← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر) ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀: (قوله تعالى: (ذوا عدل منكم أوءاخران من غيركم) أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية) ا. هـ (٢) وقول السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-:: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين. ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣] وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة). ا. هـ (٣) وقول السعدي ﵀: (ودل قوله: ﴿شَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ٢]، أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين، فدل ذلك على البعث والجزاء بالأعمال في دار باقية غير فانية). ا. هـ (٤)

стр. 107

" أمثلة توضح تأثر السعدي بابن كثير: تأثر السعدي ابن كثير في بعض استنباطاته، وإن لم يصرح بذلك إلا أنه يتضح من خلال الدراسة، ومن الأمثلة على ذلك: قول السعدي ﵀: (وكثيراً ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.) ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀ (. . . كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ [البقرة: ٣٨]) ا. هـ (٢) وقول السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه) ا. هـ (٣) وقول السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداءُ بالنبي ﷺ في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق؛ إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم) ا. هـ (٤)

стр. 108

وقول السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي ﷺ الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى). ا. هـ (١)

стр. 109

المبحث الثاني: موقفه من استنباطات المفسرين . كما هو معروف أن الاستنباط في أصله مادة قليلة، فالخلاف فيها لا يظهر كثيراً، فإذا أضيف إلى ذلك منهج السعدي في ذكره الاستنباطات مختصرة، وكونه كذلك لا يذكر الخلاف فيها، ولا من قالها غالباً، فمن هنا نستطيع القول بأن السعدي لم يكن له موقف ناقد لاستنباطات من سبقه إلا في بعض المواطن القليلة إذا ما قورنت بكثرة الاستنباط عند السعدي، ومع ذلك فإن له موقف ناقد من بعض الاستنباطات، وله موقف مستأنس باستنباطات غيره من المفسرين، وإليك بعض الأمثلة التي توضح ذلك، فمن المواقف الناقدة: قول السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.) ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀: (احتجاج الفقهاء على أنه لا يجب على الزوج أن يطأ زوجته إلا في كل ثلث سنة مرة بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فيه نظر، وإنما فيها الدلالة على أن للمولي خاصة هذه المدة لأجل إيلائه، وأما غير المولي فمفهومها يدل

стр. 110

على خلاف ذلك، وأنه ليس له أربعة أشهر وإنما عليه ذلك بالمعروف) ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀: (﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم). ا. هـ (٢) وقول السعدي ﵀: (وذكر المفسرون، رحمهم الله تعالى، مناسبة لتخصيص كي جباههم وجنوبهم وظهورهم، وذلك لأنه إذا جاءهم الفقير السائل صعر أحدهم بوجهه فإذا أعاد عليه ولاه جنبه، فإذا ألح عليه ولاه ظهره فاختصت هذه الثلاث لذلك جزاء وفاقا، وظهر لي معنى أولى من هذا: وهو أن كي هذه المواضع الثلاثة هي أشد على الإنسان من غيرها، وهي متضمنة لجهاته الأربع: الأمام والخلف واليمين والشمال ; وهذه الوجوه التي يخرج منها الإنسان، فلما منعوا الواجب عليهم منعا تاما من جميع جهاتهم جوزوا بنقيض مقصودهم، فإن مقصودهم من المنع التمتع بتلك الأموال، وحصول النعيم بها وخوف وحرارة فقدها لو بذلوها فصار المنع هو عين العذاب فلو أنهم أخرجوها وقت الإمكان لسلموا من كيها وفازوا بأجرها). ا. هـ (٣)

стр. 111

وقول السعدي ﵀: (وهذه الآية، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا، فهو قول، لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية). ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀: (وقد استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] من يرى أن القُرَب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] فوصول سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف فيه، وليس فيها ما يدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره، إذا أهداه ذلك الغير له، كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه). ا. هـ (٢) ومن المواقف التي استأنس السعدي فيها باستنباطات المفسرين: قول السعدي ﵀: (وقد قال الجمهور: إن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها. والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم) ا. هـ (٣) وقول السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ

стр. 112

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم) ا. هـ (١) وقول السعدي ﵀: (ومن الأحكام: الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد، وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء) ا. هـ (٢)

