← Акыда

Акыда · id 149

مختصر شرح تسهيل العقيدة الإسلامية - ط 6

عبد الله بن عبد العزيز الجبرين

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨] والمعنى: أولئك الذين يستحقون أن يرجوا، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (١). وبالجملة فإنه يجب على المسلم أن يعبد الله عبة له، وخوفًا من عقابه، ورجاء لثوابه، كما أنه له أن لا يفرِط في الخوف حتى يصل إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله، وأن لا يفرط في الرجاء فيتعلق بسعة وحمة الله مع إصراره على معصيته، بل يجب أن يجمع بينهما، وإن كان ينبغي له في حال الصحة أن يغلب جانب الخوف ليحمله على طاعة الله وعلى البعد عن معصيتة، وعند الموت يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف حتى يموت وهو يحسن الظن بالله، فيفرح بلقائه تعالى، فلابد من الجمع بينهما كما في الآيات الثلاث السابقة.

стр. 72

الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات تمهيد: أسماء الله تعالى وصفاته من الغيب الذي لا يعرفه الإنسان على وجه التفصيل إلا بطريق السمع، لأن البشر لا يحيطون بالله تعالى علمًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بالنظر في أسماء الله وصفاته ومعرفتها على التفصيل إثباتًا ونفيًا، ومن فعل شيئًا من ذلك فقد أخطأ، ومال عن الصراط المستقيم. فيجب على العبد أن يقف عند كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فيؤمن بجميع ما ثبت في النصوص الشرعية من أسماء الله وصفاته، وينفي عنه تعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ . وقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل فيجب إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله، كما دلت النصوص أيضًا على نفي صفات النقص عنه تعالى، فيجب نفيها عنه وإثبات كمال ضدها له سبحانة وتعالى، وهذا هو الحق الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته على وجه الإجمال.

стр. 73

وسأتكلم على هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات - بشيء من الاختصار في المباحث الأربعة اللآتية: المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته: طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور رئيسة، هي: الأول: طريقتهم في الإثبات: وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فيؤمنون بأن جميع ما ثبت في النصوص الشرعية من صفات الله تعالى أنها صفات حقيقية تليق بجلال الله تعالى، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين. ويؤمنون كذلك بجميع أسماء الله تعالى الثابتة في النصوص الشرعية، ويؤمنون بأن كل اسم يتضمن صفة لله تعالى، فاسم "العزيز" يتضمن صفة العزة لله تعالى، واسم "القوي" يتضمن صفة القوة له سبحانه، وهكذا بقية الأسماء. وكل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهي صفات كمال يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، بل هي ثابتة له على أكمل وجه. الثاني: طريقتهم في النفي: نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من صفات النقص، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضد الصفة المنفية عنه جل وعلا. إذا تبين هذا فمما نفى الله تعالى عن نفسه: "الظلم"، والمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده له تعالى، وهو "العدل"، ونفى عن نفسه "اللغوب" وهو التعب والإعياء، والمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده، وهو "القوة"،

стр. 74

وهكذا بقية ما نفاه الله تعالى عن نفسه. الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه، كالجسم، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطل ينزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية. فهم يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ الصفة معنى حق يليق بجلال الله تعالى، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب أو السنة، فمثلًا يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "العزة" في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾، وهذا المعنى هو: "القدرة والغلبة"، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ "استوى" في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وهذا المعنى هو: "العلو والاستقرار" كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء - إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات، لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما. وبهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما

стр. 75

نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة، والسلف بريؤون منه، فقد تواترت الأقوال عن السلف بإثبات معاني الصفات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله . المبحث الثالث: أمثلة لبعض الصفات الإلهية الثابتة في الكتاب والسنة: صفات الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن كل اسم لله تعالى يتضمن صفة له جل وعلا، وأسماء الله تعالى لا يستطيع العباد حصرها، لأن منها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده، وقد ورد في الكتاب والسنة ذكر صفات كثيرة لله تعالى، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم على إثباتها له تعالى على الوجه اللائق بجلاله. ومن هذه الصفات: ١ - علو الله تعالى. وينقسم إلى قسمين: علو ذات، وعلو صفات. فأما علو الصفات فمعناه: أنه ما من صفة كمال إلا ولله تعالى أعلاها وأكملها. وأما علو الذات فمعناه: أن الله بذاته فوق جميع خلقه، وقد دله على ذلك: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة. فأما الكتاب والسنة فهما مملوءان بما هو نص، أو ظاهر في إثبات علو الله تعالى بذاته فوق خلقه، وقد تنوعت دلالتهما على ذلك إلى أنواع كثيرة، منها: ١ - التصريح بفوقيته سبحانه على خلقه، مقرونا بأداة "مِنْ" المعيِّنة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].

