← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

وأما أخت الرضاع فتحريمها بالسنة وتحريم الكتاب أقوى تأويلان، والثاني ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه. قَالَ بَعْضُ الأشياخ: قَاعِدَةٌ كل ما كان تحريمه بالكتاب ففيه الحد وبالسنة لا حد فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في النكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة، وحينئذ فما الذي يأول؟ وإن أراد تأويلان على الذهب من حيث الجملة فصحيح لكنه خلاف اصطلاحه، ولذا قال المواق: انظر قوله: "تأويلان". انتهى المراد منه. وكأمة محللة يعني أن السيد إذا حلل وطء أمته لشخص فوطئها ذلك الشخص فإنه لا حد على ذلك الشخص مراعاة لقول عطاء، قال البناني: وكأمة محللة من مالكها سواء كان المالك، الْمُحَّلِلُ زوجةَ الواطئ أو قريبه أو أجنبيا فلا حد على واطئها ولو عالما ولا عليها، مراعاة لقول عطاء: يجوز التحليل ابتداء وإنما عليه في المذهب الأدب فقط. انتهى. وقال المواق من المدونة: كل من أحِلَّتْ له جاريةٌ أحَلَّها له أجنبي أو قريب أو امرأته ردت إلى سيدها إلا أن يطأها من أحِلَّتْ له فلا يُحد، ولو كان عالما ولزمته قيمتها وليس لربها التماسك بها. وقال الأبهري: إن كان عالما بالتحريم لم يلحق به الولد وَحُدَّ. ابن يونس: هذا خلاف المدونة. انتهى. وقوله: أو أجنبي يعني كان المالك أجنبيا من المُحَلَّل له أو قريبه كما مر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: ودخل بالكاف من زوج ابنته رجلا وأدخل عليه أمته على أنها ابنته فحكمها كالمحلِّلة في جميع وجوهها، وإنما لزمته مع كونه لم يدخل على فساد ولا غرامة نظرا لاعتقاد المدخل لا لاعتقاد الواطئ، بخلاف من زوج أمته رجلا قال هي ابنتي فالولد حر، وعليه قيمته يوم الحكم وللزوج البقاء على النكاح وعليه جميع المهر، وما ولدته بعد معرفته رقيق. انتهى. قوله: فحكمها كالمحللة في جميع وجوهها مثله في التوضيح، ونحوه في ابن عرفة عن الباجي عن الموازية وكتاب ابن سحنون ولم يحك خلافه. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي عن الشيخ كريم

стр. 8892

الدين: وانظر ما الذي أدخلت (١) الكاف لأن التحليل خاص [بالإماء] (٢) إلا أن يقال تحمل الأمة على القن، وأدخلت الكاف ما فيه شائبة حرية كمدبرة ومعتقة لأجل، وقد يقال: أدخلت الكاف الحرائر كما بلغنا ضن بعض البربر وبعض بلاد قزلباش أنهم كانوا يعطون أزواجهم لِلضِّيفَانِ يعتقدونه كرما جهلا منهم، فعليهم الأدب فقط إن جهلوا ذلك. انتهى. قوله: وقد يقال أدخلت الكاف الحرائر لخ، قال البناني: غير ظاهر لأن كلامنا في عدم الحد مع العلم بالتحريم. فمن وطئ أمة محللة لا حد عليه، وإن كان يعلم تحريمها على مذهب الجمهور، وأما الحرائر في هذه الصورة فإن علموا بالتحريم فالحد واجب وإن جهلوا فلا حد، ولكن لا خصوصية للعذر بالجهل في هذه الصورة بل الجهل شبهة تدرأ الحد مطلقا كما تقدم، تأمله على أن ما تقدم آنفا في قوله: "إلا الواضح" يدل على وجوب الحد في هذه ولو جهلوا. انتهى. وقومت يعني أن الذي حُلِّلَ له وطءُ الأمة إذا وطئها فإنها تقوم عليه بمجرد وطئه يوم الوطء حملت أم لا لتتم له الشبهة، ويقدر أنه وطئ ملكه فإن حللها له واطلع على ذلك قبل أن يطأها المحلل له ردت إلى ربها أي نمنعه من وطئها ونردها إلى مالكها، وإن أبيا يعني أنه يلزم التقويم وإن أبيا، فيلزم المُحَلِّل قبول القيمة ويلزم الواطئ دفع القيمة له. قال عبد الباقي: ويلزمه التقويم وإن أبيا أي امتنع المُحَلِّلُ والمُحَلَّل له لما يلزم على ترك التقويم من صحة ما قصداه من عارية الفروج، وتؤخذ القيمة من الواطئ إن كان مليا وإلا بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل، فإن حملت فالقيمة في ذمته والولد حر لاحق به وتكون به أم ولد، وتستثنى هذه من قول المصنف في باب أم الولد: لا بولد من وطء شبهة كما استثنى منها أشياء أخر. قاله الشيخ سالم في باب النكاح. ولكن ذكر من كلامهم ما لا يفيد أن ما ذكره هو المعتمد. أبو عمران: فإن فلس قبل دفع القيمة فربها أحق بها وبيعت عليه ليلا يعود إلى تحليلها، وإن مات فهو أسوة الغرماء. انتهى.

стр. 8893

وقال التتائي: وتؤخذ قيمتها من الواطئ إن كان مليا وإن كان عديما بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل وعليه النقص، وإن حملت فالقيمة في ذمته. انتهى المراد منه. أو مكرهة يعني أن المكرهة على الوطء لَا حَدَّ عليها ولا أدب لنفي التعمد عنها اتفاقا، ولا يضر عطفه على ما فيه الأدب لأن القصد العطف على ما لا حد فيه، وسيأتي الخلاف في المكره بالفتح. قاله عبد الباقي. وقال التتائي: أو مكرهة لا حد عليها اتفاقا. انتهى. فَرْعٌ: قال في الطرر: قال ابن عبد الغفور: روينا أن عبد اللَّه بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجت، فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت للبلل بين فخذيَّ، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء، فأجاب أنه لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف وحسن الحال، ويفسخ النكاح ولها المهر كاملا إلا أن تكون علمت بالحمل وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطرر نقله الحطاب هنا. واللَّه تعالى أعلم. أو مبيعة بغلاء يعني أنه لا حد على الحرة إذا أقرت لزوجها بالرق في زمن الغلاء فباعها لأجل الغلاء أي المجاعة الحاصلة من غلاء الأسعار فوطئها المشتري، وكما لا حد عليها لعذرها بالجوع لا أدب عليها، وقد بانت من عصمة زوجها ويرجع المشتري بالثمن إن وجده وإلا فعليها لأنها غرته قولا وفعلا، فإن بيعت حيث لا جوع حدت ونُكِّل زوجُها، والأظهر عدم حدها أيضا عند عدمه. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع ووجه الشبهة حيث لا جوع أن المشتري يملكها بشرائه كالأمة فتكون مكرهة، وأجاب ابن مرزوق بأن أصل البيع وإن كان طوعا صارت مكرهة بعد انعقاد البيع. انظر حسن نتائج الفكر. وعلم من هذا أن المرأة يتعلق بها الإكراه في الزنى، وأما قوله في الطلاق وأن يزني ففي الرجل ويأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى. وقال التتائي: أو مبيعة بغلاء بالمد لجوع وطئت لا حد عليها، قال مالك: وهي وزوجها معذوران كذا في سماع ابن القاسم وهو طلقة بائنة وقيل بتة، ويرجع المشتري على زوجها بالثمن، قلت: لو لم يكن بهما جوع قال: فَحَرٍ أن تحد وينكَّل زوجها ولكن درء الحد أحب إليَّ، وقد قال مالك في رجل سرق من جوع لا يقطع. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع. انتهى. وفي التوضيح عن أصبغ أنها تحد

стр. 8894

وتبين بثلاث، وقال ابن وهب: لا يكون طلاقا وتحد إن طاوعت على البيع وأقرت أن المبتاع أصابها طائعة وإن ادعت إكراها لم تحد. انتهى. والخلاف في طلاقها قد مر في باب الخلع، وقول ابن القاسم: ولكن درء الحد أحب إلي، وَجَّهَه ابنُ رشد كما مر قريبا. واللَّه تعالى أعلم. والأظهر كإن ادعى شراء أمة يعني أن من وطء أمة ادعى أنه اشتراها من مالكها فكذبه مالكها وأنكر البيع فتوجهت اليمين على البائع، ونكل البائع عن اليمين التي توجهت وحلف الواطئ على ما ادعاه من الشراء، فإنه لا حد عليه لأنه قد تبين أنه إنما وطئها وهي على ملكه، وهذا قول ابن القاسم واختاره ابن رشد، ويفهم من كلام المؤلف أنه إذا نكل الواطئ يحد مع نكول البائع، وأنه إذا حلف البائع يحد أيضا. قاله الخرشي. وقال التتائي: والأظهر كإن ادعى شراء أمة وأنكر المالك البيع ونكل البائع عن اليمين وحلف الواطئ أنه اشتراها فلا حد عليه لتَبَيُّنٍ أنه وطئ ملكه، وهو قول ابن القاسم في المدونة واختاره ابن رشد، وقال أشهب: إن كانت بيده فلا حد عليه ولحق به الولد، وإن لم تكن بيده حد ولم يلحق به الولد ويحلف السيد ويأخذها في الوجهين، وقيمة الولد في الأول والولد في الثاني. انتهى. وقوله: والأظهر كإن ادعى شراء أمة، علم مما قررت أنه مشتمل بحسب منطوقه ومفهومه على ثلاث صور منطوقه لا حد فيه، مفهومه صورتان نكول الواطئ بعد نكول البائع فالحد حلف البائع فالحد، ولا يتصور حلفهما لأنه متى حلف البائع ثبت قوله: "وحد الواطئ". والمختار أن المكره كذلك يعني أن الرجل إذا أكره على وطء أجنبية فوطئها فإنه اختلف في ذلك على قولين، فقيل يدرأ عنه الحد نظرا لإكراهه وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي؛ لأنه وإن انتشر فلأمر تقتضيه الطبيعة، واختار اللخمي هذا القول، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه أي على خلاف هذا القول الذي اختاره اللخمي، فيحد نظرا لانتشاره. قال المواق: قال ابن العربي: المكره على الزنى لا حد عليه، وقال ابن القصار: إن انتشر قضيبه حُدَّ. اللخمي: هذا غير صحيح قد يريد الرجل شرب الخمر ويكف عنها خوفا من اللَّه تعالى، وقد ذكر في الإحياء حكمة اللَّه سبحانه ونعمته في اللسان، منها أن خلق اللَّه تحته عينا يفيض اللعاب

стр. 8895

منها قدر ما يتعجن به الطعام وسخرها لهذا الأمر بحيث ترى طعاما على بعد فتثور المسكينة للخدمة قبل أن يصل إليها الطعام. انتهى. وقال عبد الباقي: والمختار أن المكره بالفتح على الجماع كذلك لا حد عليه ولا أدب إن زنى بطائعة لا زوج لها ولا سيد لتمحض الحق للَّه وإلا حُدَّ؛ إذْ إكراهه كلا إكراه والأكثر على خلافه أي أنه يحد، وظاهره ولو كانت هي المكرهة له على الزنى ولا صداق عليه حينئذ، فإن أكرهه [غيره] (١) غرم لها الصداق ورجع به على مكرهه. انظر التتائي. قال الشارح: وقال ابن القصار: إن انتشر حد وإلا فلا. انتهى. وهو يقتضي أن ثم قولا بالحد وإن لم ينتشر وأنه الذي عناه المصنف بقوله: "والأكثر على خلافه" وهو كذلك كما في شامله وابن عرفة، وتعليلُ بعضهم قولَ الأكثر بأن انتشاره دليل اختياره لا يبطل المنقول، ولكن المذهب الثاني. انتهى. وقال الشبراخيتي: والمختار عند اللخمي من الخلاف أن الزاني المكره بفتح الراء كذلك لا حد عليه، وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي لأنه وإن انتشر فللأمر تقتضيه الطبيعة وكذا لا أدب عليه، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه فيحد ولو كانت هي المكرِهة له، وإن كان المكرِه له غيرها فعلى الواطئ الصداق ويرجع به على من أكرهه. انتهى. وقال الشبراخيتي بعد هذا ما نصه: وقوله: "والأكثر على خلافه" هذا هو المذهب وهو في الرجل، وأما المرأة إذا أكرهت فلا حدَّ عليها وقد تقدمت. انتهى. التتائي: وتَلَخَّصَ أن اللاتي لا حد على واطئهن تسع: ١ - المشتركة ٢ - والمحللة ٣ - والمخدمة ٤ - وذات المحرم من النسب أو من الرضاع ٥ - والموطوءة في العدة ٦ - والمبيعة في الغلاء ٧ - ومن ادعى شراءها وأنكره البائع ٨ - وذات الإكراه ٩ - وجارية الابن، ولم يذكرها المصنف وذكر صاحب الخصال: جارية الأب وهي على خلاف المشهور. انتهى. ولما ذكر حد الزنى ذكر ما يثبت به وهو ثلاثة أمور، فقال: وثبت بإقرار يعني أن الزنى يثبت بالإقرار إذا أقر الرجل بالزنى فإنه يحد، وكذا المرأة إذا أقرت بالزنى فإنها تحد ولا فرق في

