← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجمع بين الخلق والعلم لأن الخلق دليل على علم الله وحكمته وقدرته . قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ (البقرة: ٢٩) ١١ - قال السعدي ﵀: (وكثيراً ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الجمع بين الخلق والعلم في كثير من الآيات القرآنية وهذه المناسبة هي أن الخلق أدل دليل على العلم الكامل بهذه المخلوقات علم بجزئياتها وكلياتها، ودليل كذلك على حكمته في وضع كل شيء موضعه بإتقان، ودليل على قدرته العظيمة بخلق أشياء لن يقدر أحد على خلقها. قال الرازي مؤيداً هذا الاستنباط: (. . . قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ يدل على أنه لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها) (٢) وقد ذكر هذا الاستنباط وأيده جمع من المفسرين منهم: القرطبي،

стр. 142

والبيضاوي، والبقاعي، وأبوالسعود، وابن عاشور (١). تخصيص سفك الدماء بالذكر يدل على عظم هذا الذنب وشدة مفسدته . قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبَّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (٣٠)﴾ (البقرة: ٣٠). ١٢ - قال السعدي ﵀: (. . . ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وهذا تخصيص بعد تعميم؛ لبيان شدة مفسدة القتل). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عِظم مفسدة القتل ووجه ذلك أنها ذكرت بعد العموم والخاص بعد العام يدل على معنى والمعنى هنا هو بيان شدة مفسدة القتل. قال الألوسي موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (. . . والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية) (٣)، وكذا قال ابن عاشور: (. . . وعُطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به) (٤). يؤكد هذا الاستنباط ويؤيده أمور منها:

стр. 143

أولاً: التعبير بالسفك له دلالة على قبح هذا الفعل وشناعته (١). ثانياً: ما جاء من النصوص الشرعية التي تبين صراحة إثم هذا الذنب فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (النساء: ٩٣). وقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣) وكذلك ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يُصب دماً حراماً) (٢). ففي هذه النصوص دلالة واضحة على جرم هذا الذنب وشناعته. ثالثاً: أن هذا الإفراد من العموم - أي إفراد القتل بالذكر مع دخوله في عموم الإفساد في الأرض - فائدة عظمى وهي التنفير من هذه الجريمة التي ذُكرت لوحدها قسيمة للإفساد في الأرض من بين باقي أنواع الإفساد؛ بياناً لشدتها؛ وتحذيراً من الوقوع فيها. والله أعلم. تكرار الأمر بالإهباط في الآيتين لاختلاف المتعلق فالأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى . قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (البقرة: ٣٦) قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى فَمَنْ تَبِعَ

стр. 144

هُدَايَ فَلَا خَيْرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ (البقرة: ٣٨). ١٣ - قال السعدي ﵀ (. . . كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين سر تكرار الأمر بالإهباط ورأى أن السبب في هذا التكرار هو اختلاف المتعلق بهما فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى كما هو ظاهر عبارة السعدي وإن كانت مختصرة وهذا أحد التوجيهات التي نص عليها كثير من المفسرين في بيان سبب هذا التكرار (٢). وقد وافقه على هذا ابن كثير فقال: (وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول) (٣). الثاني من توجيهات سبب التكرار ما قاله الكرماني (٤) أن سبب التكرار هو أن الأول من الجنة والثاني من السماء فقال في ذلك: (. . .

стр. 145

كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة والثاني من السماء) (١). وما ذكره الكرماني ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦] عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. (٢) الثالث من التوجيهات أن سبب التكرار هو أنه للتأكيد وممن قال به البقاعي، والخازن قال الخازن: (والأصح أنه للتأكيد) (٣). والقول بأن التكرار هنا لأجل اختلاف المتعلق وللتأكيد هو الأصح؛ لأن لفظ الآيتين يدل على اختلاف المتعلق، وإعادة اللفظ كاف في قصد التأكيد، قال ابن عاشور: (. . . . كررت جملة ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] وذلك قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾. إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧] فإنه لو عقب ذلك بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾ فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف ﴿قُلْنَا﴾ لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ من قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى

стр. 146

عليه قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَى﴾ الآية وهو مغاير لما بنى على قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ليحصل شيء من تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة ﴿اهْبِطُوا﴾ مجرد توكيد ويسمى هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ) (١). التعبير بقوله أول كافر أبلغ من التعبير بقوله ولا تكفروا . قال تعالى: ﴿وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ (٤١)﴾ (البقرة: ٤١). ١٤ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أبلغ من قوله: (ولا تكفروا به) لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً بلاغياً وهو أن التعبير بالنهي عن الأولية في الكفر أبلغ من النهي عن مجرد الكفر فقط وعلل ذلك بأن فيه مبادرتهم إلى الكفر وهو عكس ما يراد منهم وهو المبادرة إلى الإيمان، بل سيكون عليهم إثم من تبعهم في ذلك.

