قناديل العلم
سلسلة قناديل الدراسات القرآنية
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة
د. سيف بن منصر بن علي الحارثي
بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه في القرآن الكريم وعلومه
كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية - الرياض
стр. 2
قناديل العلم
جميع الحقوق محفوظة
دار قناديل العلم للنشر والتوزيع
info@qanadeelalem.com
الطبعة الأولى ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م
стр. 3
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
المقدمة
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع أثره إلى يوم الدين.
أما بعد
فإن الله أنزل القرآن العظيم المجيد نوراً مبيناً، وذكراً حكيماً، وهدى وبشرى للمسلمين، وذكرى ورحمة للمؤمنين، وهدى وموعظة للمتقين، وبرهاناً وشفاء لما في الصدور ومباركاً، أنزله الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ولما كان القرآن بهذه المنزلة العالية الرفيعة، والمكانة المرموقة، اشتغل به علماء الإسلام قديماً وحديثاً تلاوة، وحفظاً، وفهماً، وتدبراً، وعملاً بما فيه، وأولوا تفسيره اهتماماً بالغاً، وهذا كله من حفظ الله لهذا الكتاب الذي تكفل الله بحفظه.
وكان من أبرز جوانب اهتمام العلماء بالقرآن الكريم محاولة استنباط الأحكام الشرعية، والهدايات القرآنية، والمعاني التربوية والسلوكية ونحو
стр. 7
ذلك مما يأتي بعد تفسير اللفظ القرآني ومعرفة حقيقة معناه؛ لأن ذلك يفتح باباً عظيماً من أبواب الانتفاع بالقرآن الكريم وتدبره ومعرفة عظمته؛ إذ يحتوي على كل ما تحتاجه البشرية في حياتها، وممن كان له القدح المعلى في ذلك العلامة عبدا لرحمن السعدي ﵀ وبعد قراءة كتبه في التفسير وعلوم القرآن تبين لي تميزه في هذا الجانب؛ فعقدت العزم متوكلاً على الله بعد الاستشارة على اختيار موضوع:
((استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة)).
وكان لاختياري هذا الموضوع أسباباً منها:
أولاً: قيمة هذا الموضوع العلمية؛ إذ هو متعلق بفهم الآية القرآنية فهماً صحيحاً ثم استنباط ما يمكن استنباطه من الآية وهذا فيه مزيد عناية وتدبر لكلام الله .
ثانياً: إعطاء الدارس لهذا الموضوع فرصة الإطلاع على طرق العلماء في الاستنباط من القرآن ودراستها مما يساهم في بناء شخصية الباحث في هذا الجانب المهم المتعلق بالقرآن.
ثالثاً: مكانة الشيخ السعدي التفسيرية وتميزه في جانب الاستنباط بل كثرة اعتنائه بالاستنباط من القرآن حيث قال عن ذلك في تفسيره: (. . . وأن لا يكون المتدبر مقتصراً على مجرد معنى اللفظ. . . فإذا فهمه فهماً صحيحاً على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه. . . . وقد كان في تفسيرنا هذا كثير من هذا منّ الله به علينا. . .) تفسير السعدي ص (٧٣٣).
رابعاً: ثناء العلماء على جانب الاستنباط في تفسير الشيخ السعدي، قال الشيخ محمد العثيمين ﵀: (ومنها دقة الاستنباط فيما تدل عليه الآيات من الفوائد والأحكام والحكم وهذا يظهر جلياً في بعض الآيات كآية الوضوء في سورة المائدة حيث استنبط منها خمسين حكماً وكما في
стр. 8
قصة داود وسليمان في سورة ص). تفسير السعدي (ص ١١)، وقال الشيخ عبدالله بن عقيل: (وقد اهتم بترسيخ العقيدة السلفية، والتوجه إلى الله، واستنباط الأحكام الشرعية، والقواعد الأصولية، والفوائد الفقهية إلى غير ذلك من الفوائد الأخرى التي لا توجد في غير تفسيره) تفسير السعدي (ص ٩)
خامساً: أن في هذه الاستنباطات القرآنية تأصيلاً قرآني لبعض القضايا سواء الفقهية أو العقدية أو التربوية والسلوكية والتي قد يخفى تأصيلها قرآنياً.
سادساً: أن في هذه الدراسة إضافة لبيان جهود الحنابلة ﵏ في جانب مهم ودقيق من جوانب التفسير وهو الاستنباط من القرآن ولكن وفق الطرق الصحيحة للاستنباط.
وأما حدود البحث:
فالاستنباطات المراد دراستها هنا هي التي لا يدل عليها النص مباشرة وإنما تؤخذ من إحدى دلالات النص كدلالة الالتزام أو التضمن أو المفهوم ونحو ذلك، وبهذا لا يدخل في هذا البحث ما دل عليه النص دلالة ظاهرة مما لا يحتاج إلى استنباط.
وقد قمت بتتبع استنباطات العلامة السعدي ﵀ من القرآن الكريم فبلغت (٤٥٠) أربعمائة وخمسين استنباطاً تقريباً مابين استنباطات عقدية وأخرى فقهية وغيرها لغوية وكذلك مناسبات بين الآيات أو مناسبات ألفاظ لآيات وكذلك استنباط قواعد أصولية وفقهية، واستنباطات تربوية وسلوكية وغيرها في السياسة الشرعية ونحو ذلك.