стр. 113

المبحث الثالث: مميزات استنباطاته . لقد تميز السعدي في تفسيره للقرآن الكريم بالاهتمام بالاستنباط، والعناية به، فلا أدل على ذلك من تأليفه كتب يغلب عليها الاستنباط، ككتابه فوائد مستنبطة من قصة يوسف، والمواهب الربانية من الآيات القرآنية، وفتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن، وكذلك الحس الاستنباطي الذي وهبه الله للسعدي؛ إذ يتبين عند وقوفه للاستنباط في مواطن قد يغفل عنها الكثير، وكذلك سلوك السعدي للطرق الصحيحة للاستنباط جعل من استنباطاته مثلاً، ثم مع الدربة وطول الزمن أصبح السعدي في الاستنباط من القرآن ممن يشار إليهم بالبنان، ولو قلنا أن أميز ما في تفسير السعدي للقرآن استنباطاته لم يكن ذلك ببعيد، فتخصص السعدي في الاستنباط جعل لاستنباطاته مميزات. ومن أهم المميزات التي تميزت بها استنباطات السعدي ما يلي: أولاً: سلامة استنباطات السعدي من المخالفات العقدية، وهذه ميزة مهمة؛ إذ بعض المفسرين المهتمين بالاستنباط، قد وظف استنباطاته في خدمة معتقده الباطل، فجعل استنباطاته مطية لهواه ومركباً لتأويلاته الباطلة. ثانياً: ظهور القوة الفقهية في استنباطات السعدي، وذلك من خلال

стр. 114

قوة مأخذ الاستنباطات، وشمولها الفقهي، فلم تتركز في باب واحد، وإنما في أغلب أبواب الفقه. ثالثاً: الدقة في الاستنباط؛ إذ تأتي بعض استنباطات السعدي لتبين مدى الدقة المتناهية في أخذ هذا الاستنباط من هذه الآية، ولذا تراه في آيات الأحكام يستنبط أموراً تربوية، وفي القصص القرآني يستنبط قواعد فقهية، وفي آيات الأخلاق يستنبط أحكاماً فقهية. رابعاً: سهولة العبارة وجزالتها، فلم يستعمل الغريب، ولم تكن العبارة عادية في مستواها، وإنما عبارة يفهما المبتدئ، ويعرف دقتها المنتهي. خامساً: التنوع في الاستنباطات، فلم تكن استنباطات السعدي في فن واحد فقط، وإنما تعرض لعدة فنون فاستنبط لها من القرآن أدلة، بعيدة المنزع على غير قوي الاستنباط. سادساً: التفرد ببعض الاستنباطات عن باقي المفسرين، فمن خلال دراسة استنباطات السعدي، تبين أنه هناك بعض الاستنباطات لم يقل بها غيره، وهذا يظهر جلياً في استنباطاته من القصص القرآني؛ إذ يأتي بفوائد مستنبطة لم يسبق إليها (١). سابعاً: اهتمامه بالأمور العصرية التي استحدثت في زمانه وتنزيلها في مكانها المناسب في الاستنباطات (٢). تقييم استنباطات السعدي: ومع هذا الثناء والمكانة العلمية المرموقة للشيخ السعدي والمميزات

стр. 115

التي امتاز بها إلا أن تفسيره، وبعض آرائه التفسيرية والاستنباطية لم تخل من النقد، فقد وجه بعض العلماء، والباحثين انتقادات للسعدي منها ما هو صحيح ومنها ما هو غير صحيح، ومنها ما هو محل اجتهاد لا يجزم أن السعدي غلط فيه، وهذا الانتقادات على النحو التالي: أولاً: ما يتعلق باستنباط السعدي حول معنى يأجوج ومأجوج، وكونهم الأمم الموجودة الآن من الأمريكان، والصين، ونحوهم، فقد لاقى هذا الاستنباط معارضات، في عهد السعدي حيث أنكر عليه ذلك علماء نجد، بل استدعي من قبل الملك عبد العزيز بهذا الشأن (١)، وممن رد على السعدي وانتقده في ذلك الشيخ حمود التويجري في كتابه"الاحتجاج بالأثر"، وقد ذكرت ذلك في موطن دراسة هذا الاستنباط (٢)، وممن انتقده ورد عليه كذلك الشيخ عبدالكريم الحميد في رسالته الموسومة بـ"ابطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج". ثانياً: وجه الباحث علي رضا المدني، بعض الانتقادات لبعض المواطن في تفسير السعدي، وذلك في كتابه الموسوم بـ "التعقبات الجياد على تفسير السعدي لبعض الآيات"، وقد بلغ عدد المواطن التي انتقدها ثمانية عشر موطناً. وعند التأمل في الانتقادات التي أوردها المدني، نلحظ أنها بالنسبة للتفسير قليلة جداً بل نقطة في بحر حسنات السعدي، كذلك نلحظ أن منها ما هو صواب، ومنها ما هو موضع خلاف واجتهاد قد يختار السعدي فيه ما هو مرجوح، ومنها ما يكون الصواب فيه مع السعدي. فمن الأمثلة التي اختار فيها السعدي ما هو مرجوح ما قاله في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرِ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٣]، يحتمل أن الضمير في هذا الموضع، يعود إلى المشركين،