стр. 147

وقد أشار بعض المفسرين إلى هذه النكتة فقال أبو حيان: (وخص الأولية بالذكر لأنها أفحش، لما فيها من الابتداء بها) (١)، وكذا قال القرطبي: (وخص الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ) (٢). وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: البغوي، والجصاص، وابن الجوزي، والرازي، والخازن،، وابن بدران، وابن عاشور. (٣) ولاشك أن المتقدم إلى الكفر أعظم ممن يكفر بعد ذلك وإن كان الكفر مذموماً مطلقاً لكن المبادرة إليه تدل على عدم تأمل الحجة، وعلى إنشاء قدوة سيئة يقتدي بها من جاء بعدها، وكذلك يكون أعظم إثماً لأن عليه إثم من جاء بعده واقتدى به. الأمر بالركوع مع الراكعين فيه دلالة على وجوب صلاة الجماعة . قال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ (البقرة: ٤٣). ١٥ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها (٤))

стр. 148

ا. هـ (١). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية وجوب صلاة الجماعة ووجه ذلك أن الله أمر بالركوع مع الراكعين وذلك يقتضي أن تكون جماعة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بالركوع مع الراكعين، وهذا يلزم منه وجود جماعة إذ لا يكون الفرد جماعة، فدلالة الآية على وجوب الجماعة دلالة لزوم. قال الشوكاني: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة والخروج إلى المساجد. . .) (٢). وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين منهم: الجصاص، والواحدي، والرازي، والقرطبي، وأبوحيان، والبقاعي، والنسفي. (٣) ومما يقوي هذا الاستنباط كلمة "مع" في الآية فهي تقتضي الجمعية والمعية، قال أبوحيان: (. . . ويكون في قوله "مع" دلالة على إيقاعها في جماعة، لأن الأمر بإقامة الصلاة أوّلاً لم يكن فيها إيقاعها في جماعة) (٤)، كما أشار إلى ذلك ابن عطية، والقرطبي (٥).

стр. 149

التعبير عن الصلاة بالركوع دليل على ركنيته فيها . قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ (البقرة: ٤٣) ١٦ - قال السعدي ﵀: (. . . وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية ركنية الركوع ووجه ذلك أن الله عبر عن الصلاة بالركوع والتعبير عن الصلاة بالركوع الذي هو جزء منها يدل على أنه ركن فيها، ودلالة الآية عليه دلالة لزوم، حيث التعبير عن الصلاة بالركوع يلزم منه أنه ركن وإلا لم يعبر به، إذ لا يعبر عن الشيء إلا بما هو أصل فيه. قال البغوي مؤيداً هذا الاستنباط: (قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أي صلوا مع المصلين: محمد ﷺ وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة) (٢)، قال الجصاص عند ذكره فوائد هذه الآية: (. . . أحدهما: إيجاب الركوع، لأنه لم يعبر عنها بالركوع إلا وهو من فرضها. . .) (٣) وذهب بعض المفسرين إلى معنى آخر وهو أن الركوع إنما خُص بالذكر هنا لأن اليهود وهم المخاطبون في الآية لم يكن في صلاتهم ركوع فذكر الركوع هنا احترازاً عن صلاتهم، قال ابن عاشور: (وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ تأكيد لمعنى الصلاة لأن لليهود صلاة لا ركوع فيها فلكي لا يقولوا إننا نقيم صلاتنا دفع هذا التوهم بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ

стр. 150

الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾) (١) وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: البغوي، والكيا الهراسي، والبيضاوي، والألوسي (٢). ولا يمنع من اعتبار الأمرين معاً فالتعبير القرآني يسعهما جميعاً كما قرر ذلك البغوي فقال: (قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أي صلوا مع المصلين: محمد ﷺ وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع) (٣). فائدة تقييد قتل النبيين بغير حق، زيادة الشناعة وإلا قتل الأنبياء لا يكون بحق . قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (٦١)﴾ (البقرة: ٦١). ١٧ - قال السعدي ﵀: (وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية علة تقييد قتل النبيين بكونه بغير حق مع أن قتلهم لا يكون إلا كذلك، وبين أن العلة هي زيادة الشناعة عليهم بأنهم يقتلون الأنبياء بغير وجه حق وهم يعلمون ذلك ولا يجهلونه، وهذه علة خفية دقيقة يتوجه بها القيد المذكور.

