← Акыда

Акыда · id 149

مختصر شرح تسهيل العقيدة الإسلامية - ط 6

عبد الله بن عبد العزيز الجبرين

Полный текст (203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تعالى، وهم رسل الله وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون بالأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر. ومن الأعمال الموكلة إلى بعض الملائكة ﵈: ١ - أوكل إلى جبريل ﵇: وحي الله تعالى، والذي به حياة القلوب، فالله تعالى يرسله به إلى الأنبياء والرسل، كما قال تعالى عن نزوله ﵇ بالقرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. ٢ - أوكل إلى إسرافيل ﵇: النفخ في الصور لقيام الساعة، وبعث الخلق، فينفخ فيه مرتين، فينفخ فيه النفخة الأولى، فيصعق الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، فيموتون لشدة هذا الصوت، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فترجع كل روح إلى بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ". ٣ - أوكل إلى بعض الملائكة: عمارة السماوات بالصلاة والتسبيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وكما في حديث حكيم بن حزام السابق. ٤ - أوكل إلى بعض الملائكة: حفظ أعمال العباد وتسجيلها، فقد وكَّل تعالى بكل شخص ملكين أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ

стр. 37

يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ٥ - أوكل إلى بعض الملائكة: قبض الأرواح، فقد أوكل تعالى إلى ملك الموت قبض الأرواح، وله أعوان من ملائكة الرحمة ينزلون عند خروج روح المؤمن، فيستخرج ملك الموت روحه برفق، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من الجنة، ويكفنونها بكفن من الجنة، وله أعوان من ملائكة العذاب، ينزلون معه عند قبض روح العبد العاصي لله تعالى، فيستخرج ملك الموت روحه بشدة وقوة، ويتألم صاحبها ألمًا كبيرًا، ولكنه لا يستطيع الحراك ولا الكلام، ثم يأخذها منه أعوانه هؤلاء، فيحنطونها بحنوط من النار، ويكفنونها بكفن من النار، وقد ذكر ذلك مجملًا في كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل: ٢٨ - ٣٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] وذكر ذلك مفصلًا في السنة، كما في حديث البراء وغيره. ٦ - أوكل إلى بعض الملائكة: خزانة الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].

стр. 38

وأوكل إلى بعضهم: خزانة النار، ورئيسهم مالك ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ [غافر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى مخبرًا عن مخاطبة أهل النار لرئيس خزنتها ﵇: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ٧ - أوكل إلى بعض الملائكة: سؤال الميت في قبره، فقد ثبت في السنة أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان، فيسألانه عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن كان هذا الميت صالحًا أجاب جوابًا حسنًا، وإن كان من أهل السوء قال: "هاه، هاه، لا أدري"، فيعذب عند ذلك في قبره، كما ثبت ذلك في سنة النبي ﷺ . وهناك أعمال أخرى كثيرة للملائكة ﵈ كحضور مجالس الذكر، وحفظ العبد، ونفخ الروح في الجنين، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقي هو أو سعيد، وتبليغ النبي ﷺ عن أمته السلام، وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره. الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه ورسله . والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الأمر الأول: الإيمان بأنه تعالى أنزل إلى كل نبي ورسول كتابًا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى

стр. 39

قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، والإيمان بأن هذه الكتب كلها كلام الله تعالى، تكلم بها الباري جل وعلا حقيقة، كما شاء، وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب، بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه إلى الرسول البشري، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من كتب الله تعالى التي أنزلها على رسله باسمه، كالقرآن الذي أنزل على رسولنا محمد ﷺ ، وكالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇، والزبور الذي أنزل على داود ﵇، وصحف إبراهيم ﵇، أما ما لم نعلم اسمه من كتب الله تعالى فنؤمن به على وجه الإجمال، فنؤمن أن الله تعالى أنزل إلى كل رسول كتابًا، كما سبق في الأمر الأول. الأمر الثالث: يجب أن نصدق بأن كل ما ثبت أنه من كلام الله تعالى الذي أنزله في كتبه حق، وأن جميع ما هو موجود الآن من كتب الله تعالى السابقة للقرآن قد دخلها التحريف والتغيير، لأن الله تعالى يتكفل بحفظها من ذلك، وقد أخبرنا جل وعلا أن بعض من سبقنا غيروا كتبهم وحرفوها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] أما القرآن الكريم، فإن الله تعالى حفظه من أي تحريف أو تبديل، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

