وقد قدَّم له بذكر أنواع الجرح، فكانت عنده عشرين نوعًا، ثمَّ أورد أسماء المجروحين مرتبة على حروف المعجم، أعقبها بباب الكني، وطريقته أن يذكر الاسم كاملًا مع كنيته، وقد يذكر بعض شيوخه، وبعض الرواة عنه، ثمَّ يذكر نوع الجرح الذي رميَ به، محتجًا لما ذهب إليه، ثمَّ يورد الأحاديث المذكرة التي رويت من طريقه.
وقد طبع الكتاب بتحقيق الأستاذ محمود إبراهيم زايد، وصدر في ثلاثة أجزاء، عن دار الوعي بحلب"، قاله الشيخ شعيب.
(قلتُ): وكذلك طُبع الكتاب بتحقيق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفيّ، صدر في جزأين، عن دار الصميعيِّ بالرياض.
مكان المخطوط:
* دار الكتب القاهرة (فؤاد) ٣/ ٧٧ [١٩٥٩٨ ب]- (١٨٨ و) قبل ١١ هـ - بها أكل أرضة كثير - (سز ١٩٠).
* دار الكتب القاهرة (فؤاد) ٣/ ٧٧ [٢٤١٩٣ ب]- (١٣١٥ ص) - ١٣٦٨ هـ.
* الأزهرية ١/ ٣٦٦ [(١٣٥) ٩٠١٨]- (١ و).
• كتاب "المحبة والشوق والأنس والرضى".
• كتاب "محجة المبتدئين".
стр. 107
• ك مختصر "كتاب أسماء المجروحين"، مختصر "معرفة المجروحين والضعفاء من المحدِّثين".
مكان المخطوط:
* جامعة الإمام محمد بن سعود ٣/ ٢/ ٧٥١ [٢٢٧٦]- (١١٩ و) - ١٣٢٣ هـ.
• كتاب المدنَّر" بفتح النون المشددة.
• كتاب "مراعاة العشراء، أو مراعاة الإخوان".
• كتاب "المسند" في الحديث.
• كتاب "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها" المعروف بـ "صحيح ابن حِبَّان".
"ثبت هذا في عنوان الكتاب من النسخة الموجودة بدار الكتب المصرية، وغيرها، وهو ما ذكره الأمير علاء الدين الذي رتبه وبوبه، لكن اقتصر على لفظ "التقاسيم والأنواع" كما سيرد في مقدمته الآتية، وهو ما أورده الذَّهَبِيُّ في ترجمة ابن حِبَّان، وفي مواضع أخرى من "السير"، والهَيْثَمِيُّ في موارد الظمآن" ص (٢٩)، والسيوطيُّ في "تدريب الراوي" (١/ ١٠٩)، وذكره الذَّهَبِيُّ أحيانًا باسم "الأنواع
стр. 108
والتقاسيم"، وسمَّاه أبو سعد الإِدْرِيْسِيُّ - كما نقل الأمير في مقدمته الآتية - "المسند الصحيح"، وابن حِبَّان في تسمية كتابه هذا متابع شيخه ابن خزيمة، فقد ذكر ابن حجر في "النكت الظراف" (١/ ٢٩١)، أنَّ ابن خزيمة سمي صحيحه "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة"، وبما أن ابن حِبَّان اشترط فيه الصحيح، فقد شاع على ألسنة المحدِّثين والحفَّاظ باسم "صحيح" ابن حِبَّان، وهذا ما دعا العلَّامة المرحوم أحمد شاكر أن يطلق عليه في الجزء الذي طبعه من الكتاب، اسم "صحيح" ابن حِبَّان.
وقد وَهِمَ الزركْلِيُّ في "أعلامه" فجعل هذا الكتاب كتابين، فقال في ترجمة ابن حِبَّان: "ومن كتبه "المسند الصحيح" في الحديث، و "الأنواع والتقاسيم، جمع فيه ما في الكتب الستة محذوفة الأسانيد".
وهو خطأٌ بيِّنٌ من عدَّة وجوه كما ترى، فليس "الأنواع والتقاسيم" كتابًا غير "المسند الصحيح"، ولا جمعًا لما في الكتب الستة، ولا محذوف الأسانيد"، قاله الشيخ شعيب بتقديم وتأخير.
مكان المخطوط:
* دار الكتب القطرية (وزارة التربية) ٣ [١٠٤٤]- ٧٣٩ هـ.
* دار الكتب القطرية (وزارة التربية) ٣ [١٠٤٥]- ٧٣٩ هـ.
стр. 109
* متحف طوبقبوسراي ٢/ ١٢٦ - ١٢٧ (٢٦٠٤ a ٣٤٧/ ٢) - (٢٢٢ و) - ٧٣٩ هـ. - (سز/ ١٨٩ - ١٩٠).
* متحف طوبقبوسراي ٢/ ١٢٧ (٢٦٠٥ a ٣٤٧/ ٣) - (٢٢٢ و) - ٧٣٩ هـ.
* متحف طوبقبوسراي ٢/ ١٢٦ (٢٦٠٣ M ٢٨٩) - (٣١٣ و) - (سز / ١٨٩ - ١٩٠) - ١٢٢٠ هـ.
* الجامعة الأمريكية/ بيروت ٣٨٨ [Ms ٧٨ و ٨٩٢ ma ٢٣ m - سابقًا ٩٨٥/ ٤٠]- (و ٣٥) - نقل منه.
* دار الكتب القطرية (وزارة التربية) ٣ [١٤٠٣].
* الروضة الشريفة ٤ [٤٥٩]- (مج ١).
* الظاهرية ٤٢ [مجموع ١١١]- (و ٩٤ - ١٠٣) - قطعة منه (سز ١/ ١٨٩ - ١٩٠).
* فيض الله أفندي ٢٥ [٥٢٤]- مج ٥ (٢٥٦ و).
* كارل ماركس/ لايبزج ٤ [٢].
* المحمودية ٦٨ [٤٥٩]- مج ١ (٢٢٠ و).
• كتاب "مشاهير علماء الأمصار".
стр. 110
"وهو كتابٌ مختصرٌ ذكر فيه مشاهير علماء الأمصار، وأعلام فقهاء الأقطار، دون الضعفاء والمتروكين، والأمصار التي اقتصر على ذكر أعلامها هي مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، وبغداد، وواسط، وخُراسان، والشَّام، ومِصر، واليمن، ويضم (١٦٠٢) من التراجم، ورتبه على الطبقات، فذكر الصحابة، ثمَّ التابعين، ثمَّ أتباع التابعين، وقد طبع الكتاب في القاهرة سنة ١٩٥٩ باعتناء المستشرق م. فلاديشهمر"، قاله الشيخ شعيب.
• كتاب "المعجم" على المدن، عشرة أجزاء.
• كتاب "معرفة القبلة".
• كتاب "المقلِّين من الحجازيين".
• كتاب "المقلِّين من الشَّاميين" عشرة أجزاء.
• كتاب "مناقب الشَّافعيِّ" جزءان.
• كتاب "مناقب مالك بن أنس" جزءان.
• كتاب "من يعرف بالأسامي" ثلاثة أجزاء.
• كتاب "موقوف ما رفع" عشرة أجزاء.
