شاة تيعر، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرة إبطيه اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثاً» (١) .
كما حث النبيُّ ﷺ على ضرورة الرقابة الإدارية وضرورة التنبيه على أخطاء المسؤولين وذلك في قوله: «أبلغوني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغها ثبّت الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام» (٢) .
وتطبيقاً لهذا المبدأ فقد عزل الرسول ﷺ العلاءَ بن الحضرمي (عامله على البحرين) حينما اشتكاه وفد عبد القيس، وعيّن بدلاً عنه أبان بن سعيد وأوصاه خيراً بعبد القيس، إذ قال له: «استوص بعبد القيس خيراً وأكرم سراتهم» (٣) .
خامساً: اتخاذ القرارات
يؤدي التردد في إصدار القرار اللازم - خوفاً من الإخفاق - إلى إضاعة الجهد والوقت، فعلى المدير الحازم أن يصدر القرار المبني على الأسس والمؤشرات المتوافرة لديه حين إصدار القرار، ويمكن لهذا المدير أن يصحح شتى الظواهر التي قد تفسد فعالية نشاط منشأته أو وحداتها الإنتاجية في المستقبل، وهذا لايعني التسرع في ذلك؛ لأن المراد هنا إصدار القرار بعد الدراسة والتحليل والنظر في الخيارات المبنية على إحصاءات ومعلومات وتوقعات، إلى غير ذلك من أسس صنع القرار.
فالتأنّي محمود لقول النبيِّ ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحِلْم والأناة» (٤) ، ما لم يصل ذلك التأني إلى حد التسويف المضر بمصالح المنشأة.
стр. 72
والإداري الناجح هو الذي يستفيد من جميع الإمكانات المتاحة، ولا ينفرد برأيه دون الآخرين؛ حيث إن المؤمن إذا وجد الحكمة فهو أحقُّ بها؛ ومن أجلِّ تعريفات الحكمة ما ذكره ابن القيِّم ﵀ بأنها: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) (١) .
стр. 73
الفصل الرابع
واجبات المدير المسلم تجاه الوقت
стр. 74
تمهيد:
إن اختلاف المنظمات في طبيعة عملها وأسلوب إدارتها، من شأنه أن يقلل من إمكان وجود قاعدة عامة مشتركة يوزع الإداري الوقت تبعًا لها، وبصفة عامة يمكن القول: إن المنظمات هي نظم للجهد الإنساني المطلوب والمُنسَّق زمنياً في ضوء حاجات هذه المنظمات وأهدافها. ومن المقرر أن ثمة حقائق عديدة متعلقة بإدارة الوقت، منها أن عدد الساعات محدود يوميًا، ومع ذلك فإننا بحاجة ماسة إلى حسن إدارة هذا الوقت المتاح وحسن استثماره بشكل يحقق الأهداف، الأمر الذي يفرض علينا أن نتبين مضيعات الوقت ونحددها، وأن نعرف ماذا نريد أن نفعله تبعًا لمسؤولية المسلم عن الوقت، بما يؤدي في المُحصِّلة إلى استغلال أكبر قَدْر ممكن من الوقت المتاح. وسيتم في هذا الفصل تفصيل موضوع واجب المدير المسلم تجاه الوقت من خلال مبحثين رئيسين:
الأول: مضيعات الوقت.
الثاني: مسؤولية المسلم تجاه الوقت.
стр. 75
المبحث الأول
مضيعات الوقت
ما المقصود بمضيعات الوقت؟ أو ما هي أهم العوامل المؤدية إلى ضياع الوقت؟ وما هي أهم الإجراءات الإيجابية لمواجهة مضيعات الوقت؟ وكيف يمكن السيطرة عليها؟ أسئلة كثيرة سيتم تناول إجاباتها في هذا المبحث، ولنشرع بذلك.
أولاً: أهم مضيعات أو مبددات الوقت
في إطار الجدل القائم حالياً حول التطوير الإداري، تبرز إلى السطح مسألة مضيعات الوقت باعتبارها مشكلة أساسية تواجه الجهاز الإداري في جميع المنظمات بشتى أشكالها، وهي تقف مُعوِّقًا أمامها وتحول دون تنفيذ أهدافها.
وقد يبدو الكلام عن مضيعات الوقت يسيرًا للوهلة الأولى، لكن بنظرة واعية ومتأنية في حال المنظمات تظهر الصعوبات والسلبيات الناتجة عن وجود هذه المضيعات، وإن النظرة الشاملة لمضيعات الوقت تقتضي الالتفات إلى ما يأتي: (١)
١- ... كل توظيف غير ملائم لوقت الفرد هو مضيع للوقت، فالمدير يضيع وقته عندما ينفقه على العمل ذي الأهمية الأقل، وقد كان يجدر به أن ينفقه على الأهم فالأهم، والأهمية هنا مقيسة بمدى تحقيق أنشطة المدير لأهدافه.
стр. 76
٢- ... بالرغم من أن جميع مضيعات الوقت يمكن التماس مُسوِّغ لها، إلا أن ما لا شك فيه أن جميع مضيعات الوقت يمكن أيضًا ترشيدها، بل استبدال أنشطة منتجة بها؛ ومن ثَمَّ فإن الفرد يبقى هو المسؤول عنها، ويبقى الحل في يده، فإدارة الوقت مفتاحها إدارة الذات، وإن عدم إدراك الحقائق لا يعني أنها غير موجودة، لذا، فإن سوء إدارة الوقت يجعل المدير غير فعّال.
إن مضيعات الوقت - على كثرتها - "يمكن تقسيمها إلى قسمين: مضيعات خارجية وأخرى داخلية؛ أما المضيعات الخارجية فمصدرها الناس مثل: الأسرة، العملاء، أو الأشياء مثل: القراءة وكتابة الرسائل والمذكرات والتقارير، وأما المضيعات الداخلية فمصدرها داخلي ومن الصعب التغلب عليها، وتتضمن عادة التسويف، والاجتماعات، وضعف التخطيط، وعدم القدرة على قول (لا) ، وغيرها" (١) .
تأسيسًا على ما ذكر آنفًا، فإن الكاتب يأخذ بالتعريف الذي قدمه ماكنزي Mackenzie)) (٢) لمضيعات الوقت، إذ يرى أنها تتمثل في "كل شيء يمنع المدير من إنجاز الأهداف بأكثر السبل المتاحة فعاليّة" (٣) .
وقد أجمل ماكنزي هذه المضيعات في خمس وثلاثين ٣٥ مضيعة للوقت، موزعة على الأنشطة الإدارية الرئيسة، كما هو موضح في الشكل الآتي:
стр. 77
الشكل رقم (٢) ... مضيعات الوقت موزعة على الأنشطة الإدارية الرئيسة
المصدر: سلامة، سهيل، إدارة الوقت منهج متطور للنجاح،
المنظمة العربية للعلوم الإدارية، عمان، ١٩٨٨م، ص: ٤٧
إن استقراء كثير من الدراسات السابقة يُظهر أنها قد أفردت حيزًا مهمًا لدراسة العوامل التي تؤدي إلى ضياع الوقت لدى المديرين؛ فقد تناول
стр. 78
هاريسون (Harrison) مضيعات الوقت لدى المديرين في دراسة له بعنوان (الإدارة وإدارة الوقت) عام (١٩٧٨م) حيث ذكر خمسة وعشرين عاملاً مؤديًا إلى ضياع وقت المدير، نذكر منها "سوء الإشراف، وعدم تفويض السلطة، والاجتماعات الطويلة، والزيارات غير المسوغة، والمكالمات الهاتفية الزائدة عن الحد المطلوب، وقراءة الصحف والمجلات، والاهتمام بنشاطات قليلة الأهمية" (١) .
