← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

وإلى ذلك أشار بقوله: إلا أن يظهر من أمره إرادتها أي إرادة الدية، كقوله: لولا فقري ما عفوت عنك ونحو ذلك، فيحلف الولي بالله الذي لا إله إلا هو ما عفا على ترك الدية، وإنما عفا لأخذها، وإذا حلف الولي فإنه يبقى على حقه في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية، وإذا أطلق أو وقع العفو مقيدا بها، ففي الشبراخيتي ما يفيد أنه يحمل على دية عمد، وقوله: "إلا أن يظهر إرادتها فيحلف" الخ ظاهره قام بالقرب أو بالبعد، فإنه يحلف ويبقى على حقه حيث امتنع القاتل من إعطاء الدية. وقال مالك وابن الاجشون وأصبغ: لا يقبل إلا إن قام بالحضرة، قال البناني: وظاهر كلام الباجي أنه خلاف المشهور لا تقييد له. انظر مصطفى. وناقش الرهوني مصطفى ومن تبعه بأن كلام الباجي في المنتقى شاهد لا قال ابن عبد السلام والمصنف: يعني في التوضيح من تقييد ذلك بالحضرة. والله تعالى أعلم. كعفوه عن العبد يعني أن العبد إذا قتل حرا أو عبدا فعفا ولي الدم عن القاتل، وقال إنما عفوت لأخذ العبد أو لأخذ قيمته أو لأخذ قيمة العبد المقتول أو لأخذ دية الحر حيث كان المقتول حرا، فإنه لا شيء له إلا أن يتبين أنه أراد ذلك، فحينئذ يحلف ولي الدم ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه ودفع قيمة المقتول إن كان عبدا، ودفع ديته إن كان المقتول حرا، وتكون حالة كما في المدونة. وما في العتبية والوازية من أنها منجمة فيه نظرت لأن الكلام في العمد والعمد لا تنجيم فيه. قاله الشبراخيتي. وعلى هذا فالتشبيه فيما عدا قوله: "ويبقى على حقه إن امتنع". قاله الشبراخيتي. أيضا وقال البناني: جعل ابن مرزوق التشبيه تاما وصرح بأن السيد له الامتناع، والظاهر ما عند الزرقاني من أنه ليس له الامتناع بدليل قوله: "وإن قتل عبد حرا" الخ. انتهى. تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره: ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه أو دفع قيمته أو دفع قيمة المقتول. انتهى. وفيه نظرت والصواب بين دفعه أو دفع قيمة المقتول. والله أعلم. تنبيه آخر: مال العبد الجاني لسيده إن فداه أو قتل، وإن أسلمه فهل يتبعه؟ قولان، ومذهبها أنه يتبعه، وأما إن جرح فأرش جرحه يتبعه وجناية العبد على سيده لغو، فإن جنى عليه وعلى غيره خير في فدائه بجناية غيره وإسلامه له كله، وقال أصبغ في عبد ضرب بطن سيدته فأسقطت أنها: تخير في دفع نصيب الأب من دية الجنين ودفع العبد كله له؛ أي للأب. وفي

стр. 8472

شرح ابن مرزوق عند قول المصنف: "ويبقى على حقه" ما نصه: في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية وهذا الحكم في جميع الأقسام، كما لو كان القاتل عبدا قتل حرا فعفا ولي الدم، وإن أطلق وادعى أنه عفا ليأخذ العبد لم يصدق إلا أن يظهر أنه أراد ذلك فيحلف ويبقى على حقه، وكذا لو عفا سيد العبد المقتول عن عبد هو قاتل عبده المذكور، فإنه إن صرح في عفوه حمل على بها صرح به، وإن أطلق وادعى أنه إنما عفا عن العبد القاتل ليأخذه من عبده أو يفديه سيده بقيمة المقتول لم يصدق سيد المقتول، إلا أن يظهر من حاله أنه أراد ذلك حين عفا فإنه يصدق بعد يمينه ويبقى على حقه في القتل. انتهى. واستحق وليُّ دم من قتل القاتل يعني أن المكلف إذا قتل معصوما عمدا عدوانا، فتعدى عليه مكلف آخر فقتله عمدا عدوانا، فإن القاتل للقاتل يستحق دمه ولي المقتول الأول، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه. قال عبد الباقي: ومن قتل شخصا عمدا ثم قتل شخص أو أكثر القاتل عمدا استحق ولي - أي عاصب - المقتول الأول عمدا عدوانا دم من قتل القاتل الأول عمدا عدوانا، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه. أو قطع يد القاطع يعني أنه إذا قطع شخص يد شخص عمدا، فتعدى على القاطع شخص فقطع يده، فإن المقطوع يده أولا يستحق قطع يد القاطع الثاني، إن شاء قطع وإن شاء عفا. وقوله: "أو قطع" - أي أو عضو من قطع - "يد القاطع"؛ أي واستحق ولي دم من قتل القاتل واستحق ولي عضو من قطع يد القاطع، فعضو المحذوف معطوف على دم مضاف إلى من موصولة بقطع. والله تعالى أعلم. وقوله: "ولي" هو في مسألة القتل أجنبي وفي مسألة القطع المجني عليه، قال الشبراخيتي: والمراد بالولي من له الاستيفاء وهو العاصب في القتل، وأما في الجرح فهو المجني عليه. وظاهر المصنف سواء قطعها من موضع قطع الأول أم لا. انتهى. وفي الشامل: ولو قطع الأول من المنكب والثاني من الكوع، فللمقطوع من المنكب قطع الأول أي قطع ما بقي من يد الأول أو قطع الثاني من الكوع ولا شيء له غير ذلك فيهما، وقال محمد: له قطع الثاني من الكوع مع قطع ما بقي من يد الأول إلى المنكب، واستحسنه اللخمي واستبعده غيره، فإن قتل شخص القاطع عمدا وصالح أولياؤه قاتله على مال أو خطأ ووجبت فيه الدية، فقيل لا شيء

стр. 8473

للمقطوع في العمد وقيل له، وأما الخطأ فله يعني من الدية. قاله عبد الباقي. وما ذكره المصنف في المسألتين هو المشهور وهو في المدونة، ومقابل المشهور مروي عن ابن عبد الحكم وهو أنه لا شيء في ذلك؛ لأن الجناية لم تتعلق بذمة الجاني وإنما تعلقت بنفسه أو عضوه وقد ذهب. قاله ابن مرزوق. والله تعالى أعلم. كدية خطإ يعني أن من استحق دم شخص لكونه قتل أخاه - مثلا - عمدا، ثم قتل شخص الشخص المذكور خطأ، فإن لمستحق دمه أخذ الدية وليس لأوليائه مقال معه في أنه إنما له قصاص لا مال؛ لأنه لا استحق دمه صار وليه، ويجري مثل ذلك في غير النفس، كقطع شخص يد شخص اليمنى عمدا وقطع آخر يد القاطع اليمنى خطأ، فشمل كلامه هذين. قاله عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: كدية خطإ في نفس أو طرف، ومثل الدية القيمة إذا كان الجاني عبدا وهو تشبيه في الاستحقاق إلى آخر كلامه. فإن أرضاه ولي الثاني فله هذا مفرع على قوله: "هو استحق ولي دم" الخ، وعلى قوله: "كدية خطإ"، ومعنى كلامه أنه إذا أرضى ولي المقتول الثاني ولي المقتول الأول، فإن أمر القاتل الثاني ينتقل له أي لولي المقتول الثاني، يعني في المسألتين أي في قتل الثاني خطأ أو عمدا بعد أن قتل عمدا، فهو راجع لما قبل الكاف وما بعدها. قاله غير واحد. والله تعالى أعلم. وإن فقئت عين القاتل أو قطعت يده ولو من الولي بعد أن أسلم له فله القود يعني أن القاتل إذا تعدى عليه شخص أجنبي أو ولي الدم، ففقأ عينه عمدا وقطع يده مثلا عمدا فله القصاص على من فعل ذلك عمدا، سواء كان الفاعل أجنبيا أو ولي الدم، وسواء فعل ذلك ولي المقتول بالقاتل بعد أن أسلم إليه ليقتله أو فعله قبل أن يسلم إليه؛ لأن أطراف القاتل معصومة بالنسبة إلى مستحق الدم وإلى غيره، وفي قطع يده خطأ الدية وكذا لو فقئت عينه خطأ ففي ذلك الدية، فالحاصل أن أطراف القاتل عمدا إذا جنى عليها خطأ ففيها الدية، كان الجاني عليها المستحق أو غيره، فقول المصنف: "بعد أن أسلم له"، فقبل أن يسلم إليه أحرى، وحاصل ما للمصنف أن القاتل معصوم من غير المستحق دمه، وأما أطرافه فمعصومة من المستحق وغيره، وقوله: "ولو من الولي"، قال ابن مرزوق: هذا القول الذي أشار إليه المصنف بلو قول ابن شأس، وروى أصبغ في

стр. 8474

الواضحة عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام. وفي النوادر: ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: وإذا حكم الإمام بقتل القاتل فضربه المحكوم له ضربتين قطع بالأولى يده وقتله بالثانية، فإن لم يتعمد ذلك فلا شيء عليه من أدب ولا غيره، وإن تعمد ذلك فالأدب فقط. وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم في القاتل عمدا يدفع إلى أولياء المقتول ليقتلوه فقطع واحد يده وآخر رجله ثم قتلوه، قال: لا يقاد منهم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام على ذلك. انتهى. وفي الشامل: ولو غاب أي الولي عليه فوجد مقطوع اليدين والرجلين، فقال: أردت قتله فاضطرب فحصل ذلك فإنه يصدق. انتهى. وظاهره بغير يمين، ولا شيء عليه لأنه ادعى أن ذلك جاء من سببه، وأما إن جنى عليه خطأ ولم يدع أنه كان سببه؛ كأن يقر أنه فقأ عينه خطأ فإنه يغرم له هو وعاقلته [ديتها] (١) وهو جلي. انتهى. ولما قدم أن شرط القصاص أن لا يزيد القاتل على المقتول بالحرية أو الإسلام، أفاد أن العكس لا يمنع من ذلك وأن الأدنى يقتل بالأعلى، فقال: وقتل الأدنى بالأعلى يعني أن الأدنى إذا قتل من هو أعلى منه فإنه - أي الأدنى - يقتل بسبب قتله للأعلى، ومثل للأدنى وللأعلى بقوله كحر كتابي مثال للأدنى، بعبد مسلم يعني أن الحر الكتابي إذا قتل عبدا مسلما، فإنه يقتص من الحر الكتابي فيقتل به لأن الإسلام هو الذي يعلو ولا يعلى عليه، ومن المعلوم أنه لا يتوازى حرية الكافر وإسلام العبد فالإسلام صاحبه هو الأعلى والكفر صاحبه هو الأدنى، قال الشبراخيتي: وقتل الأدنى بالأعلى منه كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، بخلاف العكس فلا يقتل رقيق مسلم بحر كافر، وإنما قال: قتل ولم يقل اقتص لأنه لا يقتص كان الأدنى للأعلى في الأطراف كما يأتي. انتهى. وقال عبد الباقي: كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، إذ حرية الإسلام لا توازيها حرية الكافر، بخلاف العكس فلا يقتل عبد مسلم بحر كتابي، كما مر في قوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" ولا يرد على المصنف ما يأتي من أن المرتد إذا جنى على عبد

стр. 8475

مسلم فإنه تؤخذ منه قيمته مع أن المرتد أدنى منه؛ لأنه إن قتل زمن الاستتابة فيحتمل أن يعود للإسلام، وإن قتل بعدها فإن استمر على ردته قتل لردته وإن أسلم فيقدر أنه جنى وهو حر مسلم على عبد مسلم، لما يأتي من قوله: "وقدر كالمسلم فيهما"، وقوله: "كحر كتابي بعبد مسلم" هو المشهور، ومنهم من لاحظ الحرية فقال: لا يقتل الحر الذمي بالعبد المسلم ويضمن قيمته لأنه كسلعة، قال ابن مرزوق: وهذا ضعيف لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وعلى المشهور أن الحر الذمي يقتل بالعبد المسلم، فاختلف هل للسيد الخيار أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا خيار له وليس له أن يعفو للدية وهو بمنزلة من يقتل الحر فليس له إلا القتل أو العفو على غير شيء، وقال أصبغ ومحمد: له أن يأخذ الدية لأنه مال أتلفه. الحطاب: وفهم من كلام المؤلف حيث جعل الحر الكتابي أدنى من العبد المسلم أن العبد المسلم لا يقتل إذا قتل الحر الكتابي وهو كذلك، قال في التوضيح: وحكى صاحب البيان الاتفاق على ذلك، قال ابن الحاجب: وسيد العبد مخير في فكاكه بالدية وإسلامه فيباع لأوليائه، قال في التوضيح: يعني بدية الحر الذمي ويباع لأولياء الذمي لعدم جواز ملك الكافر للمسلم، وظاهر كالأمه أنه إذا بيع يدفع جميع الثمن لأولياء الذمي، وإن كان أكثر من ديته وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقاله مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: إن فضل فضل فلسيده. أصبغ: والأول أصوب. انتهى من التوضيح. اهـ. والكفار بعضهم ببعض يعني أن الكفار يقتص لبعضهم من بعض، فالمجوسي واليهودي والنصراني كلهم يقاد لبعضهم من بعض، ولهذا قال: كتابي ومجوسي ومُؤَمَّنٍ فالكتابي يقتل بالكتابي وبالمجوسي، والمجوسي يقتل بالكتابي والمجوسي، وسواء ذكرانهم وإناثهم، فتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر، كما يقتل الذكر بالذكر والأنثى، ويقتل المؤمَّن بالمؤمَّن أي الكافر الذي دخل بلد الإسلام بأمان، كما يقتل بالذمي من مجوسي وكتابي، ويقتل الذمي مجوسيا أو كتابيا بالمؤمَّن. قال عبد الباقي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض لأن الكفر كله ملة واحدة، ويقيد كلام المصنف بتكافؤ الحرية والرقية، فلا يقتل حر كافر بعبد كافر، لقوله: "ولا زائد حرية". انتهى. وقال الشبراخيتي: وقتل الكفار غير الحربيين لأنهم ذكروا أنه لا يقتص من الحربيين، وظاهره لمسلم