• كتاب "الميزان".
стр. 111
• كتاب "الهداية إلى علم السنن".
• كتاب "الوداع والفراق".
• كتاب "وصف الاتباع وبيان الابتداع".
• كتاب "وصف العلوم وأنواعها".
• كتاب "وصف المعدِّل والمعدَّل" جزءان.
ثمَّ قال الخطيب: "ومن آخر ما صنَّف كتاب "الهداية إلى علم السنن" قصد فيه إظهار الصناعتين اللتين هما صناعة الحديث والفقه، يذكر حديثًا، ويترجم له، ثمَّ يذكر من يتفرد بذلك الحديث، ومن مفاريد أي بلد هو، ثمَّ يذكر تاريخ كل اسم في إسناده من الصحابة إلى شيخه بما يعرف من نسبته، وموته، وكنيته، وقبيلته، وفضله، وتيقظه، ثمَّ يذكر ما في ذلك الحديث من الفقه، والحكمة.
وإن عارضه خبر آخر ذكره، وجمع بينهما، وإن تضاد لفظه في خبر آخر لطف للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الفقه، والحديث معًا، وهذا أنبل كتبه، وأعزها.
سألتُ مسعود بن ناصر؟ فقلت له: أكل هذه الكتب موجودة عندكم، ومقدور عليها ببلادكم؟ فقال: لا. إنما يوجد منها الشيء اليسير، والنزر الحقير. قال: وقد كان أبو حاتم بن حِبَّان سبل كتبه،
стр. 112
ووقفها، وجمعها في دار رسمها بها، فكان السبب في ذهابها، مع تطاول الزَّمان ضعف أمر السلطان، واستيلاء ذوي العيث والفساد على أهل تلك البلاد.
قال أبو بكر (يعني الخطيب): "مثل هذه الكتب الجليلة، كان يجب أن يكثر بها النسخ، ويتنافس فيها أهل العلم، ويكتبوها لأنفسهم، ويخلدها أحرارهم.
ولا أحسب المانع من ذلك إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد لمحل العلم وفضله، وزهدهم فيه، ورغبتهم عنه، وعدم بصيرتهم به، والله أعلم" اهـ.
وقال الحاكم أبو عبد الله: " … داره التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ومسكن الغرباء الذين يقيمون بها من أهل الحديث، والمتفقهة منهم، وله جرايات يستنفقونها من داره، وفيها خرانة كتبه في يدي وصي سلمها إليه ليبذلها لمن يريد شيء منها، من غير أن يخرجها منها، شكر الله له عنايته في تصنيفها، وأحسن مثوبته على جميل نيته في أمرها، بفضله ورأفته".
* * *
стр. 113
(تحصيله العلمي)
ومن أمتع ما قرأتُ في هذا الصدد ما سطَّره الشيخ شعيب الأرناؤوط في "مقدمة الإحسان"، أورده مع بعض الإضافات التي يحتاج إليها المقام.
قال الشيخ: "إنَّ مما يثير الإعجاب بابن حِبَّان ما تميَّز به طوال رحلته وطلبه من همةٍ لا يعتريها فتور، وحرص على اقتناص الفوائد ليس له نظير، فلم يسترح قلمه عن كتابة ما تسمعه أذناه من الشيوخ، حتى جاوز في ذلك الحد أحيانًا، كما قال أبو سعد الإدريسيُّ: "سمعت أبا حامد أحمد بن محمد بن سعيد النَّيسابوريِّ الرجل الصالح بسمرقند، يقول: كنا مع أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في بعض الطريق من نيسابور، وكان معنا أبو حاتم البُستيُّ، وكان يسأله ويؤذيه، فقال له ابن خُزيمة: "يا بارد تنح عني لا تؤذني، أو كلمة نحوها"، فكتب أبو حاتم مقالته، فقيل له: تكتب هذا؟! فقال: نعم أكتب كل شيء يقوله" [معجم البلدان] بُست).
ومثل هذه الهمة لم يكن ليقنعها فن واحد من فنون العصر، فاتَّجه إلى تحصيل، واستيعاب أكثر ما كان معروفًا في زمانه من العلوم والمعارف، على أنَّ أعظم ما رسخ فيه، وبرع، وغدا من أعلامه، علم الحديث فقد صار الإمام الحافظ المجوِّد العلَّامة الثقة الثَّبت المتقن
стр. 114
المحقِّق، كما وصفه بذلك غير واحد من الكبار كما في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٢٠)، و "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٢)، و "مقدمة الأمير علاء الدين الفارسيّ" لصحيح ابن حِبَّان.
وإذا كانت مؤلفات الرجل مرآة علمه، فمؤلفات ابن حِبَّان شاهد له على رسوخ قدمه، وطول باعه، مُتَرجِمَةً عن سمو قدره، وعلو شأنه، وهذا ياقوت الحمويُّ وهو الرجل المحقق يشهد بذلك، فيقول: "ومن تأمل تصانيفه تأمل منصف، علم أنَّ الرجل كان بحرًا في العلوم"، ويقول: "أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره" معجم البلدان" (بُست).
وقد عكست مصنَّفاته هذه عقليته المبدعة، وثقافته الأصيلة الواسعة، فلم تكن ليستغني عنها بغيرها، بل صارت كما قال ياقوت: "عدَّة لأصحاب الحديث"، …
وفي الفقه تعب عليه حتى صار من كبار فقهاء الشَّافعية، ولذا ترجم له السبكيُّ في "طبقات الشَّافعية" (٣/ ١٣١)، وأهَّله تمكُّنه فيه أن يكون قاضيًا، إذ لا يلي القضاء آنذاك إلا مضطلع في الفقه، متمكن من نواحيه، عارف بدقائق مسائله، ومُشكل وقائعه، فولي القضاء مدة طويلة في أكثر من بلدة، منها نسا وسمرقند وغيرهما، ولعلَّ هذا - كما يقول بعضهم - ما أثار حفيظة فقهاء الحنفية الذين كانوا يعدون وظيفة القضاء وقفًا عليهم، فجرت بينه وبيهم منازعات
стр. 115
وخصومات، حملت ابن حِبَّان على مجاوزة الحد، حين لم يجد أغيظ لهؤلاء من الطعن في إمامهم أبي حنيفة، فألف كتابًا في "علل مناقبه" عشرة أجزاء، وكتابًا في "مثالبه" عشرة أجزاء، وكتابًا في "علل ما استند إليه" عشرة أجزاء، وكان الأولى به أن يكظم غيظه، فلا يأخذ أحدًا بذنب غيره، وأبو حنيفة ذاك الإمام الجليل القدر، العظيم الشأن، ممن طبق علمه الآفاق، وعرف فضله القاصي والداني، فكيف ينال منه لذنب اقترفه رجل انتحل مذهبه بعد قرنين من وفاته؟! فسامح الله ابن حِبَّان، وغفر له هذه الهفوة.