وقد أوضح دراكر (Drucker) العوامل التي تؤدي إلى ضياع الوقت فيما يأتي: "زيادة عدد الاجتماعات عن الحد المعقول، عدم كفاية المعلومات وأنظمة الاتصال، المكالمات الهاتفية الزائدة عن الحد، قراءة الصحف والمجلات، تضخم عدد العاملين، سوء الإدارة وعدم كفاية التنظيم، الزيارات المفاجئة، التردد في اتخاذ القرارات، الخوف من ارتكاب الأخطاء، التفويض غير الصحيح، سوء ترتيب الأولويات، المقاطعات في أثناء العمل، المجاملات والتفاعل الاجتماعي داخل المنظمة، البدء في تنفيذ مهمة قبل التفكير فيها والتخطيط لها، الانتقال إلى مهمة جديدة قبل إنجاز المهمة السابقة، الاهتمام بمسائل روتينية قليلة الأهمية" (٢) .
"وفي هذا الإطار، قام دراكر (Drucker) بإجراء تجربة على أربع مجموعات من المديرين بهدف التوصل إلى الأسباب الرئيسة لمضيعات الوقت؛ حيث طلب من كلٍّ منها أن تسجل ما تراه من أسباب لضياع وقت العمل، ثم ما لبث أن عرض على هذه المجموعات فيلماً بعنوان (إدارة الوقت) ، وهو يصور حالة أحد المديرين وهو لا يدير وقته إدارة فعّالة، ثم طلب من المجموعات نفسها - بعد مشاهدة الفيلم - أن تسجل ما تراه من أسباب لضياع وقت العمل، ثم قام دراكر (Drucker) بفحص الأسباب من
стр. 79
وجهة نظر كل مجموعة قبل مشاهدة الفيلم وبعد مشاهدته. وسرعان ما تبين له وجود اختلاف واضح بين ما رأته المجموعة من أسباب في الحالتين، ففي حين اهتمت القوائم الأولى بالأسباب الخارجية لإضاعة وقت العمل، جاءت القوائم الأخرى لتهتم بالأسباب الداخلية الناتجة عن الفرد ذاته.
كذلك أجريت هذه التجربة على مجموعة أخرى من المديرين في المستويات الإدارية العليا فكانت النتائج على النحو الآتي:
أسباب ضياع وقت العمل من وجهة نظر المديرين في المستويات الإدارية العليا قبل مشاهدة فيلم (إدارة الوقت) : النقص في المعلومات، مشكلات الموظفين، الافتقار إلى التفويض، الهواتف والمقاطعات الشخصية، الاجتماعات، عدم تحديد الأولويات، الإدارة خلال الأزمات، الاهتمام الشخصي بالآخرين، الأنشطة الشخصية، ضعف نظام الاتصالات، الأخطاء.
أما أسباب ضياع وقت العمل من وجهة نظر المديرين في المستويات الإدارية العليا بعد مشاهدة فيلم (إدارة الوقت) فقد تمثلث في: القيام بأعمال متعددة في وقت واحد، تقديرات غير واقعية للوقت، التسويف، الافتقار إلى التنظيم، الإصغاء غير الجيد، الإصرار على القيام بالأعمال شخصياً، عدم القدرة على قول (لا) ، عدم السماح للآخرين بتنفيذ بعض المهمات، تفويض مسؤوليات بدون سلطات، القرارات السريعة، لوم الآخرين، الأنشطة الشخصية" (١) .
وفي مقابلة أجراها رودا بارجر (R.Barger) مع أليك ماكنزي A.Mackenzie)) بعنوان: الإدارة الذاتية: المفتاح لإدارة وقتك
стр. 80
(Self Managment: Key to Managing Your Time) عام (١٩٨٠م) يسأله فيها عن أهم مضيعات الوقت بالنسبة للإداري؟ ذكر ماكنزي تلك المضيعات مرتبة حسب تسلسلها في الأهمية: "المقاطعات الهاتفية، ثم كثرة جدولة المهمات، فالأعمال الورقية والمكتب المزدحم بالأوراق، ثم الزائرون المفاجئون، والاجتماعات، والمعلومات الناقصة، والأزمات، والتعب، ومحاولة إنجاز الكثير في وقت واحد، والقراءة، فالأزمات داخل الفريق الواحد، ثم الانهماك الزائد في العمل" (١) .
ومن الدراسات الميدانية في الدول العربية، والتي كانت مضيعات الوقت من بين الموضوعات التي تمت مناقشتها فيها، الدراسة التي أجراها محمد شاكر عصفور على مستوى الأجهزة الحكومية في المملكة العربية السعودية، وقد أوضحت هذه الدراسة أن أهم مضيعات الوقت كانت على النحو الآتي: (٢)
التأخر صباحاً عن العمل، المكالمات الهاتفية لأغراض خاصة، قراءة المجلات المتعلقة بالعمل، تناول الشاي والقهوة، مراجعة المستشفى، مغادرة المكتب قبل نهاية الدوام، مضيعات أخرى.
وانتهى محمد الغيث في دراسة له بعنوان " الإنتاجية في القطاع الحكومي " إلى وضع قائمة مكونة من عشرة بنود تمثل أهم مضيعات الوقت، كما رأتها مجموعة من المديرين العاملين في المملكة العربية السعودية، واشتملت بنود القائمة على العناصر الآتية:
"الموظفين غير المؤهلين، الزوار بدون مواعيد، الإجراءات الروتينية المعقّدة، المقاطعات في أثناء العمل، الأشياء الموضوعة في غير مكانها الصحيح كالملفات والمعاملات، عدم التقيد بساعات العمل الرسمية،
стр. 81
الهاتف الذي لا يمكن التنبؤ بموعد رنينه، عدم تفويض السلطة بشكل صحيح، الاعتماد على الذاكرة بدلاً من تخطيط العمل ومتابعته، التنظيم السيّئ للعمل" (١) .
ثانياً: تحليل مضيعات الوقت وطرق التغلب عليها
تحتاج عملية تحليل مضيعات الوقت، وتحديد الإجراءات الإيجابية لمواجهتها إلى التزام من جانب المدير بمواجهة هذه المضيعات، وإلى تخطيط ومعرفة حقيقية بذاته وبطبيعة وظيفته، وإلى قدرة وإصرار على مواصلة دفع نفسه إلى الأمام تجاه الإدارة الفعّالة للوقت.
ومع كون العنصر البشري - كما هو مقرر - يمثل أهم عناصر الإنتاج، لكن تبقى قضية النجاح في استثمار طاقات الإنسان هي المفتاح الحقيقي لتحقيق الأهداف المطلوبة، وإن تنظيم علاقة الأفراد بالوقت تأتي في مقدمة مهمات الإدارة الواعية، والباحثة عن تميُّز أداء العاملين فيها، وهذا يحتاج إلى وضع نظم شاملة توضح المهمات والوظائف والاتصالات، حتى يتسنى التغلب على المفقود من الوقت الناتج من مختلف مضيعات الوقت التي أحصاها الباحثون في دراساتهم المختلفة، من أجل الحصول على المعلومات اللازمة للأداء بدون معاناة كبيرة، أو عقبات.
وسوف نحاول في هذا المبحث مناقشة العوامل التي يمكن أن تساعدنا في السيطرة على مضيعات الوقت، وتقليل المفقود منه، وكيفية استثماره بفعالية.
