مُختَصَر شَرح تَسهيل العَقيدة الإسلاميَّة
وضع في أول هذا المختصر (متن تسهيل العقيدة)
تأليف
أ. د عَبد الله بن عَبد العَزيز الجِبرِين
عضو الإفتاء سابقًا
والأستاذ المتقاعد بجامعة الملك سعود بالرياض
الطَّبعَةُ الخامِسَة [*] (١٤٣٨ هـ)
مدَارُ الوَطنِ للنَّشر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة
إلا لمن أراد طبعه، وتوزيعه مجانًا، بدون حذف أو إضافة أو تغيير فله ذلك وجزاه الله خيرًا
الطَّبعَةُ الخامِسَة
(١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م)
مدار الوطن للنشر
المملكة العربية السعودية - الرياض
ص. ب ٢٤٥٧٦٠ الرمز البريدي ١١٣١٢
المقر الرئيسي - الروضة - ت: ١١٢٣١٣٠١٨
ت: ١١٤٧٩٢٠٤٢ (٣ خطوط) - ف: ١١٢٣٢٢٠٩٦
فرع مخرج ١٥ ت: ١١٤٤٥٤١٢٤ جوال: ٠٥٠٣٢٨٢٣١٨
K.S.A / Riyadh ١١٣١٢ P.O.Box: ٢٤٥٧٦٠
Rawdah / Tel.: ١١٢٣١٣٠١٨ Fax: ١١٢٣٢٢٠٩٦
Exit ١٥ - Tel.١١٤٤٥٤١٢٤ Mop. ٠٥٠٣٢٨٢٣١٨
مندوبي التوزيع
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦ الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية الشمالية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
التوزيع الخيرى الجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
مسؤل الجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
الموقع الإلكترونى www.madaralwatan.com.sa
البريد الإلكترونى pop@madaralwatan.com.sa
madaralwatan@hotmail.com
madaralwatan2020@gmail.com
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المُقَدِّمَة
الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وإمامنا وسيدنا وقدوتنا محمد بن عبد الله عبدُ الله ورسولُه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فمن نعمة الله عليَّ أن وفقني لتأليف كتاب في العقيدة أسميته "شرح تسهيل العقيدة الإسلامية"، وكنت قد توسعت في حواشي هذا الكتاب في تخريج الأحاديث والآثار التي أوردتها في متنه، كما توسعت في الحواشي في تفصيل بعض المسائل، وفي ذكر مراجعها، وفي نقل أقوال توثيقية لما ذكرته في المتن من أقوال العلماء من المذاهب الأربعة كافة ومن أقوال علماء السلف والأئمة المجتهدين، ليرجع إليها من أراد التوسع في هذه المسائل.
وقد رأيت أن أقوم بطبع هذا الكتاب طبعة خاصة بالطلاب وغير المتخصصين، فقمت باختصاره، وذلك بحذف أكثر الحواشي، وباختصار المتن في مواضع يسيرة، وقد أسميت هذا المختصر: بـ "مختصر شرح تسهيل العقيدة الإسلامية".
стр. 4
وهذه هي الطبعة السادسة لهذا المختصر - ولله الحمد -، وقد أجريت عليها بعض الإضافات والتنقيحات اليسيرة.
أسأل الله أن ينفع به كاتبه وأن ينفع به كثيرًا من عباده.
وأحمد الله تعالى كما ينبغي لصفاته، وأشكره كما ينبغي لنعمه عليَّ وعلى جميع خلقه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا. حرر في يوم الإثنين ٤/ ٨/ ١٤٣٨ هـ.
قاله وكتبه الفقير إلى عفو ربه وكرمه
عبد الله بن عبد العزيز الجبرين
стр. 5
مُختَصَر شَرح تَسهيل العَقيدة الإسلاميَّة
تأليف
أ. د عَبد الله بن عَبد العَزيز الجِبرِين
عضو الإفتاء سابقًا
والأستاذ المتقاعد بجامعة الملك سعود بالرياض
الطبعة الخامسة ١٤٣٨ هـ
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التمهيد
ويشتمل على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها .
ونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها.
١ - فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام.
وفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الدين.
وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم (السُّنَّة)، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة - وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - مستمدة من سنة النبي ﷺ ، التي هي مبينة للقرآن.
