لصاحبها بيع جلودها. انتهى منها بلفظها. على نقل الرهوني. وقال المواق من المدونة: من سرق شيئا من سباع الطير بازا أو غيره قطع، وكذلك غير سباعه لأن الجميع يؤكل، وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. قال محمد: إذا سرق من سباع الطير المعلمة فينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك، وقال أشهب: إنه يقوم ذلك كله بغير ما فيه من ذلك، كان بازيا أو معلما أو غيره وهو نحو قول مالك في أداء المحرم إياه إذا قتله، قال في المدونة: من سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي ﷺ حَرَّمَ ثمنه) (١). انتهى.
اللخمي: إن كان القصد من الحمام ليأتي بالأخبار لا اللعب قُوِّمَ على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه، وتَبلغُ المكاتبة إليه. ابن عرفة: هذا دليل تعليل محمد إن كان بازيا أو طيرا معلما يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأنه ليس من الباطل. انتهى. وقال التتائي: وتقطع اليد في سرقة جارح يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه أي لأجل تعليمه المسك لصاحبه لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل. وأشار بذلك إلى دخول المعاني في التقويم فيلزم عليه القطع بموضع دون آخر. أشهب: يقوم على أنه غير معلم. اللخمي: والأول أحسن. انتهى. وقوله: "أو جارح لتعليمه" عطف على قوله: "كماء" فهو في حيز المبالغة، ورد بها قول أشهب: تعتبر قيمته هو في نفسه دون تعليمه. واللَّه تعالى أعلم.
أو جلده بعد ذبحه قوله: "أو جلده" عطف على تعليمه، والضمير يرجع لأحد ما صدق عليه جارح وهو السبع لا الطائر؛ يعني أنه إذا سرق سبعا يساوي لجلده بعد ذبحه ثلاثة دراهم فإنه يقطع، والْحَاصِلُ أن الجارح السبع إنما ينظر فيه لأمرين فيكتفى بأحدهما وأحرى لو اجتمعا، أَحَدُهُمَا: إذا ساوى لتعليمه ثلاثة دراهم فإنه يقطع والحال أنه لم يساوها لجلده فقط وإنما ساواها لتعليمه، ثانيهما: لم يكن معلما وساوى ثلاثة دراهم لجلده بعد ذبحه وأن الجارح الطائر يقطع من سرقه حيث كانت قيمة لحمه نصابا أو قيمة لحمه مع ريشه فقط نصابا حيث لم يكن معلما،
стр. 8997
فإن كان معلما وساوى نصابا باعتبار ذلك قطع. واللَّه تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي: اعلم أنه إذا كان كل واحد من الطير والسبع لا يساوي نصابا إلا بتعليمه فإنه يقطع سارقه، وأما إن كان كل منهما ليس فيه تعليم فإنه يقطع سارق الطير إن كانت قيمة لحمه فقط أو هو مع ريشه أو ريشه [فقط] (١) نصابا ولا يقطع سارق السبع إلا إذا كانت قيمة جلده بعد ذبحه نصابا ولا يراعى قيمة لحمه. هكذا يفيده النقل. انتهى المراد منه.
وعُلِمَ مما قررت أن قوله: "أو جارح لتعليمه أو جلده بعد ذبحه" لا يتناول الكلب، فإن من سرق كلبا ولو مأذونا في اتخاذه لا قطع عليه كما يأتي. واللَّه تعالى أعلم والظاهر أن المصنف رد بالمبالغة بالنسبة للجلد تقييد أبي عمران للمدونة، حيث قالت: وأما سباع الوحش التي لا يؤكل لحمها إذا سرقها رجل، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. انتهى. فإن ظاهرها أنه لا فرق بين العادية وغيرها، وقيدها أبو عمران بالسباع العادية التي تراد. لأجل جلودها، وأما التي لا تعدو كالهر فإنه يقطع سارقها. انتهى.
أو جلد ميتة يعني أن من سرق جلد ميتة مدبوغا يقطع، بشرط أشار إليه بقوله: إن زاد دبغه نصابا يعني أنه إنما يقطع من سرق جلد الميتة المدبوغ حيث زادت صنعة الدبغ فيه نصابا أي ثلاثة دراهم، هذا قول المدونة. وقال أبو عمران: يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به، فإذا قيل درهمان فيقال وما قيمته مدبوغا، فإذا قيل خمسة قطع. وقرر الخرشي وعبد الباقي المصنف بقول أبي عمران، ولفظ الخرشي: وكذلك يقطع من سرق جلد ميتة إن كان مدبوغا وزاد دبغه على قيمة أصله ثلاثة دراهم؛ كأن يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة دراهم قطع، فلو كانت قيمته أن لو كان يباع للانتفاع به مائة درهم مثلا ولم يزده الدبغ نصابا فلا قطع، كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى.
стр. 8998
وقال عبد الباقي: أو جلد ميتة مأكولا أو غيره يقطع سارقه بعد الدبغ إن زاد دبغه على قيمة أصله نصابا، بأن يقال: ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة قطع، فإن لم يزده دبغه نصابا لم يقطع سارقه كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال: وفهم منه أنه لا قطع فيه قبل دبغه وهو كذلك، ولو قال: إن زاده دبغه نصابا لكان أظهر في إفادة المراد. انتهى. قال البناني: هذا التقويم نسبه التوضيح وابن عرفة لأبي عمران، وهو مخالف لظاهر قول ابن الحاجب المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع، قال في التوضيح: وهو ظاهر المدونة، وعلى ذلك فهمها صاحب البيان. انتهى. وقال ابن عرفة: الباجي: لا قطع في جلد ميتة لم يدبغ، وأما المدبوغ فقيل إن كانت قيمة ما فيه من الصنعة ثلاثة دراهم قطع. ابن عرفة: هذا قول المدونة وفي تعلقة أبي عمران في قيمة الدبغ، قال: يقال ما قيمته أن لو جاز بيعه للانتفاع وما قيمته مدبوغا؟ وما زاد فهو قيمة الدبغ. ابن عرفة: ظاهر لفظ المدونة أن يقال: ما قيمة دبغه؟ فتأمله. انتهى.
قال في التوضيح أبو عمران: وينظر إلى قيمته يوم دبغ ولا ينظر إلى ما ذهب منه بمرور الأيام؛ لأن الدباغ هو الذي أجاز للناس الانتفاع به، واختار اللخمي النظر إلى قيمته يوم سرق وهو أظهر. انتهى. وقال في الميسر: أو جلد ميتة بعد دبغه لا قبله إن زاد دبغه نصابا يقوم يوم سرق لا يوم دبغه، فيقوم نيا لو جاز بيعه ويقوم مدبوغا، فإن زادت قيمته الثانية على الأولى نصابا قطع وإلا فلا. كذا في التوضيح عن أبي عمران. وفيها: فإن كانت قيمة ما فيه الصنعة دون الجلد ثلاثة دراهم قطع، وَاسْتَشْكَلَهُ في البيان بأنها مستهلكة في الجلد لا تمكن أن تنفصل عنه. نقله في التوضيح. انتهى. يعني أن القياس عند ابن رشد أنه لا قطع في سرقة جلد الميتة لأنه لا يباع. انتهى. وقوله: "أو جلد ميتة" الخ هو عطف على المبالغ عليه، ورد بالمبالغة القول بأنه لا قطع فيه لأنه لا يباع، والقول بأنه يقطع من غير اعتبار الشرط وهو قوله: "إن زاد دبغه نصابا"، قال ابن الحاجب: وفي جلد الميتة بعد الدبغ ثالثها المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع. التوضيح: وأما قبله فلا قطع فيه. قاله في المدونة. انتهى.
стр. 8999
أو ظنه فلوسا الضمير في "ظنه" للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني؛ يعني أنه إذا سرق شيئا يظنه فلوسا لا تبلغ النصاب فإذا هو ذهب أو فضة نصابا فإنه يقطع، قال التتائي: وقد تبين لك مما قررنا أن ضمير ظنه للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني، فلا بد أن يكون المسروق غير فلوس ذهبا أو فضة. انتهى. أو ظنه أي ربع دينار أو ثلاثة دراهم فلوسا نحاسا فإذا هو أحدهما فيقطع، ولا يعذر بظنه فإن تحقق ما ظنه السارق من الفلوس النحاس لم يقطع ولو على القول بجريها مجرى النقود إلا أن تبلغ قيمتها نصابا. انتهى. وقوله: "أو ظنه" كذا في عبد الباقي بصيغة الماضي المبني للفاعل، وفي نسخة الشبراخيتي: أو ظنا بصيغة الماضي المبني للمفعول، فإنه قال: قال في الحاشية: قوله: "أو ظنا" أي الربع دينار والثلاثة دراهم أو الذهب والفضة فالألف هو المفعول الأول وفلوسا هو المفعول الثاني. انتهى المراد منه. وقوله: "أو ظنه فلوسا" قال في التوضيح: مسألة الفلوس ذكرها ابن شأس. انتهى.
أو الثوب فارغا يعني أنه إذا سرق ثوبا لا يساوي نصابا وقد ظنه فارغا أي ليس فيه شيء فإذا فيه نصاب، فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو ظن الثوب المسروق الذي لا يساوي نصابا فارغا فإذا فيه نصاب قطع إن كان مثله يجعل فيه نصاب، لا إن كان خَلَقا، ولا إن سرق خشبة أو حجرا يظنه فارغا فإذا فيه نصاب فلا يقطع؛ لأن مثل ذلك لا يحمل فيه ذلك إلا أن تكون قيمة تلك الخشبة تساوي نصابا فيقطع في قيمتها دون ما فيها، ومثل الثوب العصا المفضضة بما يعدل ثلاثة دراهم حيث سرقت نهارا من محل غير مظلم لا من مظلم أو ليلا. وَالْفَرْقُ بين ظن المسروق فلوسا وبين العصا المفضضة حيث لا قطع فيها من ظلام أو ليل أن ذاتها دون نصاب وذات المسروق المظنون فلوسا نصاب، والفرق بين ظن الثوب فارغا وبين العصا غير المفضضة لا قطع فيها أن الثوب جرى العرف بوضع ما وضع فيه، بخلاف العصا. انتهى.
وقال البناني: ابن عرفة: وفيها: من سرق ثوبا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه دنانير أو دراهم مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه، قال مالك: أما الثوب وشبهه مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله فإنه يقطع، وإن سرق شيئا لا يرفع ذلك فيه كالحجر والخشبة والعصا لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من ذهب أو فضة. اللخمي: قوله: في الثوب مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله يريد مثل
стр. 9000
المصر وشبهه، ولو كان قميصا خَلَقا وقال لم أعلم بما فيه حلف ولم يقطع لَيْلًا أخذه أو نهارا، ويصدق في العصا إن أخذه ليلا لا نهارا لأنه لا يخفى إلا أن يكون أخرجها من مكان مظلم. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولو سرق دنانير ظنها فلوسا أو ثوبا دون النصاب فيه دراهم أو دنانير لا يشعر بها قطع، بخلاف خشبة أو حجر فيها ذلك. انتهى.
التوضيح: بين بهذا أن المعتبر إخراج النصاب إذا كان معتادا، ومسألة الفلوس ذكرها ابن شأس، وبقية كلام المصنف في المدونة. وقيد اللخمي الثوب، فقال: إنما هذا في المصر وشبهه، وأما لو كان قميصا خلقا وقال لم أعلم بما فيه لكانت شبهة يحلف، ويدرأ عنه القطع ليلا أو نهارا، ونص في العتبية على أن الفرش والمخدة والمرفقة إذا كان فيهن ذهب يقطع، وحكى في البيان الاتفاق على ذلك. اللخمي: وأما العصا فإنما يصدق إذا أخبره ليلا ولا يصدق إذا كان نهارا لأنه لا يخفى إلا أَن يَكُونَ أخرجها من مكان مظلم، ولو كان المذهب قد نقر له في خشبة لصدق أخرجه ليلا أو نهارا. ولأصبغ فيمن سرق ليلا عصا مما لا يفضض وفيها فضة ظاهرة ثلاثة دراهم فأكثر، فإن رأى أنه لم ينظر الفضة فلا قطع عليه إلا أن يكون ثمنها ثلاثة دراهم. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: أو ظن الثوب المسروق فارغا فإذا فيه نصاب ذهب أو فضة مصرور مثلا قطع. انتهى. قوله: فإذا فيه نصاب نحوه في عبد الباقي وهو الذي في أول الحل، والظاهر بل المتعين أنه إذا كان الثوب بما فيه نصابا فإنه يقطع. واللَّه أعلم.
أو شركة صبي يعني أنه يقطع في سرقة نصاب وإن شاركه فيه صبي أو مجنون، فإذا سرق مكلف وصبي نصابا فإنه يقطع بالشرط الآتي، في قوله: "إن استقل كل" الخ، ولا يمنعه من القطع شركة الصبي معه في السرقة؛ أي فلا يقال إنه لا يقطع لكونه شاركه صبي ومثل الصبي المجنون كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: أو شركة صبي له في سرقة نصاب قطع المكلف وحده. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق نصابا مع شركة صبي له في السرقة فيقطع المكلف فقط، ومثل الصبي المجنون، ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون لعدم نسبة السرقة إليه. انتهى. قوله: ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون الخ، هكذا في كثير من النسخ، ومعناه: ولو كان المجنون هو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحب
стр. 9001
السارق أبا صاحب النصاب المسروق. وقوله: "المجنون" بدل من أباه، ولو قال: ولو كان المجنون صاحب النصاب المسروق أو أبا لصاحبه لكان أوضح، ويدل لصحة ما قاله كلام ابن عرفة بعد ذكر حكم شركة الأب وشركة الصبي والمجنون، ونصه: والفرق أن الصبي والمجنون كالعدم، فشرط السرقة موجود وهو الخفية والأب لكونه كابنه ينفي الخفية. انتهى. ولا إشكال أن المجنون كالعدم، ولو كان هو صاحب المال أو أبا له. واللَّه أعلم. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال البناني عند قوله "أو شركة صبي" ما نصه: قال ابن عاشر: اعلم أن القطع يعتبر فيه من الشروط ما يأتي في قوله: "أو اشتركا في حمل إن استقل كل ولم ينبه نصاب"، فلذا لو آخر هذه عن الثانية كما فعل ابن الحاجب كان أحسن، لكنه راعى في جمعه المسائل تناسبها في الحكم. انتهى.
