وأذى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليه فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه، وليس له في الفيء حق، وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر يقتل، وحكى سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم وحكي عنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى.
فيفهم منه أن قول مالك أن من قال في أحد من الصحابة ولو كان من غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر يقتل، وانظر الشفا. وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى. انظر بقية كلامه فإنه شاف. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: سب آل بيت النبي ﷺ وأزواجه وأصحابه وتنقصهم حرام ملعون فاعله، ومشهور مذهب مالك في هذا الاجتهاد والأدب الموجع. انتهى. وقال التتائي: وعن بعض الأشياخ: من سب معاوية أو غيره فإن نسبه للضلال والكفر قتل، وإن نسبه لغير ذلك من مشاتمة الناس نُكِّلَ نكالا شديدا. انتهى.
وسب اللَّه كذلك قال الخرشي: لما فرغ من الكلام على ما يترتب على سب الأنبياء من قتل وغيره، شرع يتكلم على سب اللَّه تعالى، فذكر أن سب اللَّه تعالى كسب النبي أي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل، سواء كان الساب ذميا أو مسلما إلا أن في استتابة المسلم خلافا، كما قال: وفي استتابة المسلم خلاف يعني أن من سب اللَّه -تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- يقتل كما علمت، فإذا كان مسلما فإنه اختلف فيه، فقيل: يستتاب فإن تاب لم يقتل وإن لم يتب قتل وهو الراجح، وقيل يقتل ولا تقبل توبته. ومفهوم قوله: "المسلم" أن الكافر الذي سب اللَّه إن أسلم لم يقتل، قال عبد الباقي: وسب اللَّه كذلك أي كسب النبي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل سواء كان الساب ذميا أو مسلما، إلا أن في المسلم خلافا كما أفاده بما هو كالاستثناء من التشبيه، فقال: وفي استتابة المسلم خلاف وإلا أن يسلم الكافر كما مر، وفي الجواهر: والحكم فيمن سب البارئ تعالى على ما تقدم إلا أنه يستتاب المسلم هنا على المشهور، وقيل الأكثر على عدمها، ثم قال: أما لو لعنه قتل، وإن قال زل لسانه على المنصوص. ولا يقال: كلام المصنف
стр. 8857
يدل على أن التشبيه في الأدب لأنا نقول قوله: "وفي استتابة المسلم خلاف" يدل على المراد إذ لو كان فيه الأدب لم يتأتَّ الاستثناء والراجح قبول توبته. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وفي استتابة المسلم خلاف أي هل تقبل توبته وهو أحد قولي ابن القاسم، أولا تقبل توبته وهو لابن القاسم أيضا؟ والراجح أنها تقبل توبته. انتهى. وفي الشفا أن ابن أبي زيد أفتى فيمن لعن رجلا ولعن اللَّه، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني أنه يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره. انتهى. وقال المواق: سحنون: من شتم الحقَّ سبحانه من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر قتل ولم يستتب، قال ابن أبي زيد: إلا أن يسلم. وفي التفريع: من سب اللَّه سبحانه أو سب رسول اللَّه ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وقال المخزومي وابن مسلمة وابن أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني، وقد تقدم نقل ابن يونس عن ابن القاسم أن من عاب رسول اللَّه ﷺ قتل ولم يستتب، وميراثه لجميع المسلمين وهو بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف توبته لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانيا فإنه يقتل صاغرا. وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ فقال: هو محسن فيما بينه وبين اللَّه لكن يعزره السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان، ولكنه محسن إذ لعل الولاة تضيع مثل هذا ولا تصححه، وقال عيسى فيمن سمع نصرانيا يشتم النبي ﷺ فاغتاظ عليه فقتله، قال: لا شيء عليه إن أثبت أن ذلك كان يوجب عليه القتل.
كمن قال: لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه تشبيه في مطلق الخلاف؛ يعني أن من قال: "لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه" اختلف فيه، فقيل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور نسأل اللَّه تعالى السلامة، وقيل ينكل وعلى الراجح الذي هو القول بأنه يقتل اختلف هل يستتاب المسلم أم لا؟ قولان. قال عبد الباقي: تشبيه لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها يعني مع اتفاق القولين على القتل، وفي الثاني في قتل القائل لنسبته الباري للجور، وهل يستتاب أولا قولان كما مر أولا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى؟ انتهى. وقال الخرشي: تشبيه
стр. 8858
لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها وهنا في قتل القائل وتنكيله، والمعنى أنه اختلف فيمن قال هذا القول، هل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور، وهل يستتاب أولا؟ قولان كما مر أو لا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه" تشبيه في مطلق الخلاف أي هل يقتل القائل أو ينكل، وعلى القول بقتله يجري الخلاف في قبول توبته وعدمها، ثم إن القولين للمتأخرين فكان المناسب لاصطلاحه أن يعبر بالتردد. نبه عليه التتائي. انتهى. وقال المواق: عياض: اختلف أهل قرطبة في مسألة هارون أخي ابن حبيب وكان ضيق الصدر كثير التبرم، قال عند استقلاله من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله، فأفتى ابن حبيب بموافقة القاضي بتنكيله وتثقيل أدبه، وأفتى الغير بقتله. انتهى.
وفي الشفا: لو تكلم من لا يضبط كلامه وأهمل لسانه بسخف من القول مما فيه استخفاف بعظمة ربه أو يمثل شيئا ببعض ما عظم اللَّه من ملكوته، أو تكلم بما لا يليق في حق خالقه غير قاصد لكفر ولا عامد لإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه وجهله بعظمته وهذا كفر لا مرية فيه، وقد أفتى ابن حبيب بقتل رجل خرج يوما فأخذه المطر، فقال: بدأ الخراز يرش جلوده وتوقف غيره في قتله ورآه عبثا من القول يكفي فيه الأدب، فقال ابن حبيب: دمه في عنقي؛ أيشتم ربا عبدناه ثم لا ننتصر له إنا إذا لعبيد سوء؟ وبكى فبلغ ذلك الأمير فأمر بقتل الرجل وصلبه. قال عياض: وأما من صدرت منه الهفوة الواحدة ولم تكن تنقصا أو إزراء فيعاقب بقدر مقتضاها وحال قائلها وشرح سبيلها، وقد سئل ابن القاسم عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه: لبيك اللَّهم لبيك؟ قال: إن كان جاهلا أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه. عياض: وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه يؤدب، ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه، كفر. انتهى.
стр. 8859
فَوائِدٌ: الأُولى: قال في الشفا: وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (من جحد آية من كتاب اللَّه تعالى من المسلمين فقد حل ضرب عنقه) (١)، وكذلك من جحد التورية والإنجيل وكتب اللَّه تعالى المنزلة، أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر، وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أنه كلام اللَّه تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع أنه ليس من القرآن عامد الكل هذا أنه كافر، ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة ﵂ بالفرية؛ لأنه خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه. وقال ابن القاسم: من قال إن اللَّه تعالى: لم يكلم موسى تكليما يقتل، وقاله ابن عبد الرحمن بن مهدي، وقال محمد بن سحنون فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب اللَّه تعالى تضرب عنقه إلا أن يتوب، وكذلك كل من كذب بحرف منه، قال: وكذلك إن شهد شاهد عدل على من قال إن اللَّه تعالى لم يكلم موسى تكليما، وشهد آخر عليه أنه قال إن اللَّه تعالى ما اتخذ إبراهيم خليلا؛ لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي ﷺ ، وقال أبو عثمان ابن الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر. وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله ومن كفر به قتل، وقال أصبغ بن الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله، وسئل القابسي عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتورية، فقال الآخر: لعن اللَّه التورية فشهد شاهد بذلك ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت تورية اليهود، فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا يوجب القتل، والثاني علق الأمر بصفة توجب التأويل إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند اللَّه تعالى لتبديلهم وتحريفهم، ولو اتفق الشاهدان على لعن التورية مجردا لضاق التأويل. وقد
стр. 8860
اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن سنوذ المقرئ أحد الأئمة المقرءين المتصدرين بها بقراءته وإقرائه بالشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي ابن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري وغيره، وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن اللَّه معلمك وما علمك، فقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن، قال أبو محمد: فأما من لعن المصحف فإنه يقتل. انتهى.
الثانية: قال ابن حسام الدين -على ما أخبرني من أثق به- في سؤال وقع في شأن المهدي: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين هداة المسلمين أيدهم اللَّه بروح القدس في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر وتسع مائة ببلد من بلاد العجم أنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان، وأن من أنكر هذا المهدي الميت فقد كفر، ثم ما حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي اللَّه عنكم، فأفتى الشيخ العلامة أحمد بن حجر الشافعي فسح اللَّه تعالى في عمره: الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللَّهم ارزقنا هداية لما اختلف فيه من الحق بإذنك وتوفيقا للصواب، اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعه، وضلالة فظيعة، أما الأول فلمخالفته لصريح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأنه يملك الأرض شرقها وغربها ويملؤها عدلا لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى ﷺ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين قرب بيت القدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم يصلي خلفه وأنه يذبح السفياني وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدي بالبيداء بين مكة والمدينة فلا ينجو منهم إلا اثنان وغير ذلك من العلامات الكثيرة، وقد أفردتها بتأليف سميته بـ: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر. ذكرت فيه نحوا من مائتي علامة جاءت عنه ﷺ وأصحابه وتابعيهم، جمعته من كتب الأئمة المؤلفة على سعتها وكثرة أحاديثها وطرقها وما فيها من الآثار الكثيرة والعجائب الشهيرة، وكل ذلك يضاد هؤلاء الطائفة المعتقدين في ذلك الميت أنه المهدي الموعود به المنتظر، ويكذبهم ويقضي بجهلهم بالسنة الغراء وبعنادهم وإنكارهم لما وردت به، إذ
стр. 8861
هذا الميت لم يوجد فيه أدنى شبهة تحمل ذا عقل بلغته السنة على أن يعتقد فيه ذلك، وأما الثاني فلأنه يترتب عليه تكفير الأئمة المصرحين في كتبهم بما يستلزم إنكار أن ذلك الميت هو المهدي، بل يلزم عليه تضليل الأمة لأنهم باعتبار ما أثر عنهم من كلماتهم فيه منكرون أن ذلك هو المهدي ومن كفر مسلما لدينه فهو كافر يضرب عنقه إذا لم يتب ويجدد إسلامه، ومن كفر الصحابة أو ضلل الأمة فهو كافر، فهؤلاء الملحدون الضالون إن صرحوا بشيء من هذه اللوازم المكفرة كانوا كفارا مرتدين مارقين، فعلى الإمام أيده اللَّه بسيف عدله معالم الدين، وأباد بصادق همته وانتصاره للشريعة المحمدية طوائف الكفار والمفسدين، أن يجري على هؤلاء الطائفة ما ذكرناه من أحكامهم وبينا من قبائحهم أن يشدد عليهم أنواع العقوبة حتى يرجعوا للحق ويعترفوا بالصدق، وأما الثالث وهو لازم ما قبله فإن كان لإنكارهم السُّنَةَ فقد كفروا فيقضى عليهم بكفرهم وردتهم فيقتلون، وإن كان لا لإنكارهم لها وإنما هو محض عناد لأئمة الإسلام وجها بذة الأحكام ومصابيح الهدى ونجوم الظلام، فهو يقتضي تعزيرهم البليغ وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقا بعظم جريمتهم وقبيح طريقتهم وفساد عقيدتهم من حبس وضرب، وغير ذلك مما يزجرهم من هذه القبائح ويكفهم عن تلك الفضائح ويرجعهم إلى الحق رَغْمًا على آنافهم، ويردهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعا عن كفرهم. واللَّه سبحانه ولي الهداية والتوفيق. وإليه الضراعة في أن يمنحنا مراتب الاتباع والتصديق، ومعالم العرفان والتحقيق، إنه جواد كريم رؤوف رحيم. قال ذلك وكتبه فقير عفو ربه وكرمه، الملتجئ إلى بيته وحرمه: أحمد بن حجر الشافعي عفا اللَّه عنه وعن مشايخه ووالديه، حامدا ومصليا ومسلما على نبيه محمد وآله وصحبه، ومحسبلا ومحوقلا ومفوضا ومسلما.
وأفتى الحنفي: الحمد للَّه، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اعتقاد هذه الطائفة المذكورة المحكي عنهم هذه الأمور الشنيعة والأحوال المنكرة العظيمة باطل لا أصل له ولا حقيقة، ويجب قمعهم أشد القمع وردعهم أشد الردع لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الأخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها، من أن المهدي ﵁ الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل
стр. 8862
الصلاة والسلام، ويساعد عيسى على قتل الدجال وأنه يكون له علامات قبل ظهوره منها: السفياني وخسوف القمر في شهر رمضان، وورد أيضا أنه يخسف في شهر رمضان مرتين وكسوف الشمس في النصف من رمضان على خلاف ما جرت به العادة، ولا يجوز تكفيرهم لأحد من المسلمين فإن كفروا المخالفين لما اعتقدوا واعتقدوا كفرهم بسبب أنهم خالفوا معتقدهم الباطل فقد كفروا؛ لأن من اعتقد أن المسلم كافر فقد كفر، وتجرى عليه أحكام الكفر من الاستتابة والقتل. واللَّه ولي من نصر الحق وقام وقمع أهل الظلم ومن تدرع به، قال ذلك وكتبه الفقيه إلى اللَّه تعالى: أحمد أبو أسرور بن الضياء الحنفي.