وقد ألَّف بعض السلف كتبًا في العقيدة أسموها (السنة)، ومنها كتاب (السنة) للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب (السنة) لابن أبي عاصم، وغيرهما.
كما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (أصول الدين)، وذلك أن ملة
стр. 7
النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى (فرعية)، أو (فروع)، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
هذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (الفقه الأكبر)، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى (الفقه الأصغر) - فروعه، كما سبق.
وقد ألّف الإمام أبو حنيفة رسالة في العقيدة أسماها (الفقه الأكبر).
٢ - أهل السنة والجماعة:
هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
وهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة الخالية من شوائب البدع والخرافات وهي العقيدة التي كان عليها رسول الله ﷺ واتفق عليها أصحابه ﵃.
وقد سُمُّوا (أهل السنة) لعملهم بمقتضى سنة النبي ﷺ المبينة للقرآن، عملًا بقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ"، فهم يعلمون أن هدي
стр. 8
النبي ﷺ خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه.
وسُمُّوا (الجماعة) لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي ﷺ وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب.
وأيضًا فقد سمى النبي ﷺ الفرقة الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة - سماهم (الجماعة)، فقد ثبت عن معاوية بن أبى سفيان ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ (١) بصاحبه .. ".
وهذه التسمية (أهل السنة والجماعة) وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول ﷺ عن الفرق الأخرى التي تسير على غير طريقة النبي ﷺ ، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله ﷺ ، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجود أن بعض العقول البشرية لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين
стр. 9
قلَّدوا الجهميَّة في بعض آرائهم.
ومن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهم وأئمتهم المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله خير البشر محمد ﷺ .
كما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المخالفة لطريقة النبي ﷺ التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وغيرهم.
ومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية المخالفة للهدي النبوي، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرئهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم.
فعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ ، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى (السنة).
وقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم (أصحاب الحديث) أو (أهل الحديث)، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي ﷺ رواية ودراية، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام.
стр. 10
و (الحديث) و (السنة) لفظان معناهما متقارب.
وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة (١) إلى قيام الساعة، الذين ذكرهم النبي ﷺ بقوله: "لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" رواه البخاري ومسلم، وغيرهما.
وهم الفرقة الناجية المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريبًا، وغيره.
٣ - السلف:
السلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون.
وفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من آهل القرون الثلاثة المفضلة.
٤ - الخَلَف:
الخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى.
وفي الاصطلاح: من خالف طريقة النبي ﷺ وأصحابه في باب العقائد كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل البشري على النصوص الشرعية: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم.
стр. 11
المسألة الثانية: خصائص العقيدة الإسلامية .
الخصائص: جمع خصيصة.
والخصيصة: هي الصفة الحسنة التي يتميّز بها الشيء ولا يشاركه فيها غيره.
وخصائص العقيدة الإسلامية كثيرة، نكتفي بذكر اثنتين منها:
١ - أنها عقيدة غيبية:
الغيب: ما غاب عن الحس، فلا يدرك بشيء من الحواس الخمس: السمع والبصر واللمس والشم والذوق.
وعليه فإن جميع أمور العقيدة الإسلامية ومسائلها التي يجب على العبد أن يؤمن بها ويعتقدها من الغيب، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وعذاب القبر ونعيمه، وغير ذلك من أمور الغيب التي يُعتَمَد في الإيمان بها على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقد أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب، فقال في صدر سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية.
٢ - أنها عقيدة توقيفية:
فعقيدة الإسلام موقوفة على كتاب الله، وما صح من سنة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ ، فليست محلًا للاجتهاد، لأن مصادرها توقيفية.
وذلك أن العقيدة الصحيحة لابد فيها من اليقين الجازم، فلابد أن تكون
стр. 12
مصادرها مجزومًا بصحتها، وهذا لا يوجد إلا في كتاب الله وما صح من سنة رسوله ﷺ .
وعليه فإن جميع المصادر الظنية، كالقياس والعقل البشري لا يصح أن تكون مصادر للعقيدة، فمن جعل شيئًا منها مصدرًا للعقيدة فقد جانب الصواب، وجعل العقيدة محلًا للاجتهاد البشري الذي يخطئ ويصيب.