стр. 8896

ثبوت الزنى بالإقرار بين أن يقر به مرة واحدة، وبين أن يقر به أكثر من ذلك، ونبه بقوله: "مرة" على خلاف أبي حنيفة وأحمد في اشتراطهما أربع مرات، قال عبد الباقي: وثبت الزنى يإقرار وإن مرة ولا يشترط أن يقر أربع مرات، خلافا لأبي حنيفة وأحمد في اشتراطهما ذلك لخبر: (ماعز بن مالك إذ رده ﵊ حتى أقر أربع مرات) (١)، وتُمُسِّكَ للمشهور بخبر الصحيح: (أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (٢) فغدا عليها فاعترفت فأمر برجمها فرجمت، فظاهر ما في الصحيح الاكتفاء بأقل ما يصدق اللفظ عليه وهو المرة الواحدة، وأجيب عن حديث ماعز بأن المصطفى ﷺ استنكر عقله، ولذا أرسل لقومه مرتين يسألهم عن عقله حتى أخبروه بصحته فأمر برجمه. انتهى. قوله: "مرة" إنما لم يأت المصنف بلو كابن الحاجب لأنه يشير بها للخلاف المذهبي، وليس في ذلك خلاف، بل الخلاف لأبي حنيفة وأحمد، وأما ابن الحاجب فليس كالمؤلف في ذلك. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: وثبت بإقرار من الزاني رجلا أو امرأة مرة واحدة إذا لم يرجع عنه اتفاقا، وقال المواق: وثبت بإقراره مرة. ابن عرفة: نصوص المدونة وغيرها واضحة بحد المقر بالزنى طوعا ولو مرة واحدة. انتهى. إلا أن يرجح يعني أن محل كون الزاني يحد بإقراره لثبوت الزنى عليه بذلك إنما هو حيث لم يرجع عن إقراره، وأما إن رجع عن إقراره فإنه يقبل منه ذلك ويبطل إقراره مطلقا يعني أنه يمسك عن حده حيث رجع عن إقراره مطلقا، رجع في أثناء الحد أو قبله، رجع لشبهة كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى، أو رجع لغير شبهة كَكَذَبْتُ في إقراري، قال الشبراخيتي: إلا أن يرجع عن إقراره فيقبل ولا حد عليه مطلقا سواء رجع لشبهة، كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى ولا خلاف في هذا، أو رجع لغير شبهة وأكذب نفسه فلا شيء عليه وشمل رجوعه في الحد وفي غيره، ويدخل فيه ما إذا أنكر إقراره

стр. 8897

الثابت ببينة فإنه يترك عند ابن القاسم. انتهى. وقال التتائي: إلا أن يرجع عن إقراره فَيُقْبَلُ ولا حد عليه مطلقا سواء رجع لشبهة، كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى ولا خلاف في هذا، أو رجع لغير شبهة وأكذب نفسه فلا شيء عليه عند ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، وقال أشهب: لا يعذر إلا بأمر يعذر به، وروي عن مالك وبه قال عبد الملك. انتهى. وقال البناني: لفظ أحمد في حاشيته قوله: مطلقا أي لشبهة أو غيرها. انتهى. وهو صواب، قال ابن الحاجب: فإن رجع إلى ما يعذر به قُبلَ وفي إكذاب نفسه قولان لابن القاسم وأشهب. التوضيح: قوله: وفي إكذاب نفسه يعني لو قال كذبتُ ولم يُبدِ عذرا، فقال ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم: لا يحد، ورأوا أن ذلك شبهة لاحتمال صدقه ثانيا، وقال أشهب: لا يعذر إلا بأمر يعذر به وروى عن مالك وبه قال عبد الملك. انتهى. وبه تعلم ما في تقييد عبد الباقي بقوله: رجع لشبهة لخ. انتهى. وقال عبد الباقي: ومثل الرجوع ما إذا قامت بينة على إقراره به وهو ينكر ذلك، فإن إنكاره يعد رجوعا على مذهب ابن القاسم. انظر التوضيح. قاله أحمد. انتهى. وقال المواق في الموازية: إن رجع عن إقراره لوجه وسبب لم يختلف أصحاب مالك في قبول رجوعه. الباجِيُّ: وإن رجع لغير شبهة، فروى ابن وهب ومطرف أنه يقبل. وقاله ابن القاسم. وابن وهب وابن عبد الحكم، وروي عن مالك: لا يقبل منه. انتهى. أو يهرُب بضم الراء يعني أن الهروب كالرجوع، فإذا أقر شخص بالزنى فإنه يقام عليه الحد، فإذا هرب بعد ذلك تُرِك حيث هرب قبل إقامة الحد عليه، بل وإن هرب في أثناء الحد فيترك حده بالكلية حيث هرب قبل إقامة الحد عليه، ويترك ما بقي منه حيث هرب في أثنائه. وقررت المصنف على ظاهره تبعا لابن مرزوق، قال المسناوي: وهو الظاهر ويكون إنما بالغ على الهروب بعد إذاقة العذاب لأنه أدل على أنه للألم من الهروب قبل ذلك. انتهى. وقال التتائي: إلا أن يهرب وإن في أثناء الحد فلا حد عليه لأن هروبه كرجوعه، ولا فرق بين حصول ذلك في أوائل الحد أو بعد مضي أكثره وهو لمالك، وله أيضا إن أقيم عليه أكثره أتم عليه لأن رجوعه ندم. انتهى.

стр. 8898

تنبيه: قال عبد الباقي وغيره تبعا للشارح: إن الهروب قبل إقامة الحد عليه لا يسقط عنه الحد، فالصواب أن يقول: أو يهرب في الحد، بحذف وإن، وأجابوا بأن الواو للحال ونقض ذلك البناني ومصطفى حتى قال مصطفى: لم أر هذا التفصيل في الهروب لغير الشارح ومن تبعه، ولم يعرج على ذلك التتائي في كبيره، بل صرح بإبقاء كلام المصنف على ظاهره. انتهى. وقال الرهوني: قول البناني عن مصطفى: لم أر هذا التفصيل في الهروب لغير الشارح لخ يوهم أن مصطفى سلم كلام المصنف ولم يشر للبحث فيه أصلا، وليس كذلك لأنه زاد ما نصه: وانظر نسبة النووي في شرح مسلم والقسطلاني في شرح البخاري لمالك أن الهارب لا يقال بل يتبع ويرجم، وقد نقل الأبي كلام النووي وأقره ولم يذكر حكم الهارب في المدونة ولا في ابن عرفة ولا في التوضيح ولا ابن عبد السلام، إلا أن المصنف حافظ. انتهى. قلت: كلام الباجي في المنتقى صريح في أن الهروب والرجوع سواء، فإنه لا ذكر الخلاف في قبول رجوعه قبل الشروع في إقامة الحد عليه ثم رجع ولم يعتذر عن إقراره أَوَّلًا، قال ما نصه: مَسْأَلَةٌ: وهذا إذا رجع قبل ابتداء إقامة الحد عليه، فإن شرع في إقامة الحد عليه ثم رجع فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم: إن نزع بعد أن جلد أكثر الحد أقيل، وإن لم يرجع يعُذْر، وقال أشهب وعبد الملك: يقال ما لم يضرب أكثر الحد فَيُتَمُّ عليه. وجه القول الأول ما روي في حديث ماعز أنه لما أذْلَقَتْهُ الحجارة حفز فرماه بظلف فقتله، فقال له رسول اللَّه ﷺ : هلا تركته فيتوب فيتوب اللَّه عليه، وبهذا احتج ابن عبد الحكم فالاحتجاج على ما قبل الرجوع المذكور بحديث الهروب المذكور ظاهر في أن حكمهما سواء، ونحوه في التوضيح فإنه قال بعد ذكر قول ابن القاسم ما نصه قيل وهو قول جماعة العلماء، وقد هرب ماعز لما رجم فاتبعوه، فقال لهم: ردوني إلى رسول اللَّه ﷺ فلم يردوه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب اللَّه عليه) (١). انتهى.

стр. 8899

قال مقيده عفا اللَّه عنه: فتَحَصَّلَ مما للباجي والتوضيح أن حكم الهروب وحكم الرجوع سواء، فصح ما ذكره المصنف. واللَّه تعالى أعلم. وبالبينة يعني أن الزنى يثبت بالبينة وهي أربعة عدول كما مر في الشهادات ذلك وما يتعلق به فراجعه إن شئت، قال الشبراخيتي: وتقدم الكلام على كونها أربعة فأل فيه للعهد. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالبينة العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود في المكحلة بوقت ورؤيا اتحدا كما مر. انتهى. تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: "إلا أن يرجع" الخ ما نصه: ثم إن رجوعه إنما يقبل بالنسبة لسقوط الحد لا بالنسبة لعدم لزوم الصداق، كما أن سقوط الحد بالهروب إنما هو إذا ثبت عليه بإقراره، وأما ببينة أو حمل فلا، بدليل ذكرهما بعد. انتهى. فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها يعني أن الزنى يثبت بالبينة العادلة على الكيفية القررة من كونها أربعة وغير ذلك كما عرفت، فلهذا لا يسقط الحد المرتب على شهادتهم على امرأة بكر وشهد أربع نسوة بأنها باقية على بكارتها أي عذرتها، قال عبد الباقي: ولو قام على العذرة أربعة رجال لسقط الحد كما يفهم من كلام الشارح. قاله أحمد. وللرجال النظر لذلك كما يفيده ابن مرزوق عن ابن القاسم. انتهى. قال البناني: نحوه في الخرشي وفيه نظر؛ لأنه إن عُلِّلَ عدم السقوط بأربع نسوة لعدم منافاة شهادتهن لشهادة الرجال لاحتمال أن تكون غوراء البكارة، قيل عليه: إنه لا فرق حينئذ بين شهادة أربع نسوة بالبكارة وأربعة رجال، وإن علل بضعف شهادتهن فلا تقاوم شهادة الرجال، قيل عليه: شهادتهن شبهة والحدود تدرأ بالشبهات. على أن ما ذكره الشارح نقله عن اللخمي، وكلام اللخمي في هذه المسألة مقابل لذهب المدونة كما في التوضيح وابن عرفة، فالحد عنده يسقط بشهادة أربعة رجال وبأربع نسوة، ومذهب المدونة عدم السقوط. انتهى. ومذهب المدونة الذي مر عليه المصنف هو قولها إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول فقالت أنا عذراء ونظر إليها النساء وصدقنها لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحد. انتهى. وقال التتائي مفسرا للمصنف: وإذا قامت البينة بالزنى على امرأة وادعت البكارة أو الرتق فلا يسقط الحد عنها بشهادة أربع نسوة ببكارتها أو رتقها وهو مذهب المدونة، وفي العتبية ما يشبه هذا، ففيها في الذي يحلف أن بفلانة

стр. 8900

عيبا بموضع كذا مما لا يراه إلا النساء وهي حرة أو أمة، فنظرتها امرأة فقالت ليس بها ما قال إن نظر النساء إليها ليس بشيء ويدين ولا حنث عليه. انتهى. وبحمل في غير متزوجة يعني أن الزنى يثبت بالحمل في غير المتزوجة بمن يصح إلحاق الحمل به، فإذا ظهر الحمل بامرأة غير متزوجة أصلا أو متزوجة بمن لا يصح إلحاقه به، كصبي أو مجبوب أو ولدته لأقل من ستة أشهر أو فارقها بموت أو طلاق وأتت به لأكثر من أقصى أمد الحمل، فإنه يثبت عليها الزنى ويترتب عليها الحد، قال الشبراخيتي: أو بحمل ظهر في غير متزوجة حرة أو أمة أي بزوج يلحق به الولد احترازا مما إذا كان صبيا أو مجبوبا أو ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد بكثير. انتهى. وذات سيد مقر به عطف على "متزوجة" يعني أن الحمل يثبت به الزنى في أمة ذات سيد منكر لوطئها؛ يعني وليست متزوجة على ما مر قريبا، قال عبد الباقي: أو بحمل في حق امرأة حرة أو أمة غير متزوجة أي لا يعرف لها زوج وفي حق أمة غير ذات سيد مقر به، بأن كان منكرا لوطئها فَتُحَدُّ وخرج ظهوره بمتزوجة وذات سيد مقر به فلا تحد، [والمراد] (١) متزوجة بزوج يلحق به الحمل لا بصبي أو مجبوب أو ولدته لأقل من ستة أشهر بكثير من يوم العقد، فإنها بمنزلة غير المتزوجة إلا إن سئلت عن ذلك، فقالت: كنت نائمة وانتبهت فوجدت بللا، وقال الزوج: وجدتها عذراء وهي من أهل العفة وحسن الحال، [فلا] (٢) حد عليها ويفسخ النكاح ولها المهر كاملا إلا أن تعلم بالحمل وتغر فلها ربع دينار أو ما يقوم مقامه. ذكره الحطاب عند قوله: "أو مكرهة" وهو يفيد أن وجود الحمل في غير ذات الزوج والسيد قد ينتفي فيه الحد لقرينة، وانظر إذا لم يقل الزوج وجدتها عذراء وهي من أهل العفة وحسن الحال، هل ينتفي عنها الحد بذلك أم لا؟ انتهى. قوله: "وذات سيد غير مقر به" ورأى اللخمي أن دعواها الوطء على السيد شبهة، ولو حلف على نفيه أو أنه استبرأها. ذكره في التوضيح. وقال المواق في المدونة: لا يجب رجم ولا

