كذلك أو لا، وأما إن كان فيهم فلا لأنه لم يرد نفيه ولا فرق بين أن يكون المقول له ذلك من الرب أو لا، وأما إن قال له يا ابن الحائك أو الخياط أو الحجام ونحوه يعني من الصنائع فيفصل فيه إن كان من العرب بين أن يكون في آبائه كذلك فلا حد وإلا حد، وإن كان من غير العرب فلا حد مطلقا سواء كان في آبائه كذلك أو لا وعليه الأدب، وكان الأولى أن يدخل الكاف على النصراني ليدخل اليهودي والمجوسي وعابد الوثن وكذا الأقطع والمقعَد والأعمى والأصم. انتهى.
وقال عبد الباقي: "وحد" في قوله لآخر عربيا أم لا يا ابن النصراني أو اليهودي أو الكافر أو يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور لأنه نسب أمه للزنى إن لم يكن في آبائه من هو كذلك، فإن ثبت وجود أحد من آبائه كذلك لم يحد القائل ولو جهل أن أحد أصوله كذلك، وكذا إن قال لعربي فقط يا ابن الحائك أو الخياط أو نحو ذلك حد إن لم يكن في آبائه من هو كذلك، فإن قاله لغير عربي لم يحد ولو لم يكن في آبائه من هو كذلك. انتهى.
قوله: "ولو جهل" مبالغة في المصنف لا فيما يليه. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: وحد في قوله لمسلم: يا ابن النصراني مثلا أو يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأحمق إن لم يكن في آبائه أحد كذلك أي متصف بذلك الوصف، وأما إن كان فيهم فلا لأنه لم يرد نفيه، واختلف في يا ابن الحجام أو يا ابن الحائك ونحوه. فعن (١) يحد إن كان المقول له ذلك من العرب وإن كان من الموالي فلا حد، ويحلف ما أراد قطع نسبه. ابن حبيب: يحد فيهما. أشهب: لا يحد فيهما إذا حلف أنه لم يرد نفيه عن آبائه. انتهى. وقال الحطاب: يعني أن من قال لرجل مسلم: يا ابن النصراني أو يا ابن اليهودي أو يا ابن المجوسي فإنه يحد إلا أن يكون في آبائه أحد كذلك فإنه لا حد عليه ولكنه ينكل. قاله في المدونة في آخر كتاب القذف. ولم يذكر الشارح ولا المصنف في التوضيح أنه ينكل إذا كان في آبائه أحد كذلك وذلك لوضوحه، ولكن يتعين ذكره ليلا يتوهم أنه لا أدب عليه. وقد قال في المدونة: ومن قذف عبدا أو أم ولد أُدِّبَ ومن قذف ذميا زجر عن أذى
стр. 8962
الناس كلهم ومن قذف نصرانية ولها بنون مسلمون أو زوج مسلم نكل بإذايته للمسلمين، وفي المدونة: ومن آذى مسلما أدب. انتهى.
تنبيه: نص غير واحد على أن قوله، وفي يا ابن النصراني أو الأزرق يحد قائله، سواء كان المقول له ذلك عربيا أم لا فليس كمن نسب جنسا لغيره فلا حد إن لم يكن من العرب كما مر. وفي الميسر: قال ابن فرحون: إن قال له يا يهودي أو أسود أو يا خياط لم يحد، وإن قال له: يا ابن اليهودي أو الأسود أو الخياط حد إلا أن يكون له أب أو جد كذلك. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: فلو قال لفارسي يا رومي أو يا حبشي فلا حد، بخلاف ما لو قال لعربي يا رومي أو يا حبشي كما عرفت، ولو قال لِفارسيٍّ: يا ابن الرومي أو يا ابن الحبشي فَالظَّاهِرُ أنه يحد بل هو المتعين لأنه قذف أمه. واللَّه تعالى أعلم.
وفي مخنث إن لم يحلف يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا مخنث فإنه يحد إن لم يحلف أنه لم يرد به من يؤتى، وأما إن حلف أنه لم يرد به من يؤتى فإنه لا حد عليه، وذلك لأن المخنث يستعمل فيمن يتأنث أي يتكسر كالنساء ويستعمل في الذكر الذي يؤتى في دبره. قال عبد الباقي: وحد في قوله لآخر مخنث بفتح النون وكسرها إن لم يحلف أنه لم يرد قذفه أي لم يرد به من يؤتى، فإن حلف ما أراد الفاحشة لم يحدت وهذا إن لم يخصه العرف بمن يؤتى وإلا حد كمصر ولو حلف. انتهى. ونحوه للخرشي وغيره، وقوله: "مخنث" بفتح النون وكسرها، وقال التتائي: وحد في قوله لآخر: مخنث بكسر النون وفتحها إن لم يحلف أنه ما أراد بذلك قذفا، فإن حلف لم يحد ونُكِّلَ. قاله في المدونة. والانخناث: التثني والتكسر وخنثت الشيء فانخنث أي عطفته فانعطف، ومنه سمي المخنث. انتهى.
وفي الحديث: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن اختناث الأسقية) (١)، وهو أن يعطف فم السقاء ليشرب منه، وقال في الميسر وفي الكافي: أنه من قال لرجل يا مأبون أو يا منكوح حد، وإن
стр. 8963
قال: يا مخنث حد إلا أن يدعي أنه أراد خلقته في اللّين والثأنيث فيحلف على ذلك ويسقط حده إن كان كذلك. انتهى. وهذا كله إن لم يخصه العرف بمن يلاط. انتهى.
وأدِّبَ في يا ابن الفاسقة يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا ابن الفاسقة فإنه يؤدب ولا حد عليه، قال الشبراخيتي: وأدب في قوله لغيره يا ابن الفاسقة من الفسق وهو الخروج عن الطاعة. انتهى.
وقال عبد الباقي: وأدب في يا ابن الفاسقة ولم يحد لأن الفسق الخروج عن الطاعة فليس نصا في الزنى، أو الفاجرة يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا ابن الفاجرة فإنه يؤدب ولا حد عليه؛ لأن الفاجر الكثير الفسق وقيل الكثير الكذب، قال عبد الباقي: وهذا يعارض ما تقدم في كيا قحبة من أن يا فاجرة مثله إلا أن يحمل ما مر على ما العرف فيه السب وما هنا على خلافه، وكذا يؤدب في قوله: يا ابن الخبيثة إن حلف ما أراد قذفا بل خبثا في فعل أو خلق، وأما لو قال لرجل: يا ابن الخبيث فيحد عند ابن القاسم. قاله في المدونة. ففرق بين يا ابن الخبيثة وبين يا ابن الخبيث، وفيها أيضا: إن قال لرجل يا خبيث أدب خفيفا إن حلف ما أراد فاحشةً وإلا أدب أدبا شديدا. انتهى.
وقال في الميسر: ويؤدب في يا ابن الفاسقة أو الفاجرة ولا يحد لأن ذلك لا يفيد قذفا إلا لعرف، وكذا في يا ابن الخبيثة إن حلف، ولو قال له: يا ابن الخبْث أي بسكون الباء حد إذ لا يعلم الخبث في مثل هذا إلا الزنى. قاله ابن القاسم. ففرق بين المصدر وغيره لا بين الذكر والأنثى كما توهمه بعضهم. انتهى. وقال التتائي: وأدب القائل لغيره: يا ابن الفاسقة يا ابن الخبيثة أو القائل يا ابن الفاجرة نحوه في المدونة في كتاب محمد: إن قال يا ابن الفاسقة يا ابن الفاجرة يا ابن الخبيثة إن نكل عن اليمين حد.
أو يا حمار ابن الحمار يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا حمار ابن الحمار فإنه لا حد على القائل لذلك، ولكن عليه الأدب. قال المواق من المدونة: من قال لرجل يا حمار فعليه النكال، ومن قال لرجل يا سارق على وجه الشاتمة نكل وإن قذفه ببهيمة أدب أدبا موجعا، ولا يحد إذ لا يحد من أتى بهيمة. ومن ابن سلمون: من قال لآخر: يا كلب أو يا ثور فإن ذلك من الأذى وعليه الأدب، وكذلك إن قال له يا خنزير فعليه الأدب على ما يراه السلطان إلا أن يكون القائل
стр. 8964
ممن لا يعرف بالأذى وهو منه زلة أو فلتة فلا بأس أن يقال، وإذا شهد على رجل أنه يؤذي الناس بلسانه حبس ثلاثة أيام، ويؤدب على قدر جرمه وإن زاد شره أمر بالكف عن الجيران وإلا أكريت عليه داره.
عياض: كان ابن يعيش صليبا في الحق من أهل المتقدم في العلم والفتيا، أفتى في رجل يصيب بعينه بإلزامه داره، قياسا على الإبل [الصائلة] (١) والماشية العادية أنها تغرب حتى لا يتأذى الناس بها. انتهى. ويؤدب أيضا في يا خائن، يا آكِلَ الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا مرائي. قاله في المسائل الملقوطة. وقال في النوادر: إذا قال له: يا آكل الربا أو يا شارب الخمر ونحوه فإنه يؤدب، وإن كان صادقا ولا حد عليه في ذلك وإن كان كاذبا. انتهى قاله الحطاب.
أو أنا عفيف يعني أنه إذا قال شخص لآخر: أنا عفيف فإنه يؤدب ولا حد عليه. قال عبد الباقي: أو قال لرجل: أنا عفيف أو ما أنت بعفيف فيُؤَدب ولو في مشاتمة؛ لأنه لما أسقط الفرج احتمل العفة في المطعم ونحوه إلا لقرينة تصرفه للفرج. انتهى. وقال البناني: أو أنا عفيف أي قال ذلك لامرأة، وأما إن قال ذلك لرجل فإنه يحلف ويُنَكَّل. فإن نَّكَلَ حد كما في التوضيح، فما في الزرقاني من أنه قال ذلك لرجل فيه نظر. انتهى. قوله: أي قال ذلك لامرأة الخ خصه بذلك وَرَدَّ ما قاله الزرقاني؛ لأن المصنف لم يذكر يمينا مع أنه في قول ذلك لرجل لا يسقط عنه الحد إلا مع يمينه، فإن أراد أن قول ذلك لامرأة لا يوجب عليه يمينا قولا واحدا فليس بمسلم لوجود الخلاف، فيها وإن أراد على الراجح فقط فربما يؤخذ ذلك من قول اللخمي، ونصه: وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني لعفيف أو ما أنت بعفيف أو عفيفة افترق الجواب، فإن قاله لرجل أحلف أنه لم يرد قذفا ولم يحد وهو قول مالك وعبد الملك، واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال إني لعفيف أو يا عفيفة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: يحد، وإن قال ذلك لرجل حد إلا أن يدعي أنه أراد عفيف الكسب والمطعم والمال فيحلف ولا حد عليه وينكل،
стр. 8965
قال: لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا في الفرج، والرجل يعرض له بذلك في غير وجه في المال واللسان والفرج.
قال الشيخ ﵀: إن كان قبل الرجل ظنة في الفرج لم يصدق أنه أراد غيره، فإن كان قبل المرأة ظنة في الفرج وعلم منها [بذاذة اللسان] (١) وقلة تصون في [حالها] (٢) أو تتهم بسرقة صدق أنه أراد ذلك. انتهى منه بلفظه. ونقله في التوضيح جله فتصديره بالأول وعزوه لمالك من غير ذكر يمين يفيد رجحانه لكنه معارض بأقوى منه، فإن الباجي لم يذكر هذا القول أصلا، فإنه قال: ومن قال لامرأة في مشاتمة إني لعفيف عليه الحد، ولو قاله لرجل فعليه الحد إلا أن يدعى أنه أراد به عفيفا في المطعم والمكسب فيحلف ولا حد، وينكل لأن المرأة لا يعرض لها بذكر العفاف في المكسب والرجل يعرض له بذلك. انتهى. ونقله ابن عرفة مسلما له ولم يعرج على كلام اللخمي بحال وكذا المواق، ثم قال الباجي: ومن قال لرجل يا ابن العفيفة، فقد قال ابن وهب: بلغني عن مالك: يحلف ما أراد القذف ويعاقب، وقال أصبغ: إن قاله على وجه المشاتمة حد. انتهى. ونحوه نقله ابن عرفة عن أبي محمد بن أبي زيد، ونحوه لابن يونس مع زيادة، ونصه: ابن وهب: وبلغني عن مالك فيمن قال لرجل: يا ابن العفيفة، أنه يحلف ما أراد القذف ويعاقب. وقال أصبغ: إن قاله على وجه المشاتمة فعليه الحد. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون. انتهى. وهذه النقول كلها تدل على أن الراجح في المرأة مساواتها للرجل في أن من قال لها ذلك يحد إلا أن يحلف، ثم قال الرهوني: والأولى عندي حمل المصنف على ظاهره من شموله للرجل والمرأة مع تقييده بحلف قائله أنه ما أراد به قذفا وإلا حد. فتأمله. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وفي الميسر: "أو أنا عفيف": قاله لرجل أو امرأة ولا يحد إن حلف أنه لم يرد قذفا، وقال عبد الملك: يحد ولو قاله لرجل إلا أن يريد عفيف المطعم والمكسب فيحلف، ولا يحد لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا بالفرج، والرجل يعرض له في غيره. نقله في التوضيح. انتهى.