الثاني: قال البناني: يقال شركه في البيع كعلمه شركة بالكسر. قاله في القاموس. انتهى.
لا أب يعني أن الأب إذا اشترك معه في سرقة مال ولده أجنبي فإنه لا قطع على الأجنبي لاشتراكه مع ذي الشبهة، بشرط أن يكون الأب عاقلا. قال عبد الباقي: لا شركة أب أي عاقل، وكذا أم وجد وإن علا ولو لأم لشبهته القوية في المال فلا قطع [على شريكه] (١) لدخوله مع ذي شبهة قوية ولا عليه، ولو سرق من محل حجره الفرع عن أصله كما هو ظاهر كلامه ككلامهم وهو واضح؛ لأن الحجر المذكور لا يقطع شبهته في مال فرعه وظاهره أيضا عدم قطع شريكه ولو نابه نصاب أو أكثر، وإذا كان لا قطع على شريك أب رب المال فأولى شريك رب المال نفسه فيما لم يحجب عنه كما يأتي كما لو سرق مع عبد رب المال من موضع أذن له سيده في دخوله، وأما من موضع لم يؤذن للعبد في دخوله فيقطع المكلف دون العبد؛ لأن درء الحد عن العبد لم يكن للشبهة في المال بل لأنه ماله، فإذا قطع كان زيادة مصيبة على السيد. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن سرق رجل مع صبي أو مجنون ما قيمته ثلاثة دراهم قطع، وإن سرق مع أبي الولد من مال الولد ما قيمته ثلاثة دراهم لم يقطع واحد منهما. انتهى. وقال في الميسر: لا أب وكذا عبده وأجيره
стр. 9002
للخدمة؛ يعني والسرقة من محل مأذون فيه للعبد أو الأجير، بدليل قوله: وفيها إن سرق منك رجل أجنبي مع عبدك أو مع أجيرك الذي ائتمنته على دخول بيتك لم يقطع واحد منهما. انتهى.
ولا طير لإجابته يعني أنه لا يقطع سارق طير يساوي ثلاثة دراهم لأجل إجابته من يدعوه لأنها منفعة غير معتبرة شرعا، وإنما يقطع لو ساوى ثلاثة دراهم فأكثر لتعليمه أو للحمه أو لريشه أو للحمه وريشه كما مر. قال التتائي: ويقوم السمانى والدرة وأبو رزين والغراب الذي يتكلم باعتبار لحمه وحمام السبق. التونسي: يقوم على ما علم منه ليأتي بالأخبار من الموضع الذي يبلغ وتبلغ المكاتبة إليه، لا طير لا يساوي ثلاثة دراهم إلا لإجابته إذا دعي كبعض البلابل أو العصافير إذ ليس غرضا شرعيا. ابن عرفة: والأظهر في الطيور المتخذة لسماع الصوت لغو حسن أصواتها في تقويمها، ولو قدم هذه عند قوله: "جارح لتعليمه" لكان أحسن. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يقطع سارق طائر لإجابته أي مجاوبته، وليس المراد بها ضد الإباية، والمراد يساوي نصابا كالبلابل والعصافير التي تدعى فتجيب، والغراب الذي يتكلم، وأبو رزين إذا كانت لا تساويه إلا لتلك المنفعة لأنها غير شرعية، نعم إن كان للحمه يساوي نصابا قطع، ومثل هذا يجري في مسألة الطنبور الآتية للمصنف. انتهى. وتحصل مما مر أن الطائر إذا كان لا يساوي نصابا إلا لإجابته أي مجاوبته إذا دعي أو لصوته أو لسبقه، فإنه لا قطع لأن ذلك منفعة ملغاة شرعا. واللَّه تعالى أعلم.
ولا إن تكمل بمرار في ليلة يعني أن السارق إذا سرق مرتين أو مرارا في ليلة أو يوم أو في أكثر ولم يتكمل النصاب إلا في مرتين أو أكثر فإنه لا يقطع حيث تعدد قصده، وأما لو اتحد قصده فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب بمرار في ليلة أو يوم حيث تعدد قصده، وأما لو قصد ابتداء أخذ النصاب ولكنه أخذه في مرار فإنه يقطع كما يفيده كلام ابن عرفة في تعريف السرقة، وظاهره سواء كان طعاما أو غيره توالى إخراجه بأن لا يكون بين ذلك فصل أولا طال زمان ذلك أو قصر فهو ست صور. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب من حرز مثله بمرار في ليلة حيث تعدد قصده، فإن قصد ابتداء أخذه ولكنه أخرجه في
стр. 9003
مرار قطع، ويعلم قصد آخذه كله بإقراره أو قرينة، كإخراجه دون نصاب مما وجد مجتمعا في محل واحد من قمح أو متاع، ثم يرجع مرة أو أكثر فيخرج تمام النصاب فيحمل في ذلك على أنه قصد إخراجه مرتين أو أكثر قصدا واحدا، وسواء كان حين إخراج ما أخرجه أولا يقدر على إخراج ما أخرجه فقط أو يقدر على إخراج نصاب كامل، وإن كان الذي في كلام ابن رشد الأول إذ قصد الحيلة في الثاني أظهر. انتهى.
قوله: حيث تعدد قصده الخ هذا على قول ابن رشد في جعله قول سحنون وفاقا لابن القاسم، وذلك لأن ابن القاسم في العتبية، قال: لا قطع على من أخرج النصاب في مرار، قال سحنون: إن كان في فور واحد قطع، فحمله اللخمي على الخلاف لقول ابن القاسم، وحمل ابن رشد قول سحنون على الطعام أو المتاع الذي لا يمكن إخراجه دفعة، قال: لأن ذلك سرقة واحدة، وحمل قول ابن القاسم على أنه إنما عاد مرارا لينظر ما يسرقه سوى ما سرق. انظر التوضيح. وقوله: الذي لا يمكن إخراجه دفعة الخ لا مفهوم له؛ لأنه إذا أمكن إخراجه دفعة فأخرجه شيئا فشيئا كان أحرف في القطع لقوة التهمة في التحيل. انتهى. قاله البناني. قوله: في التحيل أي لأخذ أموال الناس كما في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم.
وقال المواق: سمع أشهب في السارق يجد القمح في البيت فينقل منه قليلا قليلا: لا يقطع فيه ويجتمع منه ما يجب فيه القطع يقطع. ابن رشد: لأنه لا رأى جميعه قصد أخذ جميعه بقصد واحد، وليس بخلاف لسماع أبي زيد. ابن القاسم: إن دخل السارق البيت في ليلة واحدة عشرين مرة يخرج في كل مرة ما لا قطع فيه وفي جميعه ما يجب فيه القطع لا يقطع. ابن عرفة: فالخلاف في هذا خلاف في حال. انتهى.
أو اشتركا في حمل يعني أنه إذا أخرج اثنان من الحرز نصابا اشتركا في حمله فإنه لا قطع على واحد منهما بشرطين، أحَدُهُمَا قوله: إن استقل كل أي قدر أن كل واحد منهما يقدر على حمله بانفراده، وأما إن لم يستقل به واحد منهما فعليهما القطع أي يقطعان معا، والثاني قوله: ولم ينبه نصاب أي لم ينب كل واحد منهما بانفراده بتقدير قسمه بينهما نصاب السرقة، وأما إن كان ينوب كل واحد منهما بانفراده نصاب فإنهما يقطعان معا.
стр. 9004
وَالْحَاصِلُ أن الصور ثمان؛ لأن الشيء المسروق إما أن يستقل كل واحد بحمله أو لا يستقل بحمله، وفي كل إما أن يخرجه بعضهم أو جميعهم، وفي كل إما أن ينوب كل واحد نصاب أولا، فإن لم يستقل به واحد منهم فإنهما يُقْطَعَان معا، أخرجاه معا أو أحدهما فقط، ناب كل واحد منهما نصاب أو لا، فتلك أربع صور فيها القطع أي يقطعان معا، فإن استقل به كل واحد وأخرجاه معا فيقطعان معا إن ناب كل واحد منهما نصاب، وإلا فلا قطع وهاتان صورتان، فإن استقل به كل واحد منهما وأخرجه أحدهما قطع المخرج له فقط، ناب كلا منهما نصاب أولا.
قال عبد الباقي: أو اشتركا أي سارقان وكذا أكثر في حمل لإخراج نصاب من حرزه فلا قطع على واحد منهما بشرطين: الْأَوَّلُ إن استقل كل أي قدِّرَ أن كل واحد يقدر وحده على إخراجه فلا ينافي أن الموضوع اشتراكهما في حمله لإخراجه من حرزه، والثاني: قوله: "ولم ينبه" أي كل واحد بانفراده نصاب، فإذا لم يستقل أحدهما بإخراجه من الحرز فعليهما القطع ولو لم ينب كل واحد منهما نصاب، وإذا ناب كل واحد نصاب قطعا استقل كل بإخراجه أولا. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن كان كل منهما لا يستقل بحمله قطعا لأنهما حينئذ كالسارق الواحد ومع القدرة كسارقين، ولو خَصَّ كل واحد منهما نصاب قطعا.
واعلم أن صور هذه المسألة ثمان؛ لأن الشيء المسروق إما أن يستقل كل واحد منهم بحمله أولا يستقل بحمله إلا الجميع، وفي كل إما أن يخرجه بعضهم أو جميعهم، وفي كل إما أن ينوب كل واحد نصاب أو لا. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: ولا منافاة بين جعل عبد الباقي الصور أربعا وبين جعل الشبراخيتي لها ثمانيا، وهو الذي قدمت في أول الحل لأن معنى استقل كل عند عبد الباقي قدر أن كل واحد يقدر على إخراجه بانفراده، ومعناه عند الشبراخيتي قدر أن كل واحد يقدر على حعله، وحينئذ فلا ينافي أنه لا يقدر كل واحد منهما أو منهم على حمله أي جعله على ظهره مثلا، لكنه يقدر على إخراجه إن حمله هو وغيره على نفسه. واللَّه تعالى أعلم. ولهذا قال عبد الباقي مشبها على ما فيه القطع ما نصه: وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم في الحرز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلا برفعهم معه ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا
стр. 9005
تعاونوا على رفعه عليها، وأما لو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم كالثوب قطع وحده، ولو خرج كل واحد منهم حاملا لشيء دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يقطع منهم إلا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم، ولو دخل اثنان الحرز فأخذ أحدهما دينارا وقضى به للآخر دينا له عليه أو أودعه إياه قطع الخارج به. قاله ابن المواز. ولو باع السارق ثوبا في الحرز لآخر فخرج به المشتري ولم يعلم به السارق فلا قطع على واحد منهما. قاله اللخمي. انظر التتائي. ائتهى.
قوله: ولو دخل اثنان الحرز إلى قوله: قطع الخارج به لخ، قال البناني: هكذا النقل عند ابن عرفة وغيره، والظاهر أن يقيد القطع بما إذا علم الخارج به بالسرقة وإلا لم يقطع كما قاله اللخمي في المسألة بعد هذه؛ إذ لا فرق بينهما. تأمل. انتهى. وقال المواق: اللخمي: إن خرج جميعهم بسرقة حملوها لا يستطاع إخراجها إلا بجماعتهم قطعوا ببلوغها ربع دينار فقط، وإن كانت خفيفة خرج بها جميعهم مع القدرة على أن يخرج بها أحدهم، فقال مالك وابن القاسم: لا يقطعون إن كانت قيمتها ثلاثة دراهم فقط. انتهى.
مسألة: من سرق نصابا من مال مشترك بين جماعة وحصة كل واحد منهم دون النصاب فإنه يقطع، قال في المقدمات: يجب القطع في النصاب بإخراجه من الحرز لسرقة واحد من واحد أو جماعة من جماعة أو جماعة من واحد [أو واحد من جماعة] (١) إذا تعاونوا على إخراجه لحاجتهم إلى التعاون في ذلك وأطال في ذلك إلى أن قال: ولا اختلاف أحفظه في سرقة الواحد ما يجب فيه القطع من الجماعة المشتركين أنه يقطع. انتهى. قلت: وهذا فيما يكون مشتركا، وأما إذا سرق من حرزين قدر نصاب فلا قطع عليه. قال في النوادر: ومن كتاب ابن المواز: ومن سرق من حرز قدر ربع دينار، قال عبد الملك: لا يقطع حتى يسرق من حرز واحد وإن كان ذلك لرجلين. انتهى. ثم قال: وروي عن مالك في غرائر في السوق مجتمعة للبيع فسرق رجل من كل غرارة شيئا حتى اجتمع له ما يقطع في مثله: أنه لا يقطع حتى يسرق من كل غرارة ما يجب فيه القطع؛
стр. 9006
لأن كل غرارة حرز لما فيها، وشاور الأمير فيها من حضر من العلماء فأفتوا أن عليه القطع وأفتى مالك بما ذكرنا فرجعوا إليه، وكان أول من رجع إليه ربيعة. انتهى. وذكر القصة في المدارك، وقال: إن هذه المسألة مما عرف فيها فضل مالك. انتهى. قاله الحطاب.
