← Фикх общий

Фикх общий · id 1497

إدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداري

خالد الجريسي

Полный текст (162 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المحدد؛ فإنه يستحق أجراً يعادل الوقت الذي اختصره" (١) . وتابع فرانك جلبرث وزوجته ليليان (Frank and Lillian Gilberth) (٢) دراسة الحركة والزمن بشكل أكثر تفصيلاً، إلى أن توصلا إلى أداء العمل بأفضل الطرق في زمن قصير، وصولاً إلى الطريقة المثلى (The best way) التي استطاعا من خلالها إدخال فن التخصصات في العمل وتطوير أدائه، فقد عمدا إلى وضع قواعد للعمل بأن قسماه إلى عدة أقسام، وكل قسم إلى خطوات، وحددا لكل خطوة جزءًا من الوقت اللازم للأداء في القسم كله، وقد رتبا خرائط تخدم هذا الغرض، وأطلقا عليها مسمى خرائط التدفق المساعدة على دراسة أي عملية وتفصيلاتها (٣) . و"نشر هارنجتون إيمرسون H. Emerson)) (٤) كثيراً من المبادئ منها: * ... المُثل أو الأهداف: وذلك بأن يكون لكل منظمة أهداف تسعى إلى تحقيقها في أسرع وقت ممكن. * ... حسن الإدراك: بمعنى ألاّ تنمو المنظمة جزافاً بل تعمد إلى تقويم كل جديد في التجهيزات أو في نموها البشري. * ... الإرسال: ويعني به إصلاح المنظمة وصيانتها وفق جداول زمنية محددة. * ... التنميط: وذلك بجعل نموذج مثالي لكل عمل إداري" (٥) . كما اهتم هنري فايول (H. Fayol) برفع مستوى الأداء للمنظمة بوجه شامل، فوضع القواعد والمبادئ الإدارية التي يجب أن تتماشى مع التنظيم المبني على أهداف المنظمة، وكذلك مع الإنتاج ذي الكفاءة العالية، بالتكلفة وبالوقت المتاح الأقل، وذلك كله يتطلب رصداً وتسجيلاً للإمكانات

стр. 37

المتاحة، ووضعها في المكان المناسب في ظل إدارة ذات كفاءة، ما يؤدي إلى تقصير الوقت والسرعة في أداء العمل وتحقيق الأهداف بكفاءة عالية (١) . كما نلحظ أن محاولات تايلر (Taylor) وأتباعه لم تعبر عن المفهوم الحديث لإدارة الوقت، إذ كانت تلحّ على هدف رئيس يتعلق بزيادة الإنتاج ومن ثمّ مقدار الأرباح، من خلال الإلحاح على فاعلية الإدارة التنفيذية وبخاصة في النواحي الإنتاجية للعمل، وبذلك هدفت نظرية الإدارة العلمية - من خلال مفهوم إدارة الوقت - إلى زيادة قدرة المنظمات على التنفيذ والمتابعة، لئلاّ يُهدر الوقت في أعمال ارتجالية لا ترتبط بحركات قياسية تم مسبقًا تحديد زمن كل حركة منها. "أعقبت حركةَ الإدارة العلمية في النظرية الكلاسيكية نظريةٌ أطلق عليها نظرية (العلاقات الإنسانية) وقد ألحّت تلك النظرية على بناء المنظمة من الوجهة الاجتماعية والإنسانية؛ كعلاقات الأفراد ببعضهم، وعلاقاتهم برؤسائهم وغيرهم من داخل المنظمة أو خارجها، وقد أعطت الأولوية لجماعات العمل غير الرسمية، وشجعت على ظهورها، ورأت أن إشباع حاجات التنظيم غير الرسمي تؤدي تلقائياً إلى تحقيق أهداف التنظيم الرسمي، وأَوْلت الرجل الاجتماعي اهتمامًا كبيراً لا الرجل الاقتصادي، كما هو الحال في النظرية الكلاسيكية، وباختصار فقد ألحّت النظرية الإنسانية على الدوافع الاجتماعية" (٢) . وقد اهتمت نظرية العلاقات الإنسانية بالوقت بشكل ملحوظ؛ وذلك من خلال مناداتها بضرورة إعطاء العامل فترة للراحة وأخرى للعمل، ما ينعكس

стр. 38

إيجاباً على معنوياته، ومن ثمّ على قدرته الإنتاجية؛ فالإنسان - في رأي رواد هذه النظرية - ليس آلة يعمل على مدى أربع وعشرين ساعة، وإنما يحتاج إلى فترات راحة تقتطع من وقت العمل، يعود الإنسان العامل بعدها إلى أداء المهمات المطلوبة منه بكفاءة أعلى. وقد أكد الباحث إلتون مايو E. Mayo)) (١) رائد المدرسة الإنسانية من خلال تجاربه المسماة تجارب الهاوثورن (The Howthorne Studies) التي أجراها في مصانع ويسترن إليكتريك الأمريكية، أكد على أهمية الاعتناء بالعامل الإنساني، واختيار فترات الراحة التي تساعد حتماً على زيادة الإنتاجية لأنها تعد منشطاً ومجدداً للحيوية من أجل استئناف العمل، لكن بشرط ألاّ تكون الأوقات المختارة طويلة وغير مناسبة، لأنّ هذه الأوقات الزمنية ستكون عبئاً على المنظمة وسبباً في تراجع الإنتاج (٢) . أعقب نظرية العلاقات الإنسانية نظريةٌ، أطلق عليها مسمى (النظرية الحديثة للتنظيم) ، استفادت من النظريات الإدارية السابقة وأضافت إليها وطورت مفاهيمها، واحتل فيها الوقت مكاناً بارزاً، وقد تضمنت هذه النظرية عدة نظريات في آن واحد، وهي نظرية اتخاذ القرارات، والنظرية الرياضية أو البيولوجية، وقد كتب كثير من العلماء الإداريين في مفهوم هذه النظريات، أشهرهم برنارد Bernard)) (٣) وأرجيرس Argyris)) (٤) ورنسيس ليكرت R.Likert)) (٥) وهربرت سيمون H.Simon)) (٦) فقد استعانت نظرية اتخاذ القرارات بالوقت في حل مشكلات التخطيط والإنتاج، واعتمدت على الوقت اعتماداً كلياً، حيث إنها تعتمد على الأحداث الماضية، وتستشف الزمن المستقبلي من الماضي، وتستند إليه، وتراعي التوقيت المناسب في مراحل اتخاذ القرارات جميعها، سواء كانت هذه

стр. 39

القرارات تخطيطية أم إنتاجية، وذلك من خلال تحديد الوقت المناسب لاتخاذ القرارات المناسبة للموقف (١) . كما اعتمدت النظرية البيولوجية على الوقت، فافترضت أن "المنظمة تشبه الكائن الحي؛ بمعنى أنها تولد ثمّ تنمو ثمّ تتهاوى ثمّ تموت" (٢) . ومجمل القول: إن المنظمة وحدة اجتماعية واقتصادية مرتبطة بعامل الوقت، من حيث التأثر بكل معطيات التطور التكنولوجي والمفاهيم الإدارية الحديثة التي تعتمد في تنفيذ خططها على الوقت، واتخاذ الأولويات منهجاً لتنفيذ تلك النظريات. بعد هذا العرض السريع لبعض النظريات في الإدارة يظهر جلياً ارتباط هذه النظريات بالوقت واهتمامها به، وذلك في جميع مراحلها التطبيقية؛ حيث إن الإدارة ما هي إلا تحقيق هدف، وتحقيق الهدف يحتاج إلى وقت، فالتخطيط يحتاج إلى وقت وكذلك التنظيم والتوجيه والرقابة واتخاذ القرارات، وبذلك يكون الوقت أحد العناصر المهمة لارتباطه بكل عنصر من عناصر الإدارة؛ فكل عمل إداري يحتاج إلى وقت، وإلى أن يكون ذلك التوقيت مناسبًا حتى يحقق الهدف المنشود منه، وبما أن وقت العمل محدود بساعات فإنه يتعين على المدير أن يعمل على استثماره بكفاءة وفعالية.