وقد تتلمذ في الفقه على شيخه محدِّث الوقت محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأخذ عنه طريقته في استنباط الأحكام والمسائل الفقهية، وهذا الكتاب - أي الصحيح - يظهر مدى تَمَسُّك ابن حِبَّان بمنهج شيخه في الاستنباط، وتقليده الكامل له، لكن مع تصرفه الخاص الذي أمْلَتَه عليه عقليته وأسلوبه الذي سأتعرض له بعد هذا الفصل، وهذا ما دعا ابن الصلاح إلى أن يغمز منه غمزًا شديدًا حين قال: "ربما غلط الغلط الفاحش في تصرفه"، ووافقه على غمزه الذَّهَبِيّ، فقال "وصدق أبو عمرو".
وبرع أيضًا في علم العربية، حتى عرف أسرارها، وحقيقتها ومجازها، وتمثيلها واستعاراتها، مما مكنه أن يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص القرآن والسنة، وكثيرًا ما كان يمهد لاستنباطه
стр. 116
بذكر القاعدة اللغوية المتعارف عليها عند العرب، كقوله: "العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيًا عما وراءه".
وقوله: "العرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة"، وغير ذلك مما نثره وبسطه في كتابه هذا - أي الصحيح -، مما يكشف عن مدى تعمقه في فهم العربية، وسبره لغورها، وإدراكه لمقاصد ألفاظها، وأسرار تراكيبها.
ونضج في علم الكلام حتى تأثرت به عقليته، وتلون به فكره، واصطبغ بتقسيماته وفصوله أسلوبه، فتراه يذهب إلى تقسيم الشيء إلى كلي وجزئي، وتفريق الشيئين المتضادين والمتهاترين - على حدِّ تعبيره -، إلى غير ذلك مما هو جلي في تعليقاته وتفسيراته واستنتاجاته في الكتاب، وما طريقة ترتيب كتابه - الصحيح - حسب التقاسيم والأنواع إِلَّا ثمرة من ثمار تأثره بعلم الكلام، وقد ذكر ذلك السيوطيُّ في "تدريب الراوي" (١/ ١٠٩)، وما محنته التي سنعرض لها قريبًا إِلَّا نتيجة لاستيلاء مصطلحات هذا الفن على ألفاظه وعباراته، مما يشير إلى أنَّ نسيج فكره قد شد من خيوط هذا الفن، ولم يكن علمه به مجرد إلمام واطلاع.
وبالإضافة إلى هذا حصَّل علم الطب والفلك، ويظهر أنه بلغ فيهما رتبة أمكن معها القول فيه: "كان عالمًا بالطب والنجوم". انظر
стр. 117
"مقدمة الأمير علاء الدين" للصحيح، و"معجم البلدان" (بُست)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٤).
إنَّ هذه الفنون التي تمكَّن منها جعلت الحافظ ابن حجر يقول: "كان صاحب فنون، وذكاء مفرط، وحفظ واسع إلى الغاية ﵀".
(أسلوبه وطريقة استنباطه)
قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إذا كان استنباط الرجل للمسائل والأحكام من النصوص دالًا على نمط تفكيره، وكيفية تفهمه، فإنَّ ما لمحه ابن حِبَّان في النصوص من معان ليظهر بجلاء تلك العقلية المبدعة التي وهبها، فقد قال في قول رسول الله ﷺ لحسان - لما أمره بالرد على المشركين -: "أجب عني".
قال: في هذا الخبر كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء، لأنَّ النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت: "أجب عني"، وإنما أمر أن يذب عنه ما كان يتقول عليه المشركون، فإذا كان في تقول المشركين على رسول الله ﷺ يأمر أن يذب عنه، وإن لم يضر كذبهم المسلمين، ولا أحلوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال، كان من كذب على رسول الله ﷺ من المسلمين، الذي يحل الحرام، ويحرِّم الحلال بروايتهم أحرى أن يؤمر بذب ذلك الكذب عنه ﷺ .
وفي قوله ﷺ : "يتقارب الزمان وينقص العلم".
стр. 118
قال: وقد أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص في آخر الزمان، وأرى العلوم كلها تزداد إِلَّا هذه الصناعة الواحدة، فإنها كل يوم في النقص، فكأنَّ العلم الذي خاطب النبي ﷺ أمته بنقصه في آخر الزمان هو معرفة السنن، ولا سبيل إلى معرفتها إِلَّا بمعرفة الضعفاء والمتروكين.
وفي قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا فعليكم بسنتي".
رأي ابن حِبَّان دليلًا صحيحًا على أنه ﷺ أمر أمته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات، لأنه كما قال: "لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل إِلَّا بمعرفة الضعفاء من الثقات"، وانظر "المجروحين" له (١/ ١٠، ١١).
على أنه كان يُغرب أحيانًا فيما يستنبطه ويراه، فيلحظ في النص ما لا يخطر على قلب أحد، وقد يدفعه ما ارتآهُ إلى إنكار معنى صحيح ثابت، ودفع ما لا قِبَل له بدفعه، كقوله في حديث أنس في الوصال: فيه دليلٌ على أنَّ الأخبار التي فيها وضع الحجَر على بطنه من الجوع كلها بواطيل، وإنما معناها الحجز، وهو طرف الرداء، إذ الله يطعم رسوله، وما يغني الحجر من الجوع؟.
ويرد عليه الذَّهَبيُّ بما أخرجه هو نفسه، فيقول: قد ساق في كتابه
стр. 119
حديث ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبي، ﷺ فأخبراه، فقال: "أخرجني الذي أخرجكما".
فدلَّ على أنه كان يطعم ويسقى في الوصال خاصة. انظر "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٨)، و"طبقات" للسبكيِّ (٣/ ١٣٣).
ولعلَّ هذا أيضًا هو ما دعا أبا عمرو بن الصلاح إلى النيل منه حين قال: "وربما غلط في تصرفه الغلط الفاحش على ما وجدته". فيصدقه الذَّهبيُّ ويقول: "صدق أبو عمرو". وبظني أنَّ تأثر ابن حِبَّان بعلم الكلام، هو الذي جعله يعتمد في أسلوبه على فذلكة المعاني وفلسفتها، وكثيرًا ما كان الذَّهبيُّ ينال من أسلوبه هذا، فيقول: "تقعقع ابن حِبَّان"، وقد كادت فذلكته هذه أن تودي به إلى التهلكة، فيحكم بقتله، وبطرده من بلده، كما حصل له في محنته.
(محنته)
قال الشيخ شعيب: "إنَّ الناظر في تاريخ الأئمة الكبار لتتملّكهـ الحيرة، ويمضُّه الألم، ولا ينقضي منه العجب: كيف وقع فحول المحدِّثين وكبارهم ضحية حروب جدلية شكلية، حمي وطيسها، وارتفعت ألسنة لهيبها، فاضطرت هذا إلى الحروب والفرار، وذاك إلى الاختباء والتواري عن الأنظار، وثالثٌ ألقي في ظلمات السجون تلسعه السياط ليل نهار، والمؤلم والعجيب أنَّ معظم تلك النيران
стр. 120
المتضرمة كان منشؤها شرر خلافات لفظية لا طائل تحتها، ولا تُقَدِّم من أمر الدين شيئًا ولا تُؤخِّر، ولا شك أنَّ الحسد الذميم هو الذي يذكي أوار مثل تلك الخلافات التي اتخذت مظهر الدفاع عن الدين، وذب البدع المزعومة عن أصوله وأحكامه، ها هو ذا البخاري أمير علم الحديث، وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله ، يُسأل عن اللفظ بالقرآن، فيقول: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأعمالنا مخلوقة". فيتورم لجوابه أنف شيخه محمد بن يحيى الذُّهليّ، ويصيح قائلًا: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدعٌ لا يجلس إلينا.