ولذلك أخطأ أهل الكلام كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، حينما جعلوا العقل مصدرًا من مصادر العقيدة، وقدموه على النصوص الشرعية، حتى أصبح القرآن والسنة عندهم تابعين للعقل البشري، وهذا فيه نوع استهانة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما أنهم بهذه الطريقة جعلوا عقيدة الإسلام خاضعة لآراء البشر واجتهاداتهم العقلية.
والحق أن العقل مؤيد للنصوص الشرعية، فالعقل الصريح يؤيد النص الصحيح، ولا يعارضه، وما توهمه المعطلة والمؤولة من التعارض بينهما فهو بسبب قصور عقول البشر، ولذلك فإن ما قد يراه أحدهم متعارضًا قد لا يراه الآخر كذلك، وهكذا.
وعليه فإن العقل يعتبر مؤيدًا للنصوص الشرعية في باب العقائد وغيرها، وليس مصدرًا مستقلًا للعقيدة، فلا يجوز أن يستقل بالنظر في أمور الغيب، ولا فيما لا يحيط به علمًا، والبشر لا يحيطون علمًا بالله ولا بصفاته، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
стр. 13
المسألة الثالثة: وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:
عقيدة أهل السنة والجماعة - والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة - وسط بين عقائد فرق الضلال المنتسبة إلى دين الإسلام، فهي في كل باب من أبواب العقيدة وسط بين فريقين آراؤهما متضادة، أحدهما غلا في هذا الباب والآخر قصر فيه، أحدهما أفرط والثاني فرط، فهي حق بين باطلين: فأهل السنة وسط - أي عدول خيار - بين طرفين منحرفين، في جميع أمورهم.
وسأذكر أربعة أصول عقدية كان أهل السنة والجماعة وسطًا فيها بين فرق الأمة:
الأصل الأول: باب أسماء الله وصفاته:
توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين المعطلة، وبين الممثلة.
فالمعطلة منهم من ينكر الأسماء والصفات، كالجهمية.
ومنهم من ينكر الصفات كالمعتزلة.
ومنهم من ينكر أكثر الصفات، ويؤولها كالأشاعرة، اعتمادًا منهم على العقول البشرية القاصرة، وتقديمًا لها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والممثلة يضربون لله الأمثال، ويدعون أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين، كقول بعضهم "يد الله كيدي" و"سمع الله كسمعي" تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
стр. 14
فهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط في هذا الباب، والذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فآمنوا بجميع أسماء الله وصفاته الثابتة في النصوص الشرعية، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به أعرف الخلق به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ من غير تعطيل ولا تأويل ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأنها صفات حقيقية، تليق بجلال الله تعالى، ولا تماثل صفات المخلوقين، عملًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الأصل الثاني: باب القضاء والقدر:
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين القدرية والجبرية.
فالقدرية نفوا القدر، فقالوا: إن أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله تعالى على زعمهم لم يخلق أفعال العباد ولا شاءها منهم، بل العباد مستقلون بأفعالهم، فالعبد على زعمهم هو الخالق لفعله، وهو المريد له إرادة مستقلة، فأثبتوا خالقًا مع الله سبحانه، وهذا إشراك في الربوبية، ففيهم شبه من المجوس الذين قالوا بأن للكون خالقين، فهم (مجوس هذه الأمة).
والجبرية غلوا في إثبات القدر، فقالوا: إن العبد مجبور على فعله، فهو كالريشة في الهواء لا فعل له ولا قدرة ولا مشيئة.
فهدى اللهُ أهلَ السنة والجماعة للقول الحق والوسط في هذا الباب، فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تُنسب إليهم على جهة الحقيقة، وأن فعل العبد واقع بتقدير الله ومشيئته وخلقه، فالله تعالى خالق العباد وخالق
стр. 15
أفعالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. كما أن للعباد مشيئة تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩].
ومع ذلك فقد أمر الله العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين، ولا يرضى عن الفاسقين، وقد أقام الله الحجة على العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فمن أطاع، أطاع عن بينة واختيار، فيستحق الثواب الحسن، ومن عصى، عصى عن بينة واختيار، فيستحق العقاب ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
فأهل السنة يؤمنون بمراتب القضاء والقدر الأربع الثابتة في الكتاب والسنة، وهي:
١ - علم الله المحيط بكل شيء، وأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون، وبما سيعمله الخلق قبل أن يخلقهم.
٢ - كتابة الله تعالى لكل ما هو كائن في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
٣ - مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل ما يقع في هذا الوجود قد أراده الله قبل وقوعه.