стр. 8476

أو كافر بعضهم ببعض، ثم أتى "بمِنْ" لبيان الجنس، فقال: "من كتابي" نصراني أو يهودي ومجوسي فيقتل النصراني بالنصراني وباليهودي وبالمجوسي، ويقتل اليهودي باليهودي وبمن ذكر والمجوسي كذلك لأن الكفر كله ملة واحدة، "ومؤمن" اسم مفعول من دخل دار الإسلام بأمان. انتهى. وعلم مما قررت أنه لا يلتفت في القصاص بينهم لانحطاط دية المجوسي، فالقصاص ثابت على الكتابي بقتله للمجوسي. ابن عرفة: ذوو الكفر سواء في القصاص بينهم المجوسي كالكتابي فيه. نقله الواق. وقوله: "ومؤمن" الظاهر أنه عطف على وصف محذوف أي: ذمي. كذوي الرق يعني وكما أن دماء الكفار متكافئة وإن اختلفت أديانهم وصفاتهم، كذلك دماء الأرقاء متكافئة وإن اختلفت صفاتهم من القن الخالص وذي الشائبة، كمن فيه عقد حرية كائنا ما كان، فيقتل بعضهم ببعض كقتل الكفار بعضهم ببعض، فيقتل المكاتب وأم الولد بالقن كما يقتل هو بهما. قال في التلقين: الحر لا يقتل بعبد ولا بمن بعضه رق ولا بمن فيه عقد من عقود العتق من مكاتب أو مدبر أو أم ولد ومعتق بعضه أو إلى أجل، ويقتل كل هؤلاء بالحر، ثم قال: وكل من لا يقتص لهم من الحرية لنقصان حرمتهم بالرق فدماؤهم متكافئة يقتص لبعضهم من بعض، وإن رجح أحدهم على الآخر لعقد من عقود العتق أو بحصول بعض الحرية ما لم يكن حرا كامل الحرية. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: كذوي الرق مبعض وإن قل جزء رقه ومكاتب ومدبر وأم ولد ومعتق لأجل وإن قرب فيقتص لبعضهم من بعض، وكامل الرق وغيره سواء. انتهى. فرع: إذا كان السيد عبدا وقتل عبده ففي القصاص قولان نقلهما ابن سلمون، ثم قال: وفي الزاهي لابن شعبان: ومن قتل عبده لم يقتل به وإن كان عبدا. انتهى. نقله الحطاب. وقال التتائي عند قوله: ذوي الرق: وكامل الرق وغيره سواء، واستحسن اللخمي أن لا يقتص من المعتق بعضه، وكأن المصنف لم يعد استحسانه قولا، فلذا قال: لا خلاف فيه عندنا. انتهى. وذكر وصحيح وضدهما يعني أن الذكر يقتل بضده وهو الأنثى، فيقتل الذكر بالأنثى وتقتل الأنثى بالذكر، كما يقتل الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، وكذلك يقتل الصحيح بالسقيم والسقيم بالصحيح، كما يقتل الصحيح بالصحيح والسقيم بالسقيم. قوله: "وضدهما" أي ضد الذكر

стр. 8477

والصحيح، فضد الذكر الأنثى وضد الصحيح السقيم. قال في المدونة: وإذا قتل الصحيح سقيما أجذم كان أو أبرص أو مقطوع اليدين والرجلين عمدا قتل به، وإنما هي النفس بالنفس لا ينظر إلى نقص البدن وعيوبه، ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل وفي الجراح بينهما القصاص. انتهى. وإنما حصل التكافؤ بين الرجل والمرأة ومن ذكر معهما، لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ كما ذكر في المدونة. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: وذكر وصحيح وضدهما، فيقتل ذكر بأنثى وصحيح بأجذم ونحوه، ويقتل كامل الأعضاء بناقصها ويجري مثل ذلك في القصاص بينهم في غير النفس أيضا ويصح في ذكر وما بعده الجر، عطفا على "كذوي الرق" والرفع عطفا على "الأدنى". اهـ. وقال التتائي: وذكر وصحيح وضدهما فيقتل الذكر بالأنثى والصحيح بالسقيم، ولا ينظر لنقصان فيقتل كامل الأعضاء بناقصها ولا للعيوب ولا لصغر وكبر، لأن القصاص في النفوس: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق: في المدونة: وغيرها لغو فضيلة الذكورية والعدالة والشرف وسلامة الأعضاء وصحة الجسم، لحديث: (المسلمون تتكافؤ دماؤهم) (١)، وفي دياتها: إن قتل الصحيح سقيما أو أجذم أو أبرص أو مقطوع اليدين والرجلين عمدا قتل بد، وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبية عمدا قتلوا بذلك. انتهى. وإن قتل عبد - حرا أو عبدا - عمدا وثبت ذلك عليه ببينة مطلقا أي في الحر والعبد، أو قسامة في الحر بأن يقول: قتلني فلان أو يقيم وليه عدلا بالقتل ويقسم أولياؤه في الصورتين، خير الولي للمقتول أولا في قتل العبد واستحيائه، وإنما خير الولي أولا لأن القاتل عبد والعبد سلعة فلذا لم يتعين القود، فلو قتل الحر حرا لتعين القود لأن الحر لا يملك، فإن اختار قتله فواضح وإن استحياه فلسيده الخيار ثانيا في أحد أمرين، إما إسلامة في جنايته أو فداؤه بدية الحر أو قيمة العبد المقتول، وإيضاح كلام المصنف أن العبد إذا ثبت عليه أنه قتل عبدا مثله أو حرا ببينة أو ثبت عليه بقسامة أنه قتل حرا، كما لو قال الحر قتلني فلان العبد أو قام شاهد عدل بالقتل وأقسم الأولياء في الصورتين، فإن ولي الحر أو سيد العبد البيت يخير بين أن يقتص من العبد وأن

стр. 8478

يعفو عنه على أن يأخذه، فإن اقتص منه فلا إشكال وإن عفا عنه أخذه، وهو معنى قول المصنف: "فإن استحياه" أي استبقى ولي الدم العبد على أن يأخذه، فلسيد العبد حينئذ الخيار بين إسلامه وفدائه بدية الحر وقيمة العبد المقتول، والقسامة التي ذكر المصنف إنما تكون في الحر كما عرفت، وأما العبد الميت فلا قسامة فيه إذ لا قسامة في العبيد، وهذا الذي ذكره المصنف نحوه في المدونة. وقوله: أو بقسامة وليس لولي الحر فيما إذا قام شاهد واحد أن يحلفوا يمينا واحدة ويأخذوا العبد إذ لا يستحق دم الحر إلا ببينة عادلة أو قسامة. وقوله: "خير الولي فإن استحياه" الخ هو ظاهر على قول أشهب أَن القود غير متعين، وأما على قول ابن القاسم أن القود متعين أو العفو، فالجواب عن ذلك - والله تعالى أعلم - أن العبد سلعة من السلع ومال يتملك، فلما جاز قتله جاز أخذه رقا، والحر ليس بشيء يتملك فلم يجز الانتقال إلى أخذ ماله إلا بطوعه، وأيضا فإن الحر يقول يبقى مالي لورثتي ولا حجة لسيد العبد؛ لأنه إن قتل أو أخذ ذلك عليه سواء لأنه يزول عن يده في الوجهين، والحر أيضا يقول أنا أرجو أن يكون في القود كفارة لي، فلهذا ونحوه لم يأخذوا ماله، ولا حجة لسيد العبد في العبد لا وصفنا فأمرهما مفترق. انتهى. وعلى الثاني من هذه الفروق يحوم ابن عبد السلام وحوله يدندن والله الستعان. خالد ابن غازي. نقله البناني. وللشبراخيتي: أن هذا في قوة الاستثناء من قوله: "فالقود عينا"، ونحوه لعبد الباقي. ومفهوم قول المصنف: "عمدا" أنه في الخطإ يخير سيده في إسلامه وفدائه بالدية. قاله غير واحد. قال مقيده عفا الله عنه: يريد في قتل الحر، وأما لو قتل عبدا خطأ فإنه يخير بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد المقتول، وقوله: "ببينة" وأما لو أقر العبد بأنه قتل فليس لولي المقتول استحياؤه على أن يأخذه لاتهام العبد على تواطئه مع الولي، فإن استحياه لذلك بطل حقه إلا أن يدعي أنه جهل ذلك، ومثله يجهل فإنه يحلف ويبقى على حقه في القتل، فإن قتل العبد المسلم حرا ذميا خير سيده في فدائه بدية الذمي وإسلامه، فيباع لولي الدم إذ لا يبقي مسلم تحت يد كافر، وله ما زاد لا لسيده على الأصح كما في الشامل. قاله عبد الباقي.

стр. 8479

ولما فرغ من الكلام على ما يتعلق بالركن الثاني، شرع يتكلم على الركن الثالث وهو القتل الموجب للقصاص، وهو ضربان: مباشرة وتسبب وتكلم على الأول أولا، فقال: إن قصد ضربا يعني أن المكلف شروطه المتقدمة إذا قتل المعصوم الذي مر ذكره فإنما يقتص منه بشرط أن يقصد أي يتعمد الضرب الذي مات المعصوم من أجله. قال البناني: عبارتهم تقتضي أن القصاص في العمد العدوان، فنبه المصنف على العمد بقوله: "إن قصد ضربا"، وأما العدوان فالظاهر أنه أشار له بقوله: "عداوة" بجعله راجعا لا قبل الكاف وما بعدها، وإنما أتى بالكاد للفصل بقوله: "ولا قسامة" الخ، والعدوان هو ما كان غضبا لا لعبا ولا أدبا. قاله ابن مرزوق وغيره. واعلم أن القتل على وجوه: الأول أن لا يقصد ضربه كرميه شيئا أو حربيا فيصيب مسلما فهذا خطأ بإجماع فيه الدية والكفارة، الثاني أن يقضي الضرب على وجه اللعب فهذا خطأ على قول ابن القاسم وروايته في المدونة خلافا لمطرف وابن الماجشون، ومثله إذا اقصد به الأدب الجائز وأما إن كان للنائرة والغضب فالمشهور أنه عمد يقتص به إلا في الأب ونحوه فلا قصاص بل دية مغلظة. الثالث أن يقصد القتل على وجه الغيلة فيتحتم القتل فلا عفو. قاله ابن رشد في المقدمات. ومثله في المتيطية. انتهى. وقال عبد الباقي: إن قصد أي تعمد القاتل ضربا وإن بقضيب يعني أنه إذا تعمد الضرب فقتله فإنه يقتص منه، سواء تعمد ضربه بآلة يقتل مثلها عادة أو تعمد ضربه بآلة لا يقتل مثلها غالبا كالقضيب ونحوه، وقوله: "إن قصد ضربا وإن بقضيب"، قال عبد الباقي: وفعل ذلك لعداوة أو غضب فيقتص منه وإن لم يقصد قتلا، خلافا لابن شأس إلا الأب فلا بد من قصده القتل لابنه كما يأتي تفصيله، وأما غيره فيقتل سواء لم يقصد قتله أو قصد قتله بعينه، أواعتقد أنه زيد فتبين أنه عمرو، أو اعتقد أنه زيد بن فلان فتبين أنه زيد بن آخر فيقتل به في هاتين الصورتين كالأولى، ويدل للأولى من هاتين قاتل خارجة فإنه قتله معتقدا أنه عمرو بن العاصي، فتبين أنه خارجة فقتلوه ولم يلتفتوا لقوله: أردت عمرا وأراد الله خارجة. والفرق بين هذه والتي بعدها وإن استويا حكما أن قصده في هذه إنما تعلق بعمرو ولو كان خارجة ما قتله، وفي التي بعدها هو تعلق قصده بقتله الذات العينة قطعا ولكنه أخطأ في اعتقاده في