وكانت خُطة البحث كالتالي:
يتكون البحث من مقدمة، وقسمين، وخاتمة، وفهارس، وذلك على النحو التالي:
стр. 9
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وحدود البحث، وخطة البحث، ومنهج الكتابة فيه.
تمهيد: - تعريف الاستنباط لغة واصطلاحاً.
- وكذلك بيان أهميته، وكيفية الوصول إليه.
القسم الأول: الشيخ عبد الرحمن السعدي، ومنهجه في الاستنباط، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ عبدا لرحمن السعدي، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حياته الشخصية، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته.
المطلب الثاني: مولده، ونشأته، ورحلاته العلمية.
المطلب الثالث: مذهبه العقدي.
المطلب الرابع: مذهبه الفقهي.
المبحث الثاني: حياته العلمية، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أشهر شيوخه وتلاميذه.
المطلب الثاني: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المطلب الثالث: آثاره العلمية.
المطلب الرابع: وفاته.
الفصل الثاني: صيغ الاستنباط، وطريقة عرضها عند الشيخ السعدي، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: صيغ الاستنباط.
المبحث الثاني: طريقة عرض الاستنباط.
стр. 10
الفصل الثالث: موضوعات الاستنباط من القرآن عند الشيخ السعدي، وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: استنباطات في علوم القرآن.
المبحث الثاني: استنباطات عقدية.
المبحث الثالث: استنباطات فقهية.
المبحث الرابع: استنباطات أصولية.
المبحث الخامس: استنباطات لغوية.
المبحث السادس: استنباطات إعجازية.
المبحث السابع: استنباطات تربوية وسلوكية.
المبحث الثامن: استنباطات السياسة الشرعية.
الفصل الرابع: منهج الشيخ السعدي في طرق الاستنباط من القرآن، وفيه أحد عشر مبحثاً:
المبحث الأول: الاستنباط بدلالة الالتزام.
المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).
المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).
المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة الاقتران.
المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة التضمن.
المبحث السادس: الاستنباط بالقياس.
المبحث السابع: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.
المبحث الثامن: الاستنباط من نص ظاهر المعنى.
المبحث التاسع: الاستنباط من نص خفي المعنى.
المبحث العاشر: الاستنباط من نص واحد.
стр. 11
المبحث الحادي عشر: الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر.
الفصل الخامس: تأثر الشيخ السعدي باستنباطات المفسرين، وموقفه منها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تأثره باستنباطات المفسرين.
المبحث الثاني: موقفه من استنباطات المفسرين.
المبحث الثالث: مميزات استنباطاته.
القسم الثاني: دراسة استنباطات الشيخ السعدي من القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.
الخاتمة: وفيها بيان لأهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس الفنية للبحث، وهي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس القراءات.
٣ - فهرس الأحاديث، والآثار.
٤ - فهرس الأعلام المترجم لهم.
٥ - فهرس الفرق والقبائل.
٦ - فهرس البلدان والأماكن.
٧ - فهرس المصادر والمراجع.
٨ - فهرس الموضوعات.
وأما بالنسبة لمنهجي في البحث، فقد سلكت المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك كالتالي:
١ - قمت بجمع المادة العلمية في الاستنباطات من مؤلفات السعدي، ثم رتبتها على حسب ترتيب السور والآيات، وفيما يتعلق بالاستنباطات من القصص القرآني رتبته حسب الآيات دون النظر إلى ترتيب السعدي، وعندما يذكر الاستنباط بالأرقام فإني أحذف الأرقام مكتفياً بقوله"منها"أو"فيها".
٢ - كتبت من الآية ما يتعلق بالاستنباط فقط - قبل ذكر استنباط السعدي - مع عزوها إلى سورتها ورقم الآية.
٣ - التزمت بنص كلام السعدي في الاستنباط دون غيره من الاستطرادات مع التعليق علي ما يحتاج إلى إيضاح في الحاشية.
٤ - رقمت الاستنباطات برقم تسلسلي عام يبدأ من أول الرسالة حتى
стр. 12
نهايتها، وإذا تكرر الاستنباط فإني اكتفي بذكره عند الآية الأولى وأشير إلى مواضع الباقي فقط، وأما إذا ذكر في الآية أكثر من استنباط فدرست كل استنباط على حده وبرقم خاص.
٥ - بعد كتابة استنباط الشيخ السعدي تأتي دراسة الاستنباط مباشرة تحت عنوان ((الدراسة)).
٦ - وكانت دراستي لاستنباطات الشيخ السعدي من خلال:
أ - بيان وجه الاستنباط.
ب- تحليل الاستنباط ببيان حجية استنباطه ونوع دلالة الآية عليه.
ج- عندما يكون في الاستنباط خلاف فإني أذكر من وافق أو خالف في الاستنباط مع بيان البراهين ثم تحديد المختار مع دليله تحت ما يسمى بالنتيجة.
٧ - قمت بتوثيق القراءات، المتواتر منها والشاذ، وعزوها إلى مصادرها الأصلية.