стр. 116

لأنهم مذكورون في اللفظ، والقاعدة في الضمائر، أن تعود إلى أقرب مذكور (١). فقال الناقد: (والصحيح أن الضمير يعود إلى الملائكة) (٢)، وهو اختيار الطبري، وقول الناقد هو الصحيح. ومن الأمثلة التي أخطأ فيها الناقد، انتقاده السعدي في استنباطه عدم نبوة الخضر، حيث قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبياً، بل عبداً صالحاً، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره، وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ﴿وَأَوْحَى رَبَّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]). ا. هـ (٣) فقال الناقد: (والذي عليه السلف أنه نبي) (٤)، والمسألة فيها خلاف، والصحيح ما قاله السعدي، لأن الخضر لوكان نبياً لجاء التنبيه عليه بأوضح من ذلك. والله أعلم. ثالثاً: وممن وجه بعض الانتقادات لتفسير السعدي كذلك، الشيخ محمد زهري النجار، حيث إنه حقق نص تفسير السعدي، وكان عند التحقيق تعرض لبعض المواطن، وعلق عليها، منها ما هو صواب (٥)، ومنها ما ظهر فيها من التخطئة التي لا داعي لها، حيث كانت مواطن اجتهاد، وفيها نوع تحامل على السعدي (٦)، وقد جمع الشيخ محمد آل

стр. 117

بسام المواطن الأخيرة التي فيها نوع تحامل- والتي بلغ عددها الأربعين تقريباً- ورد عليها في كتابه الموسوم بـ "كشف الستار على تلفيق وتعليق النجار على تفسير السعدي". رابعاً: وممن وجه بعض الانتقادات لتفسير السعدي كذلك، الشيخ محمد جميل زينو، فقد جمع بعض الأمور التي يرى أن السعدي أخطأ فيها، والتي أوصلها إلى أحد عشر تنبيهاً، وذلك في كتاب له سماه" تنبيهات على تفسير العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي"، وهذه التنبيهات منها ما هو صحيح (١)، ومنها ما الحق فيه مع السعدي (٢)، ومنها ما هو محل اختلاف لا يعد من اختار فيه قولاً مخطئاً؛ إذ الأمر محتمل (٣). ومن خلال ما تقدم من إيراد النقد الموجه للسعدي تبين أن أكثر النقاد توجهوا إلى نقد السعدي في اختياراته التفسيرية دون أن يكون هناك توجه إلى نقد استنباطاته إلا في أحوال يسيرة نادرة كما مر في الاستنباط الخاص بيأجوج ومأجوج، ومن خلال دراستي لاستنباطات السعدي، والعيش مع هذه الاستنباطات زمناً، في جمعها من مؤلفاته، ودراستها مقارنة باستنباطات غيره من المفسرين، يمكن أن نقيم استنباطات السعدي من خلال الآتي: أولاً: تميزت استنباطات السعدي بدقتها، وسلامتها من المخالفات العقدية، وظهور التمكن الفقهي في استنباطاته الفقهية، وتميزت كذلك بسهولة عبارتها، وتنوعها حيث لم تكن في فن واحد فقط. ثانياً: ظهر في استنباطات السعدي اهتمامه بالأمور العصرية،

стр. 118

ووضعها في مكانها المناسب من الاستنباط، مما جعل السعدي يتفرد ببعض الاستنباطات عن سابقيه من المفسرين. ثالثاً: أنه مع هذا التميز إلا أن هناك بعض استنباطات السعدي ظهر لي أنها لم تكن صحيحة، وقد بلغ عددها تسعة عشر (١)، والسبب في ذلك راجع إلى عدة أمور: ١ - عدم التنبه لموانع اعتبار مفهوم المخالفة، حيث إن السعدي في بعض الاستنباطات التي أخذها لم يتنبه لموانع اعتبار مفهوم المخالفة كخروج اللفظ مخرج الغالب (٢)، أو مجئ اللفظ للمثال (٣)، أو كون اللفظ له فائدة أخرى تمنع اعتبار مفهومه (٤)، مما جعل استنباطه لا يصح. ٢ - اعتباره دلالة الاقتران وهي دلالة ضعيفة مما جعل استنباطه الذي كان بدلالة الاقتران غير صحيح (٥). ٣ - عدم الاستناد أحياناً إلى دليل يستند إليه في الاستنباط، كما أخذ من تقييد مزدلفة بالمشعر الحرام أن عرفة حل، مع عدم لزوم ذلك، فلا يلزم من كون مزدلفة حراماً أن عرفة حلال (٦). ٤ - أخذ الاستنباط من الآية بدلالة عامة، كأخذه حجب الجد للأخوة، من باب تسمية الجد أباً، مع أن تسمية الجد أباً لا يلزم منها التساوي بين الأب والجد في كل مسألة (٧). ٥ - عدم وجود رابط قوي بين المعنى المستنبط وبين الآية المستنبط