стр. 151

قال أبو حيان - مؤيداً السعدي على هذا الاستنباط: (. . . ولم يرد هذا على أن قتل النبيين ينقسم إلى قتل بحق وقتل بغير حق، بل ما وقع من قتلهم إنما وقع بغير حق، لأن النبي معصوم من أن يأتي أمراً يستحق عليه فيه القتل، وإنما جاء هذا القيد على سبيل التشنيع لقتلهم، والتقبيح لفعلهم مع أنبيائهم، أي بغير الحق عندهم، أي لم يدّعوا في قتلهم وجهاً يستحقون به القتل عندهم) (١)، وقد وافق السعدي أيضاً على هذا الاستنباط بعض المفسرين منهم: ابن عطية، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور. (٢) ولجأ بعض المفسرين إلى توجيه آخر وهو أن المراد من ذلك إنما هو وصف للقتل هنا لأن القتل يوصف أحياناً بالحق ويوصف أحياناً أخرى بغير الحق، قال البغوي: (. . . فإن قيل: فلم قال: بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ قيل ذكره وصفاً للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (الأنبياء: ١١٢) ذكر الحق وصفاً للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق. . .) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: أبوالمظفر السمعاني، الخازن (٤). ولا منافاة بين التوجيهين لأن كليهما مقصود هنا فقتلهم الأنبياء موصوف بأنه بغير حق لزيادة الشناعة عليهم، قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه، فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به قيل له: ليس كذلك وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق فكان هذا تعظيماً للشنعة عليهم ومعلوم أنه لا يقتل نبي

стр. 152

بحق ولكن يقتل على الحق فصرح قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ عن شنعة الذنب ووضوحه ولم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله. . .) (١). النهي عن قول كلمة راعنا مع جوازها فيه دليل على النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (البقرة: ١٠٤). ١٨ - قال السعدي ﵀: (كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحاً، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسداً (٢)، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سداً لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم (٣)) ا. هـ (٤).

стр. 153

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة أصولية وهي قاعدة سد الذرائع، ووجه ذلك أن الله نهى المؤمنين عن قول كلمة "راعنا" مع جوازها في الأصل ولكن مُنع المؤمنون من هذه الكلمة لأن فيها تشابهاً مع المعنى الفاسد الذي يقصده اليهود. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور: (وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه وهو من أصول المذهب المالكي يلقب بسد الذرائع وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور) (١)، وقال ابن القيم: (. . . الوجه الرابع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة - مع قصدهم بها الخير - لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، ويقصدون فاعلا من الرعونة، فنهى المسلمون عن قولها؛ سداً لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبها بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون) (٢)، وممن أشار إلى هذا الاستنباط من المفسرين أيضاً: ابن عطية، والقرطبي، وحقي (٣)، كما قرر ذلك الشاطبي. (٤) المخالفون: خالف في استنباط هذه القاعدة من الآية ابن حزم، فقال: (وقد

стр. 154

احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قالوا: فنهوا عن لفظة (راعنا) لتذرعهم بها إلى سب النبي ﷺ ، وهذا لا حجة لهم فيه، لأن الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون: راعنا من الرعونة، وليس هذا مسنداً، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله ﷺ : إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى قول راعنا، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى، ولا عن رسوله ﷺ في قول أحد دونه) (١). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فلا حجة في كلام ابن حزم يعتمد عليها، وما قاله إنما هو بناء على إنكاره قاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة لها أدلة وشواهد كثيرة في النصوص، وأما قوله إن ما ورد إنما هو قول صاحب، فهذا القول جاء عن ابن عباس ﵄ (٢)، وهو من أعلم الناس بالتأويل، ولم يعلم أن أحداً أنكر عليه هذا القول من الصحابة، فيكون قوله حجة. والله أعلم. لزوم الأدب باستعمال الألفاظ الحسنة المحضة وترك غيرها . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (البقرة: ١٠٤). ١٩ - قال السعدي ﵀: (. . . وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ

стр. 155

القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً وهو استعمال الألفاظ الحسنة المحضة الخارجة عن الاحتمال، وترك الألفاظ السيئة أو التي تحتمل معنى غير لائق، وذلك قياساً على النهي في هذه الآية فالعلة الجامعة هنا احتمال الأمر غير اللائق. قال الشوكاني مؤيداً هذا الاستنباط: (. . . وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسبّ، والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سداً للذريعة ودفعاً للوسيلة، وقطعاً لمادة المفسدة، والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبيّ ﷺ بما لا يحتمل النقص، ولا يصلح للتعريض، فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: أقبل علينا، وانظر إلينا) (٢)، كما أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: الجصاص، والقرطبي، وحقي، والعثيمين (٣). تخصيص المشرق والمغرب بالذكر لأنهما محل الآيات العظيمة وملكهما فيه دلالة على ملكية غيرهما من الجهات . قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ (البقرة: ١١٥).

стр. 156

٢٠ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكاً لها، كان مالكاً لكل الجهات). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص ملكيته للمشرق والمغرب مع أنه مالك لهما ولكل شيء؛ وبين وجه مناسبة ذلك وهو أنه إذا كان مالكاً لهاتين الجهتين العظيمتين كان مالكاً لغيرهما من الجهات الأخرى من باب أولى. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (. . . والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكاً، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلاماً منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم - إذ كان له ملكهم - طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً الخازن (٣). المخالفون: خالف بعض المفسرين فقالوا إن سبب التخصيص في ذلك إنما هو للتشريف، قال أبوحيان: (أو اقتصر على ذكرهما تشريفاً لهما، حيث

стр. 157

أضيفا لله، وإن كانت الأشياء كلها لله، كما شرف البيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى) (١)، كما أشار إلى ذلك ابن عادل الحنبلي، والقرطبي (٢). وذهب آخرون إلى أن السبب في هذا التخصيص إنما هو سبب نزول هذه الآية (٣)، قال ابن عطية: (و ﴿الْمَشْرِقُ﴾ موضع الشروق، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾

стр. 158

موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية اقتضى ذلك) (١) كما أشار إلى ذلك أيضاً القرطبي (٢). والذي يظهر من كلام هؤلاء هو تأثير سبب النزول على التخصيص أياً كان هذا السبب من الأسباب التي وردت. النتيجة: والذي يظهر - والله أعلم - أن سبب التخصيص هنا له تعلق بسياق الآية وأن المؤمنين لما أخرجوا من مكة ولما منعهم الكفار من دخولها عام الحديبية وقع في نفوسهم شيء من الحزن في بعدهم عن بيت الله الحرام فجاء هذا التخصيص لإزالة الحزن وبيان أن العبودية لله لا تختص بمكان معين بل المكان الذي هو أرضى لله هو الأفضل وإن لم يكن ذلك في البيت الحرام، قال ابن عاشور: (لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضى الله تعالى ومن كانت وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغني عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها) (٣).

стр. 159

نفي نيل الإمامة في الدين للظالمين دل بمفهوم المخالفة على أن غير الظالمين ينالونها إذا باشروا أسبابها . قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (البقرة: ١٢٤). ٢١ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ أي: لا ينال الإمامة في الدين (١)، من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟ ودل مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن غير الظالم ينال الإمامة إذا بذل أسبابها، ووجه ذلك أن الله بين أن الظالم لا ينال الإمامة فدل بمفهوم المخالفة - مفهوم الصفة - أن غير الظالم ينال الإمامة، قال مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى

стр. 160

به، وأما من كان ظالماً فلا ولا نُعْمَةَ (١) عَيْنٍ (٢). قال أبو حيان موافقاً السعدي في هذا الاستنباط: (ودل بمفهومه الصحيح على أنه ينال عهده من ليس بظالم) (٣)، وقال بذلك أيضاً من المفسرين: البيضاوي، وجلال الدين المحلي، والألوسي، وابن عاشور،، والهرري (٤). المخالفون: خالف في ذلك أبوالسعود ورأى أنه ليس بالضرورة أن من ليس ظالماً ينال الإمامة لاستحالة ذلك، فقال: (﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ليس هذا رداً لدعوتِه ﵇ بلْ إجابةً خفيةً لها وعِدَةً إجماليةً منه تعالى بتشريف بعضِ ذريتِه ﵇ بنيل عهدِ الإمامةِ حسبما وقع في استدعائه ﵊ من غير تعيين لهم بوصفٍ مميزٍ لهم عن جميع مَنْ عداهم فإن التنصيصَ على حرمانِ الظالمين منه بمعزلٍ من ذلك التمييزِ إذ ليس معناه أنه ينالُ كلَّ من ليس بظالم منهم ضرورةَ استحالةِ ذلك كما أشير إليه ولعل إيثارَ هذه الطريقةِ على تعيين الجامعين لمبادئ الإمامة من ذريته إجمالاً أو تفصيلاً وإرسالَ الباقين لئلا ينتظمَ المقتدون بالأئمةِ من الأمةِ في سلك المحرومين، وفي تفصيل كل فِرقةٍ من الإطناب ما لا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييبِ الكفرةِ الذين كانوا يتمنَّوْن النبوة، وقطعِ أطماعهمَ الفارغةِ من نيلها) (٥).