٨ - قمت بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها، وما أخرجه الشيخان أو أحدهما فإني أعزوه إليهما، أو إلى أحدهما وأكتفي بذلك، وما لم يخرجه الشيخان أو أحدهما فإني أنقل كلام أهل العلم عليه بالقبول أو الرد إن وُجِد.
٩ - قمت بتخريج الآثار وعزوها إلى مصادرها.
١٠ - قمت بإحالة كلام أهل العلم إلى موضعه في كتبهم إن كانت موجودة أو إلى أوثق المصادر المعتمدة في ذلك.
١١ - شرحت الألفاظ الغريبة وبينت معانيها من مصادرها المعتمدة.
١٢ - قمت بالتعريف بالأعلام غير المشهورين دون غيرهم، وكذلك التعريف بالفرق والأماكن والبلدان في أول موطن ترد فيه.
стр. 13
١٣ - عزوت إلى المصادر، مع عدم ذكر اسم المؤلِّف إلا إذا كان اسم الكتاب مُشترَكاً بين أكثر من واحد.
١٤ - أغفلت ذكر المعلومات التفصيلية عن المصادر أثناء البحث اكتفاء بذكرها في فهارس المصادر والمراجع.
١٥ - رتبت المصادر أثناء البحث حسب وفاة مؤلفيها.
١٦ - ذيلت البحث بفهارس عدة منها: فهرس الآيات القرآنية، وفهرس القراءات، وفهرس الأحاديث النبوية والآثار، وفهرس الأعلام المترجم لهم، وفهرس الفرق والقبائل، وفهرس البلدان والأماكن، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
وفي ختام هذه المقدمة أتوجه بالشكر إلى الله على ما منَّ به علينا من توفيق وسداد، وتيسير، ثم أتقدم بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين بالرياض "قسم القرآن وعلومه" على إتاحة هذه الفرصة المباركة.
كما أتقدم بالشكر والتقدير لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور /أحمد سعد محمد محمد الخطيب - وفقه الله - لما أسداه إليَّ من معروف باطلاعه على هذا البحث، ثم تتويج هذا الاطلاع برأي سديد، وتوجيه مفيد، فقد وجدت فيه المشرف المحقق، المدقق، الناصح، قراءة دقيقة، وأمانة عميقة، وخلق حسن، وجودة إقناع، وعناية فائقة بكل ما يثري البحث ويفيد الباحث، فله مني الشكر والدعاء، وله من الله الأجر والثواب.
كما أتقدم بالشكر إلى وزارة الشؤون الإسلامية ممثلة في معالي الوزير / صالح بن
عبد العزيز آل الشيخ، وفضيلة الشيخ / صالح بن إبراهيم الدسيماني، مدير عام فرع الوزارة بنجران، على ما أولوني من اهتمام بالموافقة على مواصلة الدراسات العليا وتسهيل كثير من الأمور في ذلك.
كما أتقدم بالشكر لمركز الشيخ ابن سعدي للدراسات والبحوث التابع للجمعية الخيرية الصالحية بعنيزة، على تعاونهم معي وتزويدي بموسوعة مؤلفات السعدي الإلكترونية.
كما أشكر كل من أعانني برأي أو نصح أو إعارة أو غير ذلك، وهم
стр. 14
كُثر ولولا خشية الإملال لسطرت أسماءهم وفاء لهم، ولكن لهم مني الدعاء بالتوفيق والسداد.
وأخيراً هذا جهد المُقِل، ولا أدعي أني أعطيت البحث حقه، ولكني بذلت ما بوسعي في حدود علمي وفهمي، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله وأتوب إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الباحث
سيف بن منصر بن علي الحارثي
стр. 15
التمهيد
стр. 16
تمهيد:
- تعريف الاستنباط لغة واصطلاحاً .
الاستنباط لغة: من النبط، والنَّبَط الماء الذي يَنْبُطُ من قعر البئر إِذا حُفرت وقد نبَطَ ماؤها ينْبِطُ ويَنْبُطُ نَبْطاً ونُبوطاً، وأَنبطنا الماءَ أَي استنبطناه وانتهينا إِليه، وكل ما أُظهر فقد أُنْبِط واسْتَنْبَطه، واستنبط منه علماً وخبراً ومالاً استخرجه، والاسْتنْباطُ الاستخراج واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه قال الله : ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. قال الزجّاج معنى يستنبطونه في اللغة يستخرجونه وأَصله من النبَط وهو الماء الذي يخرج من البئر أَوّل ما تحفر (١).
اصطلاحاً: استخراج ما خفي المراد به، من اللفظ (٢).
وعليه فالاستنباط من القرآن هو: استخراج المعاني، والأحكام، والحكم، والمناسبات، الخفية، من القرآن الكريم، بطريق صحيح (٣).
ولم يتعرض السعدي لتعريف الاستنباط تعريفاً دقيقاً كفعل أهل التعريفات، ولكن من خلال كلام السعدي عن التدبر، وكيفية فهم معاني
стр. 17
القرآن، وأن من هذه المعاني ما يكون بعد معنى اللفظ، ويظهر بطريقة اللازم، ظهر من ذلك إشارة من السعدي لمعنى الاستنباط، فقال السعدي في تقرير ذلك: (التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ، والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران:
أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه.
والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.
وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا) (١).
- بيان أهمية الاستنباط، وكيفية الوصول إليه .
