني أن العين الضعيفة لكرمية أو ضربة أو لطمة إذا قلعها من هو سالم مماثلتها فإنه تقلع عينه السالمة المماثلة، ولهذا قال: فالقود فهو جواب الشرط المقدر بعد الواو في قوله: "ولجدري" بفتح الدال وضم الجيم وبفتحهما معا، وفي بعض النسخ: ولكجدري بالكاف مدخلة للقرحة. واللَّه تعالى أعلم. وإنما يكون القود في الضعيفة لجدري أو رمية إن تعمده أي الجاني الرمي الآن بعد كون العين ضعيفة بسبب رمية سابقة أو لجدري، وإلا يتعمد الرمي الآن بل كان خطأ فبحسابه أي يأخذ بحسب ما بقي بعد الرمي الأول من نورها، فإن كان بقي نصف نور العين بسبب الرمي الأول فعلى المخطئ الآن نصف الدية وعلى هذا القياس، ويقيد قوله: "وإلا فبحسابه" في تعلقه بكرمية وما أدخلت الكاف من جناية أجنبي قبل ذلك عليها [بما] (١) إذا كان أخذ لها عقلا وإلا فدية كاملة كما يأتي في قوله: "وكذا المجني عليها إن لم يأخذ عقلا"، وأما قوله: "إن تعمده" فشامل لما إذا كان أخذ لها عقلا قبل ذلك، ولما إذا لم يأخذ لها عقلا. وتحصيل القول في مسألة العين أن العين الناقصة إذا أصيبت عمدا، فإن كان النقصان منها يسيرا كان فيها القصاص إلا أن يصطلحوا على شيء، إلا أن يكون المجني عليه أعور فيكون فيها بالخيار بين أن يقتص أو يأخذ عقل ما بقي بقدر ما نقص من عينه إن كان نقص منها الربع، كان ثلاثة أرباع ألف دينار وإن كان كثيرا لم يكن فيها إلا ما بقى من عقلها سواء كان النقصان منها بجناية أو بأمر من السماء، وإنما يفترق ذلك إذا أصيبت خطأ، فإن أصيبت خطأ والنقص

стр. 8541

فيها بأمر من السماء كان فيها جميع الدية كان النقصان فيها يسيرا أو كثيرا إلا أن يكون النقصان قد أتى على أكثرها فلا يكون فيها إلا ما بقي من عقلها، وإن أصبيت خطأ والنقصان فيها بجناية عمدا أو خطأ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن فيها ما بقي من عقلها وهو أحد قولي مالك في المدونة، والثاني أن فيها العقل كاملا وهو قول ابن نافع على قياس قولهم في السن إذا اسودت أن فيها العقل كاملا، القول الثالث الفرق بين أن يقتص للنقصان إن كان عمدا أو يأخذ [له] (١) دية إن كان خطأ، وبين أن لا يقتص بذلك ولا يأخذ دية فيكون له العقل كاملا، فإن اقتص لذلك أو أخذ له عقلا لم يكن له إلا ما بقي من العقل. صح من رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الجنايات الأول. قاله الرهوني. تنبيه: قال الخرشي ونحوه للبناني: لا حاجة لقوله: "فالقود" مع قوله: "وتؤخذ العين" الخ، ولا لقوله: "إن تعمده" لأن الكلام في العمد، ولا لقوله: "وإلا فبحسابه" مع قوله فيما يأتي: "وكذا المجني عليها إن لم يأخذ لها عقلا" الخ مع إخلال ما هنا بالشرط الآتي. انتهى. يعني بالشرط قوله: "إن لم يأخذ لها عقلا"، وقال الرهوني: قول البناني: مع إخلال ما هنا بالشرط الآتي، ما هنا موافق لما صدر به ابن رشد وعزاه لأحد قولي مالك لكن حمله هنا على ظاهره يوجب الاضطراب في كلاميه، فيتعين تقييده هنا بما يأتي مع أن ما يأتي، هو الراجح. قال مصطفى: إذ هو قول مالك المرجوع إليه كما في المدونة. انتهى. ولأنه الذي رجحه ابن يونس أن العين إذا أصيبت خطأ وقد كان أصابها قبل ذلك شيء نقص بصرها، فإن كان من جناية أخذ لها عقلا حوسب به. انتهى. وإن فقأ سالم عين أعور فله القود أو أخذ دية كاملة من ماله يعني أنه إذا فقأ عين أعور سالم العينين أو سالم المماثلة لعين الأعور، فإنه يثبت الخيار للأعور بين أن يقتص ويفقأ العين المماثلة لعينه وأن يأخذ دية كاملة من مال الجاني. قال عبد الباقي: وإن [فقأ] (٢) سالم [عيناه] (٣) أو سالم