стр. 161

النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح ومما يؤيده أن حكم أحد الضدين يثبت به الآخر، قال ابن عاشور: (وقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز، وإنما لم يُذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر. . . ولأن المربي يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين) (١). والله أعلم. تكرار الآيتين لقطع التعلق بالمخلوقين وأن المعول عليه عمل الإنسان نفسه لا أسلافه . قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ (البقرة: ١٤١) ٢٢ - قال السعدي ﵀: (. . . وكررها (٢)، لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرد للرجال). ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي مناسبة تكرار هاتين الآتين؛ وأن سبب التكرار قطع

стр. 162

تعلق القلوب بالمخلوقين فلا ينفع الإنسان إلا كسبه لا نسبه. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الألوسي: (. . . تكرير لما تقدم للمبالغة في التحذير عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم كما يقال: اتق الله اتق الله. . .) (١)، وممن قال به أيضاً البيضاوي، وأبو السعود، وحقي، والشوكاني، وابن عاشور، والدوسري، والهرري (٢). المخالفون: وقال بعضهم أن سبب تكرار هاتين الآيتين؛ هو اختلاف المخاطب ففي الأولى المراد بالأمة الأنبياء، وفي الثانية المراد أسلاف اليهود. (٣) النتيجة: التكرار في هاتين الآيتين لأجل التخويف والتهديد من الاعتماد على عمل الأسلاف وأن الإنسان مسؤول عن نفسه، والتأكيد على هذا المعنى في نفوس الناس، قال ابن عاشور: (تكرير لنظيره الذي تقدم آنفاً لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السامعين اهتماماً بما تضمنه لكونه معنى لم يسبق سماعه للمخاطبين فلم يقتنع فيه بمرة واحدة) (٤). وأما القول بأن سبب التكرار هو اختلاف المخاطب فهو وإن كان

стр. 163

تأسيساً، والتأسيس أولى من التأكيد إلا أنه قول فيه تعسف فلا دليل يؤيده ولا قرينة تساعده، قال الألوسي بعد ذكره لهذا القول: (ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الظاهر). (١) وصف العلماء بالعدل والخيار، وقبول شهادتهم؛ دليل على أن إجماعهم حجة . قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (١٤٣)﴾ (البقرة: ١٤٣). ٢٣ - قال السعدي ﵀: (وفي الآية دليل على أن إجماع (٢) هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: ﴿وَسَطًا﴾ فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية دليلاً أصولياً على حجية الإجماع وهو أن من وصفوا بالعدل والخيار، وقبول الشهادة كذلك، يقتضي أن ما أجمعوا عليه فهو حجة يجب قبوله وإلا لم يكن لهذه الأوصاف قيمة.

стр. 164

الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (. . . وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجهين: أحدهما: وصفه إياها بالعدالة وأنها خيار، وذلك يقتضي تصديقها والحكم بصحة قولها وناف لإجماعها على الضلال، والوجه الآخر قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بمعنى الحجة عليهم، كما أن الرسول لما كان حجة عليهم وصفه بأنه شهيد عليهم، ولما جعلهم الله تعالى شهداء على غيرهم فقد حكم لهم بالعدالة وقبول القول؛ لأن شهداء الله تعالى لا يكونون كفارا ولا ضلالا، فاقتضت الآية أن يكونوا شهداء في الآخرة على من شاهدوا في كل عصر بأعمالهم دون من مات قبل زمنهم، كما جعل النبي ﷺ شهيداً على من كان في عصره) (١)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: السمعاني، والقرطبي، والبيضاوي، والسيوطي، والقاسمي (٢). المخالفون: خالف في ذلك بعض المفسرين وقالوا إن الآية غاية ما تدل عليه فضيلة هذه الأمة جمعاء فلا دلالة فيها البتة على نفي أو إثبات الإجماع، قال الألوسي: (. . . على أن من نظر بعين الإنصاف لم ير في الآية أكثر من دلالتها على أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم، وذلك لا يدل على حجية إجماع ولا عدمها) (٣)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: الطوفي، وابن عاشور. (٤)