стр. 8966
أو إنك عفيفة يعني أنه إذا قال لامرأة إنك عفيفة، أو قال ذلك لرجل أو قال ما أنت عفيف أو عفيفة فإنه لا حد عليه ويؤدب إن حلف أنه لم يرد قذفا وإلا حد. والْحَاصِلُ أنه إذا قال: أنا عفيف أو أنت عفيف أو عفيفة فإنه لا يحد إن حلف أنه لم يرد قذفا ويؤدب، فإن لم يحلف حد، قال ذلك لرجل أو امرأة. وفي الميسر: أو إنك عفيفة، وكذا إن قاله لرجل أو قال ما أنت عفيف أو عفيفة لا فرق عند مالك بين الرجل والمرأة إذا لم يذكر الفرج وحلف أنه لم يرد قذفا ووافقه عبد الملك في الرجل دون المرأة. انتهى.
أو يا فاسق يعني أنه إذا قال له يا فاسق فإنه يؤدب ولا حد. أو يا فاجر يعني أنه إذا قال له يا فاجر فإنه يؤدب ولا يحد إلا لرف أو قرينة للقذف، كقوله: يا فاجر بفلانة إلا أن يأتي بمخرج كأن يجحده مالا فيقول لم تفجر بي وحدي فجرت بفلانة قبلي فيحلف أنه ما أراد إلا ذلك ويصدق، قال معناه في المدونة. اللخمي: فإن لم يحلف لم يحد. انظر شرح عبد الباقي. وفي المقدمات: أن من ذكر مسلما بما فيه على وجه تنقصه أدب إن كان بمحضره وإلا فذلك غيبة وليس فيها إلا التوبة وتحلل المغتاب، وإن نسب إليه ما ليس فيه مما لا يكون قذفا حاضرا أو غائبا أدب والأدب بالاجتهاد على حال القائل والمقول له. انتهى. وفي الكافي أن من آذى مسلما بلفظ قصد به أذاه فعليه الأدب الرادع له ولمثله، وذلك على قدر سفاهة القائل وحال المقول له. انتهى. وفي ابن فرحون أن الرفيع ومن كان ذلك منه فلتة يخفف أدبه ويتجافى عنه لأن من هو كذلك يظن به أنه لا يعود، وقال: إن المراد بالرفيع من هو أهل القرآن والآداب الإسلامية لا المال والجاه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
فائدة: تتضمن مقدار الأدب في ألفاظ وأفعال موجبة للأدب، قال في المسائل الملقوطة: قال في المفيد: ومن قال لرجل يا مجرم ضرب خمسة وعشرين، وكذلك إن قال له يا ظالم ولم يكن كذلك ضرب أربعين. ولو قال يا سارق ضرب خمسة وعشرين، ومن تكلم في عالم بما لا يجب فيه ضرب أربعين سوطا، ومن تكلم في أحد بما لم يكن ولم يأت ببينة أدب، وكل من آذى مسلما بلفظ يضره ويقصد به أذاه فعليه في ذلك الأدب البالغ الرادع له ومثله يقنع رأسه بالسوط أو يضرب بالدرة أو ظهره وذلك على قدر القائل وسفاهته وقدر المقول فيه، ومن لم ينصف الناس في
стр. 8967
أعراضهم [لم] (١) ينصفهم في أموالهم. انتهى. وإذا قال الرجل لصاحبه: اللَّه أكبر عليك فإنه يعزر إلا أن يعفو عنه خصمه. قاله في الدرر الملتقطة للدميري. وهذا من الشافعية، ثم قال: وإذا شتم الأخ أخاه فإن كان الأخ كبيرا وكان شتمه لأخيه على وجه الأدب لم يحد من الطرر، قال: ورأيت في بعض الكتب: سئل بعضهم عن شاتم عمه أو خاله، فقال: لا أرى عليه في ذلك شيئا [وذلك كما إذا كان] (٢) على وجه الأدب. انتهى. وقال في المسائل الملقوطة عن المفيد: ومن تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة ويسجن شهرا، ومن خالف ما حكم بد القاضي ولم يرض بالحكم عوقب إلا أن يتبين الجور، ومن خالف أميرا أو كسر دعوته لزمته العقوبة بقدر اجتهاد الإمام، ومن استهان بدعوة القاضي أو الحاكم ضرب أربعين، وإذا ارتفع الكلام بين الخصمين في مجلس القاضي ضرب كل واحد عشرة أسواط، ومن سرق من الغنيمة دون النصاب ضرب خمسين، ومن تغامز مع أجنبية وتضاحك معها ضربا عشرين عشرين يريد إذا كانت طائعة، فإن قَبَّلها طائعة ضربا خمسين خمسين وإن لم تطعه ضرب وحده خمسين، ومن حبس امرأة ضرب أربعين فإن طاوعته ضربت مثله، ومن أتى بهيمة ضرب مائة ومن سل سيفا على وجه القتال ضرب أربعين وكان السيف فيئا، ومن سل سكينا في جماعة على وجه المزاح ضرب عشرة أسواط، ثم قال: ومن سل سيفا في جماعة على وجه المزاح يهددهم فقد جفا ويضرب عشرين سوطا، والظاهر أنه ليس مخالفا لما قاله في السكين. انتهى. وقال المواق من المدونة: من قال لرجل يا فاسق يا فاجر فعليه في ذلك النكال. انتهى. وقال التتائي: وفي كتاب محمد: يا فاسق يا فاجر يا خبيث إن نكل عن اليمين أدب. انتهى.
وإن قالت بك جوابا لزنيت حدت للزنى والقذف يعني أنه إذا قال رجل لامرأة زنيت، فقالت: بك، فإنها تحد لإقرارها بالزنى فتحد حد الزنى وتحد للقذف لأنها قذفته بأنه زنى بها ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله في المدونة. وقوله: "وإن قالت بك" يعني الأجنبية لا الزوجة، قال عبد الباقي: وإن قالت أجنبية زنيت بك جوابا لزنيت بكسر الفوقية أو يا زانية حدت حدين للزنى
стр. 8968
لتصديقها له إن لم ترجع عن إقرارها به والقذف للرجل إلا أن تكون أرادت جوابه فعليه حد القذف إن رجعت عن إقرارها بالزنى، وأما الزوجة فلا حد عليها بحال. قاله الحطاب. وكذا لا حد على الزوج لأنا نحمل الزنى على غير حقيقته أي على وطئه لها، لعلاقة المشابهة في الهيئة لا من حيث الحرمة، بل ولو حمل على حقيقته لم يحد أيضا لأنها حينئذ غير عفيفة. انتهى المراد منه.
وقال البناني: وإن قالت: "بك جوابا لزنيت حدت للزنى والقذف" أي ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله في المدونة. وقول الزرقاني: إلا أن تكون أرادت جوابه. اإلخ. هذا قول أشهب وكلام ابن عرفة وابن الحاجب يفيد أنه مقابل لذهب المدونة، ونص ابن عرفة: اللخمي: من قال لامرأة يا زانية، فقالت: "بك زنيت"، فقال مالك: تحد للرجل وللزنى ولا يحد لأنها صدقته إلا أن تنزع عن قولها فتحد للرجل فقط، وقال أشهب: إن نزعت وقالت ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة ولم أرد قذفا ولا إقرارا فلا تحد ويحد الرجل. وقال أصبغ: يحد كل منهما لصاحبه وإن نزعت عن قولها. انتهى. فقول الزرقاني: إن رجعت عن إقرارها بالزنى صحيح على قول أشهب. انتهى. وقول الزرقاني: وأما الزوجة فلا حد عليها بحال. قاله الحطاب. وكذا لا حد على الزوج الخ تبع فيه الأجهوري وهو غير صواب؛ لأن مذهب ابن القاسم حد الزوج وإنما القول بعدم حده لعيسى، قال ابن عرفة بَعْدَ ما تقدم عنه: وأما لو قال ذلك لزوجته فأجابته بذلك، فقال الشيخ عن عيسى عن ابن القاسم: لا حد عليها وعليه الحد لها إلا أن يلاعن، وقال عيسى: لا حد عليه ولا لعان. انتهى. ونحوه في التوضيح وما قرر به الزرقاني من التفريق بين الأجنبية والزوجة هو الذي حمل عليه أبو الحسن المدونة، واقتصر عليه ابن عرفة وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى في العتبية. وقال ابن رشد: إنه أظهر الأقوال. انتهى.
وقال في الميسر عند قوله: "وإن قالت امرأة بك زنيت جوابا لزنيت" بكسر التاء حدت حدين للزنى لإقرارها به إن لم ترجع عنه والقذف، ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله مالك. وظاهره قاله لأجنبية أو زوجة. وفي العتبية: أن الزوجة لا تحد لأنها تقول أردت وطء النكاح ويحد الزوج
стр. 8969
عند ابن القاسم إن لم يلاعن، وقال عيسى: لا حد عليه ولا لعان، ووافق أشهب مالكا إلا أن تقول أردت مجاوبته ولم أرد قذفا ولا إقرارا فلا حد عليها ويحد الرجل.
فرع: لو قال له: يا زاني، فقال أنت أزنى مني لم يكن إقرارا وَحُدَّ للقذف.
فرع: من قال من ركب دابتي فهو ابن زانية، فمن ركبها قبل قوله وهو يعلمه حد له ومن ركبها بعده لم يحد له. وقال الأخوان وأصبغ: من قال من شهد علي فهو ابن الفاعلة، فشهد عليه رجل حد له، وكذا إن قال: من دخل المسجد فهو ابن الفاعلة وإن قال له إن كان كذا فأنت ابن الفاعلة، فإن ثبت أن ذلك كذلك حد وإلا أدب، وإن قال له: يا أحمق، فقال الآخر: أحمقنا ابن الفاعلة فهو قذف لأنه جواب شتم. انتهى كلام الميسر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: فإن قال يا زاني، فقال أنت أزنى مني لم يحد القائل الأول خلافا للشارح؛ لأنه قذف غير عفيف وحد الثاني للزنى والقذف، فإن قال: يا معرص، فقال أنت أعرص مني حد الأول لزوجة الآخر وأدب له وحد الثاني لزوجته ولزوجة الأول حدا واحدا وأدب له أولا عن زوجته وحد الثاني لزوجة الأول إن قامت به بعد ما لاعن لزوجته، فإن قامت به قبلُ حَدَّهُ لها حَدٌ لزوجته. انتهى. وقوله: "إن قالت بك" الخ ألغز ابن عاشر في هذه المسألة بقوله:
يا فُقَهَا حَرْ فَانِ حَدًّا نَكَّبَا … وأوجَبَا حَدَّيْن فَادْرُوا العَجَبَا
فأجابه بعض معاصريه ورأيت في بعض الطرر أنه تلميذه الأبار بقوله:
هُمَا وُقِيتَ الفُحْشَ نِلْتَ الأرَبَا … قُبَيلَ بَابِ الْقَطْعِ كَافٌ بَعْدَبَا
فرع: قال في المدونة: ومن قال عند الإمام أو عند غيره: زنيت بفلانة، فإن أقام على قوله حد للزنى وللقذف، وإن رجع عن ذلك حد للقذف وسقط عنه حد الزنى. نقله الحطاب.
مَسْأَلَةٌ: قال القرطبي في سورة النور: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانية بالهاء وكذلك الأجنبي للأجنبي فلست أعرف فيها نصا لأصحابنا، ولكنه عندي يكون قذفا وعلى قائله الحد وقد زاد حرفا، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا
стр. 8970
يكون قذفا. واتفقوا على أنه إذا قال لامرأته: يا زان أنه قذف والدليل على أنه يكون في الرجل [قذفا] (١) هو أن الخطاب إذا فهم معناه ثبت حكمه، سواء كان بلغظ أعجمي أو عربي. ألا ترى أنه لو قال للمرأة: زنيت بفتح التاء كان قذفا؟ لأن معناه يفهم منه. ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا جاز أن يخاطب المؤنث بخطاب المذكر، لقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ صلح أن يكون قوله: يا زان للمؤنث قذفا و [لما] (٢) لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم [عليه] (٣) لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم. انتهى. قاله الحطاب. واللَّه تعالى أعلم.
وله أي للولد حد أبيه حيث صرح الأب بقذفه؛ يعني أن الأب إذا صرح بذقف ولده فإن للولد أن يحده أي يقيم عليه الحد، قال الشبراخيتي: وله أي للولد المقذوف حد أبيه إذا صَرَّحَ بقذفه، ومثل الأب الأم وأحرى من فوقهما من جَدٍّ لأب أو لأمٍّ، ويحتمل أن يريد جنس الأب فيتناول الأبوين والجد لأب أو لأم. انتهى. يعني أن ما ذكر من الأقارب مفهوم من كلام المؤلف إما بمفهوم الموافقة وإما بشمول اللفظ له فيكون من جملة المنطوق. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وله حد أبيه وأمه القاذف كل منهما له، ومذهب المدونة وهو المذهب أنه ليس له حده ولا تحليفه ولا أمه. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وَفُسِّقَ الولد أي حكم بفسقه فلا تقبل شهادته في شيء والمذهب ما في المدونة أنه ليس له حد أبيه لا يقال وسيلة الشيء تعطى حكمه، فكيف تكون وسيلة الفسق مباحةً؟ لأَنَّا نقول المراد بالتفسيق عدم قبول الشهادة وهو يحصل بمباح يخل بالروءة كأكل بسوق لغير غريب، وعلى القول بحده فله أن يعفو عنه ولو بلغ الإمام ولو لم يرد سترا، فيقيد مفهوم قوله الآتي: "وبعده إن أراد سترا بما عدا الأصل". انتهى. وقال الحطاب: لا خلاف في جواز عفو الابن عن أَبَوَيْهِ بعد بلوغ الإمام وكذلك عن جده لأبيه. انظر اللخمي والتوضيح. انتهى.