وأفتى المالكي: الحمد للَّه وحده ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميت أنه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل للأحاديت الصحيحة الدالة على صفة المهدي وصفة خروجه، وما يتقدم بين يدي ذلك من الفتن كظهور السفياني والخسف بالجيش الذي يخرج لمحاربته بالبيداء وخسوف الشمس في نصف شهر رمضان.
الفائدة الثالثة: اعلم أن للمهدي علامات منها: تظليل الغمامة على رأسه فيها ملك ينادي: هذا المهدي خليفة اللَّه فاتبعوه وظهور الكف منها تشير إلى بيعة المهدي، واخضرار غصن يابس بعد غرسه في أرض يابسة، وهبوط الطير على يده بإشارته، وكون جبريل ﵇ على مقدمته وميكائل ﵇ على ساقته وعلى الناس ظاهرا وباطنا.
الفائدة الرابعة: اعلم أن من نطق بالسب والعياذ باللَّه تعالى حاكيا له عن غيره ينظر في صورة حكايته وقرينة مقاله، ويختلف الحكم باختلاف ذلك، فإن أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والتجريج له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله، وكذا إن حكاه في كتابه على جهة الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فُتَاه وجب على سامعه الإشادة بما يسمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كفره لقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين، وكذلك إن كان ممن يعظ العامة فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي ﷺ ولحق
стр. 8863
شريعته، وإن لم يكن القائل بهذا السبيل فالقيام بحق النبي ﷺ واجب وحماية عرضه متعين ونصره عن الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن، لكن إذا قام بهذا من ظهر به الحق وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه. وسئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق اللَّه تعالى أيسعه أن لا يؤدي شهادته؟ قال: إن رجا إنفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك، وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في الباب، فليس التفكه بعرض النبي ﷺ والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح، وأمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب، وقد حكى اللَّه تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله ﵈ على وجه الإنكار، لقولهم: والتحذير من كفرهم وهذه الوجوه السابقة الحكاية عنها، فأمَّا ذكرها على غير هذا من حكاية سبه ﷺ على وجه الحكايات والأسمار والطرف ومقالات الناس في الغث والسمين والخوض في قيل وقال، فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض، فما كان من الحاكي على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه زجر عن ذلك، وإن قيم عليه ببعض الأدب فهو مستوجب له، وإن كان لفظه من البشاعة حيث كان الأدب أشد.
وحكي أن رجلا سأل مالكا عمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: كافر فاقتلوه، فقال: إنما حكيته عن غيري، فقال: مالك إنما سمعناه منك، وهذا من مالك رحمه اللَّه تعالى على طريق الزجر والتغليظ، بدليل أنه لم ينفذ قتله أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو كان مولعا بمثله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي ﷺ : فهو كافر، وذكر بعضهم إجماع المسلمين على تحريم ترك ما هجي به النبي ﷺ دون محو. انظر الشفا.
ولما أنهى الكلام على الردة التي هي: الرجوع عن الإسلام الذي هو الدعامة العظمى من الست التي أجمعت الملل على حفظها، أتبعه بالكلام على الزنى الذي هو مخل بحفظ النسب فقال:
стр. 8864
باب: ذكر فيه حد الزنى وحكمه وما يتعلق به ولفظه
قال الجوهري: يقصره أهل الحجاز ويمده أهل نجد. انتهى. ويقال: زنى زنا وزناء وزاني زناء، قال الجزولي: وقد حضرت خصمين تحاكما، فقال أحدهما: قال لي يا ابن المقصور والممدود فحده القاضي؛ لأن هذا تعريض، قال الشبراخيتي: فإن قُلْتَ الأسماء التي تقصر وتمد كثيرة؟ فالجواب أنه ليس فيها ما يضاف ابن إليه إلا الزنى، فَإنْ قِيلَ لِمَ قدمت الزانية في الذكر على الزاني وأخرت السارقة في الذكر عن السارق، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؟ فالجواب: أن الزنى يفعل بالشهوة والمرأة أكثر شهوة وأيضا أدنى للرجل إلى نفسها منه إليها، ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها إلا بمرادها، والسرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة وإنما لم يقطع ذكر الزاني كيد السارق لأن فيه النسل. انتهى.
وانظر قوله: ولهذا لو اجتمع جماعة لخ فإنه غير ظاهر، وقال الحطاب: قال أبو الحسن: قال القاضي عياض: فمن مده ذهب به إلى أنه فعل من اثنين كالمقاتلة والمضاربة فمصدره قتال، ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه، وأصل الكلمة من الضيق والشيء الضيق. النووي: وإذا مد كتب بالألف وإذا قصر كتب بالياء. الزناتي: وأصل اشتقاق الكلمة من الضيق لأن الزاني ضيق على نفسه فيما اكتسبه من إثم تلك الفعلة، ولأنه ضيق على نفسه في الفعل إذ لا يتصور في كل موضع فلا بد من التماس خلوة وتحفظ، قال ابن القوطية: زنى الرجل على غيره زُنُوءا وَزِناء ضيَّق عليه، وزنى الشيء ضاق أو قصر وزنى في الحمل ضعف، وزنى إلى الشيء لجأ، وزنى الرجل بوله زنوا حقنه وزنى البول احتقن. وفي الحديث: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة والمصلى زناء) (١). انتهى.
وتحصل مما مر أنه يقال في الثلاثي زنى بالقصر والمد ويقال بالمد في الرباعي، وفي القاموس: زِنى يزني زِنى وزناء بكسرهما وزاني مزاناة وزَناء بمعناهما، وقال الخرشي: وهو يعني الزنى محرم كتابا وسنة وإجماعا. انتهى. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾،
стр. 8865
وفي الحديث: (اشتد غضب اللَّه على الزناة) (١)، وفيه: ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند اللَّه تعالى من أن يضع الرجل نطفة في رحم لا يحل له، وانعقد على ذلك إجماع الأمة وجاحد حرمته كافر. قال الخرشي: وعرفه ابن عرفة بقوله: الزنى الشامل للواط مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حل عمدا، فقوله: آدمي أخرج به حشفة غيره كالبهيمة، وقوله: في فرج أخرج به مغيبها في غير فرج، وقوله: في فرج يشمل القبل والدبر فيعم الزنى اللواط، وقوله: آخر على حذف موصوف أي في فرج آدمي آخر، أخرج به مغيبها في فرج غير الآدمي، وقوله: دون شبهة أخرج به إذا كان لشبهة في الحلية إما باعتقاد حلية أو جهل، فتخرج الأمة المحللة ووطء الأب أمة ولده لا زوجة ولده، فإن ذلك زنى لأن الأول له شبهة في مال ولده ولا شبهة له في زوجة ولده، وقوله: عمدا أخرج به الغلط والنسيان والجهل. انتهى.
وعرفه المؤلف بقوله: الزنى وطء مكلف يعني أن الزنى الموجب للحد هو أن يطأ مكلف حر أو عبد مسلم، أخرج به وطء الكافر الكافرة أو المسلمة فلا حد عليه في الصورتين وإن كانت المسلمة تحد لأنه يصدق عليه أنه وطء مسلم، ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة فرجَ مفعول "وطء"، أخرج به الوطء بين الفخذين ونحوه، والمراد به الكامل وهو ما يمكن وطؤه؛ لأن الفرد عند الإطلاق ينصرف للكامل وما يأتي من قوله: "أو صغيرة يمكن وطؤها" قرينة على هذا وهذا ما لم يكن خنثى مشكلا فلا حد عليه ولا على واطئه للشبهة، وكذا لاحد إذا وطئ غيره للشبهة. كذا في الحاشية. وذكر في الشرح أنه إن زنى بذكره لا حد عليه وكذا بفرجه عند الأكثر. وذهب الصقليون إلى أن عليه الحد إن زنى بفرجه وإن زنى بهما فالحد اتفاقا، واستظهره ابن عرفة. وأما من زنى به فإن كان في دبره فعلى الزاني الحد، وأما في فرجه فلا حد عليه عند الأكثر، ولو أدخلت المكلفة ذكر نائم في فرجها فعليها الحد ولا حد على من وطئ جنية ولا غسل عليه إلا أن
ينزل فيغتسل للإنزال.
стр. 8866
وقوله: "مكلف" أخرج به الصبي والمجنون فوطؤهما وإن كان زنى لغة لا يسمى زنى شرعا، وإضافته إلى مكلف من إضافة المصدر إلى فاعله، وقول بعضهم: وتخرج المرأة لأنها موطوءة لا واطئة يرد بأن معنى إضافته للمكلف تعلقه به والفاعل من يميل إلى ذلك الفعل والمرأة تميل إلى ذلك. قاله الشبراخيتي. والأولى أن التعريف للفاضل واستغني به عن المفعول لكونه مثله كما يأتي. وقوله: "وطء" ظاهره ولو من غير انتشار وهو واضح، بخلاف الإحصان فلا بد فيه من الانتشار، ويدخل في قول المؤلف: "وطء" ما إذا لَفَّ خرقة على ذكره، والظاهر أنه لا حد عليه إذا كانت كثيفة، لقوله ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات) (١)، ولأن الوطء مع الكثيفة كالوطء في هواء الفرج، والمتعين أنها إذا كانت خفيفة أن عليه الحد. وقوله: "وطء" يصدق بما إذا لم يغيب الحشفة وليس كذلك. ابن مرزوق: إلا أن يقال تغييبها هو حقيقة الوطء في عرف الفقهاء وفيه نظر، ولذا عَبَّرَ ابن عرفة بمغيب الحشفة إلا أن من عَبَّرَ بمغيب يرد عليه أنه لا يصدق على من لا حشفة له أو من له حشفة وغيب من الذكر قدرها. قاله الشبراخيتي.
آدميٍّ مضاف إليه أخرج به وطء البهيمة فلا يسمى زنى لا ملك له يعني أن هذا الفرج الموطوء لا بد من كونه لا ملك فيه للواطئ باتفاق أي بإجماع يعني أن الوطء المذكور لا يكون زنى إلا إذا كان الفرج الموطوء لا ملك فيه للواطئ بإجماع الأمة، والخلاف الضعيف في حكم الإجماع فتخرج بقوله: "لا ملك له" الزوجة والأمة، وإن حرم وطؤهما لعارض كحيض أو نفاس أو صوم أو إحرام فلا يسمى زنى ولا حد فيه، والمراد بالملك التسلط شرعا، والمملوك الذكر لا تسلط له على وطء دبره شرعا، وتخرج بقوله: "باتفاق" الأنكحة الفاسدة المختلف فيها، كالنكاح بغير ولي ونكاح المحرم. قاله الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: الزنى وطء مكلف حر أو عبد مسلم فرج آدمي أي تغييب حشفته أو قدرها ولو بغير انتشار، أو مع لفِّ خرقة خفيفة لا تمنع لذة لا كثيفة أو في هواء الفرج، ووطء مصدر مضاف إلى فاعله، ثم قال: والأولى أن التعريف للفاعل واستغنى عن المفعول لكونه مثله، وحينئذ يشترط
стр. 8867
في المفعولة إسلامها وتكليفها ولا ملك لها، احترازا من الزوجة والأمة فإنها تملك فرج زوجها وسيدها كما في الحطاب، وتقييد المصنف بمكلف لا ينافي ما سيذكره من القولين في المكره؛ لأن مبناهما هل يتعلق الإكراه بالزنى أم لا؟ وخرج به وطء صبي أو مجنون فلا يسمى زنى شرعا، وخرج عن تعريفه من لاط بنفسه فلا حد عليه ويعزر كما ذكره الحطاب.
