← Тафсир

Тафсир · id 15

الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره السراج المنير

أسماء بنت محمد الناصر

Полный текст (871 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه الاستنباط عند الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) في تفسيره السراج المنير (جمعاً ودراسة) رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في قسم القرآن وعلومه إعداد المحاضرة بقسم القرآن وعلومه: أسماء بنت محمد بن عبدالعزيز الناصر إشراف الدكتور عبدالعزيز بن ناصر السبر الأستاذ بقسم القرآن وعلومه العام الجامعي: ١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المقدمة إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصَّلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، هو الإيمان والعلم، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. وإن من أجل العلوم على الإطلاق، وأفضلها وأوجبها، هو علم تفسير آيات الله؛ لأن الله أمر بتدبر كتابه، والتفكر في معانيه، والاهتداء بآياته، وأثنى على القائمين بذلك، وجعلهم في أعلى المراتب، ووعدهم أسنى المواهب، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، فلو أنفق العبد جوهر عمره في هذا الفن لم يكن ذلك كثيراً في جانب ما هو أفضل المطالب، وأعظم المقاصد. وإن من هؤلاء العلماء الذين أفنوا أعمارهم، وصرفوا أوقاتهم في خدمة كتاب الله تفسيراً وبياناً لمعانيه، واستنباطاً لحكمه وأحكامه، العالم المفسر الجليل الفقيه النحوي: محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ المتوفى سنة (٩٧٧ هـ) من أعيان القرن العاشر الهجري، والذي تميز بسعة نظره، ودقة مؤلفاته، صنف شرحين عظيمين في الفقه الشافعي: شرحَ منهاج الطالبين للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ)، وشرحاً على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ)، وله:

стр. 4

(فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك) في النحو، كما قدم للأمة الإسلامية تفسيراً عظيماً ألا وهو: (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير)، وهو تفسير قيم اقتصر فيه مؤلفه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، ولقد استقى تفسيره من أمهات كتب التفسير، وجمعه من الأصول والفروع، كما غلب على مؤلفه علوم العربية، وقد بدا أثر ذلك في تفسيره جليّاً، وكان ذا نظر وبصيرة، يقف عند كثير من الآيات، متدبراً لمعانيها، ومستنبطاً لفوائدها وحكمها، وكان مما تميز به كثرة استنباطاته وتأملاته لكثير من الآيات. ولقد وقفت له على استنباطات مهمة جديرة بالجمع والدراسة؛ ونظراً لأهمية هذا الكتاب، ومكانة مؤلفه العلمية، وما تميز به تفسيره من كثرة الاستنباطات، فقد وقع عليه اختياري؛ ليكون مجال دراستي وبحثي في رسالة الدكتوراه، ووسمته بـ (الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» جمعاً ودراسة). وختاماً أسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل، كما أسأله سبحانه أن يفتح لنا من خزائن جوده وكرمه، ما يكون سبباً للوصول إلى العلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم.

стр. 5

أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع وأسباب اختياره فيما يلي: ١ - شرفه لكونه متعلقاً بتحرير مسائل في تفسير القرآن الكريم، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها؛ فشرف العلم بشرف المعلوم. ٢ - قيمة هذا الموضوع العلمية؛ إذ هو متعلق بفهم الآية القرآنية فهماً صحيحاً، ثم استنباط ما يمكن استنباطه منها، وهذا فيه مزيد عناية وتدبر لكلام الله ، وإظهار إعجازه على الوجه الصحيح. ٣ - في دراسة موضوع الاستنباط تيسير لاستخراج الفوائد والأحكام من القرآن الكريم، وذلك بمعرفة الطرق الصحيحة التي يسلكها العلماء في استنباط الأحكام والفوائد والأسرار القرآنية. ٤ - أن في بحث هذا الموضوع محاولة لصيانة كتاب الله تعالى من الانحرافات في الاستنباط، والتي قد توجد في بعض كتب التفسير. ٥ - أن غالب الاستنباطات التي وقفت عليها عند الخطيب الشربيني لها أهمية بالغة في فهم كتاب الله، سواء مما يتعلق بعلوم القرآن، أم العقيدة، أم الفقه، أم اللغة، أم غيرها من العلوم. ٦ - القيمة العلمية لكتاب «السراج المنير» للخطيب الشربيني، حيث جاء مختصراً دقيق العبارة، كثير الفوائد والتأملات للآيات، والتي ظهرت واضحة في تفسيره. ٧ - في هذا الموضوع إيضاح لمعالم الاستنباط الصحيح وطرقه، وبيان منهج السلف الصالح في الاستنباط والحث على التمسك به.