стр. 119

منها، كما أخذ من ختم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا شَهْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (النساء: ٢٥)، بالرحمة والمغفرة أن الحدود كفارات (١). ٦ - عدم التنبه للنصوص الأخرى من الكتاب والسنة، كما استنبط من آية التيمم اشتراط الترتيب بين أعضاء التيمم، مع أن الحديث يدل على أن الترتيب ليس شرطاً (٢). ٧ - عدم الدقة أحياناً في تفسير الآية، مما يترتب عليه عدم صحة الاستنباط، وكما هو معروف أن التفسير الصحيح هو أساس الاستنباط (٣). ٨ - أن بعض الاستنباطات ربما كان متعلقاً بالعرف فلا يلزم من كونه كان في أمم سابقة أنه هو الأفضل، كما استنبط استحباب نقل الطعام إلى الضيف، بينما الأمر راجع إلى العرف فقد يكون الأفضل نقل الطعام إلى الضيف، وقد يكون الأفضل العكس (٤).

стр. 120

القسم الثاني: دراسة استنباطات الشيخ السعدي من القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس

стр. 121

سورة الفاتحة تخصيص ملك الله ليوم الدين دون غيره بالذكر لظهور ملكه وانقطاع ملك الخلائق . قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤). ١ - قال السعدي ﵀: (وأضاف الملك ليوم الدين (١)، وهو يوم القيامة، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم، يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق، حتى إنه يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد

стр. 122

والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من الآية المذكورة سبب تخصيص ذكر الله لملكه ليوم الدين مع أن ملكه أعظم وأشمل من ذلك إلا أن السبب في تخصيص ذلك بالذكر هو إظهار ملكه وانقطاع أملاك الآخرين. قال البغوي: (. . . وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له. . .) (٢). وقال جلال الدين المحلي: (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤) أي الجزاء وهو يوم القيامة وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله تعالى بدليل ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦)) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: الزجاج، وابن جرير، والواحدي، وابن الجوزي، وابن كثير، والخازن (٤). وقد أشار بعض المفسرين إلى أن قراءة من قرأ "ملك " (٥) تؤيد هذا

стр. 123

المعنى، قال أبو السعود: (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (الفاتحة: ٤) صفةٌ رابعة له تعالى، وتأخيرُها عن الصفات الأُوَل مما لا حاجة إلى بيان وجهِه، وقرأ أهلُ الحرمَيْن المحترمَيْن (ملِك) من المُلْك الذي هو عبارةٌ عن السلطان القاهر، والاستيلاءِ الباهر، والغلبةِ التامة، والقُدرةِ على التصرف الكليّ في أمور العامة، بالأمر والنهي، وهو الأنسبُ بمقام الإضافة إلى يوم الدين، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦)) (١)، كما أشار إلى هذا المعنى ابن جرير الطبري (٢)، وقال بعض المفسرين أن تخصيص الملك بالذكر هنا لتعظيم شأن ذلك اليوم فهو عظيم في جمعه وحوادثه، قال ابن عطية: (ولكن خصّصه بالذكر لعظمه في جمعه وحوادثه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجرجاني (٤)، وأبوالسعود، والقاسمي. (٥) وعند التأمل فيما ذكره المفسرون هنا نجد أنه يمكن الجمع بين الاستنباطين فيكون تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر - مع أنه مالك له ولغيره - من باب إظهار ملكه في ذلك اليوم وانقطاع أملاك الآخرين كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ (غافر: ١٦)، وكذلك لعظم هذا اليوم وما يقع

стр. 124

فيه من حوادث عظام، وعلى هذا فلا منافاة بين الاستنباطين. والله أعلم. طلب العبد الإعانة من الله دليل على أن العبد فاعل للأشياء ليس مجبوراً عليها . قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (الفاتحة: ٥). ٢ - قال السعدي ﵀: (وتضمنت إثبات مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبوراً على أفعاله (١)، وهذا يفهم من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، فلولا أن مشيئة العبد مضطر فيها إلى إعانة ربه وتوفيقه لم يسأل الاستعانة). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية وهي أن العبد فاعل للفعل حقيقة وليس مجبوراً على فعله ووجه استنباط ذلك من الآية أنه يطلب من الله الإعانة على العبادة ولا يكون ذلك إلا لمن يفعل العبادة باختياره، وهذه الآية تدل على هذا الاستنباط بدلالة اللزوم لأن من لازم طالب الإعانة على العبادة أن يكون فاعلاً للعبادة باختياره لا مجبوراً عليها وإلا لم يكن لطلبه معنى.