٤ - إن الله خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه.
وقد نظم بعضهم هذه المراتب بقوله:
стр. 16
علم كتابة مولانا مشيئته ... كذاك خلقٌ وإيجادٌ وتكوين
ومن أهم مسائل القضاء والقدر التي يجب على المسلم أن يؤمن بها: أن يؤمن بأن جميع ما قدره الله تعالى حكمة وعدل، وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا"، قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها"، فهو تعالى يقدر الخير والشر لحكم عظيمة يعلمها، والشر بالنسبة إلى تقديره تعالى حكمة وعدل، فالشر المحض ليس إليه تعالى (١).
ويدخل في ذلك المعاصي والطاعات، فإن الله تعالى بفضله يوفق المطيع لفعل الطاعة، وبعدله يكل من يشاء من خلقه إلى نفسه، فيقع في المعصية، فيعاقبه
стр. 17
تعالى على ذلك بأن يقع في معصية أخرى، وهكذا (١).
فالمؤمن يرضى بقضاء الله وقدره لأنه يؤمن أنه عدل وحكمه - كما سبق بيانه - ويعلم أنما أصابه من مصائب وأمراض وغيرها مما يكره أنه بسبب ما اكتسبه من ذنوب، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]، وإذا رضي بقضاء الله وقدره فإنه بإذن الله سيجد السعادة ولذة الإيمان، وقد روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا".
هذا وللإيمان بالقضاء والقدر ثمرات وفوائد، أهمها:
أولًا: تكميل الإيمان بالله تعالى، فالقدر قدر الله، فالإيمان به من تمام الإيمان بالله تعالى.
стр. 18
ثانيًا: استكمال أركان الإيمان؛ لأن النبي ﷺ ذكره ضمن أركان الإيمان في حديث جبريل المشهور.
ثالثًا: إن الإنسان يعيش حياة سعيدة، فلا يتكدر عيشه ولا يأكل نفسه بالحسرات إذا أصابه مكروه، ولا يحزن إذا فاته أمر يحبه، لأنه إذا علم أنه من الله رضي واطمأن وعرف أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
وروى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له".
وثبت عن أبى حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس منى".
رابعًا: إن المؤمن الذي يجعل الإيمان بالقضاء والقدر أمام عينيه ويتذكره عند كل عمل يريد أن يقوم به، يحمله ذلك على أن يقتصر عند فعله للأسباب للحصول
стр. 19
على ما يريده من جلب مرغوب أو للتخلص من مكروه على الأسباب التي أباحها الله تعالى، فمثلًا عندما يريد الحصول على مال يسلك طرق الكسب المباحة ويجتنب طرق الكسب المحرمة، لأنه يعلم أن ما كتب الله له من المال قبل أن يولد سيأتيه لا محالة وأن ما لم يكتب له من المال لن يأتيه ولو بذل كل الأسباب المحرمة للحصول عليه، وكذلك عندما يريد الإنسان العلاج من مرض أو الحصول على وظيفة فإنه يسلك الطرق المباحة، ويجتنب الطرق والوسائل المحرمة، لأنه يعلم أنه لن يحصل له شيء من شفاء أو وظيفة أو غيرهما إلا ما كتب الله له.
وقد ثبت عن عبد الله بن عباس أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يوما، فقال له رسول الله ﷺ : "يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف".
وثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا، فإنما له ما قدر له، ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه فيقطع ظهره".
خامسًا: إن المسلم لا يعجب بنفسه عند حصول مراده، فلا يقول: حصل هذا الشيء بسبب مهارتي وذكائي، لأنه يعلم أن حصوله نعمة وتفضل من الله تعالى، وأن الله سبحانه قد قدر وشاء أن يحصل له هذا الشيء في هذا الوقت وكتبه تعالى له وهو في بطن أمه، وقدر له تعالى أسبابًا لحصوله.
стр. 20
سادسًا: إن المسلم لا يخاف من قطع رزقه ولا من الموت عند قيامه بما أوجبه الله تعالى عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن الجهاد بالنفس؛ لأنه يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله أن يصيبه، وأن ما لم يقدره تعالى عليه فلن يصيبه ولو اجتمع الخلق كلهم لإيقاع ذلك عليه، وقد نسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه كان يقول عند القتال:
من أي يومَيّ من الموت أفر ... أيومَ لم يقدر أم يوم قُدر
يوم لا قدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذر
الأصل الثالث: باب الوعد والوعيد:
توسط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.