стр. 40

الأمر الرابع: يجب على كل أمة أن تعمل بالكتاب الذي أنزله الله إليها، ومن ذلك أنه يجب على أمة محمد ﷺ أن تعمل بهذا القرآن العظيم، كما أنه بعد نزول هذا القرآن العظيم نسخ جميع ما في الكتب السابقة، فيجب على أتباع الديانات السماوية السابقة بعد نزوله أن يعملوا بما فيه، كما قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨]، فلا يجوز لأحد من العالمين بعد نزول هذا القران الكريم أن يعمل بشيء من كتب الله تعالى سوى هذا القرآن العظيم، فمن عمل بشيء منها فعمله باطل وضلال، لأنه عمل بكتاب مبدل ومنسوخ. الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان برسل الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن ثلاثة أمور: الأمر الأول: الإيمان بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا، يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ ، وأنهم بشر أرسلهم الله تعالى رحمة للعالمين، ولإقامة الحجة عليهم، وأنهم صادقون فيما بلغوا عن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ

стр. 41

اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]. الأمر الثاني: الإيمان بمن ذكرت لنا أسماؤهم من رسل الله وأنبيائه باسمه، كأولي العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكإدريس، ويونس، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وغيرهم صلاة الله وسلامه عليهم، ومن لم يذكر اسمه منهم نؤمن بهم على وجه الإجمال، فنؤمن بأن لله أنبياء ورسلًا سوى من ذكرت لنا أسماؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وقد جاء في حديث صحيح: أن عدد رسل ربي وتعالى وتقدس: ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا. الأمر الثالث: أن عقيدة رسل الله تعالى واحدة، أما شرائعهم فمختلفة في تفصيلات أحكامها، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ويجب على جميع أهل الأرض إنسهم وجنهم بعد بعثة خاتم المرسلين نبينا محمد ﷺ ، أن يتبعوا شريعته، التي بعثه الله تعالى وتقدس بها إليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، كما أنه يجب على كل أمة اتباع نبيها، إلا أنه بعد بعثة النبي ﷺ نسخت جميع الشرائع السابقة، فيجب على جميع العالمين بعد بعثته ﷺ أن يتبعوه، ويتركوا الشريعة السابقة التي بعث بها نبي قبله، للآية السابقة،

стр. 42

ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولما سبق ذكره عند الكلام على الكتب، ولما روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار". الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر . والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، وهو يتضمن أمورًا، أهمها: الأمر الأول: فتنة القبر، وذلك بسؤال الملكين للميت في قبره عن دينه، وربه، ورسوله، كها سبق بيانه عند الكلام على الملائكة، وكما سيأتي في حديث البراء قريبًا - إن شاء الله تعالى -. الأمر الثاني: نعيم القبر وعذابه. وقد وردت نصوص كثيرة في بيان عذاب القبر ونعيمه، ومن هذه النصوص: حديث البراء - وهو حديث صحيح - ذكرت فيه أكثر تفاصيل عذاب القبر ونعيمه، فقد روى الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جِنازة رجلٍ من الأنصار، فانتَهَيْنا إلى القبر، ولمَّا يُلْحَدْ، فجلسَ رسولُ الله ﷺ ، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطيرَ، وفي يده عودٌ يَنكُتُ به في الأرض، فرفعَ رأسَه، فقال: "اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنَّ العَبْدَ المؤمِنَ إذا كانَ في انقطاعٍ من

стр. 43

الدّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزلَ إليهِ ملائكة مِنَ السَّماءِ بيضُ الوُجُوهِ، كأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أكْفَانِ الجَنَةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ المَوْتِ ﵇ حتى يَجلسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقول: أيَّتُها النَّفس الطَّيِّبةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله ورِضوان". قال: "فَتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقاءِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حتى يأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذلِكَ الكَفَنِ، وفِي ذلِكَ الحَنُوطِ، ويخرجُ منها كأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وَجْهِ الأرْضِ". قال: "فَيَصْعَدُونَ بها، فلا يَمُرُّونَ - يعني بها - على ملأٍ مِنَ الملائِكَةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوْحُ الطَّيِّبُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بنُ فلانٍ، بأحْسَنِ أسْمَائِهِ التي كانوا يُسَمُّونَهُ بها فِي الدُّنيا، حتى يَنْتَهُوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ له، فَيُفتَحُ لهمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ التي تَلِيها، حَتّى يُنْتَهَى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فيقولُ الله : اكْتُبُوا كتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فإنِّي مِنْها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهمْ تَارةً أُخرى". قال: "فتعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فيأتِيهِ مَلَكَان، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقُولُ: رَبِّيَ الله، فَيقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيقولُ: دِينيَ الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فيقول: هُوَ رَسُولُ الله ﷺ ، فيقولانِ له: وما عِلْمُك؟ فيقولُ: قَرَأتُ كِتابَ الله، فآمَنْتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فأفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَألبِسُوهُ مِنَ الجنَّةِ، وَافْتَحُوا له بابًا إلى الجَنَّة". قال: "فيأتِيهِ مِنْ رَوْحِها وطيبِها، وَيُفْسَحُ له في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ".