وَلَمَّا قدم أن شرط المسروق الذي يقطع سارقه كونه نصابا أفاد بقية الشروط، فقال: ملك غير المضاف نعت لربع دينار الخ وغير مضاف إليه ما قبله؛ يعني أنه يشترط في القطع أن يكون المال المأخوذ من حرز مثله ملكا لغير مخرجه ويأتي للمصنف محترز ذلك قريبا إن شاء اللَّه تعالى. قال عبد الباقي: ملك غير شمل السارق من سارق فيقطعان معا، وكذا لو سرقه ثالث كما في المدونة وهكذا وشمل السرقة من آلة المسجد أو بابه بناء على أن الملك للواقف كما للمصنف تبعا للنوادر لا ما للقرافي، وشمل أيضا سرقة من له التصرف في المسروق بولاية أو وكالة حيث كان بيد مودع أو مرتهن ونحوه، وشمل سرقة المستأجر ما استأجره قبل قبضه من ربه والمرتهن قبل قبضه من ربه أو أمين بيده فيقطع كل واحد. انتهى.
وقال الشبراخيتي: ملك غير فلا يقطع سارق ملكه سواء تعلق به حق للغير كمرهون أولا كموروث أو موهوب قبل خروجه من الحرز، ويدخل في قوله: "ملك غير" السارق من السارق فيقطعان معا، وكذا لو سرقه ثالث وهكذا ويدخل فيه سرقة المستأجر ما استأجره قبل قبضه من ربه، وكذا المرتهن قبل قبضه من ربه أو من الأمين الذي وضع عنده، وقوله: "ملك غير" صفة للنصاب السابق وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وكأنه قال بسرقة طفل أو نصاب ملك غير.
ولو كذبه ربه أي يقطع من ثبتت سرقته بإقرار، ولو كذبه رب الشيء المسروق وقال له هو: ليس لي أو لم يسرق مني شيئا. قال عبد الباقي: أي إذا أقر بالسرقة من مال شخص وكذبه ذلك الشخص بأنه ليس ملكه، فإنه يقطع لإقراره على نفسه بالسرقة ولا يفيده تكذيب ذلك الشخص، ويبقى المسروق بيد السارق ما لم يدعه ربه بعد ذلك. قاله الشارح. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويقطع من أقر بسرقة من مال شخص أو ثبت أنه سرقه منه، ولو كذبه ربه أو قال هو له أودعته له أو بعثت به مع رجل له لأن إقراره أوجب عليه الحد، ولا يدفعه تكذيبه في ذلك ويبقى ذلك المال المسروق للسارق ما لم يدعه ربه بعد ذلك. انتهى. وقال الخرشي: ويقطع الوصي إن سرق
стр. 9007
من مال المحجور وهو بيد مرتهن كما أنه يحد إذا وطئ ملك المحجور. انتهى. وقال المواق من المدونة: من أقر أنه سرق من فلان شيئا وكذبه فلان فإنه يقطع بإقراره ويبقى المتاع له إلا أن يدعيه ربه فليأخذه. انتهى. وقال التتائي: قال في المدونة: من شهدت عليه بينة أنه سرق هذا المتاع، فقال السارق: حلفوه أنه ليس لي فإنه يقطع ويحلف له الطالب ويأخذه، فإن نكل حلف السارق وأخذه ويقطع. وفي الذخيرة: وإن أقر الأخرس بوجه يعرف به إقراره ويعين قُطِعَ لحصول المقصود من الكلام وإلا فلا للشك. انتهى.
أو أخذ ليلا وادعى الإرسال يعني أنه إذا أخرج من الحرز نصابا في الليل وادعى أن رب المتاع أرسله إليه فإنه يقطع، ولا يصدق في أن رب المتاع أرسله إليه ولو صدقه رب المتاع في ذلك بأن قال: أنا أرسلته إليه، قال الخرشي: وكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال رب المتاع أرسلني لآخُذَه فلا يصدق ولو صدقه رب المتاع. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو أخذ السارق ليلا ومعه مال من بيت شخص وادعى الإرسال لأخذ المال، وصورة المسألة أنه صدقه ربه في دعواه الإرسال وهذا إن لم يشبه وصدق آخذ المتاع ولو ليلا في دعواه أن ربه أرسله إن أشبه لكونه في خدمته أو من عياله كما يصدق رب المتاع في موافقته على دعوى الإرسال. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو أي ولو أخذ ليلا خارج الحرز بيده نصاب أخرجه منه وادعى الإرسال من ربه فيقطع ولو صدقه في دعواه الإرسال، ويحمل تصديق ربه على الرحمة له إلا لقرينة ككونه في خدمته أو من عياله، كما أشار له بقوله: وصدق آخذ المتاع في دعواه أن ربه أرسله وَصَدَّقَهُ على ذلك إن أشبه بأن دخل من مداخل الناس، وخرج من مخارجهم في وقت يشبه أنه أرسله فيه. انتهى. وقال التتائي: أو أخذ السارق ليلا ومعه مال من بيت شخص وادعى الإرسال لأخذ المال وصدقه ربه فطع كان معه بالبلد أولا إن لم يشبه، ويحمل تصديق ربه على الرحمة له وصدق إن أشبه ما ادعاه من الإرسال ولم يقطع؛ كإن عرف منه انقطاع إليه ودخل من مدخل الناس وخرج من مخرجهم غير مستتر. انتهى. وقال المواق من المدونة: من سرق متاعا لرجل وقال إن رب المتاع أرسلني فليقطع، وإن صدقه ربه أنه بعثه كان معه في بلد أو لم يكن، وإن أخذ في جوف الليل ومعه متاع فقال فلان أرسلني إلى منزله فأخذت منه هذا المتاع، فإن عرف منه انقطاع إليه
стр. 9008
وأشبه ما قال لم يقطع وإلا قطع ولم يصدق. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "أو أخذ" عطف على قوله: "ولو كذبه ربه" فهو في حيز المبالغة، وقيل: في هذه الأخيرة -أعني- قوله: "أو أخذ ليلا وادعى الإرسال" أنه إذا صدقه لم يقطع.
لا ملكه يعني أنه إذا سرق ملكه من الحرز فإنه لا يقطع، وهذا محترز "ملك غير". وبين ملكه، بقوله. من مرتهَن ومستأجَر بفتح الهاء والجيم؛ يعني أن الراهن إذا أخذ ما رهنه بعد قبض المرتهن له من حرز مثله فإنه لا يقطع، وكذا لا قطع على من أخذ ملكه الذي آجره بعد قبض المستأجر له من حرز مثله فإنه لا قطع على المالك المستأجر، وعلى هذا "فمِن" بيانية كما عرفت ويصح كسر الهاء والجيم، وعليه فتكون من ابتدائيةً. الشبراخيتي: ومعه بينة بالرهنية والاستيجار وإلا قطع. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: والموضوع أن معه بينة بالرهنية والاستيجار وإلا قطع. انتهى.
وقال البناني: لا ملكه من مرتهن ومستأجر كملكه قبل لخ، قال ابن عرفة: هذه المسائل لا أعرفها بنصها إلا لابن شأس وهو نص الغزالي في الوجيز، ومقتضى مسائل المذهب صحته. انتهى. فمنها عدم قطع الأب في سرقة مال ابنه، ومنها عدم قطع السيد في سرقته من مكاتبه أو مكاتب ابنه، ومنها من سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده فأقام بينة أنه استودعه هذا المتاع فإنه لا يقطع. انظر التتائي. وقوله: "لا ملكه من مرتهن ومستأجر"، وكذا معار. وقوله: "من مرتهن ومستأجر" وأما عكس كلام المصنف ففيه القطع كما مر. وقال في الميسر: لا ملكه فلا يقطع بسرقته من مرتهن ومستأجر أو مستعير أو مورع إن ثبت ببينة أنه ملكه لا بإقرار المسروق منه كما في المدونة.
كملكه قبل خروجه يعني أنه إذا أخرج شخص شيئا من حرز مثله ثم تبين أنه أي المخرج، مَلَك الشيء قبل خروجه به من الحرز فإنه لا يقطع عملا بما في نفس الأمر، فإن لم يملكه إلا بعد أن خرج به من الحرز فإنه يقطع. قال التتائي: كملكه للمسروق قبل خروجه به من الحرز بأن ورثه أو تُصُدِّقَ به عليه مثلا، ومفهوم الظرف القطع إن تجدد ملكه له بعد خروجه به؛ لأن الحد قد ترتب فلا يرتفع. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن لم يرثه إلا بعد خروجه من الحرز فإنه يقطع،
стр. 9009
بمنزلة من سرق نصابا وأخرجه من حرزه ثم وهبه له صاحبه فإن القطع لا يرتفع عنه. انتهى. وقال عبد الباقي: كملكه كله قبل خروجه، فإن ورث بعضه وورث أخوه باقيه، فانظر هل يجري فيه أو مال شركة أم لا؟ انتهى. وقال الشبراخيتي: كملكه قبل خروجه به من الحرز بأن ورثه أو أعطى له، وقول ابن غازي: وإن سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه استودعه هذا المتاع نفسه قطع. انتهى. صوابه لم يقطع. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: الشرط الثاني أن يكون مملوكا لغير السارق، فلو سرق مال نفسه من المرتهن أو المستأجر فلا قطع، ولو طرأ الملك بإرث قبل الخروج من الحرز فلا قطع وبعده لا يورث. ابن عرفة: هذا نص الغزالي، ومقتضى مسائل المذهب تدل على صحته. انتهى.
محترم بالجر صفة للنصاب المتقدم من ربع دينار الخ؛ يعني أنه لا بد في قطع السارق من أن يكون المال المخرج من الحرز محترما والمحترم ما يصح تملكه وبيعه، ويدخل فيه مال حربي قدم إلينا بأمان فيقطع من سرقه، ويأتي محترز المحترم. الخرشي: ومن شرط المتاع المسروق أن يكون محترما بأن يجوز بيعه. انتهى. وما قاله الخرشي هو مقتضى قول التوضيح بعد قول ابن الحاجب: ولا قطع في خمر ولا خنزير ولا طنبور وشبهه. هذا راجع لقوله: ملكا محترما لأن هذه الأشياء لا حرمة لها؛ إذ لا يجوز تملكها ولا بيعها. انتهى. ولما حكى ابن الحاجب في الكلب قولين، قال في التوضيح: مذهب المدونة أنه لا يقطع خلافا لأشهب، بناء على أنه لا قطع إلا فيما يملك ويباع أو فيما يملك فقط. انتهى. فدل على أن المحترم هو الذي يملك ويباع. واللَّه أعلم. انتهى. قوله: فدل على أن المحترم هو الذي يملك ويباع، قال الرهوني: لا شك أن كلام التوضيح يفيد ذلك ويدل عليه كما يدل عليه أيضا ما ذكره عنه فيما يأتي قريبا عند قوله: "بخلاف لحمها من فقير". ويدل عليه أيضا قول المدونة: ومن سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي ﷺ حَرَّمَ ثمنه) (١). انتهى. قال أبو الحسن: كأنه يقول مأذون فيه أو غير مأذون، ثم قال أبو محمد: وقال أشهب: يقطع في كلب الصيد والماشية. الشيخ:
стр. 9010
وكذلك كلب الزرع، فعند أشهب: القطع فيما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه، وعند ابن القاسم: القطع فيما يجوز تملكه وبيعه. انتهى. ومع ذلك فهو مشكل مع القطع في جلد الميتة بعد دبغه على المشهور ومذهب المدونة؛ لأن المشهور وهو مذهبها أنه لا يطهر بالدبغ ولا يباع. انتهى.
لا خمر يعني أن من سرق خمرا لا يقطع لأنه لا حرمة له، قال عبد الباقي: لا سرقة خمر ولو لذمي سرقها مسلم أو ذمي فلا قطع عليه ولو كثرت قيمتها عندهم، ويوجع أدبا ويغرم قيمتها لذمي حيث أتلفها السارق وإلا رد عينها له، لا إن كانت لمسلم لوجوب إراقتها. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا قطع على سارق كخمر ولو كان المالك لها ذميا لكن يغرم له قيمتها مع وجيع الأدب. قاله المواق. وظاهره عدم القطع، ولو كان السارق لها ذميا أيضا وهو كذلك، ثم إن وعاء الخمر إن كانت تساوي نصابا بعد تفريغه هل يقطع وهو المناسب، لقوله: "أو الثوب فارغا" أم لا؟ ولا قطع في آلة لهو كعود ومزمار ودف وكَبَر. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: الشرط الثالث يعني من شروط المسروق أن يكون محترما فلا قطع على سارق الخمر والخنزير ولا على سارق الطنبور من الملاهي والمزامير والعود وشبهه من آلات اللهو، إلا أن يكون في قيمة ما يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر، وروى محمد: لا قطع في خمر ولو سرقه لذمي إلا أنه يغرمه له مع وجيع الأدب، واختلف قول ابن القاسم في الكبر والدف. انتهى.
وطنبور يعني أن من سرق طنبورا لا قطع عليه لأنه من آلات اللهو وهي لا حرمة لها، إلا أن يساوي بعد كسره نصابا يعني أن الطنبور محل كونه لا قطع على سارقه إنما هو حيث لم يكن يساوي نصابا بعد كسره أي إفساد صورته، وأما إن كان يساوي بعد إفساد صورته نصابا فإنه يقطع سارقه، ومثل الطنبور في ذلك غيره من آلات اللهو، فإنه إذا بقي منها بعد إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع سارقها كما مر قريبا. واللَّه تعالى أعلم. التتائي: وطنبور إلا أن يساوي خشبته بعد كسره نصابا عند ابن القاسم، وعنه القطع في قيمة الدف والكبر صحيحا لأنه أرخص في اللعب به. انتهى. وقوله: "بعد كسره" أي بعد تقدير كسره، ووقع في شرح عبد الباقي ما نصه: بعد كسره بالفعل فلا تعتبر قيمته بتقدير كسره كما هو
стр. 9011
الظاهر. انتهى. قوله: فلا تعتبر قيمته بتقدير كسره الخ بل هذا هو المعتبر كما يفيده ظاهر كلام ابن شأس وهو الظاهر لأنه قد تفقد عين المسروق. انتهى.