"إن تحليل مضيعات الوقت يستلزم تحديد أهم تلك المضيعات، ومن ثَم معرفة أسبابها، وذلك من أجل وضع الحلول اللازمة للقضاء
стр. 82
عليها" (١) ، وعن طريق الملاحظة وإجراء الدراسات المتعلقة بمظاهر إضاعة الوقت في أثناء أداء العمل - وهو ما يهمنا في هذا المجال - يتضح للمدير قائمة بمضيعات وقته تبعده بشكل مباشر أوغير مباشر عن استخدام وقته بفعالية، ومن ثَمّ منعه عن التوصل إلى الإدارة الفعّالة، ولقد بات من المؤكد أن كلاً من المديرين يواجه مشكلات في إدارة وقته، إلا أنها قد تختلف في درجة حدتها ومدى إلحاحها من إدارة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، لكن يبقى الموضوع الأهم بعد التحليل وتحديد مضيعات الوقت بشكلها العام، متمثلاً في كيفية مواجهة مضيعات الوقت هذه، وبمعنى آخر في كيفية السيطرة على تلك المضيعات.
إن المنهج المقترح للسيطرة على مضيعات الوقت يكن فيما يلي:
١- تحديد الهدف/ الأهداف من خلال التخطيط وجدولة الأعمال.
٢- ترتيب الأولويات.
٣- ترتيب المكتب وتنظيمه.
٤- التحكم في المقاطعات والمجهودات.
٥- تطبيق أسس ومهارات الاتصال الفعال.
نلحظ هنا أن التحليل الدقيق للأنشطة التي يقوم بها المدير هو المدخل الأفضل للسيطرة على مضيعات الوقت، كما أن التحديد الدقيق للأهداف هو الخطوة المفترضة الأولى للتغلب على مضيعات الوقت، فمن غير أهداف محددة فإنه يتعذر تحديد مضيعات الوقت؛ ذلك أن أي نشاط سيكون مشابهًا
стр. 83
لغيره، لذا كانت الأهداف التي يتوخى المدير التوصل إلى تحقيقها هي التي تشير إلى كون هذا النشاط مضيعاً للوقت أم لا.
ويجب ألاّ ننسى أن الغاية هنا ليست إلغاء الأنشطة التي قد تضيع وقت المدير، بل المطلوب الحد من تأثيرها، وذلك بوضعها تحت السيطرة، وقد بينت الدراسات العلمية والميدانية - التي كنا قد أشرنا إليها - أن وقت المدير يوزع بشكل عام على عدد كبير من الأنشطة المخطط لها وغير المخطط لها؛ مثل المقابلات، واستخدام الهاتف، والاجتماعات، والاتصالات اللفظية وغير اللفظية ضمن إدارة عمله اليومي، إضافة إلى العمل المكتبي المستمر، فإذا لم يحسن المدير تنفيذ تلك الأنشطة من خلال تخطيط جيد وأداء جيد، بقصد زيادة فاعليتها، ومن ثَم زيادة فاعلية إدارته لوقته، فقد تصبح هذه الأنشطة مضيعات لوقت المدير.
مع ذلك، فإن بعض الباحثين يلحّ على بعض الأنشطة دون غيرها، من غير التقليل من أهمية الأنشطة الأخرى، وهو في ذلك ينطلق من عدة اعتبارات من أهمها (١) :
١- ... يشكل الوقت الذي يستغرقه الإداري في هذه الأنشطة جزءاً كبيراً.
٢- ... سوء استغلال الوقت المخصص لكل من هذه الأنشطة بشكل عام، ومن ثمّ انقضاؤه دون أي إنتاجية تذكر.
٣- ... يمارس هذه الأنشطة عدد كبير من الإداريين على اختلاف مستواهم الإداري.
٤- ... شمول هذه الأنشطة واحتواؤها على أنشطة فرعية، فقد يخصص الاجتماع مثلاً لاتخاذ قرار معين، وقد يستخدم الهاتف لأغراض
стр. 84
تنسيقية، وهكذا.
٥- ... البعد الاقتصادي لسوء استغلال الوقت، ومن ثمّ ارتفاع تكاليف العائد المتوقع للعمل. ونظراً لارتفاع نسبة الوقت المخصص لهذه الأنشطة فمن المتوقع أن تكون قيمة الوقت الذي يضيع هدراً مرتفعة جداً.
وبإمكان المدير أن يسيطر على كثير من مضيعات الوقت من "خلال:
١ - تجزئة الوقت إلى:
* ... وقت يمكن ضبطه، وهو الوقت الذي يتحكّم فيه المدير.
* ... ووقت لا يمكن ضبطه، وهو وقت الاستجابة للأحداث وطلبات الآخرين.
والمدير الفعّال هو الذي يحاول زيادة نسبة الوقت الخاضع للضبط، حيث إن الوقت الذي يمكن ضبطه يقدر بحوالي ٧٥% عند بعض الباحثين، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق تجزئة أوقات الأنشطة المفترضة؛ فمثلاً قد يُخصَّص وقت محدد كل يوم خاص بعمل معين مثل الاطلاع على المكاتبات، وتلقي المكالمات الهاتفية، والإجابة الفورية عن المراسلات، وكذلك وقت لمتابعة أعمال الآخرين، وفترة معينة للزيارات، وهكذا.
٢- ... التركيز الذي يتمثل في التعريف والتحديد الواضح للعمل، من حيث أهدافه وإستراتيجيته، ليتسنى بعدها تحديد نوع المعلومات المطلوبة والضرورية، ومن ثَمَّ ترتيب الأولويات، ومن الأفضل القيام بعمل واحد في الوقت الواحد بدلاً من التشتت في أمور
стр. 85
كثيرة في الوقت نفسه، ويستعان في تحديد الأولويات بثلاث خطوات:
* ... ترتيب ورود الموضوع (مبكر - متأخر) .
* ... الاستعجال (عاجل - آجل) .
* ... مدى إسهام الموضوع في تحقيق أهداف المنظمة.
وبصفة عامة، فإنه يجب النظر إلى الوقت على أنه استثمار، إذ يجب تحقيق أفضل النتائج الممكنة على المستوى الشخصي وعلى مستوى تحقيق أهداف العمل" (١) ؛ فالإدارة الفعّالة للوقت تعتمد ضمن ما تعتمده على "قدرة المدير على اتخاذ إجراءات إيجابية لمواجهة مضيعات الوقت، ومن هنا فإن تخطيط الوقت إذا لم يصاحبه اتخاذ إجراءات إيجابية للحيلولة دون ضياعه، فإنه يصبح بلا معنى" (٢) .
стр. 86
المبحث الثاني
مسؤولية المسلم عن الوقت
إن عقيدة المسلم المستمدة من القرآن الكريم والسُّنَّة المُطهَّرة تحثه دومًا على الاهتمام بالوقت والحرص على اغتنامه والحذر من إضاعته، ذلك أن الإسلام - كما رأينا في المبحثين السابقين - يقرر مسؤوليّة المسلم عن حفظ وقته، وقد استشعر السلف هذه المسؤولية وعملوا بمقتضاها، كما يصفه لنا الحسن البصريُّ ﵀ بقوله: "أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره" (١) .
فالاهتمام بالوقت، وإعمال العقل في استثماره والاستفادة منه، مطلب مهم في حياة المسلم، وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀: "أعلى الفِكَر وأجلُّها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة؛ فما كان لله أنواع، وذكر منها: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهمِّ - أي: الهمَّة - كلّه عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبداً" (٢) . كذلك قال الإمام الشافعي ﵀: " صحبت الصوفيّة فلم أستفد منهم سوى حرفين، أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك" (٣) ، أي: اقطع الوقت بالعمل لئلا يقطعك بالتسويف.
و"الوقت هو الحياة" (٤) كما أثر ذلك عن الإمام حسن البنَّا ﵀، ولعله قد استفاد ذلك المعنى من قول ابن القيِّم ﵀: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته
стр. 87
الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً في حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته" (١) .
والوقت وعاء العمل، يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد، فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مُرِّها" (٢) .