стр. 44

قال: "ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي يَسُرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيقُولُ له: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يجيءُ بالخَيْرِ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الصَّالحُ، فيقولُ: رَبِّ أقِمْ السّاعَةَ حتى أرْجعَ إلى أهلي وَمالي". قال: "وإنَّ العَبْدَ الكافِر إذا كانَ في انقطاعٍ مِنَ الدُّنْيا وَإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيهِ مِنَ السَّماءِ ملائكةٌ سُودُ الوُجُوهِ، معهم المُسُوحُ، فيَجلِسُونَ منه مَدَّ البَصَرِ، ثم يَجيءُ مَلَكُ الموتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فيقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبيثةُ، اخْرُجي إلى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ". قال: "فَتَفَرَّقُ في جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُها كما يُنْتَزَعُ السُّفُّودُ مِنَ الصُّوف المبلولِ، فيأْخُذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عيْنٍ حتى يَجْعَلُوها في تلك المُسُوحِ، ويَخْرُجُ منها كأنْتَنِ رِيحِ جيفَةٍ وُجِدَتْ على وجه الأرْضِ، فيَصْعَدُونَ بها، فَلا يَمُرُّونَ بها على ملأ مِنَ الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الرَّوحُ الخَبيثُ؟ ! فيقولونَ: فلانُ بْنُ فلانٍ، بأقبحِ أسْمائِهِ التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهَى به إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَحُ لَهُ" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] قال: "فيقول الله : اكتُبوا كتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فتُطرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. قال: "فتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، وَيأتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فيقولان لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينُكَ؟ فيقول: هاه هاه لا أدْري، فيقولان لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدْرِى، فينادي منادٍ

стр. 45

مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ، فَأفْرِشُوا لَه مِنَ النَّارِ، وافْتَحُوا لَه بابًا إلى النَّارِ، فيأتِيهِ مِنْ حَرِّها وَسَمُومِها، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، وَيَأتِيهِ رَجُلٌ قَبيحُ الوَجْهِ، قبيحُ الثّيابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بالذِي يَسُوؤكَ، هذا يَوْمُكَ الذي كُنْتَ تُوعَدُ، فيقولُ: مَنْ أنتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجيءُ بالشَّرِّ، فيقولُ: أنا عَمَلُكَ الخبِيثُ، فيقولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعَة". وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن العذاب في القبر يكون أحيانًا على الروح والبدن جميعا، كما في أول دفن الميت، وفي بعض أوقات عذاب القبر يكون العذاب على الروح وحدها، وهذا يكون بعد فناء الجسد، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون" قال: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة". الأمر الثالث: النفخ في الصور لقيام الساعة، ثم للبعث، كما سبق بيانه عند الكلام على الملائكة. الأمر الرابع: البعث. فيحشر الباري جل وعلا الإنس، والجن، وجميع البهائم، من حيوانات، وحشرات وغيرها. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ

стр. 46

كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس: ٥١ - ٥٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. الأمر الخامس: ما يكون في يوم القيامة من حساب، وغيره، وهذا يشمل أمورًا كثيرة، أهمها: ١ - الميزان، ووزن الأعمال فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وكما قال جل شأنه: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة]. ٢ - إعطاء الكتب باليمين أو الشمال، وعرض أعمال المؤمنين عليهم، ومناقشة الكفار والعصاة في أعمالهم. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ [الحاقة: ١٨ - ٣١]، وقال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ

стр. 47

وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم - وضي الله عنه - موفوعًا: "ما منكم أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". فالمؤمن ومن غفر الله له ذنوبه تعرض أعماله عليه، ولا يناقش فيها، أما من لم يغفر الله له ذنوبه، فإنه يناقش في أعماله، ويقرَّع، ويؤنب، ويعاتب على فعلها، ومنهم من يفضح بذكرها بين الخلائق في ذلك الموقف العظيم، ومن ينكر منهم شيئًا من أعماله، شهد عليه بها رب العالمين، والملائكة الذين يكتبون أعماله، ومنهم من تشهد عليه جوارحه التي عملت تلك المعاصي، كما قال تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وكما قال : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وكما قال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٢]. ٣ - الشفاعة. ففي موقف القيامة يأذن الله تعالى للقرآن، وللأنبياء، وللملائكة،

стр. 48

وللشهداء، وللمؤمنين، ولأطفالهم، أن يشفعوا لبعض الموحدين. ولنبينا محمد ﷺ شفاعات متعددة، منها ما خصه الله تعالى بها، ومنها ما يشاركه فيها غيره، وأهم هذه الشفاعات ما يلي: الشفاعة الأولى، وهي الشفاعة العظمى، وهي أن الناس في موقف القيامة إذا طال وقوفهم وانتظارهم لفصل القضاء، يلجؤون إلى أنبياء الله تعالى، ليشفعوا لهم عند الله تعالى أن يريحهم من طول ذلك الموقف، فيعتذر منها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيأتون إلى النبي ﷺ ، فيقول: "أنا لها، أنا لها"، فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، فيقال: "ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع"، فيشفّعه الله في أهل موقف القيامة أن يقضي بينهم. الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ . الشفاعة الثالثة: شفاعتة ﷺ فيمن استحق النار أن لا يدخلها. الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من الموحدين أن يخرج منها. وهاتان الشفاعتان يشاركه فيها النبيون والملائكة والصدّيقون وغيرهم. الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ في بعض الكفار من أهل النار أن يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده.