стр. 8480

نسبه، وقولي: لغضب أو عداوة تحرز عما إذا قصد ضرب اللعب أو الأدب فمات أو فقأ عينه أو كسر رجله فالدية على عاقلته إن بلغت الثلث وإلا فعليه، ومحل عدم القصاص إن كانت الآلة يؤدب بمثلها وإلا كلوح اقتص منه كعاين عامد للقتل بعينه مع علم ذلك منه وتكرره، وقوله: "إن قصد ضربا" أي لمكافئ مع علمه بذلك، وأما إن قصد ضرب شيء معتقدا أنه غير آدمي أو آدمي غير محترم لكفره أو زناه محصنا أو أنه حربي فتبين أنه آدمي محترم فلا قصاص عليه ولو تكافآ، وإنما هو من الخطإ ففيه الديه كما وقع في قضية من قتله المسلمون معتقدين كفره فتبين أنه مسلم فوداه ﵊ ولم يقتل به أحدا، ويحلف في ظنه حربيا كما في الشارح في باب الجهاد، وهل يحلف في بقية صور الخطإ أم لا؟ لأنه يظهر في غيرها أقوى من ظهوره فيها، وألحق بالخط، من رش ولدا صغيرا بماء فغشي عليه ومات من وقته لأنه ليس على وجه الغضب، ومنه من قتل شخصا بالحال فلا يقتل به عند الشافعية وليس منصوصا عندنا. انتهى. وقوله: بالحال أي أمده بالسر الإلهي فلم تطقه ذاته ولا يصح قياسه على العاين فقد استبعده غير واحد. والله تعالى أعلم. وقوله: خلافا لابن شأس، لم يقتصر ابن شأس على هذا بل ذكر ذلك في القصاص المتفق عليه، ثم قال: فأما إن لطمه أو وكزه فمات فيخرج على الروايتين في نفي شبه العمد وإثباته، فعلى رواية النفي هو عمد يجب فيه القصاص وهو مذهب الكتاب، وعلى الرواية الأخرى في إثباته الواجب فيه الدية دون القود. انظر مصطفى. وقوله: أو اعتقد أنه زيد الخ، لزوم القود في هذه هو الصحيح وبه جزم ابن عرفة أولا، خلاف ما نقله بعد عن مقتضى قول الباجي. قاله البناني. وقال ابن مرزوق: قوله: "إن قصد ضربا وإن بقضيب" هذا هو الركن الثالث وهو الجناية وشرطها أن تكون؛ عمدا احترازا من الخطإ، عدوانا أي ظلما احترازا من القتل، قصاصا - مثلا - مَحْضًا احترازا مما ليس بمحض التعمد بل هو محتمل كشبه العمد عند من أثبته في قتل الأب ابنه وغير ذلك. انتهى. وقال المواق من المدونة، من تعمد ضرب رجل بلطمة أو وكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصا أو غير ذلك، ففي كل القود إن مات بذلك. انتهى. وقال الحطاب: قوله: "إن قصد ضربا" يريد على وجه الغضب لا على وجه اللعب والأدب، قال في المقدمات: فإن قصد الضرب ولم يقصد

стр. 8481

القتل وكان الضرب على وجه الغضب فالمشهور عند مالك المعروف من قوله أن ذلك عمد والقصاص فيه. وقال ﷺ التوضيح: وأما اللعب ففي المقدمات ثلاثة أقوال: أولها انه خطأ وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة. انتهى. وقال في الشامل: فإن كان في اللعب فخطأ على الأصح، وثالثها إن تلاعبا معا فكذلك وإن ضربه ولم يلاعبه الآخر فالقود. انتهى. وقال الحطاب قوله: "إن قصد ضربا" يريد قصد ضرب من لا يجوز ضربه، وسواء قصد الشخص المضروب نفسه أو قصد أن يضرب شخصا عدوانا فأصاب غيره. انتهى. قال البناني: وقع في الحطاب وتبعه الخرشي أنه إذا قصد ضرب شخص فأصابت الضربة غيره أنه عمد فيه القود وهو غير صحيح، فقد نص ابن عرفة وابن فرحون في التبصرة وغيرهما أن حكمه حكم الخطإ لا قود فيه فانظره. انتهى. قوله: قصد ضرب شخص وأصابت الضربة غيره، الفرق بين هذا وبين ما مر أن هذا قصد ضرب زيد فالتوت يده نحو عمرو مثلا، وما مر قصد ضرب زيد على أنه عمرو ولو كان زيدا ما ضربه فتبين أنه زيد، أو قصد ضرب هذه الذات سواء كانت زيدا أو عمرا أو غيرهما ولكن اعتقد الضارب أنه زيد مثلا. والله تعالى أعلم. كخنق يعني أنه إذا خنق شخص شخصا فمات من خنقه فإنه يقتص منه، ومنع طعام يعني أنه إذا منع شخص شخصا من الطعام حتى مات فإنه يقتص منه، ومَثَقَّلٍ يعني أنه إذا قتل إنسانا بمثقل فإنه يقتل به وراع شروط الجاني والمجني عليه في الثلاثة، قال عبد الباقي: وشبه في القصاص لا مثال لأن منع الطعام ليس بفعل. قوله: "كخنق ومنع طعام" أو شراب قاصدا قتله بلا تأويل حتى مات فيقتص منه، وما مر له من ضمان الدية فمع تأويل ودخل في منع الشراب منع الأم ولدها لبنها حتى مات فتقتل إن قصدت موته لا مجرد تعذيبه، فالدية على عاقلتها قياسا على ما مر في الأب من أنه لابد مع الضرب من قصد موته وإلا لم يقتل. انتهى. قوله: "ومنع طعام " أو شراب قاصدا قتله قال البناني: تقدم أن قصد القتل ليس بشرط في القصاص في الضرب، ولفظ ابن عرفة: من صور العمد ما ذكر ابن يونس عن بعض القرويين أن من منع فضل مائه مسافرا عالما أنه لا يحل له منعه وأنه يموت إن لم يسقه قتل به وإن لم يل قتله بيده، وبهذا يجمع بين ما هنا وما تقدم في الذكاة، لحمل ما في الذكاة على التأول. انتهى.

стр. 8482

وقال ابن مرزوق: لا يشترط في المكلف أن يكون ضربه بآلة مخصوصة كما يقوله أبو حنيفة في المحدد، بل يقاد منه وإن ضرب بقضيب أو لكزة أو وكزة أو بندقة أو غير ذلك، وكذا لو خنقه أو منعه من الطعام والشراب أو أحدهما حتى مات أو طرح عليه حجرا أو نحوه وهو مراده بالمثقل. انتهى. وقال الشبراخيتي: كخنق تشبيه وتصوره ظاهر ومنع طعام والشراب كالطعام كما في الجواهر وذكره ابن مرزوق، أو مثقل كالضرب بحجر عظيم أو خشبة لها حد أولا وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد أو حجر له حد أو خشبة أو كان معروفا بقتل الناس، كالمنجنيق والإلقاء في النار. انتهى. وقوله: "كخنق" بفتح الخاء وكسر النون، وقال التتائي عند قوله "ومنع طعام" ما نصه: وسواء طعام نفسه أو غيره. انتهى. واعلم أن في المدونة: فأما من حفر في غير ملكه بئرا لماشية أو شفة فلا يمنع فضله من أحد، وإن منعوه حل قتالهم، فإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل المانعين والكفارة على كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب. انتهى. قال ابن مرزوق: ذكر ابن يونس أن مسألة المدونة هذه متأولة الخ. ولا قسامة إن أنفذ مقتله يعني أنه إذا أنفذ الضارب مقتلا من المضروب أي قطع له محلا من المقاتل الخمسة المذكورة في باب الذكاة، فإنه يقتل بلا قسامة، وإن عقل المضروب بعد ذلك أو تكلم أو شرب أو مات مغمورا أي وكذلك يقتل أيضا إذا لم ينفذ له مقتلا، ولكنه لم يفق المضروب من لدن ضرب ولا عقل ولا تكلم ولا أكل ولا شرب حتى مات، هذا مراده بقوله: "مغمورا" كأنه من الغمر وهو التغطية التي حصلت على عقله، فإن الضارب في الوجهين - أعني إنفاذ المقتل وموت المضروب مغمورا - يقتل به غير قسامة أي من غير أن يكلف أولياء الدم أن يحلفوا خمسين يمينا أن وليهم إنما مات من ضرب الضارب، وذلك بين لأنه مع إنفاذ القاتل يتحقق الموت، ولذلك لا تؤكل المنفوذة المقاتل بالذكاة لكونها في حكم الميتة، وموته أيضا مغمورا من لدن الضرب دليل على أن موته منه، ومفهوم الشرط أنه إن ضربه ولم ينفذ مقتله ولم يمت مغمورا ثم مات بحديث يظن أو يشك أن موته من ذلك الضرب أنه لا يقاد من الجاني حتى يحلف ولاة الدم

стр. 8483

خمسين يمينا أنه إنما مات من ضربه، فمنطوق المصنف صورتان ومفهومه صورة واحدة. والله تعالى أعلم. تنبيه: يؤخذ من قوله: "ولا قسامة إن أنفذ مقتله" أن من أجهز على شخص بعد إنفاذ مقتل من مقاتله لا يقتل المجهز وإنما يقتل الأول وهو كذلك، ويبالغ في عقوبة المجهز لأنه اجترم أمرا عظيما. هذا نص يحيى عن ابن القاسم. وفي سماع أبي زيد: يقتل به الثاني فقط وعلى الأول الأدب؛ لأنه بعد إنفاذها معدود من جملة الأحياء يرث ويوصي بما شاء من عتق وغيره والأول أظهر. قاله ابن رشد. قوله: يرث كموت أخيه قبل زهوق روحه، ويورث كما إذا كان له أخ عبد أو كافر فأسلم بعد إنفاذ مقتله أو أعتق ثم مات منفوذ المقتل. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: إن أنفذ - بالبناء للفاعل أي الفعل والفاعل والبناء للمفعول - مقتله: كأن قطع وريده أو نخاعه أو شق مصرانه، وسواء مات عاجلا أو عاش أياما ولو أكل أو شرب. وتقدم بيان المقاتل في الذكاة أو مات مغمورا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات كما في المدونة وزاد عقبه: فإن أكل أو شرب وعاش حياة تعرف بعد ذلك ففيه القسامة في العمد والخطإ، إذ لعله مات من أمر عرض له بعد الضرب، وكذا إن مكث يوما أو يومين يتكلم ولم يأكل ولم يشرب، وكذلك إن قطع فخذه فعاش يوما وأكل وشرب ثم مات آخر النهار ففيه القسامة. وكطرح غير محسن العوم عداوة يعني أنه إذا طرح من لا يحسن العوم في نهر - مثلا - لأجل عداوة بين الطارح والمطروح فمات المطروح، فإنه يقتص من الطارح، قال البناني: يتحصل من كلامهم أنه إن تحقق أنه يحسن العوم فلا قصاص ألقاه لعبا أو عداوة، وأنه إن تحقق أنه لا يحسن العوم فالقصاص مطلقا، وإذا جهل ففي العداوة القصاص وفي اللعب لا قصاص بل الدية. انتهى. زاد عن عبد الباقي صورة يقتص فيها وهي: ما إذا علم أنه يحسن العوم ولكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة. انتهى. وقال البناني أيضا: فقول المصنف: "غير محسن العوم" أي في نفس الأمر والملقي جاهل. انتهى. وعبارة عبد الباقي: "وكطرح غير محسن العوم" في نفس الأمر عداوة، سواء علم أنه يحسن ذلك لكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة يمل بها

стр. 8484

من العوم أو يعيى فيغرق، أو علم أنه لا يحسن العوم أو شك في ذلك وكذا لعبا وهو يعلم أنه لا يحسن العوم، فيقتص منه في هذه الأربع بدون قسامة. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم يكن الأمر كذلك بأن طرحه عالما أنه يحسن العوم عداوة أو لعبا، ولم يظن في مسألة العداوة أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة على ما قال عبد الباقي، أو طرحه شاكا في كونه يحسن العوم على وجه اللعب، فالدية مخمسة كما هو ظاهرها لا مغلظة كما هو قول ابن وهب، فالصور سبع: أربع فيها القصاص وثلاث فيها الدية، وقال الشبراخيتي عند قوله "وإلا فالدية": وهل دية خط، مخمسة وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب؟ وقيل: مغلظة، وقيل: إن كان اللعب على وجه المعتاد مخمسة وإن خرج عن المعتاد فمغلظة. قاله اللخمي. انتهى. وفي الميسر: وانظر لو قصد تعليمه العوم والظاهر لا قود. انتهى. وما استظهر: ظاهر وهو في النص كذلك وفيه الدية فقد سمع أبو زيد ابن القاسم: من طلب غريقا فأخذه ثم خاف الموت فتركه لا شيء عليه، ولو ذهب يعلمه العوم فعاقه ذلك، ضمن ديته. ابن رشد: ديته على العاقلة. نقله القلشاني عند قول الرسالة: والسائق والقائد والراكب الخ. والله تعالى أعلم. وقوله: "وكطرح" عطف على قوله: "كخنق". ولما فرغ من الكلام على المباشرة، شرع يتكلم على التسبب فقال: وكحفر بئر هذا معطوف على ما قبله يعني أن من حفر بئرا في أي موضع، وإن كان قد حفره ببيته قاصدا بذلك هلاك شخص معين، وهلك فيه ذلك المقصود بعينه فإنه يقتص من الحافر، قال ابن مرزوق: يعني أن من حفر بئرا وإن كان ذلك الحفر في بيته، وأحرى أن يضمن إذا حفر في غير بيته وكان ذلك الحفر المذكور قصدا للضرر لإنسان معين وهلك من ذلك الفعل ففيه القصاص. انتهى. وقال الخرشي: والمعنى أن من حفر بئرا في موضع لا يجوز حفره فيه كطريق السلمين، أو حفرها في موضع يجوز له حفرها كبيته وقصد بذلك هلاك شخص وهلك فيه ذلك العين فإنه يقتل به. انتهى. ووضع مزلق يعني أن من وضع مزلقا بطريق السلمين كماء أو قشر بطيخ قاصدا ضرر شخص معين فهلك من فعله ذلك الإنسان العين فإنه يقتص منه، أو ربط دابة يعني أن من ربط دابة بطريق المسلمين شأنها أن تؤذي وهو يعلم ذلك، وقصد بذلك إذاية شخص معين، وهلك من فعله ذلك