стр. 8901

جلد إلا بأحد ثلاثة أوجه؛ إما بإقرار لا رجوع بعده إلى قيام الحد أو يظهر بحرة غير طارئة حمل ولا يعرف لها نكاح، أو بأمة لا يعرف لها زوج وسيدها منكر لوطئها أو بشهادة كما أخبر اللَّه سبحانه. انتهى. ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة قال الخرشي: يعني أن المرأة التي ظهر بها حمل ولا يعرف لها زوج أو كانت أمة ولا سيد لها؛ يعني يتأتى منه الوطء أو لها سيد وهو منكر لوطئها فإنها تحد ولا يقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذلك، وأما إن قامت لها قرينة فلا حد عليها، كما إذا جاءت تدمى وهي مستغيثة عند النازلة، أو أتت متعلقة على ما مر بيانه عند قوله: وإن ادعت استكراها على غير لائق بلا تعلق لخ. انتهى. وقوله: "بلا قرينة" رد به قول اللخمي إنه يقبل قولها ولو بلا قرينة لاحتمال أنها كتمت ذلك رجاء أن لا يكون منه حمل، بشرط أن يعرف لها الخير والعدالة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو ادعت من ظهر حملها أنها مغصوبة لم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة تدل على صدقها، وأما لو قامت لذلك قرينة لصدقت كما لو جاءت متعلقة بالمدعى عليه حيث كان صالحا ودعواها على الفاسق حيث لم تحمل وإن لم تتعلق وتعلقها إن حملت، ودعواها على مجهول الحال حيث تعلقت لأن حكمه في ذلك حكم الصالح، والمراد بالتعلق أن تأتي عقب الوطء مستغيثة أو تأتي تدمى عقبه حيث كانت بكرا، وأما دعواها الاشتباه أو الغلط أو النوم فيقبل لأن هذا يقع كثيرا. انتهى. وقال التتائي: ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة تدل على صدقها، وأما لو قامت بذلك قرينة لصدقت، كما لو جاءت تدمى عند النازلة مستغيثة على المشهور، وقال اللخمي: تقبل بلا قرينة لاحتمال أن تكون غصبت وَكَتَمَتْهُ رجاء أن لا يكون عنه حمل إن عرفت بالخير ولم يطعن فيها بشيء. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يقيل دعواها الغصب بلا قرينة بل تحد بظهوره في غير متزوجة وغير ذات سيد مقر، وأما مع قرينة فيقبل ويسقط الحد، كتعلقها بالمدعى عليه حيث كان صالحا ودعواها على فاسق حيث لم تحمل وإن لم تتعلق وتعلقها إن حملت ودعواها على مجهول حال حيث تعلقت كما مر ذلك عند قوله: "وإن ادعت استكراها" لخ وهذا كله حيث لا قرينة، كشهادة أربعة كما

стр. 8902

في التتائي لا اثنين أنها احتملت وأدخلت بمحل، والمراد بالتعلق أن تأتي عقب الوطء مستغيثة أو تأتي البكر تدمى عقبه وإن لم تستغث. انظر التتائي على الرسالة. انتهى. ويرجم المكلف يعني أن المكلف إذا زنى فإنه يرجم أي يرمى بالحجارة المعتدلة حتى يموت، ويشترط في الرجم شروط منها: التكليف كما قال: "المكلف" فغير المكلف لا يُرْجَمُ، ومنها الحرية كما قال: الحر فالعبد والأمة إذا زنيا فإنما عليهما الجلد، ومنها الإسلام كما قال المسلم واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يحد إذا زنى بل يرد إلى أهل ملته، قال إمامنا مالك: لا يحد الكافر في الزنى ويرد إلى أهل دينه ويعاقب إذا أعلنه ويحد في سرقته. نقله المواق. وقال الشبراخيتي: ولما كان الحد ثلاثة أنواع: رجم فقط لا جلد معه، وجلد مع تغريب، وجلد مفرد، ذكرها بادئا بالأول فقال: "يرجم" بدأ بالرجم لأنه أعظم أنواع الحد وهو بالمثناة التحتية فعل مضارع، وجَوَّزَ البساطي قراءته بالباء الموحدة، والظاهر أنه خبر لمبتدأ محذوف فتقديره: وحده برجم لخ، يدل عليه قوله: "وإن في الحد"، ويدل عليه السياق أيضا، وقال بعضهم: متعلقة بقوله: "الزنى" وهي للمصاحبة أي الزنى مصحوب برجم المكلف وبجلد البكر وتغريب الذكر، وأشار له البساطي. انتهى. وقال التتائي: يرجم المكَلَّفُ لا المجنون والصبي ولو مراهقا على المشهور، الحُرُّ لا العبد، المسلم لا الكافر على المشهور ولو زنى بمسلمة. وأشار إلى أن الزاني المذكور إنما يرجم إذا كان محصنا، بقوله إن أصاب يعني أن الزاني المذكور إنما يرجم بشرط أن يكون محصنا، وذلك بأن يكون قد أصاب زوجته أي وطئها بعدهن أي بعد الأوصاف المذكورة؛ يعني أنه إنما يرجم المكلف الحر المسلم إذا زَنَى زِنًى كائنا بعد أن وطئ زوجته في حال كونه مكلفا حرا مسلما؛ أي أغاب حشفته فما فوق ذلك بانتشار، بنكاح متعلق "بأصاب" والباء بمعنى: في؛ أي وطئ في نكاح، واحترز بذلك مما لو وطئ السيد أمته وطئا صحيحا ثم زنى بعد ذلك فإنه لا يرجم، وكذا لو زنى شخص ثم زنى. لازم يعني أنه لا يتحصن بوطء زوجته إلا إذا كان النكاح لازما ابتداء أو دواما بصيغة أوْ، فيشمل الفاسد الذي يمضي بالدخول، ففي المواق: قال أبو عُمَرَ: ما يفسخ بعد البناء لا يحصن وطؤه، بخلاف الذي لا يفسخ بعد البناء فإن الوطء فيه إحصان. انتهى. ويخرج بقوله: "لازم" أيضا نكاح العبد بغير إذن سيده

стр. 8903

إذا وطئ ثم أجاز السيد النكاح ثم طلقها ولم يحصل منه وطء بعد الإجازة، فلا يحصل الإحصان. وقال أشهب: إن أجاز السيد النكاح أحصنت وإلا فلا. قال البناني: قال في التوضيح: واختلف إذا تزوج حرة بغير إذن سيده ووطئها ثم زنت، فقال ابن القاسم: ليس بإحصان مطلقا، وقال أشهب: إن أجاز سيده النكاح كان ذلك الوطء إحصانا ورجمت لا إن رده. انتهى. ومراده أن العبد إذا تزوج حرة بغير إذن سيده ووطئها ثم زنت، فقال ابن القاسم: لا تحصن بذلك الوطء وإن أجاز السيد النكاح لوقوعه في نكاح غير لازم، وقال أشهب: إن أجازه السيد كان إحصانا الخ. انتهى. صح يعني أنه لابد في الإحصان من أن يكون الوطء الذي وقع به الإحصان صحيحا أي حلالا، واحترز بذلك مما إذا وطئها وطئا غير حلال كفي الحيض أو الصوم أو الإحرام أو الاعتكاف. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ويرجم المكلف الحر المسلم إن أصاب أي وطئ زوجته بانتشار، خلافا للشادلي كالإحلال بخلاف الزنى فلا يشترط فيه انتشار كما مر، وعَبَّرَ بأصاب لأنه لا يشترط كمال الوطء، بل يكفي مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها بعدهن أي بعد الأوصاف المذكورة بنكاح أي بسببه أو فيه، لا بسبب ملك أو زنى لازم من غير مناكرة فيه بين الزوجين، فيخرج نكاح العبد بغير إذن سيده ونكاح المعيب والمعيبة والمغرور والمغرورة فلا يكون محصنا، فإذا زنى فلا يرجم بل يحد لأنه بكر، وخرج أيضا الفاسد الذي يفسخ مطلقا، وأما ما يمضي بالدخول فيحصن إن لزم كما إذا دخل، لكن على أحد قولين كما تقدم في الإحلال، وإن وطء ثانيا أحصن بلا نزاع كما في أحمد صح الوطء أي حل، فخرج زناه بعد أن وطئ زوجة في حيضها ونحوه فإنه يحد حد البكر لعدم حلية الوطء الواقع بعد العقد الصحيح اللازم، ولا بد أن يكون في زوجة مطيقة ولو أمة مسلمة مجنونة أو حرة كافرة مجنونة، وترجم المكلفة الحرة المسلمة إن أصيبت بعدهن من بالغ مسلم وإن عبدا أو مجنونا. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقوله "المكلف" أي الشخص المكلف ذكرا كان أو أنثى، الحر أي الشخص الحر ذكرا كان أو أنثى، المسلم أي الشخص المسلم ذكرا كان أو أنثى.

стр. 8904

تنبيهات: الأول قوله: "ويرجم" قد علمت أنه يقرأ بالمضارع المبنيّ للمفعول بواو وبدونه، ويقرأ أيضا بباء الجر مصدرا خبر لمبتدأ محذوف أي والحد برجم وبجلد وبتغريب أو متعلق بالزنى. الثاني: قد علم من التقرير أن فاعل "صح" ضمير يعود على "الوطء" المعبر عنه بالإصابة، وقد فسر غير واحد صح بحَلَّ، وحينئذ فيقال حلية الوطء تستلزم اللزوم، وجعل بعضهم فاعل صح النكاح بمعنى العقد، ويقال عليه أيضا أن اللزوم يستلزم الصحة. واللَّه تعالى أعلم. الثالث: قال عبد الباقي: وحَاصِلُ ما أشار له المصنف أن شروط الإحصان عشرة متى تخلف شرط منها لا يرجم، وهي: بلوغ وعقل وحرية وإسلام وإصابة في عقد نكاح لازم صحيح ووطء مباح بانتشار، وأما علم خلوة فذكر ما يغني عنها وهو الإصابة لأنها أخص. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقوله: "يرجم المكلف" أي بشروط عشرة ومتى تخلف شرط منها لا يرجم، وهي: البلوغ والعقل والحرية وإسلام الواطئ والإصابة في عقد نكاح لازم ووطء صحيح بانتشار وعدم مناكرة واشتراط الانتشار، خلاف ما ذكره الشادلي في شرح الرسالة من أنه لا يشترط الإنتشار ولم يذكر المصنف الانتشار وعدم المناكرة. وفي نظم القاضي زين الدين بن رشيق قصورٌ حيث قال: شروط الحصانة ست أتت … فخذها عن النص مستفهما بلوغ وعقل وحرية … ورابعها كونه مسلما وعقد صحيح ووطء مباح … متى اختل شرط فلن يرجما قال التتائي وبقي عليه شرط وهو كون النكاح لازما وزدته فقلت: وكون النكاح هنا لازما … فإن كان عيب فلن يلزما وللأجهوري: وواطئها بالغ زد وإن … يرِقٍّ وجِنٍ وُصِفْ فافهما انتهى. وقال التتائي عن اللخمي: إن كان أحد الزوجين عبدا كان إحصانا للحر منهما الزوج كان أو الزوجة، وإن كان أحدهما مجنونا كان إحصانا للعاقل خاصة وإن كان الزوج غير بالغ لم يكن

стр. 8905

إحصانا لواحد منهما، وإن كانت هي غير بالغة وحدها كان إحصانا له دونها وهذا قول مالك وابن القاسم، وإن كان الزوج مسلما وهي نصرانية كان إحصانا له دونها وإن كانت هي مسلمة وهو نصراني لم يكن إحصانا لها؛ لأنه إن كان نكاحه وهي مسلمة كان فاسدا، وإن كان وهي نصرانية لم تحتسب بذلك لأنها حينئذ غير مخاطبة بفروع الإسلام. انتهى. الرابع: إذا ظهر حمل بمن لم تعلم خلوة بزوجها ولاعن منه فهي مُحْصَنة به لإقرارها. انتهى. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: إن أصاب أي وطئ قال ابن مرزوق: أطلق فيه مع أنه إنما يكون بمغيب الحشفة فما فوقه، وقال في الحاشية: أي وطئ أي غيب الحشفة أو قدرها لأن الإصابة الشرعية تَغْييبُ الحشفة أو قدرها، والمراد بالإصابةِ الإصابةُ التي توجب الإحصانَ لا الإصابةُ التي توجب الحد وهي إصابةُ الزنى؛ لأنه ينافيه ما بعده بعدهن أي أصاب زوجته بعد اتصافه بأنه مكلف حر مسلم، ثم زنى بعد ذلك بنكاح الباء بمعنى في لا سببية ولا بمعنى مع أي عقد لا ملك، ثم وصف النكاح بقوله: "لازم" لا بما فيه خيار حكمي، كنكاح العبد وذي العيب ما لم يطلع من له خيارعلى العيب في أثناء الوطء ويرضى، فإن باقي الوطء يحصن. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: شرط موجب الحد الإسلام والتكليف وهو ثلاثة: جلد مفرد، وجلد مع تغريب، ورجم. فالرجم على المحصن منهما، ويحصل الإحصان لكل منهما بالتزويج الصحيح اللازم والوطء المباح المحلل للمبتوتة. ابن عرفة: الوطء المباح في نكاح صحيح لا خيار فيه من بالغ مسلم حر إحصان اتفاقا، فحده إن زنى بعد ذلك الرجم. أبو عمر: ما يفسخ بعد البناء لا يحصن واطئه، بخلاف الذي لا يفسخ بعد البناء فإن الوطء فيه إحصان، وأما الوطء الفاسد كوطء الحائض والمحرمة والمعتكفة والصائمة، فقال اللخمي عن ابن دينار والمغيرة: إنه يحصن، وفي كون الوطء في نكاح ذي خيار مضى بعد الوطء إحصانا نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب. انتهى. قوله: نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب، مقتضاه أن ابن القاسم هو القائل بالإحصان وأشهب يخالفه، وقد مر عن التوضيح أن ابن القاسم هو القائل بعدم الإحصان، وأشهب هو القائل بالإحصان. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. وفي المدونة: يحصن واطئ المجنونة ولا يحصنها، وقال في المدونة: كل وطء أحصن الزوجين أو أحدهما فإنه يحل المبتوتة، وليس كل ما يحل