وكلب مطلقا يعني أنه لا قطع في سرقة كلب مطلقا أذن في اتخاذه أم لا، معلما أم لا، ولو ساوى لتعليمه نصابا فهو كالمستثنى من قوله فيما مر: "وجارح لتعليمه". وَالْفَرْقُ أنه لا يباع، (لأن النبي ﷺ حَرَّمَ ثمنه)، بخلاف غيره فيباع. انتهى. وقال المواق قال: في المدونة: من سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي ﷺ حرم ثمنه). انتهى. وقال التتائي: ولا في سرقة كلب مطلقا أذن في اتخاذه أم لا، وهو مذهب المدونة خلافا لأشهب في المأذون واختلف في الزيت المتنجس. انتهى. وقال الرهوني: لم يدخل الزرقاني في الإطلاق كان في عنقه شيء أم لا؛ يعني حيث قال: أذن في اتخاذه أم لا معلما أم لا وقد قال أبو الحسن عقب كلام المدونة: ابن يونس: قال ابن حبيب: وإن كان في عنقه قلادة تساوي ثلاثة دراهم وقد رآها السارق قطع. انتهى منه بلفظه. ونقل ابن مرزوق كلام ابن يونس أيضا ولم يقيده بشيء، والظاهر تقييد قوله: وقد رآها السارق، بما إذا لم تتقرر عادة بجعل القلادة في عنق ذلك النوع من الكلاب، وإلا فلا يتوقف القطع على علم السارق بها، قياسا على ما قيل فيمن سرق شيئا فوجد فيه دراهم فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.
وأضحية بعد ذبحها يعني أنه لا قطع فيمن سرق الضحية بعد أن ذبحت لأنها لا تباع في فلس ولأنها وجبت بالذبح، ومفهوم قوله: "بعد ذبحها" أنها لو سرقت قبل أن تذبح لقطع سارقها حيث كانت نصابا ولو نذرت لأنها لا تتعين بالنذر، وحكم الفدية حكم الأضحية في الوجهين. قاله عبد الباقي. وقال في الميسر: وأضحية بعد ذبحها إذ لا تباع حتى في فلس فلا قطع فيها عند ابن حبيب خلافا لأشهب، وأما قبله فلا خلاف في قطع سارقها كما في التوضيح. انتهى. وقال المواق: أصبغ: إن سرق أضحية قبل ذبحها قطع وإن سرقها بعد الذبح لم يقطع لأنها لا تباع في فلس ولا تورث إنما تورث لتوكل. انتهى. وقال التتائي: ولا قطع في سرقة أضحية بعد ذبحها إذ لا تورث مالا لكن للأكل ولا تباع في فلس، بخلاف قبله بعد تعيينها فيقطع اتفاقا وكذلك الفدية.
стр. 9012
بخلاف لحمها من فقير قد علمت أن سارق الأضحية بعد ذبحها لا يقطع، ومحل ذلك فيما إذا سرقت من ربها، وأما لو سرق لحمها من فغير متصدق عليه به أو من غني مهدى له فإنه يقطع سارقه بلا خلاف، قال في التوضيح: ويتخرج فيها قول بعدم القطع على أحد القولين في سرقة ما يملك ولا يجوز بيعه كالكلب، وفي الميسر: بخلاف سرقة لحمها من فقير تصدق به عليه فيقطع من سرقه اتفاقا كما لابن شأس؛ لأن الفقير يملكه وله بيعه على الأشهر كما مر في بابها، وشهر في التوضيح هنا خلافه. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف سرقة لحمها من فقير لا مفهوم له، والمراد ممن ملكه سواء كان بهبة أو صدقة أو غيرهما، وإنما اقتصر عليه لأنه الغالب أي أن الغالب أن الناس إنما يعطون لحمها للفقير. وقول الشارح: لأن المشهور لخ ضعيف لأنه مخالف لقول المصنف في باب الضحية "إلا المتصدق عليه". انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف سرقة لحمها أو جلدها من فقير أي متصدق عليه أو غني مهدي له فيقطع لجواز بيع ذلك لمن أعطيه. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: في الأضحية بعد الذبح قولان، بخلاف لحمها ممن تصدق عليه لأن المتصدق عليه قد ملكها، وانظر هذا فهو فرع جواز بيع السكين لها وهو مختار اللخمي وابن رشد؛ (لأكله ﷺ هدية بريرة) (١)، خلافا لقول مالك الذي لم ينقل ابنُ يُونسَ خلافه. انظر المنتقى في نقله عن أشهب وتوجيهه. انتهى.
تام الملك يعني أن من شرط القطع أن يكون النصاب المسروق تام الملك لغير السارق، واحترز بذلك من الشريك إذا سرق من مال الشركة فإنه لا يقطع على الوجه الذي سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. قال الشبراخيتي: تام الملك صفة أخرى أخرج بها بعض صور سرقة الشريك ما اشترك فيه مع غيره. لا شبهة له فيه يعني أنه يشترط في القطع أيضا أن يكون السارق لا شبهة له في الشيء المسروق، فاحترز بالوصف الأول عن الشريك على ما يأتي، وبالوصف الثاني عن الوالد إذا سرق من مال ولده، علا الأب أولا كان الوالد أبا أو أما أو أصلا من أصولهما فهما شرطان لا شرط واحد. وفي الشبراخيتي: لا شبهة له أي للسارق فيه، يدخل فيه الولد لأنه لا شبهة له في مال
стр. 9013
أبيه. وقوله: "لا شبهة له فيه" احترز به من الأب في مال ولده، وكلامه يقتضي أن الولد تام الملك (١) وهو موجود في الولد، وبهذا يكون قوله: "لا شبهة له فيه" مغايرا لما قبله، والمراد نفي الشبهة القوية لا نفي مطلق الشبهة؛ لأنه إذا سرق من بيت المال قطع لحقارة ما يستحقه.
وأشار إلى ذلك بقوله: وإن من بيت المال يعني أنه إذا سرق من بيت المال فإنه يقطع لضعف الشبهة فيه، أو الغنيمة أي وكذلك يقطع من سرق من الغنيمة إذا حيزت وهو من الغانمين لها لضعف الشبهة، قال الشبراخيتي: وإن من بيت المال أو الغنيمة التي هو من أهلها إذا حيزت وهو مبالغة فيما قبله باعتبار القيد السابق. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن من بيت المال ومنه الشون أو الغنيمة المحوزة قبل قسمها قل الغانمون أو كثروا لأن الشبهة في ذلك ضعيفة بخلاف السرقة منها قبل حوزها فلا قطع. انتهى. قوله: "ومنه الشون" هو بضم الشين المعجمة وبالنون: موضع خزن الطعام. وقوله: قل الغانمون أو كثروا فيه نظر، بل لا بد من تقييد ابن يونس المتقدم في الزنى وهنا نقله ابن عرفة، ونصه: وفي عتقها الثاني: من وطئ أمة من الغنيمة أو سرق منها بعد أن تحرز قطع. الصقلي: هذا في الجيش العظيم الذي لا يعرف عدده لأن حظه منه غير معلوم، وأما في السرية الصغيرة فلا يحد للزنى اتفاقا، ويقطع إن سرق فوق حقه من الغنيمة كلها ثلاثة دراهم. انتهى. قاله البناني.
وقال: قال في التوضيح: وقيد ابن يونس الخلاف بالجيش العظيم، وأما السرية فيتفق على قول عبد الملك. انتهى. يعني فلا يقطع إلا إن سرق فوق حقه نصابا. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المواق عن ابن شأس ما نصه: أما بيت المال والغانم بعد حيازتها فيقطع سارقها وإن لم يزد ما أخذ على النصاب إذ لا بال لما يستحقه من ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
أو مال شركة يعني أن الشريك إذا سرق من المال المشترك فيه فإنه يقطع بشرطين، أحدهما قوله: إن حجب عنه أي عن المال المشترك، بأن أودعاه تحت يد غيرهما أو كان بيد غير السارق منهما على وجه الحفظ والإحراز، أو يغلقا عليه ويودعا المفاتح عند غيرهما، ومثل جعل المفاتيح عند
стр. 9014
غيرهما جعلهما عند أحدهما إذا كان ذلك على وجه الحفظ والإحراز. انتهى. وقوله في المسألتين: على وجه الحفظ والإحراز، فإن لم يكن ذلك على وجه الحفظ والإحراز فهو كغير المحجوب. قاله الشبراخيتي. أي فلا قطع حينئذ، والشرط الثاني قوله: وسرق فوق حقه نصابا يعني أنه يشترط في القطع أن يكون الشريك السارق محجوبا عن المال الذي سرق، ويشترط أيضا أن يسرق فوق حقه من جميع المال المشترك نصابا إن كان المال مثليا أو من المسروق فقط إن كان مقوما.
فَتَحَصَّلَ من هذا أنه إذا سرق مما لم يحجب عنه فلا قطع بالكلية، وأنه إذا سرق مما حجب عنه فإنما يقطع حيث سرق فوق حقه من جميع المال المشترك، نصابا حيث كان المال المشترك مثليا، أو من المسروق إن كان مقوما. قال عبد الباقي: أو مال شركة إن حجب عنه بأن أودعاه عند أجنبي منهما أو مفتاحه عند الآخر، أو جعل هو ومفتاحه بيد الآخر للحفظ والإحراز، وإلا فكغير المحجوب، وسرق فوق حقه من جميع المشترك إن كان مثليا أو من المسروق فقط إن كان مقوما نصابا، فالأول كسرقة تسعة دراهم من اثني عشر مشتركة بينهما بالنصف، والثاني كشركة في عروض مختلفة القيمة ككتب مختلفة جملتها تساوي اثني عشر فسرق كتابا معينا يساوي ستة؛ لأن حقه فيه تصف فقط فقد سرق فوق حقه منه نصابا فإن سرق دونه فيهما لم يقطع.
والفرق بين المثلي والمقوم أن المقوم لما كان ليس له أخذه منه إلا برضى صاحبه لاختلاف الأغراض في المقوم كان ما سرقه بعض حقه وبعض حظ صاحبه وما بقي كذلك، وأما المثلي فلما كان له أخذ حظه منه وإن أبى صاحبه لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبا، فلم يتعين أن يكون ما أخذه منه مما هو حظه أو أكثر بدون نصاب مشتركا بينهما وما بقي كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق من مال شركة بينه وبين غيره فيقطع بشرطين، الأول إن حجب عنه المال بأن أودعاه تحت يد غيرهما، أو كان بيد غير السارق منهما على وجه الحفظ والاحراز، وإلا فهو كغير المحجوب كما أشار له في الموازية، أو يغلقا عليه ويودعا المفاتيح عند غيرهما كما في الشارح، ومثل جعل المفاتيح عند غيرهما [جعلها] (١) عند أحدهما على وجه الحفظ والإحراز، والثاني أن
стр. 9015
يكون قد سرق فوق حقه من جميع المال ما سرق وما لم يسرق نصابا إن كان مثليا، كما إذا كان جملة المال اثني عشر درهما سرق منه تسعة دراهم وأما إن كان مقوما فالمعتبر أن يكون فيما سرق فوق حقه مما سرق لا من جميع المال نصابا، وهذا التفصيل لا يعلم إلا من خارج.
والْفَرْقُ بينهما أنه لما كان ليس له أن يأخذ حظه من المقوم على وجه القسمة إلا برضى صاحبه لاختلاف الأغراض في المقوم، كان ما سرق بعضه حظه وبعضه حظ صاحبه وما بقي كذلك فلذا اعتبر حظه مما سرق فقط، فإن كان ما زاد عليه من حظ صاحبه نصابا قطع وإلا فلا، وأما المثلي فلما كان له أخذ حظه منه وإن أبى شريكه لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبا فلم يتعين أن يكون ما أخذه مما هو قدر حظه أو أكثر بدون نصاب مشتركا بينهما وما بقي كذلك، بل هو محتمل لأن يكون ما أخذه هو حظه فقط وما أبقاه هو حظ شريكه فقط، فلذا اعتبر في القطع في المثلي أن يكون سرق فوق ما ينوبه من جميع المال نصابا دون المقوم. انتهى. وما ذكرته في المثلي هو الذي ذكره المصنف في التوضيح عن مالك وهو ظاهرها فلا يقطع إلا إذا سرق فوق حقه نصابا من جميع المال ما سرق وما لم يسرق، والذي لابن شأس أنه إن سرق ما زاد على نصيبه من المسروق نصابا كاملا قطع كستة من اثني عشر والخلاف مقيد بالمثلي، وأما المقوم فإنه يتفق فيه على قول عبد الملك. انظر الميسر.