стр. 8485

الشخص المعين، فإنه يقتص من رابط الدابة. وعلم مما قررت أن قوله: وطريق قيد في الصورتين قبله، وفي المدونة: من وضع سيفا بطريق المسلمين أو بموضع لقتل رجل فعطب به الرجل قتل به. انتهى. واتخاذ كلب عقور تُقُدِّمَ بالبناء للمفعول، قال الشبراخيتي: نائب الفاعل دل عليه السياق أي تقدم الإنذار فيه لصاحبه. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن النائب قوله: "لصاحبه"، ومعنى كلام المصنف أن من اتخذ كلبا عقورا أي يعقر ويؤذي بلا سبب ويتحقق ذلك بتكرره منه، وكان اتخاذه له بعد أن أنذره من اتخاذه بأن قيل له: هذا الكلب يؤذي فاترك اتخاذه ليلا تضمن ما أصاب، فلم يلتفت إلى ذلك واستمر على اتخاذه وكان اتخاذه له قصد الضرر لإنسان معين، وهلك بسببه ذلك الإنسان المعين فإنه يقتص من متخذ الكلب. وعلم مما قررت أن قوله: قصدًا للضرر أي لضرر شخص معين قيد في المسائل الأربع، وكذا قوله: وهلك المقصود أي هلك ذلك الإنسان المعين بنفسه. والله تعالى أعلم. وإلا أي وإن لم يهلك المقصود المعين بل هلك غيره في المسائل الأربع أو فعل الأمور الأربعة بقصد ضرر غير معين من آدمي محترم أو دابة لا يجوز إتلافها فهلك بها آدمي أو غيره، فالدية في هلاك عاقل وقيمة غيره، وفي الخرشي أن قوله: "وإلا فالدية" شامل لصورتين؛ الأولى أن يقصد ضرر شخص معين فيهلك غيره، الثانية أن لا يقصد شيئا معينا. ومفهوم قصد الضرر أنه لو لم يقصد ضررا فلا شيء عليه وهو كذلك ولكن على تفصيل. انظره في الكبير. ولو قال: وإلا فالضمان لكان أشمل؛ يعني لشموله القيمة حيث كان الهالك غير آدمي بأن كان بهيمة أو كان الهالك عبدا. والله تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: واعلم أن حاصل مسألة البئر أنه إذا لم يقصد بحفرها ضررا، فإن حفرها في محل لا يجوز له كالطريق ضمن ما تلف بها لأن فعلها في الطريق يحمل على قصد الضرر، وإن كان في محل يجوز له فلا ضمان عليه وإن حفرها لقصد الضرر ولو في محل يجوز له، فإن حفرها

стр. 8486

[لإهلاك] (١) شخص غير معين فإنه يضمن ما هلك، وإن حفرها [لإهلاك] (٢) سارق غير معين وهلك فيها غير آدمي فالظاهر الضمان، وإن حفرها [لإهلاك] (٣) في شخص بعينه فإن هلك ذلك الشخص اقتص منه، وإن هلك غيره ضمن ديته هذا هو الصواب، وإن حفرها لمن يجوز قتله كحفرها في بيته أو حائطه للسبع فلا يضمن ما هلك فيها من آدمي سارق أو غيره، وإن حفر بئرا حول زرعه لمنع الدواب عنه خشية أن تفسده فلا ضمان عليه، وإن حفرها لإتلاف دواب الناس ضمن. انتهى. وقال عبد الباقي: "وإلا فالدية" في هلاك عاقل وقيمة غيره، كحفر بئر لطريق لأجل مطر أو حفره بجانب زرعه أو لإتلاف دواب ولم يحظر عليها، فإن حظر عليها أو حفرها لمنع دواب عن زرعه لم يضمن التالف ولو عاقلا. وقوله: فالدية على العاقلة في قصد سارق معين وهلك غيره منهم، وفي قصد جنس سارق فهلك واحد أو أكثر من غيرهم. وأما منهم ففي ماله وإن لم يقصد بحفر بئر ببيته ضرر أحد بل حفره لضرورة عرضت له فوقع فيها إنسان أو غيره فلا ضمان عليه ولا قصاص ولا دية بل هدر، وكذا لو حفر سربا مما يعمل مثله للماء بأرضه أو داره فمات به إنسان لم يضمن. قوله: كحفر بئر بطريق لأجل المطر الخ، قال البناني: هذا إذا كان في الحفر ضرر وإلا فلا ضمان عليه. قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: والتسبب كحفر بئر الخ، نص مالك على أنه لو حفر شيئا مما يجوز له في داره أو في طريق المسلمين مثل بئر المطر لا غرم عليه لا عطب في ذلك كله. أشهب: وهذا إذا لم يضر ما حفره بالطريق. انتهى. قال عبد الباقي: واعترض قوله: "تقدم لصاحبه" فإنه لا فائدة لهذا الشرط بالنسبة لقصد معين وهلك الذي هو منطوق المصنف؛ إذ يقتل به حينئذ تقدم فيه إنذار أم لا، وإنما فائدته في مفهوم قوله: "قصدا للضرر" أي فإن اتخذه لا لقصد الضرر فعليه الدية إن تقدم له فيه إنذار ويزاد فيه قيد وهو أن يتخذه بمحل يجوز له اتخاذه فيه، كإهلاك سبع وصائد دواب، فإن اتخذه بمحل لا يجوز

стр. 8487

اتخاذه فيه ضمن ما أتلفه تقدم له فيه إنذار أم لا حيث عرف أنه عقور، وإلا لم يضمن لأن فعله حينئذ كفعل العجماء. انتهى. قال أبو الحسن: قال ابن سهل: ضمنه. ابن القاسم: بأحد وجهين، إما أن يتقدم له وإما أن يتخذه بحيث لا يجوز وقد علم [بعقره]. (١) قاله الرهوني. وقوله: وهلك المقصود فيقتص من الفاعل في الفروع الأربعة مع المكافأة أو المقتول أعلى. قاله الشبراخيتي. وقال عند قوله: "ووضع مزلق" واعلم أنه إن فعله في الطريق ولم يقصد به الضرر فهو محمول على قصد الضرر، وإن فعله في محل يجوز له فإن قصد إتلاف آدمي بعينه محترم وتلف اقتص منه وإن تلف غيره أو فعله لإتلاف سارق لا بعينه أو لإتلاف ما لا يجوز إتلافه وتلف به آدمي فإنه يضمن ديته، وإن فعله لإتلاف ما يجوز إتلافه فلا يضمن ما تلف به من آدمي أو غيره. وقال الشبراخيتي عند قوله "أو ربط دابة بطريق". فإن قصد به إهلاك شخص بعينه وهلك اقتص منه وإن هلك غيره ضمن ديته، وإن لم يقصد إهلاك شخص بعينه فإن قصد به إهلاك من لا يجوز إهلاكه وهلك بذلك آدمي محترم ضمن ديته، وإن هلك غيره كدابة ضمن قيمته وإن لم يقصد به ضررا أصلا، فإن اتخذ ذلك لحاجة فلا ضمان، وإن جعل ذلك مربطا لها ضمن. ومن اتخذ دابة معروفة بالعداء ببيته ولم يفعل بها ما يمنعها من العداء الذي عرفت به، ففي المواق ما يفيد أن حكمها حكم الكلب العقور فيجري فيها تفصيله. انتهى. وفيه عند قوله: "وكلب عقور" ما نصه: لا يختص بالكلب بل يشاركه فيها كل حيوان مؤذ يتخذ والجدار المائل، والعقور ما يعقر ويؤذي بلا سبب من العقر وهو الجرح ولا يتحقق ذلك إلا بتكرر ذلك منه. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "تقدم له": واعلم أنه إن اتخذه لإهلاك معين محترم اقتص منه إن وجدت المكافأة وما يعتبر في ثبوت القصاص، وسواء كان عقورا أم لا، وإن هلك غيره ضمنه وإن اتخذه لإهلاك من لا يجوز إهلاكه وأهلك آدميا محترما ضمن ديته، وسواء كان عقورا أم لا،

стр. 8488

اتخذه في محل يجوز له أم لا، وإن هلك غيره ضمن قيمته، وإن لم يتخذه لإهلاك من لا يجوز إهلاكه. فإن كان غير عقور فلا ضمان، سواء اتخذه في محل يجوز له أم لا؛ لأنه من العجماء التي فعلها جبار أي هدر، وإن كان عقورا فإن اتخذه في محل لا يجوز له كما إذا اتخذه لحراسة الدار ضمن إن أنذر أو علم أنه يعقر الناس، وإن اتخذه في محل يجوز له كالزرع والضرع ضمن إن أنذر عند حاكم أو غيره وإلا لم يضمن، وليس مثل الإنذار هنا علمه أنه يعقر الناس، خلافا لابن مرزوق. انتهى المراد منه. تنبيه: فهم من قول المصنف: "وهلك المقصود" أن معنى قوله: "قصدا للضرر" لإنسان معين. قاله الشبراخيتي. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي عند قوله "وإلا فالدية" ما نصه: إن كان الهالك حرا والقيمة إن كان الهالك غيره، وقوله: "فالدية" أي على العاقلة في مسألة ما إذا قصد جنس السارق فهلك واحد أو أكثر منهم، فإن دية من هلك في مال الحافر، وإن هلك من غير السراق فالدية على عاقلته. انتهى. وكالإكراه يعني أنه إذا أكره إنسان إنسانا على قتل إنسان آخر فإنه يقتص من المكره بالكسر ومن الكره بالفتح، قال عبد الباقي: فيقتل المكره بالكسر لتسببه والمكره بالفتح لمباشرته إن لم تمكنه مخالفة الآمر خوف قتله، فكلامه مجمل يفصله الآتي له في قوله: "فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقط". انتهى. ونحوه لغير واحد. وتقديم مسموم يعني أنه إذا قدم الإنسان مسموما من طعام أو شراب أو لباس وهو عالم بذلك فمات المقدم إليه ذلك من استعماله وهو غير عالم أنه مسموم، فإنه يقتص من المقدم بكسر الدال. قال عبد الباقي: وتقديم مسموم من طعام أو شراب أو لباس عالما مقدمه بأنه مسموم ولم يعلم به الآكل، فإن لم يعلم به مقدمه أو علم وعلم به الآكل أيضا فلا قصاص ولا أدب على المقدم فيما يظهر. انتهى. قولد: ولا أدب على المقدم الخ، قال الرهوني: فيه نظر لأنه أعان على معصية هي أكبر المعاصي بعد الشرك بالله، ففعله معصية قطعا، فكيف لا يؤدب؟ انتهى. وقال ابن مرزوق: قال في ديات التهذيب: ومن سقى رجلا سما فقتله فإنه يقتل بقدر ما يرى الإمام. قوله: سقى رجلا سما أعم من أن يسقيه إياه صرفا أو يسقيه إياه في ماء أو لبن ونحوه وهو الظاهر، وهذا هو

стр. 8489

الذي يوافق كلام المصنف لأن السموم صفة لمحذوف أي شيئا مسموما، وما في النوادر صريح في موافقته كلام المصنف. ورميه حية عليه يعطني أنه إذا رمى حية على إنسان وهي حية فمات، فإنه يقتص منه وإن لم تلدغه. قال عبد الباقي: ورمي حية يعلم أنها قاتلة وهي حية عليه فمات وإن لم تلدغه، خلافا للشيخ داود، وتبعه التتائي في صغيره فيقتص منه ولا يقبل منه أنه أراد اللعب، وأما رميه الصغيرة التي لا تعرف بأنها قاتلة على وجه اللعب، فلا يقتل به إن مات من الخوف، أو كانت ميتة فرماها على وجه اللعب فمات من الخوف فلا يقتل به أيضا بل الدية عليه في الصورتين، فإن كان على وجه العداوة قتل به. انتهى. وتحصل من كلام عبد الباقي أنه إذا رمى حية على إنسان وهي حية يعلم أنها قاتلة فمات فزعا أو من لدغها عنها فإنه يقتص منه، خلافا للشيخ داود فيما إذا مات خوفا فإنه لا يقتل به يعني أنه خطأ، وأما إن لم تكن قاتلة فمات من الخوف ورماها على وجه اللعب فإنه لا يقتل به، وإن كان على وجه العداوة قتل به. انتهى. فعلم منه أنها إذا كانت غير قاتلة في العادة وكان رميه على وجه العداوة قتل به، مات من لدغها أو من الخوف، وإن كان على وجه اللعب ومات من الخوف فلا يقتل به، ولم يعلم منه ما إذا مات من لدغها وكان رميه على وجه اللعب؟ وفي الشبراخيتي ما يفيد أنه في هذه الحالة لا يقتل به. والله تعالى أعلم. وكان ينبغي للمصنف أن يزيد: حية. وكإشارته بسيف فهرب وطلبه وبينهما عداوة هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها بتنكير إشارة، يعني أن من أشار على رجل بسيف فهرب المشار عليه منه وطلبه الشير باتباعه إياه، والحال أن بينهما أي بين المشير المتبع والمشار عليه الهارب عداوة ولم يزالا كذلك حتى مات الهارب خوفا منه، فإنه يقتص من المتبع بلا قسامة هذا إن مات من غير سقوط؛ بأن مات وهو قائم مستند بحائط مثلا. وسواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين. وإن سقط حال هروبه منه فيقتص منه بقسامة أي لا يقتص من المشير المتبع إلا بعد أن يقسم أولياء المشار عليه الهارب أنه مات من فعل المشير المتبع لا من السقوط، فحينئذ يقتص منه وإنما