стр. 8971
وللمقذوف القيام به أي بالحد على قاذفه وهذا ظاهر والمقصود قوله: وإن كان المقذوف علمه أي علم صدور المقذوف به من نفسه، بأن علم أن ما قذفه به من زنى صدر منه لأنه مأمور بالستر على نفسه. لخبر: (من أتى منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر فإنه من يبد لنا صفحة وجهه أقمنا عليه الحد) (١)، قال في المدونة: حلال له أن يحده لأنه أفسد عرضه، وليس للقاذف أن يُحَلِّفَ المقذوف أنه ليس بزان، ففي المواق من المدونة: إن علم المقذوف من نفسه أنه كان قد زنى فحلال له أن يحد من قال له إنك زنيت. انتهى. ومن المدونة: من قذف ولده أو ولد ابنته فقد استثقل مالك أن يُحَدَّ لولده. ابن القاسم: إن قام بحقه حد له، زاد في الموازية: ولا تقبل شهادة الولد. وقال ابن رشد: لا خلاف أن القذف حق للمقذوف، واختلف هل يتعلق به حق للَّه، ثالث الأقوال أنه حق للمقذوف ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغه صار حقا للَّه ولم يجز لصاحبه العفو عنه إلا أن يريد سترا. انتهى. وقوله: وله القيام به وإن علمه من نفسه أي وليس للمقذوف تحليف القاذف، وقال الشافعية: له أن يحلفه فإن نكل سقط الحد.
تَنْبيهَان: الأوَّلُ: قوله: "وله القيام به" الخ اعلم أن له القيام بذلك ولو علم أن القاذف رآه يزني كما في الميسر.
الثاني: قوله: "وله حد أبيه وفسق" أي وله أن يحلفه هو أحد أقوال ثلاثة، وعزاه ابن رشد في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من الأقضية لرواية أصبغ عن ابن القاسم في الشهادات، ونصه: وقد روى أصبغ عن ابن القاسم في الشهادات أنه يقضى له أن يحلفه وأن يحده. ويكون عاقا بذلك ولا يعذر بجهل وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر فلا ينبغي أن يمكن أحد من ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وسحنون: إنه لا يقضى له بتحليفه ولا يمكن من ذلك ولا من أن يحده في حد يقع له عليه لأنه من العقوق وهو مذهب مالك في المدونة في اليمين في كتاب المديان وفي الحد في كتاب القذف وهو أظهر الأقوال. وقال ابن رشد عن مالك: أكره لمن بينه وبين أبيه خصومة أن يحلفه. ابن رشد: وهذا يدل على أن له أن يحلفه ولا يكون عاقا إذ لا
стр. 8972
مأثم في فعل المكروه وإنما يستحب تركه، فَتَحَصَّلَ في المسألة ثلاثة أقوال قاله الحطاب. قال: وقد ذكر الشيخ في باب التفليس أنه ليس له أن يحلف أباه إلا المنقلبة والمتعلق بها حق الغير وأخرجها من الخلاف. واللَّه أعلم.
كوارثه يعني أن وارث المقذوف أي من يستحق ميراثه له أن يقوم بحد موروثه إذا مات المقذوف قبل أن يستوفي الحد من القاذف ولم يَعْفُ ولم يوص لآخر بالقيام به دون غيره، وليس المراد من يرث بالفعل بدليل قوله: ولكل القيام به وإن حصل من هو أقرب، واحترز بوارثه عن غيره كابن ابنته. قاله الشبراخيتي. وقال اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا فلا قيام لوارثه، وإن أوصى بالقيام به لوارثه لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف فالحق لوارثه العاصب. انتهى.
تَنْبيهَاتٌ: الأوَّلُ: قوله: "كوارثه" مقيد بما إذا لم يكن مضى من طول الزمان ما يرى أنه قد ترك حقه كما في المدونة وغيرها. قاله الرهوني. ونص المدونة قال: ومن خاصم في قذف فمات قبل إيقاع البينة فلورثته القيام بذلك ويحد لهم القاذف إن أتوا ببينة ولو لم يقم المقذوف بقذفه حتى مضت سنة أو أقل أو أكثر ولم يسمع منه عفو ثم مات فقام بذلك وارثه، فإن لم يمض من طول الزمان ما يعد به [المقذوف] (١) تاركا فلورثته القيام، وإن مضى من طول الزمان ما يرى أنه تارك فلا قيام لهم، فأما لو قام المقذوف نفسه بعد طول الزمان لحلف باللَّه ما كان تاركا لذلك، ولا كان وقوفه إلا أن يقوم بحقه إن بَدَا لَهُ وَحُدَّ له بخلاف ورثته. انتهى. ونحوه لابن يونس، قال ابن ناجي في شرحها: وما ذكره في الطول هو المشهور، وقال أشهب: لهم أن يقوموا. انتهى. وذكر اللخمي الفرق بين الديون، وهذا بقوله بخلاف ديون مَيِّتِهم لأن شأن الديون أن لا تترك والأعراض كثير من الناس لا يطلبها ولا يستحسن ذكرها ولا يحب أن يُتحدث عنه بأنه شتم، فإذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس. انتهى. ونقله أبو الحسن باللفظ وابن ناجي بالمعنى وسلماه. انتهى.
стр. 8973
الثاني: قوله: "كوارثه" هو فيما إذا مات المقذوف كما علمت، وأما لو لم يمت المقذوف، ففي المدونة: وأما الغائب فليس لولده ولا لغيره القيام بقذفه إلا أن يموت ولا وارث له فأوصى بالقيام به، وإذا قذف ميتة أو غائبة فقام بحدها ولد أو ولد ولد أو أخ أو أخت أو جد أو عم أو أب، فأما في الموت فيمكن من ذلك وأما في الغيبة فلا. انتهى. ابن يونس: قال ابن القاسم: لا يقوم بذلك ولد ولا غيره وإن طالت الغيبة وقاله أصبغ، وقد قيل: لولده القيام في الغيبة البعيدة ويحد لهم وليس لهم ذلك في القريبة، ويكتب إلى المقذوف. وذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: لا يقوم للغائب أحد من قرابته إلا الولد في أبيه وأمه، وقال محمد عن مالك وابن القاسم: إذا سمعه رجلان فرفعا ذلك للإمام فلا ينتظر في ذلك ويحد. انتهى. ونقل أبو الحسن بعضه، ومثله لابن ناجي وكلامهم يدل على أنهم فهموا المدونة على ظاهرها، وظاهر كلام اللخمي أنه فهم المدونة على ظاهرها أيضا، ونقل ابن عرفة كلام المدونة وبعض كلام اللخمي، وقال عقب ذلك: قُلْتُ في سرقتها: ولو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا ومعه من ثبتت شهادته عليه أقام الإمام عليه الحد. انتهى. وكأنه ﵀ قصد المعارضة بين كلاميها وقد قال أبو الحسن عقب نص سرقتها: ظاهره كان المقذوف حاضرا أو غائبا فهي معارضة للتي قبلها، وقيل: معنى هذه أنه حاضر، وفي كتاب أبي إسحاق في كتاب القذف: معناه أنه رفعه. انتهى المراد منه.
الثالث: من صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز ورد ولا شفعة فيه بلغ الإمام أم لا. قاله الحطاب.
وإن قذف بعد الموت يعني أن الوارث يقوم بقذف موروثه فيحد له القاذف كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القذف قبل موت الموروث وأن يكون بعد موته، قال الخرشي: ولا فرق بين أن يصدر القذف قبل موت المقذوف أو بعد موته، قال فيها: من قذف ميتا فلولده وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن قذف بعد الموت أغيا به ليلا يتوهم أنه لا حق للميت لانقطاع علمه فلا يكون لورثته حق؛ لأن حقهم مرتب عن حقه.
ثم بين الوارث بقوله: من ولد وولده وأب وأبيه يعني أن الوارث الذي له القيام بحق موروثه في القذف هو الولد وولد الولد وإن سفل، وهو شامل للذكر والأنثى والأب وأبوه وإن علا ولا مدخل
стр. 8974
لِلْإخوة ونحوهم مع وجود هؤلاء، فإن فقدوا قام الإخوة ونحوهم مقامهم ولا مدخل لأحد الزوجين في القيام بالقذف، قال البناني: كلام المدونة ظاهر في أنه لا دخول للزوجين في ذلك، قال ابن عرفة: وفيها من قذف ميتا فلولده وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك والأبعد كالأقرب، وليس للإخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام وللأخوات والجدات القيام إلا أن يكون له ولد، وإن مات ولا وارث له فأوصى بالقيام بقذفه فلوصيه القيام به، وذكر اللخمي لفظها فقال: فأدخل النساء والعصبة في القيام. وفي كتاب محمد: أما الإخوة والبنات وغير أب أو ابن فلا قيام له إلا أن يوصيه فأسقط الإخوة والعصبة وسائر النساء، وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، وأما بنت البنت والزوجة فلا. انتهى. وقال في التوضيح: قوله: الوارث مخصوص بغير الزوج والزوجة، فإنه لا قيام لهما. انتهى.
فَتَحَصَّلَ أن مذهب المدونة تقديم الولد وولده وإن سفل وأب وأبيه وإن علا ولا مدخل لغيرهم مع وجودهم والأبعد منهم كالأقرب، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام وللأخوات والجدات القيام، وأن مذهب ابن المواز أنه لا مدخل لغير الأب والابن، وقال الشبراخيتي: ثم بين الوارث بقوله: من ولد وولده وإن سفل وأب وأبيه وهو جده وإن علا، فإن عدم من ذكر قام به غيرهم من الإخوة وباقي الورثة كما يفيده كلام المدونة، وقال ابن المواز عن ابن القاسم: ليس لغير من ذكر قيام مع عدمهم وهو ظاهر كلام المصنف، فقوله: "من ولد" الخ قال في الحاشية: هو ظاهر في مذهب الموازية محتمل لذهب المدونة بتأويل، وهو أن قوله: "من ولد" الخ بيان للأقربين فيكون من باب الاكتفاء ولا كلام لغيرهم مع وجودهم، كأنه قال: فإن فقد الأقربون فالكلام لغيرهم من العصبة الأقرب فالأقرب، لكن غيرهم لا يقوم بعيده مع قريبه إلا مع فقده، والجمهور على جواز ذكر البعض وترك البعض الآخر اعتمادا على القرائن، ودليله قوله ﷺ : اتقوا السبع الموبقات الشرك باللَّه وعقوق الوالدين وشهادة الزور، فإنه ذكر البعض وترك البعض
стр. 8975
اعتمادا على (حديث أبي هريرة حيث ذكر السبع) (١)، وذكر في الشرح أن قيام الأبعد مع وجود الأقرب يجري في قيام الأصل والفرع وفي قيام باقي الورثة، أما الأول فمنصوص وأما الثاني فالظاهر أنه كذلك. انتهى. وقال التتائي: ثم شبه في التخيير، فقال: "كوارثه" له القيام بحد موروثه إذا مات قبل استيفائه ولم يعف ولم يوص لآخر بالقيام به دون غيره، وإذا أوصى به فليس للوصي العفو. قاله اللخمي. واحترز بوارثه عن غيره كابن ابنته، وأراد بالوارث من يرث في الجملة وإن لم يرث الآن وهو قول ابن القاسم. انتهى.
ولكل القيام به يعني أن لكل واحد من ورثة المقذوف المذكورين القيام بقذف موروثهم حيث كانوا في مرتبة، بل وإن حصل أي وُجِدَ من هو أقرب من القائم فيمكن من ذلك ويحد له، قال عبد الباقي: ولكل من الورثة القيام وإن حصل أي وجد من هو أقرب منه فلابن الابن القيام به مع وجود ابن الصلب؛ لأن المعرة لاحقة لجميعهم على حد سواء، وليس كالدم أي القصاص يختص بالقيام به الأقرب، وأفاد بالمبالغة رد قول أشهب: يقدم الأقرب فالأقرب، والظاهر أن باقي الورثة -غير من ذكره المصنف- يجري فيه قوله: ولكل إلخ. انتهى.
والعفو قبل الإمام يعني أنه يجوز للمقذوف أن يعفو عن حد قاذفه قبل بلوغ الإمام أي قبل أن يصل الأمر إلى الإمام. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام ما لم يكن وارثا قام بقذف موروثه، والمراد بالإمام الحاكم وإن لم يكن قاضيا لقول المدونة: إذا بلغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس أي لا ولاة المياه وهم السعاة. انتهى. وقال عبد الباقي: ويجوز للمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس كولاة المياه أي السعادة إلا الوارث القائم بقذف موروثه فليس له العفو. انتهى. قوله: إلا الوارث القائم بأمر موروثه الخ، قال البناني: محل هذا إذا أوصى الميت بالقيام به وإلا فله العفو، قال ابن عرفة: اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا فلا قيام لوارثه وإن أوصى بالقيام به لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف ولم يوص فالحق لوارثه. انتهى. ومثله في التوضيح. انتهى.