стр. 125

قال ابن جزي الكلبي (١): (. . . ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأن الحق بين ذلك) (٢). وهذا الاستنباط دقيق ودلالة الآية عليه في غاية الدقة، قال ابن القيم: فصل في تضمنها - أي سورة الفاتحة - الرد على الجبرية: (. . . . الوجه الثالث: إثبات العبادة والاستعانة لهم ونسبتها إليهم بقوله نبعد ونستعين وهي نسبة حقيقية لا مجازية، والله لا يصح وصفه بالعبادة والاستعانة التي هي من أفعال عبيده، بل العبد حقيقة هو العابد المستعين، والله المعبود المستعان به) (٣)، وقال حقي (٤): (. . . ففيه تحقيق لمذهب أهل السنة والجماعة إذ فيه إثبات، الفعل من العبد والتوفيق من الله كالخلق ففيه رد الجبرية النافين للفعل بقوله إياك نعبد. . .) (٥)، وممن قال به كذلك من المفسرين: السيوطي، وصديق حسن خان (٦).

стр. 126

ذِكْر الاستعانة بعد العبادة دليل على احتياج العبد لمعونة الله له على أداء العبادة . قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (الفاتحة: ٥). ٣ - قال السعدي ﵀: (وذكر ﴿الاستعانة﴾ بعد ﴿العبادة﴾ (١) مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها والمناسبة في ذلك أن العبد محتاج إلى إعانة الله له على أداء العبادة وإلا لم يستطع أن يقوم بشيء من ذلك. وقد أشار إلى هذا الاستنباط وأيده بعض المفسرين منهم: البقاعي حيث قال: (. . . ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إشارة إلى أن عبادته لا

стр. 127

تتهيأ إلا بمعونته. . .)، وكذلك ابن بدران (١) (٢). ومما يؤيد هذا الاستنباط ويؤكده أن ذكر الخاص بعد العام مع دخوله فيه له فائدة ومعنى، وفائدته هنا احتياج العبد لمعونة الله له على أداء العبادة كما يريد الله، ولو لم يكن هذا المعنى مراداً لم يكن تخصيص الاستعانة بالذكر هنا فائدة. وهذا الاستنباط له فائدة كبيرة وهي معرفة رافد من أعظم روافد الإعانة على أداء العبادة وهو الاستعانة بالله، وكذلك فيه تنشيط للعبد بأداء العبادة والإقبال عليها بنشاط وهمة لأنه يشعر بأن الله معه يعينه ويسدده (٣). الدعاء بالاهتداء إلى الصراط المستقيم من دلالات النبوة . قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (الفاتحة: ٦). ٤ - قال السعدي ﵀: (. . . وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة). ا. هـ (٤). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية دلالة من دلالات النبوة، ووجه

стр. 128

استنباط ذلك من الآية أن الهداية إلى الصراط المستقيم لا تتحقق إلا بوجود من يدل عليها وهو هنا الرسول فالاستنباط هنا بدلالة الالتزام يلزم منها ثبوت النبوة لأنه لا بد من موضح لهذا الطريق ومبين وهم الرسل. وقد بين هذا الاستنباط ابن القيم حيث قال: (. . . وتضمنت - أي سورة الفاتحة - إثبات النبوات من جهات عديدة:. . . الموضع السادس: قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فالهداية هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام وهو بعد الدلالة والبيان ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل. . .) (١). وهذا معنى دقيق ولطيف أشار إليه السعدي في هذه الآية ودلالات النبوة كثيرة ولكن استخراجها من هذه الآية يدل على عمق فهم المؤلف وعظم تدبره.

стр. 129

سورة البقرة الجمع بين الصلاة والزكاة في القرآن لأن الصلاة علامة الإخلاص والزكاة علامة الإحسان وبهما تتم سعادة العبد . قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (البقرة: ٣). ٥ - قال السعدي ﵀: (وكثيراً ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الجمع بين الصلاة والزكاة في كثير من الآيات القرآنية وأن المراد بذلك الجمع بين الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد.

стр. 130

وقد ذكر ابن كثير هذا الاستنباط وأيده بقوله: (. . . قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم. . .) (١) وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (. . . وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جداً فالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى دعاؤه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة بالإحسان إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج. . .) (٢) وأشار ابن الجوزي إلى وجه آخر لهذا الجمع وهو: أنه جمع بين فعل البدن وبين التكليف المتعلق بالمال (٣). ولا تنافي بين هذه الأوجه من المناسبات في الجمع بين الصلاة والزكاة فهو يحتمل الكل فمنها ما ذكره السعدي وهو الإخلاص والإحسان، ومنها ما ذكره ابن الجوزي وهو الجمع بين أنواع العبادات المالية والبدنية.