стр. 8906

يحصن. انتهى. ابن عرفة: كان يجري لنا إبطال صدق هذه الكلية بنقل عبد الحق عن ابن القاسم وطء المجنونة يحصن واطئها ولا يحلها. انتهى. وزاد التتائي عن ابن ناجي. نقضها بمسألة أخرى وهي ما إذا ظهر حمل بمن لم يعلم خلوة زوجها بها ولاعن منه فهي محصنة لإقرارها. انتهى. يعني ولا تحل لباتها لعدم ثبوت الخلوة. وقال التتائي: ولما كان الحد ثلاثة أنواع: رجم فقط لا جلد معه خلافا لطائفة منها علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه والحسن وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وجلد مع تغريب، وجلد مفرد ذكرها بادئا بالأول، فقال: يرجم المكلف لخ، قوله: خلافا لطائفة منها على لخ؛ يعني أن عليا رضي اللَّه تعالى عنه جلد امرأة ثم رجمها، وقال: أجلدها بكتاب اللَّه تعالى، وأرجمها بسنة رسول اللَّه ﷺ . الخامس: قال الحطاب: قال في النوادر: قال محمد: وإن تأيمت المرأة بعد إحصانها أو الرجل أو كانا على نكاحهما فقد وجب عليهما الإحصان، وصرح بذلك في مختصر الوقار. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقال يعني الأجهوري في الحاشية: "صح" أي النكاح بمعنى الوطء، احترازا عن وطئ الحائض والنفساء والصائمة والمحرمة والمعتكفة وعن وطئها في مسلك البول أو دبرها. انتهى المراد منه. بحجارة معتدلة متعلق بيرجم قُرئ فعلا أو مصدرا، وما بعده صفة له يعني أن المحصن يرجم بالحجارة المعتدلة بين الصغر والكبر، أي يرمى بها حتى يموت. واحترز بالمعتدلة من الكبيرة فلا يرمى بها ليلا تحصل بها المثلة والتشويه: وعن الصغيرة فلا يرمى بها ليلا يطول بها التأذي والتعذيب، خلافا لابن شعبان في أنه يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، وظاهر كلام المصنف أنه لا يحفر له وهو قول مالك في المدونة، وظاهره سواء ثبت الرجم ببينة أو إقرار خلافا لبعض الأصحاب: يحفر للأول دون الثاني؛ لأنه يترك إن رجع انظر التتائي وغيره. وقال البناني وفي المواق: قال مالك: يرمى بالحجارة التي يرمى بمثلها، فأما الصخور العظام فلا، والمشهور أنه لا يحفر له حفرة. وفي الموازية: يحفر له وقيل يحفر للمرأة فقط، وقيل يحفر للمشهود عليه دون المقر لأنه يترك إن رجع، ويجرد أعْلَى الرجل دون المرأة لأنها عورة ولا يربط المرجوم. انتهى. وقال اللخمي: ويقصد به المواضع التي هي مقاتلُ: الظهرُ وغيرُه من السرة إلى ما

стр. 8907

فوق ويتقى الوجه والفرج. انتهى. نقله اللخمي. ويتقى منه أيضا ما ليس بمقتل كاليدين والساقين. واللَّه تعالى أعلم. ولم يعرف بداءة البينة ثم الإمام يعني أنه إذا ثبت الزنى بالبينة، فإن الإمام مالكا قال: قد أقامت الأئمة الحدود فلا نعلم أحدا منهم تولى ذلك بنفسه ولا ألزم ذلك البينة، خلافا لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنى ببينة بدأ الشهود ثم الإمام ثم سائر الناس، وتحقيق ما أشار إليه المصنف أن أهل المذهب يقولون إن الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره، ولا عليه إن لم يله بنفسه ولا عليه أيضا إن لم يلزمه البينة. واللَّه تعالى أعلم. قال التتائي: قال محمد: وقد أقامت الأئمة الحدود قَذْفًا وقطعا، وجلد في الزنى مائة وفي الافتراء ثمانين، ولم يعلم أن أحدا منهم ولي شيئا من ذلك بنفسه ولا أَلْزَمَ ذَلك أَحَدًا من الشهود، وإنما الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولم يعرف مالك بداءة البينة بالرجم ثم الإمام يليها وكان من حقه أن يزيد ثم الناس كما في المدونة لإيهام تركه أنه يقتصر على الإمام والبينة، والمراد لم يعرفه الإمام حديثا صحيحا ثابتا عن النبي ﷺ ولا سنة معمولا بها، فحديثه في النسائي وأبي داود، إلا أنه ما صح عند مالك. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: الجواب عن اعتراض الشبراخيتي هذا، فإنه قال: ولم يَعْرِف الإمام مالك ﵀ بداءة البينة أي لم يعرف بداءتها في رجم الزاني قبل الحاكم، ثم بداءة الإمام أي الحاكم قبل الناس ثم الناس عقبه كما في المدونة، والمراد لم يعرفه في حديث صحيح ولا سنة معمول بها، والحديث وإن وجد في النسائي وأبي داوود إلا أنه ما صح عند الإمام وتمسك به أبو حنيفة. وأسقط المصنف قول المدونة: ثم الناس؛ لأن ذكره لفظ بداءة وثم يدل على مبدو عليه وأنهم مؤخرون على المبدأ عليهم فللَّه در المصنف ما أدق نظره في إسقاطه: ثم الناس، انتهى.

стр. 8908

تنبيه: لم يتعرض المصنف لحكم حضور جماعة للحد وحضورها للحد مشروع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن عرفة في باب اللعان: وفيها بمحضر من الناس. ابن محرز: لأنه حكم إمام بما فيه حقوق كثيرة فوجب أن يحضره من يشهد عليه، لقوله تعالى في الزانيين: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأقلها عند مالك أربعة. انتهى. وقال ابن الفرس في آية النور: المراد بالآية توبيخ الزناة والغِلْظَةِ عليهم ليرتدعوا؛ لأن كل ما كثرت الطائفة كان أغلظ عليهم، واختلف في أقل ما يجزئ، فقال الحسن: عشرة، وقال ربيعة: ما زاد على الأربعة، وقيل: أربعة ذكره جماعة من أهل المذهب. وهو قول ابن أبي زيد، ورأى أن هذا كشهادة الزنى، وقال عطاء والزهري: ثلاثة، وقيل: اثنان، وحكى بعضهم ذلك عن عطاء، قال: وهذا قول مالك وهو المشهور، وقيل: يجزئ الواحد. انتهى. وقال ابن بكير في أحكامه التي رواها عن مالك، قال مالك: الطائفة ها هنا أربعة يحضرون جلد الزاني البكر ليعلم أنه محدود في الزنى، فإن قذفه قاذف لم يحد لأنه قد ثبت أنه محدود في زنى، ولا يجزئ في ذلك دونُ أربعة شهداء، وقال في الجواهر في باب اللعان: يحضر أربعة فأكثر لقوله تعالى في الزنى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فيحضرون هنا بجامع التغليظ؛ ولأن قطع الأنساب وفساد الأعراض أمر عظيم فيغلظ في سببه. انتهى. ونقله في الذخيرة. وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة: وينبغي للإمام أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين الأحرار العدول لقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكذلك السيد في إقامة الحد على عبده وأمته، والطائفة أربعة فصاعدا. والفائدة في ذلك أنه إن قذفه قاذف وطالب بحد قاذفه أمكن قاذفه التخلص من ذلك بإحضار من شهد حده. انتهى. وقال في التلقين: وينبغي للإمام إحضارطائفة من المؤمنين الحد وأقلهم أربعة ممن تقبل شهادتهم. انتهى. ونحوه في الجلاب، وقال في مختصر عيون المجالس: يستحب للإمام أن يحضر في إقامة الحد في الزنى طائفة من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والطائفة عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي أربعة فصاعدا، وروي عن ابن عباس واحد فما فوقه، وذهب عطاء وأحمد بن حنبل إلى أن الطائفة هنا اثنان فصاعدا، وذهب الزهري إلى أنها ثلاثة،

стр. 8909

وذهب الحسن إلى أنها عشرة، وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، قال مجاهد: رجل فما فوقه إلى الألف، وقال ابن أبي زيد لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى وأن هذا باب منه وهو قول مالك والليث والشافعي، وقال عكرمة وعطاء: لابد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال الزهري: ثلاثة لأنه أقل الجمع، ثم قال: واختلف في المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة والتوبيخ والردع أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة؟ قولان للعلماء. انتهى. ويفهم من كلام القرطبي هذا ومن كلام ابن بكير أن الجماعة إنما يطلب حضورها في الجلد لا في الرجم. انتهى انظر الحطاب. كلائط مطلقا قال الإمام الحطاب: يعني أن اللائط حكمه الرجم مطلقا؛ أي سواء كان محصنا أو غير محصن، فإن كانا بالغين رجما معا، وإن كانا غير بالغين فلا رجم عليهما، وإن كان الفاعل بالغا والمفعول به غير بالغ فليرجم الفاعل، وإن كان الفاعل غير بالغ والمفعول به بالغ فلا يرجم الفاعل. وانظر حكم المفعول به. وقال الجزولي: انظر ذلك والظاهر أنه لا يرجم؛ لأن وطء غير البالغ كلا وطء، ألا ترى أن الكبيرة إذا وطئها صغير لا تحد؟ كما صرح به المصنف في باب الزنى، فكذلك هنا. واللَّه أعلم. فرع: يحد اللائط سواء فعل ذلك بملكه أو بغير ملكه. قاله الجزولي. وهو ظاهر. فرع: قال ابن الفرس في سورة الأعراف: وأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه، وأنه يعزر وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي: والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعل بعضهم ببعض، فينبغي أن يقتصر في العقوبة والنازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى إلى غيرها إلا أن يدل دليل. انتهى كلام الحطاب. وقال التتائي: كلائط يرجم مطلقا فاعلا أو مفعولا أحصنا أم لا إن لم يكونا عبدين. بل وإن كانا عبدين أو حرا وعبدا مسلمين أو كافرين أو مسلما وكافرا، قال في المدونة: ولا صداق في ذلك في طوع أو إكراه، وإنما بالغ على العبد والكافر لقول أشهب: يجلد العبد خمسين ويؤدب

стр. 8910

الكافر وليس على العبد في الزنى رجم لأن عليه نصف العذاب، ولا نصف للرجم. وقوله: "كلائط مطلقا" يخص بغير المكره والصغير، وأما المكره والصغير فلا رجم على واحد منهما كما في التتائي؛ يعني بالمكره في اللواط المفعول به. قال عبد الباقي: كلائط وملوط به فيرجمان مطلقا أحصنا أم لا، ويدل على ما ذكرنا من حذف عاطف ومعطوف، قوله: "وإن عبدين أو كافرين" والمحذوف للدليل كالثابت، أو أن معنى لائط ذي لواط فهو من باب النسبة، كَتَامِرٍ أي ذي تمر ونَابلٍ أي ذي نبل، وليس اسم فاعل من لاط يلوط فهو لائط وإلا لما صح. قوله: "مطلقا" أي فاعلا أو مفعولا محصنا أم لا، ولا يدخل فيه بالغين أو غير بالغين طائعَين أو مكرهين؛ لأنه يشترط في رجم الفاعل كونه مكلفا، وفي رجم المفعول تكليفُه وطوعه وكون واطئه بالغا وإلا لم يرجم المفعول وإنما يؤدب، وإنما صرح بقوله: "وإن عبدين أو كافرين" مع دخول ما ذكر تحت الإطلاق للرد على من يقول: إن العبد يحد خمسين وأن الكافر يرد إلى حُكَّام ملته. ابن يونس: إن أسلم النصراني قبل أن يقام عليه حد القتل أو الفرية أو السرقة فإنه يقام عليه لأنه حق آدمي فهي لازمة له كالدين، فأما حقوق اللَّه تعالى فلا تقام عليه كحد الزنى والخمر، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. انتهى. قوله: فأما حقوق اللَّه تعالى الخ التوضيح: اعلم أن الجنايات السبع تقام على الكافر إلا الزنى والشرب والردة. انتهى. لكن جَعْلُ حد السرقة من حق الآدمي غيرُ ظاهر. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وإنما بالغ على العبد والكافر لقول أشهب: يجلد العبد خمسين ويؤدب الكافر. مالك: وعلى الرجم العمل، وذكر ابن حبيب أن الصديق ﵁ أمر بهم فأحرقوا بالنار. انتهى. وجلد الحر البكر مائة هذا هو النوع الثاني من أنواع الحد؛ يعني أن الحر البكر المسلم المكلف إذا زنى يجلد مائة جلدة، والمراد بالبكر الذي لم يحصن. وقوله: "وجلد الحر البكر مائة" يشمل الذكر والأنثى، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وفي الخرشي: والمعنى أن الحر البكر المسلم البالغ إذا زنى فإنه يجلد مائة جلدة ويُغَرَّبُ عاما، والمراد بالبكر غير المحصن وهو من لم يتقدم له وطء مباح في نكاح لازم بأن لم يتقدم له وطء أصلا أو تقدم له وطء في أمته أو في زوجته، لكن في حيضتها أو في نكاح فاسد لم يفت. انتهى. وقال