стр. 40

المبحث الثالث إدارة الوقت داخل العملية الإدارية الإدارة هي تحقيق هدف، وهذا الهدف يحتاج إلى وقت، فالوقت مرتبط بكل عنصر من عناصر الإدارة، وكل عمل إداري يحتاج إلى وقت ويحتاج أيضاً إلى توقيت مناسب حتى يحقق الهدف المراد منه. "إن لم يكن بالإمكان استثمار الوقت كلِّه، فعلى الأقل يمكن استثمار أكبر قدر منه. وحتى تكون نقطة البداية صحيحة وفعالة، يلزم البحث في العناصر الأساسية للعملية الإدارية" (١) . وينبغي التمييز بين عناصر العملية الإدارية على المستوى القومي وعلى مستوى مشروعات الأعمال، فإذا ارتبط البحث في عناصر العملية الإدارية في الإدارة العامة يكون الحديث عنها في المجال العام الحكومي وعلى المستوى القومي، أما إذا بحثنا في العملية الإدارية من مدخل إدارة الأعمال فيقتضي مناقشتها على مستوى المنشآت الصناعية والتجارية والخِدْمية، وسيتركز بحثنا في المجال الأخير، حيث إننا في مجال إدارة مشروعات الأعمال. ١- التخطيط والوقت: من هنا تتحدد نقطة البداية في تطبيق إدارة الوقت بشكل فعال، "فالوقت يرافق التخطيط في جميع عملياته ويرتبط بشكل أساسي به؛ إذ يربط التخطيط بين أجزاء العملية الإدارية، وكذلك بين العمليات المتعاقبة التي يشتمل عليها النشاط الإداري" (٢) .

стр. 41

إن إعداد الخطة الإدارية يتطلب من المخطِّط أن يراعي التسلسل الزمني في مراحل هذه الخطة، وأن يقوم بتوزيع الأزمنة عليها بشكل يتناسب مع المراحل المحددة، على أن يكون مجموع هذه الأزمنة الموزعة مساوياً للزمن الكلي. وأن يختار الزمن المناسب لكل مرحلة، وعلى المخطط كذلك أن يدرك أهمية الهدف ضمن الزمن المعطى له (١) . "فمن مقومات الخطة الناجحة أن تكون محددة بفترة زمنية معينة، سواء أكانت طويلة أم متوسطة أم قصيرة الأجل، ولا بد من تحديد أهداف معينة تتميز بالوضوح الكمي والزمني، وأن تكون خالية من أي تعارض أو تناقض، ومرنة تأخذ بالحسبان التغيرات البيئية المختلفة، فضلاً عن تحديد الأولويات الخاصة بالمنظمة التي تساعدها بشتى الوسائل المتاحة، وضمن الإمكانات المحددة في تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية مرتفعة" (٢) . ورغم أن التخطيط يستغرق وقتاً طويلاً أول الأمر، فإنه يعوض ذلك الوقت فيما بعد، حيث إنه يثمر نتائج أفضل ويوفر وقتاً في الأداء الحقيقي للأنشطة، ولكي يخطط المدير جيداً ويحدد الأولويات يجب عليه ابتداءً "توضيح الأهداف جيّداً وترتيبها حسب أولوياتها لتصبح طرق تحقيق تلك الأهداف واضحة" (٣) . إذ تبدأ عملية تطبيق إدارة الوقت بفعالية من خلال "وضع خطة متكاملة متجانسة ذات أهداف محددة، لكي يعرف الإداري الاتجاه والطريق الذي يسير فيه، والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه على المدى البعيد والقريب" (٤) . وتتحدد الأهداف عادة بشكل هرمي، قاعدته الأهداف اليومية، تعلوها الأهداف الأسبوعية، فالأهداف الشهرية والسنوية لنصل إلى الأهداف الإستراتيجية في القمة، إذ هي تُعد مصدر جميع الأهداف السابقة، كما أن

стр. 42

كل مستوى يُعد مصدراً للأهداف في المستوى الأدنى منه، وذلك كما هو مبين في الشكل الآتي: الشكل رقم (١) : هرمية الأهداف الأهداف الإستراتيجية الأهداف السنوية الأهداف الشهرية الأهداف الأسبوعية الأهداف اليومية إن وضع جدول زمني للأهداف يساعد كثيراً في قياس مدى الكفاءة والفعالية في تحقيق هذه الأهداف خلال الفترة المحددة، ويفترض أن يتم توزيع الأنشطة خلال هذه الفترة المتاحة تبعاً لأولويات الأهداف أو جزئياتها، وذلك ليتسنى للإداري العمل على تحقيق الأهداف وفق الجدول الزمني المُعدّ لذلك. ٢- التنظيم والوقت: يرتبط التنظيم بالإدارة الجيدة للوقت ارتباطاً وثيقاً، إذ "دلّت الدراسات

стр. 43

والتجارب التي قام بها عدد من علماء الإدارة على أن التنظيم الجيد يقلص الزمن المطلوب للإنتاج، إذ تبدو فاعلية التنظيم الجيد بشكل عام من خلال انعكاسه على مجموعة من السمات التي تظهر في كل واحدة منها أهمية الوقت في التنظيم، كالميل إلى التعاون، والولاء للجماعة، وتنظيم العمل بين أفراد الجماعة الواحدة، فيعرف الفرد الواحد مهمته بكل دقة وتتوافق أهداف جماعة العمل مع أهداف التنظيم" (١) . ويرتبط موضوع الوقت بالتنظيم الإداري من نواحيَ عدة، منها تحديد مهمات العاملين واختصاصاتهم، وتقسيم العمل بينهم بشكل موضوعي وعادل، كما ترتبط إدارة الوقت بالتنظيم من خلال تجديد وتبسيط إجراءات العمل المتبعة، باستبعاد ما هو غير ضروري وذلك من خلال إعداد الدراسات التنظيمية اللازمة، إذ يؤدي طول الإجراءات وتعقيدها، وطول الفترة اللازمة التي يتطلبها إنهاء العمل عادةً إلى التذمر الشديد من قبل العاملين أو المستفيدين. "لذلك ومن أجل إدارة الوقت بشكل فعّال، فإنه يُفضّل تجديد وتبسيط إجراءات العمل المتبعة من خلال إعداد الدراسات التنظيمية اللازمة لاستبعاد الخطوات غير الضرورية، أو الاستعانة بالأجهزة والمعدات الحديثة لإنجاز العمل بصورة سريعة، كما تعمل النماذج المعدة سلفاً من قبل المنظمة على توفير وقت كبير، كان يضيع في السابق بسبب الشرح الطويل وازدواجية كتابة المعلومات" (٢) . إضافة إلى ما ذكر آنفًا، فإن "ثمة ارتباطاً بين موضوع إدارة الوقت بالتنظيم الإداري من عدة نواحٍ منها ناحية توافر البيئة التنظيمية المادية والاجتماعية، وتطبيق مبدأ الإدارة بالاستثناء والاتجاه نحو تفويض السلطة، لأن ذلك من شأنه أن يعمّق مفهوم التخصص وتقسيم العمل، ومن شأنه