стр. 8490

طلبت القسامة لاحتمال أنه مات من السقوط، وينبغي تقييده بما إذا كان بينهما عداوة وإلا فخطأ. قال عبد الباقي: وإشارته أي وإن مات مكانه فإشارته عليه فقط أي على غير هروب مر المشار عليه ولا اتباع من المشير، والحال أن بينهما عداوة فهو خطأ منه، فعلى العاقلة الدية مخمسة. قاله التتائي. أي بغير قسامة كما هو ظاهره، وانظر إذا لم يكن بينهما عداوة هل الدية بقسامة أو لا دية؟ قاله عبد الباقي. وكالإمساك للقتل يعني أن من أمسك إنسانا لأجل أن يقتل فقتل فإنه يقتص منه بشرط أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله، قال الشبراخيتي: وكالإمساك للقتل أي أن من أمسلا شخصا لمن يرى أنه يقتله فقتله فإنه يقتل كل منهما، وبقي قيد آخر تركه المصنف وهو: أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله وارتضاه ابن عرفة: والظاهر أن الدال الذي لولا دلالته ما قتل المدلول عليه كالممسك للقتل لتوافقهما معنى واللام للتعليل، وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد ضربه بما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد لقتله، فإنما يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة. انتهى. وقولي: بشرط أن يعلم أنه لولا المسك الخ اعلم أنه ليس المراد علم الممسك؛ لأن الذي في عبارة ابن شأس ومن تبعه أن يعلم بالبناء للمجهول. وعلم مما قررت أن اللام في قول المصنف: "للقتل" للتعليل وهو الصواب، خلافا لجعل ابن عبد السلام اللام للانتهاء فإنه معترض، ويستدل على أن الممسك أمسكه للقتل بأن يرى الممسك القاتل وبيده سيف أو رمح يطلبه به، وقال ابن مرزوق: ومفهوم العلة في قوله: "للقتل" يقتضي أنه لو أمسكه لغير القتل لم يقتل ماسكه وهو كذلك، ونص المسألة منطوقا ومفهوما آخر كتاب الديات من ابن يونس، قال ابن القاسم: من أمسك رجلا لآخر فقتله، فإن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به، قال ابن يونس: كمحرم أمسك صيدًا لمحرم فقتله فعليهما جزاؤه، وقال ابن القاسم: وإن لم يظن ذلك وظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل وبولغ في عقوبة الممسك وسجن ولم يقتل. انتهى. ومثله في الموطإ لمالك سواء وقال: يسجن سنة لأنه أمسكه ولا يكون عليه القتل، وقال ابن نافع: يجلد بقدر ما يرى من ريبته وناحية صاحبه القاتل، وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط، وقال ابن مزين: القول ما قال ابن نافع. انتهى. وفي المدنية: يستدل على قصده

стр. 8491

القتل بالإمساك أن يطلبه القاتل وبيده سيف أو رمح فهنا يقتلان معا، وإن لم يكن ذلك فلا قتل على الحابس، وروى الدارقطني أنه ﷺ ، قال: يقتل القاتل ويحبس الممسك. وقال علي ﵁ للمسك: أنا أمسكك السجن حتى تموت. ويقتل الجميع بواحد يعني أنه إذا قتل جماعة إنسانا فإنهم يقتلون به أجمعون أي قتلوه من غير تمالؤ بدليل ما بعده. قال عبد الباقي: ويقتل الجميع غير المتمالئين - بدليل ما بعده - بواحد قتلوه مجتمعين عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورًا أو منفوذ القاتل ولم تتميز جنايات كل أو تميزت واستوت، كأن اختلفت وكان في بعضها ما ينشأ عنه الموت ولم يعلم، فإن علم صاحبه قدم الأقوى فيقتل واقتص من الباقي مثل فعله كما يأتي فإن تأخر موته غير منفوذ مقتل وغير مغمور قتل واحد فقط بقسامة، وإن علم من نشأ الموت عن فعله قتل فقط. والمتمالئون يعني أن المتمالئين على القتل أو الضرب بأن قصدوا جميعا وحضروا، بحيث يكون الذي لم يضرب لو احتيج له لضرب فيقتص منهم حيث مات فورا. قاله عبد الباقي وغيره. سواء قصدوا قتله أو ضربه أو اختلفوا وهذا هو المشهور كما مر للمصنف، حيث قال: إن قصد ضرب فلا فرق بين الواحد والجمع، وفي كلام الأجهوري نظر حيث قال: ويقتل الجميع بواحد إن قصد كل قتله، كما أن قوله: "والمتمالئون" أي المتفقون على قتله إلى آخر كلامه فيه نظر فإنه هو الشاذ، وخلاف المشهور وخلاف مذهب المدونة والموطإ وغيرهما، وكتب أهل المذهب المعتبرة كالموازية والمجموعة والواضحة وغيرها، والثاني رواه العراقيون عن مالك وقالوا به كما في المنتقى وغيره. انظر الرهوني. وإن بسوط سوط صورتها أن يضربه هذا بسوط ويضربه آخر بسوط وهكذا إلى أن يموت، فقوله: "بسوط سوط" أي من كل واحد سوط والسوط من الآلة التي لا تقتل في الغالب. وفي الموطإ عن عمر ﵁ في الصبي: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به وتخصيصه ممتنع (١)؛ لأن صنعاء كانت أعظم المدن في تلك الأقطار والبلاد في زمنه. وقوله: "وإن بسوط سوط" بل ولو لم يل الضرب

стр. 8492

إلا واحد بحيث لو استعان بهم لأعانوه. والله تعالى أعلم. ومعنى المتمالئين المجتمعين، قال الجوهري: أبو زيد: مالئته على الأمر ممالأة ساعدته عليه وشايعته. ابن السكيت: تمالئوا على الأمر اجتمعوا عليه؛ وقوله: "وإن بسوط سوط" إغياء فإذا كانوا يقتص منهم وإن لم يضرب كل واحد منهم إلا سوطا واحدا فلأن يقتلوا إذا تمالئوا على أن يضرب كل واحد منهم ضربة بالسيف وغيرها مما هو أقوى من السوط أحرى وأولى بسوط على حذف مضاف أي على ضرب سوط، وسوط الثاني الأولى في إعرابه أن يكون على حذف الواو العاطفة وإن كان قليلا أي بسوط من واحد وسوط من آخر، والباء في بسوط بمعنى: على. انظر ابن مرزوق. والمتسبب مع المباشر يعني أنه لو تسبب شخص في إهلاك شخص وباشر آخر إهلاكه فإنه يقتل المتسبب مع المباشر أي يقتلان معا هذا لتسببه وهذا لمباشرته بشرط المكافأة، أو كون المقتول أعلى، مثاله: لو حفر إنسان بئرا ليقع فيه معين فيهلك فوقف ذلك المعين على شفيرها فرداه فيها غير الحافر فمات فإنهما يقتلان معا كما عرفت، وقال أبو عبد الله بن هارون: يقتل المردي تغليبا للمباشرة، فلو حفرها لنفسه فرداه غيره فالقود على المردي اتفاقا ولا شيء على الحافر. قاله التتائي. وقوله: "والمتسبب مع المباشر" سواء كان هناك تمالؤ أولا، ومثل المصنف للمتسبب والمباشر بقوله: كمكره ومكره يعني أنه إذا أكره زيد عمرا على أن يقتل بكرا مثلا فقتله فإنه يقتل زيد المكره بالكسر وعمرو المكره بالفتح لتسبب زيد في قتل بكر بإكراه عمرو على قتله، ولمباشرة عمرو لقتله. ومحل قتل المكره بالفتح ما لم يكن أبا، فإن كان أبا فإنه لا يقتل وإنما يقتل المكره بالكسر، وذكر المصنف الإكراه فيما سبق لبيان أنه من الأسباب، [وذكر هنا] (١) لبيان من يقتص منه. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ثم محل قتل المكره بالفتح الراء إن لم يكن أبا وإلا قتل الكره بالكسر وحده، وأما لو أكره الأب شخصا على قتل ولده فقتله فيقتل المكره بفتح، وكذا الأب إن أمره بذبحه أو شق جوفه وقتله كذلك كعلى غيرهما فيما يظهر بحضرته فيهما، أو أمره

стр. 8493

بمطلق قتله فذبحه أو شق جوفه بحضرته مع قدرته على منعه من تلك الكيفية ولم يمنع، لا إن حضر ولم يقدر على منعه منهما، ولا إن فعلها في غيبته مع عدم أمره بفعلها. وأشار إلى مثال من أمثلة السبب بقوله: وكأب أو معلم أمر ولدا صغيرا يعني أن الأب إذا أمر ولده الصغير بقتل إنسان فقتله فإن الأب يقتل، وكذلك العلم إذا أمر ولدا صغيرا بقتل إنسان فقتله فإن العلم يقتل، أو سيد بالجر أمر عبدا له مطلقا يعني أن السيد إذا أمر عبده بقتل إنسان فقتله فإن السيد يقتل مطلقا سواء كان العبد صغيرا أو كبيرا، فصيحا أو أعجميا ويقتل العبد البالغ. قال عبد الباقي: وكأب أو معلم أمر كل منهما ولدا صغيرا: ظاهره ولو مراهقا بقتل شخص فقتله، "أو سيد" بالجر عطف على أب أمر عبدا له بقتل أحد فقتله فيقتل الأب والمعلم في الأوليين دون الصغير حرا أو عبدا، لقوله: إن أتلف مكلف وعلى عاقلة الحر نصف الدية، وإن كثر الصبيان الأحرار فعلى عواقلهم وإن لم تحمل كل ثلثا، ويلغز بحملها ما دون الثلث، ويقتل السيد في الثانية مطلقا كان عبده صغيرا أو كبيرا فصيحا أو أعجميا، ويقتل العبد البالغ لا الصغير فالإطلاق راجع لقتل السيد لا العبد لتقييد قتله ببالغ، والعبد الصغير عليه نصف الدية جناية في رقبته لأنه لا عاقلة له، والتقييد بعبده مخرج لعبد غيره فيقتل البالغ دون الآمر لكن يُضرب مائة ويحبس سنة، وكذا إن أمر الأب أو العلم كبيرا. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن كان المتعلم أو الولد كبيرا، فاختلف قول ابن القاسم، ففي سماع يحيى أنه يقتل القاتل ويبالغ في عقوبة الآمر، وروى سحنون أنهما يقتلان معا. فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقطيعني أنه إذا أمر إنسان إنسانا بقتل أحد والحال أن المأمور لم يخف من الآمر فقتله فإنه يقتص من الأمور فقط حيث توفرت شروط القصاص، ويضرب الآمر مائة ويحبس سنة، وإنما لم يقتل المكره لأنه مع عدم الخوف لا يسمى مكرها، ولم يقيد المكره فيما سبق بالخوف فلم يقل: ومكره إن خاف؛ لأنه مع الإكراه لا يكون إلا خائفا، فللة دره في هذه العبارة ولو تنازعا في الخوف فالظاهر أن القول قول مدعي عدمه. انتهى. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: صور ابن رشد هنا ست صور، الصورة الأولى: أن يأمر الرجل رجلا آخر حرا أو عبدا لغيره بقتل رجل فيقتله، فلا خلاف أنه يقتل القاتل ويضرب الآمر مائة ويسجن سنة. الصورة

стр. 8494

الثانية: أن يأمر الرجل عبد نفسه بقتل رجل فيفعل فإنهما يقتلان جميعا عند ابن القاسم، لم يختلف في ذلك قوله، كان العبد فصيحا أو أعجميا. وقاله أصبغ. الصورة الثالثة: أن يأمر الإمام بعض أعوانه بقتل رجل ظلما فيفعل فلا خلاف أنهما يقتلان معا. الصورة الرابعة: أن يأمر الرجل ابنه الذي في حجره وقد بلغ الحلم أو الصانع لمتعلمه وقد بلغ الحلم أو المؤدب لمن يؤدبه وقد بلغ الحلم بقتل رجل فيفعل، اختلف في هذا قول ابن القاسم، قال في سماع يحيى: يقتل القاتل ويبالغ في عقوبة الآمر، وقال في رواية سحنون: إنهما يقتلان معا. الصورة الخامسة: أن يأمر الرجل ابنه الذي في حجره وقد راهق الحلم ومثله ينتهي عما ينهى عنه أو الصانع لمتعلمه كذلك يعني المراهق الذي لم يبلغ الحلم أو المؤدب من يؤدبه كذلك أيضا، فإن الآمر يقتل ويكون على عاقلة الصبي نصف الدية. الصورة السادسة: أن يكون دون ذلك في السن فلا خلاف أن الآمر يقتل ويكون على عاقلة الصبي نصف الدية. انتهى. والذي للمتيطي: إذا أمر رجل صبيا صغيرا لا يعقل بقتل رجل أو بقتل صبي قتل الآمر أبا كان أو معلما، وكانت على عاقلة الصبي المأمور الدية، وإن كان ممن يعقل وهو دون الحلم أدب ولم يقتل وكان على عاقلة الصبي المأمور الدية. انتهى. قوله: الدية قد تقدم لابن رشد: نصف الدية، وكذا قال المازري. انتهى. وتحرير ما مر من قوله: "كمكره ومكره" إلى قوله: "فإن لم يخف المأمور اقتص" من المكره والمكره إن كانا بالغين حرين أو عبدين، ولا قصاص على غير البالغ مكرها أو مكرها، حرا أو عبدا. وفي حكم المكره بالفتح العبد حيث أمره سيده، والولد الصغير إذا أمره أبوه أو معلمه أو مؤدبه، فإن كان الولد بالغا في حجر أبيه أو المتعلم بالغا قتل البالغ القاتل، وفي قتل الآمر خلاف؛ فإن لم يكن إكراه وفي في حكمه اقتص من المأمور البالغ فقط، وأما غير البالغ فإنما عليه الدية وأما الآمر فعليه العقوبة في الصورتين كما قاله ابن مرزوق. وقد علمت أن المكره بالفتح إذا كان أبا لا قصاص عليه. انتهى. والخوف هنا بقتل أو شدة أذى كما في التتائي. قاله عبد الباقي. وعلى شريك الصبي القصاص إن تمالآ على قتله يعني أنه إذا اشترك صبي ومكلف في قتل إنسان فإن المكلف يكون عليه القصاص ولا قصاص على الصبي، وإنما على عاقلته نصف الدية لأن عمده وخطأه سواء، ومحل كون المكلف شريك الصبي يقتص منه حيث تعمد إنما هو إن تمالأ هو