стр. 165

النتيجة: أن الآية لا تدل صراحة على حجية الإجماع لأنها تتحدث عن عدالة جميع الأمة لاعن طبقة العلماء المختصين بالإجماع، ولكن يمكن أن يستأنس بها من ناحية أن المعنيين بالإجماع هم ممن وصفهم الله بالعدالة فإذا توافقوا كان توافقهم حجة، قال ابن عاشور: (. . . والحق عندي أن الآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدحٌ للأمة كلها لا لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هاته الجهة على حجية الإجماع الذي هو من أحوال بعض الأمة، لا من أحوال جميعها، فالوجه أن الآية دالة على حجية إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة وهو المعبر عنه بالتواتر وبما علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبي ﷺ مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشريعة، به فسرت المجملات وأسست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام واعتبر فيه غيره عدد التواتر، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليين بأنه مقدم على الأدلة كلها. وأما كون الآية دليلاً على حجية إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ من الآية إلاَّ بأن يقال إن الآية يستأنس بها لذلك فإنها لما أخبرت أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطاً بالنسبة للعلماء وفَهْماً بالنسبة للعامة، فإذا كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قَيِّمة وهو معنى كونها وسطاً، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكلَّ فرد، ولما كان الوصف الذي ذكر أثبتَ لمجموع الأمة قلنا إن هذا المجموع لا يقع في

стр. 166

الضلال لا عمداً ولا خطأ، أما التعمد فلأنه ينافي العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظراً، وقد وقع الأمران للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها، ثم إن العامة تأخذ نصيباً من هذه العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال) (١). السعي بين الصفا والمروة لا يصلح أن يكون عبادة مستقلة . قال تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ (البقرة: ١٥٨). ٢٤ - قال السعدي ﵀: (﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة، أنه لا يتطوع بالسعي مفردا (٢) إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه يشرع مع العمرة والحج، وهو عبادة مفردة). ا. هـ (٣)

стр. 167

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز التطوع بالسعي مفرداً؛ فالسعي ليس عبادة مستقلة بل لابد أن يكون في حج أو عمرة، ووجه ذلك أن الله نفى الجناح فيمن سعى في الحج أو العمرة فدل هذا التقييد على عدم جواز إفراد السعي. قال الرازي: (واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾) (١)، وممن قال به أيضاً النيسابوري (٢)، وأبو حيان، والهرري (٣). التطوع المثمر لا يكون إلا بالخير . قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ (البقرة: ١٥٨). ٢٥ - قال السعدي ﵀: (. . . وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ودل تقييد التطوع بالخير (٤)، أن من تطوع بالبدع، التي لم يشرعها الله

стр. 168

ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شراً له إن كان متعمداً عالماً بعدم مشروعية العمل) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن التطوع بالبدع غير مقبول لأن التقييد في الآية بالخير دال على أن ما ليس بخير فلا يكون مقبولاً، فدلالة الآية على ذلك بمفهوم المخالفة، حيث إن مفهوم القيد يدل على أن التطوع بغير الخير غير مقبول ولا مشروع. وهذا الاستنباط مؤيد بما صح عن النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢) وعند مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣). الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ (البقرة: ١٦٨). ٢٦ - قال السعدي ﵀: (وفيه دليل على أن الأكل بقدر ما

стр. 169

يقيم البنية واجب، يأثم تاركه لظاهر الأمر (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأكل بما يقيم البنية واجب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الأمر في الآية للوجوب، والحد الأدنى من القيام بالأمر هو الأكل بقدر ما يقيم البنية. وعند التأمل نجد استنباط هذا الحكم من هذه الآية فيه بُعد؛ والسبب في ذلك أن الأمر في الآية للإباحة وليس المقصود به الوجوب، قال أبوحيان: (كلوا: أمر إباحة وتسويغ) (٣)، وكذا قال غيره من المفسرين: كالنسفي، والماوردي، وابن عرفة (٤) (٥). لكن الحكم المستنبط وهو الأكل بقدر ما يقيم البنية ويحفظ حياة الإنسان واجب بعموم النصوص التي تحرم على الإنسان قتل نفسه، والإلقاء بها في التهلكة، والأمر بالحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي أوجب الشارع المحافظة عليها. والله أعلم.