فالوعيدية يغلبون نصوص الوعيد على نصوص الوعد، ومنهم الخوارج الذين يرون أن فاعل الكبيرة من المسلمين كالزاني وشارب الخمر كافر مخلد في النار.
ومن عقائد الخوارج كذلك: أنهم يرون أن من وقع من ولاة الأمر في معصية من كبائر الذنوب وجب الخروج عليه، ولهذا خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وقتلوه ﵁ (١)، وخرجوا على الدولتين
стр. 21
الأموية والعباسية، وحصل بسب خروجهم حروب قتل فيها من قتل من المسلمين، وأشغلوا بها الخلافتين الأموية والعباسية عن حرب الكفار وعن فتح بلادهم.
ومن فرق الخوارج من يرى أن الإمام إذا وقع في كبيرة يكفر، وأن أفراد رعيته إذا لم ينكروا عليه ولم يخرجوا عليه يكفرون كذلك، ولذلك كفّروا عامة المسلمين في كثير من العصور، وقتلوا منهم من استطاعوا قتله، حتى أنهم قتلوا النساء والأطفال.
والمُرجئة غلَّبوا نصوص الرجاء على نصوص الوعيد، فقالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي، وأن الأعمال ليست من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالعاصي كالزاني وشارب الخمر لا يستحق دخول النار (١)، وإيمانه
стр. 22
كإيمان أبي بكر وعمر ﵄.
أما أهل السنة والجماعة فيرون أن المسلم إذا ارتكب معصية من الكبائر لا يخرج من الإسلام، بل هو مسلم ناقص الإيمان، ما دام لم يرتكب شيئًا من المكفرات، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه حتى يطهره من ذنوبه ثم يدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كفر بالله تعالى أو أشرك به.
فالإيمان عند أهل السنة: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
стр. 23
كما أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه يجب على المسلمين السمع والطاعة في المعروف لمن تولَّى أمرهم من المسلمين، سواء تولى الحكم عن طريق الشورى، أو عن طريق القوة والغلبة، أو عن طريق تولية الحاكم الذي قبله له، أو استخلافه له.
ويعتقدون أنه يحرم الخروج عليه سواء كان تقيًا أو عاصيًا، وأنه لا يجوز الخروج عليه حتى يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، قال النووي: "أما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق".
ومن الأدلة على تحريم الخروج على الأئمة الذين لم يحكم العلماء الراسخون في العلم بكفرهم:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك".
وما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان".
وما رواه مسلم عن نافع، قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع (١)
стр. 24
حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة. فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية".
وما رواه مسلم عن عوف بن مالك ﵁ مرفوعًا: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" قالوا: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة".
وما رواه مسلم عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع"، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلّوا" - أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه -.
стр. 25
الأصل الرابع: باب أصحاب النبي ﷺ :
توسَّط أهل السنة والجماعة في هذا الباب بين الشيعة وبين الخوارج.
فالشيعة - ومنهم الرافضة - غلوا في حق آل البيت كعلي بن أبي طالب وأولاده ﵃ فادعوا أن عليًا ﵁ معصوم، وأنه يعلم الغيب، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر، ومن غلاتهم من يدعي ألوهيته.
والخوارج جفوا في حق علي ﵁ فكفروه، وكفروا معاوية بن أبي سفيان ﵄ وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم.
كما أن الروافض جفوا في حق أكثر الصحابة، فَسَبُّوهم، وقالوا: إنهم كفار، وأنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ ، حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت ونفرًا قليلًا، قالوا: إنهم من أولياء آل البيت، كما أنهم يشتمون آمهات المؤمنين، وأفاضل الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر علانية، لكنهم قد يترضون عنهم ويظهرون موالاتهم لهم تقربًا إلى أهل السنة ومخادعة لهم، لأن من عقائدهم عقيدة التقيّة، فيظهرون لأهل السنة خلاف ما يبطنون (١).