стр. 8495

والصبي على القتل: فإن لم يتمالآ عليه فلا قتل على شريك الصبي البالغ وإنما عليه نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة الصبي النصف الآخر. قال عبد الياقي: وعلى المكلف شريك الصبي في قتل شخص القصاص وحده دون الصبي، لعدم تكليفه إن تمالآ على قتله عمدا، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية لأن عمده كالخطإ، فإن تعمد كل منهما قتله من غير تمالؤٍ بأن لم يعلم أحدهما بالآخر فلا قتل على شريك الصبي لاحتمال كون رمي الصبي هو القاتل له، وإنما عليه نصف الدية في ماله ونصفها الآخر على عاقلة الصبي، إلا أن يدعي الأولياء أنه مات من فعل المكلف حال عدم الممالأة فإنهم يقسمون عليه ويقتلونه، فيسقط نصف الدية عن عاقلة الصبي لأن القسامة إنما يقتل بها أو يستحق بها واحد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال المواق من المدونة: إن قتل رجل وصبي رجلا عمدا قتل الرجل وعلى عاقلة الصبي نصف الدية. ابن يونس: يريد إذا تعمدا جميعا قتله وتعاونا عليه. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن المكلف إذا اشترك مع صبي في قتل شخص وتمالآ على قتله فإن القصاص على شريك الصبي وحده، والصبي لا شيء عليه وإنما على عاقلته نصف الدية فقط. قاله في المدونة. فإن لم يتمالآ بأن كانا أو الكبير عمدا فعليه نصف الدية في ماله وعلى عاقلة الصبي نصفها، وإن كانا أو الكبير خطأ فعلى عاقلة كل نصف الدية. انتهى. وفاضل تمالآ ضمير الاثنين وهو الألف التي بعد الهمزة وهو عائد على الصبي وشريكه. قاله ابن مرزوق. لا شريك مخطئ يعني أنه إذا اشترك مكلفان في قتل معصوم أحدهما مخطئ والآخر متعمد فإنه لا قصاص على الشريك المتعمد، وله عليه نصف دية عمد في ماله وعلى عاقلة المخطئ نصفها الآخر ولا شريك مجنون أي وكذلك لا قصاص على مكلف اشترك هو ومجنون في قتل إنسان، وإنما على الشريك المتعمد نصف دية عمد في ماله وعلى عاقلة المجنون نصف دية. قال عبد الباقي: لا تعمد شريك مخطئ بالهمز ويرسم بالياء ولا شريك مجنون فلا يقتص منه لأنه لا صارف لفعلهما غالبا ولشدته، بخلاف فعل الصبي. وعلى عاقلة المخطئ والمجنون نصف دية خطإ وعلى الشريك المتعمد نصف دية عمد في ماله. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا قاتل شريك مخطئ تعمد شريكه ومخطئ يقرأ بالهمزة ولا ترسم ولا شريك مجنون لأنه لا يدرى القاتل منهما ولا قتل بشك، ولو

стр. 8496

قال الأولياء: القتل إنما حصل منه وأقسموا على ذلك كما يفيده كلام الشارح في الكبير والوسط وعلى كل نصف الدية. انتهى. ونحوه للخرشي. وقال التتائي: لا شريك مخطئ تعمد الشريك ولا شريك مجنون فلا يقتص من واحد من شريكيهما إذ لا يدرى القاتل منهما ولا قتل بشك، وفي التلقين: لا يسقط القتل عن المتعمد. انتهى. وقال المواق: محمد: وإن قتل رجلان أحدهما عمدا والآخر خطأ قتل المتعمد وعلى المخطئ نصف الدية. انتهى. وقال ابن مرزوق: أي وليس على المكلف القاصد للقتل إذا شاركه في القتل مخطئ، إما صبي أو مكلف أو شاركه فيه مجنون قصاص. انتهى. زمن المدونة: وكانت رمية الصبي خطأ ورمية الرجل عمدا ومات منهما واحد فأحب إلي أن تكون الدية عليهما معا؛ لأني لا أدري من أيهما مات. ابن يونس: يريد ونصف الدية على الرجل في ماله. انتهى. وهل يقتص من شريك سبع؟ يعني أنه إذا شارك المكلف القاصد لقتل سبع أو نحوه في قتل شخص؛ كأن يفترس الأسد رجلا ثم يضربه رجل قصدا لقتله فيموت فإنه اختلف على قولين، كمل على المكلف فيها القصاص لقصده القتل أو إنما عليه نصف الدية لأنه لا يدري هذا الموت من فعله أو من الشيء الآخر، ولم يطلع المصنف على نص على الراجح من القولين. قاله ابن مرزوق. وقال الشبراخيتي: وهل يقتص من شريك سبع؟ ونحوه إذا ضربه، والسبع ينهشه ولم يدر هل مات من الضارب أو من نهنش السبع أو إنما عليه نصف الدية في ماله ويضرب مائة ويحبس عاما في ذلك قولان، وأما لو ألقاه للسبع فإنه يقتل به اتفاقا. انتهى. ونحوه قاله غير واحد. وقوله: "وهل يقتص" اعلم أن القول بالقصاص بقسامة والقول بنصف الدية بغير قسامة. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن القاسم في رواية عيسى فيمن جرح ثم ضربته دابة فمات ولا يدرى من أي ذلك، قال: نصف الدية على عاقلة الجارح، قيل: بقسامة، قال: وكيف يقسم في نصف الدية؟ قال في المجموعة: إذا جرح رجل ثم ضربته دابة أو وقع من فوق جدار فأصابته جراح آخر فمات فلا يدرى من أي ذلك مات فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح وهو كمرض المجروح بعد الجرح. وقد قال مالك: إذا مرض المجروح فمات فليقسموا لمات من ضربه في العصد والخطإ. ابن المواز: ولو كان إنما طرحه إنسان من على ظهر البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهم شاءوا

стр. 8497

على الجارح أو الطارح وقتلوه وضرب الآخر مائة ويسجن عاما. انتهى من ابن يونس. وراجع (١) أنت ابن عرفة، ونقله عن ابن رشد أن معنى مسألة الدابة أن جرح الرجل وضربة الدابة كانا معا ومات من حينه، فحمل أمره على موته من الأمرين لاحتمال موته منهما احتمالا واحدا لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر. انتهى المراد منه. والله تعالى أعلم. وجارح نفسه يعني أن المكلف القاصد للقتل إذا شاركه في قتل إنسان ذلك الرجل المقتول نفسه، كأن يجرح رجل نفسه جرحا يكون عنه الموت غالبا ثم يضربه آخر قاصدا قتله فمات، فإنه اختلف في ذلك على قولين، قيل: يقتص من ذلك الرجل نظرا لقصده قتل ذلك الرجل الذي جرح نفسه بقسامة، وقيل عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة ولا قصاص عليه؛ لأنه لا يدرى من أي الفعلين مات وهذا إنما هو حيث لم يتمالآ على قتل الرجل الذي جرح نفسه، وأما لو تمالآ على ذلك اقتص منه قطعا. قال عبد الباقي: فلا يجري فيه القولان المذكوران. والله تعالى أعلم. وقوله: "وجارح" عطف على: "سبع". وحربي يعني أن المكلف القاصد للقتل إذا شاركه حربي في قتل إنسان فإنه اختلف في ذلك على قولين، قيل يقتص من ذلك المكلف الذي شاركه حربي في قتل ذلك الإنسان وإنما يقتص منه بقسامة، ووجه القول بالقصاص كونه قصد قتله، وقيل لا يقتص منه وإنما عليه نصف الدية في ماله بلا قسامة لأنه لا يدرى من أي الفعلين مات. والله تعالى أعلم. وهذا ما لم يتمالئ الحربي والشريك على القتل وإلا اقتص من الشريك قطعا. قاله الشبراخيتي. ومريض بعد الجرح يعني أن المكلف إذا جرح إنسانا عمدا - ثم إن المجروح مرض بعد ذلك الجرح مرضا مخوفا يحصل فيه الموت غالبا - فإنه اختلف في حكم ذلك على قولين، قيل يقتص منه بقسامة نظرا لعمده: وقيل لا يقتص منه وإنما عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة، وأما إن مرض ثم جرحه بعد ذلك المرض فالظاهر القصاص فقط ليس إلا بمثابة من قتل المريض. انظر حاشية الشيخ البناني.

стр. 8498

وعلم مما قررت أن قوله: أو عليه نصف الدية قسيم "ليقتص"، فهو جار في الفروع الأربعة، وعلم منه أيضا أن قوله: قولان في كل من الفروع الأربعة وهو مبتدأ حذف خبره أي ذلك قولان، قال عبد الباقي: واعترض ذكره الرابعة في القولين بأن الذي تجب به الفتوى القصاص في العمد بقسامة والدية في الخطإ بقسامة. انتهى. واستشكل حكاية المصنف القولين في هذه الفروع على حد السواء وجزمه فيما قبلها أعني قوله: "لا شريك مخطئ ومجنون"، بقول واحد مع أن الخلاف موجود في الجميع، والظاهر في الجواب عنه أنه لعله ترجح عنده ما اقتصر عليه فيما قبل هذه وتساوى عنده القولان وهذه. والله تعالى أعلم. انظر الرهوني. وقال عبد الباقي: والقول بالقصاص في الأربع بقسامة والقول بنصف الدية بغير قسامة، وقوله: "ومريض بعد الجرح" حصول المرض من الجرح. انتهى. وقوله: "قولان" هما لابن القاسم، قال الشارح: والأحسن عدم القتل. انتهى. قاله التتائي. وقال: والقول بالقصاص إنما هو بالقسامة كما في التوضيح. انتهى. وقال الشبراخيتي: قولان لابن القاسم وحيث قلنا بالقصاص فإنها يكون بقسامة كما في التوضيح، وحيث قلنا بنصف الدية فلا يحتاج للقسامة، وعلى القول بأنه لا قصاص وإنما عليه نصف الدية في المسائل الأربع فإنه يضرب مائة ويحبس عاما، وما ذكره المصنف من الخلاف في المريض خلاف ما تجب به الفتوى من أن الواجب في العمد القصاص بقسامة وفي الخطإ الدية بقسامة. انتهى. وإن تصادما أي الشخصان مكلفين أو صبيين أو مختلفين أي صدم كل منهما الآخر قصدا، قال في القاموس: الصدم ضرب صلب بمثله والفعل كضرب وإصابة الأمر والدفع وقد صادمه فاصطدما وتصادموا تزاحموا، أو تجاذبا حبلا أو عصا بينهما وكل منهما يد صاحبه أو ثوبه مطلقا راجع للأمرين قبله، أي سواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين بصيرين أو ضريرين أو مختلفين قصدا راجع للأمرين أيضا أي قاصدين لذلك أي متعمدين للتصادم أو للتجاذب، فماتا معا في المسألتين أو مات أحدهما فقط، فالقود أي فأحكام القود نفيا أو إثباتا. قال الخرشي مفسرا للمصنف: يعني أن المكلفين أو الصبيين أو أحدهما إذا قصدا التصادم أو التجاذب بحبل أو غيره، بأن جذب كل منهما يد صاحبه فوقعا فماتا معا أو أحدهما فأحكام القود ثابتة بينهما، وسواء كانا راكبين أو

стр. 8499

ماشيين أو مختلفين بصيرين أو ضريرين أو مختلفين وهو مراده بالإطلاق، فمن أحكام القود سقوط القصاص إذا ماتا، [و (١)] من أحكامه إذا كان أحدهما بالغا والآخر غير بالغ سقوط القصاص عن غير البالغ. أو كان أحدهما حرا والآخر عبدا فلا يقتل الحر بالعبد ويحكم أيضا بأحكام القود فيما لو قصد أحدهما التصادم أو التجاذب دون الآخر. انتهى. وقال الشبراخيتي: فالقود أي فأحكام القود أي فاللازم أحكام القود، ثم قال: وقال في الشرح: إنما يتأتى هذا فيما إذا مات أحدهما فقط كما هو ظاهر وكانا حرين وكان الميت هو الحر، وأما لو كان هو العبد فلا قود على الحر وتكون عليه قيمته في ماله ومع موتهما لا يتصور القود. انتهى. وقال عبد الباقي: فماتا معا فلا قود لفوات محله والصبيان إذا ماتا بما مر؛ يعني التجاذب أو التصادم وكذلك لا دية لأحدهما على الآخر لفوات محله. انتهى. قوله: والصبيان إذا ماتا بما مر، الخ قال التتائي: فيه نظر لأن فعل الصبيين حكما كالخطإ، فإذا ماتا معا أو أحدهما لزمت الدية ولا يكون هدرا كما زعمه. وفي المواق عن ابن شأس ما نصه: ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما أو أركبهما أولياؤهما فالحكم فيهما كما في البالغين إلا في القصاص. انتهى، وقال في التوضيح: ودية كل من الصبيين على عاقلة الآخر على المشهور. انتهى. وقال ابن مرزوق: الظاهر أن قوله: "قصدا" في موضع الحال أي تصادما قاصدين بتصادمهما متعمدين له لا مخطئين. وحملا عليه يعني أن المتصادمين أو المتجاذبين إذا جهل حالهما فإنه يحمل تصادمهما أو تجاذبهما على العمد ولا يحملان على الخطإ عند جهل الحال فتجري بينهما أحكام القود. فإذا مات أحدهما وجهل هل وقع تصادمهما أو تجاذبهما عمدا أو خطأ فإنه يقتص من الحي بشروط القصاص، وإذا ماتا معا فإنه يهدر دمهما بفوات القود ولا دية، ولو حملا على الخطإ لوجبت دية كل على عاقلة الآخر. عكس السفينتين يعني أن السفينتين إذا اصطدمتا ولم يعلم هل اصطدمتا عمدا أو خطأ أو عجزا عن صرفهما فإنهما لا يحملان على العمد ولا على الخطإ، وإنما يحملان على العجز الحقيقي