стр. 8542

المماثلة للمجني عليها عين أعور وهو الذي ذهب بصر أحد عينيه بجناية أو غيرها فله القود بأخذ نظيرتها من السالم، أو أخذ الدية كاملة ألف دينار على أهل الذهب من ماله لأن عينه بمنزلة عينين. انتهى. وقال الخرشي: قوله: "سالم" أي سالم العين المماثلة فقط، وليس المراد أنه سالم العينين فقط. انتهى. ونحوه للشبراخيتي والتتائي، فإنه قال: وإن فقأ سالم عين أعور عمدا فله أي الأعور القود بأن يأخذ نظيرتها من عيني السالم أو أخذ دية أي دية عين الأعور كاملة ألف دينار عند مالك وجميع أصحابه، وبه قال الخلفاء الأربعة. وإطلاق المصنف السالم يعم سالمهما وسالم مماثلة الأعور فقط وهو قول ابن القاسم، كان الجاني صحيح العينين أو صحيح العين التي مثلها للأعور. انتهى. وهذا الذي نسبته لهؤلاء الشراح، قال البناني نحوه عند ابن عرفة عن ابن القاسم وأشهب، ونصه: قال محمد: قال ابن القاسم وأشهب: كان الباقي صحيح العينين أو صحيح التي مثلها للأعور. انتهى. وما قدمته عن التتائي من قوله: عند مالك وجميع أصحابه، وبه قال الخلفاء الأربعة إنما هو في دية عين الأعور لا في التخيير كما في التوضيح. وإن فقأ أعور من سالم مماثلته فله القصاص أو دية ما ترك يعني أن الأعور إذا فقأ من سالم العينين العين التي تماثل عينه، فلسالم العينين أن يقتص من الأعور، وله أن يأخذ دية ما ترك وهي عين الأعور ألف دينار على أهل الذهب، وإنما جعل التخيير هنا لعدم المساواة لأن عين الأعور فيها الدية كاملة، بخلاف عين غير الأعور فيها نصف الدية. قال عبد الباقي: وإن فقأ أعور من سالم مماثلته فله القصاص أو دية ما ترك وهو عين الأعور ألف دينار، فالخيار للمجني عليه لعدم المساواة لا للجاني، ويحكم بذلك مع تنازعهما؛ أي قول الجاني: إنما عفا لأخذ دية المجني عليها، وقول المجني عليه: إنما عفوت لأخذ دية ما تركت للجاني. انتهى. وأما ما يأتي في قوله: "وجاز صلحه في عمد بأقل أو أكثر" فمع التراضي، وفي المدونة: قال مالك: إن فقأ الأعور عين الصحيح التي مثلها باقية للأعور فله أن يقتص وإن أحب فله دية عينه، ثم رجع فقال: إن أحب اقتص وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار، وهذا أعجب إلي. انتهى. نقله المواق. وهذه عكس التي قبلها فالأعور في هذه هو الجاني، وفي التي قبلها هو المجني عليه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 8543