стр. 49

٤ - نعيم يوم القيامة، وعذابه. فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يظلهم الله تعالى في ظله في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة. وثبت في السفة أن العصاة يعذبون في ذلك اليوم، فقد روى مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميلى، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا". وجاء في بعض الأحاديث أن بعض العصاة يعذبون على معاصي معينة من معاصيهم في ذلك اليوم. ٥ - القصاص بين الخلائق. فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح فِي النار". وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء".

стр. 50

٦ - نصب الصراط على متن جهنم. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ حديث القيامة الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم"، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجذ، فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم"، وزاد مسلم في رواية: قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف". وقد ثبت في السنة أن الصراط أحد من السيف، وثبت ذلك أيضًا عن ابن مسعود ﵁ من قوله، وله حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، وثبت في بعض الآحاديث أن الصراط أدق من الشعر. ٧ - رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا في موقف القيامة، فيراه المؤمنون في موقف القيامة بعد دخول أصناف المشركين النار. هذا وهناك أمور كثيرة أخرى تكون في موقف القيامة، يجب الإيمان بها، كتشقق السماء، وذوبانها، وكقبض الجبار جل وعلا للأرض كلها، وطيه للسماوات بيمينه، وكتبديل السموات والأرض، وكجعل الجبال قطنًا منفوشًا، وكانتثار النجوم، وهو تساقطها، وكخسف القمر، وهو ذهاب ضوئه، وكتسجير البحار، وهو أن توقد حتى تصير نارًا تضطرب، وكحوض النبي ﷺ في عرصات القيامة، والذي يرده المؤمنون من هذه الأمة، ويصب فيه نهر الكوثر،

стр. 51

والذي هو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله نبيه محمدًا ﷺ . الأمر السادس مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار. فيجب على المسلم أن يؤمن بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة. ويجب أن يؤمن بأن المؤمنين في الآخرة يدخلون الجنة، وأنهم يخلدون فيها، وأن عصاة الموحدين الذين توفاهم الله تعالى وهم مصرون على شيء من كبائر الذنوب أنهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عن ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، خالدين فيها، وإن شاء أدخلهم النار، حتى يطهرهم من ذنوبهم، فيعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة، خالدين فيها. كما يجب الإيمان بأن جميع الكفار من مشركين ومنافقين وغيرهم - ويدخل في ذلك جميع من لم يدخل في الإسلام بعد بعثة النبي ﷺ من يهود ونصارى وغيرهم - يجب الإيمان بأن هؤلاء كلهم يدخلون النار، ويخلدون فيها. ويجب الإيمان كذلك بأن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبدا، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غير مقطوع، ولقوله جل وعلا عن الكفار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] ولقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] ولقوله : ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥].

стр. 52

الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره. فيجب على العبد أن يؤمن بأن كل ما وقع أو يقع في هذا الكون من خير أو شر، كله بتقدير الله تعالى. ويجب على العبد أن يؤمن بمراتب القضاء والقدر الأربع، والتي سبق ذكرها عند الكلام على وسطية أهل السنة بين فرق الضلال في مقدمة هذا الكتاب. ومن المسائل العقدية المهمة المتعلقة بالإيمان أيضًا، والمجمع عليها بين الصحابة وكبار التابعين: أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وكما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكما قال : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].

стр. 53

الفصل الثالث الإحسان الإحسان في الاصطلاح: تحسين الظاهر والباطن. والإحسان درجتان ومقامان: المقام الأول: مقام المشاهدة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده، فيعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وذلك أن الإيمان إذا قوي في قلب العبد أصبح الغيب عنده كالعيان. وهذه هي أعلى مرتبتي الإحسان ومقاميه. فمن عبد الله على استحضار قربه منه وإقباله عليه، وأنه بين يديه جل وعلا، حتى كأنه يرى خالقه ، أوجب له الخشية والخوف والهيبة والتعظيم له جل وعلا. المقام الثاني: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله له، واطلاعه عليه، وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعبادته، وعمل بموجبه، فهو مخلص لله تعالى، لأن استحضاره ذلك في عمله يحمله على مراقبة الله والخوف منه، والإخلاص له، ويمنعه من الالتفات إلى غيره تعالى، ومن إرادة غير الله بالعبادة، فلا يقع في الشرك الأكبر، ولا في الشرك الأصغر. ومن الأدلة على هاذين المقامين من مقامات الإحسان: قوله ﷺ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن

стр. 54

لم تكن تراه فإنه يراك"، فذكر مقامين للإحسان: مقام من يعبد الله كأنه يرى ربه جل وعلا، ومقام من يعبد الله لرؤية الله تعالى له، كما سبق تفصيله.