стр. 44

أيضًأ أن ييسر قيام كل مستوى إداري بمهماته، فيغدو الوقت الموزع في كل مستوى إداري متناسباً مع أهمية النشاطات التي يقوم بها ذلك المستوى" (١) ؛ إذ تهتم الإدارة العليا بالنواحي الأساسية في اختصاصها التي تتمثل في الأنشطة الإستراتيجية المتعلقة بمستقبل واستمرارية المنظمة، وتقوم المستويات الإدارية الوسطى بمهماتها أيضاً المستمدة من الأنشطة العليا، وبهذا يتاح لها الوقت الكافي للاهتمام بالأنشطة الجوهرية والأساسية، كما تقوم المستويات الإدارية المباشرة بتنفيذ ما وصلت إليه الإدارتان العليا والوسطى، والاتصال بهما لتزويدهما بالمعلومات الخاصة بالتنفيذ. ٣- التوجيه والوقت: يستغرق التوجيه جزءاً كبيراً من وقت الإداري بشكل عام، إذ يجب على الموجه أن يكون على علم ودراية بتوقيت التوجيه، وبنفسية العاملين، وبظروف المنظمة، وإلا كان التوجيه في غير مكانه وخارجاً عن الوقت المحدد له؛ ويتمثل ذلك في إرشاد العاملين إلى كيفية تأدية وتنفيذ العمل بجانب الاتصالات بمختلف أشكالها الشفهيّة والكتابية والتقنية، ولا بد أن يقوم المشرف قبل البدء بعملية الاتصال أو الإرشاد من تحضير المعلومات اللازمة والهدف منها، فضلاً عن تحديد الفترة اللازمة للاتصال، وبخاصّة إذا كان المرسل إليه في موقع جغرافي بعيد عن موقع عمل الإداري، وهذا يقتضي من المشرف مزيداً من الوقت والجهد (٢) . "إن إطالة زمن التوجيهات تجعل العاملين في مَلَلٍ فلا تحقق عندها الفائدة المرجوة والأمل المنشود، لذلك فإن التوجيه في زمن قصير خلال فترات متفاوتة يعطي ثماراً يانعة". (٣) . ولكي تتحقق الفائدة القصوى من

стр. 45

الوقت في أثناء التوجيه، فإنه يفترض توافر قواعد ثابتة وسليمة للبيئة المادية الاجتماعية الموجودة في المنظمة؛ حيث إن نجاح عملية الاتصالات تعتمد بشكل أساس على توافر العلاقات الإنسانية الدافعة للعمل، والسياسة الحافزة الفعّالة، وعلى الفهم الواضح لمفهوم جماعات العمل وأثرها في إنجاز العمل، وعلى إيجاد علاقات اجتماعية طيبة وتعاون وثقة متبادلة بين العاملين، وعلى توافر جو نفسي مريح يؤدي إلى تأدية العمل بكفاءة وفعالية. وبدون شك فإن هذه الأساسيات في العمل تتيح فرصاً جيدة لزيادة التفاهم، وتدعيم الثقة بين العاملين، وتحفيزهم على زيادة مستوى الأداء والإنتاجية (١) . "ويمكن للإداري الاعتماد بشكل كبير على الاتصالات الشفهيّة ما أمكن ذلك، بهدف تقليل الوقت اللازم لكتابة الخطابات وطبعها وتوقيعها، إضافة إلى عملية دخول وخروج المعلومات من مكتب الإداري، وتنظيم عملية مقابلة الأشخاص، وترتيب أفكاره وتحديد هدفه من الاتصال الهاتفي مثلاً قبل البدء بعملية الاتصال، وذلك لتقليل وقت المكالمة الهاتفية ما أمكن" (٢) . إن جميع ما ذكر آنفًا سيكون من شأنه أن يزيد من فاعلية الاتصال، وكذلك من فاعلية عملية التوجيه، واستغلال الإداري للوقت اللازم لها بشكل فعّال. ٤- الرقابة والوقت: تلازم الرقابة عملية التخطيط وتعتمد عليها، إذ لا بد للمراقب أن يكون على علم بالتخطيط الإداري ليتسنى له القيام بمهامه الرقابية وفقاً لما هو مخطط، ومعرفةُ مدى الخروج عن المعايير المخطط لها، ووقت حصول ذلك. "وتظهر أهمية الوقت في الرقابة لدى الكشف عن الأخطاء أو منع وقوع

стр. 46

حدوثها في الوقت المناسب، ويطول زمن الرقابة إذا كانت إجراءاتها شديدة وصارمة، وقد تم تنفيذها من خلال التهديد، ويقصر زمنها إذا كانت نابعة من الذات، ومعتمدة على الثقة والحرص على تحقيق الأهداف" (١) . ٥- اتخاذ القرارات والوقت: تحتاج عملية اتخاذ القرارات إلى فترة زمنية معينة، ولا شك بأن اختلاف نوعية المشكلات، واختلاف الظروف التي يواجهها الإداري، فضلاً عن اختلاف طبيعة القرارات في المستويات الإدارية، كل ذلك له تأثيره على الوقت المحدد في اتخاذ القرار، وهذا التأثير يختلف باختلاف النمط القيادي في المنظمات (٢) . "وقد اهتمت الإدارة الحديثة بالأسلوب العلمي في اتخاذ القرارات المتمثل في تشخيص المشكلة وتحديدها، ووضع المقترحات المناسبة لحلها وتقويمها، ومن ثم اختيار المناسب منها وتنفيذه، ومتابعة نتائجه. وقد جاء هذا الاهتمام من منطلق زيادة فاعلية اتخاذ القرارات، والارتقاء بنوعية القرارات الصادرة خلال الفترة الزمنية المحددة لذلك؛ لهذا فقد قل الاعتماد على الأساليب التقليدية في اتخاذ القرارات؛ مثل أسلوب الخبرة إلا في حدود ضيقة جداً قد لا تتعدى القرارات الروتينية أو العادية التي تواجه الإداري يومياً ولا تتطلب منه جهداً أو إبداعاً" (٣) . إن اهتمام الإداري بكل الوسائل والطرق المتاحة في اتخاذ القرارات له أثر كبير في زيادة فاعلية اتخاذ تلك القرارات والارتقاء بنوعيتها، كما في توفير الوقت والجهد والتكاليف.

стр. 47

الفصل الثالث إدارة الوقت من منظور إسلامي

стр. 48

تمهيد: تتكون عملية إدارة الوقت من مبادئ عدة؛ "فهناك شبه إجماع بين علماء الإدارة على أن أهم وظائف الإدارة هي: التخطيط، التنظيم، التوجيه، الرقابة، اتخاذ القرارات" (١) ، وسيتم في هذا الفصل التعريف بهذه الوظائف مع ذكر الآيات القرآنية التي أشارت إليها، وبيان نصوص السُّنَّة النبويَّة ذات العلاقة بهذه الوظائف. وذلك من خلال مبحثين: الأول: إدارة الوقت في القرآن الكريم. الثاني: إدارة الوقت في السًّنَّة المُطهَّرة.