إن أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط، ألا ترى أن من يكون مستنبطاً من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظاً غير مستنبط (٢)، وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم (٣)، وتبرز أهمية الاستنباط وآكديته عندما نعلم أن بعض الأحكام الشرعية طريق معرفتها هو الاستنباط، قال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في
стр. 18
معظم الأحكام النازلة أو في بعضها) (١)، وقال الجصاص: (فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كُلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه، فعلى العلماء استنباط أحكام الحوادث والتوصل إلى معرفتها بردها إلى نظائرها من المنصوص) (٢).
وقد أشار السعدي إلى أهمية الاستنباط، بأنه سبب لتحصيل العلم العظيم، فقال: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له، وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا منّ به الله علينا) (٣)، وقال في موضع آخر: (وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة. فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقاً ونوراً، انفتحت له في القرآن، العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (٤).
كيفية الوصول إلى الاستنباط:
للوصول إلى الاستنباط خطوات، وشروط في المستنبط، وشروط في المعنى المستنبط، لا بد من مراعاتها للوصول إلى الاستنباط.
فالخطوة الأولى المهمة، والتي تعتبر أساساً للاستنباط هي معرفة معنى اللفظ، وفهمه فهماً صحيحاً؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه
стр. 19
استنباطاً خاطئاً، قال السعدي في ذلك: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ) (١)، وقال كذلك: (والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهماً جيداً، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقاً ونوراً، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (٢).
أما المستنبط فلا بد أن تتوفر فيه بعض الشروط؛ إذ الاستنباط علم دقيق، خفي، يحتاج إلى شخص تتوفر فيه شروط ليس كغيره من أهل العلم، وقد أشار السعدي إلى بعض الشروط إجمالاً فقال: (كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه مطابقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني التي لم يعرج في اللفظ على ذكرها، وهذه القاعدة: من أجل قواعد التفسير وأنفعها، وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر، وصحة قصد، فإن الذي أنزله للهدى والرحمة هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تكن الصدور، وبما تضمنه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه) (٣)، وقال كذلك: (لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في
стр. 20
ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقاً ومفهوماً، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أموراً لا تدخل تحت كسبه) (١)، ومن الشروط المطلوبة في المستنبط كذلك (٢):
١ - صحة الاعتقاد، والعدالة، والبعد عن الأهواء والتعصب.
٢ - الملكة الفطرية والمكتسبة للحفظ والفهم، وهي أن يكون عنده صفاء ذهن ونفاذ بصيرة، وحدة ذكاء، وقدرة فطرية على النظر والاستدلال.
٣ - العلم من اللغة العربية ما يحسن به الفهم.
٤ - العلم بأصول الفقه، خصوصاً ما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات.
٥ - العلم بأصول التفسير.
٦ - العلم بالفقه ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية.
٧ - العلم بأصول الحديث، والقدرة على التمييز بين الصحيح والضعيف.
٨ - العلم بالنظائر وطرق الإلحاق.
٩ - العلم بالاصطلاحات والحدود عند كل أهل فن مما يحتاج إليه في الاستنباط.
١٠ - العلم بمقاصد الشريعة من حيث الجملة والتفصيل.
١١ - العلم بالقواعد الشرعية الكلية.
стр. 21
١٢ - معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط؛ إذ الجهل بالطرق الصحيحة يؤدي إلى الخطأ في الاستنباط.
وأما بالنسبة للمعنى المستنبط فلا بد من مراعاة بعض الشروط حتى يكون الاستنباط صحيحاً، وعليه فيشترط في المعنى المستنبط الشروط التالية (١):
١ - سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح.
٢ - أن يكون بين المعنى المستنبط وبين اللفظ ارتباطاً صحيحاً.
٣ - أن يكون المعنى المستنبط مما للرأي فيه مجال.
٤ - عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة.
стр. 22
القسم الأول: الشيخ عبد الرحمن السعدي ومنهجه في الاستنباط ، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي
الفصل الثاني: صيغ الاستنباط وطريقة عرضها عند الشيخ السعدي
الفصل الثالث: موضوعات الاستنباط من القرآن عند الشيخ السعدي
الفصل الرابع: منهج الشيخ السعدي في طرق الاستنباط من القرآن
الفصل الخامس: تأثر الشيخ السعدي باستنباطات المفسرين وموقفه منها
стр. 23
الفصل الأول
ترجمة موجزة للشيخ عبدالرحمن بن سعدي
الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ عبدا لرحمن السعدي، وفيه مبحثان:
стр. 24
المبحث الأول: حياته الشخصية، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، وأسرته .
هو: العلامة أبو عبدالله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي الناصري التميمي الحنبلي (١).
وأسرة آل سعدي ينتهون في نسبهم إلى آل مفيد، وآل مفيد فخذ كبير يرجع أصلهم إلى بطن آل حماد، الذين هم من بني العنبر من بني عمرو أحد قبائل بني تميم الشهيرة (٢).
ومساكن بني عمرو بن تميم في بلدة قفار، إحدى القرى المجاورة
стр. 25
لمدينة حائل، وقد قدمت أسرة آل سعدي من بلدة المستجدة، أحد البلدان المجاورة لمدينة حائل، إلى عنيزة حوالي عام ١١٢٠ هـ (١).