стр. 6

أسباب اختيار الموضوع: ١ - أهميته السابقة التي تعد من أهم الأسباب. ٢ - أن في بحث هذا الموضوع ودراسته تدبراً لكتاب الله، وحثًّا على زيادة التأمل فيه، وهو أفضل ما صرفت فيه الأوقات وخيرها. ٣ - عدم وجود مؤلف مكتمل يضُم الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره "السراج المنير". ٤ - تنمية ملكة الاستنباط من القرآن الكريم، وسبر مواردها ومصادرها، وما يلزم لذلك من اطلاع واسع في كتب التفسير وعلوم القرآن واللغة والفقه وأصول الفقه والحديث وغيرها، مما يتيح للطالب فرصة الانتفاع بها، ومن ثم إثراء مادة البحث منها. أهداف البحث: يهدف البحث في هذا الموضوع إلى ما يلي: ١ - جمع الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره " السراج المنير". ٢ - دراسة هذه الاستنباطات دراسة مقارنة باستنباطات المفسرين. ٣ - بيان وجه الصواب أو الخطأ في تلك الاستنباطات. ٤ - إبراز المكانة العلمية التي تميز بها هذا المفسر.

стр. 7

مجال البحث وحدوده: يدور مجال البحث حول الاستنباطات التي أوردها الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» جمعاً ودراسة، وموازنتها بأقوال العلماء الآخرين، وذلك بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في التفسير، إضافة إلى بعض الدراسات المتخصصة في علوم القرآن والقراءات وأحكام القرآن ومشكله وغريبه، وغير ذلك مما له صلة مباشرة بموضوع البحث، ثم محاولة الوصول إلى أقرب الأقوال إلى الصواب حسب الأدلة والمرجحات، وإظهار وجه الخطأ والصواب في تلك الاستنباطات. وقد قمت بتتبع مواضع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير»، فاستخرجت منها (٢٣٦) مائتين وستة وثلاثين استنباطاً. الدراسات السابقة: بعد البحث والاطلاع على فهارس الرسائل العلمية والدراسات في علوم القرآن والتفسير، والرجوع إلى الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية، وكذا البحث والتقصي عن طريق شبكة المعلومات، وسؤال أهل الخبرة والاختصاص، لم أجد من تعرض لبحث موضوع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره " السراج المنير "، إلا أن هناك دراسات عنيت بتفسير الخطيب الشربيني دون إفراد استنباطاته، ودراسات أخر أيضاً عنيت بدراسة موضوع الاستنباط لذاته عند غير واحد من المفسرين، دراسة نظرية تطبيقية. وما وجدته من رسائل علمية تتعلق بالسراج المنير للخطيب الشربيني، فهي تتركز حول منهج الخطيب الشربيني في تفسيره، أو دراسة بعض مباحثه النحوية أو البلاغية، أو الدخيل في تفسيره.