стр. 8500

فيكون ما وقع من تصادمهما هدرا كما هو نص المدونة، ولا يحملان على الخطإ لأن الخطأ فيه الدية وضمان الأموال. قال أبو الحسن: مسألةٌ السفينة والفرس على ثلاثة أقسام؛ إن علم أن ذلك في السفينة من الريح وفي الفرس من غير راكبه فهذا لا ضمان عليه، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة ومن سبب الراكب في الفرس فلا إشكال أنهم ضامنون، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من سبب الريح، وفي الفرس على أنه من سبب الراكب. انتهى. ونقله الحطاب. واعلم أن السفينتين لا قود فيهما، وهذا هو الذي يفيده قول المدونة في السفينة، وإن كانوا قادرين أن يصرفوها فلم يفعلوا ضمنوا. انتهى. ابن يونس: يريد في أموالهم وقيل الدية على عواقلهم نقله ابن عرفة. وقال اللخمي: إن تعمدوا ذلك وعلموا أنه مهلك فالدية في أموالهم. انتهى. قال الحطاب: وهو مشكل لأنه يقتضي أنه إذا تعمد أهل السفينة إغراق أخرى فليس عليهم إلا الدية، والظاهر أنه يجب في ذلك القصاص لأن ذلك بمنزلة طرح من لا يحسن العوم وبمنزلة المثقل فتأمله. انتهى. قاله البناني. واعلم أن اصطدام السفينتين عمدا الواجب فيه دية عمد، وخطأ الواجب فيه دية الخطإ. تنبيهات: الأول: لو قال بصير أعمى فوقع البصير ووقع الأعمى عليه فقتله، فقال مالك في رواية ابن وهب: الدية على عاقلة الأعمى. الثاني: لو سقط ابنه من يده فمات لم يلزمه شيء، ولو سقط من يده شيء عليه فمات فالدية على عاقلته. أشهب: وإن كان الأرش أقل من الثلث، ففي ماله. الثالث: لو طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الهلاك فتركه فمات، ففي الموازية والعتبية عن ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال ابن القاسم فيمن تردى في بئر فصاح لرجل يدلي له حبلا فدلاه له ورفعه، فلما خاف على نفسه من رفعه خلاه فمات، ضمن. ابن عرفة: يفرق بينه وبين طالب الغريق بأن موت الغريق إنما هو بنفس ما كان عليه دون شركة الطالب بفعل ورافعه، من البئر مشاركه بسقوطه من فعل رافعه ولو انقطع الحبل لم يضمن. ولو انفلت من يده ضمن، ومن مر بجازر يقطع لحمه فزاحمه آخر فوقعت يده تحت فأس الجازر فطرح أصابعه، فقيل ذلك على

стр. 8501

طارحة، وقيل على عاقلة الجازر وترجع به على عاقلة الطارح، ومن حمل عدلا على بعير لغيره وهو يساربه وسط السوق فانقطع الحبل فسقط عدل على رجل فقتله، فإن الضمان عليه دون صاحب البعير. نقله القلشاني. الرابع: لو سقط من دابته على رجل فمات الرجل فديته على عاقلة الساقط. قاله أشهب في الموازية والمجموعة. ولو انكسرت سن الساقط وانكسرت سن الآخر، فقال ابن المواز: مذهب أصحابنا أن على الساقط دية سن الذي سقط عليه وليس على الآخر دية، وقال ربيعة: على كل واحد دية ما أصيب، ودليل الأول أن الجناية بسبب الساقط دون سبب الآخر، نقل هذه الفروع الأربعة التتائي عن التوضيح، ونقلها الشبراخيتي أيضا عن التوضيح. الخامس: قال البناني: قول المصنف: "قصدًا" مقيد بكون القصد لغير مصلحة وإلا فلا قصاص ولا دية كما يقع بين صناع الحبال، فإذا تجاذب صانعان حبلا لإصلاحه فتقطع فماتا أو أحدهما فهو هدر. قاله بعض انتهى. السادس: قد مر نقل البناني عن ابن عرفة أن ابن يونس قال في قول المدونة في السفينة: "وإن كانوا قادرين أن يصرفوها فلم يفعلوا ضمنوا". انتهى. ما نصه: يريد في أموالهم الخ، قال الرهوني: هكذا هو في الحطاب عن ابن عرفة: وكذا هو في ابن عرفة نفسه ولم أجد هذا الكلام لابن يونس في كتاب الرواحل ولا في كتاب الديات. وإنما وجدت له في كتاب الرواحل عقب كلام المدونة في مسألة أخرى أشار إليها المصنف بقوله: "كنوتي غرقت سفينته" الخ، وأما اصطدام السفينتين فلا شيء عليهم إذا كان أمرا غالبا من الريح لا يقدر على دفعه، ولو علم النوتي أنه يقدر على صرفها فلم يفعل ضمن، وإذا كان في رأس الفرس إلى آخر كلامها الذي اعترض به ابن عرفة على ابن عبد السلام، وقال عقبه: والسفينة لا [يزحزحها] (١) شيء والريح هو الغالب فهذا فرق ما بينهما، وإذا غرقت السفينة من [مد] (٢) النواتية فإن صنعوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا، وإن تعدوا وأغرقوا في مد أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس

стр. 8502

والحمولة. محمد بن يونس: يريد في أموالهم، وقيل إن الدية على عواقلهم. انتهى. فلعل ابن عرفه ﵀ رأى أن المسألتين في المعنى سواء فذكر ما قاله ابن يونس في إحداهما في الأخرى. والله تعالى أعلم. انتهى. إلا لعجز حقيقي مستثنى مما دل عليه الكلام السابق أي أن تصادم السفينتين يخالف تصادم غيرهما في الحكم، إلا إذا تحقق العجز عن الصرف عن التصادم فإنهما يستويان في أنه لا ضمان في قال ولا قود في تصادم السفينتين ولا في تصادم غيرهما. انتهى. فبان من هذا أن التصادم في غير السفينتين له أربع حالات أيضا تحقق العمد فالقصاص بشروطه، جهل الحال فالقصاص، تحقق الخطإ فله حكم الخطإ، تحقق العجز فهدر. وأن تصادم السفينتين له أربع حالات أيضا: تحقق العمد فلا قصاص على المشهور لكن الضمان حاصل، ويضمنون دية العمد في العمد، تحقق الخطإ فالضمان حاصل أيضا لكن يضمنون في الأنفس دية خطإ، تحقق العجز، جهل الحال ففي هاتين الحالتين ما وقع من أجل تصادمهم هدر. والله تعالى أعلم. تنبيه: قال ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه فإنه لا يضمن. انتهى. قال ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس الخ يرد بقول المدونة إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو ضامن، وبقولها: إن كان برأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جموحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه. انتهى. نقله البناني. وقوله: اعتزام، قال في القاموس: اعتزم الفرس مر جامحا، وفي المدونة: وإن جمح الفرس فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه، وإن فعل به غيره ما جمح به فذلك على الفاعل، والسفينة في الريح هي الغالبة. انتهى. نقله الحطاب. وقال عقب رد ابن عرفة لكلام ابن عبد السلام ما نصه: وهو ظاهر. انتهى. إلا لكخوف غرق أو ظلمة راجع لقوله عكس السفينتين أي فيحملان على العجز ولا ضمان، ولا يكون الحكم كذلك إن قدروا على صرف السفينتين فلم يصرفوهما لخوف غرق أو نهب أو أسر إن

стр. 8503

صرفوهما فلم يفعلوا حتى تلفتا، أو إحدهما أو ما فيهما من آدمي أو غيره فيضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم، وكذا الحكم إن قدروا على صرف السفينتين عن الاصطدام فلم يصرفوهما خوف ظلمة فإنهم يضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم، فقوله: "أو ظلمة" عطف على "غرق"، وأما لو اصطدموا لكونهم لم يروهم لظلمة فهدر هذا هو المتعين، وأما قول البناني: قال ابن يونس: قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها: فلا شيء في ذلك على أحد لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا على حبسها إلا أن في ذلك هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فلتضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا هم الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون (١) لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء. انتهى. فقد رده الرهوني. فعلم أن قوله: "أو ظلمة" معطوف على "غرق"، وأما عطفه على خوف فإنه يقتضي أنهم إذا اصطدموا لأجل ظلمة بسبب أنهم لم يروهم فلأنهم يضمنون وليس كذلك. بل المنقول عن ابن القاسم أنهم لا يضمنون إذا اصطدموا في ظلمة لكونهم لم يروهم، وإذا لم يضمنوا مع الغفلة فأحرى أن لا يضمنوا مع الظلمة. وقولي: إن قوله "أو ظلمة" عطف على قوله "غرق" أي لخوف الوقوع في ظلمة كالبحر، فإن ما كان منه جنوبيا كان مظلما وما كان منه شماليا كان مشرقا، كما إذا خاف الوقوع في الجنوب لظلمة. وإلا يكن اصطدام المصطدمين من سفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين مقصودا، بل كان خطأ من الجانبين وحصل منه الموت فدية كل من الآدميين على عاقلة الآخر؛ لأنه عن جناية خطأ وفرسه قيمتها في مال المصادم الآخر ولا خصوصية لفرسه بل ما تلف بسبب التصادم حكمه حكم الفرس. قاله الشبراخيتي، وهو كالصريح في أن السفينة إذا تلفت يضمنها أهل السفينة الأخرى. والله تعالى أعلم.

стр. 8504

قال الشبراخيتي: وإن كان من أحدهما خطأ ومن الآخر عمدا، فإن مات أحدهما فقط فإن كان المخطئ اقتص من المتعمد وإن كان المتعمد فديته على عاقلة المخطئ، وأما إن ماتا معا، فقال البساطي: دية المخطئ في مال المتعمد ودية المتعمد على عاقلة المخطئ. انتهى. ثم قال عن بعض شيوخه ما يخالف ما ذكره البساطي، فإنه قال: ولم يذكر الشارح حكم موتهما معا، وكذا لم يذكره التتائي، وذكره بعض شيوخنا فقال: إذا اصطدم بالغ وصبي عمدا وماتا فإن دية البالغ على عاقلة الصبي، ولا دية للصبي لأن قاتله عمدا قد قتل. انتهى. كلام الشبراخيتي. ونحوه للخرشي وعبد الباقي ولفظ عبد الباقي: كان الشيخ البنوفري يقرر فيما إذا ماتا معا أن دم المخطئ هدر، ومثل ذلك اصطدام بالغ وصبي عمدا الخ ما ذكره عن الأجهوري، قال البناني رادا على البنوفري والأجهوري ما نصه: ويقال إذا كان القاتل عمدا قد قتل خطأ فالمستحق لديته ولي مقتوله، لقول المصنف: "واستحق ولي دم من قتل القاتل كدية خطإ". فتأمل. انتهى. وما قاله البناني ظاهر. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى اعلم. تنبيه: قد مر قول الحطاب في قولهم: إنه لا قود في السفينتين حيث تعمد أهلهما الاصطدام، وهو مشكل لأنه يقتضي أنه إذا تعمد أهل السفينة إغراق الأخرى فليس عليهم إلا الدية، والظاهر أنه يجب في ذلك القصاص لأنه كطرح غير محسن العوم وكالقتل بالمثقل. انتهى. قال الرهوني: سلم الزرقاني كلام الحطاب هذا كما سلمه غير واحد، حتى إن البناني ارتضى قول ابن عاشر: إن قوله "إلا لعجز" يرجع للسفينتين والمتصادمين؛ أي فيرجع لقوله: "وإن تصادما" ويكون المصنف جاريا على ما استظهره الحطاب في السفينتين من أن القود عند القصد، وفيه ما لا يخفى على كل متأمل أدنى تأمل، أما حمله على ظاهر اللفظ فواضح السقوط؛ إذ كيف يجري المصنف على استظهار الحطاب والمصنف متقدم عليه بأعصار؟ مع أن الحطاب معترف بأن ما قاله بحث له مخالف لظواهر النصوص، وقد رأيت النصوص السابقة الخالفة لبحث الحطاب، ولذلك أنكر ابن مرزوق وجود القول بالقصاص في اصطدام الفارسين، وقياس ذلك على طرح من لا يحسن العوم ووضع مثقل فيه نظر الخ. انتهى المراد منه.