стр. 8976
وبعده إن أراد سترا يعني أن العفو قبل بلوغ الإمام جائز مطلقا أراد المقذوف الستر على نفسه أم لا، وأما بعد بلوغ الإمام فيجوز العفو إن أراد سترا على نفسه لا إن لم يرده، قال في المدونة: مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف، قيل لمالك: وكيف يرى ذلك، قال: يسئل الإمام عن ذلك سرا، فإن أُخْبرَ أن ذلك أمر قد سمع أجاز عفوه. الشيخ عن الموازية: معنى إذا أراد سترا قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن، وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد سترا يعني إذا كان مثله يفعل ذلك ولا يكلف أن يقول أردت سترا؛ لأن قول ذلك عَارٌ، فأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه. الصقلي: وهذا إذا قذفه في نفسه، فإن قذفه في أبويه أو أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام. وقاله ابن القاسم. وأشهب. انتهى. ونحوه في التوضيح. واللَّه أعلم. نقله البناني.
تنبيهات: الأوَّل: اختلف في القذف هل فيه حق للَّه تعالى وعليه فالحد يقيمه الإمام إذا بلغه رفعه صاحبه أم لا ولا عفو له، وإذا ادُّعي عليه العفو لم يحلف لأن ما فيه حق للَّه تعالى ليس له إسقاطه، وأما من ادعي عليه القذف فلا يحلف إلا بشاهد، فإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر. قاله في الميسر.
الثاني: التعزير يجوز فيه العفو والشفاعة ولو بلغ الإمام. ذكره الحطاب.
الثالث: قال الشبراخيتي: وبعده أي بعد بلوع الإمام إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن ظهر ذلك للناس قامت عليه بينة به، قال التتائي: وتعرف إرادة الستر بأن يسأل الإمام خفية عن حال المقذوف، فإن بلغه عنه أن الذي قيل فيه الآن أمر قد سمع وأنه يخشى أن يثبت عليه أجاز عفوه. أصبغ: ومثل أن يضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر عليه الآن. انتهى. ويبقى النظر فيما إذا أراد الستر على القاذف خشية حصول ضرر له منه، فهل يعمل بعفوه بعد بلوغ الإمام وهو الظاهر أم لا؟ وقوله: "إن أراد سترا ما لم يكن القاذف أباه أو أمه أو جده فله العفو وإن لم يرد سترا. انتهى. الرهوني: هذا الاستثناء على ما ذهب عليه المصنف، وأما على المشهور ومذهب المدونة من أنه ليس له حدهم فلا استثناء، وقد صرح الحطاب بذلك، فقال: وعلى القول بأنه يحد لقذف ولده ويفسق فإنه يجوز عفوه، ولو بلغ الإمام. قال اللخمي: ولا
стр. 8977
اختلاف في ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وبعده إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن أظهر ذلك قامت عليه بينة بما رماه به القاذف، أو يخشى أن يقال: ما لهذا حُدَّ؟ فيقال: قذف فلانا، أو يخشى أن المحدود يظهر للناس في المقذوف عيبا أو يضرب المقذوف حدا قديما فيخشى إذا أقام على قاذفه حدا أن يظهر حده القديم، وأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه، وينبغي شمول المصنف أيضا لإرادة الستر على القاذف لو حد من حصول ضرر له مآلا، ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. قاله الحطاب. وظاهره ولو كان التعزير متمحضا لحق اللَّه. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: انظر كيف يجوز العفو عنه والشفاعة فيه مع أنه واجب لحق اللَّه ؟.
الرابع: قال أبو الوليد في المنتقى: مَسْأَلَةٌ: وأما القاذف يعطي المقذوف دينارا على أن يعفوَ عنه، ففي العتبية من رواية أشهب عن مالك: لا يجوز ذلك ويجلد الحد، ووجه ذلك أنه حق يتعلق به حق اللَّه تعالى فلا يسقط بمال كالقطع في السرقة. انتهى. وفي اختصار الشيخ حلولو لِنوازل شيخه البرزلي: مَسْأَلَةٌ: وفيها: من صالح رجلا عن قذف على شِقْص لم يجز لأن الحدود إنما فيها العفو أو إقامتها. انتهى. الرهوني: قول أبي الوليد الباجي: حق يتعلق به حق اللَّه تعالى الخ فيه إشكال؛ لأنه إن أراد يتعلق حق اللَّه به ليس للمقذوف إسقاطه وهو قول أشهب فالمذهب كما علمت خلافه، وإن أراد يتعلق حق اللَّه به مع كونه حقا للمقذوف فهو منقوض بالقتل الذي هو أعظم من القذف بكثير، وبذلك رد اللخمي على أشهب، ونصه: قال أشهب في مدونته فيمن عفا عن قاذفه ثم أتى بعد زمان وأراد أن يحده أن ذلك له. قال: لأنه حد من حدود اللَّه تعالى. قال الشيخ ﵀: قول مالك إن ذلك حق للمقذوف أحسن، وليس تعدي القاذف في قذفه أعظم من تعديه على قتله، ولا خلاف أن له أن يعفو عن قاتله. انتهى. وهذا مما يزيد الإشكال قوة. فتأمله.
قلت: والظاهر في الفرق بين الصلح عن القصاص وعن القذف مع اشتراكهما في أن لمستحقهما إسقاطهما مجانا فيسقطان أن القصاص أقرب إلى المال من القذف ولا سيما على قول أشهب،
стр. 8978
وروايته عن مالك أن لأولياء المقتول جبر المقاتل على الدية وهو قول الشافعي وغير واحد من الأئمة، والموافق للحديث المتفق عليه ولأنه يؤل للمال على المشهور من قول مالك وابن القاسم أنه يجبر المقاتل على الدية في كثير من المسائل، ولأن الدم إذا استحقه متعدد يسقط بعفو بعضهم ويئول حق غيره إلى المال فيعطى نصيبه من الدية والقذف إذا استحقه متعدد لا يسقط بعفو بعضهم، بل يكون للآخر القيام به فلم يؤل إلى المال في حال من الأحوال، وقد قال الباجي نفسه قبل ما قدمناه عنه بقريب: إن حد القذف مبني على أنه لا يجوز عفو بعض القائمين، بخلاف ولاة الدم لأن هذا ليس بدلا من المال فَيَؤُولُ بعض من قام بالدم إليه إذا عفا بعضهم. انتهى. فتأمله بإنصاف. وما تقدم من أن قول أشهب في مدونته أن للعافي القيام بالقذف بعد عفوه مقابل، محله إذا وقع العفو مطلقا لا مقيدا، ففي اختصار الشيخ حلولو لنوازل البرزلي وفيها: إذا عفا المقذوف على أنه متى شاء قام بحده وكتب بذلك كتابا وأشهد بذلك له متى قام به، فإن مات كان لوالده القيام به، قال شيخنا: معناه إذا رضي القاذف بالتأخير. انتهى. والضمير في قوله: وفيها -واللَّه أعلم- للمدونة لأن المسألة مذكورة فيها وقد تردد أبو الحسن في فهمها، وما عزاه اللخمي لأشهب عزاه ابن يونس لروايته مع زيادة ونصه: وروى أشهب عن مالك أنه متى قام به بعد ذلك العفو حد له إلا أن يكون أراد سترا، وقاله ابن شهاب وابن وهب، وقال أصبغ: قول مالك وابن القاسم أحب إلينا وهو قول الناس أن عفوه قبل بلوغ الإمام يسقط عنه الحد. انتهى. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى.
الخامس: قال الشبراخيتي: لا يجوز للإمام العفو عن حد السرقة والزنى والشرب حيث بلغه، ولا يجوز لأحد الشفاعة فيها لأنها حقوق للَّه تعالى ولو تاب الفاعل وحسنت حالته، وأما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة فيها. قاله التتائي. قوله: وأما قبل بلوغ الإمام الخ ظاهره سواء كان معروفا بالفساد أم لا، ولكنه فصل في المدونة في حد السرقة خاصة بين المعروف بالفساد فلا تجوز الشفاعة فيه وبين غيره فتجوز. انتهى.
стр. 8979
وإن قذف في الحد ابتدئ لهما يعني أن القاذف إذا قذف في أثناء الحد فإنه يُبْتَدَأُ للقذفين حَدٌّ واحد، سواء كان المقذوف ثانيا هو المقذوف أَوَّلًا أوْ لَا، إلا أن يبقى يسير فيكمل الأول يعني أنه إذا قذف في أثناء الحد فإنه يُبْتَدَأُ للقذفين حد واحد كما عرفت، ومحل هذا حيث لم يبق من الحد يسير: وأما إن بقي منه يسير كخمسة عشر سوطا فإنه يكمل الحد الأول ويستأنف للقذف الثاني حد أي يحد حدا تاما. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن حصل القذف ثانيا في اثناء الحد للقذف كان المقذوف ثانيا هو الأول أو غيره ابتدئ لهما أي للقذفين حد واحد، إلا أن يبقى يسير كخمسة عشر سوطا فدون فيكمل الأول ثم يستأنف للثاني حد. انتهى. وكلامه صريح أو كالصريح في أنه إن بقي من الحد الأول ستة عشر سوطا فأكثر فإنه يستأنف للقذفين حد واحد. واللَّه سبحانه أعلم. وإنما كان صريحا أو كالصريح لحده لليسير المستثنى بخمسة عشر فدون. وفي التتائي: قال البساطي: فإن قُلْتَ: إذا بقي يسير جعله ابن القاسم كالعدم وإن مضى يسير لم يجعله كالعدم، فما الفرق؟ قلت: لو قطعنا وقد بقي يسير كان الابتداء في معنى الحد ثانيا فلا فائدة في القطع ولو تمادينا، وقد مضى يسير لم يستوف حد القاذف، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق في الموازية: إن جلد للأول شيئا ثم قذف آخر استؤنف الحد، وإن بقي مثل عشرة أسواط أو خمسة عشر فليتم الحد ثم يؤتنف الحد للثاني. انتهى.
فرع: قال الحطاب: وإن شهد قوم على رجل أنه قذف فلانًا وفلانٌ يكذبهم ويقول ما قذفني، لم تجز شهادتهم إلا أن يكون المقذوف هو الذي أتى بهم وادعى ذلك ثم أكذبهم بعد أن شهدوا عند السلطان وقال ما قذفني فإنه حد وجب لا يزيله هذا بمنزلة عفوه عنه ويضرب القاذف الحد. انتهى. وقال الحطاب: إن قذف رجل رجلا غائبا بحضرة الإمام ومع شهود، قال في كتاب القذف من المدونة: أقامه الإمام عليه، فتأوله ابن المواز على أنه يقيمه بعد طلب المقذوف، وتأوله ابن حبيب على أنه يقيمه في غيبته، انظر المقدمات وابن عرفة وأبا الحسن الصغير في كتاب القذف في مسألة سماع الإمام القذف، قال: وتأويل ابن المواز أحسن. واللَّه أعلم. انتهى.
ولما أنهى الكلام على القذف وما يتعلق به شرع في الكلام على السرقة وما يتعلق بها، فقال:
стр. 8980
باب: ذكر فيه السرقة
قال في القاموس: سرق منه الشيء يسرق سرقا محركة وككتف وسَرَقَةً محركة وكفرحة وسَرْقا بالفتح واسترقه جاء مستترا إلى حرز فأخذ مال غيره، والاسم السرقة بالفتح وكفرحة وكتف وسرق كفرح خَفِيَ، والسَّرَق محركة شقق الحرير الأبيض أو الحرير عامة الواحدة بهاء. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: قال في التوضيح: السرقة أخذ المال خفية من غير أن يؤتمن عليه ولا يطرد لصدقه على أخذ ما دون النصاب وما ليس بحرز، وأخذ الأبوين من مال ابنهما ما لم يؤذن لهما، والعبد من مال سيده وغير ذلك مع أنه لا قطع في الجميع، ولا ينعكس لخروج أخذ ما ليس بمال ولا يقال هذه شروط وجوب حد السرقة لا من حقيقة السرقة؛ لأنا نقول: المحدود السرقة الموجبة للحد.