стр. 8911

التتائي: وجلد البكر الحر المسلم العاقل البالغ مائة، قال اللخمي: بسوط بين سوطين لا جديد ولا بال لا بالدرة: ودرة عمر إنما كانت للتأديب، وضرب بين ضربين في زمان بين زمانين من رجل بين رجلين، لا بالقوى ولا بالضعيف، ولا يضع سوطا فوق سوط. ابن القاسم: حد الزنى وشرب الخمر والفرية، على الظهر. انتهى. وقال عبد الباقي: وجلد البكر الحر أي جنسه المتقدم وهو المكلف المسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجلد البكر أطلقه على غير المحصن -ولو عبر به كان أولى- الحر المسلم العاقل، قال اللخمي: بسوط بين سوطين الخ. واحترز المصنف بالبكر من المحصن، فإنه يرجم كما مر، وبالحر من العبد فحده خمسون. كما قال: وتشطر بالرق يعني أن الجلد الذي هو المائة يتشطر بالرق، فإذا زنى الرقيق ذكرا أو أنثى أحصن أو لم يحصن كان قنا أو ذا شائبة، وإن قل جزء رقه فإنه يجلد خمسين جلدة، ولا بد من كونه مكلفا مسلما كما مر. قال المواق من المدونة: حد العبد في الزنى خمسون وكذلك الأمة، وكل من فيه عقد حرية كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل. انتهى. وفي نسخة: وتشطرت بتاء التأنيث أي المائة للرق بلام التعليل وهذه النسخة للمواق والشارح، وقد مر أنه يندب إحضار جماعة للجلد أقلهم أربعة عدول، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقيل: يكفي ثلاثة، وقيل اثنان. وفي الكافي: وإن لم يحضر أحدا فلا حرج. انتهى. وقال التتائي: وتشطر الجلد للرق ذكرا أو أنثى وإن قل جزء رقه كالمبعض، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، والعبد في معنى الأمة من باب لا فارق. اللخمي: وكذا كل من فيه عقد حرية لم يتم كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق لأجل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وتشطر الجلد بالرق ذكرا كان أو أنثى وإن أقل جزء رقه كعشر من المبعض، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، والعبد في معنى الأمة من باب قياس لا فارق. اللخمي: وكذا كل من فيه عقد حرية الخ، وقال الخرشي: وأما الرقيق ذكرا أو أنثى وإن قل جزء رقه فيلزمه خمسون جلدة؛ لأن الرقيق عليه نصف ما على الحر من العذاب، وذهب ابن عباس وجماعة إلى أن الأرقاء لا يجلدون إلا إذا تزوجوا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ومعنى أحصن تزوجن،

стр. 8912

ومفهومه أنهن إذا لم يتزوجن لا يجب عليهن الجلد، والجواب أن ذلك إنما يتأتى على قراءة ضم الهمزة من أحصن، وأما على فتحها فمعناه أسلمن وهذا قول الأكثرين، وعلى القراءة الأولى فلا حجة في الآية لأن الآية سيقت لنفي الرجم عن الأرقاء؛ أي فإذا تزوجن فليس عليهن إلا الجلد لا الرجم، فمفهومه مفهوم موافقة أي ليس عليهن إلا الجلد ولو أُحْصِنَّ. واللَّه تعالى أعلم. وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده أي بعد العتق يعني أن أحد الزوجين الرقيقين إذا أعتقه سيده ثم أصاب صاحبه بعد ذلك فإنه يتحصن دون صاحبه الذي لم يحصل له عتق، وتقدم التنبيه على أنه يشترط في الوطء الذي يحصن أن يكون بانتشار وأن لا يكون ممنوعا وأن لا تكون فيه مناكرة، والحاصل أنه قد يتحصن الزوجان معا كما إذا أصابها بعد أن عتقا، وقد يتحصن هو دونها كما لو أصابها بعد أن عتق وقد تتحصن هي دونه كما لو أصابها بعد أن عتقت، ويتحصن هو دونها أيضا فيما إذا أسلم دونها وهي كتابية. وَاعْلَمْ أن أربع نسوة يحصنَّ أزواجهن ولا يُحْصَنَّ: الأمة المتزوجة بحر تحصنه ولا يحصنها، والكتابية تحصن زوجها المسلم ولا يحصنها، والصبية التي لم تبلغ ومثلها يوطأ تحصن زوجها ولا يحصنهات والمجنونة تحصن زوجها المكلف ولا يحصنها. انظر التتائي. وقال عبد الباقي: وحاصل المصنف هنا وفي قوله: "يرجم المكلف" الخ أن الحر المسلم المكلف يتحصن بوطئه بانتشار وطئا مباحا في نكاح مطيقة، ولو مجنونة أو ذمية وأن المرأة إنما تحصن إن كان الزوج مسلما بالغا ولو مجنونا أو عبدا ولا يتأتى كونه كافرا لمسلمة، ولا بد أن تكون حرة مسلمة مكلفة وتوطأ وطئا مباحا. انتهى. قال عبد الباقي: ولما كانت أنواع الحد ثلاثة، رجم فقط وجلد فقط وجلد مع تغريب: وقدم الأولين، ذكر الثالث بقوله: وغرب الذكر يعني أن الذكر إذا زنى فإنه يغرب بشرط أن يكون حرا كما قال: الحر وإنما غرب لينقطع عن معاشه وتلحقه الذلة بغير بلده، واحترز بالذكر عن الأنثى فإنها لا تغرب لأنها لا معيشة لها، ويجب ضبطها وصونها عن الفساد وفي تغريبها إعانة على الفساد أو تعريض له وإن غربت مع محرم غرب من ليس بزان. واحترز بقوله: فقط من الرقيق فإنه لا يغرب ذكرا أو أنثى لحق السيد في الخدمة، فيتأذى بالتغريب غير الجاني. انظر التتائي. وقال عبد الباقي: وغرب الحر الذكر المتوطن لا من زنى

стр. 8913

بفور نزوله ببلد فيجلد ويسجن بها فقط، لا العبد ولو رضي سيده لأنه مظنة احتياجه ولأنه لا يحصل له نكال بالتغريب لأنه غريب، ولا الأنثى ولو رضيت هي وزوجها ولو مع محرم، ولا يسجن كل منهما لأف تبع للتغريب كما في أحمد. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويأتي في الحرابة أنه لا يندب تغريبه ولو رضي السيد بتغريبه. انتهى. وقال الخرشي: وظاهر قوله: "وغُرب الذكر الحر" ولو كان عليه دين؛ لأنه يؤخذ من ماله وهو كذلك. انتهى. عاما يعني أن الحر الذكر يستمر بالموضع الذي يغرب فيه عاما كاملا، قال البناني: لو حذف قوله: "عاما" كان أولى للاستغناء عنه، بقوله: فيسجن سنة. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه عنه: يقال عليه إنه لا يستغنى عن قوله: "عاما" لأنه في التغريب، وأما قوله: فيسجن سنة، فإن قوله سنة راجع لقوله: فيسجن، فلا يفيد أنه يغرب سنة، إذ يصح أن يسجن ببلده وبالبلد الذي غرب إليه، وإنما يتضح ذلك لو قال فيسجن بالبلد الذي غرب إليه سنة، وفي البناني: ولا تغريب على النساء ولا على العبيد. هذا قول مالك وجميع أصحابه. وقال الشافعي: تغرب المرأة وله في الأمة والعبد قولان، وقال ابن عرفة: قول اللخمي: إن تعذر التغريب في المرأة لعدم الولي والرفقة المأمونة لم يسقط السجن خلاف أو إلزام. انتهى واللَّه تعالى أعلم. وأجره عليه يعني أن أجر حمل الحر الذكر إلى الوضع الذي يغرب إليه وفي إيابه ومؤنته في موضع سجنه وغيره وأجرة الموضع الذي يسجن فيه، عليه أي على الزاني المغرب إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فجميع ذلك من بيت المال كالمحارب، قال التتائي: وأجره في حمله ومؤنته لموضع تغريبه عليه في ماله لأنه من تعلقات جنايته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال كالمحارب. قاله ابن الواز. وربما أشعر قوله غرب أنه لو غرب نفسه لم يكفه ذلك وربما أشعر إتيانه فيه بالواو بعدم الترتيب بين الجلد والتغريب، قال عبد الباقي وغيره: انظر إذا لم يكن بيت مال أو كان ولم يوصل إليه، هل يكون ذلك على المسلمين أو يترك تغريبه؟ الخ. قال البناني: كل هذا قصور؛ إذ المراد ببيت المال كونه على المسلمين. ابن عرفة: قال في الموازية: وكراؤه في مسيره عليه في ماله في الزاني والمحارب، فإن لم يكن له مال ففي مال المسلمين. وقاله أصبغ. انتهى. ونقله المواق. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الذكر الحر الذي يغرب أجرة حمله

стр. 8914

إلى البلد الذي ينفى إليه عليه، فإن لم يكن له مال فإنها تكون على بيت المال، وكذا المحارب فإن لم يكن بيت المال أو لم يتوصل إليه فعلى المسلمين، وتجوز المؤلف في الأجرة أي أجرةُ الحمل والأكلُ والمشربُ والغطاءُ والوطاءُ والسجنُ. انتهى. كفدك وخبير من المدينة يعني أن الزاني الحر الذكر يغرب كما عرفت، ولكن لا يكثر له في البعد ليلا يتعذر وصول منفعة ماله وأهله إليه، بل يكون كفدك من المدينة المنورة، أو كخبير من المدينة أي ينفى من المدينة إلى خبير أو من المدينة إلى فدك، وعلى ذلك يقاس غير المدينة فيغرب منه إلى مماثلهما بالنسبة للمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، قال الخرشي: فدك قرية بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاث مراحل وخبير قرية أيضا فينفى الزاني والمحارب إلى إحداهما، وقد ثبت أنه ﵊ نفى من المدينة إلى خيبر ونفى عليٌّ من الكوفة إلى البصرة. انتهى. وقال التتائي وغيره: وفدك بدال مهملة، ونفى عمر ﵁ لكل منهما، ورسول اللَّه ﷺ لخيبر، وعليٌّ من الكوفة للبصرة. انتهى. قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: "كفدك" الظاهر أنه ظرف أي غرب وسير به مسافة مثل مسافة فدك وخيبر من المدينة، وعلى هذا فالعامل فيه غرب لتضمنه معنى سير به، ويحتمل أنه نائب عن المصدر أي وغرب أي أبعد من بلده بعدا كبعد خيبر من المدينة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "من المدينة" الظاهر أنه راجع للمضاف بعد الكاف؛ أي كبعد فدك وخيبر من المدينة. واللَّه تعالى أعلم. وإذا غرب الحر الذكر فإنه يسجن بموضع التغريب سنة، قال عبد الباقي: فيسجن بعد الجلد سنة من حين سجنه في البلد الذي ينفى إليه. انتهى ونحوه لغير واحد. وقال التتائي: وإذا غرب فيسجن بموضع التغريب سنة، قال ابن القاسم: وتحسب من يوم يسجن وظاهره أنه يخلى بعد العام وإن لم تظهر توبته وهو كذلك، وأما في الحرابة فإنه يسجن حتى تظهر توبته، وَفَرَّقَ عبد الحق بأن المحارب جاهر بفعله وعظم ضرره فاشترطت توبته بخلاف الزاني، وظاهره كابن الحاجب أن من لا يغرب لا يسجن فلا تسجن المرأة ولا الرقيق، وللخمي: إن تعذر تغريبها لم يسقط سجنها. انتهى. وقال المواق: قال مالك: وقد كان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر، قال: ويسجن المحارب والزاني في الموضع الذي ينفيان إليه يسجن الزاني سنة. ابن

стр. 8915

القاسم: من يوم يصير في السجن. مطرف: ويؤرخ يوم سجنه. انتهى. وفي الميسر: وذكر ابن غازي أنه حكم في زمنه بفاس بسجن المرأة الزانية ببلدها بعد الجلد، ونقل عن اللخمي أنه إذا تعذر تغريب المرأة لعدم ولي ورفقة مأمونة لم يسقط السجن. انتهى. وقد مر عن ابن عرفة أنه خلاف أو إلزام. وإن عاد أخرج ثانية يعني أنه إذا غرب الحر الذكر ثم عاد إلى بلده الذي غرب منه فإنه يخرج مرة ثانية إلى الموضع الذي نفي إليه أو إلى غيره، ولهذا عَبَّر بأخرج دون أعيد فيبنى له على ما مر له في السجن ولا تستأنف له سنة ثانية، قال الخرشي: أي فإن عاد الذي غُرِّب وسجن قبل مضي سنة من يوم سجن، فإنه يخرج مرة ثانية إلى الموضع الذي كان به أو إلى غيره من الجهات، ولهذا عبر "بأخرج" دون أعيد المقتضي لإعادته في موضعه الأول، فالإخراج أعم من العود. وليس لك أن تقول عاد للزنى ثانية وهو في السجن؛ لأن هذه ليست منصوصة وإنما تردد في التوضيح فيها وفي الغريب إذا زنى، قال بعضهم: والظاهر -واللَّه أعلم- أنه إن تأنس في السجن مع المسجونين بحيث لم يتوحش به غرب لموضع آخر يسجن فيه، وإلا ففي سجنه الأول والغريب إن كان بفور نزوله قبل أن يتأنس بأهل البلد [التي] (١) زنى بها سجن فيها وإلا أخرج لبلد آخر. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وقال: ويحتمل أن معنى عاد للزنى بعد مضي السنة وإطلاقه أخرج بعد جلده مائة. ثانية للسجن في الأول أو غيره. انتهى. وقال التتائي: فإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانية نحوه لابن الحاجب، قال في توضيحه: وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر، وقال: أخرج ولم يقل أعيد لأن الإعادة تقتضي تعيين الموضع الذي كان فيه أوَّلًا وأخرج لا يقتضي ذلك، وهو أولى إذ قد يرى الإمام سجنه في غيره أوْلَى، ثم قال: وانظر هل يبني على ما تقدم أو يستأنف والظاهر البناء. انتهى. وما استظهره من البناء مثله لابن عسكر. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانية

стр. 8916

حتى تكمل السنة، والمذهب أنه يبنِي ويُلغي ما بين السجنين، ويحتمل عاد للزنى بعد ما غرب ومضت مدة التغريب فإنه يجلد ويغرب سنة. وتؤخر المتزوجة لحيضة قال الخرشي: يعني أن المرأة المتزوجة إذا لزمها حد الزنى فإنه لا يقام عليها حتى تحيض حيضة واحدة خشية أن يكون بها حمل، ومن باب أولى تأخير إقامة الحد عليها إذا كانت ظاهرة الحمل، فإذا وضعت أخرت في الجلد لنفاسها لأنها مريضة لا في الرجم إلا إذا لم يوجد من يرضع الطفل. انتهى. وقال عبد الباقي: وتؤخر الزانية المتزوجة وذات السيد بالرجم والجلد لِحيضةٍ إن مكث ماء الزنى ببطنها أربعين يوما، وإن كان الزوج أو السيد قد استبرأها وكذا أقل من أربعين حيث لم يستبرئها وقام بحقه فتؤخر إن أمكن حملها خشية أن يكون بها حمل، لا إن استبرأها أو لم يقم بحقه قبل مضي الأربعين فلا تؤخر، ويقوم مقام الحيضة فيمن لم تحض ثلاثةُ أشهر حيث لم تحض فيهات وكل هذا حيث لم يظهر حمل وإلا أخرت، ومفهوم المتزوجة أن من لا زوج لها أي ولا سيد لا تؤخر لحيضة إن لم يمض لماء الزنى أربعون يوما ببطنها أو مضى ولا يمكن حملها وإلا أخرت. انتهى. قول المصنف: "بحيضة" جزم المصنف بحيضة مع نقله في التوضيح عن ابن عبد السلام أنه قال: انظر هل هو حيضة وهو الأقرب أو ثلاث؟ وقال بأثره خليل: بل القاعدة أن الحرة لا تستبرأ إلا بثلاث. انتهى. قال الحطاب: تقدم في باب الردة أن مالكا نص في الموازية على أنها تستبرأ بحيضة وحكم البابين واحد، ولعل المصنف إنما جزم بذلك لما ذكرناه. واللَّه أعلم. انتهى. وقول عبد الباقي: فتؤخر حيث أمكن حملها الخ أي فإن كانت آيسة لم تؤخر، وقوله: أو لم يقم بحقه قبل مضي الأربعين فلا تؤخر الخ، هكذا النقل عن اللخمي في المواق والتوضيح وغيرهما وهو غير ظاهر؛ لأن الزوج أو السيد إذا لم يستبرئها ولم يقم بحقه قبل مضي أربعين من وطء الزنى وقد مضى لمائه هو أربعون أو أكثر، فكيف لا تؤخر لاحتمال الحمل كما تؤخر لو مضى لماء الزنى ببطنها أربعون يوما وإن فرق بينهما؟ فتأمله. انتهى. قال جميعه البناني. قوله: فكيف لا تؤخر لاحتمال الحمل كما تؤخر الخ، ما قاله ظاهر، بل يؤخذ تأخيرها لهذا الماء من التأخير بمضي أربعين يوما من ماء الزنى بالأحرى. قاله الرهوني. وقال المواق: اللخمي: إن

стр. 8917

شهد على امرأة بالزنى منذ أربعين يوما أخرت ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان أن تكون حملت، وإن لم يمض لها أربعون يوما جاز تعجيل حَدِّها جلدا أو رجما إلا أن تكون ذات زوج فيسأل، فإن قال: كنت استبرأتها حُدَّتْ ورجمت، وإن قال لم أستبر خير بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها فتؤخر لينظر هل تحمل منه أولا، ويسقط حقه فتحد. انتهى. انظر قوله: للزوج أن يسقط حقه في الماء الذي له فيها، هل هو فرع جواز إفساد المني قبل الأربعين يوما؟ وسيأتي له في آخر هذه المسألة ما يرشح هذا، وكذلك أيضا في العدة قبل قوله: "يجب الاستبراء"، وقد قال عياض: رأى بعضهم أنه ليس للنطفة حرمة ولا لها حكم الولد في الأربعين يوما وخالفه غيره في هذا، ولم ير إباحة إفساد المني ولا تسبب إخراجه بعد حصوله في الرحم بوجه قرب أو بعد، بخلاف العزل قبل حصوله في الرحم. انتهى. نص عياض: وانظر إن لم يعزل لكن جعل بين الماء وحصوله في الرحم ما يمنع علوقه به، أفتى ابن زرقون أنه كالعزل، قال: لأنه ما جنى على موجود. اللخمي: وأجاز في المدونة إذا زنت منذ شهرين أن ترجم إذا نظر لها النساء وقلن لا حمل بها، وليس بالبين لأنه ﷺ (أخبر بكونه نطفة أربعين يوما ثم علقة) (١)، وإذا كان كذلك أمكن أن يكون في الشهرين علقة، ولا يجوز حينئذ أن يعمل عملا يؤدي إلى إسقاطه كما لا يجوز للمرأة أن تشرب ما تطرحه به. انتهى كلام المواق. ولا نقل ابن غازي في تكميله كلام اللخمي هذا، قال عقبه ما نصه: فمقتضاه أن للمرأة أن تشرب في الأربعين الأولى ما يسقطه، ومنعه ابن العربي في القبس فقال في باب العزل: للولد ثلاثة أحوال، حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل وهو جائز، وحال بعد قبض الرحم على المني فلا يجوز لأحد التعرض له بالقطع من التولد كما يفعله سفهة التجار في سقي الخدم عند استمساك الطمث الأدوية التي ترخيه فيسيل المني معه فتنقطع الولادة، وحال بعد انخلاقه قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا أشد من الأولين في المنع والتحريم لما فيه من الأثر: إن السقط ليظل محبنطئا

стр. 8918

على باب الجنة يقول لا أدخل حتى يدخل أبواي، فأما إذا نفخ فيه الروح فهو قتل نفس بلا خلاف. انتهى. وأغفله ابن عرفة واقتصر على كلام اللخمي ولم يبحث فيه، وَسُئِلَ عز الدين بن عبد السلام الشافعي هل يسوغ للمرأة استعمال أدوية تمنعها من الحَبَل؟ فأجاب: ليس لها أن تستعمل ما تُفسد القوة التي يتأتى بها الحَبَل، وقد وقع للخمي آخر كتاب العدة مثل ما قاله هنا، وقد تكلمنا عليه هناك وباللَّه التوفيق. انتهى منه بلفظه. وفي المعيار ما نصه: أن المنصوص لأيمتنا رضوان اللَّه عليهم المنع من استعمال ما يبرد الرحم أو يستخرج ما في داخل الرحم من المني وعليه المحصلون والنظار، قال القاضي أبو بكر بن العربي: فذكر كلامه المتقدم، وقال بعده ما نصه: وانفرد اللخمي فأجاز استخراج ما في داخل الرحم من الماء قبل الأربعين يوما، ووافق الجماعة فيما فوقها. انتهى نقله الرهوني. وانظر قوله: وهذا أشد من الأولين الخ ففيه تدافع لجزمه في الأول بالجواز. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. وبالجلد اعتدال الهواء يعني أنه ينتظر بالجلد اعتدال الهواء بالمد فلا يجلد في برد ولا في حر مفرطين خوف الهلاك، والتأخير للبرد نص عليه مالك، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحرَّ، وأما الهوى بالقصر فميل النفس. قاله الخرشي. وقال المواق من المدونة: المريض إن خيف عليه من إقامة الحد أخر، قال مالك: وإذا خيف على السارق إن يقطع في البرد أخّر، والذي يُضْرَبُ الحد في البرد مثله إذا خيف عليه أخر والحر بمنزلة البرد. اللخمي: إن كان ضعيف الجسم فيسقط الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإنما لم يقل الزمان بدل الهواء لأنه يقتضي أن الزمان إذا لم يعتدل يؤخر ولو اعتدل الهواء وليس كذلك، فإن المراد بالزمان الفصل فيقتضي أن الفصل إذا لم يعتدل، كأن يكون فصل الشتاء أو الصيف يؤخر ولو اعتدل الهواء، وليس كذلك لأنه متى اعتدل الهواء جلد ولا يؤخر في أي فصل كان اعتدال أولا. وأقامه الحاكم يعني أن حد الزنى رجما أو جلدا يقيمه الحاكم على الأحرار والعبيد، والسيد يعني أن السيد يقيم الحد أي الجلد في الزنى على عبيده ذكورا أو إناثا بشرطين، أشار لأحدهما

стр. 8919

بقوله: إن لم يتزوج بغير ملكه يعني أن السيد إنما يقيم الحد على مملوكه إن لم يتزوج بغير ملك السيد بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملك سيده فإن تزوج بغير ملك سيده، بأن تزوج بحرة أو بمملوك لغير السيد فإنه لا يقيم عليه الجلد حينئذ إلا الحاكم، وأشار للشرط الثاني بقوله: بغير علمه يعني أن السيد لا يقيم الحد على مملوكه ذكرا أو أنثى إلا إذا ثبت الزنى بغير علم السيد، وكذا الحاكم لا يستند لعلمه في إقامة الحد، فالقيد الأول خاص بالسيد والثاني عام فيه وفي الحاكم، والحاصل أن الحد لا يقيمه إلا السلطان أو السيد في رقيقه الذي لم يتزوج أو تزوج بملك السيد ولا يستند واحد منهُمَا في ذلك لعلمه، بل لا بد من إقامة أربعة عدول على الزنى على الكيفية المقررة. قال الشبراخيتي: وأقامه أي حد الزنى وكذلك حد الخمر أي والقذف، وأما حد السرقة فلا يقيمه إلا السلطان فإن أقامه السيد على وجه الحق بشروطه أدب لتعديه على الإمام هكذا نص عليه في المدونة، وأقامه السيد جوازا في رقيقه ذكرا كان أو أنثى وهو مقدم على الحاكم عند التشاح، وله أن يرفعه للحاكم ليقيم الحاكم عليه الحد، ولو شهد بزنى العبد أربعة أحدهم سيده فلا يُقيمهُ السيد ويقيمه الإمام وتقبل شهادة السيد عليه إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه؛ أي انتفى تزوجه بغير ملكه بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملكه، فإن تزوج بحرة أو بملك للغير لم يقمه عليه إلا الإمام لما يلحق الآخر من المعرة. انتهى. وقال عبد الباقي: وأقامه أي حد الزنى رجما أو جلدا الحاكم أو السيد إن لم يتزوج الرقيق عبدا أو أمة بغير ملكه؛ بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملكه، فإن تزوج بملك غير سيده أو بحرة لم يقمه عليه إلا الحاكم، لا يلحق الزوجة الحرة أو سيد الأمة من المعرة وإنما يقيمه كل منهما بغير علمه أي لا يستند الحاكم ولا السيد لعلمه بزنى الرقيق، بل لابد من إقراره أو ظهور حمل أو شهادة أربعة ذكور أحرار، ولو كان السيد أحدهم حيث أقامه الحاكم فإقامة الحاكم لها شرط واحد، وإقامة السيد لها شرطان، فالأول منهما شرط في إقامة السيد فقط، والثاني قيد فيه وفي الحاكم، والجار والمجرور الأول متعلق بيتزوج والثاني بأقامه ومثل حَدِّ الزنى في ذلك حد الخمر القذف لا حد السرقة فلا يقيمه إلا الإمام ليلا يمثل الناس برقيقهم ويدعون سرقتهم. قاله أبو الحسن. انتهى. الرهوني: إنما يظهر ذلك لو كان السيد يستند لعلمه في ذلك، وقد علمت أنه لا

стр. 8920

يستند إليه فيما جعل له إقامته. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: والسيد في رقيقه في حَدِّ الزنى والخمر والقذف، قال في التوضيح: احترز من السرقة وغيرها فلا يقيمه إلا الوالي، قال في المدونة: لأن ذلك ذريعة إلى أن يمثل بعبده ويدعي السَرَقَةَ. انتهى. وقال في المدونة: ولا بأس أن يقيم السيد على عبده حد الزنى والقذف وحد الخمر. أبو الحسن في الحديث: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) (١) وهو محمول على الوجوب، وقال أبو محمد: ويقيم الرجل على عبده وأمته وهذه العبارة أصرح؛ لأنه وإن كان لفظها الخبر فمعناه الأمر، وقوله في الكتاب: لا بأس لا يتوهم أن به البأس وأن الحدود لا يقيمها إلا الإمام. وقد قال فيمن اشترى جارية وقد زنت عند البائع وليس بواجب على المبتاع أن يحدها، مفهومه لو زنت عنده كان عليه واجبا أن يحدها. انتهى. وقوله: "والسيد" سواء كان رجلا أو امرأة. قاله الجزولي. وذكر البرزلي عن التونسي فيمن زنت أمته أن عليه أن يقيم عليها الحد، قال البرزلي: وظاهر المدونة والرسالة جواز إقامة السيد الحد على عبده لا وجوبه. واللَّه أعلم. فَرْعٌ: وإذا أقام الحد فيحضر في الزنى أربعة نفر وفي الخمر والقذف رجلين، قال مالك: لأنه عسى أن يعتق ويشهد بين الناس فيجد من يشهد عليه ما ترد به شهادته. نقله أبو الحسن. قال أبو الحسن: قوله: والقذف، ظاهره ولا مقال للمقذوف إن قال للسيد لا أرضى إلا بإقامة الإمام الحد. انتهى. وقال ابن عسكر في العمدة: ولا يقيم على الأحرار إلا السلطان، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. انتهى كلام الحطاب. وقال التتائي: وأقامه الحاكم أي الحد مطلقا في حر أو عبد وأقامه السيد في رقيقه ذكرا أو أنثى، لخبر: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، وأطلق في الحد وفي ابن الحاجب حد الزنى والقذف والخمر، قال في التوضيح: ولا يقيمه في السرقة وغيرها إلا الوالي، قال في المدونة: لأن ذلك ذريعة إلى أن يمثل بعبده ويدعي أنه سرق، فإن قطعه السيد دون الوالي وكانت البينة عادلة وأصاب وجه القطع عوقب، وهذا إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه أي ملك السيد حرا أو