стр. 49

المبحث الأول إدارة الوقت في القرآن الكريم عرض القرآن الكريم في محكم آياته لوظائف الإدارة وأشار إليها في أكثر من موضع، ويمكن تناول ذلك - من خلال موضوع إدارة الوقت - ضمن المحاور الآتية: أولاً: التخطيط عرض القرآن الكريم لأنموذج بشري في التخطيط ذُكر في معرض الإقرار والثناء، جاء ذلك في سورة يوسف ﵇، في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُْ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ *قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَْحْلاَمِ بِعَالِمِينَ *وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ *يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ *قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ *ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ﴾ (١) . إن هذه الآيات تدل على أن يوسف ﵇ قد رسم خطة للسنوات المقبلة، وأن التخطيط لا ينافي التوكل، بل هو من باب الأخذ بالأسباب. كما تشير الآيات الكريمات إلى أول موازنة تخطيطٍ مبنية على أسس

стр. 50

علمية، وازن فيها يوسف ﵇ بين إنتاج القمح من جهة، وتخزينه واستهلاكه في مصر الفرعونية مدة سنوات القحط وسنوات الرخاء من جهة أخرى، وتتضح أركان هذه الموازنة فيما يأتي (١) : ١- ... الموازنة بين الإنتاج الزراعي والاستهلاك، بهدف تخطي أعوام القحط والجدب. ٢- ... إن اعتبار عنصر الزمن كان واضح المعالم من خلال عدد سنوات القحط وسنوات الرخاء؛ حيث تم إعداد خطتين سبعيتين للدولة. ٣- ... إن هذه الموازنة كانت بمثابة خطة طويلة الأجل امتدت أربعة عشر عاماً. ٤- ... استخدام الموازنة باعتبارها أداة رقابيةً لضمان تنفيذ الخطة بدقة. إنه مخطط زمني وضعه يوسف ﵇ بإلهام من الله لكسب الوقت في سنوات الرخاء؛ وذلك بمضاعفة الناتج بأسلوب علمي للإفادة منه في سنوات الجدب. وقد عرّف أحد الباحثين التخطيط من المنظور الإسلامي بأنه: "أسلوب عمل جماعي يأخذ بالأسباب لمواجهة توقعات مستقبلية، ويعتمد على منهج فكري عَقَدي يؤمن بالقدر ويتوكل على الله ويسعى لتحقيق هدف شرعي هو عبادة الله وتعمير الكون" (٢) . بينما عرَّفه آخر بأنه: "التفكر والتدبر بشكل فردي أو جماعي في أداء عمل مستقبلي مشروع، مع ربط ذلك بمشيئة الله تعالى، ثم بذل الأسباب المشروعة في تحقيقه، مع كامل التوكل والإيمان بالغيب فيما قضى الله وقدّره على النتائج" (٣) .

стр. 51

ومن خلال استعراض هذين التعريفين نجد أن أولهما يحصر التخطيط في الجماعة، بينا نجد الآخر يشمل في تعريفه الفرد والجماعة، كما أنهما يتعرضان للعملية التخطيطية في الإدارة بشكل عام. ويمكن للباحث - من خلال هذين التعريفين - تحديد مفهوم التخطيط في الإدارة الإسلامية، في إطار إدارة الوقت، ضمن المنهجية التي تتبناها الدراسة على أنه: (إعمال الفكر في رسم أهداف مشروعة، مع تحديد الوسائل المتاحة وفق الموارد المباحة شرعاً، وبذل الطاقات في استثمارها، لتحقيق الأهداف في أقل وقت ممكن، مع تعليق النتائج بقضاء الله وقدره) . فيكون هذا التعريف للتخطيط - في رأي الباحث - شاملاً لجميع مراحل العملية التخطيطية؛ بدءًا بالتدبر والتفكر، مروراً برسم الأهداف وتحديد الوسائل، واستثمار الموارد المتاحة لتحقيق الأهداف في إطار فترة زمنية محددة، وانتهاءً بتعليق النتائج بقضاء الله وتقديره. وباستعراض بعضِ نصوص القرآن نجد أن أهم عناصر التخطيط الإسلامي هي: ١- تحديد الأهداف: يعدّ تحديد الأهداف من أبرز سمات التخطيط التي دعا إليها القرآن الكريم، إذ يقول المولى : ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *﴾ (١) ولا شك بأن من يمشي إلى هدف وغاية هو أهدى ممن يخبط خبط عشواء. ٢- تحديد الأولويات: بعد تحديد الأهداف يتم تحديد الأولويات، أي: ترتيب الأهداف حَسْب أهميتها الأهم فالأهم، وهذا مما يعين على كسب الوقت بإعطاء

стр. 52

الأهداف ذات الأهمية الكبرى الأولوية في التنفيذ، فحين أمر المولى النبيَّ ﷺ بالدعوة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *﴾ (١) ، فإنه حدد له أولوية دعوة الأقربين من عشيرته بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ *﴾ (٢) . وحين أمر سبحانه المسلم بالحذر من النار واتخاذ سبل الوقاية منها أمره أن يبدأ بنفسه ثم بأهله، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٣) . ٣- استثمار جميع الموارد المتاحة: يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ *﴾ (٤) . ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ *وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ *﴾ (٥) . هذه الموارد الكبرى التي ذكرت في هذه الآيات مما أحلّ الله استثماره، يتبوأ الوقت المنزلة الأهم من بينها، فهو أهم الموارد وأعظمها شأناً، وقد سخره الله لنفع الإنسان كما يفيده ظاهر الآيات المذكورة آنفا. ٤- بذل الأسباب والوسائل المشروعة: تحقيق الأهداف لا يكون إلا بالسعي وبذل الأسباب في استثمار كافة الوسائل المتاحة، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٦) . لكن يُلحظ هنا أنه يتوجب على المسلم التحري في مشروعية الوسائل التي يستخدمها في تحقيق الأهداف، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة.

стр. 53

٥- تعليق النتائج بمشيئة الله: من سمات التخطيط في الإسلام تحديد الأهداف وبذل الأسباب، والتوكل على الله بعد ذلك في تحقيق النتائج وتعليق ذلك بمشيئة الله وتقديره، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) . والخطاب هنا يفيد عموم التوجيه للنبيِّ ﷺ ولأُمَّته من بعده. ثانياً: التنظيم يعد التنظيم من أهم مقومات نجاح العمل الإداري وهو "وظيفة إدارية رئيسة، تسعى إلى تحديد كل النشاطات المباحة في المؤسسة، وتحديد أوجهها، ثم تقسيمها إلى مجموعات من الأعمال، يمكن إسناد كلٍّ منها إلى الشخص الذي تتوافر فيه صفات وشروط معينة، مع توضيح كل الحقوق والالتزامات، وكذلك العلاقات الداخلية بين الموظفين، رؤساء ومرؤوسين في المؤسسة، والمتعاملين معها من الخارج أفراداً ومؤسسات، في ضوء أحكام وتعليمات مصدرها الشريعة الإسلامية، وذلك من أجل تحقيق أهداف مشروعة" (٢) . وفي ضوء هذا التعريف للتنظيم يمكننا أن نتلمس أهم خصائصه في القرآن الكريم، وذلك من خلال المحاور الآتية: ١- التنظيم الهرمي للوظائف: لا تخلو مؤسسة إنتاجية أو خِدْميّة من وجود عدد من الموظفين مع تفاوت بينهم في الوظائف ما بين رئيس ومرؤوس، ومرجع ذلك إلى اختلاف متطلبات العمل الأمر الذي يؤدي إلى تفاوت الاختصاصات وتفاوت