стр. 8

فأما الدراسات التي عنيت بتفسير الخطيب الشربيني فهي: ١ - الخطيب الشربيني ومنهجه في التفسير، رسالة ماجستير، للباحث: ثقيل ساير الشمري، كلية أصول الدين، جامعة الإمام، الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ. ٢ - دراسة لمنهج الخطيب الشربيني في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، للباحث: عمار عبدالكريم عبدالمجيد، جامعة صدام للعلوم الإسلامية، سنة ١٩٩٦ م. ٣ - الدخيل في تفسير القرآن الكريم المسمى بالسراج المنير للخطيب الشربيني، من أول القرآن إلى آخر سورة هود: عرض ودراسة، رسالة ماجستير، للباحثة: نوره عبدالرحمن عبدالله الخضير، كلية الآداب، الإدارة العامة لتعليم البنات، الرياض، سنة ١٤٠٨ هـ. ٤ - الدخيل في تفسير القرآن الكريم المسمى بالسراج المنير للخطيب الشربيني، من أول سورة يوسف إلى آخر القرآن: عرض ودراسة، رسالة ماجستير، للباحثة: منور عبدالله خليل الجدعان، كلية الآداب، الإدارة العامة لتعليم البنات، الرياض سنة ١٤٠١ هـ. ٥ - مباحث علم المعاني في تفسير السراج المنير، رسالة دكتوراه، للباحث: محمد عيسى محمد كمون، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، سنة ١٩٩٦ م. ٦ - المباحث النحوية في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، للباحث: نصيف محمد جاسم الراوي، كلية التربية، جامعة الأنبار، العراق، سنة ١٩٩٧ م. ٧ - الدرس اللغوي في تفسير السراج المنير للخطيب الشربيني، رسالة ماجستير، للباحث: خميس فزاع عمير الدليمي، كلية الآداب، جامعة بغداد، سنة ١٩٩٨ م.

стр. 9

٨ - السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني ربنا الحكيم الخبير للخطيب الشربيني، دراسة صوتية دلالية، رسالة ماجستير، للباحث: ياسر السيد رياض السيد، كلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، الزقازيق، سنة ٢٠٠١ م. ٩ - منهج الخطيب الشربيني في التفسير، رسالة ماجستير، للباحث: أحمد مسعود عيسى مسعود، كلية الآداب، الجامعة الأردنية، عمّان، سنة ١٩٨٦ م. ١٠ - العلامة الخطيب الشربيني ومنهجه في تفسير السراج المنير، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر كلية الدراسات الإسلامية والعربية، قسم التفسير وعلوم القرآن، القاهرة. للباحثة: وفاء محمود سعداوي سنة ٢٠٠٧ م. وأما دراسة موضوع الاستنباط لذاته أو عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعضها، والبعض لا يزال قيد الإعداد والمناقشة، وهي: ١ - منهج الاستنباط من القرآن للدكتور فهد بن مبارك الوهبي رسالة ماجستير من جامعة الإمام لعام ١٤٢٧ هـ، وهي دراسة عامة عن مفهوم الاستنباط وشموليته، وأقسام الاستنباط وشروطه، وطرق الاستنباط من القرآن، وأسباب الانحراف فيه ٢ - الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره "المحرر الوجيز" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى ١٤٣٠ هـ.

стр. 10

٣ - استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣٠ هـ ٤ - منهج الإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) في استنباط الأحكام من خلال تفسيره الجامع لأحكام القرآن، رسالة ماجستير بجامعة آل البيت بالأردن، للباحث/ حارث بن محمد العيسى. ٥ - منهج الجصَّاص (ت: ٣٧٠ هـ) في استنباط الأحكام من خلال تفسيره أحكام القرآن، سورة النساء نموذجاً، دبلوم دراسات عليا بكلية الآداب بفاس بالمغرب، للباحث/ عبدالواحد الصغيري. ٦ - مجموعة رسائل في جامعة أم القرى: سجلت رسائل ماجستير في الاستنباط عند البغوي، والشيخ ابن عثيمين. (نوقشت)، والاستنباط عند الإمام الموزعي، والكيا الهراسي، والسيوطي، (قيد الإعداد والمناقشة)، ورسائل دكتوراه في الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ومحمد أبي زهرة. (نوقشت)، والاستنباط عند الإمام ابن الفرس الأندلسي، ووهبة الزحيلي، والرازي، (قيد الإعداد والمناقشة). ٧ - جامعة الملك سعود: سجلت رسالة ماجستير بعنوان الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره أحكام القرآن. للباحثة إيمان بنت أسعد أركوبي.