لا الجد ولو لأم هذا محترز قوله: "لا شبهة له فيه" يعني أن الجد إذا سرق من مال ولد ولده فإنه لا يقطع للشبهة كان الجد لأب أو لأم، قال الشبراخيتي: لا الجد فإنه لا يقطع في سرقته من مال ولد ولده، ولو كان جدا لأم ولو كان فرعه عبدا لأنه يملك ما بيده حتى ينتزعه سيده، ولا يخفى أن هذا يغني عن قوله السابق: "لا أب". واعترض ابن مرزوق كلام المصنف بأنه يقتضي أن الخلاف خاص بالجد لأم، مع أن الخلاف جار فيه وفي الجد للأب، فكان حق المصنف أن يقول: ولو الجد. انتهى. وقال البناني: ابن الحاجب: وفي الجد قولان. التوضيح: اختلف في الأجداد من قبل الأب والأم، فقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يقطع لأنه أب ولأنه
стр. 9016
ممن تغلظ عليه الدية، وقد ورد: ادرءوا الحدود بالشبهات. وقال أشهب: يقطعون لأنهم لا شبهة لهم في أموالهم ولا نفقة، وتأول بعضهم قول ابن القاسم: أحب إلي على الوجوب ولا خلاف في قطع باقي القرابات. انتهى. وقد تبين به أن الخلاف في الجد مطلقا خلاف ظاهر المصنف من اختصاصه بالجد لأم. انتهى. الرهوني: قُلْتُ: الظاهر في الجواب عن المصنف أنه إنما اعتنى بالجد للأم لأنه أضعف من الجد للأب لانفراده بأنه قد قيل فيه إنه كالأجنبي في جميع الأحكام. قال أبو الحسن عند قول المدونة في كتاب السرقة: وكذلك الأجداد من قبل الأب والأم. انتهى. قال سحنون: تغلظ الدية على الجد أبي الأم، وقال أشهب: يحكم عليه بجميع أحكام الأجنبي. انتهى. وقال المواق: اللخمي: لا قطع على الأجداد من قبل الأب والأم وإن سرق الابن من مال أبيه قطع. انتهى. وقال عبد الباقي: لا الجد ولو لأم، لخبر: (أنت ومالك لأبيك) (١)، أما الابن إذا سرق من مال أبيه أو من مال جده فإنه يقطع، كما يحد إذا وطن جارية أبيه أو أمه ولو سرق العبد من مال ابن سيده قطع. انتهى.
ولا من جاحد يعني أنه إذا سرق متاعا كان قد أودعه رجلا فجحده إياه ثم أقام سارق متاعه بينة أن هذا المتاع نفسه له فإنه لا قطع عليه، قال المواق من المدونة: إن سرق متاعا كان قد أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه قد استودعه هذا المتاع نفسه لم يقطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يقطع من سرق من جاحد وديعة أو سلف أو ثمن مبيع وإن كان النص إنما ورد في الوديعة، وَصُورَتُهَا أن يكون له مال وديعة عند شخص وله عليه بينة به، وتعذر حضورها وجحده ثم سرقه ثم أقام عليه المسروق منه بينة بالسرقة وترتب عليه القطع فأقام السارق بينة أن المال له وأنه جحده فيه، وأما تصوير البساطي لها بأن المسروق منه أقوله بعد السرقة أنه ماله وأنه جحده فغير صحيح؛ إذ إقراره لا ينفي عن السارق القطع لأنه يتهم على رحمته، فهو من مشمول قوله: "ولو كذبه ربه" المتقدم للمصنف. انتهى. وقال التتائي: ولا يقطع من سرق من
стр. 9017
جاحد لحقه قدره أو دونه. انتهى. وقال في الميسر: ولا سارق من جاحد لحقه ظاهرة وديعة أو غيرها أخذ شيئه أو غير، والذي فيها أن من سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه استودعه هذا المتاع نفسه لم يقطع. وفي رواية أنه لا يقطع إذا نكل من سرق منه. قال في التوضيح: وعلى هذا فلو أقر له لم يقطع. وذكر ابن فرحون عن أشهب أن من ادعى وديعة أو غيرها على من جحده فأخذها على وجه السرقة قطع إلا أن يقيم بينة أنه أودعه ذلك، وذكر عن عيسى أن ابن القاسم قال فيمن سرق متاعا فقال: كنت أودعته عند صاحب المنزل: إنه يقطع وإن صدقه، واختار عيسى أنه إن صدقه لم يقطع. انتهى.
أو مماطل يعني أنه إذا سرق من الغريم الذي مطله فإنه لا قطع عليه، قال الشبراخيتي: أو من غريم مقر مماطل وأقام السارق بينة أن له عنده مالا وأنه مطله به وإلا قطع. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: لا قطع على مستحق الدين إذا سرق [من] (١) غريمه المماطل جندى حقه. وقال أبو عمر في كافيه ما نصه: القطع على من سرق من مال غريمه من دينه، وخالفه أكثر الفقهاء من أصحاب مالك وغيرهم بتجويزهم لذي الحق أخذ ماله من غريمه كيف ما أمكنه، وقد روى ذلك زياد وابن وهب عن مالك. انتهى. وقال البناني: وتقييد المصنف الغريم بكونه مماطلا تبع فيه ابن شأس وابن الحاجب. قال ابن عرفة: نقله ابن شأس بقيد غريمه المماطل غير معزو كأنه المذهب تابعا للفظ الغزالي في الوجيز. انتهى. والنقل كما في المواق وغيره عار عن التقييد. انتهى. وقال في الميسر: أو من مماطل لحقه ولو من غير جنسه كما في التوضيح، لقوله ﵊ لهند: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٢) وقيده ابن فرحون بجنس حقه. انتهى المراد منه.
وعلم مما قررت أن قوله: لحقه راجع للمسألتين أي لا من جاحد لحقه ولا من مماطل لحقه. واللَّه سبحانه أعلم. وفي التتائي: ولا يقطع من سرق من جاحد لحقه قدره أو دونه أو من غريم مقر مماطل كذلك لأن له شبهة في مالهما، وظاهره كان ما سرقه من جنس حقه أم لا، وقيد بعض
стр. 9018
الشيوخ عدم القطع بكونه من جنس حقه، قال: ولو سرق من غير جنسه قطع ونظر فيه المصنف، ونقل ابن عبد البر عن مالك من رواية ابن القاسم القطع على من سرق من غريمه مثل دينه، وخالفه أكثر الفقهاء من أصحاب مالك وغيرهم لتجويزهم له أخذ ذلك من غريمه كيف ما أمكنه. انتهى. ولذا أطلق هنا. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.
مخرج من حرز صفة للنصاب يعني أنه يشترط في قطع من سَرَقَ النصاب المتقدم أن يكون قد أخرجه من حرز، ولو تلف بعد إخراجه وقبل استقراره بمحل آخر، كما لو كان زجاجا فطرحه فتلف بعد ما خرج من الحرز، أو وقع في نار واحترق وهو ما استحسنه اللخمي فلو نقله من موضع لآخر في الحرز ولم يخرجه منه فلا قطع كما يأتي، وظاهره القطع إذا أخرجه ولو رده للحرز بعد إخراجه وهو كذلك لتحقق السبب. قاله في الذخيرة. قاله الشبراخيتي. وقال: وقوله: "مخرج" صفة لقوله: "ربع دينار أو ثلاثة دراهم" لأن العطف فيه بأو فتجوز المطابقة وعدمها، وهذا أحسن من قول بعضهم: إنه صفة لما يفهم من الكلام أي بسرقة نصاب مخرج من حرز، بل المصنف راعى القاعدة العربية وهي أنه متى كان العطف بأو جازت المطابقة وعدمها، ولو قال: مخرجين، صح أيضا. انتهى. وقوله: "مخرج من حرز" يستثنى منه باب المسجد وسقفه وقناديله وحصره وبسطه وبلاطه. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: تأمله فإن حرز كل شيء بحسبه فالمسجد حرز لما ذكر. واللَّه أعلم. وقال عبد الباقي: مخرج من حرز سواء بقي النصاب خارج الحرز أو تلف بنار أو أتلفه حيوان أو كان [زجاجا] (١) فانكسر، ولا يشترط دخول السارق بل لو أدخل عصاه وجر بها نصابا قطع.
وفسر الحرز بقوله: بأن لا يعد الواضع فيه مضيعا يعني أن الحرز الذي يقطع من سرق منه هو الذي لا يعد الواضع فيه مضيعا لما وضعه فيه، فليس له ضابط بل حرز كل شيء بحسبه فرب محل حرز لشيء دون آخر، وسواء قصد الوضع فيه أم لا كمن سقط له دينار في حرزه من غير قصد ثم سرق منه لزم السارق القطع. قاله البناني. وقال التتائي: وعرف المصنف الحرز بأن لا
стр. 9019
يعد الواضع فيه مضيعا للموضوع فيه، قال الطرطوشي: أشار النبي ﷺ إلى اعتبار الحرز (في حديث الجرين) (١)، ولم يبين صفته ووكله إلى اجتهاد العلماء ليعظم أجرهم، والقاعدة أن كل ما لم ينص على ضبطه يرجع فيه للعادة فحرز كل شيء بحسبه عادة. انتهى. فالحرز أمر نسبي، فرب مكان حرز بالنسبة لشيء دون غيره ولسارق دون خائن، فمن وضع وديعة بكوة بيته فهو حفظ لها عن السارق دون ولده ونحوه. وعرفه ابن عرفة بأنه: ما قُصِدَ بمَا وضع فيه حفظه به إن استقل بحفظه أو بحافظ غيره إن لم يستقل، ولا يقال ما قصد يقتضي قصد إحرازه، فلو وضعه فيه بلا قصد إحرازه لم يقطع سارقه وليس كذلك، بل يقطع من سرق من حرز ولو لم يقصد الواضع فيه إحرازه؛ لأنه يقال عليه المراد أن شأنه أن يقصد فيه الإحراز. انظر الشبراخيتي والبناني. وقوله: بما أي بمكان شأنه أن يقصد بما شأنه أن يوضع فيه حفظه به الخ، والأصل في اشتراط الحرز ما في الموطإ من قوله ﵊: (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (٢). انتهى. وهو ثلاثة دراهم كما في (حديث آخر (٣))، والمجن: الترس، والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها، والمعنى ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع. انظر محمدا الزرقاني. وقال المواق: ابن شأس: الشرط السادس يعني من شروط المسروق أن يكون في مكان هو حرز لمثله في العادة والعرف، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في إحراز أموالهم، وهو -في الحقيقة- كل ما لا يعد صاحب المال في العادة مضيعا لما فيه بوضعه فيه. انتهى.
وإن لم يَخْرُج هو مبالغة في القطع يعني أن السارق إذا أخرج المسروق من الحرز فإنه يقطع وإن لم يخرج السارق من الحرز، قال المواق من المدونة: لو أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجا عنه فقد شك فيه مالك بعد أن قال لم يقطع وأنا أرى أن يقطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أخرجه السارق من الحرز ولم يخرج هو أي السارق وأخذ داخل الحرز قطع؛ لأن العبرة إنما هي
стр. 9020
بخروج المال من حرزه لا بخروج السارق. انتهى. وقال التتائي: وإن لم يخرج هو أي السارق وأخذ داخل الحرز قطع وشهره ابن الحاجب. ويدخل في كلام المصنف من ألقى المسروق من داخل الحرز إلى خارجه فوقع في نار واحترق، أو كان زجاجا فتكسر أو ابتلعه حيوان ونحو ذلك وفيه خلاف، واستحسن اللخمي القطع، وأبرز المؤلف الضمير ليلا يتوهم رجوعه للمسروق. واللَّه تعالى أعلم. قاله مقيده عفا اللَّه عنه.
أو ابتلع درا عطف على المبالغة يعني أن السارق إذا دخل الحرز فأخذ منه درا ونحوه مما لا يفسده الابتلاع، فابتلعه ثم خرج من الحرز فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: أو ابتلع السارق درا أي لؤلؤا، ومثله الجوهر والياقوت والزمرذ والزبرجد والمرجان والذهب والفضة وكل ما لا يفسده الابتلاع؛ إذ يصدق عليه أنه أخرج نصابا، وليس ابتلاعه استهلاكا له فلو قال: كدر كان أحسن وهو داخل في حيز الإغياء، وَفُهِمَ من تمثيله بالدر أنه لو أكل طعاما في الحرز يساوي نصابا لا قطع وهو كذلك، بل يؤدب ويضمنه وكذا لو حرق ثوبا أو أفسده. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ابتلع في الحرز درا أو دينارا أو نحوه مما لا يفسد بالابتلاع، وإن حصل فيه تغير كالدر ثم خرج السارق فيقطع بخلاف ما يفسد، كأكله طعاما نصابا أو ابتلاعه عنبرا مثلا ثم خرج فلا قطع، ولكن يضمنه كما لو حرق أمتعة داخل الحرز ويؤدب، فإن أخرجه ثم ابتلعه قطع. انتهى.
وقول المصنف: "أو ابتلع درا" قال عنده التتائي: قال بعض من تكلم على هذا المحل: كذا قال ابن رشد في رسم أسلم من سماع ابن القاسم في كتاب السرقة فيمن ازدرد الدينار في الحرز فخرج به، فالعجب من قول ابن عرفة: لا أعرفها نصا إلا للغزالي في الوجيز واحتياجه لتخريجها على ما في المدونة من دهن الرأس أو اللحية. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: لو ابتلع درة وخرج قطع. ابن عرفة: هذا مقتضى المدونة ولا أعرفه نصا إلا للغزالي. انتهى. وقال البناني: ابن غازي: قال ابن يونس في العتبية: لو ابتلع دينارا في الحرز وخرج لقطع لأنه خرج به وهو شيء يخرج منه فيأخذه، وكذا قال ابن رشد في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب السرقة فيمن ازدرد الدينار في الحرز فخرج به، والعجب من ابن عرفة كيف خفي عليه هذا حتى قال: لا
стр. 9021
أعرفها بنصها إلا للغزالي في الوجيز واحتاج إلى تخريجها على ما في المدونة في دهن الرأس واللحية. انتهى.