стр. 54

الخبرات والقدرات الوظيفية من موظف إلى آخر؛ ويشير القرآن الكريم إلى هذا التفاوت في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١) ، أي: ليكون كلٌ منكم مسخراً لخدمة الآخر وسبباً في معاشه (٢) . وفي ذلك يقول أبو العلاء المعرِّي: الناس للناس من بدوٍ وحاضرة ... بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم (٣) ومن لوازم التسلسل الوظيفي طاعة المرؤوس للرئيس بالمعروف، لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً *﴾ (٤) . ٢- تقسيم العمل وتحديد الاختصاصات: نلمس ذلك في قول الله حكاية عن نبيِّه يوسف _ج: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ *﴾ (٥) ، حيث نجد أن يوسف ﵇ " يرشح نفسه لمنصب يقابل وزير المالية أو التموين في عصرنا الحاضر، وهو منصب يتعلق بالأرقام والإحصاءات والأموال والتخطيط والتخزين والتوزيع، وكل هذه المهمات تحتاج إلى العلم والحفظ، وهما الصفتان اللتان أبرزهما يوسف في عرض مؤهلاته بطلب الترشيح للوظيفة" (٦) . وهو قدّم الحفظَ على العلم لاشتماله على معنى العدل والأمانة، وهما أساس في الإدارة في المفهوم الإسلامي. ومن ذلك أيضاً قوله : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ

стр. 55

نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ *﴾ (١) . وهذا يُعدّ نصاً في تقسيم المهمات، وتخصيص الأعمال، ففي الآية - كما ذكر المفسرون - توجيهٌ للمؤمنين بعدم الخروج للجهاد جميعاً، بل تخرج طائفة منهم وتبقى الأخرى عند رسول الله ﷺ لتتفقه في الدين حتى إذا رجع إخوانهم من الجهاد أخبروهم بما تعلموه من رسول الله ﷺ من أمور دينهم (٢) . أما قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٣) ، فهو يدل بوضوح على أن القدرة الإنسانية تقصر عن أداء عدد من المهمات في آن واحد، إذ ليس لأحد من الناس قلبان يعقل بهما كما روي في سبب نزول الآية أن رجلاً من قريش ادعى ذلك فنزلت الآية مُكذِّبة لزعمه (٤) . ٣- التفويض: إن توكيل بعض المهمات إلى المرؤوسين ومنحهم الصلاحيات اللازمة لتنفيذها، يعدّ خطوة مهمة نحو إدارة الوقت وتحقيق الأهداف. ومن المثل القرآني في ذلك قصة موسى ﵇ حين كلفه الله بالرسالة وأمره بالذهاب إلى فرعون، فإنه ﵇ حين شعر بعظم المهمة طلب من ربه أن يشدَّ عَضُده بأخيه هارون وأن يُشرِكه معه في الأمر، قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي *هَارُونَ أَخِي *اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا *وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا *﴾ (٥) . فهذا موسى ﵇ يطلب من ربه أن يعِينه بأخيه هارون كي يساعده في تبليغ الرسالة العظيمة التي أُرسل بها ويشاطره في تبعاتها، وأن يكون له بمنزلة الوزير يستشيره ويستعين به في أموره (٦) . كما نتلمس من خلال سياق هذه الآيات الإشارة إلى إعطاء المسؤول الحرية في اختيار مساعديه.

стр. 56

ومن التفويض أيضاً ما فعله ملك مصر مع يوسف ﵇ حين فوضه بالقيام بمهمات حِفظ خزائن الدولة، وهذا يشبه إلى حد كبير منصب (وزير المالية) في عصرنا الحاضر، إذ منحه جميع الصلاحيات التي تخوله القيام بعمله وتنفيذ خطته الزراعية طويلة الأجل، وقد عبر الله عن تلك الصلاحيات بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ (١) . "أي وطَّأْنا ليوسف في أرض مصر" (٢) . فهو حر يتصرف كيف يشاء وفق الخطط والأهداف المرسومة، وهذه الحرية تتيح للمسؤول المناخ المناسب للإبداع والابتكار. والإسلام ينظر إلى هذه الصلاحيات على أنها تشريف وتكليف في الوقت نفسه، فهي مما يُسأل عنه الإنسان، لقول النبيِّ ﷺ : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته» (٣) . ٤ - مراعاة حال العامل المُكلَّف: وهذا مما يجب أخذه بالاعتبار عند تكليف شخص ما بعمل ما، فمن بدهيات نجاح العمل أن يُسند إلى الشخص الذي تتوافر فيه صفات تؤهله للقيام بمهمات هذا العمل، وفي قصة موسى ﵇ إشارة إلى ذلك، فمن الأسباب التي دفعت ابنة شعيب _ج (٤) أن تطلب من أبيها أن يستأجره ما لمست فيه من قوة وأمانة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ *﴾ (٥) . فالقوة ضرورة للقيام بوظيفة الرَّعْي، كما أن الأمانة مهمة في حفظ المال وعدم الخيانة فيه. كذلك من البدهيات ألاَّ يُكلف العامل بما لا يُتقِنه، وألاّ يُكلَّف بما لا يُطيق من الأعمال، يتجلى ذلك في قول الله تعالى: ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٦) ؛ ذلك أن الإنسان إذا كُلِّف بما ليس في وسعه عجز حتمًا عن أدائه، وإن حاول تأديته فإنه يؤديه على وجهٍ فيه خلل وقصور.

стр. 57

ثالثاً: التوجيه وهو "الاتصال بالمرؤوسين وإرشادهم وترغيبهم في العمل لتحقيق الأهداف، فالتوجيه بهذا المعنى ينحصر في توجيه الآخرين ونصحهم وإرشادهم في أثناء قيامهم بتنفيذ الأعمال الموكلة إليهم، لذا فإن كلمة التوجيه الإداري هي بمثابة الوظيفة التنفيذية للإرشاد وملاحظة المرؤوسين" (١) . فالتوجيه هو الوظيفة التنفيذية للخطة الموضوعة وضمن التنظيم المعتمد. وتبرز أهمية العملية التوجيهية في حياة المديرين والمسؤولين حين تأتي النتائج إيجابية، وتُقطف ثمار النصائح والتوجيهات الهادفة (التخطيط) ، فيشعر المدير أو المسؤول أن أحد موظفيه قد وصل إلى المنزلة المرموقة بفضل الله ثم بفضل توجيهاته وتوصياته وقيادته الهادفة. وإن خير ما يتمثله المدير هو توجيه الله لرسوله ﷺ وللمسلمين والمسجل في القرآن الكريم كما في هذه الآية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ *﴾ (٢) . فنرى أن هذه الآية تشتمل على جملة من توجيهات الله لرسوله ﷺ ، والتي تُبرِز عناصر وظيفة التوجيه من اتصال وقيادة وتحفيز، ومن تلك التوجيهات ما يأتي: ١- ... اللِّين الذي أظهره النبيُّ ﷺ لأصحابه، وهو من رحمة الله تعالى بعباده.