стр. 55

الباب الثاني التوحيد الفصل الأول توحيد الربوبية توحيد الربوبية هو: الإيمان بوجود الله، واعتقاد تفرده في أفعاله. ومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له. وهو يشتمل على ما يلي: ١ - الإيمان بوجود الله تعالى. ٢ - الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك. وقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم "الرب" أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو من أدلة الربوبية، كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وكقوله سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ

стр. 56

وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكقوله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، والملكوت: الملك.

стр. 57

الفصل الثاني توحيد الألوهية تمهيد: توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة. ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ "توحيد الألوهية"، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ "توحيد العبادة"، و"توحيد العبودية"، و"توحيد الله بأفعال العباد"، و "توحيد العمل"، و "توحيد القصد"، و"توحيد الإرادة والطلب"، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى. وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام، وهو يتضمن أنواع التوحيد. فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه

стр. 58

مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له. ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه. وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشمله وتدل عليه كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله". وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين: المبحث الأول: شهادة "لا إله إلا الله ": معناها - شروطها - أركانها - نواقضها. المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها. المبحث الأول شهادة "لا إله إلا الله" وفيه مطلبان: المطلب الأول: معناها، وفضلها: معنى شهادة "لا إله إلا الله" إجمالا: لا معبود بحق إلا الله تعالى. أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.

стр. 59

فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين: الأول: "النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة: "لا إله" فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة. الثاني: "الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة "إلا الله" فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلًا عند الكلام على توحيد الربوبية. المطلب الثاني: شروطها ونواقضها: دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة لكلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، التي سبقت الإشارة إلى بعضها في المطلب السابق، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه وماله وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها، من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام والضحك والأكل والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها. ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.

стр. 60

وقد دلت النصوص الشرعية على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي: الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكًا مرتابًا أو متوقفًا في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئًا. الشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع ما دلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل. قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦]. فمن نطق بهذه الكلمه ولم يقبل بعض ما دلت عليه إما كبرًا أو حسدًا أو لغير ذلك فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئًا. فمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه تكبرًا فليس بمسلم، ومثله مَنْ لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام أو عباد القبور أو اليهود أو النصارى أو غيرهم، فيقول: إن أديانهم صحيحة، فلا يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة من بطلان هذه الأديان الشركية

стр. 61

فليس بمسلم. الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل ما دلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢]، ومعنى ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾: ينقاد. ومعنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: أي موحِّد. فمن قالها وعرف معناها ولم ينقد للإتيان بحقوقها ولوازمها من عبادة الله والعمل بشرائع الإسلام، ولم يعمل إلا ما يوافق هواه أو ما فيه تحصيل دنياه لم يستفد من هذه الكلمة شيئًا. الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقول هذه الكلمة صدقًا من قلبه، يوافق قلبُه لسانه. قال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. ولذلك لم ينتفع المنافقون من نطقهم بهذه الكلمة، لأن قلوبهم مكذبة بمدلولها، فهم يقولونها كذبًا ونفاقا. الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك. فلابد من تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]. فمن أشرك بالله تعالى في أي نوع من أنواع العبادة لم تنفعه هذه الكلمة. الشرط السابع: المحبة. فلابد أن يحب المسلم هذه الكلمة ويحب ما دلت عليه، ويحب أهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، ويبغض ما ناقض ذلك. قال

стр. 62

تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقره: ١٦٥]. فمن قال "لا إله إلا الله" ولكنه أبغض ما دلت عليه من عبادة الله وحده لا شريك الله فليس بمسلم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]. أما نواقض "لا إله إلا الله"، وتسمى "نواقض الإسلام" و"نواقض التوحيد" وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض. وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسة، هي: الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الاعتقادي، وسيأتي الكلام على هذه النواقض في الباب الآتي إن شاء الله تعالى -. المبحث الثاني: العبادة وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف العبادة وبيان شمولها: عرف الإمام ابن تيمية العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وهذا يدل على شمول العبادة، فهي تشمل: أولًا: العبادات المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي هي عبادات من أصل مشروعيتها، والتي دل الدليل من النصوص أو غيرها على تحريم صرفها لغير الله تعالى.