تلك هي نظرة الإسلام للوقت، وهذه هي حال سلفنا الصالح معه، ولعل أهم واجبات المسلم نحو الوقت تتمثل فيما يأتي:
أولاً: الحرص على الاستفادة من الوقت
إن الحفاظ على الوقت من أوجب الواجبات وأهمها في حياة المؤمن الذي ينبغي له تسخير الوقت واستثماره في كل ما يعود عليه بالفائدة في دينه ودنياه، متأسياً في ذلك بسلفنا الصالح الذين كانوا يعرفون للوقت حقه، مما خوَّلهم في أقل من قرن من الزمان أن يُحدِثوا انقلاباً جذرياً في مفاهيم كثير من المجتمعات التي حملوا الإسلام إليها.
كان سلفنا الصالح حريصين الحرص كله على ألا يمر بأحدهم يوم أو بعض يوم أو برهة من الوقت وإن قصرَتْ، دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح أو إسداء خير ونفع إلى أحد من المسلمين، أو تقديم خدمة أو نصيحة إلى الأمة، فقد كانوا ﵏ يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على ألاّ يذهب منهم هدراً، وفي ذلك
стр. 88
قال موسى بن إسماعيل (١) واصفًا حال الإمام المحدّث حمّاد بن سلمة البصري (٢) : " لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً قطُّ لصَدَقْتُكم، كان مشغولاً بنفسه؛ إما أن يحدّث، وإما أن يصلّي، وإما أن يقرأ، وإما أن يسبِّح، كان قد قسّم النهار على هذه الأعمال. وقال عبد الرحمن ابن مهدي (٣) : لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً" (٤) .
وقال شميط بن عجلان (٥) : "واللهِ إن أبغض ساعاتي إليّ الساعةُ التي آكل فيها" (٦) . فهو ﵀ يتحسّر على الوقت الذي يُمضيه في تناول الطعام، فيا لها من عناية بالوقت وحرص عليه.
وقال أحد الحكماء: "من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أدَّاه، أو مجد أثله، أو حمد حصَّله، أو خير أسَّسه، أو علمٍ اقتبسه، فقد عقَّ يومه، وظلم نفسه" (٧) .
ثانياً: اغتنام أوقات الفراغ
إن فراغ القلب من الهموم والأكدار وفراغ الجسم من الأسقام لنعمتان عظيمتان من نعم الله على عباده، إلا أن الناس مغبونون فيهما، كما جاء ذلك عن النبيِّ ﷺ «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (٨) . وهو ﷺ يشير في هذا الحديث إلى حال الناس حيال هاتين النعمتين، وأنهم لا يقدرونهما حق قَدْرهما، فتضيع أوقات الفراغ لديهم دون استثمارها فيما ينفعهم في أيٍّ من أمور دينهم أو دنياهم، وهذا هو الخسران المبين.
وحثاً للمسلم على اغتنام أوقات الفراغ، والاستفادة من جميع أوقات العمر، وعدم تضييعه، فقد جاء عن النبيِّ ﷺ قوله: «لا تزول قدما عبد يوم
стр. 89
القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عُمُره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (١) .
أما قوله ﷺ : «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سَقَمك، وغَنَاءَك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغْلك، وحياتك قبل موتك» (٢) . فهو إشارة واضحة للمسلم إلى ضرورة الحرص على استثمار الأوقات حال القدرة والاستطاعة من الشباب والصحة والغنى والفراغ، وذلك قبل أن تدهمه المعوِّقات من الهرم والسقم والفقر والانشغال.
وقد كان السلف ﵃ حريصين على إشغال أوقاتهم بالصالح النافع من الأعمال، وكانوا يكرهون الكسل والبطالة، فقد أثر عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إني لأكره أن أرى أحدكم فارغاً مُتَهْلَلاً (٣) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة" (٤) ، كما رُوي مثله عن عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله "إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً، لا في عمل دنيا ولا آخرة" (٥) .
وقال الشيخ يوسف القرضاوي: "الفراغ لا يبقى فراغاً أبداً، فلا بدّ له أن يُملأ بخير أو شرّ، ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل، فطوبى لمن ملأه بالخير والصلاح، وويل لمن ملأه بالشر والفساد" (٦) .
ثالثاً: المسارعة في الخيرات
مما ندب الله إليه المسلمَ اكتساب الأوقات، والمسارعة في الخيرات، إذ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٧) ويقول سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٨) .
стр. 90
فهذه الدنيا دار عمل، وهي تشبه مضمار سباقٍ قد علا فيه الغبار، فمن الناس من يسارع في مضمار الشهوات والملذات، ومنهم من جمع بين الحُسنيين فهو يسابق في أعمال البر ولا ينسى نصيبه من الدنيا، وعند انجلاء الغبار يعض الظالم على يديه ندمًا، وصدق أبو العتاهية إذ يقول:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً
ندمت على التفريط في زمن البذر (١)
وقد أدرك سلفنا ﵃ ذلك، ومصداقه قول عليٍّ ﵁: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل" (٢) .
وليحذر المسلم المثبطات عن المبادرة إلى الخيرات، وبخاصة العجز والكسل، فهما يثمران معوقات عملية تتمثل بتأجيل إنجاز المهمات، وقد حذّر النبيُّ ﷺ المؤمنين من ذلك، حيث كان من دعائه ﵊: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» (٣) .
وعليه، فإنه يتعين على كل مسلم المسارعة إلى كل مافيه صلاح دينه ودنياه، وألاّ يكون كَلاًّ على مَن سواه أو عالة على المجتمع، فقد " شبّه بعض الصالحين الفقير الذي لاحِرْفة له بالبومة الساكنة في الخراب، ليس فيها نفع لأحد" (٤) .
رابعاً: الاعتبار بمرور الأيام
ما من يوم يبزغ فجره وتطلع شمسه إلا وفيه كثير من العبر لأصحاب العقول التامة الزكية، المدركة للحكمة في تعاقب الليل والنهار، وأنهما
стр. 91
محل للسعي في تحصيل منافع الدنيا والآخرة؛ كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ *﴾ (١) .
إن التفكر في كرّ الأيام تعقبها الليالي، هو الداعي الأول إلى بذل الوسع في ملئها بصنوف الأعمال، بل إن الأيام والليالي ستكون شاهدًا حيًا على عمل كل إنسان فيهما، فإذا به يرى ما عمل فيهما شاخص بين يديه يوم الحساب، وذلك كما في قول النبيِّ ﷺ : «ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا يُنادى فيه: يا ابن آدم. أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك غداً شهيد، فاعمل فيّ خيراً أشهد لك غداً، فإني لو قد مضيت لم ترني أبداً. قال: ويقول الليل مثل ذلك» (٢) .
والأيام صحائف الأعمال، كما قال ابن الجوزي ﵀: "الأيام صحائف الأعمال، فخلِّدوها بأحسن الأعمال، الفرص تمر مرّ السحاب، والتواني من أخلاق الخوالف، من استوطأ مركب العجز عثر به، تزوج التواني الكسلَ فولد بينهما الخسران" (٣) .
وحياة الإنسان ما هي في حقيقتها إلا أيام وساعات كما قال الحسن البصري ﵀: "يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضُك" (٤) .