стр. 170

عدم الشكر دليل على عدم عبادة الله وحده . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ (البقرة: ١٧٢). ٢٧ - قال السعدي ﵀: (وقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ (١) أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر الله، لم يعبده وحده، كما أن من شكره، فقد عبده، وأتى بما أمر به) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من لم يشكر الله لم يعبده، ووجه ذلك من مفهوم المخالفة - مفهوم الشرط- حيث إن المعنى إن كنتم تعبدون الله فاشكروه، ومفهومه انتفاء العبادة عند انتفاء الشكر. الموافقون: وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال البيضاوي: (﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه مولى النعم، فإن عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإِتمامه، وهو عدم عند عدمه) (٣)، وممن قال به أيضاً: ابن كثير، وأبو السعود (٤).

стр. 171

المخالفون: خالف بعض المفسرين، وقالوا إن المراد بالشرط هنا التثبيت وهز النفس، قال أبوحيان: (ولا يراد بالشرط هنا إلا التثبت والهز للنفوس، وكأن المعنى: العبادة له واجبة، فالشكر له واجب، وذلك كما تقول لمن هو متحقق العبودية إن كنت عبدي فأطعني، لا تريد بذلك التعليق المحض، بل تبرزه في صورة التعليق، ليكون أدعى للطاعة وأهز لها) (١)، وممن قال به أيضاً ابن عطية، والخازن، وحقي (٢). النتيجة: والصحيح هو الجمع بين الوجهين من هذا الاستنباط فإن مفهوم الشرط هنا معمول به، كذلك يراد به التثبيت وهز النفس، فلا منافاة بين الوجهين. والله أعلم. ختم الله هذه الآية بهذين الاسمين المناسبين للإباحة والتوسعة على العباد . قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة: ١٧٣). ٢٨ - قال السعدي-﵀: (وهذه الإباحة والتوسعة، من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين

стр. 172

غاية المناسبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختمها بالاسمين العظيمين لله ﵎ وهما الغفور والرحيم؛ وأن مناسبة ذلك أن الله لما أباح لهم في حال الاضطرار أشياء محرمة وكان في ذلك رحمة بهم ناسب ختمها بهذين الاسمين الدالين على ذلك. الموافقون: قال ابن عاشور) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ تذييل قصد به الامتنان، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب (٢). . .) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، والشوكاني (٤). المخالفون: بينما ذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين أنه لما ذكر أشياء محرمة اقتضى المنع منها، ثم ذكر إباحتها للمضطر في تلك الحال المقيدة له، أتبع ذلك بالإخبار عن نفسه بأنه تعالى غفور رحيم، لأن المخاطب بصدد أن يخالف، فيقع في شيء من أكل هذه المحرمات، فأخبر بأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بهم، أو لأن

стр. 173

المخاطب، إذا اضطر فأكل ما يزيد على قدر الحاجة، فهو تعالى غفور له ذلك، رحيم بأن أباح له قدر الحاجة (١). وقال بعضهم: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك (٢). وذكر بعض المفسرين أنه لا يصل إلى درجة أكل المحرم اضطرارا إلا بذنب فناسب ذكر المغفرة هنا لأنه لولا المغفرة لتممت عليه عقوبته وفي قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدها إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله (٣). وهذا الوجه فيه بعد وتكلف حيث أن المؤمن الصالح قد يقع في حال اضطرار إلى فعل ما يحرم عليه ابتلاء له، لا عقوبة بسبب ذنب. النتيجة: والأصح في ذلك أن ذكر هاذين الاسمين مناسبته بأن الله رحيم بهم من الهلكة فأباح لهم المحرم بقدر ما يحفظ حياتهم لأن الضرورة تقدر بقدرها، والله غفور لذنبهم متجاوز عنهم فيه لأنهم لم يرتكبوه عمداً وإنما عن اضطرا، فربْط هذه المناسبة بالحكم الفقهي الذي ذكر قبلها هو الصحيح؛ لظهور المناسبة.

стр. 174

الضرورات تبيح المحظورات . قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة: ١٧٣). ٢٩ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات (١) "فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، ووجه ذلك بالقياس فالمذكورات في الآية الأصل فيها أنها محرمة إلا أنها مع وجود الضرورة أبيحت فدل على أن كل محظور يباح عند الضرورة إليه. قال الجصاص: (قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. . . فقد ذكر الله تعالى الضرورة. . .، وأطلق الإباحة. . . بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها) (٣)، كما قرر ذلك أيضاً بعض المفسرين منهم: العثيمين (٤).