وأما نسبه من جهة أمه فأخواله آل عثيمين، وهم من آل مقبل من آل زاخر من الوهبة، نزح جدهم سليمان العثيمين - جد الشيخ السعدي - من أشيقر إلى عنيزة فطاب له سكناها (٢).
أسرته:
أبوه: ناصر بن عبدالله بن ناصر بن حمد آل سعدي، ولد سنة ١٢٤٣ هـ في عنيزة، ونشأ صالحاً عابداً حافظاً للقرآن، كان قارئ الوعظ في الجامع الكبير في عنيزة، وفي آخر حياته تولى إمامة مسجد المسوكف في عنيزة حتى توفي آخر عام ١٣١٣ هـ (٣).
وأمه: من آل عثيمين، وهم من أهل أشيقر، ولكن نزحوا إلى عنيزة واستقر بهم المقام هناك (٤).
وإخوته: كان للشيخ السعدي أخوان هما:
حمد: وهو أكبر إخوانه، وهو الوصي على أخيه عبدالرحمن، وقام برعاية الشيخ عبدالرحمن خير قيام، وكان حمد رجلاً صالحاً، ومن حملة القرآن، وكان يعمل بالتجارة، توفي عام ١٣٨٨ هـ.
سليمان: وهو أصغر إخوة الشيخ عبدالرحمن، اشتغل بالتجارة في
стр. 26
مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية، وتوفي عام ١٣٧٥ هـ (١).
أبناء الشيخ عبدالرحمن:
خلف الشيخ السعدي ثلاثة أبناء، هم: عبدالله، وهو أكبرهم سناً، وله يد في طلب العلم، وقد طبع بعض مؤلفات والده، توفى عام ١٤٠٥ هـ، ومحمد، وأحمد، وهما يشتغلان بالتجارة بالرياض، والدمام (٢).
المطلب الثاني: مولده، ونشأته، ورحلاته العلمية .
ولد الشيخ السعدي في الثاني عشر من محرم عام ١٣٠٧ هـ في مدينة عنيزة بالقصيم (٣).
وتوفي والده وله من العمر سبع سنين، وتوفيت والدته وله من العمر أربع سنين، فأشفقت عليه زوجة والده أشد من شفقتها على أولادها، فصار عندها موضع العناية والرعاية (٤).
فلما شب صار في بيت أخيه الأكبر -حمد- فرعاه ورباه، فنشأ الشيخ السعدي نشأة صالحة كريمة، وعرف من حداثته بالصلاح والتقى،
стр. 27
فكانت نشأته مثاراً للإعجاب وأنظار الناس، فأقبل على العلم بجد ونشاط وعزيمة، فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يتجاوز الثانية عشرة من عمره في مدرسة المربي سليمان بن دامغ (١).
واشتغل بالعلم على علماء بلده ومن يرد إليها من العلماء، وانقطع للعلم وجعل كل أوقاته مشغولة في تحصيله حفظاً وفهماً ودراسة ومراجعة واستذكاراً، حتى أدرك في صباه ما لا يدركه غيره في عمر طويل (٢).
ثم أقبل على كتب الشيخين ابن تيمية، وابن القيم، قراءة وفهماً، فكان لها أثراً في فتق ذهنه، وتوسعة مداركه، حتى خرج عن طور التقليد، إلى طور الاجتهاد، فصار يرجح من الأقوال ما يرجحه الدليل، ويصدقه التعليل (٣).
فنشأ السعدي يتيماً، واليتم يصنع في الرجال الطموح والتحدي، والقفز على الصعاب، وكان في بيت صالح من أب وأخ وأم وزوجة الأب، فكان لهؤلاء أثراً في نشأة السعدي، نشأة صالحة متوجهة إلى الخير ومعالي الأمور.
لم يذكر المترجمون للسعدي رحلات علميه له، وإنما كان أكثر مشايخه من علماء نجد، ومن أهل عنيزة تحديداً، وقد أشار إلى ذلك البسام بقوله: (ولو حصل له جولة في بلاد العالم، وجالس العلماء والمفكرين، واطلع على ما يقدمه العلم الحديث من صناعة واختراع واكتشاف لتفتحت أمامه آفاق واسعة) (٤)، إلا أن السعدي رحمه حاول سد هذا الباب بالمكاتبة، فقال البسام في ذلك: (كاتب علماء الأمصار
стр. 28
ومفكري الآفاق في جديد المسائل وعويصات الأمور، حتى صار لديه محاولة لتطبيق بعض النصوص الكريمة على بعض مخترعات ومكتشفات هذا العصر وحوادثه، مما يظهر أسرار الشريعة واتصالها بما يجدّ في العصر الحديث، وهذه بعض همته وعزيمته في اكتساب العلوم وتحصيلها) (١).
ومما أفاد السعدي كذلك تتلمذه على بعض المشايخ الذين كانت لهم رحلات إلى خارج البلاد، فالشنقيطي جال البلاد، وعبدالله بن عائض درس بمكة ومصر، وعلي بن ناصر أبو وادي أخذ عن علماء الهند، وابن مانع درس بالعراق والشام وغيرها (٢).
المطلب الثالث: مذهبه العقدي .