أما أهل السنة والجماعة فيحبون جميع أصحاب النبي ﷺ ،
стр. 26
ويترضون عنهم، ويرون أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وأن الله اختارهم لصحبة نبيِّه، ويمسكون عما حصل بينهم من التنازع، ويرون أنهم مجتهدون مأجورون، للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده، ويرون أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين -، ويحبون آل بيت النبي ﷺ (١)، ويرون أن لهم حقين: حق الإسلام، وحق القرابة من رسول الله ﷺ ، فيوالونهم، ويترضون عنهم.
стр. 27
الباب الأول مراتب الدين الإسلامي
دين الله تعالى - الذي بعث به نبيه محمدًا ﷺ ، وأنزل به هذا القرآن العظيم، ولا يقبل من أحد بعد بعثة هذا النبي الكريم سواه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكما قال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة (١)، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم - يتكون من ثلاث مراتب، وهي:
١ - الإسلام.
٢ - الإيمان.
٣ - الإحسان.
وهذه المراتب تشمل دين الله تعالى كله، بل إن كل واحدة من هذه المراتب عند الإطلاق - أي عند ذكر كل واحدة منها على حدة - تشمل دين الله تعالى كله، أما عند ذكر هذه المراتب مجموعة أو ذكر إحداهما مقرونة بذكر الأخرى، كأن يذكر الإسلام والإيمان معًا، أو يذكر الإيمان والإحسان معًا، فإن كل واحدة
стр. 28
منها تطلق حينئذ على شيء معين من مراتب الدين، وأفضلها حينئذ: الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام.
وسأتناول كل مرتبة من هذه المراتب في فصل مستقل فيما يلي - إن شاء الله تعالى -.
стр. 29
الفصل الأول الإسلام
لإطلاق لفظ الإسلام في الشرع حالتان:
الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه، من اعتقادات وأقوال وأفعال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وكما قال جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وكما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فدلت هذه النصوص على أن الإسلام عند ذكره مفردًا يشمل الدين كله.
الحالة الثانية: أن يذكر الإسلام مقرونًا بذكر الإيمان، فيراد به حينئذ: جميع الأعمال والأقوال الظاهرة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وكما في حديث عمر المشهور عند مسلم، حين سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام؟ فذكر الشهادتين، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وكلها من أعمال الجوارح، ثم لما سأله عن الإيمان، ذكر الأمور الاعتقادية، ثم لما سأله عن الإحسان ذكر تحسين الظاهر والباطن، وكما في حديث سعد بن أبي وقاص، لما قال للنبي ﷺ : يا رسول الله مالك لا تعطي فلانًا؟ ، فو الله إني لأراه مؤمنًا، فقال ﷺ : "أو مسلمًا" متفق عليه، أي أنك لم تطلع
стр. 30
على إيمانه، وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة.
وشرائع الإسلام كثيرة جدًّا، منها أركانه، ومنها: الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجميع ما يجب أو يستحب فعله من الأقوال، ومن أعمال الجوارح، ويدخل في ذلك ترك المحرمات من الأقوال والأفعال، إذا تركها العبد ابتغاء وجه الله تعالى.
وأركان الإسلام - وهي أسسه التي يبنى عليها، وتعد أساسا لبقية شرائعه - خمسة، كما جاء في سنة النبي ﷺ ، وهذه الأركان هي:
الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
الركن الثاني: إقام الصلاة.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة.
الركن الرابع: صيام رمضان.
الركن الخامس: حج بيت الله الحرام.
ومن الأدلة على أن هذه الأركان الخمسة أركان للإسلام: حديث جبريل السابق، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج".
стр. 31
الفصل الثاني الإيمان
للفظ الإيمان في الشرع إطلاقان:
الإطلاق الأول: أن يطلق على الإفراد، فيذكر غير مقترن بذكر الإسلام، فيراد به حينئذ: الدين كاملًا (الاعتقادات، والأقوال، والأعمال).
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم"، وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه.
فذكر الله تعالى في الآية السابقة اتصاف المؤمنين بالوجل عند ذكر الله تعالى - وهو الخوف -، وذكر فيها زيادة إيمانهم القلبي عند تلاوة القرآن عليهم، والإيمان القلبي هو التصديق، فهو يشمل الاعتقاد كله، وذكر فيها: اتصاف المؤمنين بالتوكل على الله تعالى، والخوف والتوكل من أعمال القلوب.
стр. 32
والحديثان ذكر فيهما كثيرٌ من الأقوال، وأعمال الجوارح.