стр. 131

تخصيص اليوم الآخر بالذكر بعد العموم لأنه باعث على الرغبة والرهبة والعمل . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلَكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (البقرة: ٤). ٦ - قال السعدي ﵀: (ثم قال: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ و"الآخرة" اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل. . .) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص اليوم الآخر بالذكر مع أنه داخل في عموم الإيمان بالغيب، وبيَّن المناسبة في ذلك وهي أن الإيمان باليوم الآخر والوصول إلى درجة اليقين باعث على العمل، وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام، وذِكْر الخاص بعد العام إن لم يشتمل على فائدة فلا جدوى منه. قال ابن عاشور مؤيداً هذا الاستنباط: (. . . وقوله: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ عطف صفة ثانية وهي ثبوت إيمانهم بالآخرة أي اعتقادهم بحياة ثانية بعد هذه الحياة، وإنما خص هذا الوصف بالذكر عند الثناء عليهم من بين بقية أوصافهم لأنه مِلاك التقوى والخشية التي جعلوا موصوفين بها لأن هذه الأوصاف كلها جارية على ما أجمله الوصف بالمتقين فإن اليقين بدار الثواب والعقاب هو الذي يوجب الحذر والفكرة فيما ينجي النفس من العقاب وينعمها بالثواب. . .) (٢)، وكذلك ممن ذكر

стр. 132

هذا الاستنباط وأيده العثيمين (١). وهذا الاستنباط من اللفتات الدقيقة التي لا يكاد أن يُنظر إليها فأهوال اليوم الآخر، ونعيم الآخرة ولذتها لا شك أن ذلك مرغب لفعل الطاعة ومانع لفعل المعصية مما يجعل لهذا التخصيص معنى عظيم ومؤثر. ومن المفارقات العجيبة التي تدعو إلى الحيرة أن بعض من يؤمن باليوم الآخر حبسهم الكسل عن التقدم والعمل، بينما بعض من لا يؤمن باليوم الآخر لديهم من الأعمال التي نفعت البشرية شيء كثير، وهذه المفارقة تدعونا أن نتأمل هذا الاستنباط الذي فيه إشارة إلى عمل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه، وأن الإيمان باليوم الآخر ليس معناه أن ننتظر وننوح على أهوال يوم القيامة، وإنما نكون أكثر فاعلية وعملاً وإنتاجاً؛ لأن هذا هو ثمرة الإيمان باليوم الآخر. استعمال حرف الاستعلاء ((على)) في الهداية لاستعلاء صاحبها، واستعمال حرف ((في)) في الضلالة لأن صاحبها منغمس فيها محتقر . قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (البقرة: ٥). ٧ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وأتى بـ "على " في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ "في " كما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ (سبأ: ٢٤)؛ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به،

стр. 133

وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً بلاغياً وهو مناسبة التعبير بـ "على" مع الهداية والتعبير بـ "في" مع الضلالة، وأن معنى الاستعلاء مناسب للهداية فصاحب الهداية مرتفع بها، وحرف الظرفية "في" مناسب للضلالة والانغماس فيها. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور مبيناً وجه البلاغة هنا: (وجيء في جانب أصحاب الهدى بحرف الاستعلاء المستعار للتمكن تمثيلاً لحال المهتدي بحال متصرّف في فرسه يركضه حيث شاء فهو متمكّن من شيء يبلغ به مقصده، وهي حالة مُماثلة لحال المهتدي على بصيرة فهو يسترجع مناهج الحق في كل صوب، متَسعَ النظر، منشرحَ الصدر: ففيه تمثيلية مكنية وتبعية. وجيء في جانب الضالّين بحرف الظرفية المستعار لشدة التلبس بالوصف تمثيلاً لحالهم في إحاطة الضلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به لا يتركه يُفارقه ولا يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه) (٢) وقال الرازي موافقاً السعدي في هذا الاستنباط: (وذكر في الهدى كلمة " على " وفي الضلال كلمة " في " لأن المهتدي كأنه مرتَفع مطَّلع فذكره بكلمة " التعالي " والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة " في ") (٣).