وغيرها فنصف دية فقط يعني أنه إذا فقأ الأعور من سالم العينين؛ العين التي لا تماثل عينه فإنه يلزمه نصف الدية فقط، وليس له القصاص لتعذر المحل. قال المواق: قال ابن شأس: إن فقأ صاحب العين الواحدة عين الصحيح المعدومة له فليس عليه إلا خمس مائة دينار، وعبارة ابن الحاجب: أو فقأ التي لا مثل لها له فنصف دية فقط في ماله. انتهى. وإن فقأ عيني السالم فالقود ونصف الدية يعني أنه إذا فقأ الأعور عيني السالم عمدا فإنه يثبت للسالم القود ونصف الدية؛ أي فالقود في المماثلة لعينه ونصف الدية في العين التي ليس له مثلها وسواء فقأ التي ليس له مثلها أولا أو لا، قال الشبراخيتي: وإن فقأ الأعور عيني السالم عمدًا فالقود في العين المماثلة لعينه ونصف الدية للعين الأخرى، وظاهره فقأهما معا دفعة أو واحدة بعد أخرى، وسواء فقأ التي ليس له مثلها أولا أم لا وهو كذلك. اهـ. وهذا هو المشهور ومقابله لأشهب، قال ابن الحاجب: ولو فقأ الأعور عيني الصحيح فالقصاص ونصف الدية، وقال أشهب: إن فقأهما في فور واحد وبدأ بالمعدومة، فأما لو بدأ بالتي مثلها له وجب القصاص ثم صار أعور فلزم أن يجب في عينه ألف دينار. انتهى. نقله البناني. وإن قلعت سن فثبتت فالقود يعني أنه إذا قلعت سن لكبير أي مثغر عمدا وأعيدت مكانها فثبتت فإنه يثبت للمجني عليه القود، قال الشبراخيتي: وإن قلعت سن لكبير، والمراد به من أثغر وأعيدت مكانها فثبتت أي استمسكت وقويت في موضعها فثبتت من الثبوت لا نبتت بالنون لأنها لا تنبت لكبير، فالقود في العمد لأنها ولو ثبتت لا تعود على أصول عروقها. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قلعت سن أي قلعها شخص عمدا لكبير أي فثغر بدليل ذكره الصغير فيما يأتي وأعيدت مكانها فثبتت قبل أخذ عقلها أو اضطربَتْ جدا كما سيأتي أو لم تُعَدْ وثبتت مكانها أخرى، فالقود في العمد لأن المعتبر في القصاص يوم الجرح وأيضا هي لو ثبتت لا تعود على أصول عروقها، ولأن القصد تألم الجاني بمثل ما فعل. انتهى. وقال المواق من المدونة: من طرحت سنه عمدا فردها فثبتت فله القود فيها، والأذن كذلك. انتهى. وفي الخطإ كدية لخطإ يعني أنه إذا قلع شخص سن شخص خطأ فأعيدت وثبتت فإن المجني عليه يستحق دية سنه، وهي: خمس من الإبل يعني دية الموضحة، ونحوها إن برئت على غير