فهذه النصوص تدل بمجموعها على أن الإيمان عند ذكره غير مقرون بذكر الإسلام يشمل الدين كله، فيشمل كل طاعة، سواء كانت من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، بل ويشمل ترك المحرم والمكروه إذا قصد به وجه الله تعالى، وتسمى هذه الأعمال "شعب الإيمان"، كما في حديث أبي هريرة السابق.
والإيمان بهذا الإطلاق "قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح"، فهو قول ونية وعمل، والعمل ركن في الإيمان لا يصح الإيمان إلا به، وهذا كله مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، فمن ترك العمل بجميع ما أوجبه الله تعالى، فقد خرج من الإيمان بالكلية، وأصبح من عداد الكافرين بالإجماع.
وعليه فإن من ذهب إلى أن العمل ليس بركن في الإيمان، وإنما هو من كماله الواجب أو المستحب قد أخطأ في ذلك خطئًا بينًا، وخالف ما دلت عليه النصوص الشرعية وما أجمع عليه أهل السنة والجماعة كما سبق، وقال بقول من أقوال "مرجئة الفقهاء" (١).
стр. 33
الإطلاق الثاني للإيمان: أن يطلق الإيمان مقرونًا بذكر الإسلام، فحينئذ يفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
стр. 34
بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]، فذكر الإيمان، ثم ذكر بعده الأعمال، وهي التي تدخل في الإسلام، وكحديث جبريل السابق.
وأركان الإيمان ستة، هي:
الركن الأول: الإيمان بالله تعالى .
ويشمل هذا الركن: الإيمان بوجوده تعالى، وأعتقاد وحدانيته في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. وسيأتي الكلام على هذا الركن بالتفصيل في الباب الثاني - إن شاء الله تعالى -.
الركن الثاني: الإيمان بملائكة الله تعالى .
والإيمان بالملائكة ﵈ يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بوجودهم، وأنهم أجسام نورانية - أي خلقهم الله من نور -، وأنهم عباد لله مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، خلقهم الله تعالى لعبادته وطاعته، وأنهم مشفقون من الله - أي يخافون عذابه -، كما قال تعالى ردًا على من زعم أن الملائكة بنات له تعالى. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].
الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورضوان، ومالك، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا، فنؤمن بأن لله ملائكة غير من سُمِّيَ لنا، منهم من ذكر عمله، ومنهم من لم يذكر لنا عمله.
стр. 35
ونؤمن أيضًا بأن عدد الملائكة كثير جدًّا، فقد روى البخاري ومسلم عن النبى ﷺ في قصة المعراج، أنه النبي ﷺ ذكر استفتاح جبريل ﵇ السماء السابعة، ثم قال: "ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" متفق عليه.
الأمر الثالث: الإيمان بما علمنا من صفات الملائكة، فقد أخبرنا جل وعلا أنه جعل لهم أجنحة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وثبت في السنة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صفته التي خلق عليها، رآه منهبطًا من السماء، سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. متفق عليه.
وثبت عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "رأيت جبريل عند سدرة المنتهى، وعليه ستمائة جناح، ينتثر من ريشه التهاويل: الدر والياقوت".
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما قال تعالى عن جبريل ﵇ لما أرسله تعالى إلى مريم ﵂: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وكما جاء الملائكة إلى إبراهيم ولوط ﵈ على صورة بشر، وكما جاء جبريل على صورة رجل شديد سواد الشعر إلى النبي ﷺ يسأله، ليعلم هذه الأمة أمر دينها.
الأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمال الملائكة ﵈:
الملائكة ﵈ ينفذون ويدبرون ما أمرهم ربهم جل وعلا بتنفيذه وتدبيره، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وهم أعظم جنود الله
стр. 36
تعالى، وهم رسل الله وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر.
ومن الأعمال الموكلة إلى بعض الملائكة ﵈:
١ - أوكل إلى جبريل ﵇: وحي الله تعالى، والذي به حياة القلوب، فالله تعالى يرسله به إلى الأنبياء والرسل، كما قال تعالى عن نزوله ﵇ بالقرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
٢ - أوكل إلى إسرافيل ﵇: النفخ في الصور لقيام الساعة، وبعث الخلق، فينفخ فيه مرتين، فينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، فيموتون لشدة هذا الصوت، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فترجع كل روح إلى بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ".
