لم يكن ليضيق على عبد من عبيده حتى لا يدرى أذكر هو أو أنثى، وقال القاضي إسماعيل: لابد له من علامة تزيل إشكاله. واعلم أن الناس صنفان، ذكر وأنثى والخنثى من أحد الصنفين ولكن خفيت علينا علامته، ولو كان خلقا ثالثا لكان لا ميراث له، ونقل ابن حزم الإجماع على خلاف القول بأنه لا ميراث له.
الرابع: أول من حكم في الخنثى عامر بن الظرب، فكانت العرب في الجاهلية لا تقع لهم معضله إلا اختصموا إليه ورضوا بحكمه، فسألوه عن خنثى أتجعله ذكرا أم أنثى؟ فقال: أمهلوني فبات ليلة ساهرا، وكانت له جارية اسمها: سخيلة، ترعى له غنما وكانت تؤاخر السراح والرواح حتى تسبق، وكان يعاتبها في ذلك فيقول لها أصبحت ياسخيلة أمسيت، فلما رأت سهره وقلقه قالت له: ما لك في ليلتك هذه ساهرا؟ فقال لها: ويلك دعي أمرا ليس من شأنك، فأعادت عليه السؤال فذكر لها ما نزل به، فقالت له: سبحان الله أتبع القضاء المبال، فقال: فرجتها والله يا سخيلة، أمسيت بعدها أم أصبحت. فخرج حين أصبح فقضى بذلك. وعامر بن الظرب هذا هو أول من حكم في الجاهلية به، وأول من قضى به في الإسلام علي بن أبي طالب ﵁، ولا ينافي ذلك ما ورد من أنه ﵊ سئل عن ولد له قبل وذكر من أين يورث؟ أي بتشديد الراء، فقال ﵊: من حيث يبول، والحديث أخرجه البيهقي من حديث يعقوب ابن إبراهيم القاضي عن الكلبي وله شاهد عن عامر قويا. ذكر هذا الحافظ السيوطي في تعقبة على موضوعات ابن الجوزي.
وروي أن امرأة جاءت إلى علي ﵁ فزعمت أنها متزوجة بابن عم لها وأنها وقعت على خادمها، فحملت، فأمر غلامه قنبرا أن يعد أضلاعها فعدها فإذا هي أضلاع رجل فكساها ثياب الرجال وأخرجها بعد أن بعث إلى ابن عمها، وقال له: هل أصبتها بعد أن حملت الجارية منها؟ قال: نعم، قال: إنك أجرأ من خاصي الأسد. وعامر بن الظرب بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء المهملة، وقنبر بالقاف والنون والباء الموحدة بوزن جعفر ونونه أصلية. وقوله: فإذا هي أضلاع رجل يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وفي مسألة عامر بن الظرب عبرة ومزدجر لجملة قضاة الزمان ومفتيه، فإن هذا مشرك توقف في حكم حادثة أربعين يوما ولا حول ولا قوة إلا
стр. 9802
بالله، وفيه عبرة من جهة أخرى وهي أن الحكمة قد يخلقها الله تعالى ويجريها على لسان من لا يظن به معرفتها، وأنه إن عجز عن إدراكها أصحاب الفطنة والعقول المستعدة لذلك قد يجريها الله على لسان من لم يستعد لها. والله الموفق.
الخامس: قال الرهوني: قال الحطاب: اختلف العلماء في ميراث الخنثى المشكل على أحد عشر قولا الأول: وهو المشهور أنه يجب له نصف الميراثين على طريقة ذكر الأحوال أو ما يساويها من الأعمال لخ: قلت: من الأعمال التي تساويها قسم المال على الدعوى والتسليم. قال ابن يونس بعد أن ذكر كيفية الأحوال ما نصه: وكذا يصح على قول أهل الدعوى لأن الذكر يقول للخنثى لك الثلث بلا منازعة ولي النصف بلا منازعة، والسدس كل واحد منا يدعيه لنفسه فيقسم بيننا، فيكون للخنثى خمسة من أنثى عشر وللذكر سبعة. واعلم أن مذهب أهل الدعوى وأهل الأحوال يرجع إلى أمر واحد، فاستعن بأحد العملين على الآخر وعمل أهل الدعوى أسهل فأعمل عليه تقف على صوابه إن شاء الله.
السادس: قال الشبراخيتي: نظم شيخنا في شرحه أحكام الخنثى وشرحها، فقال:
حقيقة الخنثى وإن لم يشكل … ذو ءالة لمرأة والرجل
وقيل أيضا منه عار منهما … ويمنع المشكل من وطء الإما
كالنكح ثم إن يلد من ظهره … أو بطنه تَمَّ بيان أمره
ومنهما فمشكل ويمتنع … بينهما إرث ونكح فاستمع
وإن يلد من نفسه فمشكل … وحكم أنثى في استتار يجعل
ومثله الصلاة والشهادة … إلا بما به تخص النسوة
كعيب فرج وله إن جاهدا … شطر وقيل بل له ربع بدا
فما له شهادة فيما به … يختص نوع منهم فانتبه
كذاك للخروج في الحج وفي … لباس الإحرام وفدية تفي
وإن يكن في حجة بعرفه … يحضر جالسا كأنثى فاعرفه
وإن يصل في جماعة يقف … بعد النسا وخلف ذكران عرف
стр. 9803
وهل عليه جمعة كالذكر … كسنة العيد؟ محل نظر
وما عليه إن زنى بالذكر … حد كذا بالفرج عند الأكثر
والحد في ذا للصقليين … واقتصرا عليه دون مين
وبهما فذكر ابن عرفه … الأظهر الحد اتفاقا فاعرفه
ومن زنى به بغير الدبر … عنه انتفى الحد بقول الأكثر
وحد قذفه على حد الزنى … يجري وهذا ظاهر بلا عنا
ورضعه محرم كالمرأة … هذا الذي يظهر في القضية
كلغونا أذانه وعدم … إجزائه عن الزكاة فاعلم
ووحده في سجنه يكون … وعقله كإرثه يبين
وقال بعض إن في قطع الذكر … نصف حكومة وعقل يعتبر
ذكر هذا الحافظ ابن عرفه … قلت وشفراه كذا والحشفه
وهل يعاقل لثلث الدية … كمرأة لا نص في المسألة
وإن يمت فخادم تشرى له … من ماله لتلي اغتساله
أو تشترى من بيت مال حيث لا … مال ولا محرم للخنثى انجلا
وأعتقنها وولاءها استقر … للمسلمين قلت في هذا نظر
إذ لو تكون ملكه لم تعتق … ودفعت للوارث المحقق
فإن تعذر اشتراء الأمة … يمم واحتيط بغير مرية
فهو كمرأة مع الرجال … ورجل في عكس هذا الحال
وإن رجال ونساء حصلا … قدمت النساء يا من كملا
وختنه في فرجه مع الذكر … تختنه الرجال والفرج استتر
وتختن النساء فرجه ولا … ينظرن منه حال ختن قبلا
وإن له حضانة فكالذكر … والعكس كالأنثى وهذا ما ظهر
ويستمر أبدا محضونا … كمنع نكحه كما قضينا
стр. 9804
وإرثه نصف نصيبيْ ذكر … ومرأة بشرطه المعتبر
إن كان أخًا لأب أو ولدا … وذا وفاق قول من قد قيدا
بكون إرثه بحظ اختلف … فإن يكن متحدا يا من عرف
كالإرث بالولا وبالأخوة … لا لأب يأخذ كل الحصة
وإن يرى في حال تأنيث فقط … فنصفها يقضى به بلا شطط
ككونه أختا في الأكدرية … ومثل ذا في حالة المذكورة
ككونه عما فيعطى نصف ما … له من الإرث به فلتعلما
وإن يمت زوج له يعتد … عِدة موت في نكاح يفسد
وإن له التذكير أو أنثى استقر … ثم طرا خلاف ذا لا يعتبر
قوله: ومنهما بمشكل، قال العقباني: الظاهر أن الحكم لولادة البطن لأنها قطعية لكن لعل هذا على مذهب الشافعي، وأما على مذهبنا فالخنثى باق على إشكاله، وقوله: ويمتنع بينهما إرث أي بين ما ولد من ظهره وما ولد من بطنه؛ لأنهم لم يجمعهم أب ولا أم. وقوله: ونكح بفتح النون، وقوله: ومثله الصلاة أي يكون كالأنثى في الصلاة بالنسبة إلى الجهر والسر وكونه ينضم وينزوي في صلاته وكونه لا يؤم رجالا ولا نساء، وكذا في الصلاة عليه إذا مات فيقف الإمام عند منكبيه احتياطا وهذا على جهة الأولوية. وقوله: وحكم أنثى في استتار أي يجعل في الاستتار كالأنثى في الصلاة وغيره مع محرم ومع أجنبي. وقوله: والشهادة إلا بما به لخ أي أن حكمه حكم النساء في الشهادة إلا فيما يختص بالنساء فلا يشهد فيه فيشهد في الأموال وما يئول إليها لا في عيب الفرج ونحوه ولا فيما لا يقبل فيه إلا الرجال. وقوله ومن زنى به بغير الدبر وأما بالدبر فيحد كل من الفاعل والفعول حد الزنى غير اللواط كمن وطء أجنبية في دبرها، وقوله: وحد قذفه حد الزنى يجري أي فمن قذفه بما يحد فيه كقذفه بأنه زنى بفرجه حد على قول الصقليين بوجوب حده إن زنى به لا على قول غيرهما، ومن قذفه بأنه زنى بذكره لا يحد بمثابة من قد قذف إنسانا بأنه يقبل الأجنبية مثلا. وقوله: ورضعه محرم كالمرأة لخ هذا ما ظهر لي مع
стр. 9805
مشايخي ﵏، وقوله: يمم واحتيط أي يممه النساء للمرفقين إن يممته وإن يممه الرجال يمموه لكوعيه هذا إن وجد رجال فقط أو نساء فقط، فإن وجدا معا قدمت النساء. وقوله: وإن يمت زوج له يعتد لخ قد علمت أنه لا يجوز أن ينكح ولا أن ينكح، فإن وقع ذلك ومات زوجه اعتد عدة وفاة في النكاح الفاسد كالطلاق إن دخل وإلا فلا عدة أصلا، هذا في النكاح المجمع على فساده وفي المختلف فيه عدة الوفاة، وينظر هل نكاحه من المجمع على فساده أو من المختلف فيه؟ وقد علمت أنه عند الشك يعمل بالاحتياط.
تصحح المسألة على التقديرات هذا بيان لما ذكره قبل من قوله: "وللخنثى المشكل نصف" لخ يعني أنك تصحح المسألة أي تعملها على التقديرات أي على تقدير كون الخنثى ذكرا وعلى تقدير كونه أنثى وأتى بالجمع، قال التتائي: إن كان فيها أكثر من خنثى أو على التقديرين إن كان الخنثى واحدا، وقال الشبراخيتي: تفسير لقوله نصف نصيبي ذكر وأنثى أو جواب سؤال مقدر، وحينئذ فالجملة مستأنفة استينافا بيانيا كأن سائلا سأل ما كيفية العمل؟ فأجاب بقول: "تصحح المسألة" لخ، ومعنى التصحيح العمل أي تعمل المسألة، وقوله: المسألة أي جنسها، بدليل قوله: تضرب الموفق أو الكل لأن ضرب الوفق أو الكل لا يكون إلا في مسألتين. وقوله: أي جنسها فأل فيه للجنس وحينئذ يصدق بالحالتين في خنثى واحد والحالات إن كان متعددا، ثم إذا عملت تنظر بين المسائل أو المسألتين بالتماثل والتداخل والتباين والتوافق، فإن تماثلت اكتفيت بإحداها كخنثى وبنت، فإن مسألة المذكورة من ثلاثة ومسألة الأنوثة كذلك، فتكتفي بثلاثة وتضربها في حالتي الخنثى وإن تداخلت اكتفيت بالأكثر كولد وأخ ففريضة التذكير من واحدة وفريضة التأنيث من اثنين فتضرب الأكثر في حالتي الخنثى، وإن توافقت ضربت الوفق من إحدى المسألتين في كل الأخرى، كزوج وأم وأخت شقيقة أو لأب وخنثى مثلها، فعلى تقدير المذكورة تصح من ثمانية عشر، وعلى تقدير الأنوثة من ثمانية وبينهما التوافق بالنصف، فتضرب نصف إحدايهما في كامل الأخرى وتضرب الحاصل من ذلك في حالتي الخنثى، وكزوج وأخوان لأم وأخ لغير أم خنثى، فتقدير الذكورة من ستة وتقدير الأنوثة من ثمانية وبينهما موافقة بالنصف فتضرب وفق إحداهما في كامل الأخرى بأربعة وعشرين ثم تضرب ذلك في حالتي الخنثى بثمانية وأربعين
стр. 9806
ثم تقسم على الذكورة، للزوج أربعة وعشرون وللأخوين للأم ستة عشر وللأخ لغير الأم ثمانية وعلى الأنوثة للزوج ثمانية عشر وللأخوين للأم اثنا عشر، فخص (١) الزوج في الحالتين اثنان وأربعون وللأخوين للأم ثمانية وعشرون وللخنثى ستة وعشرون لكل منهم نصف ما بيده، وإن شئت جعلت أما موضع ابنيها. قاله الشبراخيتي، أو أي وإن تباينت المسائل ضربت الكل في الكل، ويأتي تمثيل المص للتباين ثم تضرب الحاصل من ضرب الموفق في الكل أو الحاصل من ضرب الكل في الكل أو ما اكتفيت به من إحداهما في التماثل أو الأكثر في التداخل في حالتي الخنثى أي تذكيره وتأنيثه إن كان واحدا كمثاله الأول وفي أحواله إن تعدد كمثاله الثاني.
وتأخذ من كل نصيب أي نصيب ذكورته ونصيب أنوثته وهذا من جملة العمل، ولما كان فيه إبهام بينه بقوله: من الاثنين النصف يعني أنك تأخذ من كل نصيب كائن من مسألة الاثنين النصف فيما إذا كان الخنثى واحدا، فقوله: "من كل نصيب" متعلق بتأخذ. و"من الاثنين" صفة لنصيب أي كائن ذلك النصيب من مسألة الاثنين أي التقديرين في الخنثى الواحد، وأربعة معطوف على الاثنين والربع معطوف على النصف؛ أي وتأخذ من كل نصيب من مسألة أربع تقادير في الخنثى إن كان اثنين الربع وليس هذا من العطف على معمولي عاملين المختلف في جوازه بل هو من العطف على معمولي عامل واحد. قاله ابن مرزوق. وقال الحطاب: فقوله: "من الاثنين" بدل من قوله: "من كل نصيب"، ونصيب مجرور بإضافة كل إليه، وفي الكلام حذف بينه ما بعده، تقديره: وتأخذ من كل نصيب نسبة الواحد إلى عدة أحوال الخنثى فمن الاثنين النصف وهكذا. والله تعالى أعلم. اهـ. وحاصل هذا الذي أشار إليه المص أنك تأخذ من كل مسألة اشتملت على تقديرين نصف ما بيد كل وارث، ومن كل مسألة اشتملت على أربع تقادير الربع أي ربع ما بيد كل وارث.
فما اجتمع من النصف في الحالتين أو الربع في الأربعة فهو نصيب كل أي كل واحد من الورثة، فيعطى كل وارث نصف أو ربع ما حصل من المجموع، ومثل لذلك بقوله: كذكر أي كما لو مات
стр. 9807
شخص وترك من الورثة ذكرا أخا لغير أم أو ولدا وخنثى أي ترك ذكرا واحدا وخنثى كذلك، فالتذكير أي فالمسألة على تقدير كون الخنثى ذكرا من اثنين لكل سهم، والتأنيث أي والمسألة على تقدير كون الخنثى أنثى من ثلاثة للذكر سهمان ولها سهم وبين المسألتين التباين فتضرب مسألة الاثنين وهي مسألة التذكير فيها أي في مسألة الثلاثة وهي مسألة التأنيث، أي تضرب كامل إحداهما في كامل الأخرى لتباينهما بستة، ثم تضرب الستة الحاصلة من ضرب إحداهما في الأخرى في حالتي الخنثى باثني عشر تقسمها على اثنين مسألة التذكير يخرج جزء السهم من ستة، وعلى مسألة التأنيث يخرج جزء السهم من أربعة فله أي للخنثي في حالة الذكورة ستة، وله في حالة الأنوثة أربعة مجموعهما عشرة، وله نصفها أي نصف الستة والأربعة التي هي عشرة وهو خمسة لأن له تقديرين نسبة الواحد منهما النصف.
وكذلك غيره أي غير الخنثى وهو الذكر المحقق الوارث معه فله نصف ما حصل له في التقديرين وهو سبعة؛ لأن له على تقدير أنوثة الخنثى ثمانية وله على تقدير ذكورته ستة، ومجموع ذلك أربعة عشر نصفها سبعة يأخذها الذكر المحقق الذكورة. والله تعالى أعلم. وترك المص الكلام على التداخل والتماثل لوضوحهما، وقد مر التمثيل لهما ولا بأس ببيان ذلك هنا أيضا، فمثال التماثل خنثى وبنت فالتذكير من ثلاثة كالتأنيث فتكتفي بثلاثة وتضربها في حالتي الخنثى بستة تقسمها على تقدير ذكورته، له أربعة وللبنت سهمان وعلى تقدير أنوثته له اثنان كالبنت المحققة تضم إلى الأربعة والاثنان الباقيان للعاصب، فأعط الخنثى نصف ما اجتمع من نصيبي ذكورته وأنوثته وذلك ثلاثة وللبنت المحققة اثنان على تقدير أنوثة الخنثى وكذلك على تقدير ذكورته، فمجموع ما حصل لها أربعة فتأخذ نصفها وهو اثنان وللعاصب اثنان على تقدير أنوثة الخنثى، ولا شيء له على تقدير ذكورته وله نصف اثنين وهو واحد، وتحصل من هذا أن الستة للخنثى منها ثلاثة وللبنت اثنان وواحد للعاصب. والله تعالى أعلم.
ومثال التداخل: ولد خنثى وأخ لأب ففريضة التذكير من واحد إذ لا شيء للأخ مع الابن والتأنيث من اثنين، إذ لها النصف ومخرجه من اثنين فالواحد داخل في الاثنين فتكتفي بهما وتضربهما في حالتي تذكيره وتأنيثه بأربعة تقسمها على تقدير ذكورته فيختص بها، وعلى تقدير أنوثته له
стр. 9808
اثنان تضم إلى الأربعة التي له بتقدير ذكورته فله نصف ستة وهي ثلاثة من أربعة فله ثلاثة أرباع وناب العاصب اثنان فله نصفهما وهو واحد من أربعة، فتحصل من هذا أن للخنثى ثلاثة من أربعة وللعاصب واحد من أربعة.
وكخنثيين وعاصب هذا مثال لقوله: "وأربعة الربع" يعني أنه إذا ترك الميت خنثيين ولدين أو أخوين لغير أم، فهنا أربعة أحوال وهي: كونهما ذكرين وكونهما أنثيين وكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى، وهذا الأخير شامل لتقديرين فتلك أربعة تقديرات فهنا أربع فرائض، فعلى تقديرهما ذكرين المسألة من اثنين ولا شيء للعاصب وعلى تقديرهما أنثيين المسألة من ثلاثة لهما اثنان وللعاصب واحد وعلى تقدير الأكبر منهما ذكرا والأصغر أنثى من ثلاثة وكذا العكس، فالفرائض الثلاث المتماثلة تكتفي بأحدهَا وتضربها في فريضة الاثنين المباينة لها التي هي فريضة كونهما ذكرين بستة وتضرب الستة في الأحوال الأربعة تنتهي هذه الأحوال في هذا المثال لأربعة وعشرين تقسمها على التذكير لكل واحد منهما اثني عشر وعلى التأنيث لكل واحد منهما ثمانية وللعاصب ثمانية وعلى تذكير الأكبر، وتأنيث الأصغر للذكر ستة عشر وللأنثى ثمانية وكذلك العكس، ثم يجمع ما لكل واحد منهما وهو اثنا عشر في تذكيره وثمانية في تأنيثه ثم ثمانية على تقدير كونه أنثى وتقدير كون الآخر ذكرا، ثم ستة عشر على تقدير كونه ذكرا والآخر أنثى، وإذا جمعت ذلك لكل واحد بانفراده كما أفاده بقوله قبل فما اجتمع فنصيب كل كان أربعة وأربعين وللعاصب من الثانية ثمانية فيرد كل واحد إلى ربع ما بيده، لأن الأحوال أربعة، فيكون لكل أي لكل واحد من الخنثيين أحد عشر من الأربعة والعشرين وللعاصب ما بقي منها وهو اثنان فقد تمت الأربعة والعشرون، فقد أخذ كل واحد من الورثة ربع ما حصل بيده وذلك لأن أحد عشر هي ربع الأربعة والأربعين والاثنين ربع الثمانية التي حصلت للعاصب على تقدير أنوثة الخنثيين، وهذا لا ينافي أن للخنثى الشكل نصف نصيبي ذكر وأنثى لأن الذكورة وإن تعددت تقديرا فهي واحدة وكذا أنوثته. وقد حصل له في مجموع الذكورتين والأنوثتين أربعة وأربعون فله على الذكورة الواحدة والأنوثة الواحدة اثنان وعشرون ونصفها أحد عشر. قاله العلامة الشيخ صالح البلقيني شيخ الشيخ علي الأجهوري. قاله عبد الباقي.
стр. 9809
قال البناني: هذا الجواب هو الظاهر، ومعناه - والله تعالى أعلم - أنه اجتمع في ذكورتين ثمانية وعشرون فنصفها وهو أربعة عشر هو نصيب ذكورة واحدة، واجتمع في أنوثتين ستة عشر فنصفها وهو ثمانية هو نصيب أنوثة واحدة ونصف النصيبين أحد عشر وهو حسن. اهـ. وبهذا تعلم أن ما قاله الشيخ أحمد من أن قوله: "نصف نصيبي ذكر وأنثى" خاص بما إذا كان الخنثى واحدا غير ظاهر؛ إذ بتعدد الأحوال يحصل نصف نصيبي ذكر وأنثى، ولهذا قال غير واحد: إن ما قاله الشيخ أحمد الزرقاني لم يقله أحد. والله تعالى أعلم.
ثم شرع في بيان العلامات التي تزيل إشكال الخنثى فيتضح بها كونه ذكرا أو أنثى: فقال: فإن بال من واحد يعني أن الخنثى إذا بال من أحد المخرجين فإنه لا إشكال في كونه ذكرا أو أنثى، فإن بال من الذكر دون الفرج فهو ذكر وإن بال من الفرج دون الذكر فهو أنثى، أو كان أكثر يعني أنه إذا كان بوله من أحد المخرجين أكثر خروجا من الآخر فإنه لا إشكال في أمره، بل هو إما ذكر أو أنثى، فإذا كان خروجه من الذكر أكثر كان ذكرا وبالعكس فهو أنثى.
وعلم مما قررت أن قوله: "أكثر" معناه أكثر خروجا لا كيلا أو وزنا أو أسبق يعني أنه إذا كان خروج بوله من المخرجين لكن يسبق خروجه من أحد المخرجين خروجه من الآخر بأن يخرج الآخر عقبه فلا إشكال، وإذا كان لا يندفع البول منهما معا على السواء بل يسبق الخروج من أحدهما خروجه من الآخر أكثر فلا إشكال أيضا، فإذا كان خروجه من الذكر أسبق فهو ذكر ومن الفرج أسبق فهو أنثى. قال عبد الباقي: أو كان بوله من أحدهما أكثر خروجا من الآخر لا كيلا أو وزنا لعدم اعتبارهما، كما قال الشعبي: أيكال أو يوزن أو كان خروجه منه أسبق من خروجه من الآخر فالحكم لصاحب الأكثر أو الأسبق، فإن سبق من الذكر فذكر ومن الفرج فأنثى، وإن اندفع منهما معا قضي لصاحب الأكثر عند الأكثر ثم الاختبار بالبول إنما هو في حال الصغر حيث يجوز النظر للعورة كما قال ابن يونس، فيجوز نظر عورة الصغير. وأما في حال الكبر فيختبر بأن يبول إلى حائط أو عليه، فإن ضرب بوله الحائط أو أشرف عليه فذكر، وإن سال بين فخذيه فأنثى، وقيل ينصب له مرءاة أمامه وينظر فيها إلى مباله بأن يجلس أمامها خلفه وتنصب تجاه عورته لينظر منها بوله، وتعقب هذا بأنه لا يجوز النظر لصورة العورة كما لا يجوز النظر
стр. 9810
لها، وظاهر إطلاقهم أنه لا يشترط التكرار، فلو تحققت حياته وبال من أحدهما مر واحدة ثم مات فالحكم لصاحب المبال. اهـ.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو كان أكثر أو أسبق" ما نصه: فإن سبق من الذكر فذكر وإن سبق من الفرج فأنثى، فإن اندفع منهما معا قضي لصاحب الأكثر عند الأكثر، وأنكر بعض الأشياخ اعتبار سبقيته وأكثريته ولا ينظر في القلة والكثرة للكيل ولا للوزن، وإنما ينظر في ذلك لتكرر خروجه وإذا حصل كثرة البول من أحد المخرجين وسبقه من الآخر فتقدم أن المعتبر العلامة الأولى، وهذا في حال الصغر حيث يجوز النظر لعورته، وأما في حال الكبر فيختبر بأن يبول إلى الحائط أو عليه فإن ضرب بوله الحائط أو أشرف عليه فذكر وإلا فأنثى، ولو تحققت حياته وبال من أحدهما مرة واحدة ثم مات فالحكم لصاحب البال وظاهره جواز نظر الصغيرة، وصرح به ابن يونس. اهـ. وصرح في الجواهر بتقديم الأكثر على الأسبق، قال الرهوني في تجويز ابن يونس لنظر عورة الصغير ما نصه: سلم عبد الباقي كلام ابن يونس هذا كما سلمه التتائي وغير واحد، وقد نقل الحطاب مثله عن العقباني وسلمه كما سلم ذلك مصطفى والتاودي والبناني بسكوتهم عنه، مع أن ابن مرزوق قال عقب نقله كلام ابن يونس ما نصه: وفي هذا الذي قال نظر لتحريم النظر إلى العورة مطلقا إلا لضرورة، قلت: وقد رأيت في القاهرة في سنة اثنين وتسعين طفلا ذكر لي أن له فرج ذكر وفرج أنثى: وأن أباه يأذن لمن يكشفه إن أعطاه فلسا أو فلسين فأدركتني رقة لمصابه، وسئلت النظر إليه فامتنعت وحمدت الله على المعافاة. اهـ منه بلفظه.
قلت: أما إن كان في سن من يشتهى ويطيق الوطء فالمتعين فيه ما قاله ابن مرزوق لأنهم حكموا للصغيرة في هذه الحالة بحكم المبالغة، فأوجبوا الحد والغسل بشرطهما على البالغ بوطئها. فتأمله. والله أعلم. قال عبد الباقي: فإن تساوى بوله منهما أو حصل سبق أو كثرة لكن لم يعلم انتظر بلوغه إن كان غير بالغ، فإن احتلم من ذكره فذكر.
أو نبتت له لحية يعني أنه إذا نبتت له لحية دون ثدي فلا إشكال في ذكورته، لأن أصل نبات الشعر البيضة والحكم للغالب فلا يرد ما ذكروه في فرائض الوضوء من أنه قد يطلع للمرأة لحية
стр. 9811
لأنه نادر. وقال التتائي والشبراخيتي: قال محمد بن سحنون: لأن أصل نبات الشعر من البيضة اليسرى.