стр. 63

ويدخل في العبادات المحضة ما يلي: ١ - العبادات القلبية. وهي تنقسم إلى قسمين: أ - "قول القلب"، وتسمى "اعتقادية"، وهي: اعتقاد أنه لا رب إلا الله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد سواه، والإيمان بجميع أسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك. ب - "عمل القلب"، ومنها: الإخلاص، ومحبة الله تعالى، والرجاء لثوابه، والخوف من عقابه، والتوكل عليه، والصبر على فعل أوامره وعلى اجتناب نواهيه، وغيرها مما يفعله القلب. ٢ - العبادات القولية: ومنها النطق بكلمة التوحيد، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغيرهما، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم العلم الشرعي، وغير ذلك. ٣ - العبادات البدنية: ومنها الصلاة والسجود، والصوم، والحج، والطواف، والجهاد، وطلب العلم الشرعي، وغير ذلك. ٤ - العبادات المالية: ومنها الزكاة، والصدقة، والذبح، والنذر بإخراج شيء من المال، وغيرها. ثانيًا: العبادات غير المحضة. وهي الأعمال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات. ويدخل في العبادات غير المحضة ما يلي: ١ - فعل الواجبات والمندوبات التي ليست في الأصل من العبادات: ومن

стр. 64

ذلك: النفقة على النفس أو على الزوجة والأولاد، وقضاء الدين، والزواج الواجب أو المندوب إليه، والقرض، والهدية، وبر الوالدين، وإكرام الضيف، وغيرها. فإذا فعل المسلم هذه الواجبات أو المندوبات مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى، كأن ينفق على نفسه بنية التقوِّي على طاعة الله، وكأن ينفق على أولاده بنية امتثال أمر الله، وبنية تربية الأولاد ليعبدوا الله، وكأن يحمل رجلًا كبير السن على راحلته ليوصله إلى أهله ليريحه من تعب المشي مبتغيًا بذلك وجه الله، وكأن ينوي بالزواج إعفاف النفس ونحو ذلك كان ذلك كله عبادات يثاب عليها بلا نزاع. ومما يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث سعد: "ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضعه في في امرأتك" متفق عليه، وقوله ﵊ في حديث أبي مسعود البدري: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها كانت له صدقة" متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن كلًا منهم توسل إلى الله بصالح عمله، فتوسل أحدهم إلى الله ببره بوالديه ابتغاء وجه الله، وتوسل الثاني إلى الله بإعطائه للأجير أجره بعد تنميته له ابتغاء وجه الله تعالى ... إلخ. ٢ - ترك المحرمات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك ترك الربا، وترك السرقة، وترك الغش وغيرها فإذا تركها المسلم طلبًا لثواب الله وخوفًا من عقابه وامتثالًا لنهيه كان ذلك عبادة يثاب عليها بلا نزاع. ومما يدل على ذلك حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن

стр. 65

عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" متفق عليه، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، ففيه أن أحدهم توسل إلى الله بتركه الفاحشة ابتغاء وجه الله تعالى. ٣ - فعل المباحات ابتغاء وجه الله تعالى: ومن ذلك: النوم، والأكل، والبيع والشراء، وغيرها من أنواع التكسب، فهذه الأشياء وما يشبهها في الأصل مباحة، فإذا نوى المسلم بفعلها التقوي بها على طاعة الله، وما أشبه ذلك، كان ذلك عبادة يثاب عليها. ومما يدل على ذلك عموم حديث سعد وحديث أبي مسعود السابقين، وقول معاذ ﵁ لما قال له أبو موسى الأشعري ﵁: كيف تقرأ القرآن؟ قال: "أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت حزبب من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي" رواه البخاري. وهذا يدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، وتشمل الدين كله، ويدل كذلك على أهمية العبادة، ولهذا كانت هي الغاية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فالله تعالى خلقهم ليختبرهم في عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢] فكل عاقل من الثقلين منذ أن يبلغ إلى أن يموت فهو في حال امتحان واختبار. المطلب الثاني: أصول العبادة: عبادة الله ﵎ يجب أن ترتكز على أصول ثلاثة، وهي المحبة،

стр. 66

والخوف، والرجاء، فيعبد المسلم ربه محبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه، ولذلك قال بعض السلف: "من عَبَدَ اللهَ بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن"، وقد أسمى بعض العلماء هذه الأصول "أركانًا"، وسأتكلم عليها بشيء من الاختصار فيما يلي: الأصل الأول: المحبة لله تعالى: هذا الأصل هو أهم أصول العبادة، فالمحبة هي أصل العبادة، فيجب على العبد أن يحب الله تعال، وأن يحب جميع ما يحبه تعالى من الطاعات، وأن يكره جميع ما يكرهه من المعاصي وأن يحب جميع أوليائه المؤمنين، وفي مقدمتهم رسله ﵈، وأن يبغض جميع أعدائه من الكفار والمنافقين. وكل هذا واجب على المسلم لا خيار له فيه. كما أنه يجب على المسلم أن يحب الله تعالى وأن يحب رسوله محمدًا ﷺ أكثر مما يحب نفسه وأولاده وماله وكل شيء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. ومحبة الله تعالى إذا قويت في قلب العبد انبعثت جوارحه بطاعة الله تعالى، وابتعد عن معصيته، بل إنه يجد اللذة والراحة النفسية عند فعله لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ

стр. 67

الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [سورة الرعد: ٢٨]. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "قمْ يا بلال فأرحنا بالصلاة"، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "جُعلت قرة عيني في الصلاة"، وفي سنده ضعف. ولهذا فإن من يطع الله، ويجتنب معاصيه، ويكثر من ذكره، ومن نوافل العبادات محبة لله وخوفًا منه ورجاء لثوابه يعش في سعادة وانشراح صدر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وإذا عصى العبد ربه نقصت محبته لله بقدر معصيته، فمن علامة ضعف محبة الله في القلب إصرار العبد على المعاصي وعدم توبته منها، وكلما أكثر العبد من معصية الله تعالى ضعفت محبته في قلبه أكثر مما كانت قبل ذلك، وهكذا، ولذلك فإنه يخشى على من أسرف على نفسه بالمعاصي أن تذهب محبته لله كلية فيقع في الكفر، ومن ادعى محبة الله مع استكثاره من معصيته فهي دعوى كاذبة، ولذلك لما ادعى قوم محبة الله تعالى أنزل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذه الآيه تسمى آية "المحنة" أو آية "الاختبار" فالذي يحب الله حقيقة يتبع ما أمر به رسوله ﷺ ، وينتهي عما نهى عنه رسوله ﷺ ، قال بعض العلماء: "من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب". وقال الشاعر: تعصي - الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 68

وإذا ضعفت محبة الله تعالى في قلب العبد بسبب كثرة معصيته له فقد لذة العبادة، وربما استولى عليه الشيطان في عباداته بكثرة الوساوس، فتجده ربما صلى أو ذكر الله أو دعاه وقلبه لاه غافل، فتصبح عباداته أقرب إلى العادة منها إلى العبادة. ولهذا يجد العاصي قسوة وخشونة في قلبه، ويشعر بعدم الطمأنينة والراحة النفسية، بل إنه يحس بضيق في الصدر، وقلق مستمر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤] أي: أن من أعرض عن ذكر الله - وهو القرآن - فلم يمتثل أوامره ولم يجتنب نواهيه يعاقبه الله بالشقاء في هذه الحياة، ولذلك تجد كثيرًا من العصاة يلجؤون إلى ما يظنون أنه يزيل عنهم الضيق، فيلجأ أحدهم إلى المسكرات، أو المخدرات، أو شرب الدخان أو النظر إلى الصور المحرمة أو سماع الغناء والمحرمات يظن أنه سيجد السعادة فيزيد الطين بلة، فيزيده ضيقًا إلى ضيق، نسأل الله السلامة والعافية. ولذلك ينبغي للعبد أن يحرص على الأمور التي تجلب وتقوى محبة الله في قلبه، لتحصل له السعاده في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور: ١ - أداء الواجبات، والبعد عن المحرمات. ٢ - الإكثار من نوافل العبادات، ومن أهمها: تلاوة كلام الله تعالى وسماعه بتدبر، والإكثار من ذكر الله تعالى، ومن صلاة النافلة، وبالأخص صلاة الليل، والإكثار من دعائه ومناجاته. ٣ - معرفة أسماء الله تعالى وصفاته.

стр. 69

٤ - التفكر في نعم الله الكثيرة عليه. الأصل الثاني: الخوف من الله تعالى . الخوف هو: تألم القلب بسبب توقع مكروه. فيجب على المسلم أن يعبد الله تعالى خوفًا من عقوبته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]. والخوف من الله تعالى ينشأ ويعظم عند العبد من عدة أمور، أهمها: ١ - معرفته بالله تعالى وبصفاته، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف. ٢ - تصديقه بأن الله تعالى توعَّد من عصاه بترك الواجبات أو بفعل المحرمات بالعقوبة. ٣ - معرفته لشدة عقوبة الله تعالى لمن عصاه، وأن العبد لا يستطيع تحمل عقوبته تعالى، وهذا يحصل بمطالعة الآيات والأحاديث الواردة في الوعيد والزجر، والعرض والحساب، وعذاب القبر وعذاب النار. ٤ - تذكر العبد لمعصيته لله تعالى فيما سبق من عمره. ٥ - خوفه أن يُحال بينه وبين التوبة، بسبب ارتكابه للذنب، أو أن يختم له بخاتمة سيئة بسبب إصراره على معصية الله تعالى. وكلما قوي إيمان العبد وتصديقه بعذاب الله تعالى ومعرفته بشدة عذابه تعالى لمن عصاه اشتد خوفه من عذاب الله، ولذلك قال بعض العلماء "من كان بالله

стр. 70

أعرف كان منه أخوف"، والخوف المحمود الصادق هو ما حال بين العبد وبين معصية الله تعالى. الأصل الثالث: الرجاء . الرجاء هو: الطمع في ثواب الله ومغفرته، وانتظار رحمته. فيجب على المسلم أن يعبد الله رغبة في ثوابه، وأن يتوب إليه عند الوقوع في الذنب رجاء لمغفرته، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والرجاء ثلاثة أنواع: (اثنان محمودان، والثالث مذموم)، وهي: ١ - رجاء من أطاع الله في أن يتقبل الله عمله، وأن يثيبه عليه بالفور بالجنة والنجاة من النار. ٢ - رجاء من أذنب ذنوبًا ثم تاب منها في أن يغفر الله ذنوبه وأن يعفو عنها. ٣ - رجاء من هو متماد في التفريط في الواجبات واقع في المحرمات، مصر عليها، ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذا هو "الغرور" و"التمني" و "الرجاء الكاذب". قال أبو عثمان الجيزي: "من علامة السعادة أن تطيع وتخاف أن لا تقبل، ومن علامة الشقاوة أن تعصي وترجو أن تنجو"، وحال صاحب هذا الرجاء المذموم يشبه حال من يتمنى الأولاد من غير أن يتزوج، فهو من أسفه السفهاء،

стр. 71

ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨] والمعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (١). وبالجملة فإنه يجب على المسلم أن يعبد الله عبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه، كما أنه له أن لا يفرِط في الخوف حتى يصل إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله، وأن لا يفرط في الرجاء فيتعلق بسعة وحمة الله مع إصراره على معصيته، بل يجب أن يجمع بينهما، وإن كان ينبغي له في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف ليحمله على طاعة الله وعلى البعد عن معصيتة، وعند الموت يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى يموت وهو يحسن الظن بالله، فيفرح بلقائه تعالى، فلابد من الجمع بينهما كما في الآيات الثلاث السابقة.

стр. 72

الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات تمهيد: أسماء الله تعالى وصفاته من الغيب الذي لا يعرفه الإنسان على وجه التفصيل إلا بطريق السمع، لأن البشر لا يحيطون بالله تعالى علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بالنظر في أسماء الله وصفاته ومعرفتها على التفصيل إثباتًا ونفيًا، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد أخطأ، ومال عن الصراط المستقيم. فيجب على العبد أن يقف عند كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فيؤمن بجميع ما ثبت في النصوص الشرعية من أسماء الله وصفاته، وينفي عنه تعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ . وقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل فيجب إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله، كما دلت النصوص أيضًا على نفي صفات النقص عنه تعالى، فيجب نفيها عنه وإثبات كمال ضدها له سبحانة وتعالى، وهذا هو الحق الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته على وجه الإجمال.

стр. 73

وسأتكلم على هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات - بشيء من الاختصار في المباحث الأربعة اللآتية: المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته: طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور رئيسة، هي: الأول: طريقتهم في الإثبات: وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فيؤمنون بأن جميع ما ثبت في النصوص الشرعية من صفات الله تعالى أنها صفات حقيقية تليق بجلال الله تعالى، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين. ويؤمنون كذلك بجميع أسماء الله تعالى الثابتة في النصوص الشرعية، ويؤمنون بأن كل اسم يتضمن صفة لله تعالى، فاسم "العزيز" يتضمن صفة العزة لله تعالى، واسم "القوي" يتضمن صفة القوة له سبحانه، وهكذا بقية الأسماء. وكل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهي صفات كمال يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، بل هي ثابتة له على أكمل وجه. الثاني: طريقتهم في النفي: نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من صفات النقص، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضد الصفة المنفية عنه جل وعلا. إذا تبين هذا فمما نفى الله تعالى عن نفسه: "الظلم"، والمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده له تعالى، وهو "العدل"، ونفى عن نفسه "اللغوب" وهو التعب والإعياء، والمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده، وهو "القوة"،

стр. 74

وهكذا بقية ما نفاه الله تعالى عن نفسه. الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه، كالجسم، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية. فهم يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ الصفة معنى حق يليق بجلال الله تعالى، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب أو السنة، فمثلًا يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "العزة" في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾، وهذا المعنى هو: "القدرة والغلبة"، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "استوى" في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وهذا المعنى هو: "العلو والاستقرار" كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء - إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات، لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما. وبهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما

стр. 75

نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة، والسلف بريؤون منه، فقد تواترت الأقوال عن السلف بإثبات معاني الصفات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله . المبحث الثالث: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة: صفات الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن كل اسم لله تعالى يتضمن صفة له جل وعلا، وأسماء الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن منها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر صفات كثيرة لله تعالى، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله. ومن هذه الصفات: ١ - علو الله تعالى. وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات. فأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها. وأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دله على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة. فأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها: ١ - التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة "مِنْ" المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
следующие страницы →