وقال ابن عرفة: هي أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه، فيخرج أخذ غير الأسير مال حربي وما اجتمع بتعدد إخراج وقصد وأخذ الأب مال [ولده] (١) وأخذ المضطر في المجاعة. انتهى. فقوله: لصغره أي أو لغير ذلك كجنونه، وقوله: أو مالا محترما لغيره يرد عليه أن من سرق خمر الذمي لا يقطع مع أنه مال محترم بالنسبة للذمي، ولذا كانت القيمة على متلفه إلا أن يقال أراد بالمحترم ما كان محترما بالنسبة للسارق ولرب المسروق منه. وقوله: أخرجه ضميره البارز يرجع لقوله: مالا محترما، فيدخل فيه سرقة ثوب لا يساوي ثلاثة دراهم مصرور فيه ثلاثة دراهم فإنه يقطع وإن لم يقصد إخراج ما فيه، وقوله: بقصد واحد أخرج ما أخرجه بتعدد إخراج وقصد، وقوله: لا شبهة له فيه أخرج سرقة الأب من مال ولده. انتهى. ابن مرزوق: ولا يطرد يعني حد ابن عرفة لصدقه على العبد يسرق من مال سيده، وكذا من فيه بقية رق مع أنه لا يقطع لا يقال يخرج بقوله لا شبهة له فيه، فإن العبد لا شبهة له في مال سيده ولصدقه أيضا على من لا يقطع لكونه سرق من موضع أذن له في دخوله، وكذلك سائر الخُيَّان كالضيف يسرق من بيت [من] (٢) الدار لم
стр. 8981
يوذن له في دخوله، ولا يخرجهم أيضا قوله: لا شبهة له فيه لأنهم لا شبهة لهم في المال. انتهى. ويجاب عمن سرق من موضع أذن له في دخوله بأنه لما أذن له في دخول الموضع صار غير حرز بالنسبة له: وذكر الخرشي أنه يرد عليه أيضا من سرق نصابا ثم سرقه آخر من السارق فإنهما يقطعان معا، قال البناني: وفيه نظر، فإن المال المسروق محترم بالنسبة للثاني أيضا. انتهى. والسرقة محرمة كتابا وسنة وإجماعا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية، وقال ﷺ : (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده) (١).
تَنْبيهَاتٌ: الأوَّلُ: اعلم أنه أساء المعري حيث قال:
يد بخمس مئين عسجدا فديت … ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت به … فنستعيذ ببارينا من النار
أعني أنه أساء في قوله تناقض وأجابه القاضي عبد الوهاب بجواب بديع فقال:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها … ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
ويروى بدله:
وقاية النفس أغلاها وأرخَصَها … صيانةُ المال فافهم حكمة الباري
ويأتي تفسير هذين البيتين عند قوله: "شرعا".
الثَّاني: قال عياض: أخذ المال بغير حق على ضروب عشرة:
١ - حرابة،
٢ - وغيلة،
٣ - وغصب،
٤ - وقهر،
٥ - وخيانة،
٦ - وسرقة،
٧ - واختلاس،
٨ - وخديعة،
٩ - وتعد،
١٠ - وجحد.
واسم الغصب يطلق على ذلك كله في اللغة، فالحرابة كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة، والغيلة ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة ليأخذ ماله، وحكمه حكم الحرابة، والغصب ما أخذه ذو القدرة والسلطان، والقهر نحو
стр. 8982
منه إلا أنه يكون من ذي القوة في جسمه للضعيف ومن الجماعة للواحد، والخيانة كل ما كان لآخذه قبله أمانة أو يد، والسرقة ما أخذ على وجه الاختفاء، والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه على غفلة ومرَّ آخِذُه بسرعة والخديعة كل ما أخذ بحيلة كالتشبه بصاحب الحق أو الوديعة والمتزيّي بزيّ الصلاح والفقر ليأكل بذلك، والجحد إنكار ما تقرر في ذمة الجاحد في أمانته وهو نوع من الخيانة، والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبه. انتهى. نقله أبو الحسن.
الثالث: اعلم أن أركان السرقة ثلاثة الشيء المسروق والسرقة وهي الإخراج والسارق.
ولم يرى المؤلف [السرقة] (١) بل بدأ بما يترتب عليها فقال: تقطع اليمنى وتحسم بالنار يعني أن المكلف مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو رقيقا ذكرا كان أو أنثى إذا سرق ما يأتي بيانه ويمينه صحيحة تقطع من كوعها إجماعا ولو كان أعسر، فالسنة بينت أن القطع من، الكوع فقد خصصت عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وإذا قطعت اليد فإنها تحسم أي تكوى بالنار لينقطع جريان الدم ليلا يتمادى جريه حتى ينزى فيموت، فإذا احترقت أفواه العروق منع ذلك جري الدم، وكذلك الحكم في الحرابة فالحسم من حق السارق لا من تمام الحد. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: تقطع يد السارق اليمنى من الكوع لأن السنة خصصت عموم الآية، وقدم عقوبتها لقلة الكلام فيها ليتفرغ لفروعها الكثيرة وكثيرا ما يفعله المؤلفون، وتحسم أي تكوى بالنار لينقطع جريان الدم ليلا يتمادى به فيموت، فإذا احترقت أفواه العروق منع ذلك جري الدم والظاهر أنه واجب على الإمام، والمقطوعة يده معا، ففي الأبي عن ابن عرفة: من قطعت يده بحق لا يجوز ترك مداواتها، فإن تركها فهو من معنى قتل النفس، بخلاف قطعها ظلما فله تركها حتى يموت وإثمه على قاطعه. انتهى. والظاهر أن لا يأثم أيضا إن تركها عمدا، وانظر هذا مع قوله: "ووجب إن رجا حياة أو طولها". وفي العمدة لابن عسكر: تحسم بالزيت والمعنى
стр. 8983
واحد؛ لأن الزيت يغلى على النار ثم تجعل اليد فيه، وهل الحسم من تمام الحد أم لا؟ قولان، وظاهر كلام المصنف أنه من تمامه. انتهى.
وقال عبد الباقي: تقطع يد السارق المكلف، مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، اليمنى لمن كوعها كما بينته السنة بسبب عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وتحسم أي تكوى بالنار وجوبا خوف هلاكه، وظاهر المصنف أنه من تمام الحد وليس بمراد. انتهى. ونحوه للخرشي، وقوله: من تمام الحد معناه الحد الذي أمر اللَّه به في شأن السارق، قال عبد الباقي: قال الحطاب: انظر هل الحسم واجب على الإمام أي فإن تركه أثم؟ أو على المقطوعة يده؟ والظاهر أنه يجب عليهما كما أنه يجب على الإمام فيمن قطعت يده ظلما؛ أي كمسألة: "وإن تعمد إمام أو غيره يسراه" كما يأتي؛ أي يغلى زيت ونحسم به لينقطع جريان الدم. التتائي: وظاهره كالجلاب وابن الحاجب والإرشاد وغيرهم ولو كان أعسر وهو كذلك، وعن اللخمي ما يخالفه. انتهى.
أي إن أعسر اليمنى تقطع يده اليسرى، واقتصر عليه في كفاية الطالب وتحقيق المباني والتوضيح والأجهوري، ولم يذكروا مقابلا للخمي، وأما الأضبط فتقطع يمناه اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: تقطع يد السارق اليمنى إجماعا من كوعها، وإنما لم يذكر موضع القطع لشهرته، وبدئ باليمنى لأنها هي المباشرة للمسروق غالبا وتحسم أي تكوف بالنار. وروي أن سارقا سرق شملة، فقال ﵊: (اقطعوه واحسموه) (١)؛ أي لينختم رؤوس العروق. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: تقطع اليمنى من الكوع وتحسم بالنار، قال مالك: تقطع يد السارق ثم يحسم موضع القطع بالنار، وكذا في الرجل؛ في اليد من مفصل الكوع في الرجل من مفصل الكعبين.
إلا لشلل يعني أن محل قطع اليد اليمنى أولا إنما هو حيث لم تكن شلاء، وأما إن كانت اليد اليمنى شلاء فإنها لا تقطع ويأتي بيان ما يقطع حينئذ قريبا إن شاء اللَّه، وقوله: "إلا لشلل"، قال البناني: ظاهره ولو كان ينتفع بها وهو كذلك، خلافا لابن وهب ويقيد ذلك أي قول المصنف
стр. 8984
إلا لشلل بأن يكون الشلل بينا، وأما إن كان شللا خفيفا فإنه لا يمنع القطع. قاله الحطاب. وفي الموازية: إن كان الشلل بينا لا [يقتص] (١) منه لم تقطع. اللخمي: وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع إن كان ينتفع بها، وقال الحطاب: انظر قول اللخمي: ولو كان أعسر قطعت يده اليسرى مع وجود اليمنى: لأنها التي سرقت فإنه غريب ولم أقف عليه لغيره، ونقله ابن غازي ولم يتعقبه ابن عرفة ولا المصنف في التوضيح. انتهى. وقال التتائي: "إلا لشلل" أي فساد فيها، يقال شلت يمينه تشل بالفتح وكذا لو عدمت بسماوي أو قصاص لا بسرقة سابقة. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا لشلل ومن لا يمين له داخل في قوله: "إلا لشلل" لأن المراد بالشلل الفساد، ولو قال: لكشلل ليدخل ما إذا قطعت في قصاص أو بسماوي كان أولى، قال في المدونة: وإن سرق ولا يمين له أوله يمين شلاء قطعت رجله اليسرى. انتهى. وقال عبد الباقي: "إلا لشلل" أي فساد: ومثله قطعها قبل ذلك في قصاص وسقوطها بسماوي لا بسرقة سابقة. قاله التتائي. وتقييده بذلك للخلاف المشار إليه بقوله: "ومحي" إذا ما قطعت بسرقة، يتفق على أنه إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى. انتهى.
أو نقص أكثر الأصابع يعني أنه إذا سرق وكانت يده اليمنى ناقصة أكثر أصابعها فإنه لا تقطع يمناه لأن ذلك كشللها، قوله: "أو نقص أكثر الأصابع" بأن نقصت ثلاثا فأكثر لا إن نقصت إصبعين وأنملتين، قال عبد الباقي: أو نقص أكثر الأصابع ثلاثا لليمنى قبل الحكم بقطعها لا إصبعين وأنملتين. انتهى. فرجله اليسرى يعني أن السارق إذا كان أشل اليد أو ناقص أكثر أصابعها أي اليد اليمنى فإنه لا تقطع يده اليمنى كما عرفت، وإنما تقطع رجله اليسرى. وانظر لو طرأ الشلل. وانظر إذا وجب القطع على الرجل اليسرى فوجدت شلاء أو ناقصة أكثر الأصابع هل ينتقل للرجل اليمنى أو لليد اليسرى أو إلا بعد الحكم بقطعها؟ وقبل القطع هل تقطع نظرا لحال الحكم أم لا؟ الظاهر الأول ويجري مثله فيمن جنى على يد آخر ويده صحيحة وحكم بقطعها ثم شلت. انتهى. وقوله: "فرجله اليسرى" هذا هو المذهب.
стр. 8985
وأخذ به ابن القاسم دون قوله: ومحي ليده اليسرى يعني أن الإمام مالكا أمر بمحو القول الأول الذي هو قطع الرجل اليسرى حيث كانت اليد اليمنى شلاء، وأمر بأن يثبت مكانه أنه تقطع يده اليسرى. قال عبد الباقي: فرجله اليسرى تقطع وهو المذهب وأخذ به ابن القاسم دون قوله: ومحا أي محا مالك أي أمر بمحو القول بقطع رجله اليسرى ليده أي للقول بقطع يده اليسرى، فإن هذا المثبت ضعيف، ولذا رتب المصنف ما يأتي على المحو لكن المحو إنما وقع فيمن لا يمين له أوله يمين شلاء، وقيس عليه ناقصة أكثر الأصابع. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومحي قطع رجله اليسرى ليده اليسرى، اللام للتعليل أتي للقول بقطع يده اليسرى والمحو فيمن لا يمين له أوله [شلاء لكن ابن القاسم إنما سمع المحو فيمن لا يمين له وبلغه ذلك] (١) فيمن له يمين شلاء، والناقصة الأصابع مقيسة على الشلاء والمحو هو المذهب، ولذلك فرع عليه، فقوله: ومحي ضعيف: ولذلك أتى به بصيغة التمريض، والمحو في أربع مسائل أشار لها بعضهم، بقوله:
المحو في الأيمان والأضاحي … وفي كتاب القطع والنكاح
وألحق شيخنا في شرحه بيان الراجح وبيان المحُوِّ والمثبت في مسألة الأضحية، فقال:
والراجح الممحو في اثنتين … قطع وأيمان بغير مين
ثم الذي أثبت في الأضاحي … تأكيد ندب ذبحه يا صاح
والمحو في الأيمان حنثه إذا … لم ينو شيئا وهو قول محتذى
أي مختار وتقدم بيان ذلك. انتهى المراد منه.
قولهما إن المحو إنما وقع فيمن لا يمين له أو له يمين شلاء الخ، قال البناني: هكذا في المدونة على اختصار أبي سعيد، ونصها: إن سرق ولا يمين له أوله يمين شلاء قطعت رجله اليسرى. قاله مالك. ثم عرضتها عليه فمحاها، وقال: تقطع يده اليسرى، وقوله: في الرجل اليسرى أحب
стр. 8986
إلي وبه أقول، وبه اعترض مصطفى على المصنف هنا. وفي التوضيح: لأن ظاهره أن المحو وقع في الشلل والنقص معا، مع أن المدونة لم تذكر في النقص رجوعا ولا محوا ولا خلافا، ونصها: وإن لم يبق من يديه إلا إصبع أو إصبعان قطعت رجله اليسرى. انتهى. وهكذا اللخمي مقتصرا على لفظها على أن ابن مرزوق اعترض أيضا على أبي سعيد في ذكره المحو فيمن لا يمين له، مع أن المحو إنما وقع في الشلل فقط، ونصه ظاهر كلام المصنف أن المحو في الشلل ونقص أكثر الأصابع، وظاهر كلام التهذيب أنه فيمن لا يمين له وفي اليد الشلاء، وليس كذلك فيهما وإنما المحو في الشلل خاصة كما في الأمهات لكن الحكم واحد. انتهى. نقله الشيخ أحمد بابا.