стр. 11

٨ - مجموعة رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: رسائل دكتوراه عن الاستنباط عند: ابن جزي، والشوكاني، ومحمد رشيد رضا، (نوقشت) وابن الجوزي، وابن كثير (قيد الإعداد والمناقشة) ورسائل ماجستير: الاستنباط عند السمعاني، وعبدالرحمن الدوسري، والشنقيطي (نوقشت)، والاستنباط عند الزجاج (قيد الإعداد والمناقشة)، وغيرها من الرسائل. وهذه الدراسات السابقة لا تعلق لها بدراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره كما هو ظاهر. وأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن حري بالجمع والدراسة، لتفسير له مكانته كتفسير السراج المنير للخطيب الشربيني، إضافة أرجو أن تكون ضمن الجهود التي عنيت بهذا التفسير.

стр. 12

خطة البحث: يتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس. المقدمة: وتتضمن ما يلي: أهمية موضوع البحث، وأسباب اختياره، وأهداف البحث وحدوده، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج المتبع في إنجازه. وقد قسمت البحث إلى بابين، يسبقهما تمهيد. التمهيد: ويشمل: أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته، وعلاقته بالتفسير، وأهميته، وطرق التوصل إليه. ثانياً: التعريف بالخطيب الشربيني: اسمه ونشأته، شيوخه، مكانته العلمية وآثاره، مذهبه العقدي والفقهي، وفاته. ثالثاً: التعريف بتفسير (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير): القيمة العلمية للكتاب، ومنهج الخطيب الشربيني في تفسيره.

стр. 13

الباب الأول: منهج الخطيب الشربيني في الاستنباط من خلال تفسيره «السراج المنير»: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط. وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن. المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية. المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية. المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية. المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية. المطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية. المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه. وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط من ظاهر النص. المطلب الثاني: الاستنباط من غير ظاهر النص. المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب. وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط من الآية الواحدة. المطلب الثاني: الاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر.

стр. 14

الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص. المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم. المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة الجمع بين النصوص. الفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره. الفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني: وفيه مبحثان: المبحث الأول: المصادر الأصلية، وهي التي يعتمد عليها غالباً. المبحث الثاني: المصادر الفرعية، وهي التي لا يعتمد عليها إلا قليلاً أو نادراً.

стр. 15

الباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند الخطيب الشربيني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس. وفيه جمع الاستنباطات الواردة في تفسير " السراج المنير" للخطيب الشربيني مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها، من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم. الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث التي توصلت إليها الدراسة. الفهارس: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث والآثار. ٣ - فهرس الأعلام. ٤ - فهرس الأماكن والبلدان. ٥ - ثبت المصادر والمراجع. ٦ - فهرس الموضوعات. ٧ - فهرس الاستنباط.

стр. 16

منهج البحث: سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي: ١ - رتبت مواضع الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره «السراج المنير» حسب الآيات والسور. ٢ - ذكرت استنباط الخطيب الشربيني بعد ذكر العنوان المناسب له. ٣ - بينت وجه الاستنباط؛ فإن كان غير ظاهر من كلام الخطيب أفردته مستقلاً وقدّمته منصوصاً عليه قبل الدراسة، تسهيلاً لمعرفته والحكم عليه بدءاً للناظر فيه قبل الخوض في الدراسة، وإن كان ظاهراً من كلامه ﵀ أدرجته ضمن الدراسة. ٤ - درست الاستنباط دراسة مقارنة، وبينت طريقه ودلالته، مع بيان من سبقه إليه، ومن تبعه عليه، فإن ظهر لي مخالف له في الاستنباط ذكرته، وبينت الراجح بالدليل ما ظهر لي، مستعينة بأقوال أهل العلم. ٥ - ذكرت نتيجة الدراسة ملخصة بعد المناقشة والترجيح، مع اعتبار أن الأصل في دراسة الاستنباطات هو الصحة، فما كان منها باطلاً أو ضعيفاً نبَّهت عليه. ٦ - إذا كان في الآية أكثر من استنباط فإني أدرس كل استنباط على حدة، ما لم تكن الاستنباطات مرتبطة ببعضها.