стр. 8505

كثمن العبد يعني أنه لو تصادم حر وعبد فماتا فدية الحر في رقبة العبد وقيمة العبد في مال الحر، فإن زادت دية الحر على قيمة العبد لم يضمن السيد الزائد لأنها تعلقت برقبة العبد والرقبة قد زالت، ولو زادت قيمة العبد على دية المص أخذ السيد الزائد، وقد علمت أن جناية العبد حالة لا منجمة وتبع لفظ المدونة في التعبير عن القيمة بالثمن. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: "كثمن العبد" أي قيمته فإنها في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد حالة لا منجمة، فإذا اصطدما عمدا أو خطأ ففيهما ما ذكر ويتقاصان، فإن فضل من دية الحر شيء لم يضمنه السيد لأنها تعلقت برقبة العبد والرقبة قد زالت، وإن زادت قيمة العبد شيئا أخذه السيد حالا وإنما كان في الحر مع العمد الدية الأن للولي استحياءه حيث كان حيا، ومخير بعد ذلك سيده في فدائه بالدية وإسلامه. فلها لم يكن القتل متحتما ومات تعلقت الدية بقيمة رقبة العبد، وقد ظهر لك التفريق في الحكم بين تصادم الحرين والحر مع العبد. انتهى. قوله: فإن فضل من دية الحر شيء لم يضمنه السيد الخ: قال البناني: قال ابن يونس: قال ابن المواز: إلا أن يكون للعبد مال فتكون بقية الدية في ماله. انتهى. وقال المواق. قال مالك: إذا اصطدم فارسان ففيت الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل في مال الآخر، قال مالك: ولو أن حرا وعبدا اصطدما فماتا جميعا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان، فإن كان ثمن العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء. وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين، فإن انكسرتا غرم كل واحد ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له صاحبه، وفي المجموعة والموازية: إن اصطدم فارسان فوطئ أحدهما على صبي فقطع أصبعه ضمناه. وقال ابن شأس: وإن وقع أحدهما على شيء فأتلفه ضمناه. انتهى. فرع: ذكر في التوضيح أن من دفعه غيره على رجل فمات فعلى الدافع العقل دون المدفوع، وذكر ابن شأس في بصير قال أعمى فوقعا في بئر فماتا أن دية الأعمى على عاقلة الآخر إن وقع كل منهما ناحية أو وقع البصير فوقه والبصير هدر، ولو وقع الأعمى وحده ضمنه البصير، وإن وقع البصير وحده لم يضمنه الأعمى، وكذا لو وقع بصيران في بير فيضمن الأعلى الأسفل ولا شيء

стр. 8506

على الأسفل إلا أن يكون الوقوع بسببه، وذكر أن من ارتقى في بئر فجذبه رجل من أسفل فوقعا فماتا فعلى عاقلة الأسفل دية الأعلى. نقله في الميسر. فإن تعدد المباشر ففي الممالاة يقتل الجميع يعني أن مباشر المل إن كان أكثر من واحدة وهذا معنى قوله: "إن تعدد"، فإن كان أولئك المتعدرون تمالؤا على القتل أي اجتمعوا عليه وقصده جميعهم، فإنهم يقتلون أجمعون. قاله غير واحد. وقد مر أن المعتمد أنهم إن تمالؤا على الضرب يقتل الجميع إن مات ولو لم يتمالئوا على قتله. والله تعالى أعلم. وقوله: "المباشر" فرض مسألة إذ لا فرق في الممالاة بين أن تحصل مباشرة من الجميع وأن لا تحصل إلا من واحد، فإن قلت: قوله "ففي الممالاة يقتل الجميع" مكرر مع قوله: "والمتمالئون وإن بسوط سوط"؟ فالجواب أنه ذكره ليرتب عليه قوله: وإلا يتمالئوا بأن قصد كل واحد قتله بانفراد ولم يتفق مع غيره على ذلك، أو قصد كل واحد منهم ضربه لا قتله ولم يتفق مع غيره على ذلك وجرحه كل أو مات قدم الأقوى فعلا على غيره ويتعين للقتل وحده بقسامة ويقتص من غيره ممن جرح ويعاقب من لم يجرح، وهذا واضح أن تميزت الضربات كما قال المصنف: وأما إذا لم تتميز، فإن قتل مكانه قتلوا، وإن لم يقتل مكانه فقيه القسامة أي يقسم في العمد على واحد يعينوه ويقسموا (١) عليه. انتهى. قاله الخرشي. وقد علمت أنه فهم، من قوله: "قدم الأقوى" أن الأقوى فعلا معروف، فإن لم يعرف الأقوى فهو قولي: وأما إذا لم تتميز فإن قتل الخ. تنبيه: وقع لعبد الباقي والخرشي عند قوله: "وإلا" يكن تمالؤ بل قصد كل واحد قتله بانفراده أي قصد كل ضربه لا قتله، وجرحه كل ومات ولم يدر من أيها مات، قدم الأقوى فعلا، وزاد عبد الباقي: وهو من مات عن فعله أو أنفذ مقتله وإن لم يكن فعله أشد من فعل غيره، فيقدم على غيره فيقتل بقسامة إلى آخره. قوله: ولم يدر من أيها مات. قال البناني: الصواب إسقاطه لأنه ينافي موضوع المسألة من معرفة الأقوى وهو من مات من فعله أو أنفذ مقتلا. كما قرره به

стр. 8507

فتأمله. انتهى. قال عبد الباقي: وبموته في هذه المسألة علم عدم تكرارها مع قوله: "وإن تميزت جنايات بلا تمالؤ" الخ فيما إذا لم يمت. انتهى. ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام يعني أن القاتل والمقتول إذا كانا متساويين عند القتل - ومعنى تساويهما عند القتل أن يكونا كافرين من وقت القتل أو عبدين يدل عليه قوله: "بعتق أو إسلا" - فإن تلك المساواة إذا زالت بعد ذلك بعتق القاتل أو إسلامه، فإن القتل لا يسقط عنه بالانتقال إلى الحال الأعلى؛ لأنه حين القتل وجب عليه القصاص فلا يسقطه شيء، كما لا تسقط التوبة الحدود. قال عبد الباقي: ولا يسقط القتل أي ترتبه الكائن عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام، فإن قتل عبد عبدا مثله عمدا ثم عتق القاتل، أو قتل الكافر كافرا عمدا ثم أسلم اقتص من الحر ومن المسلم؛ لأن المانع إذا حصل بعد ترتب الحكم لا أقوله، وكذا لا يسقط الجرح، فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في العمد. قاله ابن حبيب. فالضمير في "زوالها" للمساواة وما تقدم، من قوله: ولا زائد حرية أو إسلام شرط في القصاص وما هنا بيان لعدم سقوطه بعد ترتبه، فما هنا مغاير لما مر وهو مفهوم قوله: "حين القتل" وكذا لا يثبت القتل بزوال الزيادة الكائنة عمْد القتل برق كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم فر القاتل لدار الحرب ثم أخذ واسترق فلا يقتل به، ومحل قتل الكافر القاتل إذا أسلم في مسألة المؤلف [إن] (١) كان للمقتول ولي، فإن لم يكن له ولي إلا المسلمون ندب العفو عنه وعدم قتله كما في المجموعة، وبه يلغز ويقال: شخص قتل من يقتل به وندب عدم قتله؟ قال الوالد: وانظر هذا أي قوله: لم يكن له ولي إلا المسلمون مع أن أمر المقتول الكافر إنما هو لأهل دينه يرثونه ويعقلون عنه، فينبغي أن يكون قصاصه أيضا لهم لا للإمام. انتهى. وقد يجاب بأنه لشرف الإسلام لم يرد الكافر لهم لئلا يتحاكموا في مسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يسقط القتل ومثله القطع: فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في القطع، وترك المصنف ذلك هنا للعلم به من قوله: "والجرح كالنفس". انتهى. وقوله: "عند" متعلق بمحذوف أي "ولا يسقط القتل"

стр. 8508

الكائن "عند المساواة"، "بزوالها" متعلق "بيسقط"، "وبعتق" متعلق "بزوالها" وقوله: "أو إسلام" عطف على "بعتق"، وقوله: "بعتق" حصل له بعد قتله عبدا مثله، وقوله: "أو إسلام" من كافر حصل منه بعد أن قتل كافرا مثله، إذ العبرة بالتكافؤ حال القتل. قاله الشبراخيتي. وقال: وكما لا يسقط القتل بما ذكر لا يثبت بزوال الزيادة الكائنة عند القتل بالرق، كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم مر القاتل بدار الحرب وأخذ واسترق فإنه لا يقتل به، ولو قتل كافر مثله وأسلم القاتل ولا ولي للمقتول فإنه يستحب العفو عن القاتل لحرمة الإسلام: ويلغز بها فيقال: شخص قتلى من يقتل به ولا يجب قتله، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون فإنه لا يجوز للإمام العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين؟ انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: إن أسلم النصراني بعد قتله نصرانيا قتل به، فإن لم يكن للقتيل ولي فالعفو عنه أحب إلي. ابن رشد: استحب العفو عنه لحرمة الإسلام، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون لا يجوز العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين، فهو كالوصي على الصغير لا يجوز عفوه مجانا ويجوز عفوه نظرا لليتيم. ابن يونس: قال مالك: إذا جرح النصراني والعبد المسلم ثم أسلم هذا وعتق هذا، وقال كل واحد منهما: دمي عند فلان، فإن كان للنصراني أولياء مسلمون وللعبد أولياء أحرار أقسموا مع قوله واستحقوا الدية في مال الجاني ولا قود فيه. انتهى. ويحسن إيراد هذا الفرع بعد قوله: وضمن وقت الإصابة والموت يعني أنه يعتبر في ضمان الدية وقيمة العبد وقت الإصابة في الجرح ووقت الموت في النفس، ولا يراعى وقت السبب فيهما عند ابن القاسم. وقال أشهب وسحنون: إنما يعتبر وقت السبب، ثم رجع سحنون لموافقة قول ابن القاسم، فلو رمى شخص عبدا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق، أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى أسلم، فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، وأما عند سحنون فيضمن عوض جرح عبد أو كافر، فقوله: "وضمن" الخ راجع لفهوم قوله: "عند المساواة بزوالها" الخ؛ أي وإن لم تكن هناك مساواة سقط القتل ووقت الضمان وقت الإصابة في الجرح لا وقت الرمي ووقت الضمان في النفس وقت الموت لا وقت الجرح.

стр. 8509

قال عبد الباقي: وإن زالت المساواة في خطإ أو عمد فيه دية ضمن وقت الإصابة في الجرح لا وقت السبب الذي هو الرمي، ووقت الموت في النفس لا وقت السبب الذي هو الجرح. هذا قول ابن القاسم، فمن رمى عبدا أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق العبد أو أسلم الكافر فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، لا عوض جرح عبد أو كافر كما يقوله أشهب، ولو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزي فمات فلا قود في النفس قطعا، وكذا لا قصاص في الجرح عند ابن القاسم، وقال أشهب: القصاص في الجرح ثابت. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وضمن وقت الإصابة والموت" ما نصه: قد تقدم أنه لا بد في القصاص من استمرار التكافؤ في الحالات الثلاث: حالة الرمي والإصابة والموت، ومتى فقد التكافؤ في واحد منها سقط القصاص، وبين هنا أنه إذا سقط القصاص لفقد التكافؤ بين السبب والمسبب يضمن الدية، وأن المعتبر في ضمانها وقت الإصابة في الجرح ووقت التلف في الموت، ولا يراعى فيه وقت السبب وهو الرمي على قول ابن القاسم، ورجع إليه سحنون خلافا لأشهب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "وضمن وقت الإصابة والموت": هذا في الخطإ والعمد الذي لا قصاص فيه، وما تقدم أول [الباب (١)] في العمد الذي فيه القصاص. انتهى. تنبيه: قد مر أن المعتبر وقت الإصابة في الجرح عند ابن القاسم ووقت الموت في النفس، واعتبر أشهب وقت الرمي في الجرح ووقت الجرح في النفس، ويعتبر أيضا وقت الرمي في النفس عند أشهب. قال المواق: لو رمى مسلم مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية فقتلته أو جرحته، فعليه في قول ابن القاسم - إن مات - الدية في ماله، وإن لم يمت فدية الجرح في ماله، وعلى قول أشهب: لا قصاص على الرامي في وقت لا قود فيه ولا عقل، ولو رمى عبد نفسه ثم أعتقه قبل إصابته، فعلى قول ابن القاسم: عليه الدية، وعلى قول غيره: لا شيء عليه، ولو رمى مسلم نصرانيا فأسلم قبل وصول الرمية فلا قصاص وفيه دية مسلم في قول ابن القاسم، وفي قول أشهب: ديته

стр. 8510

دية نصراني، ولو كان مجوسيا ثم تهود فعلى قول ابن القاسم: دية يهودي. وقاله عبد الملك، وقال أشهب: دية مجوسي. انتهى. ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس، شرع في الكلام على الجناية على الجرح، فقال: والجرح كالنفس في الفعل والفاعل والمفعول يعني أن الجرح بالضم وهو ما دون النفس حكمه حكم الجناية على النفس وأفاد بالتشبيه أنه لا يقتص من الكامل للناقص في الفعل أي في الجرح بالفتح وهو إيقاع الجرح بالضم بأن يقصد ضرب عداوة فنشأ عنه جرح، لا للعب أو أدب فلا قصاص فيه، والفاعل أي الجارح من كونه مكلفا غير حربي إلى آخر ما مر، والمفعول أي المجروح بأن يكون المحل الذي وقعت فيه الجناية معصوما للإصابة. قال الشبراخيتي: والجرح بالضم بدليل قولة: "كالنفس" لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه كالنفس في الفعل أي الجرح بالفتح، وتقدم في قوله: "إن قصد ضربا" أي على وجه العداوة، فما كان على جهة اللعب والأدب لا قصاص فيه: "والفاعل" وتقدم في قوله: "مكلف غير حربي" الخ "والمفعول" وتقدم في قوله: "معصوما للتلف والإصابة". انتهى. ونحوه لعبد الباقي، ففيه أن قوله: "والجرح" بالضم لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه؛ إذ الجرح بالفتح الفعل. انتهى المراد منه. وقال البناني: هذه العبارة - يعني عبارة المصنف: "والجرح كالنفس" الخ - في غاية الحسن والرشاقة، والمراد بالجرح ما دون النفس فيشمل القطع والكسر والفقء وإتلاف المعاني من السمع ونحوه وإن خالفته اللغة والاصطلاح. ابن عرفة: متعلق الجناية غير نفس إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح وإلا فإتلاف منفعة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس شرع في الجناية على ما دونها وهو: إبانة طرف وكسر وجرح وإذهاب ومنفعة، وعبر عنه المؤلف هنا بجرح ولعله لكونه الغالب، وأركانه ثلاثة كالنفس. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: والمعنى أن الجرح الذي فيه القصاص حكمه حكم النفس في الفعل والفاعل والمفعول، ومراده بالفعل الجرح يعني بالفتح، وبالفاعل الجارح، والمفعول المجروح، أي فيعتبر حال الرمي وحال الإصابة فلا بد من مراعاة جميع
следующие страницы →