كان السعدي ﵀ متمثلاً مذهب السلف في العقيدة، فكان محققاً لمذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة، فدرس وألف كتباً في العقيدة منها المنظوم ومنها المنثور، ومنها ما هو شرح لبعض كتب العقيدة لبعض العلماء كابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب، ومن ضمن كتاباته في العقيدة ما هو رد على بعض المنحرفين في العقيدة كرده على القصيمي، فكانت تقريرات السعدي موافقة لمذهب الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة في كل المسائل المتعلقة بالعقيدة.
стр. 29
المطلب الرابع: مذهبه الفقهي .
كان في بداية حياته العلمية على المذهب الحنبلي، شأنه شأن أي عالم ينشأ في بيئة متمذهبة، فقد نشأ السعدي وتتلمذ على أيدي مشايخه، وكان جلهم حنابلة، فكانت هذه بدايته، فلما اشتد ساعده ونضج علمه، وكثر اطلاعه، أصبح يبحث عن الدليل، خالعاً من رقبته قيد التقليد، متأثراً باختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، فالسعدي: (ما أن تقدمت به الدراسة شوطاً حتى تفتحت أمامه آفاق العلم، فخرج عن المألوف في بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم هي التي فتقت ذهنه ووسعت مداركه، فخرج من طور التقليد إلى طور الاجتهاد) (١).
وعلى هذا يمكن القول بأن السعدي كان زمن الطلب متمذهباً بالمذهب الحنبلي، حيث لم تكن لديه القدرة العلمية ولا الجسارة النفسية لمخالفة مشايخه على ما اعتادوا عليه من التمسك بالمذهب، ولكن لما قوي علمه، ورسخ فهمه، أخذ يقول بقول ابن تيمية وابن القيم والتي كانت تخالف المذهب الحنبلي، وهذا لما تجاوز الشيخ سن الرابعة والأربعين أي عام ١٣٥٢ هـ، حيث انتهى إليه التدريس والإفتاء (٢)، ويوضح هذا ويؤيده مؤلفات الشيخ الفقهية التي كانت قبل هذا السن كانت على المذهب الحنبلي مثل منظومته في الفقه، أما المؤلفات التي بعد هذا السن فإنها مبنية على الدليل والترجيح مما قد يخالف المذهب الحنبلي، وذلك مثل: المختارات الجلية، والإرشاد إلى معرفة الأحكام، ومنهج السالكين (٣).
стр. 30
المبحث الثاني: حياته العلمية، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أشهر شيوخه وتلاميذه .
شيوخه:
تتلمذ السعدي على عدد من المشائخ في بلده في فنون مختلفه، كل حسب تخصصه، فمن مشائخه:
١ - الشيخ محمد العبدالكريم الشبل.
٢ - الشيخ عبدالله بن عائض، وهما أول مشايخه.
٣ - الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، في بريدة وعنيزة.
٤ - الشيخ صعب التويجري.
٥ - الشيخ علي بن محمد السناني.
٦ - الشيخ علي بن ناصر بن وادي.
٧ - الشيخ محمد الأمين محمود الشنقيطي، في عنيزة.
стр. 31
٨ - الشيخ صالح بن عثمان آل قاضي، وهو أكثر مشائخه نفعاً وملازمة حتى مات عام إحدى وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة.
٩ - الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع.
١٠ - الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى. (١)
قرأ في علم الحديث والمصطلح والأصول والفروع والتفسير على كل من: الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر قاضي عنيزة، ومحمد الشبل، وصعب التويجري، وصالح القاضي، وقرأ أصول الدين على كل من الشيخ علي السناني، وصالح القاضي، وإبراهيم بن عيسى، وقرأ علوم العربية على صالح القاضي، ومحمد الشنقيطي، ومحمد المانع، وعبدالله بن عائض، وأجازه في الحديث إبراهيم بن صالح، وعلي بن ناصر أبو وادي (٢).
تلاميذه:
منذ أن كان السعدي طالباً، كان حينها شيخاً، فلما رأى زملاؤه في الدراسة تفوقه عليهم ونبوغه تتلمذوا عليه، وصاروا يأخذون عنه العلم، وهو في سن البلوغ، فصار في هذا الشباب المبكر متعلماً ومعلماً (٣)، فتتلمذ على يديه عدد كبير من الطلاب الذين أصبح منهم علماء، وقضاة، وطلبة علم عم نفعهم، فمن هؤلاء التلاميذ:
١ - سليمان بن إبراهيم البسام، درس في المعهد العلمي، وعين قاضياً فرفض.
стр. 32
٢ - محمد بن عبدالعزيز المطوع، تولى القضاء في المجمعة ثم في عنيزة.
٣ - عبدالله بن عبدالرحمن البسام، عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية.
٤ - محمد بن منصور الزامل، درس بمعهد عنيزة العلمي.
٥ - علي بن محمد الزامل، مدرس في معهد عنيزة، وهو أنحى أهل نجد في زمنه.
٦ - محمد بن صالح العثيمين، وهو العلامة المعروف، درس في المعهد العلمي، وكان عضو هيئة كبار العلماء، وخلف السعدي على إمامة الجامع بعنيزة.
٧ - عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، عضو الإفتاء، ورئيس الهيئة العلمية المستقلة بعد وفاة سماحة رئيس القضاة، وهو ما زال حياً.