وقد تمثَّل أحمد شوقي كلامَ البصري هذا شعرًا فقال:
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوانِ (٥)
وعجبًا لحال الإنسان الذي يعظم فرحه بتصرم الشهور والأيام، ليدرك راتباً شهرياً أو إجازة سنوية، أو شهادة جامعية، ونحو ذلك، وهو لا يعلم
стр. 92
أن ذلك محتسب من رصيد عمره، وأن ما مضى قد قرَّبه من الآخرة. وصدق أبو العتاهية إذ يقول:
نظلُّ نفرح بالأيام نقطعُها ... وكلُّ يوم مضى يُدني من الأجل (١)
وهذا صالح بن جناح اللخمي (٢) يوصي ابنه فيقول: (٣) " يا بُني إذا مرَّ بك يوم وليلة وقد سَلِم فيهما دينك وجسمك ومالك فأكثر الشكر لله تعالى، فكم من مسلوب دينه، ومنزوع ملكه، ومهتوك ستره، ومقصوم ظهره في ذلك اليوم وأنت في عافية، وفي ذلك أقول:
لو أنني أُعطِيت سُؤلي لما سألت إلا العفو والعافية
فكم فتىً قد بات في نعمة فسُلَّ منها الليلة الثانية
واعلم:
إنما الدنيا نهار ... ضوءُه ضوءٌ مُعار
بينما غصنك غَضٌّ ... ناعم فيه اخضرار
إذ رماه الدهر يوماً ... فإذا فيه اصفرار
وكذاك الليلُ يأتي ... ثم يمحوه النهار
خامساً: تحري الأوقات الفاضلة
لا تفاضل بين الناس في نصيب كلِّ أحدٍ منهم من الوقت، لأنه موزع بينهم بالتساوي، إلا أنهم يتفاضلون في إدارته، وكيفية استثماره، والاستفادة المثلى منه.
стр. 93
كذلك فإن الله الذي قدر الوقت وقسمه بين عباده، قد خص بعض أجزاء هذا الوقت بمزية يَفضُل بها غيرَه من الأجزاء.
ففي صنوف العبادة مثلاً، قد جعل الله لعباده مواسم تضاعف فيها أجور الأعمال كشهر رمضان وأيام العشر من ذي الحجة، وأخرى تكون إجابة الدعوة فيها أرجى من غيرها كثلث الليل الآخر، وعصر يوم الجمعة، ووقت الفطر للصائم، وليلة القدر في رمضان.
يقول حسن البنَّا ﵀: "أمامك كل يوم لحظة بالغداة، ولحظة بالعَشِي، ولحظة في السَّحَر، تستطيع أن تسمو بروحك الطهور إلى الملأ فتظفر بخير الدنيا والآخرة، وأمامك مواسم الطاعات، وأيام العبادات، وليالي القربات، التي وجَّهك إليها كتابك الكريم، ورسولك العظيم ﷺ ، فاحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين، واغتنم الوقت، فالوقت كالسيف، ودَعِ التسويفَ فلا أضر منه" (١) .
أما على الصعيد الدنيوي، وسعي الإنسان فيها لإصلاح معاشِه، فقد جعل الله التبكير في أداء الأعمال من أعظم أسباب النجاح والفلاح، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ قوله: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (٢) ، فعلى المسلم أن يحرص على التعرض لهذه المواسم والاستزادة منها بما يُصلح له دينه ودنياه.
سادساً: تخطيط الوقت وتنظيمه
إن تخطيط الوقت وترتيب الأولويات فيه، هو من الأمور التي ينبغي أن يشتد حرص المسلم عليها؛ وذلك لأهميتها في إحداث القدرة على استثمار الوقت بشكل سليم، وقد تبيَّن سلفنا الحكمة في ذلك؛ فهذا أبو بكر
стр. 94
الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة استدعى عمر بن الخطاب ﵁ فأوصاه بكلمات منها: (إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حقٌ لا يقبله بالنهار، وإنها لا تُقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة) (١) .
هذه كلمات همس بها الصدّيق في أذن الفاروق الذي سيحمل الأمانة من بعده؛ فلا بد له إذًا من أن يكون على بصيرة بتخطيط وقته وتنظيمه، وأن يرتب أولويّاته ويحدد أهدافه حسب أهميتها، وأن يقوم بكل عمل منوط به في وقته المخصص له، فالفريضة قبل النافلة وهكذا في سائر الأمور؛ فتخطيط المسلم لوقته وحسن استثماره من الأمور التي وصّى بها أبو بكر الصديق ﵁ وهو في سكرات الموت، وذلك لعلمه بأهمية الوقت وضرورة استثماره؛ لذا كان حثّه على حسن تنظيمه آخر ما تكلم به ﵁ وأرضاه. وتلك قاعدة ثمينة يمكن تلخيصها بأنه "ليس المهم أن يعمل الإنسان أي شيء في أي زمن، بل المهم أن يعمل العمل المناسب في الوقت المناسب" (٢) .
سابعاً: الالتزام بالموعد
حث الإسلام المسلم على الالتزام بالموعد وإنجاز الوعد فامتدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ *﴾ (٣) ، وفي قول الله عن موسى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ (٤) إشارة إلى أهمية فعل الأمر في موعده المناسب؛ إذ المعنى: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك فيه إلى فرعون رسولاً (٥) .
كما حذّر النبيُّ ﷺ من التفريط في الوعد وعدّ ذلك من علامات النفاق فقال ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
стр. 95
اؤتمن خان» (١) ؛ وذلك لما في إخلاف الوعد وعدم إنجازه من إلحاق الضرر بالآخرين وإضاعة أوقاتهم في الانتظار.
ثامناً: وجوب الحذر من مضيعات الوقت
حذر الإسلام من تضييع الوقت والتفريط فيه، ووضع الضوابط التي تكفل للمسلم حفظ وقته، ومن ذلك أَنْ شَرَع الاستئذان، فلا يحق لأحد أن يدخل على غيره إلا بعد أن يستأذن منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *﴾ (٢) ، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «الاستئذان ثلاثٌ فإن أُذِن لك وإلا فارجع» (٣) ، كلُّ ذلك ضنًّا بوقت المسلم من أن يضيع في الزيارات غير المخطط لها.
ومن أعظم مضيعات الوقت التسويف وطول الأمل، يقول الحسن البصريُّ ﵀: "ما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل. قال القرطبي ﵀: وصدق ﵀؛ فالأمل يُكسِل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى" (٤) .
وقال الحسن ﵀ أيضاً محذراً من التسويف: "ابن آدم إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغد، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإلا يكن لك - أي: غدٌ - لم تندم على ما فرّطت في اليوم" (٥) .
وجاء عن بعض السلف قوله: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما" (٦) .
وكان السلف يقولون: "من علامة المقت إضاعة الوقت" (٧) .
стр. 96
ويقولون: "من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون" (١) .
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي) (٢) .
ولله دَرُّ عليِّ بن محمد البُستي (٣) إذ يقول:
إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يداً ... ولم أقتبس علماً فما هو من عمري (٤)
وكتب محمد بن سمرة السائح (٥) إلى يوسف بن أسباط (٦) بهذه الرسالة: " أيْ أخي، إياك وتأمير التسويف على نفسك، وإمكانه من قلبك، فإنه محلُّ الكَلال، وموئل التلف، وبه تُقطع الآمال، وفيه تنقطع الآجال، وبادر يا أخي فإنك مبادَرٌ بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجِدَّ فإن الأمر جِدٌّ" (٧) .
وقال الإمام ابن عقيل (٨) : "إني لا يَحِلُّ لي أن أضيع ساعة من عمري، فإذا تعطل لساني من مذاكرة ومناظرة، وبصري من مطالعة، عملت في حال فراشي وأنا مضطجع، فلا أنهض إلا وقد يحصل لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين أشدّ مما كنت وأنا ابن العشرين" (٩) .
ويُحذِّر القرآن الكريم المُفرِّطين في أوقاتهم، الذين يفوتهم العمل فيها، وينذرهم بالحسرة والندامة على ذلك التفريط يوم القيامة، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِْنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى *يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (١٠) ويوم يقول قائلهم في حسرةِ وندامة: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
стр. 97
نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ (١) . فيأتيهم الجواب كلاّ. لقد مضى وقت العمل ولن يعود، فالدنيا عمل ولاحساب، والآخرة حساب ولا عمل.