أو ادهن بما يحصل منه نصاب عطف على المبالغة أيضا؛ يعني أنه إذا دخل في الحرز فادهن بما يحصل منه نصاب إذا سلت فخرج بذلك من الحرز فإنه يقطع. وقوله: "أو ادهن" يعني وكذا لو دهنه غيره برضاه والمعتبر قدر ما يسلت لا ما ادهن به، ومثل سلته عند أشهب غسله فيطفو على الماء فيجمع كما في التوضيح. قال الشبراخيتي: أو ادهن أي دهن نفسه ومثله لو دهنه غيره باختياره بما يحصل منه نصاب أي بعد خروجه وسلته، قال الش: أي يحصل منه بعد خروجه من الحرز إذا سلت ما قيمته نصاب. انتهى. وفي كلام المصنف إشارة إلى هذا الشرط حيث عبر بقوله: "بما يحصل" الخ، وعدل عن أن يقول أو ادهن بنصاب مع أنه أخصر. وفهم من قوله: "يحصل منه نصاب" أنه لو لم يحصل منه بعد سلته نصاب لم يقطع وإن ادهن بأكثر منه. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ادهن في الحرز أو دهنه غيره باختياره بما يحصل بعد خروجه من الحرز إذا سلت، كمسك وزباد نصاب أي قيمة نصاب والتقييد بإذا سلت يفيد حكم تعبير المصنف بما يحصل، دون أن يقول: أو ادهن بنصاب، مع أنه أخصر. ومثل السلت الغسل فيطفو منه على الماء. انتهى. ومن المدونة: وإذا دخل السارق الحرز فأكل الطعام فيه ثم خرج لم يقطع وضمنه، وإن دهن رأسه ولحيته في الحرز بدهن ثم خرج، فإن كان ما في رأسه من الدهن إن سلت يبلغ ربع دينار قطع، وإلا لم يقطع. انتهى.
أو أشار إلى شاة بالعلف فخرجت يعني أنه لا يشترط دخول السارق للحرز، فلذا لو أدخل عصا في الحرز وجذب بها نصابا فأخرجه من الحرز فإنه يقطع، أو أشار من خارج الحرز إلى شاة داخلة بالعلف فخرجت فإنه يقطع، وظاهر المصنف أنه يقطع وإن لم يأخذها. قال في الميسر: أو لم يدخل الحرز بل أخرج نصابا بيده أو عود أو تحيل، كمن أشار إلى شاة أو غيرها بالعلف فخرجت من الحرز فالمشهور قطعه وإن لم يأخذها كما هو ظاهر نقل المواق عن العتبية، وكذا لو أخرجها بغير علف كنداء دابة أو صوت تخرج به عادة ولو أشار لها جماعة قطعوا إن ناب كل واحد نصاب وإلا فلا؛ لأن الأصل خروجها بإشارة كل بانفراده. قاله عبد الباقي. انتهى.
стр. 9022
وقال الخرشي: وكذلك يقطع من أشار إلى شاة بالعلف ونحوها فأخرجها من حرز مثلها أو إلى صبي أو إلى أعجمي حتى أخرجه، فقوله: "أو أشار" الخ عطف على لم يخرج فهو في حيز المبالغة. انتهى. وفي كلام غير واحد: وظاهر كلام المصنف أن خروجه من الحرز كاف أي وإن لم يأخذه وفي النوادر ما يفيد أنه يقطع وإن لم يأخذه أي ما ذكر من الشاة التي أشار إليها أو نحوها، وهذا هو الذي ينبغي التعويل عليه لوافقته من حيث المعنى، لقول المصنف: وإن لم يخرج هو. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه ما نصه: وغير الشاة مثلها، ففي ابن مرزوق إخراج البازي من غير علف كإخراج الشاة به، والظاهر أبي إشارة جماعة لإخراجها كإشارة واحد لأن الأصل خروجها بإشارة كل بانفراده، فيقطع الجميع إن ناب كل واحد من قيمتها نصاب وإلا فلا. انتهى. قال البناني: هذا هو الجاري على قول المصنف فيما تقدم: "أو اشتركا في حمل إن استقل كل ولم ينبه نصاب"؛ لأن كلا منهم هنا يستقل بالإشارة فإن ناب كلانصاب قطعوا كلهم وإلا فلا قطع. انتهى. وقال المواق: سمع أشهب: من أشار إلى شاة في حرز لم يدخله بالعلف فخرجت لا قطع عليه، وقال أشهب وابن القاسم: يقطع. ابن رشد: القطع هو الأظهر. انتهى.
أو اللحد يعني أن من سرق اللحد أي الخشبة التي يغطى بها القبر يقطع، ويشمله قولهم: إن القبر حرز، وأما سرقة الكفن فستأتي، قال التتائي: قال بعض من تكلم على هذا المحل: كأنه منصوب بمحذوف معطوف على ما في حيز المبالغة، فاللحد على هذا وهو غشاء القبر مسروق بنفسه، وأما ما فيه وهو الكفن فقد ذكره بعد هذا فلا تكرار، ويدل على هذا عطفه عليه الخباء وهم وإن لم يصرحوا بسرقة اللحد نفسه خصوصا، فقد قالوا: القبر حرز لما فيه. انتهى. وفيه تفسير اللحد بالمجاور لأن اللحد الشق يكون في عرض القبر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بغشائه هنا الأسفل الذي يسد به على الميت حيث يساوي نصابا؛ لأنه هو الذي حَرَزَ الميت لا الأعلى الظاهر لأنه منهي عنه لغير التمييز، ولم ينصوا على أن القبر حرز له فيما علمت. انتهى. وبتفسير اللحد بما ذكر يندفع اعتراض غير واحد كالمواق، حيث قال عند قوله "أو اللحد" ما نصه: قال بعد هذا: أو قبر، فانظر أنت هذا. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو
стр. 9023
اللحد، المراد به غشاء اللحد أي الألواح أو البلاط التي تجعل على اللحد، وإطلاق اللحد على الغشاء مجاز من باب إطلاق اسم المحل على الحال علاقته المجاورة.
أو الخباء يعني أن من سرق الخباء يقطع وهو خيمة من صوف. قال عبد الباقي: أو سرق الخباء أي الخيمة، وقال الشبراخيتي: أو الخباء أي الخيمة فإنه يقطع، وقال الخرشي مفسرا للمصنف: وكذلك يقطع من سرق الخيمة. انتهى. وقال التتائي: أو الخباء واحد الأخيبة من وبر أو صوف ولا يكون من شعر وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت واستخبينا الخباء أي نصبناه ودخلنا، والظاهر أن المراد به في عرفنا الخيمة يقطع سارقه. انتهى.
أو ما فيه يعني أنه إذا سرق ما في الخباء فإنه يقطع. الشبراخيتي: ولا مفهوم للخباء بل كل محل اتخذه الإنسان منزلا وترك متاعه فيه وذهب لحاجة مثلا فسرقه إنسان فإنه يقطع. انتهى. وقال المواق من المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجا منه وخرج لحاجة فسرقه رجل أو سرق المسافر فسطاطا مضروبا بالأرض قطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق الخباء أي الخيمة أو ما فيه كإن سرقهما معا قطع إن كان مجموعهما يساوي نصابا. انظر التتائي. وسواء كان أهله فيه أم لا، وسواء الحَضَر والسفر لأن الخباء حرز لنفسه ولا فيه، ولا مفهوم للخباء بل كل محل اتخذه الإنسان منزلا وترك متاعه فيه وذهب لحاجة مَثَلًا وسرقه إنسان فإنه يقطع. انتهى.
وقال البناني عند قوله: "أو الخباء أو ما فيه" ما نصه: هذا مقيد بما إذا ضرب الخباء في مكان لا يعد ضاربه فيه مضيعا له. قاله ابن مرزوق. وقول الزرقاني: بل كل محل اتخذه إنسان منزلا لخ هكذا نقله المصنف في التوضيح عن اللخمي، وكذا ابن عرفة ونصه: وكرفقة في السفر ينزل كل واحد على حدته إن سرق أحدهم من الآخر قطع، كأهل الدار ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها ومن أبقى ثوبه في الصحراء وذهب لحاجته وهو يريد الرجعة لأخذه فسرقه رجل سرا، فإن كان منزلا له قطع سارقه وإلا لم يقطع. انتهى. وقال التتائي: "أو الخباء أو ما فيه" لأنه لا ضربه صار منزلا فهو حرز لنفسه ولا فيه كان أهله فيه أولا، ولو سرق بعض أهل خباء من أهل خباءآخر وقطعوا على الأصح لا أهل خباء من بعضهم. قاله محمد اللخمي. اتفقوا على أنه لو لم
стр. 9024
يكن منزلا نزله لم يقطع كمن ينزل لقضاء حاجة أو أخذ ماء، وقول البساطي: انظر لو كان الخباء يساوي دون النصاب وما فيه كذلك ولكن المجموع نصاب قد يقال لا نظر إلى آخر كلامه.
أو حانوت يعني أنه إذا سرق نصابا من حانوت فإنه يقطع لأن الحوانيت حرز لما فيها. وفي الميسر: أو سرق ما في حانوت أي بيت عمل لتاجر أو صانع، وفي الكافي أن من سرق من حانوت تاجر في سوق ليلا أو نهارا قطع إلا أن تكون قيسارية لها أبواب وحيطان محدقة بها فإنها باليل خاصة حرز واحد لا يقطع حتى يخرج منها بسرقته. انتهى. ونقله في التوضيح. انتهى. ومن المدونة يقطع من سرق من الحوانيت والمنازل والبيوت. انتهى.
أو فنائهما أي الخباء والحانوت يعني أن من سرق من فناء الحانوت ما يوضع فيه عادة يقطع، وكذا يقطع من سرق من فناء الخباء ما يوضع فيه عادة. قال عبد الباقي: أو سرق نصابا من حانوت لصيرفي أو غيره أو سرق من فنائهما أي الخباء والحانوت لأنه حرز لما يوضع فيه عادة. انتهى. وقال التتائي: ونحوه للشبراخيتي أو سرق من فنائهما أي الخباء والحانوت، وكذا من تابوت الصيرفي يقوم عنه ويتركه ليلا أو نهارا، مبنيا كان أو غير مبني، إلا إن كان ينقلب به في كل ليلة فلا قطع قاله ابن القاسم. انتهى. وقال المواق من المدونة: يقطع من سرق ما وضع في أفنية الحوانيت، وقد تقدم أنه يقطع من أخذ من خارج الخباء. انتهى. يعني ما مر له عن المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجا منه وخرج لحاجة فسرقه رجل أو سرق المسافر فسطاطا مضروبا بالأرض قطع. انتهى. فأفاد هنا أن المراد بقولها أو خارجا منه فناء الخباء. واللَّه تعالى أعلم.
أو محمل يعني أنه يقطع في سرقة محمل، وصورة ذلك أنه سرق المحمل أو ما فيه من غير ظهر دابة لأن المحمل حرز لنفسه ولما فيه، قال عبد الباقي: أو سرقة محمل قيمته نصاب كَزَامِلَةٍ وشقذف ومحفة من غير ظهر دابة، وإلا فهو ما بعده لأنه حرز لنفسه ولما فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرقة محمل قيمته نصاب لأنه حرز لنفسه ولما فيه، قال في الحاشية: وَصُورَتُهَا أنه سرق المحمل أو ما فيه من غير ظهر دابة وإلا فهو ما بعده، وقال في الشرح: لا يخفى أن قوله: أو ظهر دابة يغني عن قوله: "أو محمل" لأنه مما على ظهر الدابة، وحمله على أن معناه
стр. 9025
سرق بعد وضعه عن ظهرها كما ذهب إليه ابن مرزوق غير ظاهر؛ لأنه حين الوضع متاع سرق من محل، فيراعى فيه ما روعي في سرقة غيره. انتهى.
وقال عبد الباقي أو سرق ما على ظهر دابة غرارة أو ما فيها أو السرج أو البردعة سائرة أو نازلة في ليل أو نهار: أو رحل جمل حيث كانت الدابة في حرز مثلها وإن لم يكن حرزا لما عليها وإلا فلا قطع. وقال البناني: ابن رشد: المحمل على البعير كسرج الدابة، فمن سرقه من عليه أو سرق شيأ منه قطع إلا أن يكون مُخَلًّى في غير حرز ولا حارز فلا قطع فيه كما لو سرقه بمحمله. انتهى. نقله ابن عرفة. انتهى. وفي الميسر: أو ما في محمل على ظهر أم لا، أو ما على ظهر دابة من متاع أو سرج ونحوه إن لم تكن مخلاة في غير حرز. انتهى. وإن غيب عنهن يعني أنه إذا سرق من الخباء وما بعده إلى هنا فإنه يقطع ولو غاب عنهن أهلهن، فقوله: عنهن أي غابوا عن الخباء والحانوت وفنائهما والمحمل وما على ظهر الدابة؛ أي يقطع من سرق من ذلك غاب عنه أهله أم لا. قال الشبراخيتي: وإن غيب عنهن أي عن الخباء وما بعده فكما لا يشترط في قطع السارق من البيت حضور صاحبه وقت السرقة فكذا هذه الأشياء. إِنتهى.
وقال في الميسر: وإن غيب عنهن أي عن الخباء وما بعده أي غاب عنها أهلها. قاله فيها. وقال في التوضيح عن البيان: المحمل الذي على الدابة كالسرج الذي على الدابة، فمن سرقه أو سرق شيأ منه قطع إلا أن تكون مخلاة من غير حرز ولا حارز فلا قطع على سارقه، كما لو سرق الدابة بسرجها وهي مخلاة. انتهى. وقال المواق من المدونة: والدور حرز لما فيها، غاب أهلها أو حضروا، ويقطع من سرق مالا وُضِعَ بأفنية الحوانيت. اللخمي: يريد إذا كان معها صاحبها واختلف إن غاب عنه، ومن المدونة: من سرق من محل شيئا أو أخذ من البعير غرائر أوْ شقها فأخذ منها متاعا أو أخذ ثوبا من على ظهر البعير مستترا قطع، وسمع أشهب: من سرق من المحمل وليس صاحبه معه فعليه القطع. انتهى.