٨ - عبدالله بن حسن آل بريكان، مدرس بالمعهد العلمي بعنيزة (١)، وغيرهم كثير، فقد عد البسام من أسماء تلاميذ السعدي مائة وخمسين طالباً (٢)، وكان لتعليم السعدي أثراً على طلابه، حيث لم يقتصروا على مجرد كونهم طلاب علم فقط، بل كان لهم أثر بارز في المجتمع ونفعه، اقتداء بشيخهم، وبتتبع مسيرة تلاميذ السعدي العملية، نجد أن (٢٠%) منهم تولوا الإمامة والتدريس بالمساجد، وأن (٢٥%) منهم تولوا منصب القضاء والإفتاء، وأن (٤٠%) تولوا التدريس بالمدارس الحكومية النظامية، وأن (١٥%) منهم قاموا بالتأليف والجمع والتصنيف (٣).
стр. 33
المطلب الثاني: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه .
لقد كان للشيخ السعدي مكانة علمية مرموقة عند من عرفه، أوقرأ موروثه المتنوع، ولذا فقد أثنى عليه العلماء، قال عبدالله آل بسام: (وأثنى عليه العلماء بأنه العلامة المفسر، المحدث، الفقيه، الأصولي، النحوي) (١)، وقال القاضي-في بداية ترجمة السعدي-: (هو العالم الجليل، والفقيه الأصولي، والمحدث الشهير، المحقق المدقق) (٢)، وقال عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ- في بداية ترجمة السعدي-: (هو العلامة الورع الزاهد تذكرة السلف) (٣).
وقال الشيخ ابن باز في الثناء على السعدي: (وكان قليل الكلام، إلا فيما تترتب عليه فائدة، جالسته غير مرة في مكة والرياض، وكان كلامه قليلاً إلا في مسائل العلم، وكان متواضعاً، حسن الخلق، ومن قرأ كتبه عرف فضله وعلمه، وعنايته بالدليل) (٤)
وقال محمد حامد الفقي: (لقد عرفت الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة، فعرفت فيه العالم السلفي المدقق المحقق الذي يبحث عن الدليل الصادق، وينقب عن البرهان الوثيق، فيمشي وراءه لا يلوي على شيء،. . . عرفت فيه العالم السلفي، الذي فهم الإسلام الفهم الصادق، وعرفت فيه دعوته القوية الصادقة إلى الأخذ بكل أسباب الحياة العزيزة القوية الكريمة النقية) (٥)
وقال الشيخ العثيمين: (. . إن الرجل قل أن يوجد مثله في عصره في
стр. 34
عبادته وعلمه وأخلاقه. . وكان صبوراً على ما يلم به من أذى الناس) (١)
المطلب الثالث: آثاره العلمية .
اهتم السعدي بالتأليف اهتماماً موازياً لاهتمامه بنشر العلم عن طريق التعليم والتدريس، فجمع بين الطريقتين، والمتأمل لمؤلفات السعدي يجد أن فيها إبداعاً وتجديداً فليست مجرد كتب جامعة فقط، وإنما فيها إضافة ظهرت فيها شخصية السعدي العلمية، فالتفسير كتبه مهتماً فيه ببيان المعنى، مع الإشارة إلى مهمات الاستنباط من الآيات بل أحياناً إشارة إلى عويصات المسائل بطريقة سهلة مختصرة، حتى إنك لتعجب من تفسيره فهو مهوى أفئدة صغار طلاب العلم وكباره لما فيه من فوائد تلبي حاجة الطرفين، والفقه كتبه بطريقة جديدة ليست على طريقة المتون العويصة التي تحتاج إلى شروح وحل ألفاظ، وإنما كتبه بطريقة يستفيد منها القارئ دون حاجته إلى شروح أخرى، وكذا كتابته في الفقه على طريقة السؤال والجواب والحوار، وهي طريقة ممتعة ودقيقة كذلك.
كما أن كتابات السعدي متنوعة وليست خاصة بفن معين، وإنما فيها تعدد الفنون، فجاءت هذه المؤلفات متنوعة نافعة، وأكد السعدي في مؤلفاته الكلام عن القضايا المعاصرة المهمة فحيث يصلح التعليق عليها يوردها سواء في تفسيره للآيات أو شرحه للأحاديث، وقد يضطره الأمر لتأليف خاص ببعض القضايا لأهميتها، ومؤلفاته كالتالي (٢):
стр. 35
أولاً: مؤلفاته في التفسير، وعلوم القرآن:
١ - تيسير الكريم الرحمان في تفسير كلام المنان.
٢ - تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن.
٣ - القواعد الحسان لتفسير القرآن.
٤ - المواهب الربانية من الآيات القرآنية.
٥ - فوائد مستنبطة من قصة يوسف ﵇.
٦ - فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبط من القرآن.
٧ - الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي.
ثانياً: مؤلفاته في الحديث:
١ - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار في شرح جوامع الأخبار.
ثالثاً: مؤلفاته في العقيدة:
١ - الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين.
٢ - انتصار الحق.
٣ - التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة.
٤ - تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه عليه القصيمي في أغلاله.
٥ - التوضيح المبين لتوحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية.
٦ - توضيح الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.
٧ - التوضيح والبيان لشجرة الإيمان.