وقد اختصر ابن يونس ما في الأمهات، ونصه: ولو سرق أولا ولا يعين له قطعت رجله اليسرى. قاله مالك. وأخذ به ابن القاسم، ثم قال مالك بعد ذلك: تقطع يده اليسرى، ثم قال مالك: وإن سرق ويده اليمنى شلاء قطعت رجله اليسرى، قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فمحاها وأبى أن يجيب فيها بشيء، ثم بلغني عنه أنه قال: تقطع يده اليسرى وأراه تأول قول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والقول الأول أحب إلي. انتهى. وقد اعترض أبو الحسن على التهذيب بكلام الأمهات وتبعه ابن ناجي، ويرد مثله على ابن عرفة لاقتصاره على لفظ التهذيب. واللَّه الموفق. لكن ذكر ابن ناجي ما يشير إلى الجواب عن كلام التهذيب، ونصه: وليس المراد بالمحو حقيقته، وإنما المراد أنه رجع عن قوله: ولذلك دونه ابن القاسم والناس. انتهى. قُلْتُ: يعكر على ما ذكروا أنهم عدوا الممحوات أربعا هذه إحداها، ولو كان المراد بالمحو مطلق الرجوع لا انحصرت مسائله في ذلك. واللَّه أعلم. انتهى.
ثم يده هذا مرتب على المستثنى فقط دون المستثنى منه، وهو مرتب على الممحو لا على المثبت؛ يعني أن المكلف إذا سرق والحال أنه لا يمين له أو له يمين شلاء أو له يمين ناقصة أكثر الأصابع، فإنه تقطع رجله اليسرى على القول الأول كما عرفت، فإذا سرق بعد قطع رجله اليسرى فإنه تقطع يده اليسرى على هذا القول، ثم إن سرق بعد قطع يده اليسرى تقطع رجله اليمنى، وأما صحيح الأعضاء الأربعة بعد قطع يده اليمنى فإنه إذا سرق بعد ذلك تقطع رجله اليسرى ليكون القطع من خلاف ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، وأما لو سرق ثانية على القول
стр. 8987
المرجوع إليه وهو قطع يده اليسرى، فهل تقطع رجله اليسرى؟ لأنها تقطع ثانية في صحيح الأعضاء، قال الشارح: وهو الظاهر، أو تقطع رجله اليمنى لتحصيل القطع من خلاف؟ قاله عبد الباقي.
فَتَحَصَّلَ من هذا قِسْمَانِ: الأولُ سالم الأعضاء تقطع يده اليمنى ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، القسم الثاني فاقد اليد اليمنى أو أشلها أو ناقص أكثر أصابعها فيه قولان، مَشْهورُهُمَا أنه تقطع رجله اليسرى أولا ثم يده اليسرى ثانيا ثم رجله اليمنى ثالثا، ومُقَابلُ المشهور أنه تقطع يده اليسرى أولا، ثم إن سرق ثانية قطعت رجله اليسرى على ما استظهره الشارح، ولا يخفى على ماللش أنه إذا سرق ثالثة تقطع رجله اليمنى ثم إن سرق سالم الأربعة بعد قطع جميعها بسرقات أربع مرة خامسة، أو سرق الأشل أو ناقص أكثر الأصابع مرة رابعة عُزِّرَ وَحُبسَ باجتهاد الحاكم فيهما، وقال الشارح: يحبس لكف أذاه عن الناس. انتهى. أي أو لظهور توبته كما في أحمد، والظاهر أن نفقته وأجرة الحبس عليه إن كان له مال وإلا فمن بيت المال إن وجد وإلا فعلى المسلمين. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ثم إن سرق الأشل مرة رابعة أو السالم الأعضاء مغ خامسة عزر وحبس لينكف أذاه عن الناس، قال الرزقاني: ولم يبين انتهاء الحبس، ولعل انتهاءه لظهور توبته. انتهى. وهذا يجري فيمن سرق وليس له يدان ولا رجلان أو له ذلك ولكن كل واحدة منهن شلاء أو ناقصة أكثر الأصابع كما ذكره في المدونة، وانظر نفقته وأجرة الحبس على من؟ والظاهر أنها عليه، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال وإلا فعلى المسلمين. انتهى.
وقال التتائي: والقطع في الرجلين من مفصل الكعبين وكذلك الحرابة، وقاله الأئمة لأنه الذي مضى به العمل، وعن علي: من [معقد] (١) الشراك في الرجل ليبقى عقبه يمشي عليه. حكاه في الذخيرة. ثم عزر وحبس كما لو كان أشل اليدين وليس له رجلان، ولا يقتل خلافا لأبي مصعب. انتهى. ولو آخر المصنف قوله: "وتحسم بالنار" إلى هنا ليدل على رجوعه لليد والرجل معا لكان
стр. 8988
أولى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: من سرق ولا يدين له ولا رجلين لم يقطع منه شيء، ولكن يعذب ويحبس ويضمن السرقة وإن كان معدما. انتهى.
وإن تعمد إمام أو غيره يسراه أولا فالقود يعني أنه إذا تعمد إمام أو غيره قطع يد السارق اليسرى بأن علم أن سنة القطع من اليد اليمنى وقطع اليسرى فإن القود يثبت للسارق على من فعل ذلك من إمام أو غيره، والحد باق على السارق أي تقطع يمناه فيقتص له من الإمام أو غيره وتقطع يده اليمنى للسرقة، ولهذا قال: والحد باق قال عبد الباقي: وإن تعمد إمام أو غيره كجلاد قطع يسراه أولا مع علمه بأن سنة القطع في يده اليمنى، فالقود ثابت له على من قطع يده اليسرى ظلما والحد باق على السارق فتقطع يده اليمنى، ومفهوم أولا أن التعمد إن كان في غير أول مرة فكذلك أيضا فمفهوم أولا مفهوم موافقة، فلو حذف قوله: أولا لكان أولى؛ لأنه إذا تعمد إمام أو غيره قطع العضو الذي لم يؤذن في قطعه فإن القود ثابت والحد باق.
وإن كان قطع من ذكر خطأ أي غلطا أجزأ حيث حصل القطع بين عضوين متساويين، فلا تقطع يمينه ولا دية ليده، وقيل له دية يده على من أخطأ فيها إماما أو غيره في ماله، وتقطع يمينه لأن الحد باق لا يزيله قطع يسراه خطأ. قال الرهوني: قال اللخمي: قال مالك: إذا أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود اليمنى أجزأه ولم يقطع يمينه. وقال عبد الملك: لا يجزئه، قال: وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجبه اللَّه فيه وتقطع اليمنى، ويكون عقل الشمال في مال السلطان إن كان هو الذي أخطأ وفي مال القاطع دون عاقلته إن كان هو الذي أخطأ، وإليه رجع مالك. انتهى. ومثله لابن يونس بأتم منه، فإنه قال: ومن المدونة: وإذا أمر القاضي بقطع يد السارق فغلط القاطع فقطع يسراه أجزأه ولا يقطع يمينه ولا شيء على القاطع.
محمد بن يونس: قال أشهب: وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب. ابن حبيب: وقاله مطرف عن مالك ولا شيء على القاطع ولا على الإمام، وقال ابن الماجشون: وليس خطأ الإمام والقاطع مما يزيل القطع عن اليد التي أمر اللَّه تعالى بقطعها، وليقطع يمين السارق ويكون عقل يساره في مال الإمام خاصة إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ. ابن حبيب: وبالأول أقول وإليه ذهب المصريون. انتهى. وفي المنتقى: ولو أخطأ الذي قطعه فقطع يده
стр. 8989
اليسرى أولا، فقد قال مالك: يجزئ ذلك عنه، فإن سرق ثانية إلى آخر كلامه الآتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
تنبيه: قال عبد الباقي: وخطأ ولو بتدليس السارق على القاطع أجزأ حيث حصل القطع بين عضوين متساويين، وأما لو أخطأ فقطع الرجل فقد وجب قطع اليد فلا يجزئ ويقطع العضو الذي ترتب عليه القطع ويودي دية الآخر، ومحله أيضا إذا كان المخطئ هو الإمام أو مأموره، وأما لو كان الخطأ من أجنبي فلا يجزئ والحد باق وعلى القاطع الدية، وقول الشارح: والإجزاء في كلام المصنف يدل على أن البداءة باليمنى مستحبة فيه نظر؛ لأن البداءة باليمنى واجبة وإنما منع منه مانع وهو قطع اليسرى خطأ. انتهى.
قوله: ولو بتدليس السارق، انظر ما مستنده في ترجيح هذا مع أن الأجهوري إنما قال ما نصه: والمسألة فيها قولان ولم أر ترجيح أحدهما على الآخر. انتهى. قلت: كلام اللخمي يفيد أنه رجح مقابل ما اقتصر عليه الزرقاني، ونصه: وقال في كتاب محمد: إذا دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه، وعلى ما عند ابن حبيب لا يجزئه، فعلى القول أنه يجزئه تكون البداءة باليمنى مستحبة، وعلى القول أنه لا يجزئه هو مستحق وهو أحسن؛ لأن النبي ﷺ بدأ باليمين، ومحمل ذلك على وجه البيان لما في القرآن حتى يقع دليل على خلافه. انتهى. ويرجحه أيضا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود. واللَّه أعلم.
وقوله: فرجله اليمنى مفرع على قوله: "وخطأ أجزأ" يعني أن الإمام أو غيره إذا قطع يد الشارق خطأ وقلنا بالإجزاء، فإذا سرق مرة ثانية فإنه تقطع رجله اليمنى ليكون القطع من خلاف، فإن سرق مرة ثالثة فتقطع يده اليمنى، فإن سرق مرة رابعة فرجله اليسرى. بسرقة طفل متعلق بتقطع ويرجع أيضا لجميع مسائل القطع؛ يعني أن قطع اليمنى إلى آخر ما مر يثبت بسبب سرقة طفل حر. قال عبد الباقي: وقطع اليمنى إلى آخر ما مر بسرقة طفل حر يخدع أو مجنون انتفع بكل أم لا، وقال الخرشي: بسرقة من لا يعقل لصغر أو بله أو كبر. انتهى. وقال الشبراخيتي: "بسرقة
стр. 8990
طفل" الباء سببية لاباء الآلة؛ لأن باء الآلة ما توسط بين الفاعل ومنفعله القريب، وقوله: "طفل" أي حر؛ لأن العبد مال وسيأتي، ويجب تقييده بكلام ابن عرفة وغيره بكونه لا يعقل ما يراد به. انتهى. بسرقة طفل لا يعقل ما يراد منه.
من حرز مثله يعني أنه يشترط في قطع السارق للطفل أن يكون أخذ من حرز مثله، كدار أهله أو مع خادمه الحافظ له، وسواء كان الطفل ذكرا أو أنثى، فإن كان كبيرا فصيحا أو لم يكن في حرز مثله فلا قطع على سارقه. قال المواق: ابن شأس: الركن الأول المسروق، ثم قال: وهو مال وغير مال، فأما غير المال فهو الحر الصغير الخ، وقال التتائي: من حرز مثله كدار أهله وبه قال الفقهاء السبعة، وكذا لو كان مع خادمه الحافظ له، واستشكل اللخمي كون الدار حرزا له إلا أن يقصد بها حفظ إلا أن يكون البلد يخشى فيها سرقة الأطفال يريد كوقتنا هذا بمصر، وأن يقصد بكونه في الدار حفظه وقيدنا الطفل بالحر لأنه سيذكر سرقة العبد. انتهى.
أو ربع دينار يعني أنه إذا كان المسروق ذهبا فإنه يشترط في القطع أن يكون ذلك المسروق ربع دينار فأكثر؛ أي ربع دينار شرعي. قال عبد الباقي: وهو أكبر من المصري والربع بالوزن لا بالقيمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ربع دينار من المذهب، وإنما قدم النوع الأول اهتماما به لكونه ليس من جنس الأموال، فيتوهم فيه عدم القطع. انتهى. وقوله: "أو ربع دينار". لا أقل وإن ساوى ثلاثة دراهم كما مر.
أو ثلاثة دراهم يعني أنه إذا كان المسروق فضة فإنه يشترط في القطع أن يكون المسروق ثلاثة دراهم شرعية أي وزنها، وإن لم يكن مسكوكا فليس المراد خصوص المسكوك من ذهب أو فضة، بل المراد وزن ما ذكر. قال عبد الباقي: أو ثلاثة دراهم شرعية كأقل منها إن كانت القلة لاختلاف الموازين والتعامل بالوزن، فإن نقصت لغير اختلاف الموازين لم يقطع، كإن تُعُومِلَ بالعدد ولم يَرُج الناقص المسروق ككاملة اختلفت بها الموازين أم لا، فإن راج ككاملة قطع فمفهوم المصنف القطع في صورتين وعدمه في باقيها، ولم يجر التفصيل المذكور في ربع دينار لعدم حصول التعامل به غالبا.