ثمَّ أعلن أنه سيقاطع كل من يذهب بعد هذا إلى البخاريِّ، فانقطع الناس عنه إِلَّا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة، لكن لم تشتف نفس الذُّهليّ، ولم يذهب غيظ قلبه، وضاقت عليه البلد التي تجمعه، والبخاري، فقال: لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد، فخشي البخاريّ على نفسه، وسافر من نيسابور.
ولا ننسى أيضًا تلك المأساة التي وقع في أتونها من قبل الإمام أحمد بن حنبل، فقضى ما ينيف على عشر سنوات في سجون خصومه حبيس السياط والعذاب.
وابن حِبَّان أيضًا لم ينج مما وقع فيه مَن قبله، فإنَّ المنزلة الرفيعة التي تبوأها أشعلت الغيرة في صدور حاسديه، فهم يتربصون به هفوة
стр. 121
أو سقطة أو خطأ، ليملؤوا الدنيا نكيرًا عليه، وينفِّروا قلوب الخلق عنه، ويتورط ابن حِبَّان، فيتفوَّه بعبارة صاغها أسلوبه في فذلكة الكلام، وفلسفة المعاني فيجد فيها المتربصون فرصة ليقيموا عليه الدنيا، وثغرة يلجون منها ليطعنوه طعنة قاتلة ويستريحوا منه، وهم عند عامة الناس منصفون، مقيمون للحد الذي شرعه الله، لقد تورط ابن حِبَّان، فقال: "النبوة: العلم والعمل"، وهذا قول إن أُجري على ظاهره حكم على صاحبه بالزندقة، واستحق به القتل، وهذا ما حدث، فقد حكم عليه بعض أئمة عصره بالزندقة، فهجره الناس ثمَّ كُتب بهذا الأمر الخطير إلى الخليفة، الذي سارع إلى إقامة حد الله على هذا القائل، فأمر بقتله، ولولا أن الله سلَّم لحُزَّ رأسه بحدِّ السيف، فما كان أغنى ابن حِبَّان عن مقالته هذه، لقد أوقع نفسه، وأتعب عارفيه في الدِّفاع عنه، وتأويل عبارته الموهمة هذه، ودفع تهمة الزندقة أن تلتصق به.
فالإمام الذّهبيّ ينقل قصته هذه ثمَّ يقول: "هذه حكايةٌ غريبةٌ، وابن حِبَّان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندَّعي فيه العصمة من الخطإ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق والفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن نعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله ﵊: الحج عرفة"، ومعلوم أنَّ الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجًا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج، وكذا
стр. 122
هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إِلَّا بوجودهما، وليس كل من برز فيهما نبيًّا، لأنَّ النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللدنِّي والعمل الصالح، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفرٌ، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه" "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٦)
وفذلكة ابن حِبَّان أوقعته في حِبَال مشكلة أخرى، وذاك أنه اقتحم في متاهة لا عَلَمَ فيها ولا دليل، وخاض في أمر كان البعد عن خوض لجاجه أسلم لدينه ونفسه، فقد أنكر الحد لله، وصرح بذلك في مقدمة كتابه "الثقات"، فثارت ثائرة الذين أثبتوا لله الحد، واستشاطوا غضبًا، ولم تسترح نفوسهم إِلَّا حين رأوه مطرودًا وحيدًا يُغادر بلدته سِجستان، ويفتخر بطرده يحيى بن عمار ذاك الواعظ في سِجستان حين سأله أبو إسماعيل الهروي: "هل رأيت ابن حِبَّان؟ فيجيبه منتفِخًا متعظمًا رافعًا رأسه: وكيف لم أره؟ نحن أخرجناه من سِجستان".
ويعلِّل ابن عمار سبب طرده ابن حِبَّان، وأنه تقرب بذلك إلى الله، وانتصر بزعمه للدين، فيقول: "كان له علمٌ كثيرٌ، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحد لله، فأخرجناه من سجستان".
وينتصر لابن حِبَّان من بعده كبار الأئمة كابن حجر الذي قال:
стр. 123
الحق مع ابن حِبَّان" "لسان الميزان" (٥/ ١١٤).
والسُّبكيُّ فيقول كما في "الطبقات" (٣/ ١٣٢): "انظُر ما أجهل هذا الجارح، وليتَ شعري، من المجروح، مثبت الحد لله أو نافيه؟! ".
وأما إمام الاعتدال الذّهبِيُّ فيردُّ على كلا القولين، ويقول كما في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٠٧): "إنكاره الحد، وإثباتكم للحد نوع من فضول الكلام، والسكوت عن الطرفين أولى، إذ لم يأت نص بنفي ذلك ولا إثباته … إلى أن قال: فمن نزه الله وسكت، سلم وتابع السلف".
وقال أيضًا كما في "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٧): "إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نص بإثبات ذلك ولا بنفيه، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وتعالى الله أن يُحدَّ أو يوصف إِلَّا بما وصف به نفسه، أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد الله بلا مثل ولا كيف، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ا هـ.
وفوق اتهامه بالبدعة والزندقة، ذكره بعضهم في الكذَّابين، مع أنَّه هو الذي قام بكشف أحوال الضعفاء والمجروحين، وبين شروط الثقات والمعدَّلين، لكن يبيد لفضله وتقدمه كما قال تلميذه الحاكم، وبعض هؤلاء الحاسدين المُتَّهمين كان من كبار الحفاظ، مثل أبي
стр. 124
الفضل أحمد بن علي بن عمرو السُّليمانيِّ البيكنديِّ، من قرية بيكند قرب بخاري فمع أنه تلمذ لابن حِبَّان، وأفاد منه، فقد ترجمه في شيوخه في باب الكذَّابين، فقال: وأبو حاتم محمد بن حِبَّان بن أحمد البستيُّ، قدم علينا من سمرقند سنة ٣٣٠ أو ٣٢٩، فقال لي أبو حاتم سهل بن السري الحافظ: "لا تكتب عنه، فإنه كذابٌ، وقد صنَّف لأبي الطيب المصعبيِّ كتابًا في القرامطة، حتى قلده قضاء سمرقند، فلما أخبر أهل سمرقند بذلك أرادوا أن يقتلوه، فهرب، ودخل بخاري، وأقام دلّالًا في البزَّازين، حتى اشترى له ثيابًا بخمسة آلاف درهم إلى شهرين، وهرب في الليل، وذهب بأموال الناس".
ويذكر أبو عبد الله الحاكم أنَّ السُّليمانيَّ هذا سأله: كتبتَ عن أبي حاتم البستيِّ؟ فقلت: نعم، فقال: إياك أن تروي عنه، فإنه جاءني، فكتب مصنفاتي، وروي عن مشايخي، ثمَّ إنه خرج إلى سِجستان بكتابه في القرامطة إلى ابن بابو حتى قبله، وقلده أعمال سِجستان، فمات بها.