стр. 8921

عبدا، فإن تزوج بغير رقيقه لم يقمه عليه حينئذ إلا الإمام لحق الآخر من الزوجين وحق سيده إن كان رقيقا، وحيث قلنا يُقيمُهُ على رقيقه فبالطريق المذكور في الحر من البينة أربعة غير السيد أو ظهور الحمل، وإذا كان السيد أحد الأربعة رفعه للإمام ولذا قال: بغير علمه وهو مذهب المدونة وإحدى الروايتين، والأخرى يقيمه بعلمه وفي التوضيح: ويُحضِرُ الجلد في الخمر والفرية رجلين وفي الزنى أربعة عدول، ولا خلاف أن له تأديبه في الجنايات بعلمه. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: أما مستوفي الحد فهو الإمام في حق الأحرار، ولا بأس للسيد أن يقيم على مملوكه حد الزنى والقذف والخمر لا السرقة. اللخمي: وكذا إن كان زوج أمته عبده فله إقامته عليهما. ابن شأس: إنما يحد أمته إذا كانت غير ذات زوج أو كان زوجها عبده، فإن كانت متزوجة بغير عبد سيدها فلا يقيم الحد عليها إلا الإمام، وكذا العبد إذا كانت له زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم الحد عليهما إلَّا الإمام. وفي المدونة: لا يحد عبده في الزنى إلا بأربعة سواه، فإن كان أحدهم رفعه إلى الإمام، قال عبد الملك: من رأى أمته تزني لم يحدها إذ ليس للسلطان أن يجلد برؤيته. انتهى. وإن تزوج رجل امرأة ثم أخذت تزني وبعد أن زنت أنكرت الوطء وكان إنكارها بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة، ولم يكن منها إنكار قبل ذلك وخالفها أي المرأة المذكورة في دعواها عدمَ الوطء الزوج بأن ادعى وطأها، فاللازم في شأن المرأة الحد أي الرجم لأنها محصنة، ولا عبرة بإنكارها وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وروي عنه أي ابن القاسم لا الإمام في كتاب الرجم من المدونة مسألة أخرى في شأن الرجل يقيم مع زوجه مدة طويلة فشهد عليه بالزنى، فقال: لم أطأها، يصدق في ذلك وبسقط عنه الحد أي الرجم للشبهة، ولو أقر بالوطء لم يسقط عنه الرجم، ولهذا قال: ما لم يقر به أي أن الرجل المذكور إنما يسقط عنه الرجم حيث لم يقر، بالوطء، وأما لو أقر به لرجم أو يولد له عطف على يقر أي محل عدم رجمه إنما هو حيث لم يقر بالوطء ولم يولد له قبل ذلك، وأما لو أقر بالوطء لرجم وكذا لو ولد له قبل الشهادة عليه بالزنى فإنه يرجم. وفي المواق من المدونة: إذا أقامت المرأة مع زوجها عشرين سنة ثم زنت، فقالت لم يكن الزوج جامعني والزوج يقر بجماعها فهي محصنة، ومن المدونة أيضا عن ابن القاسم: من تزوج امرأة

стр. 8922

وتقادم مكثه معها بعد الدخول بها فشهد عليه بالزنى فقال ما جامعتها مذ دخلت عليها، فإن لم يعلم بولد يظهر أو بإقرار بالوطء لم يرجم لِدَرْءِ الحد بالشبهة، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك رجم. انتهى. وقوله: "وعنه في الرجل يسقط" أي الرجم كما عرفت، وأما الجلد فلا نزاع أنه لا يسقط إذا سقط الرجم، وَأُوِّلَا أي قولا المدونة الأول في نكاحها والثاني في رجمها على الخلاف أي أول الموضعان على أنهما متخالفان، وهذا التأويل هو الذي اختاره ابن رشد ورد التأويلات الثلاث بعده. قال الشبراخيتي: والخلاف هو المذهب. انتهى. ومن العلماء من وفق بين القولين كما قال: أو إنما رجمت الزوجة لضعف إنكارها لأجل خلاف أي مخالفة الزَّوْج لها في المسألة الأولى، فإنه خالفها فيها فقط إذ هي أنكرت الوطء وادعى هو أنه وطئها فلذلك رجمت، ولم يرجم الزوج في الثانية لعدم مخالفة الزوجة له فلم يضعف إنكاره، فلو لم يكذبها في مسألتها أو كذبته في مسألته لاتفق القولان، أو يوفق بين المسألتين بأنه إنما لم يرجم في الثانية؛ لأنه أي الزوج يسكت عادة عن ترك وطئه مدة طويلة، ورجمت في الأولى لأنها لا تسكت عادة هذه المدة عن عدم وطئه لها، والأنسب بالتأويل قبله أن يقول أو لأنها لا تسكت، ورد بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت أو يوفق بينهما بأنه لم يرجم الزوج في الثانية؛ لأن الثانية وهي مسألة الرجل لم تبلغ مدة إقامة الزوج فيها مع امرأته عشرين سنة، ورجمت في الأولى لبلوغها عشرين سنة في ذلك تأويلات أربع، واحد بالخلاف وثلاثة بالوفاق، "وأو" في الثلاث بمعنى: قيل. قال عبد الباقي: وإن زنت متزوجة وأنكرت الوطء من زوجها بعد إقامة عشرين سنة معه وخالفها الزوج وادعى وطأها، فالحد أي الرجم لأنها محصنة ولا عبرة بإنكارها وعنه أي الإمام مالك -صوابه وعنه أي ابن القاسم كما في نقل المواق قاله البناني- ما يخالف ذلك في الرجل يقيم مع زوجته مدة طويلة ثم تشهد أربعة بالزنى فإنه يسقط عنه الرجم، ويحد حد البكر، "ما" أي مدة كونه لم يقربه أي بوطء زوجته، بل قال عند شهادة البينة عليه بالزنى: لم أطأ زوجتي منذ دخلت بها أو مدة كونه لم يولد له منها، فإن ظهر وطؤها بولادتها منه أو أقر به بعد ذلك رجم، وظاهره كغيره ولو بعد حَدِّهِ حَدَّ البكر. وظاهر قوله: "أو يولد له" يشمل ما إذا نفاه بلعان، واختلف الشيوخ في المحلين فمنهم من فهمها على الخلاف كما قال: "وأولا على الخلاف" إذ

стр. 8923

قُبلَ قوله "دونها"، ومنهم من وفق بينهما كما قال: أو إنما رجمت الزوجة لضعف إنكارها لخلاف أي لمخالفة الزوج لها في المسألة الأولى فقط، ولم يرجم الزوج في الثانية لعدم مخالفة الزوجة له فلم تضعف إنكاره، فلو لم يكذبها في مسألتها أو كذبته في مسألته لاتفق القولان أو يوفق بأنه إنما لم يرجم في الثانية لأنه يسكت عادة عن ترك وطئه مدة طويلة، ورجمت في الأولى لأنها لا تسكت عادة هذه المدة عن عدم وطئه لها، والأنسب بالتأويل قبله أن يقول أو لأنها لا تسكت أو يوفق بأنه لم يرجم الزوج؛ لأن الثانية وهي مسألته لم تبلغ مدة إقامته مع الزوجة عشرين سنة، وصدق في عدم وطئه لها ورجمت في الأولى لبلوغها عشرين سنة، تأويلات ثلاث بالوفاق والأول بالخلاف فهي أربع كما في التتائي. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن أنكرت امرأة الوطء بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة ثم أخذت تزني ولم يكن منها إنكار قبل ذلك وخالفها الزوج وأقر بوطئها فالحد المراد به الرجم؛ لأن العادة أن هذه المدة لا تسكت فيها الزوجة عن الوطء، وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وعنه في الرجل في كتاب الرجم منها: ومن تزوج امرأة وطال مكثه معها بعد الدخول فَشُهدَ عليه بالزنى، فقال: لم أطأ منذ دخلت بها يسقط عنه الرجم للشبهة، وأما الجلد فلا نزاع أنه لا يسقط إذا سقط الرجم ما لم يقر به أي بالوطء أو ما لم يولد له فيرجم حينئذ، ويشمل ما لو نفاه بلعان، وأوِّلَا أي قولا المدونة الأول في نكاحها والثاني في رجمها على الخلاف، هذا هو الذي اختاره ابن رشد وَرَدّ التأويلات الثلاث، والخلاف هو المذهب. وعن يحيى بن عمر الثانية وعن سحنون الأولى، أو ما في الموضعين وفاق وهو من أوجه أشار لأولها بقوله: "لخلاف الزوج في الأولى" دون الثانية فلم تخالفه، فضعف إنكارها في الأولى دون الثانية. وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه أي الزوج إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبا لأنه عيب به وهي لا تسكت عن عيبه لو كان به، ورد بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت، ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها لم تبلغ عشرين سنة كالأولى ولو بلغتها لم يقبل قول الزوج كالزوجة تأويلات. انتهى المراد منه.

стр. 8924

وقال التتائي: وإن أنكرت امرأة الوطء بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة، ثم أخذت تزني ولم يكن منه إنكار قبل ذلك وخالفها الزوج وأقر بوطئها فالحد واجب عليها لا يزيله إنكارها لأنها محصنة، وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وعنه في الرجل في كتاب الرجم منها: ومن تزوج امرأة وطال مكثه معها بعد الدخول فشهد عليه بالزنى، فقال: لم أطأ منذ دخلت بها يسقط عنه الحد للشبهة ما لم يقر به أي بالوطء أو ما لم يولد له فيرجم حينئذ وأولا على الخلاف لاختلاف الجواب لقبوله قول الزوج دون الزوجة. البساطي: والمسألة واحدة وهو قول يحيى بن عمر وسحنون وأبي عمران واللخمي وابن رشد، ثم اختلفوا هل يعتد بما في مسألة الرجم ويطرح ما في النكاح؟ وهو قول يحيى بن عمر، لقوله: إن مسألة الرجم خير مما في النكاح، أو بالعكس وإليه ذهب سحنون؟ أو ما في الموضعين وفاق وهما مسألتان، وإليه ذهب جماعة؟ ولهم في كيفية التوفيق بينهما أوجه، أشار لأولها بقوله: وإنما حدت لخلاف الزوج في الأولى فقط دون الثانية حيث ادعى الوطء فضعف إنكارها، ومسألة الزوج لم تخالفه الزوجة فقوي إنكاره ولو خالفته لاتفقت المسألتان في عدم القبول، كاتفاقهما في القبول لو وافقها الزوج، واختار ابن يونس هذا الوجه، وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه أي الزوج إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبا ويخفيه لأنه عيب به وهي لا تسكت عن عيبه لو كان، وَرُدَّ بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت، ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها قصيرة لم تبلغ عشرين سنة كالأولى ولو بلغتها لم يقبل قول الزوج كالزوجة، تأويلات أربعة ذكر أوجه التوفيق الثلاثة عبد الحق وغيره، وتبعهم المصنف مع قوله في توضيحه عن ابن رشد: إنها لا تصح، وذكر عن مقدماته ما يؤيد ما يقوله أي من الحمل على الخلاف. فراجعه إن شئت. انتهى. ونحوه للخرشي. واللَّه تعالى أعلم. وفي اليسر وفي المقدمات: إن دخلا فمن أنكر منهما الوطء بعد الزنى ولم يعلم منه إقرار قبله، فقال ابن وهب: لا يصدق في إنكاره وإن بقرب البناء، وقال أكثر الأصحاب: يصدق ما لم يطل الزمن جدا وهو ظاهر ما في النكاح، وقيل يصدق وإن طال وهو ظاهر ما في الرجم وإن أنكر قبل الزنى