стр. 175

يجب على القاتل وعلى أوليائه مساعدة ولي المقتول في تنفيذ القصاص إن كانت هذه رغبته . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. . . (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣٠ - قال السعدي ﵀: (وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من توجيه الخطاب للمؤمنين أنه يجب عليهم التعاون مع ولي المقتول في تنفيذ القصاص وتمكينه من ذلك. وأشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال البقاعي: (وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) (٢)، وقال الرازي: (يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر) (٣)، وممن أشار إليه كذلك: حقي، وابن الفرس (٤).

стр. 176

وهذا من الاستنباطات الدقيقة، والنافعة، حيث إن المتأمل للثأرات القبلية، يعلم أن ما يحدث فيها من فتن إنما هو بسبب حماية القاتل وعدم تسليمه للقصاص. كما أن هذا الاستنباط فيه ضبط لما يستجد الآن من مطالبات لولي المقتول بالتنازل حتى إنه يصبح ملاماً لو لم يستجب، فإذا عُلم أنه يريد القصاص فلا ينبغي الإكثار عليه وإنما ينبغي مساعدته لإقامة القصاص وهذا كله مأخوذ من معنى هذا الاستنباط. كما أنه فيه قضاء على الجاهلية المنتشرة خصوصاً في المجتمعات القبلية وهي استعياب تسليم الجاني ويعدون هذا من المعايب التي يلامون عليها، بينما هذا الاستنباط يقضي على ذلك ويربط القضية بالإيمان بالله. كما أن في هذا الاستنباط إشارة إلى حكمة من حكم إقامة القصاص، وهي حفظ الأنفس البريئة التي تذهب في الثارات الجاهلية فإذا تعاون الجميع أولياء القاتل والمقتول على إقامة القصاص كان في ذلك إطفاء لنار الثأر في القلوب والتي عادة يذهب ضحيتها الأبرياء. مفهوم الحر بالحر يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ. . . (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ودل

стр. 177

بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد (١)، لكونه غير مساوٍ له) ا. هـ (٢). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الحر لا يقتل بالعبد، ووجه دلالة الآية عليه بمفهوم المخالفة حيث أن تخصيص القصاص بين الحر والحر دال بمفهومه على أن الحر لا يقتل بالعبد. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الخازن: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد) (٣)، وممن قال

стр. 178

به أيضاً: ابن العربي، والرازي، والطوفي (١)، وجلال الدين المحلي (٢). المخالفون: خالف السعدي في هذا المفهوم من الآية بعض المفسرين، قال أبو السعود: (وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضاً لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ. . .) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن جرير الطبري، والجصاص، والبيضاوي، والألوسي، والهرري (٤). النتيجة: الآية لا تدل على أن الحر لا يقتل بالعبد؛ فلا اعتبار بعموم مفهوم القيد؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلاّ الاحتراز عن نقيضه، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم، وحينئذٍ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك (٥)، قال الألوسي: (فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من قتل العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر

стр. 179

بالعبد والذكر بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون للتخصيص فائدة أخرى، والحديث (١) بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات المساواة بين حر وحر وعبد وعبد) (٢). وقال الشيخ زاده (٣): (وتقرير الجواب أن الآية إنما تدل على مشروعية القصاص عند تحقق الموافقة بين القاتل والمقتول ذكورة وحرية ولا تدل بمفهومها على انتفاء القصاص عند اختلافهما بحسب الذكورة أو الحرية؛ لأن المفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة سوى الدلالة على انتفاء الحكم عنه عند انتفاء القيد وقد مر أن له فائدة سواها وهي إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه) (٤). مفهوم الأنثى بالأنثى ليس فيه دلالة على أن الرجل لا يقتل بالمرأة قال تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣٢ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أخذ

стр. 180

بمفهومها بعض أهل العلم (١) فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط بعض العلماء من هذه الآية أن الرجل لا يقتل بالمرأة أخذاً بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ورد السعدي هذا الاستنباط من وجهين: أحدهما: دلالة السنة (٣) على أن الرجل يقتل بالمرأة. ثانياً: أن منطوق قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ - وهو عام في الذكر والأنثى- مقدم على مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، والمنطوق عندما يتعارض مع المفهوم يقدم المنطوق (٤). ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي الإجماع على أن الرجل يقتل بالأنثى، قال ابن عطية: (وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل) (٥). وممن وافق السعدي على ذلك: الجصاص، والرازي، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، والألوسي، وابن عاشور، وصديق حسن خان، والعثيمين، والهرري (٦).
следующие страницы →