قال السُّليمانيَّ: "فرأيتُ وجهه وجه الكذَّابين، وكلامه كلام الكذَّابين". انظر "معجم البلدان" (بُست).
وطعن السُّليمانيَّ هذا مردودٌ غير مسموع، لأنه شاذٌّ مخالف الأقوال جمهور الأئمة، ثمَّ إنَّ السُّليمانيَّ على جلالة قدره قد عُرف عنه طعنه لعدد من العلماء الثقات لم يكن ابن حِبَّان عنده أحسن حالًا
стр. 125
منهم، فقد قال الذَّهبِيُّ في ترجمته: "رأيت للسليمانيِّ كتابًا فيه حط على كبار، فلا يُسمع منه ما شذَّ فيه" ا هـ.
وليس من شأن ما هو شاذ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة، فهي التي تمكث في الأرض، ويذهب الزبد جفاء، فقد ظل ابن حِبَّان متألقًا في حياته، بل وبعد وفاته، حتى إنَّ الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين.
(نشره للعلم)
قال الشيخ شعيب: "تكاثر عليه الطلبة للأخذ عنه، والإفادة منه، ولتحصيل الأسانيد العالية قصده الطلبة من الآفاق، كما قال الحاكم: "وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه" "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٤)، وكان يُقرئ، ويعلِّم في كل بلد يحل فيه، قال أبو سعد الإدريسيُّ: وفقَّه الناس بسمرقند.
وقال الحاكم: "انصرف إلينا في سنة سبع (يعني سبع وثلاثين وثلاث مئة)، فأقام عندنا بنيسابور، وبني الخانقاه، وقُرئ عليه جملة من مصنَّفاته" ا هـ.
وكانت رغبته في نشر العلم، وحرصه على بثه، وبذله، مصاحبًا لفراسة صادقة، وبصيرة نافذة، يستشف بهما من هو أهل للتعلم، فيخصه بمزيد من العناية، يقول الحاكم: "ورد نيسابور سنة ٣٣٤،
стр. 126
وحضرناه يوم جمعة بعد الصلاة، فلما سألناه الحديث، نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنًا، فقال: "استملِ، فقلتُ: نعم، فاستمليتُ عليه" ا هـ.
وإذ كان يولي عنايته من تفرَّس فيه النباهة، وتوسم فيه التفوق، فقد كان بعض تلامذته من كبار العلماء، وأعلام الحفاظ فمنهم: أبو عبد الله الحاكم النَّيسابوريُّ، وأبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبديُّ الأصبهانِيُّ، وأبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدَّارقطنيُّ، وأبو علي منصور بن عبد الله بن خالد بن أحمد الذُّهليُّ الخَالِدِيُّ"، وغيرهم ممن تقدم ذكره.
ويسجل التاريخ هنا مأثرة عظيمة لابن حِبَّان، كان له فيها فضل السبق والتقدم، فهو بالإضافة إلى قيامه ببذل علومه الغزيرة، وإقراء مصنَّفاته النفيسة لعدد لا يحصى من الطلاب، هو من أوائل - بل لعلَّه أوَّل - من حوَّل مكتبته الخاصة الأثيرة لديه، والتي أنفق في تحصيلها وجمعها عمره وماله، حولها إلى مكتبة عامة يفيد منها طلاب العلم كافَّة غنيهم وفقيرهم، ذكر ذلك مسعود السجزيّ كما نقل عنه ياقوت، فقال: "سَبَّل كتبه، ووقفها، وجمعها في دار رسمها لها"، ثمَّ عَمَد إلى داره فأوصى أن تُحوَّل إلى مدرسة لأصحابه، ومسكن للطلاب الغرباء الذين يفدون لطلب العلم من حديثٍ، وفقهٍ، وغير ذلك، ولم يكتف ابن حِبَّان بوقف المكتبة والمدرسة والمسكن، فقد بقي
стр. 127
أمام الطلبة هَمُّ المعيشة، فكفاهم ذلك بأن وَقَف لهم جِراياتٍ يستنفقونها، ليتفرغوا لطلب العلم، ويتوجهوا إلى تحصيله بصفاء ذهن وراحة بال. انظر "معجم البلدان" (بُست)، و"مقدمة الأمير علاء الدين" للصحيح.
ويكون ابن حِبَّان بإنشائه هذه المدرسة قد سبق الملك العادل نور الدين الزنكيّ ﵁ بأكثر من قرنين وثلث القرن، ويمكن أن نصحِّحَ هنا ما أورده ابن الأثير في كتابه.
"التاريخ الباهر" ص (١٧٢)، وتابعه عليه المقريزيّ في "الخطط والاعتباره (٢/ ٣٧٥)، من أنَّ نور الدين أول من بنى دارًا للحديث.
ولخوف ابن حِبَّان على ضياع الكتب أو فقدانها من المكتبة التي وقفها - وهو يعلم أنَّ الإعارة مضيعة للكتب - فقد اشترط ألا تخرج من الدَّار التي وقفها فيها، أي منع الإعارة الخارجية التي تذهب بالكتب شيئًا فشيئًا، وجعل خزانة الكتب في يدي وصي سلمها إليه، ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها من غير أن يخرجه منها، هكذا أحكم ابن حِبَّان الأمر، وأحاط تلك المكتبة بسياج الصيانة والحفظ، إِلَّا أنَّ حوادث الدَّهر امتدت إليها على حين غفلة من أهلها، لتبعثرها وتبددها، وتخفي نفائسها وكنوزها، وذاك بعد قرابة مئة عام من موت واقفها ابن حِبَّان، ويذكر ذلك مسعود السجزيّ للخطيب البغداديّ
стр. 128
بحرقة، فيقول: "فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان ضعف السلطان، واستيلاء ذوي العبث والفساد على أهل تلك البلاد".
"معجم البلدان" (بُست). فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله.
(مكانته العلمية)
قال الحاكم كما في "تاريخ دمشق" (٥٢/ ٢٥١): "كان من أوعية العلم في اللغة، والفقه، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرِّجال، وكان قدم نيسابور فسمع من عبد الله بن شيرويه، ثمَّ إنه دخل العراق فأكثر عن أبي خليفة القاضي وأقرانه، وبالأهواز، وبالموصل، وبالجزيرة، وبالشَّام، وبمصر، وبالحجاز، وكتب بهراة، ومرو، وبخارى، ورحل إلى عمر بن محمد بن بُجير وأكثر عنه، ثمَّ صنَّف فخرج له من التصانيف في الحديث ما لم يسبق إليه، وولي القضاء بسمرقند وغيرها من المدن بخُراسان، ثمَّ ورد نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وخرج إلى القضاء إلى نسا أو غيرها، وانصرف إلينا سنة سبع وثلاثين، فأقام بنيسابور، وبني الخانقاه في باغ الوزانين المنسوب إليه، فبقي بنيسابور، وقُرئ عليه جملة من مصنَّفاته، ثمَّ خرج من نيسابور سنة أربعين، وانصرف إلى وطنه ببست، وكانت الرحلة بخراسان إلى مصنَّفاته".