وقوله: "فرج آدمي" أي ما لم يكن خنثى مشكلا فلا حد على واطئه أي لأنه كثقبة وهذا واضح في وطء فرجه، فإن وطئ في دبره فالظاهر تقديره أنثى فيكون كقوله: "أو إتيان أجنبية بدبر" يدرء الحد لا تقديره ذكرا ملوطا به، وكذا لا حد عليه إن وطئ هو غيرَهُ للشبهة؛ إذ ليس ذكرا محققا. انتهى. وأما غير المشكل فله حكم ما اتضح أنه منه، وقال عبد الباقي: وأما لو أدخلت امرأة ذكر نائم في فرجها فعليها الحد، واحترز بفرج آدمي عن وطء جنية فلا حد عليه، وذكر أبو المعالي أنه لا غسل عليه إلا أن ينزل، وفيه نظر إذ غسله منه أولى من غسله من وطء بهيمة وميتة لنيله منها لذة وإن لم ينزل. وفي الحديث: (كان أحد أبوي بلْقِيسَ جني) (١) وبقي أن قوله: "مكلف" يشمل الجني، فإذا وطئ جني آدمية فإنه زنى ويحَدَّان، ومقتضى كلام ابن عرفة أنه لا يسمى زنى لأنه قال: الزنى تغييب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حليةٍ عمدا، وشَمَلَ المكلف السَّكران إن أدخله على نفسه وإلا فهو كالمجنون، كذا كتب الوالد. لا ملك له فيه أي لا تسلط له عليه شرعا، فالمملوك الذكر لا تسلط له عليه شرعا من جهة الوطء، وخرج به أيضا من حرم وطؤها لعارض حيض ونحوه فإن وطئه لا يسمى زنى شرعا، وخرج بقوله: "باتفاق" النكاح المختلف فيه كبلا ولي، فإذا وطئ فيه لا يسمى زنا شرعا؛ إذ لا حد فيه، والمراد بالاتفاق اتفاق الأئمة لا اتفاق أهل المذهب فقط، وخرج به أيضا وطء زوجته أو أمته بدبر ويؤدب فاعله.
تعمدا خرج به الناسي والغالط وكذا الجاهل بالعين أو الحكم إن كان يظن به ذلك أي جهل الحكم كما سيأتي. قاله الشارح. والناسي: من يفعل الفعل وهو ذاهل أنه يفعله، كمن قام وهو ذاهل أنه قائم، وجاهل العين: من يعتقد أنها زوجته أو أمته ثم تبين أنها أجنبية، والغالط: من
стр. 8868
قصد زوجته فوقع على غيرها غلطا. ولا يخفى أنه في هذه أيضا يعتقد أنها زوجته فهو تكرار مع ما قبله، وحمل الغالط على الشاك كما يأتي من أن من وطئ امرأة شاكا في كونها زوجته ثم تبين أنها أجنبية فإنه لا حد عليه. انتهى. خلاف الظاهر، وأخرج به المكره على القول بأنه لا حد عليه. انتهى. كلام عبد الباقي.
قوله: وخرج بمسلم وطء كافر لكافرة أو مسلمة فلا حد عليه لخ، قال البناني: قال في التوضيح: لا يقام الحد على الكافر إذا زنى بمسلمة طائعةً وهذا هو المشهور. مالك وابن القاسم: ويرد إلى أهل ملته ويعاقب على ذلك العقوبة الشديدة. أشهب: ويجب أن يتجاوز بذلك الحد، وقد أخبرني مالك عن ربيعة أنه يقتل ورآه ناقضا للعهد، وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر وإن كان ثيبا. اللخمي: والأول أحسن. انتهى. وقد مر قول الشبراخيتي: ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، قال البناني: أي مدخلة للمسلمة التي مكنت من نفسها كافرا، وكذا تدخل المسلمة التي مكنت من نفسها مجنونا فيجب حدها، ويرد على المصنف أن الحد يتناول وطء غير المطيقة ولا حد فيه فهو غير مانع، وقول عبد الباقي في واطئ جنية: لا حد عليه لخ، قال الشيخ المسناوي: لعل هذا إذا كان ذلك تَخَيُّلا فقط وإحساسا، أما إن كان ذلك جهارا وعلانية بحيث لا يمترى ولا يشك فيه فإنه يجب الحد والغسل للتكليف، وبهذا يُوفَّقُ بين كلامهم فيكون الخلاف لفظيا لا معنويا، والظاهر أن يقال هذا أيضا في وطء جنى آدمية.
وإن لواط يعني أن وطء المسلم المكلف فرج آدمي لا ملك له فيه زنا وإن كان وطء الفرج لواطا، قال ابن عبد السلام: لفظ الزنى يعم اللواط عندنا. انتهى. ومع هذا لو حذف المؤلف قوله: "وإن لواطا" ما ضره. واللَّه تعالى أعلم. قال البناني: ثم إن المصنف قصد بالمبالغة على هذه المسائل التنبيه على ضعف ما فيها من الخلاف الموهم لإسقاط الحد، مثل قول أبي حنيفة وداوود في اللواط: إنه لا حد فيه وإنما فيه الأدب. انظر ابن مرزوق. لكن قال الشيخ المسناوي: لو حذف المصنف هذه المبالغة كان أولى لأنها تقتضي اشتراط الإسلام في حد اللواط الذي هو الرجم وليس كذلك. انتهى المراد منه.
стр. 8869
أو إتيان أجنبية بدبر عطف على المبالغة؛ يعني أن من أتى أجنبية في دبرها فإنه يحد حد الزنى، فيجلد البكر الحر مائة، ويرجم الحر المحصن هذا هو مذهب المدونة والموازية والواضحة. وقال ابن القصار: لواط، واحترز بالأجنبية من الزوجة فإنه ليس زنى وإن حرم، لحديث: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) (١)، وفي رواية (امرأته) (٢). وفيه الأدب. قاله الشبراخيتي. وقال المواق في المدونة: من وطئ أجنبية في دبرها حدا جميعا، من أحصن منهما رجم ومن كان بكرا جلد. انتهى.
أو ميتة غير زوج يعني أن من وطئ أجنبية ميتة فإن وطئه ذلك زنى فيرجم الحر المحصن ويجلد البكر، واحترز بقوله: "غير زوج" مما لو وطئ زوجه الميتة فإنه لا حد عليه، قال الشبراخيتي: أو إتيان ميتة غير زوج أي غير زوجته وهو مخفوض نعتا لميتة يريد وأمة. انتهى. وقال عبد الباقي: أو إتيان أجنبية بدبر يسمى زنى لا لواطا، فيجلد فيه البكر ويرجم المحصن، أو إتيان ميتة في قبلها أو دبرها حال كونها غير زوج، فيُحَدُّ واطئها لالتذاذه بذلك، بخلاف واطئ زوجته الميتة فلا حد عليه، وبخلاف إدخال المرأة ذكر ميت غير فرج زوجها فلا تحد فيما يظهر لعدم اللذة كالصبي، وتقدم أنه لا يجب الغسل بذلك، وقد ذكروا أنها يجب عليها الغسل بوطء البهيمة مع أنه لا حد عليها في ذلك، فإن كان بعض ما يوجب الغسل لا يوجب حد الزنى فأولى ما لا يوجب غسلا، ولا صداق على واطئ الميتة بمنزلة من جنى على عضو منها، ومنه يؤخذ أن من وطئ زوجته الميتة في نكاح التفويض لا يجب عليه صداق. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.
وقال الحطاب: قال ابن الفرس في سورة النور: واختلف في المرأة إذا أدخلت ذكر نائم، فقال مالك: عليها الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها، وحجة مالك أن هذا زنى فهو داخل تحت العموم. انتهى. وقوله: "أو ميتة غير زوج" قد مر أن الزوجة الميتة لا حد على زوجها الواطئ لها، قال التتائي: قال في التنبيهات: ولا يحد عند الأكثر من محققي أصحابنا لتقدم الإباحة فكان شبهة، ولا خصوصية للزوجة بل وكذلك الأمة. انتهى. ورد المصنف بالمبالغة في قوله: "أو
стр. 8870
ميتة غير زوج" قول ابن شعبان: لا يحد بل يؤدب وتبعه ابن رشد، قال في التوضيح: أو إتيان ميتة فيُحَدُّ واطئها. هذا هو المشهور. وقال ابن شعبان: لا يحد بل يؤدب. انتهى. وتبعه ابن رشد ونقله عن ابن عبد الحكم. وفي المواق عن الموازية: من زنى بميتة أو نائمة أو مجنونة حال جنونها حد. انتهى.
أو صغيرة يمكن وطؤها يعني أن وطء الصغيرة التي يمكن وطؤها زنى، فيجلد البكر ويرجم الحر المحصن، وفي المدونة: من زنى بصغيرة لم تحض ومثلها يوطأ حد، وقوله: "يمكن وطؤها" أي للواطئ لها وإن لم يمكن لغيره، وذكرها ليلا يتوهم سقوط الحد فيها، ومفهومه لا يحد واطئ من لا يمكن وطؤها لأنه كالجراحات وهي إحدى الخمس التي لا حد عليها إن وطئت وموطوءة الصبي والكرهة والنائمة والمجنونة، ونظمها التتائي فقال:
موطوءة لِصبيٍّ ثم مكرهة … وذات جن وذات النوم فاتئد
لا حد إن وطئت منهن واحدة … كذا الصغيرة فاحفظ ذاك واعتمد
انتهى. وقوله: وهي إحدى يعني الصغيرة كانت يمكن وطؤها أم لا. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: أو إتيان صغيرة يمكن وطؤها. ابن يونس: يحد لأنه يحصل له من اللذة بوطئها ما يحصل بالكبيرة وغيرها ممن لا يمكن وطؤه كالجراحات لا يحد واطئها عند أشهب، ولابن القاسم: يحد واطئها وإن كانت بنت خمس سنين. انتهى. وفي التوضيح: فإن لم يمكن وطؤها لم يحد، وعن ابن القاسم أنه يحد وإن كانت بنت خمس سنين. انتهى. وقال عبد الباقي: أو إتيان صغيرة يمكن وطؤها في قبلها أو دبرها للزاني وإن لم يمكن لغيره فيحد الزاني بها المكلف، وأما من لا يمكن وطؤها إذا وطئها المكلف فلا حد عليه. انتهى.
أو مستأجرة لوطء يعني أن الحرة أو الأمة إذا كانت مستأجرة لوطء، فوطئها مستأجرها للوطء فإن ذلك زنى فيحد واطئها المذكور خلافا لأبي حنيفة القائل إنه لا يحد؛ لأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد. أو غيره يعني أن الحرة أو الأمة المستأجرة لغير الوطء كخدمة إذا وطئها من استأجرها فإن ذلك زنى فيرجم الحر المحصن ويجلد البكر خلافا لأبي حنيفة؛ لأن عقد الإجارة
стр. 8871
يدرأ الحد عنده. وقوله: "أو مستأجرة لوطء أو غيره" محل الحد في الأمة المستأجرة للوطء حيث لم يكن المؤجر للأمة سيدها، فإن آجرها سيدها فهي محللة فلا حد على واطئها لأن المحللة هي التي أحل السيد وطئها للواطئ، وذلك يصدق بما إذا أحلها بعوض أو بدونه. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. قال التتائي: أو مستأجرة لوطء أو غيره كخدمة خلافا لأبي حنيفة في عدم حده لأن الإجارة عنده شبهة.
أو مملوكة تعتق هو كالأمور التي قبله فهو في حيّز المبالغة؛ يعني أن من ملك أمة تعتق عليه بنفس الملك فوطئها فإن ذلك زنى، فيرجم الحر المحصن ويجلد غيره. قال الشبراخيتي: أو وطئ مملوكة تعتق على الواطئ ولا يستقر ملكه عليها كأمه وإن علت وابنته وإن سفلت وأخته من كل جهة؛ إذ ليس ملك هؤلاء شبهة تدرأ الحد وسواء وطئها بنكاح أو ملك، وشمل هذا ما إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء، واحترز بقوله: "تعتق" من مملوكة لا تعتق كعمته أو خالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم كما سيأتي، بل يؤدب انتهى.
وقال البناني عند قوله: "أو مملوكة تعتق" ما نصه: إلا أن يكون مجتهدا يرى أن عتق القرابة إنما يكون بالحكم، أو قلد من يرى ذلك فلا حد عليه. نقله في التوضيح عن اللخمي. وانظر لم لا يدرأ عنه الحد إذا لم يكن مجتهدا ولا مقلدا لمن يرى ذلك مراعاة للقول بذلك، وقد استشكله ابن مرزوق بهذا وكذا المصنف في التوضيح عن شيخه. انتهى. وقال المواق في العتبية: كل من وطء امرأة بالملك ممن يحرم عليه بالنسب وتعتق بالملك كالبنت والأخت عامدا عالما حد ولا يلحق به الولد. قال ابن القاسم: إلا أن يعذر بجهل فلا يُحَدُّ ويلحق به الولد. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة. انتهى. وقال التتائي: واحترز بقوله: "تعتق" من مملوكة محرمة عليه بنسب أو رضاع كعمته وخالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم كما سيأتي، بل يؤدب وإذا حملت منه عتقت عليه، وفي سماع عيسى: لا تعتق وتستخدم بالمعروف، وإن لم تحمل فقال ابن القاسم: تباع خوفا أن يعاود. انتهى. وقال عبد الباقي: أو مملوكة مشتراة له تعتق عليه بنفس الشراء كأم وبنت وأخت فيحد واطئها به وهو عالم بالتحريم، وإلا فلا. وشمل قوله: "تعتق" ما إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء. انتهى.