стр. 76

٢ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وثبت في الحديث أنه يشرع للعبد أن يقول في حال سجوده - وهو أكثر ما يكون سفولًا بوضعه أشرف أعضائه، وهو الوجه، على الأرض -: "سبحان ربي الأعلى"، فيصف ربه بصفة العلو وهو - أي الساجد - على هذه الحال من السفول وتنكيس الجوارح تذللا للعلي العظيم. ٣ - التصريح بكونه تعالى في "السماء"، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وكقوله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" رواه البخاري ومسلم. ٤ - التصريح بصعود الأشياء وعروجها إليه، كما في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وكما في قوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكما في أحاديث المعراج، وهي أحاديث متواترة. ٥ - التصريح بلفظ "الأين"، كقول أعلم الخلق بربِّه وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانًا عن المعنى الصحيح للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها معاوية بن الحكم: "أعتقها، فإنها مؤمنة" رواه مسلم. ٢ - صفة الكلام: فالله تعالى لم يزل متكلمًا بمشيئته وإرادته بما شاء وكيف شاء بكلام حقيقي، حرف وصوت، ويسمعه من يشاء من خلقه، وكلامه قول حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله :

стр. 77

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]. ومن الأدلة على ذلك من السنة: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله يوم القيامة: (يا آدم) فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادِي (١) بصوت: (إنَّ الله يأمرك أنْ تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فحينئد تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: أينا ذلك الواحد .. الحديث. رواه البخاري في صحيحه. ومن كلام الله تعالى: (القرآن)، فهو صفة من صفات الله تعالى، تكلم به ربنا جل وعلا، وسمعه منه جبريل ﵇، ونزل به على محمد ﷺ ، فهو منزل، غير مخلوق. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢]. ومن أدلة السنة: ما رواه جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض

стр. 78

نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي". ٣ - صفة الاستواء على العرش: فاستواء الله تعالى على عرشه معناه: علوه عليه، واستقراره عليه، علوًا واستقرارًا حقيقيًا يليق بجلاله. واستواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف. فمن أدلة القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. ومن أدلة السنة: ١ - ما رواه الخلال عن قتادة بن النعمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه". ٢ - ما روي عن جبير بن مطعم مرفوعا، وفيه قوله ﷺ عن ربه جل وعلا: "إنه لفوق عرشه على سماواته". ٣ - وروي نحوه عن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في ضمن حديث الأوعال المشهور. ٤ - صفة الوجه: "الوجه" من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف.

стр. 79

قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧، ٢٦]، وقال النبي ﷺ عن ربه : "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" رواه مسلم، وفي حديث الحارث الأشعري موفوعًا. "وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل لوجهه إلى وجه عبده". ٥ - صفة اليدين: مذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى يدين اثنتين، ويعتقدون أنهما يدان حقيقيتان تليقان بجلال الله تعالى، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهما من صفات الله تعالى الذاتية، الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف. قال الله تعالى مخاطبًا الشيطان الرجيم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. رواه البخاري ومسلم. وعن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "يأخذ الله عز

стр. 80

وجل سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله"، ويقبض أصابعة ويبسطها، "أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ . رواه مسلم. ٦ - المحبة: المحبة من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب والسنة وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال النبي ﷺ : "إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا .. " رواه البخاري ومسلم، وفي الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: "لأُعطيَنَّ الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". هذا وهناك صفات كثيرة غير ما ذكر ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، أو بأحدهما، وبإجماع السلف، يطول الكلام بذكرها وذكر أدلتها، ومنها: الخلق، والرزق، والرضى، والضحك، والغضب، والعزة، والعلم، والعدل، والحياء، والجمال، والانتقام من المجرمين، والنزول إلى السماء الدنيا، والكيد لأعدائه، والخداع لمن خادعه، والعين، والأصابع، والقدم، وأنه يراه المؤمنون يوم القيامة، وغير ذلك. المبحث الرابع: ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات: أن معرفة العبد بأسماء الله وصفاته ومعرفته بمعانيها وإيمانه بأنها صفات حقيقية تليق بجلال الله وعظمته وأنها لا تماثل صفات المخلوقين يكسبه سعادة

стр. 81

الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بها أو أوَّلَها وصرَفَها عن معناها الحقيقي حرم السعادة، فإيمان العبد بأسماء الله وصفاته له ثمرات وفوائد كثيرة، من أهمها ما يلي: ١ - أعظم ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات: تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، ووصفه بصفات الكمال اللائقة بجلاله، ونفي مماثلتها لصفات المخلوق الضعيف، وإثبات الأسماء الحسنى له جل وعلا. ٢ - أنَّ مَنْ آمن بأن من أسمماء الله تعالى "العفو"، و"الغفور"، و"الرحيم"، وأن من صفاته "المغفرة للمذنبين"، و"الرحمة"، و"العفو "دعاه ذلك إلى عدم اليأس من روح الله، وإلى عدم القنوط من رحمته، بل ينشرح صدره لما يرجو من رحمة ربه ومغفرته. ٣ - أنَّ من عرف أن من صفات الله تعالى أنه "شديد العقاب"، و"الغيرة إذا انتهكت محارمه"، و"الغضب"، وأنه "ذو انتقام ممن عصاه" حمله ذلك على الخوف من الله تعالى والبعد عن معصيته. ٤ - أنَّ المؤمن إذا أيقن أن من أسماء الله تعالى: "القوي" و"القادر"، و"العزيز"، وأنه تعالى "يتولى المؤمنين بالحفظ والنصر" أكسبه ذلك عظمة التوكل على الله، والوثوق بنصره، وعدم الهلع من أعدائه، فيعيش قرير العين، واثقًا بحفظ الله وتأييده ونصره. ٥ - أنّ من استقر في قلبه أن من أسماء الله تعالى "البصير"، وأنه تعالى يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، وكذلك إذا علم أن من أسماء الله تعالى "الرقيب"، و"العليم"، وأنه تعالى يعلم نيات العباد وخلجات

стр. 82

نفوسهم، حمله ذلك على البعد عن معصية الله، وألا يراه الله حيث نهاه، وعلى مراقبته سبحانه في كل ما يأتي وما يذر. ٦ - أن من آمن بصفات الله واستعاذ بها أعاذه الله مما يخاف منه. ٧ - أن من علم أسماء الله وصفاته وتوسل إلى الله تعالى بها استجاب الله دعاءه، فحصل له ما يرجوه من مرغوب، واندفع عنه ما يخافه من مرهوب. وهذا كله قطرة من بحر من ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات.