قال أبو سعد الإدريسيُّ كما في "تاريخ دمشق" (٥٢/ ٢٥١): "كان أبو حاتم على قضاء سمرقند مدة طويلة، وكان من فقهاء الدين،
стр. 129
وحفَّاظ الآثار، والمشهورين في الأمصار، والأقطار، عالمًا بالطب والنجوم، وفنون العلوم، ألَّف المسند الصحيح، والتاريخ، والضعفاء، والكتب الكثيرة في كل فن، وفقَّه الناس بسمرقند، وبنى له الأمير المظفَّر بن نصر بن أحمد بن سامان صُفَّة لأهل العلم، خصوصًا لأهل الحديث، ثمَّ تحول أبو حاتم من سمرقند إلى بست، ومات بها".
وقال الخطيب: "ولي القضاء بسمرقند مدة، وكان قد سافر الكثير، وسمع وصنَّف كتبًا واسعة، … وكان ثقةً ثبتًا فاضلًا فهمًا".
وقال السَّمْعَانِيُّ في "الأنساب" (١/ ٣٤٨): "إمامُ عصره صنَّف تصانيف لم يسبق إلى مثلها، رحل فيما بين الشَّاش إلى الإسكندرية، وتلمذ في الفقه لأبي بكر بن خزيمة بنيسابور … ".
وقال ابن ماكولا في "الإكمال" (١/ ٤٣١): "حافظٌ جليلٌ كثير التصانيف".
وقال مرة فيه (٢/ ٣١٦): "ولي القضاء بسمرقند، سافر كثيرًا، وسمع وصنَّف كتبًا كثيرة … وكان من الحفاظ الأثبات".
وقال ياقوت في "معجم البلدان" (بُست): "الإمامُ العلَّامةُ، الفاضلُ المتقنُ، كان مكثرًا من الحديث، والرحلة والشيوخ، عالمًا بالمتون والأسانيد، أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، ومن
стр. 130
تأمل تصانيفه تأمل منصف، علم أنَّ الرجل كان بحرًا في العلوم، سافر ما بين الشَّاش والإسكندرية، وأدرك الأئمة والعلماء والأسانيد العالية، وأخذ فقه الحديث والغوص على معانيه عن إمام الأئمة أبي بكر بن خُزيمة، ولا زمه وتلمذ له، وصارت تصانيفه عدة لأصحاب الحديث، غير أنها عزيزة الوجود".
وقال ابن الصلاح كما في "طبقات الشافعية" (٢/ ١١٥، ١١٦): "كان أبو حاتم ﵀ واسع العلم، جامعًا بين فنون منه، كثير التصنيف، إمامًا من أئمة الحديث، كثير التصرف فيه والافتنان، يسلك مسلك شيخه ابن خزيمة في استنباط الحديث ونكته … ".
وقال الذَّهبيُّ في "سير الأعلام" (١٦/ ٩٢): "الإمامُ العلَّامةُ الحافظُ المجوِّدُ، شيخ خُراسان … ".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (أحداث ٣٥٤): "أحد الحفاظ الكبار المصنِّفين المجتهدين، رحل إلى البلدان وسمع الكثير من المشايخ، ثمَّ ولي قضاء بلده ومات بها في هذه السنة وقد حاول بعضهم الكلام فيه من جهة معتقده ونسبه إلى القول بأنّ النبوة مكتسبة، وهي نزعة فلسفية والله أعلم بصحة عزوها إليه ونقلها عنه، وقد ذكرته في طبقات الشَّافعية".
стр. 131
(منهجه في الجرح والتعديل)
قمتُ بدراسة خاصة لمنهج ابن حِبَّان في التوثيق، مزوَّدة بأراء وتعليقات بعض المشايخ والباحثين، فلتُنْظَر آخر الصفحة بعنوان: (إيقاظ).
(وفاته)
وبعد حياة جهاد متواصل، قضى جلها في الأسفار، وملأ ساعاتها بالطلب والسماع والإملاء والإستملاء، وعمر أيامها بالتأليف، والتصنيف، وتعرض فيها لمحن وأحداث، شاء الله له أن يرجع إلى مسقط رأسه بُست، ليمضي فيها بقية عمره، ويوافيه أجله، وهو بين أهله، وأصحابه، وطلابه، وذلك ليلة الجمعة الثماني ليال بقين من شوال سنة ٣٥٤ هـ، فيدفن بعد صلاة الجمعة في الصُّفَة التي ابتناها قرب داره.
قال ياقوت: "وقبره بيست معروف يزار إلى الآن".
* (إيقاظ):
كَثُر الكلام، وطال النقاش حول توثيق ابن حِبَّان.
فمن قائلٍ: إنَّ ابن حِبَّان قد اشتهر بتوثيق المجاهيل، وقالوا: نحن
стр. 132
لم ندَّع عليه ذلك، بل هو الذي أفصح عن شرطه في العدالة، فقال: "العدل من لم يُعرف منه الجرح، إذ الجرح ضد التعديل … إلخ".
ومن أجل ذلك: اندرج ابن حِبَّان ﵀ ضمن طبقة المتساهلين من المتكلمين في الجرح والتعديل.
ومعنى ذلك: أنه يُتأنى في قبول توثيقه إذا انفرد، ويَرِدُ على ذلك سؤال وهو: هل من كان هذا حاله - أي انفرد ابن حِبَّان بتوثيقه - هل يُرَّد توثيقه قولًا واحدًا؟ أم هناك تفصيل؟
ومن قائل: إنَّ ابن حِبَّان ﵀ من المتشددين والمتعنتين في الجرح، حتى قال فيه الإمام الذَّهبِيُّ ﵀ عبارات شديدة في أكثر من موضع، فمن كان هذا حاله، لا يمكن أن يُوصف بالتساهل.
ومن قائل: إنَّ ابن حِبَّان ﵀ متشدد في الجرح، وله منهجٌ خاصٌّ به في التعديل، ولا يصح أن نُطلق عليه وصف التساهل، ولكن غاية الأمر أن نقول: هذا منهجٌ له، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ولذا استعنت الله أن أحرز منهج ابن حِبَّان ﵀ في التوثيق، بما توصل إليه بحثي، وزودته بأراء بعض العلماء والباحثين، وعزوت كل قولٍ إلى قائله، وأسميته "بذل الإحسان في تحرير توثيق ابن حِبَّان":
لم يَدَع ابن حِبَّان ﵀ من جاء بعده تائهًا حيران في استنباط شرطه
стр. 133
في الرواة الذين يُحتج بحديثهم، بل أفصح عن شرطه في الرواة في أوسع كتبه، وهي: "الصحيح، والثقات، والمجروحين".
فسنعرض ما قاله ﵀، ثمَّ نبدأ بمناقشة وتحرير ما نصَّ عليه - بعون الله تعالى -:
قال ﵀ في مقدمة "صحيحه" (١/ ١٥١ - ١٥٢): "وأما شرطنا في نقله ما أودعنا كتابنا هذا من السن، فإنا لم نحتجَّ فيه إِلَّا بحديث اجتمع في كل شيخٍ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدِّين بالستر الجميل.
الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
الثالث: العقلُ بما يُحَدِّث من الحديث.
الرابع: العلم بما يُحيل من معاني ما يروي.
الخامس: المُتَعرِّي خبره عن التدليس، فكل من اجتمع فيه هذه الخِصال الخمس؛ احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرى عن خَصْلةٍ من هذه الخِصال الخمس لم نحتج به.