стр. 58

٢- ... عدم الفظاظة وغلظة القلب، وإلا لما وَجَد النبيُّ ﷺ أحداً من الصحابة معه ولانفضوا وتفرقوا عنه. ٣- ... العفو عن أصحابه. ٤- ... الاستغفار والدعاء لهم. ٥- ... المشاورة في الأمور الدنيوية كافة. ٦- ... التوكل على الله بعد العزم. وفي قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (١) , وقوله: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *﴾ (٢) . توجيه كريم للنبيِّ ﷺ بدفع الإساءة بالإحسان مع بيان ثمرة ذلك من كسب محبة الآخرين وموالاتهم وإخلاصهم، كذلك فإن في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ *﴾ (٣) توجيه صريحٌ من الله تعالى لنبيِّه بما يأتي: ١- ... الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ٢- ... المجادلة بالتي هي أحسن. وهذه التوجيهات صالحة لكل زمان ومكان، وباستطاعة المدير المسلم تطبيقها والاسترشاد بها في المجالات كلِّها، فهي ليست مقتصرة على الدعوة وحسب. ويؤكد الإسلام على عامل التحفيز، فبالإضافة إلى اقتناع المكلف بعمله ثمة أمران يدفعان الإنسان إلى الإخلاص في أدائه: الرغبة في المكافأة والثواب، والخوف من المساءلة والعقاب، ومنهج الإسلام تمثل في مكافأة المحسن على قدر إحسانه، ومعاقبة المسيء على قدر إساءته، قال الله

стр. 59

تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *﴾ (١) . وقال حكاية عن ذي القرنين: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا *وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا *﴾ (٢) . رابعاً: الرقابة إن العملية الإدارية لا تستقيم من غير توافر عنصر الرقابة أو المتابعة، وتعد الرقابة مرحلة مُكمِّلة لحسن الإدارة وهي "عملية متابعة دائمة تهدف أساساً إلى التأكد من أن الأعمال الإدارية تسير في اتجاه الأهداف المخطط لها بصورة مُرضية، كما تهدف إلى الكشف عن الأخطاء والانحرافات، ومن ثَمّ تصحيح تلك الأخطاء والانحرافات بعد تحديد المسؤول عنها ومحاسبته المحاسبة القانونية العادلة" (٣) . والرقابة في الإسلام تنبع من استشعار المسلم لمراقبة الله له: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤) ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *﴾ (٥) ، وغير ذلك من الآيات التي تقرر علم الله بخلقه ومراقبته لهم في كل صغيرة وكبيرة من تحركاتهم وتصرفاتهم، ومن خلجات أنفسهم ووسوسات صدورهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *﴾ (٦) . كما أن الرقابة في الإسلام تنبع من مفهوم المسؤولية الفردية والأمانة والعدل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٧) .

стр. 60

والقرآن الكريم يدعو المسلم إلى تنمية الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس، كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *﴾ (١) . ويقول سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا *اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢) . فالإسلام يسعى إلى تنمية الرقابة الذاتية للفرد المسلم، ما يبعده عن الانحراف ويجعله ملتزماً أحكامَ الشرع الحنيف، ومع ذلك فإن النفس البشرية تبقى أمارة بالسوء ولا يخلو مجتمع ولا أمّة من الانحراف وتجاوز الحق، ما يستوجب دومًا وضع القواعد الرقابية والمحاسبية حماية للمجتمع من أن يستشري فيه الانحراف والفساد. وذكر بعض الباحثين أن " الإسلام لم يضع قواعد تفصيلية للرقابة الإدارية، ولم يحدد الأشكال الواجب اتباعها لتحقيق هذه الرقابة، وإنما ترك الأمر للتجربة والظروف الاجتماعية والإدارية للمجتمع المسلم" (٣) . ولعل المقصود بذلك نفي وضع الهياكل الرقابية كما هي عليه اليوم في المنشآت الإدارية، وإلا فإن الإسلام قد وضع كثيرًا من القواعد الرقابية والمحاسبية؛ سواء فيما يتعلق بحفظ الدين أو النفس أو العرض أو المال، فهو قد شرع الحدود والقصاص، كما شرع عقوبة التعزير فيما ليس فيه حد مُقدَّر من المخالفات، وترك للحاكم تقدير تلك العقوبة التي قد تصل أحيانًا إلى حد القتل. وقد مارس النبيُّ ﷺ وصحابته الرقابة الإدارية كما سيأتي تفصيل ذلك في المبحث الثاني.

стр. 61

أما في القرآن الكريم فقد قررت بعض نصوصه الرقابةَ الجماعية كما في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *﴾ (١) . كما حذّر المولى من ترك النهي عن المنكر بقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *﴾ (٢) . خامساً: اتخاذ القرارات لا شك بأن حسن اتخاذ القرارات هو عامل مهم في إنجاح العملية الإدارية، ولا بد أن اتخاذ أي قرار ناجح هو معتمد أساسًا على توافر معلومات وافية يُبنى عليها هذا القرار. لذلك عاتب الله نبيَّه داود _ج عندما حكم بين رجلين فسمع لأحدهما ولم يسمع إلى الآخر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ *إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ *﴾ (٣) ، وقد علم داود _ج أن الأَوْلَى في حقه عند الحكم بين الناس أن يمنح كلَّ متخاصم فرصة للإدلاء بقوله وحجته؛ حيث إن وجه المسألة كلَّه أو بعضه قد يتغير، ما يؤثر في اتخاذ القرار المناسب. كذلك نبيُّ الله سليمان _ج عندما افتقد الهدهد توعَّده بعذاب شديد، ولكنه استثنى في تنفيذ قرار العقوبة، وسبب استثنائه في ذلك أنه ليس لديه

стр. 62

معلومات وافية عن سبب تغيب ذلك الهدهد، وقد يكون سبب تغيُّبه وجيهًا، فيدرأ عنه تنفيذ قرار العقوبة، يقول الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *لأَُعِذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *﴾ (١) . والله يوجِّه نبيَّه ﷺ إلى مشاورة أصحابه، فإذا اتضح له بعد المشورة الأمرُ وجب عندئذ التوكل على الله في اتخاذ القرار اللازم بشأنه مع عدم التردد في ذلك، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢) .

стр. 63

المبحث الثاني إدارة الوقت في السُّنَّة المُطهَّرة مارس النبيُّ ﷺ الإدارة ممارسة عملية، وتجلت وظائف الإدارة في سُنَّته القولية والفعلية، ذلك أنه كان يرأس الدولة الإسلامية الفتية الناشئة في المدينة النبويَّة، وسنعرض في هذا المبحث لأهم وظائف الإدارة وتحليلها في ضوء نصوص السُّنَّة النبويَّة، وفي إطار إدارة الوقت. أولاً: التخطيط من خلال دراسة السيرة النبويَّة في العهد المكيِّ يمكن القول إن هذه الفترة قد احتوت على نوعين من التخطيط وفقاً للمفهوم المعاصر: تخطيط بعيد المدى أو إستراتيجي، وتخطيط قصير المدى أو تنفيذي (١) . أما في العهد المدني فقد تجلى التخطيط واتضحت معالمه، حيث تم تشكيل دولة الإسلام برئاسة النبيِّ ﷺ ، وسنتلمس في البنود الآتية بعض عناصر التخطيط في السُّنَّة النبويَّة ذات العلاقة بإدارة الوقت، والتي من أهمها: ١ - تحديد الأهداف وترتيب الأولويات: وهو عنصر مهم من عناصر إدارة الوقت واستثماره، ولعل ذلك يتضح جلياً من خلال وصيّة النبيِّ ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن، وكان الهدف من بعثه دعوة أهل اليمن إلى الإسلام. فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ

стр. 64

محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (١) . نلحظ من سياق هذا الحديث أن النبيَّ ﷺ قد حدد لمعاذ بن جبل ﵁ أهداف البعثة ورتب له أولويات الدعوة، حتى لا تذهب جهوده سدى، كل ذلك من أجل أن تحقق البعثة أهدافها المرسومة في أقل وقت ممكن. وقد رتب النبيُّ ﷺ الأهداف ترتيباً منطقياً حسب أهميتها وأولويتها، قال الخطَّابي: (إن ذكر الصدقة أُخِّر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تُكرّر تكرار الصلاة) ، قال ابن حجر مُعلِّقاً على كلام الخطابيِّ: (هو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطّف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أوّل مرّة لم يأمن النفرة) (٢) . ٢ - التفكر والاعتبار: جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا يُلدغ المؤمن من جُحْر واحد مرتين» (٣) ، ما يدل على ضرورة التفكير والأخذ بمبدأ الحيطة والحذر من الوقوع فيما سلف من الأخطاء. ٣ - بذل الأسباب والوسائل المشروعة: بذل الأسباب وتوفير الإمكانات للوصول إلى الغايات وتحقيق الأهداف المشروعة هو مما حث عليه النبيُّ ﷺ في قوله: «المؤمن القوي خير وأحب