стр. 83

الباب الثالث نواقض التوحيد وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: الشرك الأكبر . الفصل الثاني: الكفر الأكبر. الفصل الثالث: النفاق الأكبر (الاعتقادي). الفصل الأول الشرك الأكبر وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريفه، وحكمه: قبل أن نبدأ في تعريف الشرك نذكر الفرق بين نواقض التوحيد ومنقصاته: فنواقض التوحيد: هي الأمور التي إذا وجدت عند العبد خرج من دين الله بالكلية، وأصبح بسببها كافرًا أو مرتدًا عن دين الإسلام، وهي كثيرة، تجتمع في الشرك الأكبر، والكفر الأكبر، والنفاق الأكبر (الاعتقادي). أما منقصات التوحيد: فهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه

стр. 84

بالكلية، فإذا وجدت عند المسلم قدحت في توحيده، ونقص إيمانه، ولم يخرج من دين الإسلام، وهي المعاصي التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدعة. أما تعريف الشرك الأكبر فهو أن يتخذ العبد لله ندًا يسوِّيه به في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته. أما حكمه: فإن الشرك هو أعظم ذنب عصي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم؛ لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى - وهو العبادة - لغيره، أو وصف أحد من خلقه بشيء من صفاته التي اختص بها ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك رتّب الشرع عليه آثارًا وعقوبات عظيمة، أهمها: ١ - أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه ولم يتب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ٢ - أن صاحبه خارج من ملة الإسلام، حلال الدم والمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ٣ - أن الله تعالى لا يقبل من المشرك عملًا، وما عمله من أعمال سابقة تكون هباءً منثورًا، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ

стр. 85

عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]. ٤ - يحرم أن يتزوج المشرك بمسلمة، كما يحرم أن يتزوج المسلم مشركة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ٥ - إذا مات المشرك فلا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له حفرة بعيدة عن الناس ويدفن فيها، لئلا يؤذي الناس برائحته الكريهة. ٦ - أن دخول الجنة عليه حرام، وهو مخلد في نار الجحيم - نسأل الله السلامة والعافية - كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. المبحث الثاني: أقسام الشرك الأكبر: للشرك الأكبر ثلاثة أقسام رئيسة هي: القسم الأول: الشرك في الربوبية: وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبًا من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي. ومن صور الشرك في هذا القسم: ١ - شرك النصارى الذين يقولون: "الله ثالث ثلاثة"، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور - وهو عندهم الإله المحمود - وحوادث الشر إلى الظلمة.

стр. 86

٢ - شرك القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله. ٣ - شرك كثير من غلاة الصوفية والرافضة من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تتصرف بعد الموت فتقضي الحاجات وتفرج الكربات، أو يعتقدون أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون أو يغيث من استغاث به ولو مع غيبته عنه. ٤ - الاستسقاء بالنجوم: وذلك باعتقاد أنها مصدر السقيا، وأنها التي تنزل الغيث بدون مشيئة الله تعالى، وأعظم من ذلك أن يعتقد أنها تتصرف في الكون بالخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو بالشفاء أو المرض أو الربح أو الخسارة، فهذا كله من الشرك الأكبر. قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، والمعنى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم الله من الغيث والمطر أنكم تكذبون - أي تنسبونه إلى غيره -. وقال النبي ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". رواه مسلم. القسم الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو: أن يجعل لله تعالى مماثلًا في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصفه تعالى بشيء من صفات خلقه. فمن سمّى غير الله باسم من أسماء الله تعالى معتقدًا اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم مما اختص الله تعالى به، أو وصفه بصفة من صفات الله تعالى الخاصة به فهو مشرك في الأسماء والصفات. وكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين فهو مشرك في الصفات.

стр. 87

ومن صور هذا الشرك: الشرك بدعوى علم الغيب، أو باعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق ولم يعلموا به بأحد الحواس الخمس فهو من علم الغيب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]، وقال : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وقال لنبيه ﷺ أيضًا: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. فمن ادَّعى أنَّ أحدًا من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي " علم الغيب". ومن أمثلة الشرك بدعوى علم الغيب: أ - اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب: وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الرافضة والصوفية، ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعًا يعلمون بحالهم وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة. ب - الكهانة: الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب. ومثله أو قريب منه "العرّاف"، و "الرمّال"، ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف علم ما غاب عنه دون أن