تاسعاً: كيف يعيش المسلم وقته؟ (٢)
ينبغي للمسلم إذا أراد أن يُبارك الله له في عمره أن يسير على نظام الحياة اليومي في الإسلام، ويقتضي هذا النظام أن يستيقظ المسلم مبكراً، وينام مبكراً.
يبدأ يوم المسلم منذ مطلع الفجر، أو على الأقل قبل مشرق الشمس، وبهذا يتلقى الصباح طاهراً نقياً قبل أن تلوثه أنفاس العصاة، الذين لا يفيقون من نومهم إلا في ضحى النهار، وهنا يستقبل المسلم يومه من البكور الذي دعا الرسول ﷺ لأمته بالبركة فيه، حين قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (٣) .
ومن الآفات التي ابتلي بها المسلمون أنهم غيروا نظام يومهم، فهم يسهرون طويلاً، ثم ينامون حتى تضيع عليهم صلاة الصبح، وقد قال بعض السلف: عجبتُ لمن يصلي الصبح بعد طلوع الفجر كيف يرزق؟!
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد، يضرب كلَّ عقدة: عليك ليلٌ طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (٤) .
وما أعظم الفارق بين المسلم الذي انحلت عُقَد الشيطان كلُّها من نفسه، فاستقبل يومه من الصباح الباكر بالذكر والطهارة والصلاة، وانطلق إلى معترك
стр. 98
الحياة، نشيط الجسم، طيب النفس، منشرح الصدر، وبين من ظلت عقد الشيطان فوق رأسه، فأصبح نؤوم الضحى، بطيء الخطا، خبيث النفس، ثقيل الجسم، كسلان!
يفتتح المسلم يومه بطاعة الله، مصلياً فرضه وسُنَّته، تالياً ماتيسر له من أذكار الصباح المأثورة عن رسول الله ﷺ مثل: «أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، اللهم إنّي أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، وأعوذ بك من شرّ ما فيه وشرّ ما بعده» (١) .
«اللهم ماأصبح بي من نعمة فمنك وحدك لاشريك لك، فلك الحمد ولك الشكر» (٢) .
ثم يقرأ ما تيسَّر له من القرآن الكريم بخشوعٍ وتدبر وتفهم لمعانيه، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ *﴾ (٣) .
ويتناول فطوره باعتدال، ثم يتوجه إلى عمله اليومي ساعياً في تدبير معاشه، وطلب رزقه، يجتهد أن يشغل نفسه بأي عمل حلال، مهما كان من ذوي الثراء والمال، ولو كان للإشراف والرقابة فقط، لأن المال السائب يعلّم السرقة.
ومن هنا حرّم الإسلام الربا لأنه نظامٌ يلد المالُ فيه المالَ حتماً، بغير عملٍ ولامشاركة ولامخاطرة، فهو يقعد متربعاً على أريكته، ضامناً أن تأتي له المئة بعشرة، أو الألف بمئة دون أدنى تحمّل للمسؤولية، وهذا ضد نظرة الإسلام إلى الإنسان؛ إنه خُلق ليعمل ويعمر الأرض تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٤) .
стр. 99
والمرء كما يأخذ من الحياة يجب عليه أن يعطيها، وكما يستهلك منها ينبغي أن يُنتج لها، ولا يعيش متعطلاً بطّالاً، يأكل ولا يعمل، ولو كان ذلك بدعوى التفرغ لعبادة الله تعالى، إذ لارهبانية في الإسلام!
قال ابن الزبير ﵁: (أشرُّ شيءٍ في العالم البطالة) (١) . ومعنى ذلك "أن الإنسان إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح، يستعين به على دينه، كان ظاهره فارغاً، ولم يبق قلبه فارغاً، بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرّخ، فيتوالد فيه نسله توالداً أسرع من توالد كل حيوان، ومن لم ينفع الناس بحِرْفة يعملها، يأخذ منافعهم، ويضيق عليهم معايشهم، فلا فائدة في حياته لهم، إلا أن يكدر الماء، ويغلي الأسعار، ولهذا كان عمر ﵁ إذا نظر إلى ذي سيما - أي هيئة حسنة - سأل: أله حِرْفة؟ فإذا قيل: لا، سقط من عينه! " (٢) .
والمسلم يعدّ عملَه الدنيوي عبادة وجهاداً، إذا صحت فيه النية، ولم يشغله عن ذكر الله، وأدى عمله بإتقانٍ وأمانة، فإن إتقان العمل فريضةٌ على المسلم، كما قال ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (٣) . وفي الحديث الآخر «إن الله ﵎ يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (٤) .
ومن الواجبات اليومية التي لايجوز للمسلم أن يتناساها أو يهملها: واجبه نحو خدمة المجتمع، ومساعدة أفراده على قضاء حوائجهم، وتسهيل أمورهم، ليكون له بذلك صدقة.
فعن أبي موسى ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة. قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم
стр. 100
يستطع، أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فيأمر بالخير أو قال بالمعروف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة» (١) .
هذه الصدقة هي ضريبة اجتماعية مفروضة على المسلم في كل يوم، بل قد صحّ الحديث في كونها واجبة على كل مفصلٍ من مفاصله مع إشراقة كل شمس، وبهذا يصبح المسلم ينبوعاً يفيض بالخير والنفع والسلام لمن حوله وما حوله، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كلَّ يوم تطلُع فيه الشمس: يعدِلُ بين الاثنين صدقة، ويعينُ الرجل على دابته فيَحْمِلُ عليها، أو يرفعُ عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُّ خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة» (٢) .
والمراد بالسلامى في الحديث: العظام والمفاصل والأعضاء، كما دلت على ذلك أحاديث أخرى، فهي نعمةٌ على الإنسان من الله الذي خلقه فسواه فعدله، وصوَّره في أحسن صورة، فعليه أن يشكر ربَّه عليها، بأن يستخدمها في طاعته ونفع عباده، وإسداء الخير لهم بأي وجه من الوجوه المستطاعة.
ثم عند الزوال يؤذَّن للظهر، فيهرع المسلم إلى صلاته مجتهداً أن يؤديها في أول وقتها وفي جماعة ما استطاع، فأول الوقت رضوان الله، والله تعالى قد أمر باستباق الخيرات، والرسول ﷺ قد همَّ أن يأمر بالصلاة فتقام ثم يذهب ليحرّق على قوم بيوتهم لتخلفهم عن الجماعات، وقد جعل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة، لا سيما إذا كانت في المسجد. ويتناول المسلم غداءه في وسط النهار، آكلاً من طيبات ما رزقه
стр. 101
الله، غير مسرفٍ إلى حد التَّخَمة ولامتقشِّفٍ إلى حد الحرمان، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١) .
وفي البلاد الحارة، وفي فصل الصيف فيها بخاصّة، قد يحتاج بعض الناس إلى قيلولة يخلدون فيها إلى شيءٍ من الراحة، يستعينون بها على قيام الليل، ويقظة البكور، وإليها أشار القرآن بقوله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٢) .
فإذا جاء وقت العصر، ونادى مناديها: أنْ حيَّ على الصلاة، قام المسلم من قيلولته إن كان قائلاً أو من لُجَّة عمله إن كان عاملاً، مسارعاً إلى هذه الصلاة التي تُعدّ «الصلاة الوسطى» لليوم، ولايجوز للمسلم أن يُشغَل عنها ببيع أو تجارة أو لهو، فالمؤمنون كما وصفهم الله في كتابه ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ *﴾ (٣) .