стр. 134

وقد ذكر هذا الاستنباط وأيده جمع من المفسرين أيضاً منهم: الزمخشري، وأبو حيان، والبيضاوي (١). وهذا تعبير بلاغي دقيق وهو المخالفة بين حرفي الجر في الاستعمال حيث دخل حرف الاستعلاء على الهداية لبيان علو مكانة المهتدين وشرف منزلتهم في الدنيا والأخرى وتحبيب الهداية إلى الناس لأن المكان العالي محبوب لديهم. ودخول حرف الظرفية الدال على الانغماس على الضلالة لبيان مكانة الضلالة وأهلها وأنهم في سفول وحيرة وهذا فيه تنفير من الضلالة. تخصيص إعداد النار للكفار دليل على أن الموحدين لا يخلدون فيها . قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤) ٨ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾. . . وفيها أيضاً، أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار، لأنه قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ فلو كان عصاة الموحدين يخلدون فيها، لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج (٢)

стр. 135

والمعتزلة (١) (٢)) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الموحدين لا يخلدون في النار، ووجه استنباط ذلك من الآية هنا بدلالة مفهوم المخالفة حيث أن الله ذكر في الآية أن النار معدة للكافرين ومفهوم المخالفة أن غير الكافرين لا يخلدون فيها لأن النار ليست معدة لهم وإن دخلوها فهو دخول مؤقت. قال العثيمين ذاكراً هذا الاستنباط: (ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي، إذا لم يعف الله عنه، فإنه يُعذَب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما

стр. 136

بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة .. ) (١)، وممن ذكر ذلك وأيده السمعاني (٢)، والهرري (٣) (٤). وما ذهب إليه السعدي في الاستنباط من هذه الآية ومن وافقه من المفسرين صحيح فالآية تدل على أن النار أُعدت أصالة للكفار مما يُفهم منه على أن غيرهم ليس بخالد فيها وإن دخلها. والله أعلم. بيان سبب العذاب أنه الكفر دليل على أن العذاب مستحق بأسباب وهي الكفر والمعاصي . قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤).

стр. 137

٩ - قال السعدي ﵀: (. . . وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه، وهو الكفر، وأنواع المعاصي على اختلافها). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن العذاب مستحق بأسبابه كالكفر وسائر المعاصي وهذا استنباط بإحدى أنواع دلالة الالتزام وهي دلالة الإيماء والتنبيه، ووجه ذلك تعليل الحكم بكفرهم أي أن الله أعد النار للكفار لكفرهم ولو لم يكن هذا الاقتران مقصوداً لكان سياقه هنا لا معنى له. ومما يؤكد هذا الاستنباط ويؤيده أن عذاب الله وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه لا يكون ظلماً ولا تشفياً أو غلظة وقسوة بل لا يكون ذلك إلا بسبب، وهذا هو محض الحكمة والعدل ٠ (٢) وقد أكد الله هذا المعنى في كتابه في أكثر من آية فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص: ٢٨). وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (الجاثية: ٢١). وفي هاتين الآتين يتضح أن الفرق بين الفئتين إنما هو بسبب الأعمال التي يقومون بها.

стр. 138

امتنان الله على الناس بما خلقه لهم في الأرض دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة . قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (٢٩)﴾ (البقرة: ٢٩). ١٠ - قال السعدي ﵀: (وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة (١) والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة أصولية وهي أن الأصل في

стр. 139

الأشياء الإباحة والطهارة ودليله على ذلك هو أن الله امتن على الناس بما خلقه لهم في الأرض وكان السياق سياق امتنان فدل على الإباحة. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الكيا الهراسي: (يدل على إباحة الأشياء في الأصل إلا ما ورد فيه دليل الحظر) (١)، وقال القاسمي: (ومعنى لكم لأجلكم ولانتفاعكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن جزي الكلبي، والبقاعي، وابن بدران، والمراغي، والدوسري (٣) (٤). المخالفون: وممن خالف في هذا الاستنباط ابن العربي حيث يرى أن السياق سياق اعتبار فلا دلالة في الآية على هذه القاعدة، فقال مبيناً ذلك: (. . . وتحقيق ذلك أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم وجريانها في التقديم والتأخير بحكم الإرادة. . . . وليس في الإخبار بهذه العبارة عن هذه الجملة ما يقتضي حكم الإباحة ولا جواز التصرف؛

стр. 140

فإنه لو أبيح جميعه جميعهم جملة منثورة النظام لأدى ذلك إلى قطع الوصائل والأرحام والتهارش في الحطام. . .) (١). النتيجة: وسبب الخلاف هنا هو السياق فابن العربي يرى أن الآية جاءت في سياق الاعتبار فلا تدل على هذه القاعدة، وأما من رأى أن السياق سياق اعتبار وانتفاع فيرى أن في الآية دلالة على هذه القاعدة حيث أن الله أخبر بأنه خلقه لنا على وجه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة إطلاق الانتفاع فثبتت الإباحة (٢). وعند التأمل نجد أن السياق سياق اعتبار وانتفاع كما قرر ذلك بعض المفسرين قال ابن الجوزي: (. . . فبعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار. . .) (٣)، وذكر هذا أيضاً: البيضاوي والألوسي (٤)، وأشار إليه السعدي عند ذكره لهذا الاستنباط، فلا تعارض بين الأمرين حتى يكون أحدهما مانعاً من استنباط هذه القاعدة من هذه الآية، وبناء على ذلك فالآية يستنبط منها هذه القاعدة الأصولية قال ابن بدران: (. . . والذي تقتضيه الآية: أن الله خلق لنا ما في الأرض جميعاً وإذا كان مخلوقاً لنا والله تعالى ذكره في معرض النعم التي عمت المكلفين بأسرهم فيكون مباحاً لنا إلا أن يأتي بيان من الشرع يمنع شيء منه فإننا نتركه عملاً بذلك البيان. . .) (٥).