стр. 65

إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (١) . فالنص يقرر أن القوة مطلوبٌ تحقيقها في المؤمن، وأنه ينبغي له الحرص على كل ما ينفعه في دينه ودنياه، وفيه أيضًا أمرٌ بطلب العون من الله والتوكل عليه، ونهيٌ عن العجز لأن فيه إهدار للوقت. ٤ - تعليق النتائج بمشيئة الله: المسلم في سعيه في هذه الدنيا، وفي تأديته لأعماله، وتخطيطه لمستقبل حياته العملية والخاصة، يؤمن بقضاء الله وقدره، ويتوكل على الله في سعيه لأنه سبحانه هو المصرّف للأمور وهو الذي بيده مقاليد كل شيء. والنبيُّ ﷺ قد ربّى أمته على ذلك، إذ علّمهم أن تحقيق الهدف مرهون بأمرين: أولهما فعل السبب الملائم، وثانيهما توفيق الله . لذا عندما سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ في شأن الناقة أيُطلِقها ويتوكل على الله في حفظها وعدم ضياعها أم يعقلها ويتوكل على الله بعد عقلها؟ قال له النبيُّ ﷺ حينئذٍ: «اعقلها وتوكل» (٢) . وهذا توجيه من النبيِّ ﷺ للرجل بفعل السبب الملائم لحفظ الناقة من أن تتفلت، وهو القيام بعقلها وشدِّ وَثاقها ثم التوكل بعدها على الله في حفظها. وقد نهى ﷺ المسلم عن التحسر على ما فاته، وأمره بالتسليم لقضاء الله وقدره، وذلك في قوله ﷺ : «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإنّ "لو" تفتح عمل الشيطان» (٣) . وهذا التوجيه يولّد في نفس المؤمن روح المثابرة وتكرار المحاولة وعدم اليأس والقنوط، حتى لو أتت النتائج على غير المراد، أو كانت عكس المراد، فإنه يحتسب الأجر في ذلك عند الله، وهذا دائماً حال المؤمن الذي

стр. 66

وصفه النبيُّ ﷺ بأن أمره كله خير في قوله: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» (١) ، أما غير المؤمن فإنه يعتريه السخط وقد يصيبه الإحباط فيؤدي به إلى اليأس والاستسلام للعجز، عياذاً بالله. ثانياً: التنظيم يعد التنظيم من الوظائف المهمة التي لها علاقة قوية بالإدارة بعامّة وبإدارة الوقت بخاصّة، وسنعرض هنا لأبرز سمات التنظيم في السنّة النبوية. ١ - التنظيم الهرمي للوظائف: عرف المسلمون التنظيم والتسلسل الهرمي في العمل الوظيفي من خلال ممارسات النبيِّ ﷺ ، إذ كان يرأس إدارة الدولة الإسلامية، وكان يستعمل آخرين في وظائف متنوعة من ولاية البلدان وقيادة الجيوش، والقضاء، والشورى، وجباية الصدقات، إلى غير ذلك من الوظائف التي تأخذ شكل الهيكل الإداري. ٢ - التفويض: التفويض مبدأ مهم من مبادئ إدارة الوقت، ذلك أن الإنسان مهما أوتي من قدرة فإنه لن يستطيع الاضطلاع بالمسؤوليات كافّة، وتحقيق جميع الأهداف بنفسه، ومن هنا كان لابد من التفويض، وفي سيرة النبيِّ ﷺ الذي أوكل الله إليه دعوة الناس إلى الإسلام، نجده قد استخدم التفويض بفعالية لتحقيق هذا الهدف، منهجه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) . فها هو ذا يفوّض أُمَّته في التبليغ عنه

стр. 67

بقوله ﷺ : «بلِّغوا عني ولو آية» (١) . قال المعافى النهرواني (٢) : (ولو آية، أي واحدة ليسارع كلُّ سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قلَّ، ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به ﷺ (٣) . وقد مارس النبيُّ ﷺ التفويض ممارسة عملية في حياته الدعوية، حين أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة معلماً، وعليَّ بن أبي طالب إلى اليمن داعية، ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضاً داعية وقاضياً، والعلاء بن الحضرمي ومن بعده أَبَان بن سعيد إلى البحرين والياً، كل ذلك لتحقيق هدف نشر الإسلام وتعليمه للناس، وإقامة دولة الإسلام على دعائم إيمانية راسخة، فصنع بذلك أمة استطاعت أن تخرج في فترة زمنية وجيزة من بوتقة التشرذم والتبعية والتقوقع داخل الجزيرة العربية، لتفتح أقطار الدنيا وتبثَّ الدعوة الإسلامية في شتى ممالك الأرض في ذلك الحين. ٣ - تقسيم العمل وتحديد الاختصاصات: لا شك بأن إسناد الأعمال لأهل الدراية بها والخبرة فيها يسهم بشكل فاعل في إنجازها على الوجه الصحيح، ما يوفر الكثير من الوقت والجهد والمال، لذا فقد جاء عن النبيِّ ﷺ التحذير من إسناد الأمور إلى غير أهلها وعَدَّه من تضييع الأمانة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أُسنِد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة» (٤) . وقال ﷺ مثبتًا منقصة الخيانة لمن حابى في تولية من ليس أهلاً للولاية -: «من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين» . (٥)

стр. 68

أما قوله ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيُّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (١) ، فالحديث إشارة واضحة إلى عظيم علمه ﷺ بأهمية التخصص في الأعمال، فها هو يخص أبيَّ بن كعب بمعرفة أوجه القراءات، وزيدَ بن ثابت بعلم الفرائض، ومعاذ بن جبل بعلم الحلال والحرام، وأبا عبيدة بأمانة الأمة. وإسناد العمل إلى المختص به هو من الأسباب المسهمة في إنجاح هذا العمل وإتقانه، وهذا مما شدد عليه الإسلام، سواء في جانب الأعمال التعبدية أو الأعمال الدنيوية، ومما لاشك فيه أن أداء العمل على أسس صحيحة يوفر الجهد والوقت والمال فلا يُهدَر بعد ذلك في التصحيح والتقويم، وإلى ذلك وجّه النبيُّ ﷺ الأمة بقوله: «إن الله ﵎ يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (٢) ، وهذا التوجيه النبوي يعتبر قاعدةً ثمينة في هذا الباب. ٤ - مراعاة حال العامل المكلَّف: خلق الله الناس في هذه الحياة وقسم بينهم معيشتهم فيها، وسخّر بعضهم لخدمة بعض، وقد أوصى الإسلام المسلم بالرفق بمن تحت يده من الناس، ومما أُثر عن النبيِّ ﷺ في ذلك قوله: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه» (٣) ، وكان يقول: «إن إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعِمه مما يأكل، وليُلبِسه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم

стр. 69

فأعينوهم» (١) . وقال أيضاً: «إخوانكم أحسنوا إليهم أو قال فأصلحوا إليهم، استعينوهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبهم» (٢) . وهو ﷺ بهذا يحث أمته على الرفق بمن هم تحت ولايتهم، ويؤكد ضرورة معاملتهم بالحسنى ومراعاة أحوالهم، وعدم تكليفهم من الأعمال أكثر من طاقتهم، وإن كُلِّفوا بذلك وجب عونهم ومساندتهم. ثالثاً: التوجيه التوجيه والإرشاد من أفضل الأعمال وأجلّها في دين الإسلام، وكتب الحديث حافلة بالنصوص التي تحث على التوجيه بعناصره الثلاثة: الاتصال والقيادة والتحفيز، نسوق منها قول النبيِّ ﷺ : «الدين النصيحة قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٣) ، وثمة توجيه آخر من النبيِّ ﷺ لأصحابه ولعامة المسلمين، يتجلى في قوله: «من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤) ، وهذه توجيهات نبوية صريحة في الحث على التوجيه والإرشاد وأن ذلك من فضائل الأعمال وأنه صالح لكل زمان ومكان. ومن أجل أن يكون التوجيه فعالاً فإنه يتعين أن يكون على فترات دون إطالة؛ لأن الإطالة تبعث على الملل والسآمة، فقد جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يتخولنا (٥) بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا» (٦) . وقد كان لموضوع الحوافز حيِّزٌ في توجيهات النبيِّ ﷺ حيث قال: «من استأجر أجيراً فليُعلِمْه أجره» (٧) . وقال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عَرَقه» (٨) . وفي الحديث القدسي قال رسول الله ﷺ : قال الله: «ثلاثة أنا

стр. 70

خصمهم يوم القيامة» وذكر منهم «ورجلٌ استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (١) . رابعاً: الرقابة: نلمس من خلال نصوص السُّنَّة النبويَّة أن الرقابة نوعان ذاتية وإدارية. ويتجلى الحث على الرقابة الذاتية في كثير من نصوص السُّنَّة النبويَّة، ومن ذلك قول النبيِّ ﷺ : «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله» (٢) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا) (٣) (٤) . فمحاسبة النفس وتلمّس أوجه الخلل والقصور أمر في غاية الأهمية، وهو صورة من صور الرقابة الذاتية، وخطوة ضرورية لبناء المجتمع السليم، قال ميمون بن مهران (٥) : (لا يكون العبد تقيّاً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه، من أين مطعمه وملبسه؟) (٦) . ومن القواعد الكلية في ذلك قول النبيِّ ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٧) ، وقوله: «من استعملناه منكم على عمل فكتَمَنا مخيطاً فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» (٨) . أما ما يختص بالرقابة الإدارية فنجد أن النبيَّ ﷺ قد حاسب ابن اللّتبية (عامله على الصدقات) وذلك حينما قدم بعد أن جبى الصدقات فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال النبيُّ ﷺ : «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو

стр. 71

شاة تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرة إبطيه اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثاً» (١) . كما حث النبيُّ ﷺ على ضرورة الرقابة الإدارية وضرورة التنبيه على أخطاء المسؤولين وذلك في قوله: «أبلغوني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام» (٢) . وتطبيقاً لهذا المبدأ فقد عزل الرسول ﷺ العلاءَ بن الحضرمي (عامله على البحرين) حينما اشتكاه وفد عبد القيس، وعيّن بدلاً عنه أبان بن سعيد وأوصاه خيراً بعبد القيس، إذ قال له: «استوص بعبد القيس خيراً وأكرم سراتهم» (٣) . خامساً: اتخاذ القرارات يؤدي التردد في إصدار القرار اللازم - خوفاً من الإخفاق - إلى إضاعة الجهد والوقت، فعلى المدير الحازم أن يصدر القرار المبني على الأسس والمؤشرات المتوافرة لديه حين إصدار القرار، ويمكن لهذا المدير أن يصحح شتى الظواهر التي قد تفسد فعالية نشاط منشأته أو وحداتها الإنتاجية في المستقبل، وهذا لايعني التسرع في ذلك؛ لأن المراد هنا إصدار القرار بعد الدراسة والتحليل والنظر في الخيارات المبنية على إحصاءات ومعلومات وتوقعات، إلى غير ذلك من أسس صنع القرار. فالتأنّي محمود لقول النبيِّ ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحِلْم والأناة» (٤) ، ما لم يصل ذلك التأني إلى حد التسويف المضر بمصالح المنشأة.

стр. 72

والإداري الناجح هو الذي يستفيد من جميع الإمكانات المتاحة، ولا ينفرد برأيه دون الآخرين؛ حيث إن المؤمن إذا وجد الحكمة فهو أحقُّ بها؛ ومن أجلِّ تعريفات الحكمة ما ذكره ابن القيِّم ﵀ بأنها: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) (١) .

стр. 73

الفصل الرابع واجبات المدير المسلم تجاه الوقت

стр. 74

تمهيد: إن اختلاف المنظمات في طبيعة عملها وأسلوب إدارتها، من شأنه أن يقلل من إمكان وجود قاعدة عامة مشتركة يوزع الإداري الوقت تبعًا لها، وبصفة عامة يمكن القول: إن المنظمات هي نظم للجهد الإنساني المطلوب والمُنسَّق زمنياً في ضوء حاجات هذه المنظمات وأهدافها. ومن المقرر أن ثمة حقائق عديدة متعلقة بإدارة الوقت، منها أن عدد الساعات محدود يوميًا، ومع ذلك فإننا بحاجة ماسة إلى حسن إدارة هذا الوقت المتاح وحسن استثماره بشكل يحقق الأهداف، الأمر الذي يفرض علينا أن نتبين مضيعات الوقت ونحددها، وأن نعرف ماذا نريد أن نفعله تبعًا لمسؤولية المسلم عن الوقت، بما يؤدي في المُحصِّلة إلى استغلال أكبر قَدْر ممكن من الوقت المتاح. وسيتم في هذا الفصل تفصيل موضوع واجب المدير المسلم تجاه الوقت من خلال مبحثين رئيسين: الأول: مضيعات الوقت. الثاني: مسؤولية المسلم تجاه الوقت.

стр. 75

المبحث الأول مضيعات الوقت ما المقصود بمضيعات الوقت؟ أو ما هي أهم العوامل المؤدية إلى ضياع الوقت؟ وما هي أهم الإجراءات الإيجابية لمواجهة مضيعات الوقت؟ وكيف يمكن السيطرة عليها؟ أسئلة كثيرة سيتم تناول إجاباتها في هذا المبحث، ولنشرع بذلك. أولاً: أهم مضيعات أو مبددات الوقت في إطار الجدل القائم حالياً حول التطوير الإداري، تبرز إلى السطح مسألة مضيعات الوقت باعتبارها مشكلة أساسية تواجه الجهاز الإداري في جميع المنظمات بشتى أشكالها، وهي تقف مُعوِّقًا أمامها وتحول دون تنفيذ أهدافها. وقد يبدو الكلام عن مضيعات الوقت يسيرًا للوهلة الأولى، لكن بنظرة واعية ومتأنية في حال المنظمات تظهر الصعوبات والسلبيات الناتجة عن وجود هذه المضيعات، وإن النظرة الشاملة لمضيعات الوقت تقتضي الالتفات إلى ما يأتي: (١) ١- ... كل توظيف غير ملائم لوقت الفرد هو مضيع للوقت، فالمدير يضيع وقته عندما ينفقه على العمل ذي الأهمية الأقل، وقد كان يجدر به أن ينفقه على الأهم فالأهم، والأهمية هنا مقيسة بمدى تحقيق أنشطة المدير لأهدافه.
следующие страницы →