٣ - أوكل إلى بعض الملائكة: عمارة السماوات بالصلاة والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وكما في حديث حكيم بن حزام السابق.
٤ - أوكل إلى بعض الملائكة: حفظ أعمال العباد وتسجيلها، فقد وكَّل تعالى بكل شخص ملكين أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ
стр. 37
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
٥ - أوكل إلى بعض الملائكة: قبض الأرواح، فقد أوكل تعالى إلى ملك الموت قبض الأرواح، وله أعوان من ملائكة الرحمة ينزلون عند خروج روح المؤمن، فيستخرج ملك الموت روحه برفق، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من الجنة، ويكفنونها بكفن من الجنة، وله أعوان من ملائكة العذاب، ينزلون معه عند قبض روح العبد العاصي لله تعالى، فيستخرج ملك الموت روحه بشدة وقوة، ويتألم صاحبها ألمًا كبيرًا، ولكنه لا يستطيع الحراك ولا الكلام، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من النار، ويكفنونها بكفن من النار، وقد ذكر ذلك مجملًا في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل: ٢٨ - ٣٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وذكر ذلك مفصلًا في السنة، كما في حديث البراء وغيره.
٦ - أوكل إلى بعض الملائكة: خزانة الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
стр. 38
وأوكل إلى بعضهم: خزانة النار، ورئيسهم مالك ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ [غافر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى مخبرًا عن مخاطبة أهل النار لرئيس خزنتها ﵇: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
٧ - أوكل إلى بعض الملائكة: سؤال الميت في قبره، فقد ثبت في السنة أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان، فيسألانه عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن كان هذا الميت صالحًا أجاب جوابًا حسنًا، وإن كان من أهل السوء قال: "هاه، هاه، لا أدري"، فيعذب عند ذلك في قبره، كما ثبت ذلك في سنة النبي ﷺ .
وهناك أعمال أخرى كثيرة للملائكة ﵈ كحضور مجالس الذكر، وحفظ العبد، ونفخ الروح في الجنين، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقي هو أو سعيد، وتبليغ النبي ﷺ عن أمته السلام، وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره.
الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه ورسله .
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأنه تعالى أنزل إلى كل نبي ورسول كتابًا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى
стр. 39
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، والإيمان بأن هذه الكتب كلها كلام الله تعالى، تكلم بها الباري جل وعلا حقيقة، كما شاء، وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب، بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه إلى الرسول البشري، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من كتب الله تعالى التي أنزلها على رسله باسمه، كالقرآن الذي أنزل على رسولنا محمد ﷺ ، وكالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇، والزبور الذي أنزل على داود ﵇، وصحف إبراهيم ﵇، أما ما لم نعلم اسمه من كتب الله تعالى فنؤمن به على وجه الإجمال، فنؤمن أن الله تعالى أنزل إلى كل رسول كتابًا، كما سبق في الأمر الأول.
الأمر الثالث: يجب أن نصدق بأن كل ما ثبت أنه من كلام الله تعالى الذي أنزله في كتبه حق، وأن جميع ما هو موجود الآن من كتب الله تعالى السابقة للقرآن قد دخلها التحريف والتغيير، لأن الله تعالى يتكفل بحفظها من ذلك، وقد أخبرنا جل وعلا أن بعض من سبقنا غيروا كتبهم وحرفوها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] أما القرآن الكريم، فإن الله تعالى حفظه من أي تحريف أو تبديل، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
стр. 40
الأمر الرابع: يجب على كل أمة أن تعمل بالكتاب الذي أنزله الله إليها، ومن ذلك أنه يجب على أمة محمد ﷺ أن تعمل بهذا القرآن العظيم، كما أنه بعد نزول هذا القرآن العظيم نسخ جميع ما في الكتب السابقة، فيجب على أتباع الديانات السماوية السابقة بعد نزوله أن يعملوا بما فيه، كما قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨]، فلا يجوز لأحد من العالمين بعد نزول هذا القران الكريم أن يعمل بشيء من كتب الله تعالى سوى هذا القرآن العظيم، فمن عمل بشيء منها فعمله باطل وضلال، لأنه عمل بكتاب مبدل ومنسوخ.
الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان برسل الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا، يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ ، وأنهم بشر أرسلهم الله تعالى رحمة للعالمين، ولإقامة الحجة عليهم، وأنهم صادقون فيما بلغوا عن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