أو بجرين يعني أنه إذا سرق من الجرين وهو الموضع الذي يوضع فيه القمح أو الشعير أو غيرهما حتى يصفى وينقل فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: أو بجرين معطوف على حانوت وباؤه للظرفية أي فيه فيقطع، فلو جذ وكدس بموضعه فلا قطع على سارقه، لكن لو حمل فسرق في الطريق
стр. 9026
قبل وصول الجرين قطع لأجل من معه. ذكره في التبصرة. وظاهر كلام المصنف: قرب الجرين أو بعد، وقيل: يقطع في القريب لا البعيد، والجرين يسمى بالجرن والأندر، والمراد به الموضع الذي يوضع فيه القمح أو الشعير أو غيرهما حتى يصفى وينقل، وأما الموضع الذي يجفف فيه التمر فيقال له بريد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق تمرًا بجرين أي فيه قريب من العمران أو بعيد فيقطع فلو جُذَّ وكدس بموضعه فلا قطع على سارقه، وكذا ما حصد من قمح مصر وفولها وقرطها ووضع بموضعه لييبس فلا قطع على سارقه. قاله مالك في القمح والقرط. فإن حمل فسرق في الطريق قبل وصوله الجرين قطع لكن لأجل من معه. الجوهري: الجرن والجرين موضع التمر الذي يجفف فيه. قاله التتائي. والمراد به هنا ما يشمل ذلك والوضع الذي يوضع فيه القمح ونحوه حتى يصفَّى وينقل. انتهى. وقال البناني في المدونة: قال ابن القاسم: وإذا جمع في الجرين الحب أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا غلق ولا حائط قطع من سرق منه. ابن يونس: لعموم (الحديث) (١). نقله المواق. وقول عبد الباقي: فلو جذ وكدس الخ ما اقتصر عليه في هذا من عدم القطع هو أحَدُ الأقوال الثلاثة الآتية في قول المصنف: "وإلا بعد حصده فثالثها إن كدس" فلو أسقطه من هنا لكان أحسن. وقوله: "الجرين" كأمير والجُرْن بضم الجيم [وسكون] (٢) الراء كقفل بمعنى واحد وهكذا في القاموس، وأما الجرن بضمتين فهو جمع جرين كما في النهاية. انتهى. وقوله: وكذا ما حصد من قمح مصر وفولها لخ؛ يعني لأنه لم ينقل إلى الجرين، ويأتي الكلام عليه للمصنف. واللَّه تعالى أعلم.
أو ساحة دار يعني أن الدار المشتركة ساحتها وهي البقعة التي بين الجدران واسعة ليس فيها بناء، وتسمى أيضا عرصة حرز بالنسبة، لشخص أجنبي أي غير شريك في سكنى ولو شريك ذات أو منفعة فإنه أجنبي حيث لم يشارك في السكنى ولم يدخل إلا بإذن، وإذا كان ساحتها حرزا بالنسبة للأجنبي بالمعنى المذكور فإنه يقطع من سرق من ساحتها ذلك الأجنبي وأخرجه من
стр. 9027
جميع الدار، سواء كان مما يوضع في الساحة أم لا، كثوب إن حجر عليه يعني أنه إنما يقطع الأجنبي حيث سرق من ساحة الدار المذكورة بشرط أن يكون محجورا عليه في دخول الدار المذكورة، فإن لم يحجر عليه في دخولها لم يقطع. قال عبد الباقي: أو سرق من ساحة دار مشتركة حرز بالنسبة للأجنبي أي غير شريك في سكنى ولو شريك ذات أو منفعة فإنه هناك أجنبي حيث لم يشارك في السكنى، ولم يدخل إلا بإذن، فيقطع الأجنبي فيما سرقه من الساحة وأخرجه عن جميع الدار، سواء كان مما يوضع في الساحة أم لا، كثوب إن حجر عليه. ومفهوم "أجنبي" أن الشريك في السكنى يقطع إن سرق من الساحة ما يوضع فيها فقط، كدابة أزالها عن موضعها إزالة بينة كما للخمي لا غير ما يوضع فيها، ولو أخرجه عن الدار لأنه في غير حرز بالنسبة للشريك في السكنى، وأما السرقة من بيت من بيوتها فيقطع مخرجه من البيت لساحتها اتفاقا في الشريك وعلى الراجح في الأجنبي، وكلام المصنف في الدار المشتركة كما علم، وأما المختصة فلا يقطع إلا إذا أخرجه من جميع الدار، سواء سرقه من بيت من بيوتها أو من ساحتها وسواء كان ما سرقه من ساحتها شأنه أن يوضع فيها أم لا. انتهى.
قوله: وعلى الراجح في الأجنبي الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: انظر من رجحه وقد صدر ابن يونس بأنه لا يقطع ثم ذكر القول بالقطع. انظر المواق. انتهى. قلت: لا شك أن كلام ابن يونس يفيد رجحان مقابل ما رجحه الزرقاني، وأن ما رجحه الزرقاني خلاف مذهب المدونة، ونصه: فإن كان السارق من غير السكان فإنه لا يقطع حتى يخرج من جميع الدار، سواء سرق من البيت أو من الساحة. وقاله سحنون. وقال ابن المواز في هذا: إنه يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة. انتهى. لكن كلام ابن رشد في المقدمات يفيد أنه فهم المدونة على الوفاق لا في الموازية. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: أو سرق من ساحة دار أي البقعة التي بين الجدران واسعة ليس فيها بناء، وتسمى أيضا عرصة قطع لأنها حرز بالنسبة لأجنبي إن حجر عليه في الدخول، وهو شامل لقسمين: ما إذا كانت لواحد وحجر الناس عن دخولها، أو لجماعة وحجروها كذلك، والمراد بالأجنبي غير الشريك في السكنى، وسواء كان المسروق مما يوضع فيها أم لا كالثوب، وأما غير الأجنبي فيقطع إن سرق من الساحة ما يوضع فيها كالدابة لا غيره،
стр. 9028
وأما السرقة من بيت من بيوتها فإنه يقطع من أخرجه من البيت لساحتها، سواء كان أجنبيا أو شريكا، وكلام المصنف هذا في الدار المشتركة، وأما الدار المختصة بشخص فلا يقطع من سرق من ساحتها أو من بيت من بيوتها حتى يخرج به من جميعها، وسواء سرق من ساحتها ما العادة أن يوضع فيها أم لا. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب والحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال. انتهى. هذا راجع لقوله: "محرزا"، ونَسَبَ عدم التضييع إلى العرف لأن التضييع والحفظ أمران نسبيان لا ينضبطان إلا بالعرف، فقد يكون الشيء محفوظا في مكان مضيعا في غيره ومحفوظا بالنسبة إلى شخص دون شخص، وبهذا يندفع إيراد من أورد عليه بعض مسائل الوديعة: كمن أودع دراهم فوضعها في صحن داره فأخذها ولده أو زوجته فإنه يضمن لتضييعه، ولو سرقها سارق من أي موضع كان لقطع وجوابه ما ذكرنا، وهو أنه مضيع لها بالنسبة إلى ولده وزوجته أو من يدخل معهم بإذن أو بغير إذن فإنه يضمن لتضييعه وحافظ بالنسبة إلى السارق.
الثاني: قال في التوضيح: والجمهور على اعتبار الحرز خلافا لبعض أهل الحديث وبعض الظاهرية، لما رواه الترمذي وصححه عنه ﵊: (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) (١)، وروى النسائي عنه ﵊: (لا قطع في كثر ولا ثمر) (٢)، والكثر: الجمار.
كالسفينة يعني أن السفينة حرز لما فيها، فيقطع من سرق منها، قال عبد الباقي: كالسفينة يقطع من سرق منها بحضرة رب المتاع، سواء أخرجه منها أم لا، كان من ركابها أم لا، وكذا بغير حضرته إن كان السارق أجنبيا وأخرجه منها، فهذه خمسة أقسام، لا إن لم يخرجه فإن كان من ركابها لم يقطع ولو أخرجه منها لأنه من غير حرز عند غيبة ربه عنه، فتلك ثلاثة لا قطع فيها، وإن سرق من الخن قطع وإن لم يخرجه من السفينة في الثمانية لأنه كبيت مستقل،
стр. 9029
وسيذكر المصنف سرقه السفينة نفسها. انتهى. قوله: يقطع من سرق منها بحضرة رب المتاع، صوابه: يقطع من سرق منها ما تحت صاحبه، وأما ما كان بحضرة صاحبه ولم يكن تحته فإنه لا يقطع فيه الأجنبي حتى يخرج به من السفينة، كما إذا سرق ما ليس معه صاحبه أصلا. قال شيخنا: لأن حضرة ربه إنما تعتبر فيما ليس بحرزه، كما قال ابن عاشر. وما قاله ظاهر. وقد نقل التاودي والبناني كلام ابن عاشر فيما يأتي عند قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه وسلماه. قاله الرهوني. وقول عبد الباقي: وإن سرق من الخن قطع الخ قيل إن الخِن بالكسر بيت في السفينة ولم أجده في الصحاح بهذا المعنى. قاله البناني. الرهوني: وما جزم به الزرقاني من أنه يقطع من سرق منه جزم به علي الأجهوري والخرشي، ولم يذكروا فيه خلافا فظاهر كلامهم أنه متفق عليه ولكن تصريح الأئمة بأن السفينة كالدار يدل على أن الخلاف السابق فيمن سرق من البيت وأخذ في الساحة وهو ليس من سكانها يجري هنا. انتهى المراد منه. وقال المواق: ابن رشد: حكم السرقة من السفينة بين أهلها كحكم السرقة من صحن الدار المشتركة. انتهى.
اللخمي: ومن سرق منها -يعني من السفينة- من غيرهم قطع إذا أبرزه من السفينة، ويختلف إذا سرق من أحد المواضع التي تغلق، فعلى قول محمد: يقطع إذا أبرزه من حرزه وإن لم يخرجه من السفينة، وعلى قول سحنون: لا يقطع حتى يخرجه منها. انتهى. وظاهر كلام ابن يونس أنه لا يقطع حتى يخرج به من السفينة لأنه أطلق، ونصه: قال مالك: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه كالحرز الواحد، إلا أن يسرق منه أحد من غير أهل السفينة مستسرا فليقطع إذا أخرج من المركب وكذلك في المدونة وبعد هذا إيعاب القول. انتهى. وأشار بقوله: وبعد هذا إلى آخره، لقوله في ترجمة في السرقة للسفينة أو منها، قال ابن القاسم: أي في المدونة ومن سرق من سفينة قطع إذا أخرج ذلك من المركب. انتهى. فظاهر كلامه أنه إذا لم يخرج من المركب لا يقطع، وإن سرق من موضع يغلق، ويؤيد حمله على ظاهره أنه حمل المدونة في السرقة من بيت من بيوت الدار المشتركة على أنه لا يقطع حتى يخرج من ساحتها. انتهى.
أو خان يعني أن من سرق الثقال من ساحات الخانات فإنه يقطع؛ لأن ساحة الخان حرز بالنسبة لاقال، قال عبد الباقي: أو ساحة خان حرز للأثقال أي للأعدال فيقطع سارقها بمجرد
стр. 9030
إزالتها عن موضعها، سواء كان من سكانه أو أجنبيا إذا كانت تباع بها وإلا فلا قطع حتى يخرجها، وأما الشيء الخفيف فليست الساحة حرْزا له بالنسبة للأجنبي وغيره على المعتمد، وقوله: "للأثقال" زاد ابن الحاجب عقبه: والأعكام، ولعله عنى به ما عظم جرمه وكان غير ثقيل كالزلع أي الفارغة ونحوها، ولم يرد معناه اللغوي وهو الأعدال، ويدل على ذلك قول الشامل: وساحة الخان لما ثقل أو عظم مطلقا. انتهى. أي من سكانه أو أجنبيا، وقال التتائي عقب قول المصنف: "الأثقال" كالأعكام وهي الأعدال. انتهى. وهو لا يناسب عبارة ابن الحاجب. انتهى. والخان: دار معروفة مشتركة. وفي القاموس: الخان: الحانوت أو صاحبه. انتهى. وقوله: كالزلع رأيت في طرة أنها الأعدال الفارغة. واللَّه تعالى أعلم.
قال التتائي: أو ساحة خان يقطع من سرق منها لأنها حرز للأثقال كالأعكام وهي الأعدال دون ما خف فلا قطع فيه لأنه ليس حرزا بالنسبة له، وأما بيوت الخان فمن سرق منها وأخذ قبل أن يخرج من بابه قطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ساحة خان يقطع من سرق منها لأنها حرز للأثقال وهي الأعدال؛ إذ يشق إدخالها في بيوته سواء كان من سكانه أو أجنبيا، وأما غير الأثقال فإن الساحة غير حرز له بالنسبة للأجنبي وغيره كما هو المعتمد. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: الدار المشتركة المأذونة إذا سرق الرجل منها دواب من مرابطها قطع، قال ابن المواز: وإن أخذ في الدار إذا جاوز بها مرابطها وكذلك الأعكام من الثياب والأعدال، والشيء الثقيل قد جعل ذلك موضعه فهو كالدابة على مرودها في الدار المشتركة أنه يقطع إذا برز من موضعه، قال: وأما المتاع يكون في قاعتها مما جعل ليُرْفَع لا على أن يكون ذلك موضعه، فهذا إنما يقطع إذا أخرجه من جميع الدار إلا أن يؤذن فيها لكل أحد كالقياسير فلا يقطع في هذا المتاع. انتهى. وقال في الميسر: أو ساحة خان للأثقال أي ما ثقل من المتاع فهي حرز له عن أجنبي وغيره، والخان لغة: الحانوت، وفسره بهرام بدار مشتركة مباحة للناس كالفنادق يسكن فيها كل رجل على حدته وقاعته مباحة للبيع والشراء، وقال: إنه لا يقطع من سرق منها إلا فيما يوضع هناك كدابة من مرابطها وما ثقل من الأحمال، ونحوُه ما في التوضيح أن ساحة دار مشتركة مباحة لكل أحد لا يقطع أجنبي إن سرق منها ما خَفَّ. انتهى. وفيها أن من نشر من أهلها ثوبه في صحن
стр. 9031
الدار أي وسطها لم يقطع سارقه إن كان من أهلها وإلا قطع، إلا أن تكون مباحة لا يمنع منها أحد فلا يقطع سارقه من أهل الدار وغيرهم. انتهى.