قال: والعدالة في الإنسان: "هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله، لأنا متى ما لم نجعل العدل إِلَّا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أدَّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدلٌ، إذ الناس لا تخلوا أحوالهم من ورود
стр. 134
خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة لله، والذي يُخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله.
قال: وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأنَّ هذا شيء ليس يعرفه إِلَّا مَنْ صناعته الحديث، وليس كل معدِّل يعرف صناعة الحديث حتى يُعدِّل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا.
قال: والعقل بما يُحدِّث: هو أن يعقل من اللغة بمقدار ما لا يُزيل معاني الأخبار عن سَننها، ويعقل من صناعة الحديث، ما لا يُسند موقوفًا، أو يرفع مرسلًا، أو يُصَحِّف اسمًا.
قال: والعلم بما يحيل من معاني ما يروي: هو أن يعلم من الفقه بمقدار ما إذا أدَّي خبرًا أورده من حفظه، أو اختصره، لم يُحِلْه عن معناه الذي أطلقه رسول الله ﷺ إلى معنى آخر.
قال: والمتعري خبره عن التدليس: هو أنَّ كون الخبر عن مثل من وصفنا نَعْته بهذه الخصال الخمس، فيرويه عن مثله سماعًا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ".
وقال ﵀ في مقدمة كتابه "الثقات" (١/ ١١ - ١٣): "ولا أذكر في هذا الكتاب الأول - يعني "الثقات" - إِلَّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم … فكل من أذكره في هذا الكتاب الأول - أي
стр. 135
"الثقات" - فهو صدوقٌ، يجوز الاحتجاج بخبره، إذا تعرى عن خصالٍ خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا؛ فإنَّ ذلك الخبر لا ينفك عن إحدى خمس خصال:
* إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يُحتج بخبره.
* أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته.
* أو الخبر: يكون مرسلًا، لا يلزمنا به الحجة.
* أو يكون منقطعًا، لا يقوم بمثله الحجة.
* أو يكون في الإسناد رجل مدلس، لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإنَّ المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يُدْري: لعلَّه سمعه من إنسان ضعيف، يبطل الخبر بذكره إذا وُقِفَ عليه، وعُرف الخبر به، فما لم يقُل المدلس في خبره - وإن كان ثقة -: "سمعت، أو حدثني"؛ فلا يجوز الاحتجاج بخبره …
وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا، ووثقه بعضهم، فمن صحَّ عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتُها في كتاب "الفصل بين النقلة"؛ أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صحَّ عندي منهم أنه ضعيف
стр. 136
بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب "الفصل بين النقلة"، لم أذكره في هذا الكتاب، لكني أدخلته في كتاب "الضعفاء بالعلل"؛ لأنَّه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
فكل ما ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها؛ فهو عدلٌ يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأنَّ العدل من لم يُعرف منه الجرح، إذ الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح، فهو عدل، إذ لم يبين ضده، إذ لم يُكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم. . .". اهـ.
وقال ﵀ في مقدمة كتابه "المجروحين" (١/ ٨): "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم، هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يُحدِّث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، المتعري عن التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسن وصفتها، حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ﷺ سماعًا متصلًا" اهـ.
стр. 137
* نشرع - بعون الله تعالى - بمناقشة ما سبق من كلام ابن حِبَّان ﵀:
* أولًا: كتابه "الصحيح":
قال ﵀: "وأما شرطنا في نقله ما أودعنا كتابنا هذا من السنن، فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء. . .".
قوله: "في كل شيخ من رواته" يدخل فيه شيخه وشيخ شيخه، ومن بعده إلى أن ينتهي الإسناد.
فهؤلاء لا يحتج بحديثهم (٢٠) إلا إذا اجتمعت فيهم شروط خمسة هي:
* ١ - العدالة في الدين بالستر الجميل:
فسَّرها ﵀ بقوله: "أن يكون أكثر أحواله طاعة الله. . . وهو من
стр. 138
كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يُخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله".
قال الشيخ أبو الحسن السّليمانيُّ - حفظه الله - في كتابه "إتحاف النبيل" (٢/ ١١، ١٢) السؤال رقم (٢٠١):
تنبيه: "فسَّر ابن حِبَّان العدل بأنه من كان أكثر أحواله طاعة الله، وغير العدل بأنه من كان أكثر أحواله معصية الله كما سبق في "مقدمة الإحسان" (١/ ١٥٢)، وهذا تعريفٌ غير دقيق؛ لأننا لو اشترطنا الأكثرية في الأمرين:
لزمنا أنَّ من قام بأكثر من نصف الواجبات فهو عدل، وإن ضيع الباقي، وأن من ارتكب أكثر من نصف المحرمات، فهو غير عدل، والذي عليه الكثير من أهل العلم أن من جاهر بكبيرة واحدة، وتهاون بها، رُدَّت روايته، وإن تمسك بباقي الشرائع، فالعدل الذي يتمسك بالأوامر ويترك المحرمات، وإن غلبته نفسه تاب وأناب، وأصلح من أمره ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والله أعلم" اهـ.
(قلتُ): كلامٌ جيدٌ، ولكن. . .؟!
قد فسَّر ابن حِبَّان ﵀ ما يريده بالأكثرية بقوله: "من كان ظاهر أحواله طاعة الله".
والجمع بين قوله: "أكثر أحواله"، وقوله: "ظاهر أحواله": أنَّ
стр. 139
الإنسان قد يُظهِر طاعة الله - جل وعلا - من حضور الجماعات في المساجد، وشهود الجنائز، وإخراج الزكاة. . . إلخ.
ولا يُظهر خلاف ذلك من معصية الله تعالى، ومن مخالفة رسوله ﷺ .
فيستدل من لم يعرفه على عدالته بظاهر أحواله من فعله الطاعات، واجتنابه المحرمات فيما يظهر له، ولذا قيَّدَ بالأكثرية - أي الغالب - على أحواله فيما يظهر للمعدِّل؛ لأنه لا يمكن أن يقال: إنَّ العدل لا يعصي الله تعالى، إذ قد أثبتنا العصمة له، ولا قائل بهذا.
ولذا يقول ابن حِبَّان ﵀: "لأنَّا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أَدَّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل، إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها".
ولا يقصد ابن حِبَّان أنَّ من أتي بأكثر من نصف الواجبات، وترك الباقي؛ فهو عدل.
إذ جعل العدل من كان غالب أحواله طاعة الله تعالى، وهذا حقٌّ لا مرية فيه.
وأما قوله: "والذي يُخَالِف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله" أي من غلب على فعله معصية الله تعالى، فيستدل المعدِّل على ذلك بسقوط عدالته بما ظهر له، حتى وإن كان ذلك الراوي يأتي
стр. 140
بالفرائض والطاعات؛ لأنَّ فعل الكبيرة يُسقط عدالة الراوي (٢١).