стр. 141

الجمع بين الخلق والعلم لأن الخلق دليل على علم الله وحكمته وقدرته . قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ (البقرة: ٢٩) ١١ - قال السعدي ﵀: (وكثيراً ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الجمع بين الخلق والعلم في كثير من الآيات القرآنية وهذه المناسبة هي أن الخلق أدل دليل على العلم الكامل بهذه المخلوقات علم بجزئياتها وكلياتها، ودليل كذلك على حكمته في وضع كل شيء موضعه بإتقان، ودليل على قدرته العظيمة بخلق أشياء لن يقدر أحد على خلقها. قال الرازي مؤيداً هذا الاستنباط: (. . . قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ يدل على أنه لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها) (٢) وقد ذكر هذا الاستنباط وأيده جمع من المفسرين منهم: القرطبي،

стр. 142

والبيضاوي، والبقاعي، وأبوالسعود، وابن عاشور (١). تخصيص سفك الدماء بالذكر يدل على عظم هذا الذنب وشدة مفسدته . قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبَّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (٣٠)﴾ (البقرة: ٣٠). ١٢ - قال السعدي ﵀: (. . . ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وهذا تخصيص بعد تعميم؛ لبيان شدة مفسدة القتل). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عِظم مفسدة القتل ووجه ذلك أنها ذكرت بعد العموم والخاص بعد العام يدل على معنى والمعنى هنا هو بيان شدة مفسدة القتل. قال الألوسي موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (. . . والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية) (٣)، وكذا قال ابن عاشور: (. . . وعُطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به) (٤). يؤكد هذا الاستنباط ويؤيده أمور منها:

стр. 143

أولاً: التعبير بالسفك له دلالة على قبح هذا الفعل وشناعته (١). ثانياً: ما جاء من النصوص الشرعية التي تبين صراحة إثم هذا الذنب فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (النساء: ٩٣). وقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣) وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يُصب دماً حراماً) (٢). ففي هذه النصوص دلالة واضحة على جرم هذا الذنب وشناعته. ثالثاً: أن هذا الإفراد من العموم - أي إفراد القتل بالذكر مع دخوله في عموم الإفساد في الأرض - فائدة عظمى وهي التنفير من هذه الجريمة التي ذُكرت لوحدها قسيمة للإفساد في الأرض من بين باقي أنواع الإفساد؛ بياناً لشدتها؛ وتحذيراً من الوقوع فيها. والله أعلم. تكرار الأمر بالإهباط في الآيتين لاختلاف المتعلق فالأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى . قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة: ٣٦) قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى فَمَنْ تَبِعَ

стр. 144

هُدَايَ فَلَا خَيْرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ (البقرة: ٣٨). ١٣ - قال السعدي ﵀ (. . . كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين سر تكرار الأمر بالإهباط ورأى أن السبب في هذا التكرار هو اختلاف المتعلق بهما فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى كما هو ظاهر عبارة السعدي وإن كانت مختصرة وهذا أحد التوجيهات التي نص عليها كثير من المفسرين في بيان سبب هذا التكرار (٢). وقد وافقه على هذا ابن كثير فقال: (وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول) (٣). الثاني من توجيهات سبب التكرار ما قاله الكرماني (٤) أن سبب التكرار هو أن الأول من الجنة والثاني من السماء فقال في ذلك: (. . .

стр. 145

كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة والثاني من السماء) (١). وما ذكره الكرماني ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦] عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. (٢) الثالث من التوجيهات أن سبب التكرار هو أنه للتأكيد وممن قال به البقاعي، والخازن قال الخازن: (والأصح أنه للتأكيد) (٣). والقول بأن التكرار هنا لأجل اختلاف المتعلق وللتأكيد هو الأصح؛ لأن لفظ الآيتين يدل على اختلاف المتعلق، وإعادة اللفظ كاف في قصد التأكيد، قال ابن عاشور: (. . . . كررت جملة ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] وذلك قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾. إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧] فإنه لو عقب ذلك بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف ﴿قُلْنَا﴾ لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ من قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى
следующие страницы →