стр. 88

يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه فهو مشرك شركًا أكبر، سواء ادّعى أنه يعرف ذلك عن طريق "الطرق بالحصى"، أم عن طريق حروف "أبا جاد"، أم عن طريق "الخط في الأرض"، أم عن طريق "قراءة الكف"، أم عن طريق "النظر في الفنجان"، أم غير ذلك، كل هذا من الشرك، وقد روى البخاري عن أبي مسعود، قال: "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن"، وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: "فلا تأتوا الكهان"، قال: قلت: كنا نتطير قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم"، وروى مسلم أيضا عن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"، وقد ثبت عن جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعا: "من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " وثبت عن علي ﵁ أنه قال: "إن هؤلاء العرافين كهان العجم، فمن أتى كاهنا يؤمن بما يقول فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ " وله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وإذا كان هذا في حق من يذهب للكهان ويصدقهم، فذلك في حق الكاهن الذي يدعي علم الغيب أعظم وأطم؛ لأن كفره أشد. ج - اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، أو تصديقه لهم في دعواهم معرفة ما سيقع في المستقبل، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه فقد وقع في الكفر والشرك المخرج من الملة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 89

"من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ ". د - التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية المستقبلة. وذلك أن المُنَجِّم يدّعي من خلال النظر في النجوم معرفة ما سيقع في الأرض من نصر لقوم، أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل، أو ربح لآخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شرك بالله تعالى. ومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة: أن يدعي أن لكل نجم تأثيرًا معينًا على من ولد فيه، فيقول: فلان وُلدَ في برج كذا فسيكون سعيدًا، وفلان وُلِدَ في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم، قال الشيخ ابن عثيمين: "فهذا اتخذ تعلُّم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة". القسم الثالث: الشرك في الألوهية: وهو: اعتقاد أن غير الله تعالى يستحق أن يعبد أو صرف شيء من العبادة لغيره. وأنواعه ثلاثة، هي: الأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية. فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله، أو اعتقد أنه يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية.

стр. 90

ويدخل في هذا النوع: من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى، كمن يتسمى بـ "عبد الرسول"، أو "عبد الحسين"، أو غير ذلك. فمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد للمخلوق معتقدًا أن هذا المخلوق يستحق أن يُعبَد فهو مشرك بالله تعالى الشرك الأكبر، أما إن كان مجرد تسمية تقليدًا لغيره فهو من الشرك الأصغر. النوع الثاني: صرف شيء من العبادات المحضة لغير الله تعالى: فالعبادات المحضة بأنواعها القلبية والقولية والعملية والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تصرف لغيره - كما سبق بيان ذلك عند الكلام على توحيد الألوهية - فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر. والشرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة، يمكن حصرها في الأمرين التاليين: الأمر الأول: الشرك في دعاء المسألة: دعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب أو دفع مرهوب. ويدخل في دعاء المسألة: الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والاستجارة. قال الخطابي رحمه الله تعالى: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله وإضافة الجود والكرم إليه". والدعاء من أهم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن

стр. 91

يدعو غيره كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الدعاء هو العبادة". وقال ﷺ في وصيته لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر - نسأل الله السلامة والعافية -. ومن أمثلة الشرك في دعاء المسألة ما يلي: أ - أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء أكان هذا المخلوق حيًا أم ميتًا، نبيًا أم وليًا أم ملكًا أم جنيًا أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه أو نصره على الأعداء، أَو كشف كربة، أو أن يغيثه، أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شرك أكبر، مخرج من الملة بإجماع المسلمين؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به، واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شرك، ولأنه اعتقد في هذا المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله . ب - دعاء الميت. ج - دعاء الغائب. فمن دعا غائبًا أو دعا ميتًا وهو بعيد عن قبره، فقد وقع في الشرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبيًا أم وليًا، أم عبدًا صالحًا أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله أم طلب منه أن يدعو الله تعالى له، ويشفع له

стр. 92

عنده (١)، فهذا كله شرك، لما في ذلك من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن هذا المخلوق الذي دعاه يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمع هذا المخلوق بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص بها، فاعتقاد وجودها في غيره شرك مخرج من الملة. د - أن يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة في الدعاء، ويعتقد أن الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه مباشرة، بل لا بد من واسطة بين الخلق وبين الله في الدعاء، فهذه شفاعة شركية مخرجة من الملة. واتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شرك العرب، فهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، فيتقربون إليهم طالبين منهم الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. الأمر الثاني: الشرك في دعاء العبادة: دعاء العبادة هو: عبادة الله تعالى بأنواع العبادات القلبية، والقولية، والفعلية كالمحبة، والخوف، والرجاء والصلاة، والصيام، والذبح، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى وغيرها. وسمي هذا النوع "دعاء" باعتبار أن العابد لله بهذه العبادات طالب وسائل لله في المعنى، لأنه إنما فعل هذه العبادات رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فهو داع لله تعالى بلسان حاله، لا

стр. 93

بلسان مقاله. ومن أمثلة الشرك في هذا النوع: أ - الشرك في الخوف: الخوف في أصله ينقسم إلى أربعة أقسام: ١ - الخوف من الله تعالى: ويسمى "خوف السر"، وهو الخوف المقترن بالمحبة والتعظيم والتذلل لله تعالى، وهو خوف واجب، وأصل من أصول العبادة. ٢ - الخوف الجِبِلِّي: كالخوف من عدو، والخوف من السباع المفترسة ونحو ذلك. وهذا خوف مباح؛ إذا وجدت أسبابه، قال الله تعالى عن نبيه موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]. ٣ - الخوف الشركي: وهو أن يخاف من مخلوق خوفًا مقترنًا بالتعظيم والخضوع والمحبة. ومن ذلك الخوف من صنم أو من ميت خوفًا مقرونًا بتعظيم ومحبة، فيخاف أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، كأن يحاف أن يصيبه بمرض أو بآفة في ماله، أو يخاف أن يغضب عليه؛ فيسلبه نِعَمَهُ فهذا من الشرك الأكبر، لأنه صرف عبادة الخوف والتعظيم لغير الله، ولما في ذلك من اعتقاد النفع والضر في غير الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨]، قال ابن عطية المالكي الأندلسي المولود سنة ٤٨١ هـ في تفسيره في تفسير هذه الآية: "يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة".