ولا يليق بالمسلم أن يؤخر صلاة العصر، تهاوناً بها، حتى تصفرّ الشمس وتدنو من الغروب، فهذه صلاة المنافقين، كما قال النبيُّ ﷺ : «تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قرنَيِ الشيطان، قام فنقرها أربعاً لايذكر الله فيها إلا قليلا» (٤) .
وعندما تغرب الشمس، يبادر المسلم إلى صلاة المغرب لأول وقتها، وبخاصة أن وقتها ضيق.
فإذا أدى الفرض والسُّنَّة، تلا ما تيسر له من أذكار المساء المأثورة
стр. 102
مثل: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي» (١) .
ومثل أدعية الصباح التي مرَّ ذكرها، ولكن يقول بدل (أصبحنا) (أمسينا) ، وهكذا.
ويتناول المسلم عشاءه بغير إسرافٍ ولاتقتير، ثم يصلي العِشاء، وما لها من سنن، ويؤخر الوتر إذا كان معتاداً الاستيقاظ في الليل، وإلا صلاّه قبل النوم.
وقد يُؤخر المسلم طعام عشائه إلى مابعد العِشاء، غير أنه إذا حضر العشاء والعِشاء قُدِّم طعامُ العَشاء كما جاء في الحديث، حتى لايصلي المسلم وقلبه مشغولٌ بغير مناجاة الله.
ويستطيع المسلم أن يقضي بعض الحقوق قبل نومه، كبعض الزيارات أو المجاملات.
وينبغي أن يكون له حظ يومي من القراءة المنتظمة طلباً للزيادة في العلم، كما قال الله لرسوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢) . ويحسن به أن يتخير من الكتب والمجلات ماينفعه في دينه ودنياه، وقد قال حكيم: أخبرني ماذا تقرأ أخبرك من أنت!
ولا حرجَ على المسلم أن يُمتع نفسه ببعض اللهو المباح، أو الترفيه المشروع في نهارٍ أو ليل، على ألا يجور ذلك على حق ربه في العبادة، أو حق عينه في النوم، أو حق بدنه في الراحة أو حق أسرته في الرعاية، أو حق عمله في الإتقان، أو أي حق من حقوق الآخرين.
стр. 103
الفصل الخامس
الإدارة الفعالة للوقت
стр. 104
تمهيد:
العمل الإداري نشاط يهدف إلى تحقيق الأهداف المرسومة، وذلك في ضوء الإمكانات والظروف المتاحة، ويرتبط تحقيق تلك الأهداف بجدول زمني وخطة محددة بوقت. والنجاح أو الإبداع في تحقيق النتائج لا يتم الاعتراف به وتقديره بشكل كامل إلا إذا كان في حدود الوقت أو الزمن المطلوب. وبناءً عليه فإن مشكلة الوقت تظهر لدى المديرين في المستويات الإدارية كافة، وهي تتمثل في كيفية تحقيق الأهداف أو إنجاز الأعمال المطلوبة في الوقت المحدد لها، ولو أمعنا النظر في القضية لأدركنا أن المشكلة لا تكمن في عدم توافر الوقت، فالوقت متاح وهو موزع على البشر بالتساوي، إنما تكمن المشكلة في مدى فعالية المدير من حيث إدارته للوقت وحسن الاستفادة منه.
وقد تم تقسيم هذا الفصل إلى المباحث الآتية:
الأول: الأدوات والوسائل المستخدمة لتنظيم وإدارة وقت العمل.
الثاني: مناهج الإدارة الفعالة للوقت.
الثالث: نحو منهج متطوّر لإدارة الوقت بفعالية.
стр. 105
المبحث الأول
الأدوات والوسائل المستخدمة لتنظيم وقت العمل وإدارته
تمثل تقنيات العصر أهم الوسائل التي يمكن للمدير استخدامها بفعالية في سبيل تنظيم وقت عمله وإدارته. ونظراً لحدوث تطور سريع في الأجهزة الإلكترونية والخدمات المكتبية الحديثة، فإنه يمكن استخدام هذه الوسائل الإلكترونية بصفتها أدوات مساعدة تزيد من سرعة نقل المعلومات والبيانات، ومن ثم توفير وقت العمل اليومي المخصص لإنجاز مهمات العمل. وكل هذه الوسائل والأدوات قد صممت على وجه خاص لمساعدة المدير المعاصر في: تنظيم المعلومات، تشغيل البيانات، ترتيب الملفات، إعداد المستندات المطلوبة للعمل، تحديث المعلومات القديمة، والإسراع بالاتصالات بطرق حديثة تحقق توفيرًا للوقت والجهد.
وبشكلٍ عام فإنه يمكن تقسيم الأدوات والوسائل التي يمكن استخدامها لتنظيم وقت العمل وإدارته إلى مجموعتين على النحو الآتي:
أولاً: مجموعة الأدوات والوسائل الإلكترونية:
تشمل هذه المجموعة وسائل وأدوات مثل: الحاسبات الآلية (Computers) ، آلات تصوير المستندات (Photocopiers) ، أجهزة الناسوخ (Fax machines) ، الماسح الضوئي (Scanner) ، الهاتف ذا المسجل الصوتي (Answer machines phones) ، الهاتف الجوال (Mobile phones) ، شبكة المعلومات (Internet) ، والبريد الإلكتروني (E-mail) ، المفكرة الإلكترونية
стр. 106
لتنظيم المواعيد (Electronic Calender) . ويمكن بيان جدوى كل وسيلة من هذه الوسائل فيما يأتي:
الحاسبات الآلية:
تعد الحاسبات الآلية من الأجهزة التي تقوم بالعديد من المهمات في مكاتب المديرين وفي المؤسسات كافة في عالمنا اليوم، وتتسم هذه الحاسبات بأنها تقوم بمهمات متعددة فهي تزوّد المدير بالنتائج بدقة وبسرعة أكبر ووقت وكلفة أقل مما قد يقوم به الموظف العادي يدوياً، ويتوافر اليوم كثير من برامج الكومبيوتر (Software) التي تقوم بتنفيذ أيسر الأعمال وأعقدها في مجالات الحياة كافةً وبخاصة منها المشروعات. وبشكلٍ عام فقد أصبحت الحاسبات الآلية في متناول الجميع، وتتوقف كلفتها على كلٍ من حجم ذاكرة الكومبيوتر، ومدى سرعة تشغيل البيانات، ما يكون له الأثر الأكبر على توفير وقت إنجاز المهمات المطلوبة.
كما أن للمدير الاختيار بين كومبيوتر المكتب والكومبيوتر المتنقل (Lap Top) الذي يتيح له أن يصحبه في تنقلاته كافة، سواء كان بالطائرة، أو بالفندق أو بالسيارة، أو غيرها، ومن مزاياه أيضاً إمكان نقل المعلومات إلى مكانٍ آخر عن طريق وسيطٍ يسمى بالمودم (Modem) عبر التليفون، وهذه الأشياء كلها من شأنها زيادة إنتاجية المدير واستثماره لوقت العمل بالشكل الأمثل، كما أن هناك كثير من البرامج التي تخص شركات الأعمال في الوقت الراهن، منها على سبيل المثال: برامج الحاسبات، برامج التحليل المالي، المشتريات والمخازن، وكذلك برامج تنظيم أوقات أداء الأعمال، وغيرها.