стр. 8544

شين فالعقل واجب اتفاقا، قال عبد الباقي: وفي جناية الخطإ أي قلعها شخص خطأ إن أعيدت فثبتت قبل أخذ عقلها لم يسقط بثبوتها، وحكمها أنه يؤخذ عقلها وهو خمس من الإبل كالخطإ أي كدية الخطإ في غيرها مما له عقل مسمى، كموضحة ومنقلة يؤخذ عقلها ثم تعود كما كانت عليه فلا يسقط العقل اتفاقا. حكاه اللخمي. وإن أخذ الدية فردت وثبتت لم يأخذ الآخر شيئا. انتهى. وفي المدونة: ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل. قال المتيطى: هذا يعني القول بالقود في العمد وأخذ الدية في الخطإ قول مالك وابن القاسم، وقال أشهب والغيرة: إن كان عمدا فالقود وإن كان خطأ فلا عقل. انتهى. وعلم مما قررت أنه ليس في المصنف تشبيه الشيء بنفسه. وفي التوضيح: أنه يجب القصاص في العمد اتفاقا وفي الخطإ إن أخذ العقل قبل الثبوت فلا رد اتفاقا، وإن ثبتت قبل الأخذ فقال ابن القاسم: بأخذ العقل، وقال أشهب: لا يأخذه. والاستيفاء للعاصب يعني أن الاستيفاء في القصاص في النفس إنما هو للعاصب، فخرج غير العاصب كالأخ للأم والجد لها والزوج إن لم يكن ابن عم وغيرهم. قال عبد الباقي: والاستيفاء في النفس للعاصب الذكر نسبا إن وجد وإلا فعاصب الولاء إن وجد وإلا فالإمام وليس له العفو. قاله ابن الحاج. وقال ابن رشد: لا ينبغي له العفو إلا أن يكون كل من المقتول والقاتل كافرا ثم يسلم القاتل كما مر. كالولاء يعني أن الاستيفاء للعصبة كما علمت، وترتبهم فيه كترتب الورثة للولاء، فيختص به الذكور الأقرب فالأقرب إلا فيما يأتي من قوله: "والنساء إن ورثن" الخ، قال المواق: قال ابن الحاجب: ولاية الاستيفاء لأقرب الورثة العصبة الذكور. انتهى. وقال عبد الباقي: وترتبهم كالولاء في ميراثه فيختص بالذكور الأقرب فالأقرب وكالصلاة على الجنازة والنكاح. إلا الجد والإخوة فسيان لما اقتضى التشبيه أن الإخوة وبنيهم مقدمون على الجد استثنى هذا الاستثناء؛ يعني أن الجد والإخوة سيان في الاستيفاء والمراد الجد دنية، وقوله: "إلا الجد والإخوة فسيان" بخلاف الولاء فإن الإخوة وبنيهم مقدمون على الجد. قال عبد الباقي: قال: "كالولاء" ولم يقل كالإرث ويستغني عن الاستثناء لأن الجد المساوي للإخوة هنا هو الجد دنية، وفي باب الميراث: "الجد وإن علا". وأشعر قوله: "الإخوة" أنه لا كلام عند فقدهم لبنيهم مع الجد بل هو أولى كما في الموازية، وإنما كان لا كلام لأبناء الإخوة مع الجد في الاستيفاء لأن الجد

стр. 8545

بمنزلة آبائهم وهم لا كلام لهم مع آبائهم. قاله غير واحد. وقال الإمام الحطاب: قال اللخمي: وإذا اجتمع في القيام بالدم نسب وولاء كان النسب المبدأ في القيام والعفو، وإن لم يكن ذو نسب فالمولى الأعلى، فإن لم يكن مولى أعلى فالسلطان ولا شيء للمولى الأسفل، وإن [يكون] (١) إلا رجل من الفخذ أو القبيل ولا يعرف قعدده من الميت ولا من لم يكن له ميراثه لم يكن له قيام بالدم. انتهى. وقال ابن سلمون: وإن لم يكن أولياء فهل للسلطان ما للأولياء من العفو والقصاص. قال ابن الحاج في مسائله: الذي يقتضيه الواجب أنه لا نظر للسلطان في العفو عنه. فرع: قال في مختصر الوقار: وإذا أقر رجل أنه قتل عمدا ولم يعرف المقتول ولم [يوجد] (٢) له أولياء يقومون بدمه سجنه الحاكم ولم يقتله فلعل له [وليا] (٣) يعفو عن دمه. انتهى. انظر ابن سلمون. انتهى. وقال البناني عند قوله: "كالولاء": أحال على مراتب الولاء ولم يذكرها هناك، بل أحاله على صلاة الجنائز ولم يبينها هناك، بل قال: ثم أقرب العصبة والأولى أن لو أحال على النكاح لقوله فيه: "وقدم ابن فابنه فأب فأخ فابنه فجد" الخ. انتهى. وللشيخ علي الأجهوري رحمه اللَّه تعالى: بغسل وإيصاء ولاء جنازة … نكاح أخا وابنا على الجد قدم وعقل ووسطه بباب حضانة … وسوه مع الآباء في الإرث والدم قوله: بغسل يعني به الأولى بغسل الميت، وقوله: بإيصاء يعني إذا أوصى للأقرب فالأقرب، وقوله: ولاء يعني به من يرث الولاء، وقوله: جنازة يعني به الصلاة على الجنائزة وقوله: نكاح يعني به ولاية النكاح. وأشار إليها المصنف بقوله: "وقدم ابن فابنه فأب" الخ، وقوله: أخا وابنا يعني بالابن ابن الأخ، وقوله: وسوه مع الآباء يعني بالآباء آباء أبناء الإخوة وهم الإخوة، وقوله:
следующие страницы →