стр. 8991
ووصف الدراهم بقوله: خالصة من الغش مع أنه يشترط ذلك في ربع دينار. انتهى. ورجعه الشبراخيتي لربع دينار وللدراهم وهو ظاهر لا مانع منه، فإنه قال: وثلاثة دراهم فضة ولا التفات إلى كونها لا تساوي ربع دينار، وسواء كانت لواحد أو اثنين خالصة من الغش بنُحاس. فقوله: "خالصة" مقابل مغشوشة لا مقابل ردية وهو حال من "ربع دينار وثلاثة دراهم"؛ أي حال كون المذكورات الأربع خالصة من الغش ولو كانت ردية المعدن، فإن لم تكن خالصة فلا قطع وإن راجت برواج الكاملة.
وَاعْلَم أنه إن كان المسروق من المذهب أقل من ربع دينار والمسروق من الفضة أقل من ثلاثة دراهم، فإن كان التعامل بهما وزنا نظر للنقص في كل، فإن كان مما تختلف فيه الموازين فإنه بمنزلة الكامل، وإن كان مما لا تختلف فيه الموازين فلا قطع، وأما إن كان التعامل عَدَدًا وَهُو في الدراهم فقط فإن لم ترج رواج الكاملة فلا قطع مطلقا، وإن راجت رواج الكاملة فإن كان النقص يسيرا تختلف به الموازين قطع وإلا فلا. انتهى. ورجع التتائي أيضا قوله: "خالصة" للذهب والفضة، فإنه قال: خالصة من الغش بكنحاس وتبع في اشتراط الخلوص ابن رشد لقوله في مقدماته: سواء كان المذهب والفضة طيبين أوْ دَنِيَّينِ، إلا أن يكونا مغشوشين بالنحاس فلا قطع في النصاب منهما، إلا أن يكون النحاس الذي فيهما يسيرا. انتهى. وظاهر كلام المصنف وشارحيه أن الخلوص يختص بالدراهم، ولم يشترط ابن الجلاب وابن الحاجب وصاحب الإرشاد وكثير خلوصها وهو ظاهر قول ابن المواز وما اعْتُبرَ فيه النصاب من ذهب أو ورق، فإنما ينظر لوزنه دنِيًّا أو جيدا نقرة أو تبرا، ونبه المصنف بقوله: "ثلاثة دراهم" على خلاف الشافعي في أن النصاب ربع دينار وتقوم الدراهم بالذهب، وعلى خلاف أبي حنيفة في أنه عشرة دراهم. انتهى.
أو ما يساويها يعني أنه إذا كان المسروق غير عين فإنه يعتبر فيه أن تبلغ قيمته ثلاثة دراهم خالصة وإن لم يبلغ قيمته ربع دينار، قال عبد الباقي: أو ما أي عرض ولو عبدا يساويها أي الثلاثة دراهم وقت إخراجه من حرزه لا قبله أو بعده، فإن نقصت بعده كذبح شاة بحرز أو خَرق ثوب بحرزه فنقص عند الإخراج لم يقطع، كإن لم يساوها إلا بعد الإخراج لطُرُوِّ غلو. انتهى. بالبلد متعلق "بيساويها" يعني أنه تعتبر مساواة العرض المسروق لثلاثة درهم ببلد المسروق، فإذا
стр. 8992
كانت قيمته في البلد الذي سرق فيه تبلغ ثلاثة دراهم فأكثر قطع، فإن لم تبلغها لم يقطع. وقوله: "أو ما يساويها بالبلد" سواء كانت معاملتهم بالدنانير أو بالدراهم أو بالعروض أو بها أغلب.
شرعا يعني أنه يعتبر في قطع من سرق المساوي لثلاثة دراهم أن تكون منفعته معتبرة شرعا، فمن سرق حماما عرف بالسبق أو طائرا عرف بالإجابة إذا دُعِيَ فإنه لا يراعى إلا قيمته على أنه ليس فيه ذلك لأن ذلك من اللعب والباطل، قال عبد الباقي: ويعتبر تقويم المساوي شرعا فلا قطع في سرقة آلة لهو تساويه وخشبتها بدونه لا تساويه، وما ذكره المصنف من أن التقويم بالدراهم لا بالدنانير هو المشهور كما في ابن مرزوق، ومن وافقه وهو واضح حيث كان يتعامل بالدراهم في بلد السرقة أو كانت موجودة فيه وإن لم يتعامل بها، فإن لم توجد ولم يتعامل إلا بالذهب فالتقويم حينئذ بالذهب كذا ينبغي، فإن لم يتعامل فيها إلا بالعرض كالودع ببلد السودان قوم العرض المسروق في أقرب البلاد المتعامل فيها بالدراهم. قال عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية: ابن رشد: وهو خطأ صُرَاحٌ لاحتمال كساد السلعة ببلد السرقة حيث لا تساوي ثلاثة دراهم بها وتساوي في غيرها أكثر فَيُؤَدِّي للقطع في أقل من نصاب، قال ابن مرزوق: وسلمت له هذه التخطئة وفيها نظر: بل الصواب ما قاله هذا الشيخ؛ لأن الضرورة داعية لذلك ونظيره اعتبار قيمة جزاء الصيد في أقرب موضع لمحل التكلف إن لم تكن له قيمة في محله. انتهى باختصار. ويكفي التقويم من واحد إن كان موجها من القاضي لأنه من باب الخبر لا الشهادة، وإلا فلا بد من اثنين ويقطع بشهادتهما، وإن خولفا بأن قال غيرهما لا يساويها كما ذكره التتائي عند قول المصنف في باب الشرب مع أنه كان مقتضى درء الحد بالشبهات عدمه في البابين، لكن النص متبع لأن المثبت مقدم على النافي. قال ابن مرزوق: وإنما لم يقوم الذهب والفضة بغيرهما لأن في الحديث القطع بربع دينار فلا ينظر قيمته وإنما ينظر لوزنه. وقطع ﵊ فيما قيمته ثلاثة دراهم، ففي نفس الثلاثة أحرى لأن الذهب والفضة أثمان الأشياء وقيمة المتلفات ووزنها قيمتها فلا تقوم. انتهى. ويجب القطع أيضا في المجمع منهما أو من أحدهما مع عرض، وسواء سرقه من شخص أو شخصين وكان مالهما بحرز واحد وإلا لم يقطع. انتهى.
стр. 8993
وإيضَاحُ قول المصنف: "أو ما يساويها" شرعا أن تقول يقطع المكلف بمسرقته ما يساوي ثلاثة دراهم أي يقوم بها، ولا بد أن تكون القيمة شرعية بأن تبلغ قيمته ثلاثة دراهم باعتبار التقويم الشرعي أي التقويم الذي يعتبره الشرع، لا آلة لهو لأنها لا تبلغ ثلاثة دراهم إلا باعتبار اللهو بها، ولهذا لو كانت خشبة اللهو تساوي ثلاثة دراهم بدون اللهو بها فإنه يقطع. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "شرعا" الظاهر أنه منصوب بنزع الخافض أي في الشرع أو على أنه نائب عن المصدر أي ما يساويها مساواة شرع أي مساواة يعتبرها الشرع هذا ما ظهر لي. وقال الشبراخيتي: إن قوله "شرعا" تمييز. واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات: الأول: قوله: "أو ما يساويها" قال في المدونة: يقومها أهل العدل والنظر، قال: إن اجتمع عدلان بصيران على أن قيمتها ثلاثة دراهم قطع ولا يقطع بتقويم رجل واحد. انتهى. معناه في الاختيار لا أنه لا يجوز إلا ذلك لأن كل ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فالواحد يجزئ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، ولمالك: إن قومت بثلاثة دراهم وبدونها لم يقطع.
الثاني: قد مر سؤال المعري، الفرع بين إلزام الجاني على اليد خمس مائة دينار وقطعها في ربع دينار، بقوله:
يد بخمس مئين عسجدا لخ
ومَرَّ جواب القاضي عبد الوهاب له بقوله:
وقاية النفس أغلاها وأرخصها … صيانة المال فافهم حكمة الباري
ويروى: عز الأمانة الخ، قال التتائي: ونحوه للشبراخيتي، أشار ﵀ إلى أن الشارع لو لم بقطعها إلا في خمس مائة دينار لأفسد السراق أموال الناس بأن يسرقوا دون ذلك دائما حتى لا يقطعوا، ولو لم يحصل في الجناية عليها إلا ربع دينار لتجرأ الجناة على قطعها لقلة الدية، فالصيانة هي العلة في الموضعين وهي الموجبة للحكمين المتضادين، ومثله يسمى جمع المفترق وهو كون الشيء يوجب أمرين متضادين. انتهى.
стр. 8994
الثالث: وقع في الشبراخيتي في النسخة التي بيدي ما نصه: وإذا لم يتعامل في البلد إلا بالعروض فلا قطع على السارق ولا يقوم في أقرب البلاد التي يتعامل فيها بالدراهم. انتهى. وقضية هذا الكلام أو صريحهُ أنه إذا سرق عرضا نفيسا له قيمة عظيمة والبلد الذي سرقه فيه لا دراهم فيه ولا دينار فإنه لا يقطع، والظاهر أن هذا الكلام مصحف وأن هذا لا يقوله أحد. واللَّه أعلم.
الرابع: قد مر قول عبد الباقي: إن لم يتعامل إلا بالذهب فالتقويم بالذهب كذا ينبغي، قال عليه محمد بن الحسن البناني: بل ظاهر كلامهم على مذهب المدونة أن التقويم لا يكون إلا بالدراهم ولو عدمت. انتهى. وقول عبد الباقي: ويعمل بشهادتهما وإن خولفا الخ، قد مر أنه مذهب المدونة، وقد مر كلام ابن رشد عليها. واللَّه تعالى أعلم.
الخامس: قال المواق عند قول المصنف "شرعا" ما نصه: ابن عرفة: المعتبر في المقوم منفعته المباحة في الموازية: من سرق حماما عرف بالسبق أو طائرا عرف بالإجابة إذا دُعِيَ فأحب إليَّ أن لا يراعى إلا قيمته على أنه ليس ذلك فيه لأن ذلك من اللعب والباطل. ابن عرفة: والأظهر في الطيور المتخذة لسماع أصواتها لغو حسن أصواتها في تقويمها. انتهى. انظر هل هذا فرع جواز سجنها لذلك؟ وكان سيدي ابن سراج ﵀ يتوقف في ذلك. ومن نوازل البرزلي: خصاء الغنم للسمن والبقر للحرث جائز كما لم يمنع الأطفال [من اللعب] (١) بالحيوان، وقد قال النبي ﷺ : (يا أبا عمير ما فعل النغير) (٢)؟ وكره خصاء الخيل وحرم خصاء الآدمي. انتهى.
وإن كماء مبالغة في القطع لمن سرق ما يساوي ثلاثة دراهم؛ يعني أنه إذا سرق ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض فإنه يقطع كما عرفت ولا فرق في ذلك بين ما أصله الإباحة كماء وحطب وكلإ وزرنيخ وملح وحجارة إذا حيزت وفاكهة خضراء وما ليس كذلك، خلافا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة وفي الأشياء الرطبة المأكولة كالفاكهة. انظر التتائي. وقال الشبراخيتي:
стр. 8995
وإن كان المسروق المساوي لها مباح الأصل لا يملكه إلا بعد حوزه، كماء وحطب وكلإ وزرنيخ وحجارة إذا حيزت. قال في المقدمات: والقطع في كل ما يتمول ويجوز بيعه سواء كان مباحا أم لا، يسرع فساده أم لا، خلافا لأبي حنيفة فيهما وللشافعي في الأول. انتهى. وكذا الفاكهة الخضراء خلافا لأبي حنيفة أيضا. انتهى.
وقال عبد الباقي: ثم بالغ على القطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، وإن كان محتقرا في نظر الناس لعموم الآية: فقال: وإن كماء أو حطب أو نحو ذلك مما أصله مباح للناس لأنه متمول ويجوز بيعه. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: يعني أن من سرق من الماء أو من الحطب أو من غير ذلك مما هو مباح في الأصل ويملكه بوضع اليد عليه وأخرج من حرز مثله ما يساوي ثلاثة دراهم خالصة فإنه يقطع لعموم الآية، خلافا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة، وفي الأشياء الرطبة المأكولة كالفاكهة ونحوها. انتهى.
أو جارح يعني أن من سرق جارحا يساوي لأجل تعليمه الصيد ثلاثة دراهم يقطع، قال الشبراخيتي: ويقطع في سرقة جارح غير كلب من طير أو سبع كنمر وفهد يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه أي لأجل تعليمه المسك لصاحبه أو لحمل الكتب للبلدان لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل. انتهى. وقال عبد الباقي: أو جارح طير أو سبع يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه الصيد لأنه منفعة شرعية، فإن لم يكن معلما قطع سارق الطير إن كانت قيمة لحمه فقط، أو هو مع ريشه [أو ريشه] (١) فقط نصابا، ولا يقطع سارق السبع إلا إن كانت قيمة جلده بعد تذكيته نصابا، ولا يراعي قيمة لحمه وإن كان غير محرم نظرا لكراهته أو مراعاة للقول بحرمته، وسارق جلده فقط يقطع إن ساوى ثلاثة دراهم وسارق لحمه فقط لا يقطع وإن ساواها كما مر كذا يفيده النقل. انتهى منه بجعل تذكيته مكان دبغه (٢) لما في المدونة، وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها إذا سرقها، فإن كانت قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع لأن
стр. 8996
لصاحبها بيع جلودها. انتهى منها بلفظها. على نقل الرهوني. وقال المواق من المدونة: من سرق شيئا من سباع الطير بازا أو غيره قطع، وكذلك غير سباعه لأن الجميع يؤكل، وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. قال محمد: إذا سرق من سباع الطير المعلمة فينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك، وقال أشهب: إنه يقوم ذلك كله بغير ما فيه من ذلك، كان بازيا أو معلما أو غيره وهو نحو قول مالك في أداء المحرم إياه إذا قتله، قال في المدونة: من سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي ﷺ حَرَّمَ ثمنه) (١). انتهى.