ويؤيد ذلك ما قاله في "المجروحين" (٣/ ١٠٤) ترجمة (يزيد بن ربيعة الرّحبيّ الصنعانيّ): "الجرح والعدالة ضدان، فمتى كان الرجل مجروحًا لا يخرجه عن حدِّ الجرح إلى العدالة إلا ظهور أمارات العدالة عليه، فإذا كان أكثر أحواله أمارات العدالة صار من العدول كذلك، كذا إذا كان الرجل معروفًا بالعدالة يكون جائز الشهادة، فهو كذلك حتى يظهر منه أمارات الجرح، فإذا صار أكثر أحواله أسباب الجرح خرج عن حدِّ العدالة إلى الجرح، وصار في عداد من لا تجوز شهادته، وإن كان صدوقًا فيما يقول، وتبطل أخباره الصحاح التي لم يختلط فيها. . ." اهـ.
يقول الشيخ أبو الحسن - حفظه الله -: "والذي عليه الكثير من أهل العلم أنَّ من جاهر بكبيرة واحدة، وتهاون بها، رُدَّت روايته، وإن تمسك بباقي الشرائع".
стр. 141
(قلتُ): هذا حقٌّ، ولكن لابد أن يقيدَ بقيدٍ وهو أنَّ الرَّاوي إذا كان متأولًا لا تسقط بذلك عدالته.
فمن شرب النبيذ مثلًا على مذهب أهل الكوفة كسفيان الثوريّ، ووكيع، وابن علية"، وغيرهم من أهل الكوفة لا تسقط بذلك عدالتهم، وإن كان شربُ هذا النبيذ المسكر حرامًا.
ولذا يقول وكيع ابن الجراح لعلي بن خشرم: "إذا رأيت البصريَّ يشرب فاتهمه، وإذا رأيت الكوفي يشرب فلا تتهمه. قلت: وكيف؟ قال: إنَّ الكوفي يشربه تدينًا، والبصري يتركه تدينًا" [تاريخ بغداد (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦) (ج ٣٢٧٧)] (٢٢).
* الشرط الثاني من الشروط الخمسة:
٢ - الصدق في الحديث بالشهرة فيه:
والمتأمل لكلام ابن حِبَّان ﵀ يرى أنه لم يكتف بصدق الراوي في حديثه، بل لابد أن يكون من المشهورين فيه، وهل معنى ذلك أنَّ الراوي إذا تبيَّن صدقه فيما يرويه، ولم يكن مشهورًا بالطلب أن يُرَدَّ
стр. 142
حديثه؟ (٢٣)، لا. لم يقصد ذلك ابن حِبَّان ﵀.
وإنما أراد أن يقول: إنَّ الراوي الذي لم يشتهر بطلب الحديث قد لا يعرفه النقَّاد المعتبرون، وبالتالي قد يُعدِّله من ليست صناعته الحديث (٢٤).
وقد بيَّن ذلك ﵀ بقوله: "وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به، وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث، وليس كل معدلِّ يعرف صناعة الحديث حتى يُعدِّل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا" (٢٥) اهـ.
فاتضح مراده بالشرط الثاني، وهو أن رواة الصحيح لا يُقبل تعديلهم إلا ممن صناعته الحديث (٢٦).
стр. 143
ولا بدَّ كذلك أن يجتمع فيهم العدالة - أي الصدق - في الرواية، والعدالة في الدين معًا.
وهذا نصٌّ منه ﵀ أن شيوخه في كتابه "الصحيح" قد عرف صدقهم في روايتهم، وعدالتهم في دينهم، ولذا صحح لهم، وبالتالي فهم ثقات عنده.
وقد فهم ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ فقال في ترجمة "أحمد بن علي بن الحسن المدائني" من "اللسان" (١١/ ٣٢٦): "قال ابن حبان في "صحيحه": أخبرنا أحمد بن الحسين بن أبي الصغير. . . فكأنه نسبه إلى جده ومقتضاه أنه عنده ثقة" اهـ.
فبيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ أن شيوخ ابن حِبَّان الذين روى عنهم في "صحيحه" ثقات عنده (٢٧).
وأشار إلى ذلك أيضًا في كتابه "تعجيل المنفعة" (١/ ٢٠٤) حيث قال ردًّا على الحسيني قوله في عاصم "ليس بالمشهور": "بل هو معروف ذكره البخاري، وقال: سمع عتبة بن عبد، وروى عنه أبو
стр. 144
سلَّام، حديثه في الشاميين، ولم يذكر فيه جرحًا، وتبعه ابن أبي حاتم، وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من طريق أبي سلَّام عنه أحاديث صرَّح فيها بالتحديث، ومقتضاه أنه عنده ثقة. . ." اهـ.
وليتنبه إلى أن ابن حِبَّان قد بيَّن مَنْ العدل الذي يحتج به في "صحيحه"، بأنه قد عرف صدق روايته، وعدالته في دينه كذلك وليس على قاعدته المعروفة الآتي ذكرها - إن شاء الله - التي ذكرها في مقدمة كتابه "الثقات": "من أنَّ العدلّ من لم يُعرف منه الجرح".
وقد سُبِقْتُ إلى هذا الفهم من ذهبي عصره الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ على ما يأتي، وكذلك من محدِّث عصره الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني ﵀.
فقال في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ٣٣٠) (ح ٢٨٠٤): عن شيخ ابن حِبَّان (محمد بن أحمد بن ثوبان الطَرَسُوسِيّ): "لم أقف له على ترجمة، وعلى كل حال، فهو من شيوخ ابن حبان، وهم في الغالب من الثقات الذين عرفهم شخصيًا، وليس على قاعدته المعروفة في توثيقه للمجهولين حتى عنده هو نفسه، فإن لم يكن من أولئك الثقات، فلا أقل من أن يصلح في الشواهد والمتابعات، والله أعلم" اهـ. فلينتبه إلى ذلك، والله الموفق (٢٨).
стр. 145
وأما عن شرطه ﵀ في كتابه "الثقات": "فقد نصَّ ﵀ على أن كل من يذكره فيه، فهو صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره، إذا تعرى خبره عن خصال خمس. . . فذكرها.
وهنا استنباط جيد لفضيلة الشيخ أبي الحسن السليماني - حفظه الله - قال: "من تأمَّل شروط ابن حبان فيمن يحتج بخبره - كما في كتابه "الثقات" (١/ ١١ - ١٣) - بدا له وكأن ابن حبان لا يرى أن الثقة قد يروي ما يُنكر عليه؛ لأنه ذكر: أننا إذا رأينا خبرًا منكرًا، فلا ينفك من إحدى خمس خصال. . . فذكرها، ولم يذكر احتمال خطأ الثقة الذي أدخله في كتابه، مع أن ابن حبان قد صرح في غير موضع أن الثقة قد يخطئ، وأنه لا يتوقف في كل حديث الثقة من أجل أخطائه التي لا ينفك عنها البشر.
كما في معقل بن عبيد الله الجزري، قال: وكان يخطئ، لم يفحش خطؤه، فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، ولو تُرك حديث من أخطأ، من غير أن يفحش ذلك منه؛ لوجب ترك حديث كل محدث في الدنيا؛ لأنهم كانوا يخطئون، ولم يكونوا بمعصومين، بل يُحتج بخبر من يخطئ عما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش، حتى غلب على صوابه؛ تُرِكَ حينئذٍ، ومتى ما عُلِمَ الخطأ