стр. 8872
أو من يعلم حريتها يعني أنه إذا وطئ من يعلم حريتها في نفس الأمر فإنه يحد، قال المواق من المدونة: من اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو وطئ بملك فقط لا بنكاح من يعلم حريتها وحرمتها عليه وهي ممن لا يعتق عليه فيحد لأنه وطئ من ليست له زوجة ولا مملوكة، واختلف في حدها هي وعدمه إن علمت بحرية نفسها على قولين للأبهري وابن القاسم. قاله التتائي. وكذا لو علم أنها ملك للغير، بخلاف ما إذا تزوجها وهو يعلم أنها ملك للغير فلا يحد لاحتمال أن سيدها وكل من يزوجها فيدرأ الحد بذلك. انتهى.
أو محرمة بصهر مؤبد يعني أن من وطئ منكوحة محرمة بالصهر المؤبد كبنت الزوجة إذا تلذذ بالأم وأم الزوجة، تلذذ بالبنت أم لا يحد ولا يكون عنده للنكاح عليها شبهة تدرأ الحد عنه، وقال اللخمي: إن تلذذ بالبنت حد وإلا فلا للخلاف في عقد البنت هل يحرم وبه اعترض ابن عرفة على ابن الحاجب، واحترز بقوله: "مؤبد" من صهر لا يؤبد التحريم كأخت الزوجة وبنتها إن لم يتلذذ بها أي بالزوجة، وقوله: "أو محرمة بصهر مؤبد" والمحرمة بالنسب أو الرضاع أحرى. وقوله: "أو محرمة بصهر مؤبد" لا يشمل المملوكة المحرمة بالصهر المؤبد كما أشرت إليه في أول الحل، بل هي داخلة في قوله الآتي: "أو مملوكة لا تعتق". قال حلولو: إنما زاد مؤبدا لأن الصهر منه مؤبد وغير مؤبد، بدليل أن العقد على الأم يحرم بنتها ما دامت تحته، فإن طلقها قبل بنائه بها حلت بنتها، وإنما بينت هذا لقول ابن عبد السلام لا كبير فائدة فيه أي في وصف الصهر بالتأبيد. انظر الشبراخيتي. وقوله: "مؤبد" بكسر الباء صفة للصهر، ومفعوله محذوف أي مؤبد التحريم. واللَّه تعالى أعلم.
أو خامسة يعني أن من له أربع زوجات وتزوج امرأة خامسة فوطئها وهو عالم بالتحريم فإن ذلك زنى، فيرجم الحر المحصن ويجلد غيره هذا هو المشهور، وقيل لا يحد.
وناقض اللخمي بين قول مالك بالحد في الخامسة وبين إسقاطه في المعتدة مع أنه لا فرق بينهما؛ إذ كل منهما تحرم في وقت، دون وقت وَأُجِيبَ بأن نكاح المعتدة ينشر الحرمة فلا تَحِل لأبيه ولا ابنه لشبهة النكاح بخلاف الخامسة، قال في التوضيح: وفيه نظر لأن نشر الحرمة مبني على ثبوت الشبهة المسقطة للحد فلا يحسن التفريق بذلك.
стр. 8873
تنبيهات: الأول: قوله: "أو خامسة" اعلم أنه لو قال بعد عقد النكاح إنه كان طلق واحدة من الأربع قبل أن يتزوج الخامسة فإنه لا يصدق، وتطلق الخامسة إلا أن يقيم بينة.
الثاني: قال فيها: من نكح نكاح متعة عامدا لم يحد في ذلك وعوقب. انتهى. أي لأنه جمع شروط النكاح، وإنما فسد لضرب الأجل، والذي وقع في الأجوبة وأفتى ابن رشد بحده هو من تزوج امرأة نكاح متعة بلا ولي ولا شهود عدول لخ.
الثالث: قال التتائي: أو وطئ خامسة عالما بالتحريم ودخل بها فيحد وهو مذهب المدونة ونبه عليه لخلاف الظاهرية. انتهى. وقد مر أن نكاح الخامسة من المجمع على تحريمه وذلك يؤذن بضعف القول بإباحته جدا. واللَّه تعالى أعلم.
اللخمي: من تزوج ابنة زوجته ودخل بها ولم يكن دخل بالأم لم يحد لأنها تحل له لو طلق الأم، وإن كان قد دخل بالأم حد وكذلك إن تزوج أم امرأته، فإن دخل بالابنة حد وإن لم يدخل بها لم يحد مراعاة للخلاف، وإن تزوج زوجة أبيه أو زوجة ولده حد إن كان عالما بتحريم ذلك. انتهى.
أو مرهونة يعني أن المرتهن إذا وطئ الأمة المرهونة له فإنه يحد إلا إذا وطئها بإذن من الراهن، قال التتائي: أو وطئ مرهونة أو مودعة لأنهما عندنا كالمستأجرتين، وليس تسلط المرتهن على بيعها في الجملة شبهة تدرأ الحد وهذا ما لم يأذن له الراهن في وطئها، فإن أذن له فلا حد لأن الإذن في الوطء كالتحليل، فرُوعِي في عدم الحد. وأطلق المؤلف هنا اعتمادا على ما قدمه في الرهن. واللَّه تعالى أعلم. وينبغي أن يجري حكم إذن المودع في الوطء كالراهن. انتهى. وقال المواق من المدونة: ومن وطئ جارية عنده رهنا أو عارية أو وديعة أو بإجارة فعليه الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو وطئ مرهونة فيحد المرتهن بوطئها ولم يقيده بغير الإذن من الراهن لما تقدم، وإذا حد مع ماله فيها من الشبهة فأحرى في الوديعة والعارية لعدم شبهته فيهما، وأما الراهن فلا يحد بوطئها لأنه ملكه. انتهى.
أو ذات مغنم يعني أن من وطئ أمة من الغنيمة له فيها نصيب قبل القسم يحد سواء حيزت الغنيمة أم لا، وظاهره كان الجيش يسيرا أو كثيرا، ويأتي تقييد ابن يونس بالكثير. وقال
стр. 8874
الشبراخيتي: أو وطء ذات مغنم له فيها نصيب قبل القسم سواء حيز أم لا خلافا لعبد الملك القائل بسقوط الحد؛ لأن له فيها نصيبا وقيد ابن يونس الحد بالجيش العظيم دون السرية اليسيرة فلا يحد اتفاقا. ابن مرزوق: وهو في غاية الحسن مأخوذ من قول الإمام لما قيل له أليس له فيه حصة وكم تلك الحصة؟ انتهى. وكذا من سرق من المغنم فالمشهور قطعه، وقال عبد الملك: لا يقطع إلا أن يسرق فوق نصيبه بربع دينار لكن الواطئ يحد حيز الغنم أم لا، وإنما يقطع إن سرق بعد الحوز إذ لا حرز قبله، ويترتب على الخلاف من أعتق نصيبه في عبد من المغنم هل يقوم عليه باقيه أم لا. وعلم مما قررت أنه إن لم يكن له سهم فإنه يحد قل الجيش أو كثر، وعلم مما لهم هنا أنه لو قسمت الغنيمة لحد إن وطئ من وقعت في سهم غيره. وفي المواق من المدونة: من أعتق عبدا من الغنيمة وله فيها نصيب لم يجز عتقه، وإن وطئ منها أمة حد. انتهى.
أو حربية يعني أن من وطئ حربية في بلاد الحرب يحد، قال المواق من المدونة: إن دخل مسلم دار الحرب بأمان فزنى بحربية حد. انتهى. واقتصر ابن رشد على نفي حده ونقله عن أشهب، وأما لو خرج بها المسلم إلى بلاد الإسلام فوطئها فلا حد عليه لأنها في ملكه. وقوله: "أو حربية" هي في حيز المبالغة كما مر ما يدل عليه، وأما لو دخلت بلاد الإسلام بأمان فليست بحربية فلا تكون في حيز المبالغة، بل هي حينئذ داخلة فيما قبل البالغة. وفي التتائي عن بعضهم: وأما إن أخرجها المسلم من بلد الحرب لبلد الإسلام ثم وطئها فلا حد اتفاقا، واستظهره المصنف لأنها حينئذ ملكه. انتهى.
أو مبتوتة يعني أن من وطئ مبتوتته بلا عقد أو به قبل زوج يحد سواء أبَتَّها بثلاث أو بتة، وحل حده إن علم بالتحريم وإلا لم يحد واللَّه تعالى أعلم. وإن بعدة يعني أن من وطئ مبتوتته قبل زوج يحد كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يطأها في العدة أو بعدها، وقد علمت أنه لا فرق في الحد بين وطئه لها بعقد أو بغيره. قال عبد الباقي: "أو" أي وكذا يحد من وطئ مبتوته أي مطلقة بلفظ البتة وكذا بلفظ ثلاث ثم عقد عليها نكاحا ووطئها بعد عدتها، بل وإن بعدة أو وطئها بغير عقد فيحد بالأولى واستغنى عن ذكر ضمير له للعلم به من قوله: وهل يحد واطئ مبتوتته بنكاح قبل زوج؟ وإن كان قد أبتها في مرة بلفظ البتة أو الثلاث، وهو ظاهر المدونة
стр. 8875
لضعف من قال بإلزام الواحدة في المبتوتة في مرة، أو إنما يحد في المفترقات وأما في مرة فلا، عالما كان أو جاهلا لقوة الخلاف في المبتوتة في المرة، هل هي واحدة أولا؟ في ذلك -ويأتي تحرير هذه المسألة في الرابع من التنبيهات الآتية قريبا- تأويلان قال البناني ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة، وإنما هما على قول أصبغ، ثانيهما لعبد الحق والأول لغيره، وإنهما فيما إذا طلقها بلفظ الثلاث، وأما إن طلقها بلفظ البتة فصرح أصبغ بأنه لا حد عليه، وظاهر المدونة لزوم الحد كما في التوضيح والحطاب، وأما وقوع الثلاث في مرات فيحد بلا نزاع، واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب بأن حكم البتة لا يؤخذ من كلام المدونة. انظر الحطاب ومصطفى. انتهى. قوله: ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة لخ، قال الرهوني: أصله لمصطفى وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه محمد بن الحسن البناني، مع أن كلام الحطاب لمن تأمله أدنى تأمل فيه الجواب عن المصنف.
وحاصله أن عبد الحق فهم كلام أصبغ على ذلك وفهم مع ذلك أنه مذهب المدونة فحملها على غير ظاهرها، وغيره فهم المدونة على ظاهرها فجعل مذهبها خلاف ما لأصبغ، فتعبير المصنف بالتأويلين جار على اصطلاحه، وعندي أن ما أفاده كلام الحطاب هو الذي يفيده كلام التوضيح لمن تأمله حق التأمل وأنصف لا ما نسبه له مصطفى ومن تبعه. وقوله: واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب لخ، نص مصطفى: وفيه نظر لأنه لم يتكلم في المدونة على لفظ البتة إذا كانت منفردة عن الثلاث ولا يعلم حكمها إلا من قولها في كتاب الطلاق، وإن قال لها أنت طالق البتة فهي ثلاث وفيه بعد إذ لا يلزم من لزوم الثلاث فيها أن تكون كهي في جميع الأحكام، وقد قال ابن عرفة: الخلاف في البتات أشهر منه في لفظ الثلاث دفعة. انتهى. وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه البناني ولم ينبهوا على ما في المواق عند قوله: "أو مبتوتة" ونصه من المدونة: من تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو
стр. 8876
شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم، أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد، قال: وإن تزوج امرأة في عدتها عالما بالتحريم لم يحد وعوقب، وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد كان عالما أو جاهلا للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا، فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى.
فظاهره أو صريحه أن قوله وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد من تمام كلام المدونة، فإن كان عزوه لها صحيحا كان نصا في رد ما قاله مصطفى من أنه لم يتكلم عليها في المدونة، فيقال عليه بل تكلم عليها فيها وصرح فيها بعكس ما عزاه في التوضيح والحطاب لظاهرها، وإن كان عزوه لها غير صحيح فالتعقب عليه أشد من التوضيح والحطاب مع أنه لم يعترضه، والتعقب على الناقلين لكلام مصطفى مسلمين له أشد؛ لأن الواقف على كلامهم وكلام المواق يقع في حيرة إذ لا يدري مع مَن الحقُّ أمع مصطفى أو مع المواق؟ لكن الحق في الخارج ما قاله مصطفى، فإن المواق اختصر كلام ابن يونس فوقع فيما وقع فيه؛ لأن ابن يونس نقل ذلك عن الواضحة لا عن المدونة، ولعدم وجود ذلك فيها لم يذكره أبو سعيد، وإنما قال ما نصه: ومن تزوج امرأة خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا البتة قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد؛ إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب، وإن تزوج امرأة في عدتها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة لم يحد في ذلك وعوقب.
قال أبو الحسن ما نصه: قوله: أو البتة زيادة الشيخ لم يذكر هل في كلمة أو كلمات متفرقة وظاهره سواء. انتهى. وقال ابن يونس: قال ابن القاسم: ومن تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن ينكحها زوج غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من محارمه عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد، ولم يلحق به الولد إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب وإن عذر بالجهالة به، ومثله يجهل ذلك. قال أصبغ: مثل الأعجمي وشبهه فلا حَدَّ عليه، قال: وإن تزوج امرأة على أختها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة عالما بالتحريم لم يحد في ذلك وعوقب، وقال ابن حبيب: والعالم أشد عقوبة من الجاهل وكذا ناكح امرأته المبتوتة لا يحد عالما كان أو جاهلا
стр. 8877
للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف فيه، وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى. وقوله: وكذا ناكح امرأته المبتوتة لخ هو من كلام الواضحة لا من كلام المدونة، وعن الواضحة نقله أبو محمد، والذي نقل عنها هو قوله عنها من نكح امرأته المبتوتة لم يحد عالما كان أو جاهلا للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد وإن كان جاهلا لم يحد، وهذا استحسان والقياس حده ولا يعذر. ابن عرفة: الخلاف في البتة أشهر منه في لفظ الثلاث. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الرهوني: ظاهر كلامهم أن من تزوج امرأة كان طلقها ثلاثا قبل زوج يحد ولو كانت له شبهة كاستناده بزعمه إلى قول القائل، وقال الأبي في كتاب الطهارة من شرح مسلم حين تكلم على بول الأعرابي في المسجد فقام الصحابة وصاحوا به، فقال رسول اللَّه ﷺ : (دعوه) (١). الحديث: فَإن قُلْتَ لو كان البول في المسجد منكرا لم ينههم عن تغييره بقوله دعوه، قلت: أجاب المازري أن ذلك خشية أن يقوم على تلك الحال فينجس محلا آخر أو لأنه إذا قام انقطع بوله فيتأذى بالحقنة. عياض: أو لأنهم أغلظوا في التغيير وحقهم الرفق لا سيما في التغيير على الجاهل. ويدل على هذا الوجه أنه زاد في البخاري في آخر الحديث: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) (٢)، قلت: وقد اغتر بالحديث من لا يفهم، فقدم تونس أول المائة الثامنة من المغرب رجل يسمى: البخاري، كان يحفظ البخاري فمر بقرية في طريقه فبال في المسجد فانتهره الناس فاحتج بالحديث وهو جهل، وكان اتفق له في المغرب أن طلق زوجته طلقتين ثم خالعها ثم تزوجها دون زوج فقيم عليه، فاحتج بأن قال: عملت في ذلك على قول الشافعي القائل: إن الخلع فسخ بغير طلاق فما لي فيها إلا طلقتان، فقيل له: إن الفسخ بغير طلاق إذا وقع بلفظ الخلع وأنت خالعتها بلفظ الطلاق، والشافعي لا يقول في هذا أنه فسخ بغير طلاق. واختلف الفقهاء حينئذ في رجمه ولم يرجم لأنه فعل بشبهة النكاح. انتهى. وذكر مسألة
стр. 8878
الونشريسي في معياره قبيل نوازل الرضاع، ومحصله أنه اختلف فيها الفقيهان الجليلان: [أبو] (١) الحسن الصغير، وسيدي إبراهيم [السريفي] (٢)، فقال الأول: يلزمه الضرب الوجيع والتخليد في السجن ولا يرجم واستدل لما قاله وأطال في ذلك، وشنع الثاني عليه في ذلك، وقال برجمه وبالغ في الاحتجاج على ما قاله، فلينظر ما كتبه تستفد منه فوائد وإنما تركته لطوله. انتهى.
الثاني: قال الحطاب عند قوله "أو مبتوتة وإن بعدة وهل إن أبتَّ في مرة تأويلان" ما نصه: يعني أن الإنسان إذا طلق زوجته البتة أو طلقها ثلاثا ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل أن تتزوج زوجا غيره ووطئها فإنه يحد، سواء وقع ذلك وهي في عدته أو بعد فراغ العدة يريد إذا كان عالما بالتحريم، وأما إن كان يجهل التحريم فإنه لا حد عليه إذا كان مثله يجهل ذلك كما سيقوله المصنف إن جهل مثله فإنه راجع إلى جميع ما ذكر أنه يحد فيه كما صرح به المصنف في التوضيح وغيره؛ أعني رجوعه لجميع ما تقدم. انتهى.
الثالث: صريح الحطاب أو كالصريح أن الراجح من التأويلين الأول وهو أنه يحد مطلقا، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه، ونص الحطاب: وَتَحَصَّلَ أنه إذا طلقها ثلاثا متفرقات ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل زوج ووطئها فإنه يحد، وأما إن كانت التطليقات مجتمعات في كلمة واحدة، فتأويل عبد الحق على قول أصبغ أنه لا يحد وأن قوله مثل ما في المدونة مراعاة لقول من يقول إنها واحدة إذا كانت في كلمة فتكون كالطلقة الواحدة الرجعية، فلا يحد كما لو طلق طلقة رجعية ثم وطئها في العدة فإنه لا يحد، وهو أحد التأويلين الذين أشار إليهما المؤلف، وتأويل غيره أنه يحد وهو ظاهر المدونة كما سيأتي، فكان ينبغي للمؤلف أن يقتصر عليه. انتهى المراد منه.
الرابع: قوله: "تأويلان" هما في ثمان صور، وهي ما إذا أبتها في مرة بعد البناء ووطئها في العدة بعقد أم لا أو بعدها بعقد نكاح فهذه ثلاث، وهي في الثلاث إما حرة أو أمة فهذه ست، وأما إذا
стр. 8879
أبتها قبل البناء في مرة ووطئها بعقد نكاح حرة أو أمة وهاتان صورتان فهذه ثمان صور، ويتفق على الحد في ست عشرة صورة، وهي: ما إذا أبتها قبل البناء في مرات ثم وطئها بعقد أم لا أو في مرة ووطئها بدون عقد، وسواء كانت في هذه الثلاث حرة أو أمة فهذه ست صور متفق على الحد فيها، وكذا إن أبتها بعد البناء في مرات ووطئها في العدة أو بعدها بعقد أم لا أو أبتها بعد البناء في مرة ووطئها بعد العدة بدون عقد كما في ابن مرزوق، سواء كانت في هذه الخمس حرة أو أمة فيتفق على حده في هذه العشر كالست قبلها. قاله عبد الباقي. قال: وقولي بعقد نكاح احتراز عما إذا وطئ بعد الشراء وبعد أن أبتها قبل البناء في مرة أو مرات، أو بعد البناء في مرة أو مرات ووطئها في العدة أو بعدها فلا حد عليه في هذه الست باتفاق التأويلين، فعلم أن الأقسام ثلاثة: يحد اتفاقا في ست عشرة صورة لا حد اتفاقا في الستة والتأويلان في ثمان.
واعلم أنه يجتمع الحد ولحوق النسب في مسائل منها: قوله "أو مملوكة تعتق أو يعلم حريتها أو محرمة بصهر مؤبد أو خامسة"، وقوله: "أو مبتوتة" قبل زوج حيث ثبت ذلك بإقراره فيحد لإقراره بالزنى، ويلحق به الولد لاتهامه على أن إقراره لقطع نسبه، وأما إن ثبت ذلك ببينة فيحد ولا يلحق به الولد ولا يقتصر على هذه الخمسة، بل ضابطه كل حد يثبت بالإقرار ويسقط برجوعه عنه فالنسب ثابت. انتهى المراد منه. كمسألة من أمر رجلا أن يشتري له جارية فأرسل إليه بجارية غير التي اشتراها له فوطئها وهو عالم بأنها ليست بجاريته التي اشتراها له فيحد ويلحق به الولد إن ثبت بإقراره، وعليه قيمتها لا إن قامت بينة على أنه وطئها وهو عالم بأنها غيرها. واللَّه أعلم.
أو مطلقة قبل البناء يعني أن من طلق زوجته قبل البناء طلقة أو طلقتين ثم وطئها من غير عقد فإنه يحد إلا أن يعذر بجهل، أو معتقة يعني أن من أعتق أمة ثم وطئها من دون عقد عليها فإنه يحد إلا أن يعذر بجهالة. وعلم مما قررت أن قوله: بلا عقد قيد في المسألتين، أعني قوله: "مطلقة قبل البناء"، وقوله: "أو معتقة". قال عبد الباقي: أو وطئ مطلقة له دون ثلاث قبل البناء أو وطئ معتقة له بلا عقد فيهما فيحد إلا أن يعذر بجهل كما يأتي، وليس لهما صداق مؤتنف كمن وطئها بعد حنثه ولم يعلم. قاله الحطاب. انتهى. قوله وليس عليه صداق مؤتنف لخ
стр. 8880
أي وليس عليه صداق مستقل لأجل الوطء، وأما صداقها الذي وجب نصفه بالطلاق فيكمل كما في المدونة. انتهى. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وأما المطلقة بعده طلاقا بائنا دون الثلاث فلا حد على مطلقها إن وطئها في عدتها منه، وأما بعدها فيحد. قاله ابن مرزوق. خلافا لأحمد في قوله: لا حد عليه ولو بعدها. انتهى. قوله: وأما المطلقة بعده طلاقا بائنا لخ، قال البناني: نقل هذا تبعا لعلي الأجهوري عن ابن مرزوق وفيه نظر، وكتب عليه بعض شيوخ شيوخنا ما نصه: الذي في ابن مرزوق إنما هو إذا وطئ الزوج مطلقته بعد ثلاث حيض فعليه الحد، ففهم الأجهوري ومن تبعه أن المراد بالمطلقة البائن، وأخذ بمفهومه فقال: لا حد على واطئها في العدة وليس كذلك، بل كلام ابن مرزوق في الرجعية وحينئذ يصح الأخذ بمفهومه ويأتي، وأما البائن فيحدُّ واطئها ولو في العدة. وللخرشي في كبيره أنَّ عدم حده في وطء البائن في العدة محله إذا كان بلفظ الخلع بغير عوض، مراعاة لمن يقول إنه رجعي وهو حسن. واللَّه أعلم انتهى.
وقال الحطاب: وفي اختصار ابن أبي زيد: ومن تزوج خامسة أو أخته من الرضاعة، قال ابن حبيب عن أصبغ: أو أخته من النسب، قال ابن القاسم: أو غير الأخت من ذوات المحارم، أو طلق امرأته ثلاثا ثم تزوجها قبل زوج، أو طلقها قبل البناء واحدة ثم وطئها، أو أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة منه، فإن ادعى في جميع هؤلاء الجهالة بالتحريم ومثله يجهل ذلك، قال أشهب: كالأعجمي فلا حد عليه، وإن كان عالما ولم يعذر بجهل حد ولم يلحق به الولد، قال ابن القاسم: وما درأت فيه الحد ألحقت فيه الولد، وليس عليه للتي وطئ بعد الطلاق البائن أو العتق المبتل صداق مؤتنف. انتهى. واللَّه أعلم.
كأن يطأها مملوكها يعني أن المرأة إذا مكنت نفسها من مملوكها فوطئها فإنها تحد، وهذا إذا وطئها بغير عقدت وأما إن عقد عليها فلا تحد وإن كان العقد غير صحيح، قال عبد الباقي: كأن [يطأها] (١)، مملوكها بغير عقد ومكنته فعليها الحد، بخلاف ما إذا كان بعقد فلا حد عليها للشبهة
стр. 8881
وإن كان غير صحيح. انتهى. وقال التتائي: كأن يطأها مملوكها فتحد إذ لا ملك له فيها باتفاق، نَصَّ عليه اللخمي. انتهى. وقال الشبراخيتي: كأن يطأها مملوكها من غير عقد إذ لا ملك له فيها وإلا لم تحد للشبهة؛ لأن العقد شبهة وإن كان غير صحيح، وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ محله في الرجال، وفي النوادر: رفع لعمر امرأة اتخذت غلامها لوطئها، فأراد رجمها فقالت: قرأت ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فقال: تأوَّلَت كتاب اللَّه على غير تأويل وتركها، وجزَّ رأس الغلام وغرَّبَه. انتهى. وقال المواق: وقال في الموازية: إن مكنت مملوكها من نفسها حدت. انتهى.
أو مجنون يعني أن المرأة إذا مكنت أجنبيا مجنونا من نفسها فوطئها فإنها تحد ولا حد على واطئها المجنون، قال المواق من المدونة: من زنت بمجنون أقيم عليها الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو مجنون فتحد وعكسه فيحد هو، ومثل المجنون الكافر. انتهى. وقال عبد الباقي: أو مجنون أو كافر. انتهى. وقال التتائي: أو مكنت عاقلة مجنونا فتحد وعكسه فيحد. انتهى. وفي ابن شأس: ولا يسقط الحد عن أحد الزانيين بجنون الآخر. انتهى.
بخلاف الصبي يعني أن الأجنبية إذا مكنت صبيا من نفسها يقدر على الجماع فجامعها فإنه لا حد عليها، قال الخرشي: لا حد على المرأة إن مكنت صبيا يقدر على الجماع إذ لا يحصل لها به لذة كالكبير المجنون. انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف الصبي فلا حد عليها بوطئه لأنها لا تنال به لذة، بخلاف المجنون البالغ ومثله -يعني الصبي- إدخالها ذكر ميت في فرجها فيما يظهر كما تقدم. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف وطء الصبي الظاهر أن مثله ما إذا أدخلت ذكر الميت بفرجها. انتهى. وقال في الميسر: بخلاف الصبي فلا حد عليها بوطئه إذ لا تنال به من اللذة ما تنال بغير ولكن تؤدب. ذكره عبد الباقي عند قوله: "كبهيمة". وذكر ابن فرحون في صبيان أمسكوا جارية لصبي حتى اقتضها أن عليه وعليهم قدر ما شانها ذلك وعابها عند الأزواج لأنه جرح وليس بوطء، ولو فعل ذلك بثيب لم يكن لها شيء ويؤدبون. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم فلا حد عليها. ابن عرفة: فهو أحرى. انتهى.
стр. 8882
إلا أن يجهل العين راجع لجميع ما مر فهو مستثنى من قوله: "الزنى وطء" لخ يعني أن الواطئ في جميع ما مر من السائل التي فيها الحد إنما هو حيث لم يجهل الواطئ العين أي الذات الموطوءة، وأما إن جهل عين الموطوءة بأن يعتقد أن هذه الموطوءة زوجته أو أمته فلا حد عليه، قال التتائي: إلا أن يجهل الواطئ في جميع هذه المسائل العين أي عين الموطوءة، بأن يجد امرأة نائمة بمنزله مثلا في ليل فيظنها زوجته أو أمته فلا حد إن اعتقد حين الوطء أنها زوجته أو أمته، وإن وطئ شاكا ثم تبين أنها أجنبية فظاهر كلامهم وإن لم يكن صريحا نفي الحد. انتهى. ولا يلزم من نفي الحد جواز الإقدام، وفي التنبيهات: الدارئ للوطء ثلاثة: في الفاعل اعتقاد الحل كواطئ أجنبية يظنها زوجته، وفي المفعول كواطئ الأمة المشتركة، وفي الطريق كالنكاح المختلف فيه كبلا ولي وبلا شهود إذا استفاض. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن يجهل العين الموطوءة بأن ظنها زوجته أو أمته، وأما إذا قدم عليها وهو شاك ثم تبين بعد الوطء أنها أجنبية فظاهر كلامهم وإن لم يكن صريحا سقوط الحد مع الحرمة عليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا أن يجهل الواطئ العين أي عين الموطوءة بأن يجد امرأة نائمة بمنزله مثلا في ليل فيظنها زوجته أو أمته فلا حد. انتهى. وقوله: إلا أن يجهل العين أي ذات الموطوءة بأن ظنها زوجته أو أمته فلا يحد.
أو الحكم يعني أن من وطء أجنبية وهو لا يعلم حرمة الزنى مع علمه بعين الموطوءة فلا حد عليه إن جهل مثله يعني أنه إنما يعذر بجهل الحكم حيث كان مثله يجهل حرمة الزنى، كقريب عهد بإسلام وهذا في النساء المتقدمات، بدليل قوله: إلا الواضح راجع لقوله: "أو الحكم" أي الواضح من الحكم الذي لا يجهله إلا النادر فيحد، ولا يعذر بجهل كالأجنبية الصريحة فلا يراعى جهل مثله بل يحد على الأشهر، وهو قول ابن القاسم، ومقابله لأصبغ: لا حد عليه، وما للمصنف هنا خلاف ظاهر قول مالك: قد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال المواق: ابن الحاجب: يخرج بمتعمد المعذور بجهل العين. ابن شأس: كأن يظن أنها زوجته أو أمته. ابن الحاجب: ويخرج أيضا المعذور بجهل الحكم إذا كان يظن به ذلك، فلو كان زنى واضحا ففي عذره قولان، قال مالك في المدونة: لا يعذر المرتهن إذا
стр. 8883
وطئ المرهونة وقال ظننتها تحل لي، وفي المدونة أيضا: لا يعذر العجم إذا ادعوا الجهالة، ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قالت فيه الأمة: زنيت بمرغوس بدرهمين ورأى أن يقام الحد في هذا، قيل: كانت هذه الأمة تختلف إلى عبد مقعد وأعطاها درهمين وفجر بها. انتهى.
وقال البناني: قال مصطفى: قوله: إلا أن يجهل العين أي في جميع ما تقدم، وقوله: "أو الحكم" أي في النساء المتقدمات غير المرهونة، وقوله: "إلا الواضح" هو جهل تحريم الزنى هذا معنى كلام المصنف، وهكذا النقل. ثم ذكر نصوصا من المدونة وغيرها تدل على العذر بجهل الحكم في كثير من النساء المتقدمات، وذكر أن ظاهر ابن الحاجب كظاهر المصنف في تعميم العذر بجهل الحكم، إلا أنه لم يقدم ذكر المرهونة، ونص ابن الحاجب مُتَعَمِّدًا يخرج المعذور بجهل العين مطلقا وبجهل الحكم في مثل ما ذكر إذا كان يظن به ذلك. انتهى.
التوضيح: يعني وقولنا في التعريف متعمدا يخرج المعذور بجهل العين، وقوله: مطلقا أي سواء كانت من المحرمات المذكورة فيما تقدم أو من غيرها، وقوله: في مثل ما ذكر أي في الصور المتقدمة يعني أن ما ذكرنا من وجوب الحد إنما ذلك إذا كان عالما بالتحريم، وأما إذا جهل فلا حد ويقبل قوله بشرط أن يظن به ذلك الجهل. انتهى. والصور المتقدمة في كلامه جميع ما ذكره المؤلف ما عدا المرهونة، ولهذا استثناها ولقوله في المدونة: ومن وطئ أمة بيده رهنا وقال ظننتها تحل لي حُدَّ ولا يعذر بذلك أحد. انتهى. قال مصطفى: وما عداها من النساء التي اشتمل عليها كلام ابن الحاجب والمصنف ذكرنا في أكثرها النَّقلُ الصريح بعذر الجاهل بالحكم ما عدا المستأجرة وذات الغنم والحربية والعالم بحريتها، فإني لم أر التصريح فيهن بذلك إلا ما يؤخذ من كلام ابن الحاجب والتوضيح المتقدم، وقد أطلق في المدونة الحد في ذات الغنم والحربية والعالم بحريتها والمستأجرة والمودعة والمعارة ولم يقيدها بالعالم بالتحريم كما قيد في غيرهن. انتهى.
قلت: في أبي الحسن عند قول المدونة: ولو طلقها بعد البناء ثلاثا ثم وطئها في العدة أو أعتق أم ولد ثم وطئها في العدة وقال ظننت أن ذلك يحل لي، فإن عذر بجهالة لم يحد ما نصه: وانظر هذه المسائل ظاهرها بعد الوطء من الطلاق والعتق أو قرب؛ لأن كل من ادعى الجهل فيما يجهله مثله صدق وكل من ادعى الجهل فيما لا يجهله مثله لم يصدق فهذا ضابطه. انتهى. وهذا يوافق
стр. 8884
ما للمصنف وابن الحاجب. واللَّه أعلم. وأما قول المصنف: إلا الواضح فهو كقول ابن الحاجب فلو كان زنى واضحا، ففي انتفاء عذره قولان لابن القاسم وأصبغ. انتهى.
التوضيح: قال اللخمي: اختلف إذا كان أعجميا أو قريب عهد بإسلام ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في الكتاب: يحد، وقال أصبغ: لا يحد والأول أشهر والثاني أقيس. انتهى. وبهذا تعلم ما في قول الزرقاني تبعا لعلي الأجهوري، وهذا الاستثناء مستفاد من قوله: "إن جهل مثله"، ولذا قال البساطي لخ، وكذا تمثيله تبعا للتتائي للواضح بالمرهونة والمستعارة فإنه فرض الأئمة. انظر مصطفى. انتهى كلام البناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تَحَصَّل مما نقلته أن معنى المصنف عند مصطفى أن تقول: الزنى وطء مكلف مسلم لخ إلا أن يجهل العين في النساء التي ذكر المصنف وفي غيرهن، مثل من يذهب عن بيته فيه زوجته في ليل مظلم ويأتي فيجد امرأة في مكانها معتقدا أنها هي فيطأها فإذا هي أجنبية فلا حد عليه، أو يجهل الحكم أي تحريم الزنى أي يدعي أنه جاهل بالتحريم بشرط أن يجهل مثله كقريب عهد بإسلام، وهذا في النساء التي ذكر المصنف، أعني قوله: أو ميتة غير زوج، بدليل قوله: "إلا الواضح" أي إلا الزنى الواضح فإنه لا يعذر فيه بادعاء الجهل، ولو جهل مثله كأجنبية متمحضة صريحة. واللَّه تعالى أعلم. هذا هو الأشهر، وهو قول ابن القاسم في المدونة ومقابله لأصبغ، وقوله: "أو الحكم إن جهل مثله ظاهر" المصنف يعم المرهونة وغيرها وهو خلاف ما في المدونة ومن وطئ أمة بيده رهنا: وقال: ظننتها تحل لي حُدَّ ولا يعذر بذلك أحد. انتهى. وعلى هذا التقرير الذي قررت به المصنف يتضح الجمع بين قوله: "إن جهل مثله" مع قوله: "إلا الواضح". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إن جهل مثله" يجوز رفعه أي على أنه فاعل "جهل"، وضميره للواطئ وَنَصَبه أي على أنه مفعول جهل وضميره للحكم. قاله الشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم.
لا مساحقة بالرفع عطف على وطء من قوله: "الزنى وطء مكلف" يعني أن الزنى هو ما مر من وطء مكلف لخ، فليست المساحقة وهي المضاربة بالفروج بزنى ولا يفعلها إلا شرار النساء، وإنما لم تكن بزنى لأنه لا إيلاج فيها، قال الشبراخيتي: لا مساحقة وهي فعل شرار النساء ولو بين
стр. 8885
الرجال والنساء لأنه لا يسمى وطأ لا لغة ولا شرعا، "ومساحقة" بفتح الحاء وكسرها، فعلى الأول يكون معطوفا على "وطء" من قوله: "الزنى وطء مكلف"، وعلى الثاني يكون معطوفا على "مكلف": أي لا وطء مساحقة، وفي القاموس: أسحق الضرع ذهب لبنه وبلي ولصق بالبطن، وفلانا أبعده وانسحق: اتسع. انتهى. وحينئذ سمي مساحقة لأن كلا منهما تلصق فرجها بفرج الأخرى؛ أو لأن فعلهما يبعدهما عن الخير والرحمة والسمات الحسنة، ولأن كلا منهما توسع نفسها للأخرى في تلك الحالة. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن شرار النساء إذا فعلن ببعضهن فإنه لا حد عليهن لأنه لا إيلاج فيه، وإنما فيه الأدب باجتهاد الإمام. انتهى.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وأدب فاعل المساحقة اجتهادا أي باجتهاد الحاكم، ومقابله في البيان لأصبغ تجلد كل خمسين جلدة ووجهه أنه يحصل فيه لذة كالوطء، فجعل فيه أخف حدود الزنى. انتهى. قاله الشبراخيتي.
فرع: للمرأة أن تبالغ في الاستنجاء كما في المواق، وفي بعض النسخ: وأدبتا أي المتساحقتان، وقال التتائي: وأدب الإمام فية اجتهادا عند ابن القاسم كسائر العقوبات فقد يقع ذلك من واحدة فلتة ومن أخرى عادة، وربما كانت داعية لغيرها فية. انتهى. كبهيمة يعني أن وطء البهيمة ليس بزنى فلا حد على واطئها لكنه يؤدب باجتهاد الحاكم، قال المواق من المدونة: مع غيرها لا يحد من أتى بهيمة ويعاقب. انتهى. خلافا لابن شعبان، القائل: يحد واطيء البهيمة. وقال عبد الباقي ما معناه: ويؤدب مجبوب واطيء ومقطوع ذكر ومدخلة ذكر صبي أو بالغ ميت أو ذكر بهيمة وإن حية في فرجها فيؤدب كل لحرمة ذلك ويثبت جميعه حتى الساحقة بشاهدين؛ لأنه ليس بزنى ولا مال ولا آئل إليه، وكذا يؤدب صبي وصبية مميزان وكذا في الثبوت، والأدب من لف خرقة كثيفة أو غيب في هوى الفرج فلا حد عليه للشبهة. انتهى.
وهي كغيرها في الذبح والأكل يعني أن البهيمة الموطوءة كغيرها من بهيمة لم توطأ فإنه يجوز ذبحها وأكلها اتفاقا، فكما يجوز ذبح بهيمة لم يطأها إنسي وأكلها يجوز تذكية بهيمة وطئها إنسي وأكلها، قال الشبراخيتي: وهي كغيرها ممن لم يفعل به ذلك في الذبح والأكل للحمها، خلافا لمن يقول تقتل بلا ذبح وتحرق ليلا تأتي بولد مشوه، قال التتائي: ولنا أن العادة لم تجر
стр. 8886
بالنتاج بين جنسين إلا في شيئين فقط؛ البغل والسمع بكسر السين وسكون الميم وهو ولد الذئب مع الضبع، ومما يتولد من جنسين أيضا: العقاب، قال ابن خلكان: ويقال العقاب جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر غير جنسه، وقيل إن الثعلب يسافده، قال: وهذا من العجائب، ولابن عنتر الشاعر في هجو شخص:
ما أنت إلا كالعقاب فأمه … معروفة وله أب مجهول
وأما الزرافة فهي متولدة من ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية والضِّبْعان وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فتأتي بولدين الناقة والضبعان، فإن كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي الزرافة وذلك في بلد الحبشة، ولذلك قيل لها الزرافة وهي في الأصل الجماعة فلما تولدت من جماعة قيل لها ذلك. انتهى. وقال التتائي: وهي كغيرها ممن لم يفعل به ذلك في الذبح والأكل للحمها، وللشافعي قول بقتلها وهل لخوف الإتيان بولد مشوه أو لأن بقاءها يذكر الفاحشة فيعير بها قولان أصحهما الثاني، ولنا أن العادة لم تجر لخ.
وفي التوضيح عن الترمذي أن حديث: (من أتى بهيمة فلا حد عليه أصح من حديث ابن عباس من وجدتُّمُوه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة قيل لابن عباس ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ في ذلك شيئا، ولكن أرى رسول اللَّه ﷺ كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها) (١). انتهى. وقال عبد الباقي: وهي أي البهيمة الموطوء كغيرها في الذبح والأكل حيث كانت مباحة ولا تقتل، وللشافعي قول بقتلها إلى آخره، وقال المواق: الطرطوشي: لا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل وإن كانت مما يؤكل أكلت. انتهى.
ومن حرم لعارض كحائض يعني أن من حرم وطؤه لعارض ويحل إن زال العارض كالزوجة الحائض أو الصائمة أو النفساء يؤدب واطئها، قال الشبراخيتي: ومن حرم وطؤه عليه من زوجة
стр. 8887
أو أمة لعارض كحيض ونفاس وصيام، فإنه يؤدب وكذا سائر ما لا يحد من مجبوب ومقطوع ذكر وصبي وصبية مُميزين، وكذا المرأة إذا أدخلت ذكر بهيمة حي أو ميت أو ذكر آدمي ميت أو ذكر غير بالغ حي؛ لأن فعل كل واحد من ذلك معصية. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أي، وكذا يؤدب واطئ من حرم وطؤها عليه وهي زوجته أو أمته لعارض، كحائض ونفساء ومحرمة ومعتكفة. انتهى. وقال ابن شأس: قولنا في حد الزنى إنه الوطء في غير ملك احترزنا به عن وطء الحائض والمحرمة والصائمة في الملك. انتهى. نقله المواق.
أو مشتركة يعني أن الشريك في أمة إذا وطئها لا يحد بل يؤدب ومثلها المبعضة والمعتقة لأجل، وهل على المشتركة ومن في معناها أدب أم لا؟ وظاهر ما ارتضاه ابن مرزوق الثاني إلا أن تكون لهن قدرة على المنع ولم يمتنعن. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: وكذلك من وطئ أمة مشتركة من أحد الشريكين أو أحد الشركاء لأن الشريك له في الأمة المشتركة ملك قوي، والشبهة إذا قويت تدرأ الحد أي تسقطه. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يؤدب شريك بوطءء مشتركة وسيد بوطء مبعضة ومعتقة لأجل، وكذا يؤدبن إلا أن يقدرن على المنع. انتهى.
أو مملوكة لا تعتق يعني أن من وطئ أمة له محرمة عليه بنسب أو رضاع أو صهر ولكنها لا تعتق عليه لا يحد لشبهة الملك، بل يؤدب وذلك كعمة وخالة وبنت أخ وبنت أخت ونحوها من جهة النسب أو من جهة الرضاع، وكأم أو بنت أمته الموطوءة له. قال التتائي ما معناه: وإن وطئ مملوكة لا تعتق عليه وهي محرمة عليه بنسب أو رضاع كعمته وخالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم، بل يؤدب وإذا حملت عتقت عليه، وفي سماع عيسى: لا تعتق وتستخدم بالمعروف وإن لم تحمل، فقال ابن القاسم: تباع، خوف أن يعاود. انتهى. وذكر ابن الحاجب أنه لا حد في أمة محرمة بنسب لا يعتق أو صهر أو رضاع أو عدة أو تزويج. وفي التوضيح أنه إن علم بالتحريم أدب وإن حملت منه عتقت، وقيل لا تعتق وتستخدم بالمعروف وإن لم تحمل بيعت ليلا يعود. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أي وكذا يؤدب بوطء أمة مملوكة ولا تعتق عليه بنفدى الملك، كعمته وبنت أخيه وأخته من الرضاع أو أخت زوجته حال كونه عالما بالتحريم ولم يحد لعدم انطباق حد الزنى عليه ويلحق به الولد وتباع عليه خشية أن يعود لوطئها ثانية، ولا يرد
стр. 8888
على هذا أنه لا تسلط له شرعا على الفرج المذكور فكان مقتضاه الحد لا الأدب، والجَوَابُ أن الذي في الشارح المراد بالملك التسلط الشرعي أو شبهه. انتهى.
وكتب عليه الوالد أن شبهه الأمة المشتركة والمتزوجة والمعتدة والأمة القريبة التي لا تعتق وإن كان وطؤها محرما باجماع. انتهى.
قوله: حال كونه عالما بالتحريم لخ هكذا في سماع عيسى، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق وسلمه ابن عرفة، وقوله: ويلحق به الولد وتباع عليه فيه إجحاف وإيهام، فإن بيعها عليه محله إذا لم تحمل وإلا عجل عتقها، ففي ابن عرفة ما نصه: وسمع عيسى ابن القاسم: كل من وطئ امرأة بملك يمين ممن تحرم عليه ولا تعتق عليه من عمة أو خالة أو بنت أخت فلا حد عليه في شيء من ذلك، وإن علم أنهن محرماتٌ عليه لأنه يجوز له بيعهن واستخدامهن إلا أن يحملن فيلحق به الولد ويعجل عتقهن، ومن وطئ شيئا منهن عامدا عالما بحرمة ذلك عوقب نكالا وَبعْنَ عليه.
ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في شيء منها إلا في تعجيل عتق من حملت منه منهن، فمن الناس من قال يستخدمهن ولا يعتقن عليه وقع ذلك في رسم الفصاحة من سماع عيسى من كتاب الاستبراء. انتهى منه بلفظه. الجِنْوي: لا يخفى أنه مشكل إذا كان عالما بالتحريم فانظر وجهه وقد أشكل علينا غاية الإشكال. انتهى. ولا إشكال للشبهة وهي أنهن شملهن عموم اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. انظر الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.
أو معتدة يعني أن من وطئ المعتدة من غيره لا يحد بل يؤدب فقط هذا إذا وطئها بنكاح أو ملك، وأما المعتدة منه فالرجعية إن نوى الرجعة لم يؤدب وإلا أدب، والبائن يحد فيها وإن بانت بدون الثلاث. واللَّه تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي ما نصه: أو وطئ معتدة من غيره فإنه يؤدب سواء كانت حرة أو أمة أي تزوج حرة في العدة أو وطئ أمته المعتدة بالملك وتقدم حكم المعتدة منه، ووطء أمته المتزوجة كوطء أمته المعتدة في عدم الحد. ذكره ابن غازي. انتهى. وقال الحطاب: أو معتدة سواء وطئها بالملك أو بالنكاح على المشهور. انتهى. وقال عبد الباقي: أو وطئ بنكاح أو ملك طارئ أو أصلي معتدة من غيره زمن عدتها لم يحد، ووطء أمته المتزوجة كوطء أمته المعتدة.
стр. 8889
انتهى. وقال ابن شأس: إن كانت شبهة في المحل بأن تكون مملوكة محرمة بسبب شركة أو عدة أو تزويج فلا حد عليه في وطئها. انتهى.
أو بنت على أم لم يدخل بها يعني أن من وطئ بنتا تزوجها على أمها والحال أنه لم يدخل بالأم فإنه لا يحد بل يؤدب فقط، وقوله: "أو بنت" مقتضى الشبراخيتي أنه منصوب، فإنه قال: أو وطئ بنتا تزوجها على أم لم يدخل بها أي بالأم لأنه يشبه التحريم لعارض، فيؤدب بخلاف العكس وهذا خلاف المعتمد، والمعتمد أنهما سواء في عدم الحد لوجود الخلاف في ذلك. ذكره ابن مرزوق. وعليه فلو قال المصنف: أو أم على بنت لم يدخل بها لوافق المعتمد وفهم عكسها بطريق الأولى، وفي الزرقاني ما يفيد أن كلام ابن مرزوق عن اللخمي مقابل، وأن ظاهر المدونة الحد، ومفهوم لم يدخل بها أنه لو دخل بها لحد وهو كذلك نص عليه اللخمي في الصورتين. انتهى. ومقتضى ما لعبد الباقي أنه مجرور، فإنه قال: أو عقد على بنت ودخل بها مع كونه تزوجها على أم لم يدخل بها، وأما عكسه فيحد كما هو ظاهر المدونة، ويوافقه قوله: أو بصهر مؤبّد وَجَعْلُ اللخمي أن عكسها كذلك لا حد لوجود الخلاف ضعيف. انظر أحمد. انتهى. وقال التتائي: أو وطئ بنتا على أم لم يدخل بها أي بالأم فلا يحد بوطء البنت، قال الشارحان: فلو وطئها بعد دخوله بالأم حُدَّ. انتهى. وهو ظاهر من كلام المصنف، وظاهره أيضا تزوجهما مترتبتين أو جمعهما في عقد. انتهى.
أو أخت على أختها يعني أن من وطئ أختا تزوجها على أختها بنى بالأولى أم لا لا يحد بل يؤدب لوصف كل منهما بالحلية؛ لأن حرمة الثانية تزول وكذا واطئ امرأة على عمتها أو خالتها لأن ذلك يشبه التحريم لعارض: قال المواق: قال ابن يونس: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات) (١) وكان يقول: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فلأن يخطئ الحاكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة إذا رأيتم للمسلم مخرجا فادرءوا عنه الحد) (٢)، قال في المدونة: من تزوج امرأة في عدتها أو على خالتها أو على عمتها عامدا لم يحد
стр. 8890
وعوقب. ابن العربي: الكلام في المحرمات باب عظيم ليس ما حرمته السنة كما حرمه القرآن، ولهذا قال ابن القاسم: من جمع بين المرأة وعمتها عالما بالنهي درئ عنه الحد؛ لأن تحريمه بالسنة بخلاف من جمع بين المرأة وأختها فإنه يحد لأن تحريمه بالقرآن، ولم ينقل ابن يونس إلا ما نصه: قال ابن القاسم: من تزوج أخته من الرضاعة أو النسب عارفا بالتحريم حد ولم يلحق به الولد. انتهى.
وهل لا يحد من وطئ أختا تزوجها على أختها، إلا أخت النسب أي أخت زوجته من نسبها ففيها الحد لأجل تحريمها بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وهو أقوى من تحريم أخت الزوجة من الرضاع الثابت بالسنة، وهو خبر: (حرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (١)، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فمعناه أخت الشخص نفسه رضاعا، وكلام المصنف في أخت الزوجة كما هو ظاهر، أو لا يحد من وطئ أختا تزوجها على أختها مطلقا ثبت تحريم الجمع بالكتاب، كأخت النسب أو بالسنة كأخت الرضاع. قال المصنف: في ذلك تأويلان، قال عبد الباقي: حقه قولان لأنه ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في نكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة كالقرآن فما الذي يُأَوَّلُ؟ ولا حد على من تزوج امرأة على عمتها لأن تحريم ذلك بالسنة فقط. انتهى. قوله: حقه قولان، قال الرهوني: صواب لكن ظاهره أن القولين على حد سواء، والنقل أن القول بالتفصيل هو الأقوى لأن القول بالإطلاق لأصبغ فقط، والقول بالتفصيل هو الذي في الموازية، ونقله في النكت عن بعض شيوخه، وفي المواق عن ابن العربي: عزوه لابن القاسم نصا مقتصرا عليه مسلما له كأنه الذهب فانظره. انتهى بالمعنى. وفي بعض النسخ: وهل مطلقا أو إلا أخت النسب؟ الخ، قال التتائي: وهل عدم الحد في وطء الأخت على أختها مطلقا؟ سواء كانت من رضاع أو نسب وهو لأصبغ. التونسي: وإنما عليه الأدب فقط أو إلا أخت النسب ففيها الحد لتحريمها بالكتاب،
стр. 8891
وأما أخت الرضاع فتحريمها بالسنة وتحريم الكتاب أقوى تأويلان، والثاني ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه.
قَالَ بَعْضُ الأشياخ: قَاعِدَةٌ كل ما كان تحريمه بالكتاب ففيه الحد وبالسنة لا حد فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في النكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة، وحينئذ فما الذي يأول؟ وإن أراد تأويلان على الذهب من حيث الجملة فصحيح لكنه خلاف اصطلاحه، ولذا قال المواق: انظر قوله: "تأويلان". انتهى المراد منه.
وكأمة محللة يعني أن السيد إذا حلل وطء أمته لشخص فوطئها ذلك الشخص فإنه لا حد على ذلك الشخص مراعاة لقول عطاء، قال البناني: وكأمة محللة من مالكها سواء كان المالك، الْمُحَّلِلُ زوجةَ الواطئ أو قريبه أو أجنبيا فلا حد على واطئها ولو عالما ولا عليها، مراعاة لقول عطاء: يجوز التحليل ابتداء وإنما عليه في المذهب الأدب فقط. انتهى. وقال المواق من المدونة: كل من أحِلَّتْ له جاريةٌ أحَلَّها له أجنبي أو قريب أو امرأته ردت إلى سيدها إلا أن يطأها من أحِلَّتْ له فلا يُحد، ولو كان عالما ولزمته قيمتها وليس لربها التماسك بها. وقال الأبهري: إن كان عالما بالتحريم لم يلحق به الولد وَحُدَّ. ابن يونس: هذا خلاف المدونة. انتهى. وقوله: أو أجنبي يعني كان المالك أجنبيا من المُحَلَّل له أو قريبه كما مر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: ودخل بالكاف من زوج ابنته رجلا وأدخل عليه أمته على أنها ابنته فحكمها كالمحلِّلة في جميع وجوهها، وإنما لزمته مع كونه لم يدخل على فساد ولا غرامة نظرا لاعتقاد المدخل لا لاعتقاد الواطئ، بخلاف من زوج أمته رجلا قال هي ابنتي فالولد حر، وعليه قيمته يوم الحكم وللزوج البقاء على النكاح وعليه جميع المهر، وما ولدته بعد معرفته رقيق. انتهى.
قوله: فحكمها كالمحللة في جميع وجوهها مثله في التوضيح، ونحوه في ابن عرفة عن الباجي عن الموازية وكتاب ابن سحنون ولم يحك خلافه. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي عن الشيخ كريم
стр. 8892
الدين: وانظر ما الذي أدخلت (١) الكاف لأن التحليل خاص [بالإماء] (٢) إلا أن يقال تحمل الأمة على القن، وأدخلت الكاف ما فيه شائبة حرية كمدبرة ومعتقة لأجل، وقد يقال: أدخلت الكاف الحرائر كما بلغنا ضن بعض البربر وبعض بلاد قزلباش أنهم كانوا يعطون أزواجهم لِلضِّيفَانِ يعتقدونه كرما جهلا منهم، فعليهم الأدب فقط إن جهلوا ذلك. انتهى. قوله: وقد يقال أدخلت الكاف الحرائر لخ، قال البناني: غير ظاهر لأن كلامنا في عدم الحد مع العلم بالتحريم. فمن وطئ أمة محللة لا حد عليه، وإن كان يعلم تحريمها على مذهب الجمهور، وأما الحرائر في هذه الصورة فإن علموا بالتحريم فالحد واجب وإن جهلوا فلا حد، ولكن لا خصوصية للعذر بالجهل في هذه الصورة بل الجهل شبهة تدرأ الحد مطلقا كما تقدم، تأمله على أن ما تقدم آنفا في قوله: "إلا الواضح" يدل على وجوب الحد في هذه ولو جهلوا. انتهى.
وقومت يعني أن الذي حُلِّلَ له وطءُ الأمة إذا وطئها فإنها تقوم عليه بمجرد وطئه يوم الوطء حملت أم لا لتتم له الشبهة، ويقدر أنه وطئ ملكه فإن حللها له واطلع على ذلك قبل أن يطأها المحلل له ردت إلى ربها أي نمنعه من وطئها ونردها إلى مالكها، وإن أبيا يعني أنه يلزم التقويم وإن أبيا، فيلزم المُحَلِّل قبول القيمة ويلزم الواطئ دفع القيمة له. قال عبد الباقي: ويلزمه التقويم وإن أبيا أي امتنع المُحَلِّلُ والمُحَلَّل له لما يلزم على ترك التقويم من صحة ما قصداه من عارية الفروج، وتؤخذ القيمة من الواطئ إن كان مليا وإلا بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل، فإن حملت فالقيمة في ذمته والولد حر لاحق به وتكون به أم ولد، وتستثنى هذه من قول المصنف في باب أم الولد: لا بولد من وطء شبهة كما استثنى منها أشياء أخر. قاله الشيخ سالم في باب النكاح. ولكن ذكر من كلامهم ما لا يفيد أن ما ذكره هو المعتمد. أبو عمران: فإن فلس قبل دفع القيمة فربها أحق بها وبيعت عليه ليلا يعود إلى تحليلها، وإن مات فهو أسوة الغرماء. انتهى.
стр. 8893
وقال التتائي: وتؤخذ قيمتها من الواطئ إن كان مليا وإن كان عديما بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل وعليه النقص، وإن حملت فالقيمة في ذمته. انتهى المراد منه.
أو مكرهة يعني أن المكرهة على الوطء لَا حَدَّ عليها ولا أدب لنفي التعمد عنها اتفاقا، ولا يضر عطفه على ما فيه الأدب لأن القصد العطف على ما لا حد فيه، وسيأتي الخلاف في المكره بالفتح. قاله عبد الباقي. وقال التتائي: أو مكرهة لا حد عليها اتفاقا. انتهى.
فَرْعٌ: قال في الطرر: قال ابن عبد الغفور: روينا أن عبد اللَّه بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجت، فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت للبلل بين فخذيَّ، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء، فأجاب أنه لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف وحسن الحال، ويفسخ النكاح ولها المهر كاملا إلا أن تكون علمت بالحمل وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطرر نقله الحطاب هنا. واللَّه تعالى أعلم.
أو مبيعة بغلاء يعني أنه لا حد على الحرة إذا أقرت لزوجها بالرق في زمن الغلاء فباعها لأجل الغلاء أي المجاعة الحاصلة من غلاء الأسعار فوطئها المشتري، وكما لا حد عليها لعذرها بالجوع لا أدب عليها، وقد بانت من عصمة زوجها ويرجع المشتري بالثمن إن وجده وإلا فعليها لأنها غرته قولا وفعلا، فإن بيعت حيث لا جوع حدت ونُكِّل زوجُها، والأظهر عدم حدها أيضا عند عدمه. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع ووجه الشبهة حيث لا جوع أن المشتري يملكها بشرائه كالأمة فتكون مكرهة، وأجاب ابن مرزوق بأن أصل البيع وإن كان طوعا صارت مكرهة بعد انعقاد البيع. انظر حسن نتائج الفكر. وعلم من هذا أن المرأة يتعلق بها الإكراه في الزنى، وأما قوله في الطلاق وأن يزني ففي الرجل ويأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى. وقال التتائي: أو مبيعة بغلاء بالمد لجوع وطئت لا حد عليها، قال مالك: وهي وزوجها معذوران كذا في سماع ابن القاسم وهو طلقة بائنة وقيل بتة، ويرجع المشتري على زوجها بالثمن، قلت: لو لم يكن بهما جوع قال: فَحَرٍ أن تحد وينكَّل زوجها ولكن درء الحد أحب إليَّ، وقد قال مالك في رجل سرق من جوع لا يقطع. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع. انتهى. وفي التوضيح عن أصبغ أنها تحد
стр. 8894
وتبين بثلاث، وقال ابن وهب: لا يكون طلاقا وتحد إن طاوعت على البيع وأقرت أن المبتاع أصابها طائعة وإن ادعت إكراها لم تحد. انتهى. والخلاف في طلاقها قد مر في باب الخلع، وقول ابن القاسم: ولكن درء الحد أحب إلي، وَجَّهَه ابنُ رشد كما مر قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
والأظهر كإن ادعى شراء أمة يعني أن من وطء أمة ادعى أنه اشتراها من مالكها فكذبه مالكها وأنكر البيع فتوجهت اليمين على البائع، ونكل البائع عن اليمين التي توجهت وحلف الواطئ على ما ادعاه من الشراء، فإنه لا حد عليه لأنه قد تبين أنه إنما وطئها وهي على ملكه، وهذا قول ابن القاسم واختاره ابن رشد، ويفهم من كلام المؤلف أنه إذا نكل الواطئ يحد مع نكول البائع، وأنه إذا حلف البائع يحد أيضا. قاله الخرشي. وقال التتائي: والأظهر كإن ادعى شراء أمة وأنكر المالك البيع ونكل البائع عن اليمين وحلف الواطئ أنه اشتراها فلا حد عليه لتَبَيُّنٍ أنه وطئ ملكه، وهو قول ابن القاسم في المدونة واختاره ابن رشد، وقال أشهب: إن كانت بيده فلا حد عليه ولحق به الولد، وإن لم تكن بيده حد ولم يلحق به الولد ويحلف السيد ويأخذها في الوجهين، وقيمة الولد في الأول والولد في الثاني. انتهى. وقوله: والأظهر كإن ادعى شراء أمة، علم مما قررت أنه مشتمل بحسب منطوقه ومفهومه على ثلاث صور منطوقه لا حد فيه، مفهومه صورتان نكول الواطئ بعد نكول البائع فالحد حلف البائع فالحد، ولا يتصور حلفهما لأنه متى حلف البائع ثبت قوله: "وحد الواطئ".
والمختار أن المكره كذلك يعني أن الرجل إذا أكره على وطء أجنبية فوطئها فإنه اختلف في ذلك على قولين، فقيل يدرأ عنه الحد نظرا لإكراهه وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي؛ لأنه وإن انتشر فلأمر تقتضيه الطبيعة، واختار اللخمي هذا القول، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه أي على خلاف هذا القول الذي اختاره اللخمي، فيحد نظرا لانتشاره. قال المواق: قال ابن العربي: المكره على الزنى لا حد عليه، وقال ابن القصار: إن انتشر قضيبه حُدَّ. اللخمي: هذا غير صحيح قد يريد الرجل شرب الخمر ويكف عنها خوفا من اللَّه تعالى، وقد ذكر في الإحياء حكمة اللَّه سبحانه ونعمته في اللسان، منها أن خلق اللَّه تحته عينا يفيض اللعاب
стр. 8895
منها قدر ما يتعجن به الطعام وسخرها لهذا الأمر بحيث ترى طعاما على بعد فتثور المسكينة للخدمة قبل أن يصل إليها الطعام. انتهى.
وقال عبد الباقي: والمختار أن المكره بالفتح على الجماع كذلك لا حد عليه ولا أدب إن زنى بطائعة لا زوج لها ولا سيد لتمحض الحق للَّه وإلا حُدَّ؛ إذْ إكراهه كلا إكراه والأكثر على خلافه أي أنه يحد، وظاهره ولو كانت هي المكرهة له على الزنى ولا صداق عليه حينئذ، فإن أكرهه [غيره] (١) غرم لها الصداق ورجع به على مكرهه. انظر التتائي. قال الشارح: وقال ابن القصار: إن انتشر حد وإلا فلا. انتهى. وهو يقتضي أن ثم قولا بالحد وإن لم ينتشر وأنه الذي عناه المصنف بقوله: "والأكثر على خلافه" وهو كذلك كما في شامله وابن عرفة، وتعليلُ بعضهم قولَ الأكثر بأن انتشاره دليل اختياره لا يبطل المنقول، ولكن المذهب الثاني. انتهى.
وقال الشبراخيتي: والمختار عند اللخمي من الخلاف أن الزاني المكره بفتح الراء كذلك لا حد عليه، وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي لأنه وإن انتشر فللأمر تقتضيه الطبيعة وكذا لا أدب عليه، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه فيحد ولو كانت هي المكرِهة له، وإن كان المكرِه له غيرها فعلى الواطئ الصداق ويرجع به على من أكرهه. انتهى. وقال الشبراخيتي بعد هذا ما نصه: وقوله: "والأكثر على خلافه" هذا هو المذهب وهو في الرجل، وأما المرأة إذا أكرهت فلا حدَّ عليها وقد تقدمت. انتهى. التتائي: وتَلَخَّصَ أن اللاتي لا حد على واطئهن تسع:
١ - المشتركة
٢ - والمحللة
٣ - والمخدمة
٤ - وذات المحرم من النسب أو من الرضاع
٥ - والموطوءة في العدة
٦ - والمبيعة في الغلاء
٧ - ومن ادعى شراءها وأنكره البائع
٨ - وذات الإكراه
٩ - وجارية الابن، ولم يذكرها المصنف وذكر صاحب الخصال: جارية الأب وهي على خلاف المشهور. انتهى.
ولما ذكر حد الزنى ذكر ما يثبت به وهو ثلاثة أمور، فقال: وثبت بإقرار يعني أن الزنى يثبت بالإقرار إذا أقر الرجل بالزنى فإنه يحد، وكذا المرأة إذا أقرت بالزنى فإنها تحد ولا فرق في