اللخمي: إن كان القصد من الحمام ليأتي بالأخبار لا اللعب قُوِّمَ على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه، وتَبلغُ المكاتبة إليه. ابن عرفة: هذا دليل تعليل محمد إن كان بازيا أو طيرا معلما يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأنه ليس من الباطل. انتهى. وقال التتائي: وتقطع اليد في سرقة جارح يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه أي لأجل تعليمه المسك لصاحبه لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل. وأشار بذلك إلى دخول المعاني في التقويم فيلزم عليه القطع بموضع دون آخر. أشهب: يقوم على أنه غير معلم. اللخمي: والأول أحسن. انتهى. وقوله: "أو جارح لتعليمه" عطف على قوله: "كماء" فهو في حيز المبالغة، ورد بها قول أشهب: تعتبر قيمته هو في نفسه دون تعليمه. واللَّه تعالى أعلم.
أو جلده بعد ذبحه قوله: "أو جلده" عطف على تعليمه، والضمير يرجع لأحد ما صدق عليه جارح وهو السبع لا الطائر؛ يعني أنه إذا سرق سبعا يساوي لجلده بعد ذبحه ثلاثة دراهم فإنه يقطع، والْحَاصِلُ أن الجارح السبع إنما ينظر فيه لأمرين فيكتفى بأحدهما وأحرى لو اجتمعا، أَحَدُهُمَا: إذا ساوى لتعليمه ثلاثة دراهم فإنه يقطع والحال أنه لم يساوها لجلده فقط وإنما ساواها لتعليمه، ثانيهما: لم يكن معلما وساوى ثلاثة دراهم لجلده بعد ذبحه وأن الجارح الطائر يقطع من سرقه حيث كانت قيمة لحمه نصابا أو قيمة لحمه مع ريشه فقط نصابا حيث لم يكن معلما،
стр. 8997
فإن كان معلما وساوى نصابا باعتبار ذلك قطع. واللَّه تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي: اعلم أنه إذا كان كل واحد من الطير والسبع لا يساوي نصابا إلا بتعليمه فإنه يقطع سارقه، وأما إن كان كل منهما ليس فيه تعليم فإنه يقطع سارق الطير إن كانت قيمة لحمه فقط أو هو مع ريشه أو ريشه [فقط] (١) نصابا ولا يقطع سارق السبع إلا إذا كانت قيمة جلده بعد ذبحه نصابا ولا يراعى قيمة لحمه. هكذا يفيده النقل. انتهى المراد منه.
وعُلِمَ مما قررت أن قوله: "أو جارح لتعليمه أو جلده بعد ذبحه" لا يتناول الكلب، فإن من سرق كلبا ولو مأذونا في اتخاذه لا قطع عليه كما يأتي. واللَّه تعالى أعلم والظاهر أن المصنف رد بالمبالغة بالنسبة للجلد تقييد أبي عمران للمدونة، حيث قالت: وأما سباع الوحش التي لا يؤكل لحمها إذا سرقها رجل، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. انتهى. فإن ظاهرها أنه لا فرق بين العادية وغيرها، وقيدها أبو عمران بالسباع العادية التي تراد. لأجل جلودها، وأما التي لا تعدو كالهر فإنه يقطع سارقها. انتهى.
أو جلد ميتة يعني أن من سرق جلد ميتة مدبوغا يقطع، بشرط أشار إليه بقوله: إن زاد دبغه نصابا يعني أنه إنما يقطع من سرق جلد الميتة المدبوغ حيث زادت صنعة الدبغ فيه نصابا أي ثلاثة دراهم، هذا قول المدونة. وقال أبو عمران: يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به، فإذا قيل درهمان فيقال وما قيمته مدبوغا، فإذا قيل خمسة قطع. وقرر الخرشي وعبد الباقي المصنف بقول أبي عمران، ولفظ الخرشي: وكذلك يقطع من سرق جلد ميتة إن كان مدبوغا وزاد دبغه على قيمة أصله ثلاثة دراهم؛ كأن يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة دراهم قطع، فلو كانت قيمته أن لو كان يباع للانتفاع به مائة درهم مثلا ولم يزده الدبغ نصابا فلا قطع، كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى.
стр. 8998
وقال عبد الباقي: أو جلد ميتة مأكولا أو غيره يقطع سارقه بعد الدبغ إن زاد دبغه على قيمة أصله نصابا، بأن يقال: ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة قطع، فإن لم يزده دبغه نصابا لم يقطع سارقه كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال: وفهم منه أنه لا قطع فيه قبل دبغه وهو كذلك، ولو قال: إن زاده دبغه نصابا لكان أظهر في إفادة المراد. انتهى. قال البناني: هذا التقويم نسبه التوضيح وابن عرفة لأبي عمران، وهو مخالف لظاهر قول ابن الحاجب المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع، قال في التوضيح: وهو ظاهر المدونة، وعلى ذلك فهمها صاحب البيان. انتهى. وقال ابن عرفة: الباجي: لا قطع في جلد ميتة لم يدبغ، وأما المدبوغ فقيل إن كانت قيمة ما فيه من الصنعة ثلاثة دراهم قطع. ابن عرفة: هذا قول المدونة وفي تعلقة أبي عمران في قيمة الدبغ، قال: يقال ما قيمته أن لو جاز بيعه للانتفاع وما قيمته مدبوغا؟ وما زاد فهو قيمة الدبغ. ابن عرفة: ظاهر لفظ المدونة أن يقال: ما قيمة دبغه؟ فتأمله. انتهى.
قال في التوضيح أبو عمران: وينظر إلى قيمته يوم دبغ ولا ينظر إلى ما ذهب منه بمرور الأيام؛ لأن الدباغ هو الذي أجاز للناس الانتفاع به، واختار اللخمي النظر إلى قيمته يوم سرق وهو أظهر. انتهى. وقال في الميسر: أو جلد ميتة بعد دبغه لا قبله إن زاد دبغه نصابا يقوم يوم سرق لا يوم دبغه، فيقوم نيا لو جاز بيعه ويقوم مدبوغا، فإن زادت قيمته الثانية على الأولى نصابا قطع وإلا فلا. كذا في التوضيح عن أبي عمران. وفيها: فإن كانت قيمة ما فيه الصنعة دون الجلد ثلاثة دراهم قطع، وَاسْتَشْكَلَهُ في البيان بأنها مستهلكة في الجلد لا تمكن أن تنفصل عنه. نقله في التوضيح. انتهى. يعني أن القياس عند ابن رشد أنه لا قطع في سرقة جلد الميتة لأنه لا يباع. انتهى. وقوله: "أو جلد ميتة" الخ هو عطف على المبالغ عليه، ورد بالمبالغة القول بأنه لا قطع فيه لأنه لا يباع، والقول بأنه يقطع من غير اعتبار الشرط وهو قوله: "إن زاد دبغه نصابا"، قال ابن الحاجب: وفي جلد الميتة بعد الدبغ ثالثها المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع. التوضيح: وأما قبله فلا قطع فيه. قاله في المدونة. انتهى.
стр. 8999
أو ظنه فلوسا الضمير في "ظنه" للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني؛ يعني أنه إذا سرق شيئا يظنه فلوسا لا تبلغ النصاب فإذا هو ذهب أو فضة نصابا فإنه يقطع، قال التتائي: وقد تبين لك مما قررنا أن ضمير ظنه للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني، فلا بد أن يكون المسروق غير فلوس ذهبا أو فضة. انتهى. أو ظنه أي ربع دينار أو ثلاثة دراهم فلوسا نحاسا فإذا هو أحدهما فيقطع، ولا يعذر بظنه فإن تحقق ما ظنه السارق من الفلوس النحاس لم يقطع ولو على القول بجريها مجرى النقود إلا أن تبلغ قيمتها نصابا. انتهى. وقوله: "أو ظنه" كذا في عبد الباقي بصيغة الماضي المبني للفاعل، وفي نسخة الشبراخيتي: أو ظنا بصيغة الماضي المبني للمفعول، فإنه قال: قال في الحاشية: قوله: "أو ظنا" أي الربع دينار والثلاثة دراهم أو الذهب والفضة فالألف هو المفعول الأول وفلوسا هو المفعول الثاني. انتهى المراد منه. وقوله: "أو ظنه فلوسا" قال في التوضيح: مسألة الفلوس ذكرها ابن شأس. انتهى.
أو الثوب فارغا يعني أنه إذا سرق ثوبا لا يساوي نصابا وقد ظنه فارغا أي ليس فيه شيء فإذا فيه نصاب، فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو ظن الثوب المسروق الذي لا يساوي نصابا فارغا فإذا فيه نصاب قطع إن كان مثله يجعل فيه نصاب، لا إن كان خَلَقا، ولا إن سرق خشبة أو حجرا يظنه فارغا فإذا فيه نصاب فلا يقطع؛ لأن مثل ذلك لا يحمل فيه ذلك إلا أن تكون قيمة تلك الخشبة تساوي نصابا فيقطع في قيمتها دون ما فيها، ومثل الثوب العصا المفضضة بما يعدل ثلاثة دراهم حيث سرقت نهارا من محل غير مظلم لا من مظلم أو ليلا. وَالْفَرْقُ بين ظن المسروق فلوسا وبين العصا المفضضة حيث لا قطع فيها من ظلام أو ليل أن ذاتها دون نصاب وذات المسروق المظنون فلوسا نصاب، والفرق بين ظن الثوب فارغا وبين العصا غير المفضضة لا قطع فيها أن الثوب جرى العرف بوضع ما وضع فيه، بخلاف العصا. انتهى.
وقال البناني: ابن عرفة: وفيها: من سرق ثوبا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه دنانير أو دراهم مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه، قال مالك: أما الثوب وشبهه مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله فإنه يقطع، وإن سرق شيئا لا يرفع ذلك فيه كالحجر والخشبة والعصا لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من ذهب أو فضة. اللخمي: قوله: في الثوب مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله يريد مثل
стр. 9000
المصر وشبهه، ولو كان قميصا خَلَقا وقال لم أعلم بما فيه حلف ولم يقطع لَيْلًا أخذه أو نهارا، ويصدق في العصا إن أخذه ليلا لا نهارا لأنه لا يخفى إلا أن يكون أخرجها من مكان مظلم. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولو سرق دنانير ظنها فلوسا أو ثوبا دون النصاب فيه دراهم أو دنانير لا يشعر بها قطع، بخلاف خشبة أو حجر فيها ذلك. انتهى.
التوضيح: بين بهذا أن المعتبر إخراج النصاب إذا كان معتادا، ومسألة الفلوس ذكرها ابن شأس، وبقية كلام المصنف في المدونة. وقيد اللخمي الثوب، فقال: إنما هذا في المصر وشبهه، وأما لو كان قميصا خلقا وقال لم أعلم بما فيه لكانت شبهة يحلف، ويدرأ عنه القطع ليلا أو نهارا، ونص في العتبية على أن الفرش والمخدة والمرفقة إذا كان فيهن ذهب يقطع، وحكى في البيان الاتفاق على ذلك. اللخمي: وأما العصا فإنما يصدق إذا أخبره ليلا ولا يصدق إذا كان نهارا لأنه لا يخفى إلا أَن يَكُونَ أخرجها من مكان مظلم، ولو كان المذهب قد نقر له في خشبة لصدق أخرجه ليلا أو نهارا. ولأصبغ فيمن سرق ليلا عصا مما لا يفضض وفيها فضة ظاهرة ثلاثة دراهم فأكثر، فإن رأى أنه لم ينظر الفضة فلا قطع عليه إلا أن يكون ثمنها ثلاثة دراهم. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: أو ظن الثوب المسروق فارغا فإذا فيه نصاب ذهب أو فضة مصرور مثلا قطع. انتهى. قوله: فإذا فيه نصاب نحوه في عبد الباقي وهو الذي في أول الحل، والظاهر بل المتعين أنه إذا كان الثوب بما فيه نصابا فإنه يقطع. واللَّه أعلم.
أو شركة صبي يعني أنه يقطع في سرقة نصاب وإن شاركه فيه صبي أو مجنون، فإذا سرق مكلف وصبي نصابا فإنه يقطع بالشرط الآتي، في قوله: "إن استقل كل" الخ، ولا يمنعه من القطع شركة الصبي معه في السرقة؛ أي فلا يقال إنه لا يقطع لكونه شاركه صبي ومثل الصبي المجنون كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: أو شركة صبي له في سرقة نصاب قطع المكلف وحده. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق نصابا مع شركة صبي له في السرقة فيقطع المكلف فقط، ومثل الصبي المجنون، ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون لعدم نسبة السرقة إليه. انتهى. قوله: ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون الخ، هكذا في كثير من النسخ، ومعناه: ولو كان المجنون هو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحب