إدارة الوقت
من المنظور الإسلامي والإداري
تأليف
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
стр. 2
إهداء
يُشرفني أن أضع هذا الجهد المتواضع بين يدي والديَّ الكرمين, وقد أهديا إليَّ من قبل كلَّ عناية, وأسديا إليّ كل تشجيع, وما
عملي هذا إلا قطافٌ من فيض أيديهما. اللهم اجزهما
عني كل خير, وارزقهما طول عُمُر في حُسن
عمل ووافر نعمة وعافية
стр. 3
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من أدار وقته ونظّم أموره، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فإن الكفاءة والفاعلية مطلبان رئيسان في الإدارة وهما من تعاليم الدين الإسلامي؛ فالمسلم يجب أن يمارس الإدارة الجيدة في جميع شؤون حياته الدينية والدنيوية، والحقيقة أن جميع تعاليم الدين الإسلامي توجِّه المسلم وتحثُّه على حسن ممارسة هذه التعاليم وتطبيقها في صورها المعنوية والمادية كافة، فلا ينبغي للمسلم أن يمارس أنشطته المادية والمعنوية بمعزل عن تعاليم الدين؛ لقول الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ الأنعَام: ١٦٢، كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون قوياً وأن يتزود بالإيمان والعلم.
وإن نصوص القرآن الكريم كما السُّنَّة النبوية، والسيرة، وحياة الصحابة ﵃، كل ذلك يكاد ألا يخلو من تطبيقات الإدارة، والتوجيه إلى حُسن استغلال الموارد والقدرات والقوى البشرية، إضافة إلى التأكيد على التحلي بالصفات الحسنة؛ كالصبر والاجتهاد ومغالبة الهوى وضبط النفس والحث على العمل والتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة.
إن العلم والعمل والقيام بالعبادات أمور مطلوبة من المسلم، فعليه واجبات تجاه ربه ثم تجاه نفسه ومجتمعه، ومن أجل أن يتسنى له القيام بهذه
стр. 4
الواجبات فإنه يجب عليه أن يعطي كلَّ واجب نصيبَه من الوقت دون أن يطغى جانب واجبٍ على آخر، ومن ثمّ فإنه يكاد لا يجد أمامه متسعاً من الوقت لأداء كامل هذه الواجبات؛ فالدين الإسلامي وتعاليمه السمحة تدعو إلى حسن استثمار الوقت وإدارته بفعالية، وهذا عين ما تدعو إليه الإدارة في مفهومها المعاصر.
إن الوقت يمثل أحد الموارد المهمة والنفيسة لكل إنسان في هذا العالم الكبير، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وإذا لم يحسن الإنسان استغلاله بفعالية فإنه قد يفقد الكثير مما يصعب تعويضه؛ سواء في عمله أم في حياته الخاصة، لأن ما انقضى من الوقت لا يعود أبداً.
والوقت من ذهب، بل هو أغلى من الذهب؛ حيث إنه لا يقدر بثمن، وهو يُعد أحد خمسة موارد أساسية في مجال الأعمال، هي: المواد، المعلومات، الأفراد، الموارد المادية، إضافة إلى الوقت الذي يُعدّ أكثر هذه الموارد أهمية، فكلما استطاع الفرد أن يتحكم في وقته بمهارة وإيجابية استطاع عندها أن يستثمره في تحقيق أقصى عائد ممكن من الموارد الأخرى؛ فإذا أدار الفرد وقته بشكل فعّال، فهو - في الحقيقة - يدير حياته ونفسه وعمله إدارة فعّالة.
وهذا يعني أن الوقت لا يمكن عزله عن حياة الإنسان الشخصية والمهنية. ومن ثَمَّ تبرز أهمية عامل الوقت وضرورته، هذا المورد المهم الذي ينبغي التعامل معه واستثماره بفعالية، حيث أصبحت إدارة الوقت (Time Management) واحدة من ضمن موضوعات علم الإدارة الحديث.
стр. 5
وقد قام الكاتب بتقسيم محتويات الكتاب إلى مقدمة عامة عن الموضوع محلِّ الدراسة ثم أتبعها بستة فصول.
احتوى الفصل الأول منها على التعريف بالوقت، وبيان أهميته في القرآن الكريم والسُّنَّة المُطهَّرة.
أما الفصل الثاني فقد أفرده الكاتب لدراسة الوقت وإدارته من المنظور الإداري؛ وذلك من خلال النظريات الإدارية وإدارة الوقت داخل العملية الإدارية.
أما الفصل الثالث فقد احتوى على دراسة لكيفية إدارة الوقت في ضوء نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة المُطهَّرة وأقوال السلف الصالح.
ووضح الكاتب في الفصل الرابع الواجبات الملقاة على عاتق المدير المسلم، فيما يتعلق بعامل الوقت وضرورة إدارته؛ وذلك من خلال تناوله لأهم مضيعات الوقت ومسؤولية المسلم عن الوقت.
أما الفصل الخامس فقد كرَّسه لدراسة الأدوات والوسائل المستخدمة في تنظيم إدارة الوقت، إضافة إلى بيان أبرز المناهج المستخدمة للإدارة الفعالة للوقت؛ وذلك من خلال تطور تاريخي، متوصّلاً إلى بيان منهج متطور لإدارة الوقت بفعالية، معتمداً في مادته الأولية على المناهج السابقة والدراسات الميدانية في هذا المجال.
وأخيراً تناول الكاتب في الفصل السادس والأخير من هذا الكتاب الناحية التطبيقية لإدارة الوقت؛ وذلك من خلال الدراسات السابقة في العالم العربي بعامة وفي المملكة العربية السعودية بخاصة، إضافة إلى الدراسة الميدانية الخاصة التي قام بها في القطاع الصناعي الخاص السعودي.
стр. 6
الفصل الأول
الوقت وأهميته في الإسلام والإدارة
стр. 7
تمهيد:
ينسب علماء الإدارة الفضل في ظهور علم الإدارة إلى المبادئ التي وضعها العالم فريدريك تايلور F. Taylor)) (١) الملقب بأبي الإدارة العلمية، وقد وضع مبادئها سنة (١٩١١م) في كتاب أصدره في هذا المجال بعنوان (مبادئ الإدارة العلمية) ؛ وكذلك إلى العالم هنري فايول (H. Fayol) (٢)(٢) مؤسس علم الإدارة العامة والصناعية التي وضع مبادئها في أول كتاب أصدره سنة (١٩١٦م) بعنوان (الإدارة العامة والصناعية) ، ويؤكد علماء الإدارة أن المبادئ الإدارية السائدة إلى يومنا هذا قد تحددت ملامحها من خلال هذين الكتابين (٣) ، وقد تناسى هؤلاء - وأخص المسلمين منهم - أن تراثنا الإسلامي غني بالمبادىء والأسس الجليلة المفيدة التي يمكن تأصيلها في مجال علم الإدارة، ولعلنا نُلمح في مباحث هذا الفصل إلى بعضٍ من تلك النصوص المستقاة من كتاب الله وسُنَّة النبيِّ ﷺ وأقوال السلف الصالح.
كذلك "ارتبط مفهوم إدارة الوقت بشكل كبير بالعمل الإداري حتى أصبح ينظر إلى تطبيق هذا المفهوم بمنظار ضيّق" (٤) . والحقيقة أن الإسلام قد اهتم بإدارة الوقت الخاص إضافة إلى اهتمامه بإدارة وقت العمل، ذلك أنه اهتم بوقت المسلم بصفة عامّة، وحثه على اغتنامه وعدم إضاعته، فهو من الأمور التي يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، إذ يقول النبيُّ ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عُمُره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟» (٥) ونحن نلحظ من هذا الحديث أن الإسلام يعتبر الوقت وحدة متكاملة لا تتجزأ، ويطالب المسلم باغتنام عمره بعامّة وفترة شبابه بخاصّة؛ باعتبارها فترة حافلة بالحركة والعمل والإنتاج. ومن هذا المنطلق جاء قول
стр. 8
النبيِّ ﷺ مرشداً وموجهاً المسلم إلى اغتنام الأوقات وفرص العمر في قوله: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سَقَمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغْلك، وحياتك قبل موتك» (١) .
فوقت المسلم أمانة عنده وهو مطالب بعدم التفريط فيه أو إهداره، ويتأكد هذا الأمر إذا كان ذلك الوقت قد تعلق به حق لله أو لأحد من خلقه. لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) .
والوقت من أهم عناصر الإنتاج، ومن أجل بالغ أهميته هذه فقد بين لنا سبحانه أنه هو الذي قدَّر الوقت، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٣) . وكما أنه سبحانه قدّر الوقت، فقد قدّر إنجاز التكاليف فيه، "وبذلك نظم الإسلام حياة المسلم ووقته؛ فقد نظم نومه واستيقاظه، وأداءه للشعائر، وانطلاقه إلى ميدان الحياة، ليجعل عمله كله عبادة لله يقوم على أساس الشعائر كلها وعلى أساس من ذكر الله الملازم له، وبذلك أصبح الوقت في حياة المسلم عبادة ممتدة، أما الوقت في الحضارة الغربية والنظرية المادية للإدارة وغيرها فإنه لا يخرج عن نطاق المثل الشائع عندهم الوقت مال Time is money) ") (٤) وإذا قارنّا هذه العبارة بقول الحسن البصري ﵀: (أدركتُ أقواماً كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على درهمه ودنانيره) (٥) . نستنتج عندها أن الوقت في تقدير المسلم أغلى من المال؛ ذلك أنه يدرك أن المال يمكن تعويضه بيد أن الوقت منصرم، إذا فات لا يعوض.
ويقسم هذا الفصل إلى المباحث الآتية:
الأول: الوقت وتحديد مفهومه.
الثاني: أهمية الوقت في القرآن الكريم.
الثالث: أهمية الوقت في السُّنَّة المُطهَّرة.
стр. 9
المبحث الأول
الوقت وتحديد مفهومه
إن الإدارة لا تُمارَس في فراغ، بل تُمارس عملها في إطار محدد، وهي تعتمد على عناصر محددة من أجل القيام بهذا العمل؛ ومن تلك العناصر المهمة: الوقت الذي "يعدّ أكثر المفاهيم صلابة ومرونة في آن معًا، حيث يعيش الأفراد في مجتمع واحد، وكل فرد يستخدم عبارات تختلف عن الآخر عندما تتحدد علاقته بالوقت" (١) . "إن أكثر الصور والتداعيات شيوعاً لدى المديرين عن الوقت تتمثل في أن: الوقت كالسيد الآمر (Time as a master) ، الوقت كعدو (Time as an enemy) ، الوقت كاللغز (Time as a mystery) ، الوقت كعبد مملوك (Time as a slave) ، الوقت كحَكم (Time as a referee) ، الوقت كقوة محايدة Time as a neutral) ") . (٢) إن اختلاف الرؤية للوقت هي التي تحدد أسلوب التعامل معه، وهي المسؤولة عن بعض الأنماط السلوكية للناس تجاه الوقت.
إن الاستخدام السليم للوقت يبين عادةً الفرق بين الإنجاز والإخفاق، ففي الساعات الأربع والعشرين يومياً يوجد عدد محدد منها للقيام بالأعمال، وهكذا فإن المشكلة ليست في محدودية الوقت نفسه، وإنما فيما نفعله بهذه الكمية المحدودة منه. إن الاستفادة القصوى من كل دقيقة شيء مهم، لإنجاز الأعمال بأسلوب اقتصادي وفي الوقت الصحيح، فالوقت يسير دائماً بسرعة محددة وثابتة، ومن ثمّ فإنه يتعين على الفرد أن يحافظ على الوقت المخصص له. فكمية الوقت مهمة لكن ما يفوقها أهمية هو كيفية إدارة الوقت
стр. 10
المتاح لنا، فكلٌّ منا يمتلك أربعًا وعشرين ساعة يومياً، وسبعة أيام في الأسبوع، واثنين وخمسين أسبوعاً في السنة، وبالإدارة الفعَّالة يمكن التوصل إلى استخدام للوقت بشكل أفضل، وإلى القدرة على الإنجاز الكثير من المهمات في كمية الوقت نفسها.
"إن الذين ينظرون إلى الوقت بعين الاهتمام هم الذين يحققون إنجازات كثيرة في حياتهم الشخصية والمهنية، وهم الذين يعلمون أن الوقت قليل لتحقيق كل ما يريدون، وعلى العكس من ذلك فإن المرء الذي لا يهتم كثيراً بالإنجازات ينظر إلى الوقت على أنه ذو قيمة قليلة" (١) .
وتبقى مشكلة الوقت مرتبطة دوماً بوجود الإنسان، إذ يختلف مفهومها طبقاً لاختلاف الدوافع والاحتياجات وطبيعة المهمات والأعمال المطلوبة، كما تؤثر الثقافات والتقاليد والعادات أيضاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تحديد شكل العلاقة بين الإنسان والوقت.
ونظراً لأنه من الصعب تقديم تعريف محدد ودقيق للوقت، وبخاصة في مجال الإدارة، فقد تم اللجوء إلى تعريف محايد يشير إليه قاموس (Webester's New World College Dictionary) الذي تعتمده الدراسة الحالية، وهو: "الفترة التي تُستغرق في أداء تصرف أو عملية ما" (٢) . وبناءً عليه، فإنّ المقصود بالوقت هنا فترة الدوام الرسمي للعمل.
ومن أجل توضيح مفهوم هذا المورد المهم من موارد الإنتاج، فإننا سنقوم بتحديد خصائصه وأنواعه.
стр. 11
أولاً: خصائص الوقت:
بالرغم من أن مفهوم الوقت معروف للجميع، إلا أنه يمكن من خلال تأمل سير الحياة ومطالعة أحداث التاريخ، ملاحظة أن الوقت يتميز بجملة من الخصائص، يمكن إيضاحها على النحو الآتي:
"رأى بعض العلماء منذ زمن قديم أن الوقت يمر بسرعة محددة وثابتة، فكل ثانية أو دقيقة، أو ساعة تشبه الأخرى، وأن الوقت يسير إلى الأمام بشكل متتابع، وأنه يتحرك بموجب نظام معين محكم، لا يمكن إيقافه، أو تغييره، أو زيادته أو إعادة تنظيمه" (١) . "وبهذا يمضي الوقت بانتظام نحو الأمام دون أي تأخير أو تقديم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إيقافه أو تراكمه أو إلغاؤه أو تبديله أو إحلاله" (٢) . إنه مورد محدد يملكه الجميع بالتساوي، فبالرغم من أن الناس لم يولدوا بقدرات أو فرص متساوية فإنهم يملكون أربعًا وعشرين ساعة نفسها كل يوم، واثنين وخمسين أسبوعاً في السنة، وهكذا فإن جميع الناس متساوون من ناحية المدة الزمنية، سواء أكانوا من كبار الموظفين أم من صغارهم، من أغنياء القوم أم من فقرائهم، لذلك؛ فإن المشكلة ليست في مقدار الوقت المتوافر لكلٍ من هؤلاء، ولكن في كيفية إدارة هذا الوقت واستخدامه، ثم هل هم يوظفونه بشكل جيد ومفيد في إنجاز الأعمال المطلوبة منهم، أو أنهم يهدرونه ويضيعونه في أمور محدودة الفائدة.
ونظراً لأن الوقت مورد مهم، وهو "سريع الانقضاء وما مضى منه لا يرجع ولا يُعوَّض بشيء، كان الوقت أنفس وأثمن ما يملك الإنسان، وترجع نفاسته إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج، فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فرداً ومجتمعاً" (٣) . وعليه، فإن الوقت يعتبر أساس
стр. 12
الحياة، وعليه تقوم الحضارة، ومع كون الوقت لا يمكن شراؤه أو بيعه أو تأجيره أو استعارته أو مضاعفته أو توفيره أو تصنيعه، لكن يمكن استثماره وتعظيمه، فأولئك الذين توافر لديهم الوقت لإنجاز أعمالهم وكذلك الوقت للتمتع بأنشطة أخرى خارجة عن نطاق العمل، قد تبينوا الفرق بين الكمية والنوعية، فهم يستثمرون كل دقيقة من وقتهم. لذا فإن "إدارة الوقت لا تنطلق إلى تغييره، أو تعديله أو تطويره، بل إلى كيفية استثماره بشكل فعّال، ومحاولة تقليل الوقت الضائع هدراً دون أي فائدة أو إنتاج، إلى جانب محاولة رفع مستوى إنتاجية العاملين خلال الفترة الزمنية المحددة للعمل" (١) .
ومع العلم بأن الوقت من موارد الإدارة الأساسية، إلا أنه يختلف عن بقيتها في عدم إمكانية تخزينه أو إحلاله، وفي كونه يتخلل كل جزء من أجزاء العملية الإدارية. ومن ثمّ فإن أهميته تكمن في أنه يؤثر - سلبًا أو إيجابًا - في الطريقة التي تُستخدم فيها الموارد الأخرى.
إذا كان للوقت كل هذه الخصوصية وهذه الأهمية التي تميزه عن سواه من موارد الإدارة، فإن إدارته كذلك تختلف عن إدارة هذه الموارد. وقد لخص بيتر دراكر (P. Drucker) هذا الاختلاف بقوله: " إن إدارة الوقت تعني إدارة الذات، لأن من لا يستطيع إدارة ذاته لا يستطيع بالتالي إدارة وقت الآخرين" (٢) .
وبالرغم من ذلك، فإن كثيراً من المديرين لا يحرصون على هذا المورد الفريد من نوعه، الضروري لكل شيء، فهم يقومون بأعمال ويمارسون أنشطة تعد ببساطة مضيعة للوقت، لأنها تبدده دون أن تحقق نتائج مناسبة،
стр. 13
فهي تستغرق قسماً كبيراً من الوقت، ويكون المردود منها لتحقيق الأهداف محدودًا للغاية. لذا فإن الحل الحقيقي الوحيد يكمن في (الاستخدام الأفضل للوقت المتاح) ، وينبغي للإداريين أن يتعلموا كيف يديرون عملية استخدام وقتهم. وقد لاحظ دراكر (Drucker) أن "المديرين الفعّالين لا يبدؤون بمباشرة مهماتهم، بل يبدؤون بالنظر في وقتهم، وهم لا يبدؤون بمباشرة التخطيط، بل يبدؤون بمعرفة فيم يُصرف وقتهم فعلاً، ثمّ إنهم يبذلون جهدهم للتقليل من الأعمال غير المثمرة التي تمثل عبئاً على وقتهم" (١) .
ثانياً: أنواع الوقت:
يمكن تحليل الوقت عن طريق تجميع الأنشطة المتشابهة، ورؤية مقدار الوقت الذي يمضي في الجوانب المختلفة، مثل: الوقت الشخصي، والاتصالات بأنواعها مثل (المكالمات الهاتفية، والاجتماعات، والمناقشات الفردية، والزيارات، ونحوها) ، ويمكن بعدها رؤية كيفية تخصيص الوقت للمجالات الوظيفية، كما يمكن أيضاً تحليل تسلسل الأنشطة، وهذا يتضمن دراسة الوقت الذي تم قضاؤه في المعوّقات أو الأشياء المعترضة.
ويمكن تقسيم الوقت إلى أربعة أنواع: (٢)
١- الوقت الإبداعي (Creative Time) :
يوصف هذا النوع من الوقت بأنه إبداعي إذا صُرف في عمليات التفكير والتحليل والتخطيط المستقبلي، إضافة إلى صرفه في تنظيم العمل وتقويم مستوى الإنجاز الذي تم فيه، ويمارس الإداريون خلال أدائهم لأنشطتهم الإدارية هذا النوع من الوقت، نتيجة لحاجتهم إلى الوقت الإبداعي، من
стр. 14
أجل التفكير العلمي والتوجيه السليم، إضافة إلى معالجة المشكلات الإدارية بأسلوب علمي منطقي بهدف تقديم حلول موضوعية تضمن فاعلية ونتائج القرارات التي تصدر بشأنها.
٢ - الوقت التحضيري (Preparatory Time) :
يمثل هذا النوع من الوقت الفترة الزمنية التحضيرية التي تسبق عملية البدء بالعمل؛ إذ يُصرف الوقت التحضيري في عملية تجميع المعلومات والحقائق المتعلقة بالنشاط الذي يرغب الإداري بممارسته، أو في التجهيزات اللازمة من معدات أو قاعات أو آلات قبل البدء في تنفيذ العمل، ومن المفترض أن يُعطي الإداري هذا النوع من النشاط ما يحتاجه من وقت، نظراً لآثاره الاقتصادية على المنظمة وما ينجم عن ذلك من خسارة نتيجة عدم توافر الُمدخَلات الأساسية للعمل.
٣ - الوقت الإنتاجي (Productive Time) :
يمثل هذا النوع من الوقت المدة الزمنية التي تُستغرق في تنفيذ العمل الذي تم التخطيط له في الوقت الإبداعي، وكذلك التحضير له في الوقت التحضيري، ومن أجل زيادة فاعلية استغلال الوقت فإنه يجب على الإداري أن يوازن بين الوقت المستغرق في تنفيذ العمل والوقت المستغرق في تنفيذ عملية التحضير والتخطيط أو الإبداع، فمن المقرر أن الوقت المتاح للجميع محدود وغير متجدد، فإذا تبيّن أن هناك كثيراً من الوقت يخصص لتنفيذ أعمال روتينية في المنظمة، فإن ذلك يعني أن هناك قليلاً من الوقت المخصص للإبداع أو التحضير أو لكليهما معاً، وتبعًا لذلك، فقد كانت ممارسة الإداري لعملية التوازن في قضاء الوقت ضرورة مُلحة، وضمانًا
стр. 15
لاستثمار الموارد المتاحة كافّةً - بما في ذلك عامل الوقت - الاستثمار الأمثل.
ويقسم الوقت الإنتاجي إلى قسمين:
أ - وقت الإنتاج العادي (المنظم أو غير الطارئ) .
ب - وقت الإنتاج غير العادي (الطارئ أو غير المنظم) .
وإذا كانت أيّ منظمة تسير ضمن خطة الإنتاج العادي، وتتحكم - في الوقت نفسه - في الإنتاج غير العادي، فإنها تعتبر في وضع جيد، وقد يحدث أحياناً أن يظهر إنتاج غير عادي أو طارئ في المنظمة، لكن من المفترض أن تكون هذه الحالة نادرة الحدوث ومحدودة الأثر، وإلا فإن ذلك سيكون دافعاً للمنظمة لإحداث تغيير جذري طارئ على جميع مستوياتها، من أجل مواجهة هذا الإنتاج الطارئ، ولكي ينجح الإداري في ذلك، فإن من المفترض أن يخصص جزءاً من وقته المخصص للإنتاج العادي، لمواجهة تأثير الإنتاج غير العادي، وبذلك يستطيع أن يحصل على مرونة كافية تسمح له بإنجاز الإنتاج المبرمج العادي غير الطارئ.
٤ - الوقت العام أو غير المباشر (Overhead Time) :
هو الوقت الذي يمارس فيه الإداري أنشطة فرعية عامة، لها تأثيرها الواضح على مستقبل المنظمة، وعلى علاقتها داخل بيئتها أو المجتمع، كمسؤولية المنظمة الاجتماعية وما تفرضه من التزامات على مديريها من ارتباطات بجمعيات أو هيئات خيرية أو تلبية دعوات وحضور ندوات؛ فإن هذه الأنشطة تحتاج إلى جزء كبير من وقت الإداري، لذلك فإنه يتعين عليه تحديد كمية الوقت الذي يستطيع أن يخصصه لمثل هذه الأنشطة، أو أن يقوم
стр. 16
بتفويض شخص معين ينوب عنه في مثل هذه الأنشطة، وذلك حرصاً منه على الموازنة بين الالتزام بها والحفاظ على وقته.
وباختصار يمكن القول في هذا المجال: إن المدير الفعّال هو الذي يعلم كيف يستخدم وقته ويوزعه توزيعًا فاعلاً بين تخطيط الأنشطة المستقبلية (وقت إبداعي) ، وتحديد الأنشطة اللازمة لأدائها (وقت تحضيري) ، وفي صرف الكمية اللازمة من الوقت للقيام بالعمل (وقت إنتاجي) ، وأن يخصص كذلك وقتًا كافيًا للقيام بالمراسلات وبأعباء المسؤولية الاجتماعية (وقت عام) ؛ باعتباره عضوًا في هذا المجتمع، وممثلاً لمنظمة ملتزمة باهتمامات هذا المجتمع، كما أن المجتمع - بالمقابل - ملتزم بها.
стр. 17
المبحث الثاني
أهمية الوقت في القرآن الكريم
لقد أكد القرآن الكريم على أهمية الوقت مرارًا، وفي سياق مختلف وبصيغ متعددة؛ منها: الدهر، الحين، الآن، اليوم، الأجل، الأمد، السرمد، الأبد، الخلد، العصر، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على مصطلح الوقت، وقد يكون لبعضها علاقة بالعمل وطرقه، أو له علاقة بالإدارة وتنظيمها، أو تعلق بالكون والخلق، أو ارتبط بعلاقة الإنسان بربه من حيث العقيدة والعبادة، ويمكن تلمّس ذلك من خلال ما يأتي:
أولاً: الوقت من أصول النعم
إن نعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، قال جل شأنه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (١) . ومن أَجَلِّ تلك النعم وأعظمها نعمة الوقت، الذي هو من أصول النعم، فالوقت هو "عمر الحياة، وميدان وجود الإنسان، وساحة ظله وبقائه ونفعه وانتفاعه، وقد أشار القرآن إلى عِظم هذا الأصل في أصول النعم، وألمح إلى عُلوّ مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن ورفيع قدره وكبير أثره" (٢) . يقول الله في معرض الامتنان على الإنسان وبيان عظيم فضله عليه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ *﴾ (٣) . "فامتن سبحانه في جلائل نعمه بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن
стр. 18
الذي نتحدث عنه ونتحدث فيه ويمر به هذا العالم الكبير من أول بدايته إلى نهاية نهايته" (١) .
قال الله تعالى مؤكداً امتنانه علينا بهذه النعم: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *﴾ (٢) . فهذه المخلوقات العظيمة والآيات الباهرة مسخرة من لدن خالقها ومدبر أمرها لخدمة الإنسان ومنفعته.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا *﴾ (٣) . أي يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب هذا جاء الآخر (٤) فما فات الإنسان من العمل في أحدهما يدركه في الآخر.
كما وصف نفسه سبحانه بأنه مالك الزمان والمكان وما يحل فيهما من أمور زمانية أو مكانية، فقال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ (٥) . أي "له جل وعلا ما استقر في الليل والنهار، وهو المالك لكل شيء" (٦) .
ثانياً: الإقسام بالوقت
ورد التنبيه في القرآن الكريم إلى عظم الوقت، حيث أقسم الله به في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، من ذلك قوله : ﴿وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *﴾ (٧) ، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *﴾ (٨) ، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ *وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ *﴾ (٩) ، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ *﴾ (١٠) ، وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ *وَلَيَالٍ عَشْرٍ *﴾ (١١) ، وقوله: ﴿وَالضُّحَى *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *﴾ (١٢) ، وقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ *﴾ (١٣) .
стр. 19
نلحظ في الآيات السابقة أن الله أقسم بالوقت مُمثَّلاً في بعض أجزائه؛ فالليل صِنْو النهار، والفجر أول النهار، والشفق أول الليل، والضحى ما بين الغدو والزوال، ولله سبحانه أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، قال الفخر الرازي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ *﴾ (١) . "إن الدهر والزمان في جملة أصول النعم؛ فلذلك أقسم الله به، ولأن الزمان والمكان هما أشرف المخلوقات عند الله، كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته" (٢) . ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: "من المعروف لدى المفسرين، وفي حس المسلمين، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، فذلك ليلفت أنظارهم إليه، وينبِّهَهم على جليل منفعته وآثاره" (٣) .
ثالثاً: ارتباط الوقت بالغاية من الخلق
خُلق الإنسان لغاية نبيلة وهدف سامٍ ألا وهو عبادة الله وعمارة هذه الأرض، وبين هذه وتلك تدور حياة المسلم، فهو بين العبادة والسعي في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *﴾ (٤) . أي "إلا ليُقِرُّوا بعبادتي طوعاً أو كرهاً " (٥) . وقال سبحانه أيضاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾ (٦) . أي "جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف" (٧) .
وقد ارتبطت العبادات جميعها بمواعيد ومواقيت محددة من قبل العزيز الحميد، مما يرفع من أهمية الوقت في حياة المسلم، وعلى رأس تلك العبادات الصلوات الخمس، التي قال الله فيهن: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٨) . أي " مفروضة لوقت بعينه" (٩) . فالصلاة
стр. 20
عبادة تتكرر في خمسة أوقات مختلفة من اليوم والليلة، ما يجعل المسلم في حال من الارتباط الوثيق بربه الذي مكنه من العبادة والسعي في الأرض: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ (١) . أي "إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرّف في حوائجكم" (٢) .
كذلك الزكاة؛ فإنها لا تجب في المال حتى يتحقق فيه شرطان، الأول أن يبلغ النصاب؛ وهو القَدْر المشروع توافره لوجوب الزكاة فيه، والثاني أن يمضي عليه حول كامل أي سنة كاملة، فإذا تحقق هذان الشرطان وجبت الزكاة في المال إذا كان من النقدين، أي من الذهب والفضة، أو من عروض التجارة، وهو كل ما أعدَّه مالكه للبيع والشراء والمتاجرة، أما الزُّروع فإنّ زكاتها تجب عند الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣) . أي "ادفعوا زكاته يوم جَزِّه وقَطْعِه" (٤) .
بعد ذلك يأتي الصوم الذي فرض في شهر رمضان من كل عام، وهو مؤقت برؤية الهلال ابتداءً وانتهاءً، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥) .
ثم يليه الحج الذي فُرض على المسلم في العمر مرة واحدة، فنجده محدداً بوقت معلوم (٦) ؛ كما قال الله عنه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٧) .
هذا إضافة إلى الأذكار والنوافل التي يتعبد بها المسلمُ إلى ربّه في كل صباح ومساء، بل في كل حين وعلى كل حال، تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ *﴾ (٨) ، وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 21
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا *وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً *﴾ (١) ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (٢) . وقوله : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ *﴾ (٣) .
رابعاً: الوقت وتعاقب الأهلَّة
ارتبط التقويم الإسلامي بالأشهر القمرية التي تبدأ ببزوغ الهلال وتنتهي باختفائه وبزوغه من جديد ليعلن عن ميلاد شهر جديد، وقد سُئل النبيُّ ﷺ عن فائدة ذلك فأنزل الله في كتابه العزيز: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٤) . أي "هي مواقيت لكم، تعرفون بها أوقات صومكم وإفطاركم، ومَنْسَك حَجَّكم" (٥) . إذاً فالحكمة من وجود الأهلّة أن يستعين بها الناس في التوقيت لأمور حياتهم وعباداتهم؛ فالشهر مجموع أيامٍ، واليوم هو اجتماع ساعات الليل والنهار، وبالأيام والشهور والأعوام يحدد الإنسان مواقيته ويحسبها، يدل على ذلك قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً *﴾ (٦) . وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٧) . أي "لتعلموا دخول السنين وانقضاءها وحساب أيامها" (٨) .
стр. 22
المبحث الثالث
أهمية الوقت في السُّنَّة المُطهَّرة
حظي الوقت بنصيب وافر من العناية فيما نُقِلَ عن النبيِّ ﷺ من الأقوال والأفعال، والتي يمكن تناولها من خلال دراسة النصوص الدالة على عناية النبيِّ ﷺ بالوقت، وذلك ضمن المحاور الآتية:
أولاً: الوقت نعمة عظيمة.
تؤكد السُّنَّة المُطهَّرة ما جاء في القرآن الكريم من أن الوقت هو من أعظم نعم الله على عباده، وأنهم مأمورون بحفظ الوقت ومسؤولون عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (١) ، ومعنى قوله ﷺ : «كثيرٌ من الناس» : "أي أن الذي يُوفَّق لذلك قليل، فقد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون" (٢) ، و"النعمة ما يتنعم به الإنسان ويستلذه، والغبن: أن يشتري بأضعاف الثمن أو يبيع بدون ثمن المثل" (٣) .
وفي هذا الحديث "ضرب النبيُّ ﷺ للمُكلَّف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقُه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يُغبن، فالصحة والفراغ رأس مال، وينبغي له أن يعامل اللهَ بالإيمان، ومجاهدة النفس وعدوِّ الدِّين، ليربح خيري الدنيا والآخرة" (٤) .
стр. 23
فمن صحَّ بدنه وتفرَّغ من الأشغال العائقة، ثم لم يسعَ لاستثمار هذه الصحة وهذا الفراغ لإصلاح آخرته ودنياه، فيستثمرهما الاستثمار الأمثل في تحقيق أهدافه التي تعينه على العيش الرغيد في الدنيا، وترقى به إلى مدارج الصالحين في الآخرة، من لم يكن كذلك فهو كالمغبون فيهما.
ثانياً: الوقت مسؤولية كبرى
وقت المسلم أمانة عنده، وهو مسؤول عنه يوم القيامة، هذا ما تؤكده السُّنَّة المُطهَّرة، وإن ثمة أربعة أسئلة سيُسألها العبد عند الله يوم القيامة، منها سؤالان مختصان بالوقت، ففي الحديث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عُمُره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (١) . أي أن العبد في ذلك الموقف العصيب، يوم القيامة، لن تزول قدماه، ولن يبرح ذلك المكان، حتى يُسأل ويحاسب عن مدة عمره بعامّة كيف قضاها، وعن فترة شبابه بخاصة كيف أمضاها، ذلك أن الشباب هو محور القوة والحيوية والنشاط، وعليه الاعتماد في العمل أكثر من غيره من مراحل العمر الأخرى، ولأهميته تلك فقد خُص بالسؤال عنه مستقلاً مع أنه داخل ضمن السؤال عن العمر.
ثالثاً: الوقت وعاء العبادة
الصلاة والزكاة والصيام والحج، جميعها عبادات محددة بأوقات معينة، لا يصح تأخيرها عنها، وهي لا تُقبل إلا إذا أُدِّيت في أوقاتها المعتبرة شرعًا؛ فهي مرتبطة إذًا ارتباطاً وثيقاً بالوقت، الذي هو عبارة عن الظرف أو الوعاء الذي تؤدى فيه.
стр. 24
ومما ورد عن النبيِّ ﷺ في الحث على أداء العبادات في وقتها قوله حين سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» (١) . وكان ﷺ يقول إذا رأى الهلال: «اللهم أهلّه علينا باليُمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربِّي وربُّك الله» (٢) . وكان يقول عن هلال رمضان: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٣) .
وجاء عنه ﷺ في الحث على قيام الليل وذِكْر الله فيه - قولُه: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (٤) .
كما ورد عنه ﷺ الحث على اغتنام عشر ذي الحجة بالعمل الصالح، وذلك في قوله: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه» قالوا: ولا الجهاد قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» (٥) .
رابعاً: الوقت في أفعال النبيِّ ﷺ
كان النبيُّ ﷺ من أشدِّ الناس حفظًا لوقته؛ فكان لا يصرف وقتًا في غير عمل لله تعالى، أو فيما لا بد منه لصلاح نفسه، يقول علي بن أبي طالب ﵁ يصف حال النبيِّ ﷺ بأنه: «كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزأ جُزأه بينه وبين الناس» (٦) .
كما كان ﵊ حريصاً على إعمار وقته بالعبادة والطاعة، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبيَّ ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: «لِمَ تصنعُ هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً» (٧) .
стр. 25
خامساً: تقسيم الوقت وتنظيمه
يحث النبيُّ ﷺ الأمة على الاهتمام بتنظيم الوقت وتوجيهه لمعالي الأمور في الحياة الخاصة والعامة، فيقول فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ألم أُخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: بلى. قال: فلا تفعل، قم ونم وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لِزَورِكَ (١) عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً» (٢) . ومن الأولى بالمسلم ألاَّ يخل بهذه الموازنة، بل الواجب عليه أن يوزع وقته للوفاء بهذه الحقوق جميعها، دون أن يطغى جانب منها على الآخر، ولا يخفى أن المقصود هنا ليس توزيع الوقت بين هذه الحقوق بالتساوي، إنما المراد التسديد في ذلك والمقاربة في الوفاء بها جميعاً قدر الاستطاعة.
ومما رواه النبيُّ ﷺ عن صحف إبراهيم ﵇ قوله: «على العاقل - مالم يكن مغلوباً على عقله- أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب» (٣) .
ومن حُسن تنظيم الوقت أن يُجعل فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجِدِّ، والقلوب تَمَلُّ كما تملّ الأبدان، فلا بد من قَدْر من الترفيه المباح، فعن حنظلة الأُسَيِّدي ﵁ أنه دخل على النبيِّ ﷺ فقال: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يارسول الله نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا (٤) الأزواج والأولاد والضَّيْعات فنسينا كثيراً، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكْر،
стр. 26
لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طُرُقكم، ولكن يا حنظلةُ ساعةً وساعة» كررها ثلاث مرات (١) . هكذا كان النبيُّ ﷺ يعلِّم أصحابه ويبيِّن لهم أن القلوب تَكِلُّ وتتعب وتتقلَّب، فمن الحكمة مراعاتها والترويح عنها بين الفينة والأخرى بما أحل الله، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعَوْه وطبقوه في حياتهم العملية؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أُكرِه عَمِي) (٢) ، ورُوي عنه أيضًا أنه قال: (إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وفترة وإدباراً، فخذوها عند شهواتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها) (٣) ، وجاء عن أبي الدرداء ﵁ قوله: (إنّي لأستجمّ نفسي بالشيء من الباطل غير المُحرَّم، فيكون أقوى لها على الحق) (٤) .
سادساً: الحث على اغتنام الوقت والتحذير من إضاعته
جاء في الحديث الحث على استثمار الوقت واقتناص فرصه، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصِحَّتَك قبل سَقَمك، وغَنَاءك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغْلك، وحياتك قبل موتك» (٥) . لقد لخّص النبيُّ ﷺ في هذه الكلمات الموجزة البليغة ما تناوله الباحثون في كتب عديدة، وهذا من جوامع الكلِم، إذ تحدّث عن أهمية الوقت والمبادرة إلى استثماره واغتنام قوة الشباب، وفرص الفراغ في العمل الصالح المثمر، وحذر من خمس معوّقات تحول دون استثمار الأوقات، كل ذلك في عبارات وجيزة لا تبلغ كلماتها العشرين.
كما كان ﷺ يأمر بالمبادرة إلى العمل الصالح قبل أن تحول العوائق دون ذلك، فيقول: «بادروا بالأعمال سبعاً، هل تُنْظَرون إلا إلى فقر مُنسٍ، أو غنىً مُطْغٍ، أو مرضٍ مُفْسِد، أو هرم مُفْنِد، أو موت مُجْهِز، أو الدَّجال
стр. 27
فشرٌّ غائبٌ يُنتظَر، أو الساعة؟ فالساعةُ أدهى وأمرُّ» (١) .
فهو ﷺ يحثُّ أُمَّته على المبادرة لأداء الأعمال وعدم تأجيلها، ذلك أن حال الإنسان لا يخلو غالبًا من وقوع المعوِّقات؛ من مرض، أو هرم، أو موت، أو نحو ذلك مما يقف حائلاً دون أداء الأعمال أو إتمامها، فالمعوِّقات كثيرة، والحاذق من بادر بأداء العمل قبل أن تحاصره العوائق.
أما قوله ﷺ : «من خاف أدلج ومن أدلج بَلَغ المَنْزِل» (٢) . فإن الطيبي (٣) يقول في شرح معناه: "هذا مَثَلٌ ضربه النبيُّ ﷺ لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإنْ تيقَّظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمِن من الشيطان وكيده" (٤) .
وهذا المثل عامٌّ، ينطبق كذلك في حق من حدد لنفسه أهدافاً، ثم خاف أن تدركه المعوِّقات قبل بلوغها، فتجده يحثُّ الخُطا حتى يحقق أهدافه.
وقد كان ﷺ يأمر بالتبكير في أداء الأعمال، فعن صخرٍ الغامديِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «اللهم بارك لأمتي في بُكُورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار» ، وكان صخرٌ رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته من أوّل النهار، فأثرى وكَثُر مالُه (٥) .
وفي هذا المعنى أيضاً تروي أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قال: «باكروا طلب الرزق والحوائج؛ فإن الغُدُوَّ بركة ونجاح» (٦) .
وعن فاطمةَ ﵂ وأرضاها، قالت: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا مضطجعة مُتصبِّحة فحرَّكني برجله، ثمّ قال: «يا بنية، قومي اشهدي رزقَ ربِّك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (٧) .
стр. 28
الفصل الثاني
الوقت في الفكر الإداري
стр. 29
تمهيد:
يختلف مفهوم الوقت لدى الأفراد، وذلك باختلاف دوافعهم واحتياجاتهم وطبيعة وظائفهم، وهو يختلف أيضاً من ثقافة لأخرى. والإدارة تنظر إلى الإنجاز على أنه هدف مرتبط بتوجيه معين نحو الوقت المستهدف "إن الوقت الضائع وغير المستغل مشكلة؛ لأنه لا يمكن الاستعاضة عنه، ويعلم المديرون أن إدارة أوقاتهم عامل مهم لزيادة إنتاجيتهم" (١) .
ويقسم هذا الفصل إلى المباحث الآتية:
الأول: الإدارة وإدارة الوقت.
الثاني: الوقت في النظريات الإدارية.
الثالث: إدارة الوقت داخل العملية الإدارية.
стр. 30
المبحث الأول
الإدارة، وإدارة الوقت
أولاً: الإدارة وتحديد مفهومها
تنوعت الأفكار وتعددت الآراء والتوجهات التي تناولت تعريف الإدارة وتحديد مفهومها، وقد تضمنت المؤلفات في الإدارة عدداً كبيراً من التعريفات، فلكلٍّ من الباحثين الإداريين مفهوم محدد للإدارة، وذلك تبعًا لنظرته لمكونات الوظيفة الإدارية، بل وفقاً لمفهومه الأساسي للعملية الإدارية ذاتها.
ويمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى عدم اتفاق الباحثين على تعريف محدد للإدارة في ثلاثة أسباب رئيسة:
١- ... أن الإدارة علم حديث نسبياً، هذه الحداثة لم تُتِح فترة زمنية كافية للمفكرين والباحثين في مجال الإدارة للاتفاق على تعريف واحد جامع شامل لها، مع الإشارة إلى أن الإدارة عُرفت ممارسةً منذ قديم الزمان.
٢- ... أن الإدارة تشمل مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والخِدْمية كافّة، وقد أدى هذا الشمول مع اختلاف وتنوع طبيعة العمل في هذه المجالات، إلى جانب حداثة علم الإدارة، أدى ذلك كلُّه إلى تأخر الوصول إلى تعريف شامل لها، وإلى اتفاق تام حول مفاهيمها وأسسها.
стр. 31
٣- ... أن الإدارة تُصنَّف ضمن العلوم الإنسانية لا العلوم الطبيعية، فهي تتعامل مع الإنسان بوصفه وحدةً مستقلة، وتتعامل معه أيضاً بوصفه عضواً في جماعة عمل يخضع لضغوطها ويتأثر بها، وهي تدرس - في سبيل ذلك - الشخصية الإنسانية وسلوكياتها، التي تتصف بالحركة المستمرة وعدم الثبات، ما أدى إلى اختلاف تفسير الشخصية الإنسانية وسلوكها ودافعيتها من مفكر لآخر.
وفيما يأتي مجموعة من التعريفات المستقاة من رواد الفكر الإداري للإحاطة بمضمونها:
لقد عرَّف فريدريك تايلر (F.Taylor) الإدارة بأنها: "المعرفة الصحيحة لما يُراد للعاملين القيام به، ثم التأكد من أنهم يفعلون ذلك بأحسن طريقة وأرخص التكاليف" (١) ، وقد عرَّف هنري فايول (H.Fayol) الإدارة من خلال تحديد عمل المدير، قائلاً: "إن معنى مدير هو: أن تتنبأ، وتخطط، وتنظم، وتصدر أوامر، وتنسق، وتراقب" (٢) . وينظر كونتز وأودونيل Koontz & Odonnel (٣) للإدارة على أنها «سلسلة من الأنشطة المتتابعة والمتكاملة، تبدأ بتحديد الأهداف ثم رسم طريقة الوصول إليها، وذلك من خلال إعداد نشاطات التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، وهو ما يطلق عليه العملية الإدارية The Management Process) ") . (٤) أما علي عبد الوهاب فيعرِّفها بأنها: "عملية اجتماعية مستمرة تعمل على استغلال الموارد المتاحة الاستغلال الأمثل، عن طريق التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة، للوصول إلى هدف محدد" (٥) .
تأسيسًا على ما ذكر آنفًا، ومن خلال الاطلاع على بعض التعريفات لعدد من المفكرين ورواد الفكر الإداري قديمًا وحديثًا، نلحظ أن الإدارة
стр. 32
بمفهومها الحديث يتعين النظر إليها باعتبارها وحدة متكاملة شاملة، تضمّ في عناصرها مختلف المداخل الفكرية، وأن التركيز في هذا المفهوم ينصبُّ على كون الإدارة عملاً ذهنيًا، يسعى إلى الاستخدام الأمثل لجميع الطاقات والإمكانات المتاحة في المنظمة، وذلك بأعلى كفاءة متاحة وأقل كلفة ممكنة، ويأتي الوقت ضمن هذه الإمكانات أو الموارد المتاحة، بحيث يُفترض أن يُستثمر بشكل فعّال، حيث إن الوقت إن لم يتم استثماره الاستثمار الأمثل، فإن الكلفة معرَّضة للازدياد بدرجة كبيرة.
لذا، فإن تعريف الإدارة - من وجهة نظر الكاتب - يستند إلى التعريفات السابقة في القيام بعناصر العملية الإدارية لإنجاز الأهداف المحددة من خلال الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.
فالإدارة هي عمل ووقت، يقترن أحدهما بالآخر، وما من عمل يؤدى إلا كان الزمن مترافقًا معه، وما من حركة تؤدى إلا ضمن زمن محدد نمطي (١) . هذا الوقت لا يُكشف بالحواس وإنما يُدرك بالعقول، فما هي حقيقة هذا الوقت؟
ثانياً: إدارة الوقت وتحديد مفهومها
إن إدارة الوقت في حياة الفرد الشخصية وفي المنظمات، تزداد أهميتها تبعًا للمراكز الإدارية، وهي تتدرج في ذلك بدءًا بالمديرين في الإدارة العليا، وصولاً إلى المشرفين في الإدارة الدنيا؛ وفي مجال الإدارة (المجال الذي تُعنى به دراستنا) ، يعد الوقت من أكثر المصطلحات صعوبة عند محاولة تحديده.
стр. 33
وعندما يكثر الحديث في الوقت الحاضر عن ندرة الموارد، فإنه ينبغي لنا أن نأخذ بعين الاعتبار مسألة الاقتصاد في المورد الأهم وهو وقت المديرين الأكفاء. يقول دراكر (Drucker) : "الوقت هو أهم الموارد، فإذا لم تتم إدارته فلن يتم إدارة أي شيء آخر" (١) ، فالإدارة الجيدة للوقت مفيدة من جهة التوفير في تكاليف المشروع، كما أنها مفيدة في حُسن استخدام الموارد الأخرى للمنظمة أيضاً، ولو أننا قمنا بتحليل عناصر الإنتاج (الموارد المالية، الآلات والمعدات، المواد الخام، الوقت، الموارد البشرية) للاحظنا أن عنصر الوقت هو العنصر الإنتاجي الوحيد الموزع بعدالة بين البشر بخلاف العناصر الإنتاجية الأخرى، ومن هنا تجدنا نسأل: من يستثمر هذا العنصر بكفاءة وفعالية؟ وكيف يستثمره؟ إن الموارد البشرية داخل المنظمة هي المعنية بضرورة حسن استخدام هذه العناصر الإنتاجية المتاحة بالكفاءة والفعالية المطلوبتين، لذا فإن كفاءة أداء هذا العنصر يعكس بالنتيجة كفاءة الأداء التنظيمي للمنظمة؛ فلكل منظمة أهداف محددة تسعى لتحقيقها من خلال تكريس استثمار جميع الموارد والإمكانات المتاحة لديها بما فيها الوقت.
وعلى الرغم من هذه الأهمية الكبرى للوقت، فإنه - في واقع الحال - يُعدّ من أكثر العناصر أو الموارد هدراً ومن أقلها استثماراً، سواء من المنظمات أو من الأفراد العاديين، ويعود ذلك لأسباب عديدة قد يكون من أهمها عدم الإدراك الكافي للتكلفة المباشرة المترتبة على سوء استثماره.
وثمة تعريفات متعددة لإدارة الوقت، إذ يعرِّفها هلمر (Helmer) بأنّها "تحديد ووضع أولويات لأهدافنا، بحيث يمكننا تخصيص وقت أكبر
стр. 34
للمهمات الأساسية ووقت أقل للمهمات التافهة" (١) . ويرى سهيل سلامة أن إدارة الوقت هي: "استثمار الوقت بشكل فعال لتحقيق الأهداف المحددة في الفترة الزمنية المعينة لذلك" (٢) . أما عبد العزيز ملائكة فقد حاول في تعريفه الجمع بين كلٍّ من المنظورين الإسلامي والإداري معاً، حيث يعرّف إدارة الوقت بقوله: "هي تخطيط استخدام الوقت وأسلوب استغلاله بفاعلية، لجعل حياتنا منتجة وذات منفعة أخروية ودنيوية لنا ولمن أمكن من حولنا، وبالذات من هم تحت رعايتنا" (٣) . فإدارة الوقت هي الاستخدام الأفضل للوقت، وللإمكانات المتاحة، وذلك بطريقة تؤدي إلى تحقيق الأهداف. ولن يكون ذلك إلا من خلال الالتزام والتحليل والتخطيط والمتابعة، من أجل الاستفادة من الوقت بشكل أفضل في المستقبل.
وتأسيسًا على ما ذكر آنفًا، فإن مفهوم إدارة الوقت يُعدّ من المفاهيم المتكاملة، والشاملة لأي زمان أو مكان أو إنسان، فإدارة الوقت لا تقتصر على إداري دون غيره، كما لا يقتصر تطبيقها على مكان دون آخر، أو على زمان دون غيره.
وقد ارتبط مفهوم الوقت بشكل كبير بالعمل الإداري من خلال وجود عملية مستمرة من التخطيط والتحليل والتقويم لجميع الأنشطة التي يقوم بها الإداري خلال ساعات عمله اليومي، وذلك بهدف تحقيق فعالية مرتفعة في استثمار الوقت المتاح للوصول إلى الأهداف المرجوة.
стр. 35
المبحث الثاني
الوقت في النظريات الإدارية
برزت بشكل واضح في أوائل هذا القرن أهمية الوقت في نظريات الإدارة، وترجع جذور هذا الموضوع إلى أعمال وجهود فريدريك تايلر (F.Taylor) مؤسس الإدارة العلمية (النظرية الكلاسيكية) ، وذلك في محاولته لتحقيق زيادة في إنتاج المصانع من خلال الاهتمام بتقسيم العمل، ودراسة الحركة والزمن، لتحديد أفضل طريقة لأداء العمل. نظراً لأنّه "ما من حركة تؤدى إلا ضمن وقت محدد، وما من عمل يؤدى إلا كان الوقت إلى جانبه، فالإدارة حركة وزمن أو عمل ووقت" (١) .
وتتمثل دراسة الحركة والزمن (Time and Motion Study) في تقسيم العمل إلى جزئيات بسيطة، حيث يتم تحديد حركتها الأساسية من مكان إلى آخر، والزمن الذي تستغرقه تلك الحركة، وذلك بهدف ربط الأجزاء بعضها ببعض بالطريقة الأسرع والأفضل، وفي أقل وقت ممكن.
وقد أسهم تايلر (Taylor) إسهامًا كبيرًا في زيادة فعالية إنجاز الأنشطة الإنتاجية بطريقة مثلى؛ وذلك من خلال إعادة توزيع مكونات العمل وإزالة أو تقليل الوقت الضائع، أو إعادة تصميم موقع العمل بطريقة مناسبة تضمن انسيابه بشكل سهل دون أي عوائق.
كما سعى هنري جانت (H. Gant) (٢) إلى "تحديد الأجر اليومي بشكل ثابت، فإذا استطاع العامل إنجاز العمل المحدد له في وقت أقل من الوقت
стр. 36
المحدد؛ فإنه يستحق أجراً يعادل الوقت الذي اختصره" (١) .
وتابع فرانك جلبرث وزوجته ليليان (Frank and Lillian Gilberth) (٢) دراسة الحركة والزمن بشكل أكثر تفصيلاً، إلى أن توصلا إلى أداء العمل بأفضل الطرق في زمن قصير، وصولاً إلى الطريقة المثلى (The best way) التي استطاعا من خلالها إدخال فن التخصصات في العمل وتطوير أدائه، فقد عمدا إلى وضع قواعد للعمل بأن قسماه إلى عدة أقسام، وكل قسم إلى خطوات، وحددا لكل خطوة جزءًا من الوقت اللازم للأداء في القسم كله، وقد رتبا خرائط تخدم هذا الغرض، وأطلقا عليها مسمى خرائط التدفق المساعدة على دراسة أي عملية وتفصيلاتها (٣) .
و"نشر هارنجتون إيمرسون H. Emerson)) (٤) كثيراً من المبادئ منها:
* ... المُثل أو الأهداف: وذلك بأن يكون لكل منظمة أهداف تسعى إلى تحقيقها في أسرع وقت ممكن.
* ... حسن الإدراك: بمعنى ألاّ تنمو المنظمة جزافاً بل تعمد إلى تقويم كل جديد في التجهيزات أو في نموها البشري.
* ... الإرسال: ويعني به إصلاح المنظمة وصيانتها وفق جداول زمنية محددة.
* ... التنميط: وذلك بجعل نموذج مثالي لكل عمل إداري" (٥) .
كما اهتم هنري فايول (H. Fayol) برفع مستوى الأداء للمنظمة بوجه شامل، فوضع القواعد والمبادئ الإدارية التي يجب أن تتماشى مع التنظيم المبني على أهداف المنظمة، وكذلك مع الإنتاج ذي الكفاءة العالية، بالتكلفة وبالوقت المتاح الأقل، وذلك كله يتطلب رصداً وتسجيلاً للإمكانات
стр. 37
المتاحة، ووضعها في المكان المناسب في ظل إدارة ذات كفاءة، ما يؤدي إلى تقصير الوقت والسرعة في أداء العمل وتحقيق الأهداف بكفاءة عالية (١) .
كما نلحظ أن محاولات تايلر (Taylor) وأتباعه لم تعبر عن المفهوم الحديث لإدارة الوقت، إذ كانت تلحّ على هدف رئيس يتعلق بزيادة الإنتاج ومن ثمّ مقدار الأرباح، من خلال الإلحاح على فاعلية الإدارة التنفيذية وبخاصة في النواحي الإنتاجية للعمل، وبذلك هدفت نظرية الإدارة العلمية - من خلال مفهوم إدارة الوقت - إلى زيادة قدرة المنظمات على التنفيذ والمتابعة، لئلاّ يُهدر الوقت في أعمال ارتجالية لا ترتبط بحركات قياسية تم مسبقًا تحديد زمن كل حركة منها.
"أعقبت حركةَ الإدارة العلمية في النظرية الكلاسيكية نظريةٌ أطلق عليها نظرية (العلاقات الإنسانية) وقد ألحّت تلك النظرية على بناء المنظمة من الوجهة الاجتماعية والإنسانية؛ كعلاقات الأفراد ببعضهم، وعلاقاتهم برؤسائهم وغيرهم من داخل المنظمة أو خارجها، وقد أعطت الأولوية لجماعات العمل غير الرسمية، وشجعت على ظهورها، ورأت أن إشباع حاجات التنظيم غير الرسمي تؤدي تلقائياً إلى تحقيق أهداف التنظيم الرسمي، وأَوْلت الرجل الاجتماعي اهتمامًا كبيراً لا الرجل الاقتصادي، كما هو الحال في النظرية الكلاسيكية، وباختصار فقد ألحّت النظرية الإنسانية على الدوافع الاجتماعية" (٢) .
وقد اهتمت نظرية العلاقات الإنسانية بالوقت بشكل ملحوظ؛ وذلك من خلال مناداتها بضرورة إعطاء العامل فترة للراحة وأخرى للعمل، ما ينعكس
стр. 38
إيجاباً على معنوياته، ومن ثمّ على قدرته الإنتاجية؛ فالإنسان - في رأي رواد هذه النظرية - ليس آلة يعمل على مدى أربع وعشرين ساعة، وإنما يحتاج إلى فترات راحة تقتطع من وقت العمل، يعود الإنسان العامل بعدها إلى أداء المهمات المطلوبة منه بكفاءة أعلى. وقد أكد الباحث إلتون مايو E. Mayo)) (١) رائد المدرسة الإنسانية من خلال تجاربه المسماة تجارب الهاوثورن (The Howthorne Studies) التي أجراها في مصانع ويسترن إليكتريك الأمريكية، أكد على أهمية الاعتناء بالعامل الإنساني، واختيار فترات الراحة التي تساعد حتماً على زيادة الإنتاجية لأنها تعد منشطاً ومجدداً للحيوية من أجل استئناف العمل، لكن بشرط ألاّ تكون الأوقات المختارة طويلة وغير مناسبة، لأنّ هذه الأوقات الزمنية ستكون عبئاً على المنظمة وسبباً في تراجع الإنتاج (٢) .
أعقب نظرية العلاقات الإنسانية نظريةٌ، أطلق عليها مسمى (النظرية الحديثة للتنظيم) ، استفادت من النظريات الإدارية السابقة وأضافت إليها وطورت مفاهيمها، واحتل فيها الوقت مكاناً بارزاً، وقد تضمنت هذه النظرية عدة نظريات في آن واحد، وهي نظرية اتخاذ القرارات، والنظرية الرياضية أو البيولوجية، وقد كتب كثير من العلماء الإداريين في مفهوم هذه النظريات، أشهرهم برنارد Bernard)) (٣) وأرجيرس Argyris)) (٤) ورنسيس ليكرت R.Likert)) (٥) وهربرت سيمون H.Simon)) (٦) فقد استعانت نظرية اتخاذ القرارات بالوقت في حل مشكلات التخطيط والإنتاج، واعتمدت على الوقت اعتماداً كلياً، حيث إنها تعتمد على الأحداث الماضية، وتستشف الزمن المستقبلي من الماضي، وتستند إليه، وتراعي التوقيت المناسب في مراحل اتخاذ القرارات جميعها، سواء كانت هذه
стр. 39
القرارات تخطيطية أم إنتاجية، وذلك من خلال تحديد الوقت المناسب لاتخاذ القرارات المناسبة للموقف (١) .
كما اعتمدت النظرية البيولوجية على الوقت، فافترضت أن "المنظمة تشبه الكائن الحي؛ بمعنى أنها تولد ثمّ تنمو ثمّ تتهاوى ثمّ تموت" (٢) . ومجمل القول: إن المنظمة وحدة اجتماعية واقتصادية مرتبطة بعامل الوقت، من حيث التأثر بكل معطيات التطور التكنولوجي والمفاهيم الإدارية الحديثة التي تعتمد في تنفيذ خططها على الوقت، واتخاذ الأولويات منهجاً لتنفيذ تلك النظريات.
بعد هذا العرض السريع لبعض النظريات في الإدارة يظهر جلياً ارتباط هذه النظريات بالوقت واهتمامها به، وذلك في جميع مراحلها التطبيقية؛ حيث إن الإدارة ما هي إلا تحقيق هدف، وتحقيق الهدف يحتاج إلى وقت، فالتخطيط يحتاج إلى وقت وكذلك التنظيم والتوجيه والرقابة واتخاذ القرارات، وبذلك يكون الوقت أحد العناصر المهمة لارتباطه بكل عنصر من عناصر الإدارة؛ فكل عمل إداري يحتاج إلى وقت، وإلى أن يكون ذلك التوقيت مناسبًا حتى يحقق الهدف المنشود منه، وبما أن وقت العمل محدود بساعات فإنه يتعين على المدير أن يعمل على استثماره بكفاءة وفعالية.
стр. 40
المبحث الثالث
إدارة الوقت داخل العملية الإدارية
الإدارة هي تحقيق هدف، وهذا الهدف يحتاج إلى وقت، فالوقت مرتبط بكل عنصر من عناصر الإدارة، وكل عمل إداري يحتاج إلى وقت ويحتاج أيضاً إلى توقيت مناسب حتى يحقق الهدف المراد منه.
"إن لم يكن بالإمكان استثمار الوقت كلِّه، فعلى الأقل يمكن استثمار أكبر قدر منه. وحتى تكون نقطة البداية صحيحة وفعالة، يلزم البحث في العناصر الأساسية للعملية الإدارية" (١) . وينبغي التمييز بين عناصر العملية الإدارية على المستوى القومي وعلى مستوى مشروعات الأعمال، فإذا ارتبط البحث في عناصر العملية الإدارية في الإدارة العامة يكون الحديث عنها في المجال العام الحكومي وعلى المستوى القومي، أما إذا بحثنا في العملية الإدارية من مدخل إدارة الأعمال فيقتضي مناقشتها على مستوى المنشآت الصناعية والتجارية والخِدْمية، وسيتركز بحثنا في المجال الأخير، حيث إننا في مجال إدارة مشروعات الأعمال.
١- التخطيط والوقت:
من هنا تتحدد نقطة البداية في تطبيق إدارة الوقت بشكل فعال، "فالوقت يرافق التخطيط في جميع عملياته ويرتبط بشكل أساسي به؛ إذ يربط التخطيط بين أجزاء العملية الإدارية، وكذلك بين العمليات المتعاقبة التي يشتمل عليها النشاط الإداري" (٢) .