стр. 36
٨ - الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية.
٩ - الدرة الفاخرة في التعليق على منظومة السير إلى الله والدار الآخرة.
١٠ - رسالة عن يأجوج ومأجوج.
١١ - سؤال وجواب في أهم المهمات، تعليم أصول الإيمان وبيان موانع الإيمان.
١٢ - القول السديد شرح كتاب التوحيد.
١٣ - طريق الوصول إلى علم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول.
رابعاً: مؤلفاته في الفقه، وأصوله، والقواعد الفقهية:
١ - الإرشاد إلى معرفة الأحكام.
٢ - تحفة أهل الطلب بتجريد قواعد ابن رجب.
٣ - جهاد الأعداء ووجوب التعاون بين المسلمين.
٤ - حكم شرب الدخان.
٥ - رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة.
٦ - رسالة مختصرة في أحكام الحج والعمرة المهمة.
٧ - السياسة الشرعية.
٨ - القواعد الفقهية.
٩ - القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة.
١٠ - المختارات الجلية من المسائل الفقهية.
١١ - المناظرات الفقهية.
١٢ - منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين.
стр. 37
١٣ - نور البصائر والألباب في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق والآداب.
خامساً: مؤلفاته في الثقافة الإسلامية:
١ - نصيحة مختصرة في الحث على التمسك بالدين والتحذير من المدارس الأجنبية.
٢ - الوسائل المفيدة للحياة السعيدة.
٣ - الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة.
٤ - الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي.
٥ - الدين الصحيح يحل جميع المشاكل.
٦ - فوائد في آداب المعلمين والمتعلمين.
٧ - مجموع الفوائد واقتناص الأوابد.
سادساً: مؤلفاته في اللغة العربية:
١ - التعليق وكشف النقاب على نظم قواعد الإعراب.
سابعاً: مؤلفاته في الفتاوى الخطب:
١ - الخطب المنبرية على المناسبات العصرية.
٢ - الفواكه الشهية في الخطب المنبرية.
٣ - مجموع الخطب في المواضيع النافعة.
٤ - الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة.
٥ - الفتاوى السعدية.
стр. 38
المطلب الرابع: وفاته .
أصيب بمرض ضغط الدم وتصلب الشرايين، فكان يعتريه المرة بعد الأخرى وهو صابر عليه مدة خمس سنوات، فزاد عليه وسافر إلى لبنان لعلاجه عام ١٣٧٢ هـ، فنصحه الأطباء بالراحة وقلة التفكير والإجهاد، فعاد إلى بلاده ولم يصبر على ترك العلم فقام به تعليماً وتأليفاً وبحثاً، لأن هوايته العلمية تلح عليه في ذلك، فعاد إليه المرض أشد مما كان.
وفي ليلة الأربعاء بعد أن صلى الناس صلاة العشاء أصيب بإغماء لم يفق منه إلا فترة بسيطة، طمأن فيها الحاضرين من أهله، وهون عليهم أمر الدنيا، ثم عاد إلى إغمائه، فطلب له الأطباء من الرياض بالطائرة، ولرداءة الجو لم تتمكن من الهبوط في مطار عنيزة، وقرب طلوع الفجر من ليلة الخميس ٢٣ جمادى الآخرة عام ١٣٧٦ هـ انتقل إلى رحمة الله عن عمر يقارب (٦٩) عاماً، قضاها في العلم تعلماً وتعليماً وإفتاء وتأليفاً، وصلي عليه بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير بعنيزة، ودفن في مقرة الشهوانية شمالي عنيزة (١).
стр. 39
الفصل الثاني
صيغ الاستنباط وطريقة عرضها عند الشيخ السعدي
الفصل الثاني: صيغ الاستنباط، وطريقة عرضها عند الشيخ السعدي، وفيه مبحثان:
стр. 40
المبحث الأول: صيغ الاستنباط .
استخدم السعدي ﵀ بعض الصيغ التي من خلالها يعرف القارئ مواطن الاستنباط عند السعدي، وتختلف الصيغ من حيث الإكثار من استخدامها والإقلال من ذلك، ويمكن تقسيم الصيغ إلى قسمين:
القسم الأول: الصيغ التي استخدمها السعدي في الاستنباط من الآيات مباشرة، أي يكون الاستنباط واحداً فقط، فإليك الصيغ مرتبة حسب الأكثر استخداماً عند السعدي، وإذا كان الاستخدام متساوياً أشرت إلى التساوي في الملاحظات بذكر عدد الاستخدام، مع بيان بعض المواطن التي استخدمها فيها، وقد اكتفيت هنا ببيان بعض أرقام الاستنباطات فقط دون ذكرها لتبقى الصيغ أكثر بروزاً.
الصيغة رقم الاستنباط ملاحظات دليل على، وفيها دلالة، فدل على، ويدل على، تدل على، دلت على. ٩ - ١٠ - ٥٧ - ٦٣ - ١٠٠ - ٢١٢ - ٢٢٢ - ٢٢٦ - ٣٢٥ - ٣٩٧ - ٤٢٩ دل مفهوم الآية، يدل مفهوم الآية، دل مفهومها. ٢١ - ٧٩ - ١١٢ - ١٦٤ - ٣٦٩ - ٤٤٨