أو زوج فيما حجر عليه يعني أن الزوج ذكرا أو أنثى إذا سرق متاعا لزوجه الآخر في مكان حجر عليه أي على الزوج السارق من دخوله فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل بسرقته من مال الآخر فيما أي في مكان حجر عنه أي عن السارق الزوج أن يدخله أو يفتحه من بيوت الدار بإزالته عن محله، وإنما يعتبر الحَجْر بغلق لا بمجرد حجر بالكلام، وأما إن سرق مما لم يحجر عنه فلا قطع لأنه حينئذ خائن لا سارق، وحكم أمة الزوجة حكمها في السرقة من مال الزوج، وحكم عبد الزوج حكمه إذا سرق من مال الزوجة. انتهى. وقال البناني: أو زوج فيما حجر عنه أي سواء كان خارجا عن مسكنهما أو كان معهما في بيت واحد بلا خلاف في الأول كما في التوضيح عن عياض، وعلى قول ابن القاسم في الثاني خلافا لما في الموازية. اللخمي: وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي، وإن كان يتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل منهما بسرقته من مال الآخر فيما حجر عليه من بيوت الدار وعبد الزوج كهو وأمة الزوجة كهي. انتهى.
وعلم مما قررت أن ما في قوله: "فيما حجر عليه" واقعة على مكان، وفي نسخة "عنه" بدل "عليه". واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق عند قول المصنف: "أو زوج فيما حجر عنه" ما نصه: اللخمي: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من موضع محجور بان عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في [بيت واحد فسرق] (١) من تابوت مُغْلَقٍ أو بيت محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة، فقال ابن القاسم: يقطع، وفي الموازية: لا يقطع وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرقها، وإن كان لتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى.
أو موقف دابة لبيع يعني أن من أوقف دابة بموقفها المعتاد لبيع فإنه يقطع من سرقها سواء ربطت أم لا، قال عبد الباقي: أو موقف دابة يقطع سارقها، سواء وقفت لبيع، ربطت أم لا،
стр. 9032
كان معها صاحبها أم لا. أو غيره أي غير البيع إن ربطت. انتهى. وقال في الميسر: وموقف دابة معتاد لا غيره كما يأتي لبيع أو غيره فهو حرز لها ظاهره ربطت أم لا، وهو كذلك في البيع. قاله فيها. وأما في غيره ففيها: لو كان بها مرابط معروفة في السكة فسرقها رجل من ذلك الموضع قطع لأن ذلك حرز لها. انتهى. ومراح الماشية حرز لها وإن لم يكن عليه حائط ولا غلق فعلى من سرق منها القطع، وإن لم يبت معها أهلها كالدواب في مرابطها المعروفة وإن لم يكن لدورها أبواب ولا غلق. قاله فيها. انتهى.
والْحَاصِلُ أن من سرق دابة من موقفها المعتاد لها يقطع إذا كانت موقفة للبيع، ربطت أم لا، فإن كانت موقوفة بموقفها المعتاد لها لغير بيع قطع إن ربطت لا إن لم تربط. قال الشبراخيتي: ويجب تقييد قوله: "أو غيره" بقيدين: أن يكون الوقف معتادا لوقوفها فيه، وأن تكون مربوطة وينبغي أن يقطع بمجرد إزالتها من موضعها، ويأتي أو أخذ دابة بباب مسجد أو سوق وهو يفيد أن أخذها من الموقف غير المعتاد لا قطع فيه. انتهى. وفي الموازية: الشاة توقف في السوق للبيع وسُوقِها (١) قُطِع، وإن لم تكن مربوطة. ومن المدونة: لو كان للدواب مرابط معروفة في السكة فمن سرقها من مرابطها قطع لأن ذلك حرزها. انتهى.
أو قبر يعني أن القبر حرز بالنسبة للكفن، قال الشبراخيتي: أو قبر حرز لكفن فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، وأما لغير الكفن فليس بحرز، فلو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، وسواء كان القبر قريبا أو في الصحراء. انتهى. وقال التتائي: أو قبر حرز للكَفَنِ فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، قال في الذخيرة: إذ لا يزول ملكه عما لا يحتاج إليه بدليل وفاء الدين، ولا تبرأ ذمته بغير ملكه. ثم قال: لو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، ولو كان حرزا لكان حرزا لما زاد على الكفن المعتاد، فلو كفن في عشرة أثواب لم يقطع بسرقة الزائد على الكفن، وإنما قطع لأن القبر ليس حرزا معتادا في المسألتين. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "أو قبر" معناه أن القبر حرز بالنسبة للكفن سواء كان القبر قريبا أو في الصحراء.
стр. 9033
أو بحر لمن رمي به يعني أن البحر إذا مات به أحد ورمي به مكفنا فإنه حرز لكفنه، فإذا سرق أحد كفن الميت المرمي فيه فإنه يقطع لما علمت من أن البحر حرز لكفنه. وفي الميسر: أو قبر أو بحر لمن رمي به فكل منهما حرز لكفن؛ لأن البحر قبر لمن مات به لأنه غاية المقدور في حفظه، سواء شد على خَشَبَةٍ أم لا، وتبع فيه المصنف ابن الحاجب وابن شأس، وضعفه ابن مرزوق كما في الأجهوري، وظاهر المصنف كالمدونة والرسالة كان الكفن مأذونا فيه أم لا، ويفيده قول ابن شأس: والقبر حرز لما فيه واعترضه ابن مرزوق بأنه ليس حرزا لغير الكفن، وذكر الأجهوري أنه لا قطع في كفن لم يؤذن فيه، وعن القرافي عدم قطع من سرق مالا من الغير أو سرق ما زاد على الكفن الشرعي. انتهى.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو بحر لمن رمي به": فيقطع سارق الكفن وظاهره رمي مثقلا أم لا وهو كذلك، والمراد الكفن الشرعي وهو المأذون فيه شرعا، فغير المأذون فيه لا يكون ما ذكر -يعني من القبر والبحر- حرزا له، وهذا واضح فيما إذا لم يؤذن فيه أصلا، وأما ما أذن فيه في حالة دون أخرى كالحرير فإنه أذن فيه حيث فقد غيره فيقطع سارقه حينئذ، وأما سرقته في حالة عدم الإذن فيه فلا قطع فيها، وإذا سرقه وقال: ظننت أنه فعل مع وجود غيره، وقال الوارث بل مع عدم غيره فالظاهر عدم قطعه أي لدرء الحد بالشبهة. ويفهم من قوله: "لكفن" أن البحر ليس بحرز لثياب الغريق وهو ظاهر الرواية إلا أن تجعل كفنا له.
وقوله: لكفن بدل من قوله: "لمن" بدل اشتمال. قاله الشبراخيتي. وهذا كالصريح في أن قوله: "لكفن" راجع لمسألة البحر دون مسألة القبر، فيلزم من ذلك أنه حذف لكفن من قوله: "أو قبر" وظاهر صنيع عبد الباقي أنه خبر لمبتدأ محذوف أي كل منهما حرز لكفن، وفي شرح عبد الباقي ما نصه: وأما القبر بالبر القريب من العمران أو البعيد فحرز للكفن، ولو فني الميت وبقي الكفن كما هو ظاهر ولا يقطع سارق الميت. انتهى.
أو سفينة بمرساة يعني أن من سرق سفينة بمرساة بفتح الميم أي بمحل أرسيت به فإنه يقطع لأن المحل الذي أرسيت به حرز لها وإن لم يكن معتادا، خلافا لأشهب. قال عبد الباقي: أو سفينة سرقت بمرساة بفتح الميم محل الرسي لأنه حرز لها وإن لم يعتد على الأصح كما في الشامل؛ أي
стр. 9034
سواء كان بقرية أم لا، قريبا من العمران أم لا، وتفصيل اللخمي ضعيف، وأما إن سرق مِرْساتها بكسر الميم أي الآلة فيقطع لأن البحر حرز لها، سارت السفينة أو أرْسَتْ قياسا على موقف دابة فيما يظهر، والسفينة حرز لما في جَنبهَا كما مر. انتهى. قال البناني: لما قال ابن الحاجب: والسفينة حرز لما فيها إذا أرسيت أو كان معها أحد، قال في التوضيح: ليس هذا بجيد لأن هذا إنما هو في سرقتها نفسها، وأما في سرقة ما فيها فلا، وحكمها حكم صحن الدار المشتركة بين السكان فيها. قاله في البيان. قال: وأما سرقة السفينة فكما ذكره المصنف إن أرسيت في المرسى أو على قرية تصلح للمرسى. اللخمي: واختلف إذا أرسيت في غير قرية، فقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلا فربطوها وذهبوا لحاجتهم ولم يبق أحد منهم قطع، وقال أشهب في الموازية: لا يقطع كالدابة إذا ربطت بموضع لم تعرف به، وقد علمت أن كلام اللخمي موافق لإطلاق المصنف، واقتصر عليه ابن عرفة كما اقتصر عليه في التوضيح، فقول الزرقاني تبعا للفيشي: وتفصيل اللخمي ضعيف غير ظاهر فتأمل. انتهى.
الرهوني: مثل ما لهذين -يعني الفيشي وعبد الباقي- للخرشي، وفي قالوه ظاهر لأن اللخمي جزم بالقطع إذا كانت بالمرسى حيث السفن، وحكى القولين فيما إذا أرسيت بغير قرية من غير ترجيح، بل سوى بين قول ابن القاسم وأشهب فأشاروا إلى أن تسويته بين القولين فيها نظر، بل قول أشهب: وتفصيله ضعيف. فتأمله. انتهى. وقال المواق: ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: إن كانت السفينة في المرسى على أوتادها أو بين السفن أو بموضع لها حرز فعلى سارقها القطع وإن لم يكن معها أحد، وإن كانت مخلاة أو أفلتت ولا أحد معها فلا قطع فيها إلا أن يكون معها أحد، وإذا كان فيها مسافرون فأرسوها في مرسى وربطوها ونزلوا كلهم وتركوها، فقال ابن القاسم: يقطع من سرقها. انتهى. وفي الميسر: وأما المرساة بالكسر أي الآلة فالسفينة حرز لها رست أم لا إلا أن تهمل أو تَفْلَت. انتهى.
أو كل شيء بحضرة صاحبه يعني أن كل شيء سرق بحضرة صاحبه يقطع فيه السارق، قال عبد الباقي: أو سرق كل شيء أيْ أيَّ شيء بحضرة صاحبه الحي المميز ولو نائما فيقطع؛ لأنه حرز له ولو كان في فلاة لا ميتا ولا مجنونا ولا غير مميز، ولذا لم يقل كل شيء مع صاحبه مع أنه
стр. 9035
أخْصَرُ لاقتضائه قطعه إذا سرقه بصاحبه مع أنه لا يقطع، وكذا السفينة يسرقها وأهلها فيها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. ويستثنى من المنصف الغنم في المرعى فلا قطع على من سرق منها بحضرة ربها كما هو ظاهر الرسالة والنوادر وأبي الحسن الصغير، وبه صَرَّح ابن عمر وتبعه الشادلي والتتائي على الرسالة، وبه يعلم أن حكاية أحمد الخلاف فيه من غير ترجيح للقول بعدم القطع قصور، وقوله: لا قطع على من سرق منها في حال سيرها إلى المرعى فيه نظر مع قول المنصف أو قطار، ونحوه: ومثل الغنم في المرعى الثياب ينشرها الغسال وتسرق بحضرته فلا قطع كما في أبي الحسن على المدونة، ولعل وجه استثناء الغنم في المرعى والثياب في النشر تشتيت الغنم وعدم ضبطها ونشر الثياب قريب من ذلك، فصار الآخذ خائنا أو مختلسا. انتهى.
قوله: ولو نائما لخ ونحوه في التوضيح، ونصه: اللخمي: والأحراز ثلاثة، أَحَدُهَا ما حده الغلق وشبهه كالدور والحوانيت، وَالثَّانِي الانسان لا عليه أو معه أو يحرسه وهو يقظان أو نائم فمن سرق من هذين قطع بلا خلاف، وَالثَّالِثُ ما عداهما كالذي يجعل على الأفنية أو على الحبال ففيه اضطراب. انتهى. وهو خلاف ما في المواق عن ابن المواز، وهو من سرق رداؤه من المسجد وهو قريب منه قطع سارقه إن كان منتبها أو كالنعلين بين يديه وحيث يكونان من المنتبه. انتهى. لكن رأيت أبا الحسن لما تكلم على سرقة السفينة ذكر أن الإطْلَاقَ سواء كان منتبها أو نائما، صغيرا أو كبيرا هُوَ ظَاهِرُ المدونة، وعليه فما في الموازية مقابل. انتهى. قول الزرقاني: وكذا السفينة يسرقها وأهلها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. نص ما في أبي الحسن: قال اللخمي: إن كان الناس في السفينة فأزالها في ليل قطع إذا كان مَرْسًى معروفا، ولا يقطع إذا لم يكن معروفا لأن حرزها حينئذ الذين فيها ولم تَزُلْ أيديهم عنها، فأشبه من سرق دابة وعليها ربها وقد نعس عليها فردها -أي السارق- عن الطريق فإنه لا يقطع؛ لأن حرزها صاحبها ولم تزل يده عنها، فإذا استيقظ عند إنزاله عنها ثم أخذها بعد ذلك كان الحكم في صفة أخذه حينئذ هل أخذها غصبا أو على وجه الحرابة؟ وكذلد السفينة ينظر إلى الحالة التي أخذها عليها وقت علموا به، فإن أخذها غصبا عوقب ولم يقطع، وإن أخذها بحرابة كان الأمر فيه إلى الإمام. انتهى.