стр. 8925

صدق اتفاقا، وإن ادعاه أحدهما على الآخر لم يلزم إحصان المنكر ولا المقر إن أقر لغرض كرجعة أو مهر ثم رجع، وإن لم يكن لغرض فقولان. انتهى. وإن قالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية يعني أن المرأة إذا قالت زنيت مع هذا الرجل لرجل عينته، فأقر هذا الذي قالت إنها زنت معه بالوطء لها، وقال: هي زوجتي ولا بينة له تشهد بأنها زوجته فإنهما يحدان؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح للوطء ولو كانا طارئين أو حصل فُشُوٌّ، قال الخرشي: يعني أن المرأة إذا قالت زنيت مع هذا الرجل فأقر بوطئها وأنها زوجته ولا بينة له، فإنهما يحدان لأن الأصل عدم السبب المبيح للوطء، ويأتنفان نكاحا بعد الاستبراء إن أحبا، وظاهره ولو طارئين أو حصل فُشُوٌ وهو كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن وجدت امرأة مع رجل وقالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية ولا بينة حدا ولو طارئين وحصل فشو؛ لأنه لم توافقه على النكاح. انتهى. أو وجدا ببيتها وأقرَّا به وادعيا النكاح يعني أنه إذا وجد رجل وامرأة في بيت أو طريق وأقرا معا بالوطء وادعيا النكاح فإنهما يحدان إلا أن يكونا طارئين أو يحصل فشو كما مر، قال التتائي: وأشعر قوله: "وجدا ببيت" بأنه لو قال بحضرة جماعة: وطئت فلانة بنكاح أو اشتريت أمة فلان ووطئتها لم يكلف ببينة بالنكاح ولا بالشراء، ولا حد لأنه لم يوجد مع امرأة يطؤها ولو وجد كذلك لكلف البينة إن لم يكن طارئا، وقاله ابن حبيب عن ابن الماجشون، قال: وقاله علماؤنا، وأشعر أيضا بأنه لو شهدت عليه بينة أنهم رأوا فرجه في فرج امرأة غائبة عنا لا ندري من هي، فقال هو: كانت زوجتي وطلقتها أو أمتي وبعتها وهو معروف أنه غير ذي زوجة ولا أمة فهو مصدق ولا يكلف ببينة، ولو وجد معها كلفته البينة إن لم يكن طارئا لأنه قصد في امرأة معلومة دعوى بنكاح أو ملك وهو يعرف بغير ذلك فيحَدُّ حتى يقيم بينة بما قال، والأول ادعى ذلك في مجهولة، قال: ولو لم يدع ذلك وقال كذبت الشهود حد. وقاله مطرف. وأصبغ. انتهى. وعلم مما مر أن المراد بقوله: "وجدا ببيت" وجدا بمكان بيتا أو غيره. أو ادعاه فصدقته ووليها، وقالا: لم نشهد يعني أنه إذا ادعى الرجل أنه وطئ هذه المرأة بنكاح فصدقته المرأة ووليها، وقالا: -أي المرأة ووليها- لم نشهد حين العقد فإنهما يُحَدَّان، قال

стр. 8926

الخرشي: وكذلك يحد الرجل والمرأة إذا ادعى الرجل وطأها يعني بالنكاح فصدقته هي ووليها، وقالا أي المرأة ووليها: لم نشهد أي قالا عقدنا النكاح بلا إشهاد ونحن الآن نشهد أي ولم يحصل فشو يقوم مقام الإشهاد؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح ويأتنفان نكاحا جديدا بعد الاستبراء إن أحبا، وظاهره ولو كانا طارئين وهو كذلك لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ادعاه أي ادعى الرجل النكاح فصدقته في دعواه هي ووليها أبوها أو أخوها مثلا، وقالا لم نشهد ونحن الآن نشهد، حدا ولو طارئين حيث لم يحصل فشو لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية ولا بينة له أو وجدا ببيت أو طريق، وأقرا به وادعيا النكاح أو ادعاه أي النكاح وصدقته ووليها وقالا -أي المرأة ووليها-: لم نشهد أي عقدنا من غير إشهاد حدا، ويحد هو في المسألة الأولى ولو طارئين وحصل فشو لأنها لم توافقه على النكاح فالأصل عدم السبب المبيح، ويأتنفان نكاحا غيره بعد الاستبراء إن أحبا إذا لم يثبت إحصانُهمَا، وأما حدها هي فظاهر لإقرارها بالزنى، وأما في الثانية فيسقط الحد عنهما حيث كانا طارئين أو حصل فشو لاتفاقهما على النكاح فلم يدعيا شيئا مخالفا للعرف، وأما في الثالثة فيحدان ولو طارئين حيث لم يحصل فشو لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد ولم يحصل ما يقوم مقامه وهو الفشو. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: حدَّا جواب الشرط ولهذا قال الحطاب: جواب الشرط قوله: "حدا" وهو راجع إلى المسائل الثلاث؛ المسألتان الأوليان في كتاب الحدود من المدونة، ففيها: وإذا قالت المرأة زنيت مع هذا الرجل وقال الرجل هي زوجتي وطئتها أو وجدا في بيت فأقرا بالوطء وادعيا النكاح فإن لم يأتيا ببينة حدا. انتهى. أبو الحسن: معنى المسألة الثانية إذا لم يكونا طارئين، وأما الأولى فسواء كانا طارئين أم لا. انتهى. وقال أشهب في الأولى: لا حد عليه لأنه لم يعترف بوطء إلا في نكاح، وتحد هي بخلاف المسألة الثانية إذا وجد مع امرأة وادعى نكاحها لأنه أخذ فهو يدفع عن نفسه، وسوى بينهما ابن القاسم. وأما الثالثة فهي في كتاب القذف ونصها: ومن وطئ امرأة وادعى نكاحها وصدقته هي ووليها، وقالوا: عقدنا النكاح ولم نشهد ونحن نريد أن نشهد الآن فعلى الرجل والمرأة الحد إلا أن يقيما بينة غير الولي، وإن حددتهما وهما بكران فإن

стр. 8927

أرادا أن يحدثا إشهادا على ذلك النكاح ويقيما عليه لم يجز حتى يستبرأ من ذلك الماء. انتهى. ويريد ويجددا نكاحا فإن النكاح يفسخ بطلاق كما تقدم في النكاح، ويريد المؤلف إذا لم يحصل فشو، أما إذا حصل فإنه يسقط الحد. انتهى. وقال المواق من المدونة: إذا قالت امرأة: زنيت مع هذا الرجل، وقال الرجل هي زوجتي وقد وطئتها أو وجدا فأقرا بالوطء وادعيا النكاح فإن لم يأتيا ببينة حدا. ابن يونس: لأن من سنة النكاح الإظهار والإعلان، وقد نص في المدونة أن شهادة الولي بالنكاح لغو. ومن المدونة: من اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد. ابن القاسم: ولا تحد هي إن أقرت له بالملك. ابن يونس: يريد وإن كانت تعلم أنها حرة لأنه لا ينفعها دعواها الحرية؛ إذ لا بينة لها تقوم بهم. ومن المدونة قال مالك في رجل وجد مع امرأة في بيت فشهد أبوها أو أخوها أن الأب زوجه إياها: فلا يُقْبَلُ ذلك ويعاقبان وإن ثبت الوطء حدا. ابن يونس: رُوي أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ويقال: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فلأن يخطئ حَكَمٌ من الحكام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، إذا رأيتم للمسلم مخرجا فادرءوا الحد عنه. انتهى. ولما أنهى الكلام على الزنى أتبعه بالكلام على القذف فقال:

стр. 8928

باب: في القذف بقاف مفتوحة فذال معجمة ساكنة، وأصله الرمي بالحجارة ونحوها ثم استعمل مجازا في الرمي بالمكاره، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا﴾، ومنه قيل للمنجنيق قذاف، وسماه اللَّه تعالى رميا فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. المتيطي: حرم اللَّه أعراض المسلمين كما حرم دماءهم وأموالهم في كتابه وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، ثم قال: فإذاية المسلمين في أعراضهم تنقسم قسمين: أحَدُهُما أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره سماعه، فإن قال ذلك في مغيبه فهي الغيبة التي حرم اللَّه تعالى على عباده، حيث قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. الآية. وليس في ذلك إلا الندم والاستغفار والتحلل من المغتاب، وأما إن قال ذلك في حضوره مواجهة له على جهة التنقيص له فهو البهتان، وفيه الأدب على حال القائل والمقول له بالاجتهاد. انتهى. الرهوني: فيه أنه جعل موضع الغيبة والبهتان واحدا، وفرق بينهما بالغَيْبَةِ والمُوَاجَهَةِ وذلك خلاف ما هو مصرح به في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحة وأبو داوود وغيرهما من قوله ﷺ : (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تمول فقد بهته) (١)، قال في المشارق: قوله بهته بفتح الباء والهاء وتخفيفها، وتشديدُها خطأ ومعناه: قلت فيه البهتان وهو الباطل، وقيل: قلت فيه من الباطل ما حيرته به، يقال بهت فلان فلانا فبهت إذا تحير في كذبه، وقيل بهته واجهه بما لم يفعل. وفي الحديث الآخر: (إن اليهود قوم بُهُتٌ) (٢) بضم الباء والهاء وإن تسألهم عني بهتوني، وفي النهاية: البهت الكذب والافتراء، ومنه حديث ابن سلام ﵁ في ذكر اليهود: إنهم قوم بُهُتٌ، وهو جمع بَهُوت من أبنية المبالغة مثل صبور وصبُر ويسكن تخفيفا. وفي الصحاح: بهته بهتا وبهتا وبهتانا قال عليه ما لم يفعل، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. انتهى. المتيطي: وأما القسم الثاني وهو أن ينسب إليه الفاحشة الموجبة على فاعلها حد الزنى،

стр. 8929

فهو القذف الذي حرمه اللَّه على عباده ولعن فاعله في الدنيا والآخرة وتوعد عليه بالوعيد العظيم، حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يريد بالمحصنات العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش والفجور ولم يفطنَّ ولا عرفن بها، فقذف المحصنات مما لا يختلف أهل العلم أنه من الكبائر الموبقات. روي عن النبي ﷺ أنه قال: (قذف المحصنات يحبط عمل مائة سنة) (١)، وهذا عند غير واحد من الموثقين ما لم يتب أو يحد، فإذا أخذ منه الحد أو تاب غفر ذلك عنه اللعنة والإبعاد وعاد إليه ثواب العمل، ومثل النساء المحصنات الرجال الذين هم محصنون وهذا أمر متفق عليه، لا خلاف بين أحد من المسلمين أن قذف المحصن كقذف المحصنة في وجوب الحد. انتهى. ابن عطية: قذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى وإجماع الأمة على ذلك، وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع. وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنْفُسَ المحصنات فهي تعم بلفظها الرجال والنساء، وقول المتيطي: روى عن النبي ﷺ أنه قال: (قذف المحصنات يحبط عمل مائة سنة)، وهذا عند غير واحد الخ، قال الرهوني: هذا الحديث لم أقف على من أخرجه ولم يذكره في الجامع الصغير، واحتجاج المتيطي به يدل على صحته أو حسنه، وقول المتيطي عن غير واحد من الموثقين: وعاد إليه ثواب العمل يدل على أنهم حملوه على ظاهره، وذلك لا يوافق مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات وإنما يحبطها الكفر، فالحديث إن ثبت مأول على أن المراد المبالغة في التحذير من ارتكاب ذلك والتشديد فيه حتى لا يقربه أحد كما في نظائره وظاهره غير مراد. واللَّه أعلم. انتهى. وقد مر أن القذف من الكبائر الموبقات، ولعظمه أوجب اللَّه تعالى فيه الحد ولو نسب شخص غيره للكفر لم يحد، ويسمى القذف فرية من الافتراء وهو الكذب. ابن عرفة: القذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنى أو قطع نسب مسلم والأخص لإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفا مسلما

стр. 8930

بالغا أو صغيرة تطيق الوطء لزنى أو قطع نسب مسلم. انتهى. فقوله: نسبة آدمي مصدر مضاف لفاعله، وغيره مفعول أخرج به قذف نفسه، ويدخل في هذا الحد نسبة غير المكلف ونسبة العبد وكثير مما لا يتقرر شَرْطُ القذف فيه إما باتفاق أو بخلاف؛ لأنه بالمعنى الأعم. وقوله: أو قطع نسب مسلم، أخرج به ما إذا لم يقطع نسبا أو قطع نسب غير مسلم فإنه لا يسمى قذفا، الأول إذا قال الرجل: لست ابنا لفلانة فإنه ليس قذفا لأنه لا يمكن قطعه عنها، والثاني إن قال: ليس أبوك الكافر ابن أبيه فلا يقطع نسبا أيضا. انظر الخرشي. وقال البناني: التوضيح: القذف بالمعجمة أصله الرمي إلى بعد فكأنه رماه بما يبعد ولا يصح، وقد سماه اللَّه رميا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، ويسمى أيضا فرية لأنه من الافتراء والكذب وهو من الكبائر بإجماع. انتهى. وخرج أبو داوود عنه ﵊، أنه قال: (من رمى مسلما بشيء يريد شينه به حبس يوم القيامة على جسر من جسور جهنم حتى يخرج مما قال) (١). انتهى. قال في التوضيح: ومفهومه في الشرع أخص منه في اللغة. انتهى. الحطاب: حده الأخص يعني ابن عرفة غير مانع لدخول قذف المجنون والمجبوب فيه أي المجنون الذي جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخلله إفاقة. انتهى. وفي المواق عن ابن رشد: ومن الناس من زاد العقل وليس بصحيح لأنه داخل تحت العفاف. وقوله: قذف المكلف مصدر مضاف إلى فاعله وهو مبتدأ، وخبره "يوجب ثمانين"، والتكليف مركب من البلوغ والعقل، فلا حد على صبي أو مجنون قذف غيره، قال الشبراخيتي: قال في الحاشية: الشروط عشرة، اثنان في القاذف وهما البلوغ والعقل، واثنان في المقذوف به وهما نفي النسب والزنى، وستة في المقذوف؛ اثنان في المقذوف ينفي النسب وهما الحرية والإسلام، وأربعة زيادة على الاثنين في القذف بالزنى البلوغ والعقل والعفة والآلة، فمجموع شروط القذوف ستة، ويشترط أن يكون مُلْتَزِمًا للأحكام، احترازا من الحربيِّ إذا قذف مسلما ببلد الحرب ثم أسلم أو أسر أو دخل بأمان فإنه لا حد عليه، ولو أقر القاذف بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه كما ذكره
следующие страницы →