стр. 94

ومن الخوف الشركي: أن يخاف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، كأن يخاف من مخلوق أن يصيبه بمرض بمشيئته وقدرته. ٤ - الخوف الذي يحمل على ترك واجب أو فعل محرم، وهو خوف محرم، كمن يخاف من إنسان حي أن يضره في ماله أو في بدنه، وهذا الخوف وهمي لا حقيقة له، وقد يكون هناك خوف فعلًا ولكنه يسير لا يجوز معه ترك الواجب أو فعل المحرم (١). قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يمنعنَّ أحدَكم مخافةُ الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه". ج - الشرك في المحبة: المحبة في أصلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١ - محبة واجبة: وهي محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة ما يحبه الله تعالى من العبادات وغيرها. ٢ - محبة طبيعية مباحة: كمحبة الوالد لولده، والإنسان لصديقه، ولماله ونحو ذلك ويشترط في هذه المحبة أن لا يصحبها ذل ولا خضوع ولا تعظيم، فإن صحبها ذلك فهي من القسم الثالث، ويشترط أيضًا أن لاتصل إلى درجة محبته

стр. 95

لله ومحبته لرسول الله ﷺ ، فإن ساوتها أو زادت عليها فهي محبة محرمه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. ٣ - محبة شركية، وهي أن يحب مخلوقًا محبة مقترنة بالخضوع والتعظيم، وهذه هي محبة العبودية، التي لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك الأكبر، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. (١) د - الشرك في الرجاء: وهو أن يرجو من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يرجو من مخلوق أن يرزقه ولدًا، أو يرجو منه أن يشفيه بإرادته وقدرته، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة.

стр. 96

هـ - الشرك في الصلاة والسجود والركوع: فمن صلى لغير الله، أو سجد أو ركع أو انحنى لمخلوق محبة وخضوعًا له وتقربًا إليه، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، وثبت عن أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم، فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا"، فقاموا، فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، إنه قد صار مثل الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال: "ليس علي منه بأس". فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل. فقال له أصحابه: يا نبي الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها"، وثبت عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ دخل حائطا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول الله ﷺ منهما، فوضعا جرانهما بالأرض، فقال من معه: نحن أحق أن نسجد لك، فقال رسول

стр. 97

الله ﷺ : "ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه"، ولأنه قد صرف شيئًا من العبادة لغير الله ، وصرف العبادة لغيره شرك بإجماع أهل العلم. و- الشرك في الذبح: الذبح أصله ينقسم إلى أربعة أقسام: ١ - ذبح الحيوان المأكول اللحم تقربًا إلى الله تعالى وتعظيمًا له، كالأضحية، وهدي التمتع والقران في الحج، والذبح للتصدق باللحم على الفقراء ونحو ذلك، فهذا مشروع، وهو عبادة من العبادات. ٢ - ذبح الحيوان المأكول لضيف، أو من أجل وليمة عرس ونحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا وإما استحبابًا. ٣ - ذبح الحيوان الذي يؤكل لحمه من أجل الاتجار ببيع لحمه، أو لأكله، أو فرحًا عند سكنى بيت ونحو ذلك، فهذا الأصل أنه مباح، وقد يكون مطلوبًا فعله، أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة إليه. ٤ - الذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له وخضوعًا له، فهذا عبادة - كما سبق - ولا يجوز التقرب به إلى غير الله، فمن ذبح تقربًا إلى مخلوق وتعظيمًا له فقد وقع في الشرك الأكبر، وذبيحته محرمة لا يجوز أكلها، سواء أكان هذا المخلوق من الإنس أم من الجن أم من الملائكة أم كان قبرًا، أم غيره، وقد حكى نظام الدين الشافعي النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٦ هـ إجماع العلماء على ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 98

(١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] (١)، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لعن الله من ذبح لغير الله". رواه مسلم. ز - الشرك في النذر والزكاة والصدقة: النذر هو: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة لله تعالى غير واجبة عليه بأصل الشرع. كأن يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا، أو لله علي أن أصلي أو أصوم كذا، أو أتصدق بكذا، أو ما أشبه ذلك. والنذر عبادة من العبادات، لا يجوز أن يصرف لغير الله تعالى، فمن نذر لمخلوق كأن يقول: لفلان علي نذر أن أصوم يومًا، أو لقبر فلان علي أن أتصدق بكذا، أو إن شفي مريضي أو جاء غائبي فللشيخ فلان على أن أتصدق بكذا، أو لقبره علي أن أتصدق بكذا، فقد أجمع أهل العلم على أن نذره محرم وباطل (٢)، وعلى أن من فعل ذلك قد أشرك بالله تعالى الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأنه صرف عبادة النذر لغير الله، ولأنه يعتقد أن الميت ينفع ويضر من دون الله، وهذا كله شرك.

стр. 99

ومثله إخراج زكاة المال وتقديم الهدايا والصدقات إلى قبر ميت تقربًا إليه، أو تقديمها إلى سدنة القبر (١) تقربًا إلى الميت، أو تقديمها إلى الفقراء الذين يذهبون إلى القبر، وكان يفعل ذلك تقربًا إلى الميت، فهذا كله من الشرك الأكبر أيضًا؛ لما فيه من عبادة غير الله ومن اعتقاد أن هذا الميت ينفع أو يضر من دون الله. ح - الشرك في الصيام والحج: الصيام والحج من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله بالإجماع، فمن تعبَّد بها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وذلك كمن يصوم أو يحج إلى الكعبة تقربًا إلى ولي أو ميت أو غيرهما من المخلوقين، وكمن يحج إلى قبر تقربًا إلى صاحبه فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة، سواء أفعله العبد أم اعتقد جوازه. ط - الشرك في الطواف: الطواف عبادة بدنية لا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى، ولا يجوز أن يطاف إلا بالكعبة المشرفة، وهذا كله مجمع عليه، فمن طاف بقبر نبي أو عبد صالح أو بمنزل معين أو حتى بالكعبة المشرفة تقربًا إلى غير الله تعالى، فقد وقع في الشرك الأكبر بإجماع المسلمين. ي - الشرك بعبادة الشياطين: وأوضح مثال على هذا النوع: شرك السحرة.

стр. 100

فالساحر - ويسمى الكاهن والعراف - تخدمه الشياطين (وهم كفار الجن) لعبادته لهم، بالذبح لهم، أو دعائهم من دون الله، أو غير ذلك. وقد تخدم الشياطين الساحر لعمل هذا الساحر بعض الأمور الكفرية، كإهانة القران، أو سب الله تعالى، أو غير ذلك. فإذا فعل الساحر أحد هذين الأمرين خدمته الشياطين، إما بأن يؤذوا من يريد هذا الساحر أذاه، أو بإخبار هذا الساحر ببعض الأمور الغائبة عنه مما قد وقع في الأرض، أو بحمل هذا الساحر ونقله من بلد إلى بلد آخر في وقت وجيز، وغير ذلك. حكم الساحر: جاءت النصوص الشرعية صريحة في كفر الساحر لعبادته للشياطين أو لحمله أمورًا كفرية إرضاءً لهم. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٩]. وقد أجمع أهل العلم على أن تعلم السحر وتعليمه والعمل به كبيرة من

стр. 101

كبائر الذنوب، للآيتين السابقتين، ولما روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وحد الساحر: القتل؛ لما ثبت عن عمر من أنه أمر بقتل كل ساحر، ولما ثبت عن عثمان أنه أقر قتل الساحر، ولما ثبت عن حفصة أنها قتلت جارية لها سحرتها، ولما ثبت عن جندب أنه قتل ساحرا. أما حكم الذهاب إلى الساحر لطلب العلاج أو السؤال عن شيء مما يريد الإنسان معرفته فهو محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وإن صدقه بما يخبر به من أمور الغيب، كأن يخبره بشيء مما يحدث في المستقبل، فإن هذا الذي صدقه قد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، لما سبق ذكره في الأحاديث عند بيان حكم الذهاب إلى الكهان والسحرة عند الكلام على الشرك في الأسماء والصفات، ومثله أو قريب منه: أن يذهب إلى الساحر ليسحر له، كحال المرأة التي تذهب إلى الساحر ليسحر زوجها بسحر العطف الذي سيأتي بيانه - قريبًا إن شاء الله تعالى -، وكحال الرجل الذي يذهب إليه ليسحر شخصًا بينه وبينه خصومة أو مشاجرة أو عداوة. وقد روى البخاري عن أبي مسعود، قال: "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن"، وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: "فلا تأتوا الكهان"، قال: قلت: كنا نتطير، قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في

стр. 102

نفسه، فلا يصدنكم"، وهذا كله يدل على أن طلب السحر من الساحر كبيرة من كبائر الذنوب، بل يدل على أن مجرد الذهاب إليه وسؤاله من كبائر الذنوب، وعلى أن إعطاءه المال محرم؛ لأن ماحرم أخذه حرم إعطاؤه، ويزداد جرم أو من السحر من الساحر إذا أصاب المسلم المسحور أذى من مرض أو غيره، لما في ذلك من الأذى للمؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]. من أعمال السحرة في سحرهم: للسحرة في سحرهم طرق متنوعة وأساليب خبيثة، منها ما يعملونه بمعونة من الشياطين، ومنها ما يعملونه من باب الدجل والخداع للسذج من الناس، ومن أهم أعمال السحرة في سحرهم ما يلي: ١ - إيصال الضرر إلى المسحور، وذلك يكون غالبًا بنفث الساحر بريقه الخبيث على خيط ونحوه، وقد يدعو الشياطين ويستعين بهم، ثم يعقد هذا الخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾، وأشهر هذه الأضرار: أ - الصرف والعطف، ويسمى "التوله"، وفي الحديث: "إن الرقى والتمائم والتوله شرك"، والعطف: أن يفعل الساحر عن طريق الجن بالمسحور ما يجعله يحب زوجته أو غيرها من النساء حبًا كبيرًا يجعله يتعلق بها ويخضع لها، والصرف عكسه. ب - إصابة المسحور بالمرض، وذلك عن طريق تلبس الجن بالمسحور، ونحو ذلك.

стр. 103

٢ - دعوى علم الغيب عن طريق التنجيم. ٣ - دعوى علم الغيب عن طريق الضرب بالحصى وقراءة الكف والفنجان، ونحوها. وقد سبق الكلام على هاتين المسألتين عند الكلام على الشرك الأكبر في الأسماء والصفات. ٤ - خداع الساحر من يأتي إليه بإقناعه بأن الجن يطيعونه، وأنه سيشفى على أيديهم، وقد يفعل الساحر بإعانة من الجن بعض الأمور الخارقه لعادة بني الإنسان، كأن يحمل الجنُّ الساحرَ، فيرتفع في الهواء أمام الناس، وقد يخبر الساحر من جاء إليه أو كلمه بهاتف أو غيره بإخباره ببعض الأشياء التي فعلها أو بإخباره باسمه أو اسم أمه، وقد يخبره بمكانه عند تكليمه له ويخبره بما يلبسه من لباس ومن هو جالس معه، ونحو ذلك مما يخبر به الجن هذا الساحر، وقد يستعين الجن الذين يتعامل معهم هذا الساحر بالقرين من الجن الذي هو ملازم لهذا الشخص الذي أتى إلى هذا الساحر أو كلمه، فيحمل هذا الخداع هذا الشخص - وبالأخص مع قلة علمه ودينه - على تصديق هذا الساحر ورجائه والخضوع له فيوقعه بذلك في عبادته، لأن الخضوع عبادة لله بلا خلاف، فمن صرفه لغير الله وقع في الشرك الأكبر. ٥ - السعي إلى إخراج المسلم من الإسلام بأمره لبعض الأمور الكفرية، فمثلًا عندما يذهب بعض المسلمين إلى الساحر طالبًا للعلاج يأمره بذبح حيوان إلى غير جهة القبلة ودون أن يذكر اسم الله عند الذبح، أو يأمره بالطواف على منزل معين، ويعده أنه إن فعل ذلك فك الجن السحر عنه وأبطلوه، فإذا فعل هذا

стр. 104

المريض هذا العمل وقع في الشرك الأكبر؛ لأنه فعل عبادة الذبح أو عبادة الطواف تقربًا إلى الجن. ٦ - سحر التخييل، ويمكن تقسيمه إلى قسمين: أ - أن يرى المسحور ويخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، ومن أمثلته: ما حصل مع النبي ﷺ ، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم - قالت - حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي. فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: فِي مشط ومشاطة. قال: وجب طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان". قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: "يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين". قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: "لا أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرا، فأمرت بها فدفنت". ب - أن يرى الإنسان الشيء فيخيل إليه أنه شيء آخر، فيرى الحجر طيرًا، ويرى الإبرة سيفًا، ونحو ذلك، ومن أمثلته: ما ذكر ربنا جل وعلا عن

стр. 105

سحرة فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦]. وهكذا بقية العبادات كالتوكُّل، والتبرك، والتعظيم البالغ، والخضوع البالغ، وقراءة القرآن، والذكر، والأذان، والتوبة والإنابة، فهذه كلها عبادات لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وسيأتي التفصيل في الشرك في بعض هذه العبادات وذكر بعض العبادات التي تذكر هنا عند الكلام على الشرك الأصغر وعند الكلام على الوسائل التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر - إن شاء الله تعالى -. النوع الثالث من أنواع الشرك في الألوهية: الشرك في الحكم والطاعة: ومن صور الشرك في هذا النوع: ١ - أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأنه مكذب للقرآن، فهو مكذب لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]، ولقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وهذا استفهام تقريري، أي أن الله تعالى أحكم الحاكمين، فليس حكم أحد غيره أحسن من حكمه ولا مثله. ٢ - أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة، وخلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله. ٣ - أن يضع تشريعًا أو قانونًا مخالفًا لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحكم به، معتقدًا جواز الحكم بهذا القانون، أو معتقدًا أن هذا

стр. 106

القانون خير من حكم الله أو مثله، فهذا شرك مخرج من الملة. ٤ - من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو عادات قبيلته - وهي ما تسمى عند بعضهم بـ: السُّلُوم - وهو يعلم أنها مخالفة لحكم الله، معتقدًا أنها أفضل من حكم الله أو مثله أو أنه يجوز الحكم بها، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. ٥ - أن يطيع من يحكم بغير شرع الله عن رضى، مقدمًا لقولهم على شرع الله، ساخطًا لحكم الله، أو معتقدًا جواز الحكم بغيره، أو معتقدًا أن هذا الحكم أو القانون أفضل من حكم الله أو مثله. ومثل هؤلاء من يتبع أو يتحاكم إلى الأعراف القبلية - التي تسمى: السُّلوم - المخالفة لحكم الله تعالى، مع علمه بمخالفتها للشرع، معتقدًا جواز الحكم بها، أو أنها أفضل من الشرع أو مثله، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة. والدليل على أن هذا كله شرك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وروي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: إنا لسنا نعبدهم؟ فقال ﷺ : "أليس يحرِّمون ما أحلَّ اللهُ، فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله، فتحلُّونه؟ " قال: قلت: بلى. فقال ﷺ : "فتلك عبادتهم". فذكر في هذا الحديث أن طاعتهم في مخالفة الشرع عبادة لهم، وذكر الله تعالى في آخر

стр. 107

الآية أن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا شرك، ولأن من كره شرع الله كفر، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]. ٦ - من يدعو إلى عدم تحكيم شرع الله، وإلى تحكيم القوانين الوضعية محاربةً للإسلام وبغضًا له، كالذين يدعون إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب في المدارس والوظائف وإلى التعامل بالربا، وإلى منع تعدد الزوجات، وغير ذلك مما فيه دعوة إلى محاربة شرع الله، فالذي يدعو إلى ذلك مع علمه بأنه يدعو إلى المنكر وإلى محاربة شرع الله ظاهر حاله أنه لم يدع إلى ذلك إلا لما وقع في قلبه من الإعجاب بالكفار وقوانينهم واعتقاده أنها أفضل من شرع الله، ولما وقع في قلبه من كره لدين الإسلام وأحكامه، وهذا كله شرك وكفر مخرج من الملة، ومن كانت هذه حقيقة حاله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن كان يظهر أنه من المسلمين فهو نفاق أيضًا، للأدلة التي سبق ذكرها في الفقرة السابقة، بل هنا أولى؛ لأن الدعوة إلى الشيء شر من مجرد اتباعه.

стр. 108

الفصل الثاني الكفر الأكبر المبحث الأول: تعريفه وحكمه: الكفر في الاصطلاح: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك يناقض الإيمان. فالكفر الأكبر يكون بالاعتقاد، ويكون أيضًا بالقول، ويكون كذلك بالفعل ولو لم يكن مع أي منهما اعتقاد. وحكم الكفر الأكبر هو حكم الشرك الأكبر، كما سبق بيانه في الفصل الأول. وإذا وقع المسلم في الكفر أو الشرك وحكم بكفره فهو "مرتد" له أحكام المرتدين، ومنها: أنه يجب قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام لقوله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" رواه البخاري، ولقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري ومسلم.

стр. 109

المبحث الثاني: أنواع الكفر للكفر أنواع كثيرة، أهمها: ١ - كفر الإنكار والتكذيب: وهو أن ينكر المكلف شيئًا من أصول الدين، أو أحكامه، أو أخباره الثابتة ثبوتًا قطعيا. وذلك بأن ينكر بقلبه، أو لسانه أصلًا من أصول الدين، أو حكمًا من أحكامه، أو خبرًا من أخباره المعلومة من دين الإسلام بالضرورة والتي ورد في شأنها نص صريح من كتاب الله تعالى، أو وردت في شأنها أحاديث نبوية متواترة تواترًا معلومًا، وأجمع أهل العلم عليها إجماعًا قطعيًا، أو ينكر ما يجزم هو في قرارة نفسه بأنه من دين الله تعالى. ومثل الإنكار بالقلب واللسان: أن يفعل ما يدل على إنكاره شيئًا من دين الله تعالى. وقد أجمع العلماء على كفر من وقع في هذا النوع - أي كفر الجحود -؛ لأنه مكذبٌ لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ ، رادٌّ لهما ولإجماع الأمة القطعي. ومن أمثلة هذا النوع من أنواع الكفر الأكبر: أ - أن ينكر شيئًا من أركان الإيمان أو غيرها من أصول الدين، أو ينكر شيئًا مما أخبر الله عنه في كتابه، أو ورد في شأنه أحاديث متواترة وأجمع أهل

стр. 110

العلم عليه إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر ربوبية الله تعالى، أو ألوهيته، أو ينكر اسمًا أو صفة لله تعالى مما أجمع عليه إجماعًا قطعيًا، كأن ينكر صفة العلم، أو ينكر وجود أحد من الملائكة المجمع عليهم كجبريل أو ميكائيل ﵉، أو ينكر كتابًا من كتب الله المجمع عليها، كأن ينكر الزبور أو التوراة أو القرآن، أو ينكر نبوة أحد من الأنبياء المجمع عليهم، كأن ينكر رسالة نوح أو إبراهيم أو هود ﵈، أو ينكر البعث للأجساد والأرواح، أو ينكر الحساب أو الجنة أو النار، أو ينكر نعيم القبر أو عذابه، أو ينكر أن الله تعالى قدَّر جميع الأشياء قبل حدوثها. ومنه: أن يصحح أديان الكفار كاليهود أو النصارى أو غيرهم، أو لا يكفرهم، أو يقول: إنهم لن يخلدوا في النار، ومنه: أن ينسب نفسه إلى غير دين الإسلام، ومنه: أن ينكر صحبة أبي بكر، أو يقود بردة الصحابة أو أكثرهم، أو يقول بفسقهم كلهم، أو ينكر وجود الجن، أو ينكر إغراق قوم نوح. ب - أن ينكر تحريم المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها، كالسرقة، وشرب الخمر، والزنى، والتبرج، والاختلاط بين الرجال والنساء، ونحو ذلك، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له الخروج على شريعة النبي ﷺ ، فلا يجب عليه الالتزام بأحكامها، فيجوز له ترك الواجبات وفعل المحرمات، أو يعتقد أن أحدًا يجوز له أن يحكم أو يتحاكم إلى غير شرع الله تعالى. ج - أن ينكر حِلّ المباحات الظاهرة المجمع على حلها، كأن يجحد حِلَّ
следующие страницы →