стр. 107
آلات تصوير المستندات وأجهزة الناسوخ (الفاكس) ، والماسح الضوئي:
لقد أضافت التقنية الحديثة هذه الوسائل، وهي تعد بحق من أهم وسائل توفير وقت العمل بالمكاتب؛ فمن خلال استخدام آلات التصوير العادية أو الملونة يمكن إعداد كثير من المستندات وتجهيزها آلياً في نسخ مُعدة للاستخدام، بل يمكن إعدادها أيضًا في شكل مستندات ملونة وبأحجام مختلفة سواء أكانت مصغّرة أم مكبّرة، وبأي أعداد تتطلبها احتياجات العمل، ولا شك بأن عوامل الكلفة وسرعة التصوير ووجود ألوان من عدمه تُعد من العوامل المحددة لاختيار مثل هذه الوسيلة.
أما الماسحات الضوئية فهي وسيلة فعّالة في مسح الصور والمستندات وأَرْشَفَتِها، وتخزين صور المستندات، وتحويلها إلى نصوص بوساطة الحاسب الآلي، من خلال برامج خاصة بذلك، ما يسهم في كسب الوقت عند الرجوع إلى المستندات إذا ما احتيج إليها.
ومن جانبٍ آخر؛ فإن جهاز الفاكس يُعد أحد المكونات المهمة في المكاتب الحديثة بعالم اليوم، وتمتاز هذه الوسيلة بأنها تجمع بين خصائص الهاتف، وآلة التصوير، ومودم الحاسب الآلي، وذلك بغرض إرسال المستندات واستقبالها. لذا، فإن هذه الوسيلة تساعد في إدارة الوقت بشكلٍ أكثر كفاءة اعتماداً على سرعة نقل المستندات، وإمكان الاستفادة من التخفيضات المفترضة في أسعار المكالمات الهاتفية في غير فترات الذروة، كالفترات الليلية.
كما أن ما أفرزته التقنية الحديثة من دمج هذه الوسائل كلها في آلة واحدة تقوم بهذه الخدمات جميعاً قد أسهم في توفير المساحة وتقليل الكلفة إضافة إلى توفير الوقت.
стр. 108
أجهزة الهاتف ذات المسجل الصوتي، والهاتف الجوال:
تسمح هذه الأجهزة للمدير بالتحكم في غربلة المكالمات الهاتفية الواردة إليه بدون الإجابة على الهاتف، وكذلك تسجيل المكالمات الواردة إليه من أي مكان في العالم. وتناسب هذه الوسيلة المدير في حالة عدم وجود سكرتير لتلقي المكالمات أو عدم توافر مكان لمكتَبيِ المدير والسكرتير، كما أنه وسيلة مهمة في حالة عدم وجود المدير بالمكتب، ومن مزايا هذه الوسيلة أن كلفتها ليست مستمرة، فهي تُدفع لمرة واحدة فقط عند الشراء، ومن مزاياها أيضًا أنها تفيد في تلقي الطلبات الليلية وتتيح مراجعتها في الصباح عند حضور الموظفين وقت الدوام، كذلك فهي توفر الوقت المخصص لتسجيل وتجميع الطلبيات الواردة، وتسمح بتوفير مزيد من الوقت لبقية الأعمال المكتبية المهمة، وبفضل هذه الأجهزة يمكن للمدير سماع صوت الرسالة الواردة، ومن ثم تجنب مخاطر فَقْد مكالمة قد تكون مهمة للعمل. ومن جانب آخر فإن الهاتف الجوال يساعد المدير في تلقي المكالمات وإرسالها من أي موقع وُجد فيه، كما أن الجوال يعمل كدليل هاتف، ومستقبل للرسائل، وهذا جميعه مع إتاحة أن يقوم المدير بوظائفه في الوقت نفسه ومن أي مكان، ما يسهم بشكل كبير في توفير الوقت.
الإنترنت، والبريد الإلكتروني:
تعد هاتان الوسيلتان من أهم تقنيات العصر المساعِدة في إنجاز الأعمال عبر المسافات الطويلة وفي زمن أقل، ومما لاشك فيه أن استخدامات الإنترنت عديدة في مجال الحصول على المعلومة من أي مكان وفي أي وقت يريده المدير، كما أن استخدام الإنترنت يتم في الوقت الحاضر بصفته
стр. 109
وسيلة أساسية للتجارة الإلكترونية، إذ تتم عمليات الشراء والبيع عن طريقها بشكل فوري (on line) ، ويكون توفير هذه الوسيلة للوقت معتمدًا على مدى السرعة في تشغيل شبكة الإنترنت، وكذلك على قدرة المدير في استخدامها استخدامًا صحيحًا للوصول إلى المعلومة المطلوبة في أقصر وقت ممكن، وإلا أصبحت وسيلة مُضيِّعة للوقت، ويترافق مع هذه الوسيلة البريد الإلكتروني (E-mail) الذي يساعد في إرسال الرسائل والمستندات واستقبالهما بسرعة وباللغتين العربية والإنكليزية معاً، وقد أسهم ظهور كثير من البرامج الحديثة (Software) على فعالية استخدام مثل هذه الوسيلة ما ينعكس إيجابًا على توفير وقت المدير، حيث يمكن من خلالها إرسال رسائل فردية من المدير، أو رسائل جماعية إلى أكثر من فرد في الوقت نفسه، وفي أي مكان في الكرة الأرضية.
المفكرة الإلكترونية:
تساعد المفكرة الإلكترونية المحمولة بالجيب، أو الموجودة في الحاسب الشخصي المكتبي أو المحمول باليد على: تحديد تفاصيل المواعيد، التذكير بالأشياء المطلوب إنجازها، تحديد أولويات المهمات، ومعلومات أخرى تلزم في عمل المدير، كما تحقق هذه المفكرة بعض المزايا منها:
١- ... إمكان تنظيم المواعيد بغرض عدم قبول مواعيد في أوقات معينة.
٢- ... إصدار إضاءة أو أصوات مميزة للتذكير بالمواعيد.
٣- ... تسجيل مذكرات مختصرة على الذاكرة الخاصة بها.
٤- ... استخدامها بوصفها جهاز هاتف متنقل.
هذا، ويمكن لصاحب المفكرة الإلكترونية وصلها بالكومبيوتر المحمول
стр. 110
وبالكومبيوتر الشخصي بواسطة خط الهاتف، وفي حالة وجود شبكة متواصلة من الحاسبات الآلية، فإنه يمكن للمدير الدخول على جدول مفكرات زملائه بالعمل، من أجل معرفة الأوقات الملائمة لعقد الاجتماعات.
ثانياً: مجموعة الأدوات والوسائل غير الإلكترونية (الشخصية أو الذاتية) :
تشمل هذه المجموعة عدة أساليب مثل: الاعتماد على السكرتير، المفكرة اليدوية لتنظيم المواعيد، إعداد قائمة يومية بالأعمال المطلوب إنجازها ومواعيدها، إعداد قائمة أسبوعية بأنواع الأنشطة المطلوب إنجازها وتحديد مواعيدها، الاعتماد على الذاكرة الشخصية للمدير نفسه، ويمكن بيان مهمات مثل هذه الوسائل على النحو الآتي:
أ- الاعتماد على السكرتير:
لما كانت وظيفة المدير هي إنجاز الأهداف من خلال الآخرين، فإن رسالة السكرتير أو مدير المكتب هي مساعدة المدير على إدارة وقته بفعالية سعياً نحو إنجاز أهداف العمل، لذا فإن الكتابات الحديثة في هذا المجال تولي اهتماماً كبيراً بالتدريب والإعداد الجيد لمهام السكرتارية، وبصفة خاصة المتعلقة بإدارة الوقت وتنظيم أنشطة العمل. ويذكر العديلي عدداً من الواجبات لتحقيق فعالية السكرتير منها: (١)
١- ... فحص المكالمات والزوار.
٢- ... وضع نظام محكم لتنظيم الملفات.
٣- ... تنظيم المواعيد والاجتماعات.
٤- ... إعداد مُسوَّدة المذكرات والخطابات.