أو ثدي يعني أنه إذا نبت له ثدي كبير لا يشبه ثدي رجل دون لحية فلا إشكال في أمره أي فهو أنثى، فإن نبتا معا أو لم ينبتا فباق على إشكاله واعتبر في شرح كشف الغوامض شهوته، فإن مال للرجال فأنثى وللإناث فذكر. وقال العصنوني: فإن نبتا معا فاختلف هل ينظر إلى عدد أضلاعه أو لا، فذهب الحسن إلى القضاء به وقال به غيره، وذهب جمع إلى أنه لا ينظر إلى عدد الأضلاع عند الأكثر. اهـ. ونحوه قول ابن عرفة: النظر إليها ضعيف لإطباق أهل التشريح على خلافه بالغين عدد التواتر، وعلى الأول فالمرأة لها من كل جانب ثماني عشرة ضلعا بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، وأضلاع الذكر من الجانب الأيمن كذلك ومن الأيسر سبع عشرة. هكذا ذكر ابن يونس. وذكر الحوفي أن لها سبع عشرة من كل جانب وللرجل من الجانب الأيمن كذلك ومن الأيسر ست عشرة، وسبب نقصه على كلا النقلين أن الله تعالى لما خلق ءادم ألقى عليه النوم ثم استل من الجانب الأيسر ضلعا أقصر، فخلق منه حواء بالمد فخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، وروي كما في المواهب أنه لا استيقظ ورءاها بجانبه مد يده إليها، فقالت له الملائكة: مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قيل: تصلي على محمد عشرين مرة، وروي أقل. قاله عبد الباقي.
أو حصل حيض أي إذا حصل من الخنثى حيض فهو غير مشكل بل هو أنثى، أو حصل مني يعني أنه إذا حصل من الخنثى فإنه لا إشكال في أمره، بل هو إما ذكر أو أنثى، فإن برز من ذكره مني بصفة مني الرجل فهو ذكر وإن برز من فرجه بصفة مني الأنثى فهو أنثى، قال الشبراخيتي: أو حصل حيض من الفرج فأنثى، ولم يقل: أو حيض لعدم صحة تسلط عامل الأول عليه، فلذلك أتى له بعامل. اهـ. وقال عبد الباقي: أو خرج مني وبرز، وينبغي اعتبار صفة مني الذكر أو الأنثى. قاله كريم الدين والبدر. اهـ.
وعلم مما قررت أن قوله: فلا إشكال جواب الشرط أعمي قوله: "فإن بال" لخ فهو راجع للمسائل السبع. والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: ثم إن ثبت له حكم بعلامة ثم طرأت له أخرى ضدها
стр. 9812
لم يغير الحكم لأجل الثانية. قاله العقباني عن بعض شيوخه. قال: وقريب منه للشافعية، قلت: الذي ينبغي اعتبار الثانية إن كانت أقوى مع الأولى، كما إذا كانت الأولى كثرة البول أو سبقه والثانيه الحمل أو الحيض أو نبات لحية، وأما تعارض نباتها للحية فالظاهر عدم العمل بأحدهما فيبقى مشكلا. اهـ.
والله تعالى أعلم وفي كلام المص هذا تصريح بجواز استعمال هذا اللفظ، قيل: مطلقا، وقيل: للإعلام بختم الدرس، وزعم بعض الحنفية أنه لا ينبغي استعماله لإيهامه الشك في الحكم الذي قبله ورد بأنه لا إيهام فيه بل فيه غاية التعظيم المطلوب، (وفي البخاري في قضية موسى مع الخضر ما يدل له، وهو قوله: فعتب الله على موسى أي حيث سئل عن أعلم الناس، فقال: أنا؛ إذ لم يرد العلم إلى الله) (١). اهـ. وبالله التوفيق، وحسبنا الله ونعم والوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
الله عظم قدر جاه محمد … وأناله فضلا عليه عظيما
في محكم التنزيل قال لخلقه … صلوا عليه وسلموا تسليما
اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، عدد معلوماتك، وأضعاف ذلك، وأضعاف أضعاف ذلك، عدد ذلك، وسلم تسليما كذلك.
انتهى الجزء السابع من لوامع الدرر في هتك أستار المختصر للعبد الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه: محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي لليلتين خلتا من شوال عام اثنين وسبعين ومائتين وألف.