стр. 17

٧ - بلغت استنباطات الخطيب الشربيني مائتين وستة وثلاثين استنباطاً، منها (١٥) استنباطاً مكرراً، وقد جمعت المكرر أيضاً لأسباب: ١ - اختلاف وجه الاستنباط وطريقه أحياناً بين الموضع الأول، والموضع المكرر، كما في استنباط «خلق الله تعالى أفعال العباد»، فإن وجهه وطريقه يختلف من موضع لآخر، وقد تكرر مراراً عند الخطيب، فجمعت بعض هذه المواضع؛ لأبين هذه الأوجه والطرق. ٢ - اختلاف القائلين بالاستنباط؛ إذ في موضع يقول به بعض المفسرين، وفي موضع آخريقول به آخرون، فالجمع بين مواضع الاستنباط يكشف عن جميع القائلين به. ٣ - بيان ما تميز به الخطيب من استنباط المعنى الواحد من مواضع مختلفة بطرق متعددة. ٨ - توثيق المادة العلمية على النحو الآتي: أ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، بذكر رقم الآية، واسم السورة، والتزمت كتابة الآيات بالرسم العثماني. ب- عزوت القراءات القرآنية إلى مصادرها المعتمدة، مع بيان الصحيح منها من الشاذ. ج- خرّجت الأحاديث النبوية والآثار من مصادرها المعتمدة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرّجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينة بحكم العلماء المعتبرين، فما كان بنحو لفظ الحديث قيّدته بقولي: بنحوه، وما كان بلفظ الحديث سكتُّ عنه.

стр. 18

د- وثّقت النصوص والأقوال المنقولة عن العلماء، مع الإحالة إلى مصادرها في الحاشية، فإن تصرفت فيها نبَّهت على ذلك في الحاشية. هـ- اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر، لئلا أثقل حواشي البحث. و- عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها، ووثّقتها من مصادرها. ز- شرحت غريب الألفاظ والمصطلحات. ح- عرَّفت بالأعلام عند ورود ذكرهم لأول مرة عدا المشهورين، ومن كان حياً من المعاصرين. ط- عرَّفت بالفرق والمذاهب والأماكن والبلدان. ي- وضعت فهارسا فنية، لتعين القارئ على كشف مضامين البحث بسهولة ويسر. وفي الختام أحمد الله تعالى، وأشكره، وأثني عليه الخير كله على ما مَنَّ به عليَّ، ويسر وأعان على إتمام هذا البحث. ثم إنه لا يسعني إلا أن أسجل شكري وفائق احترامي وتقديري لأستاذي فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبدالعزيز بن ناصر السبر، الذي أشرف على هذه الرسالة، والذي لم يدَّخر وقتاً ولا جهداً في توجيهي وإرشادي، فأشكره شكراً جزيلاً على ما أبداه من ملاحظات قيّمة، وتوجيهات سديدة نافعة، أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك كله في ميزان حسناته، وأن يمد في عمره على طاعته.

стр. 19

كما أشكر زوجي الفاضل الذي بذل الكثير من وقته وراحته، ولم يبخل في تقديم النصح والمشورة والتوجيه لرفع مستوى هذا البحث، فجزاه الله خيراً. كما أوجه شكري الخالص لكل من أعانني على إخراج هذه الرسالة برأي، أو توجيه، أو مشورة، أو إعارة كتاب، فلهم مني عظيم الشكر والتقدير، وأسأل الله لهم السداد والتوفيق وحسن الجزاء. والشكر موصول إلى سعادة عميد كلية أصول الدين الدكتور: عبدالله آل الشيخ، ورئيس قسم القرآن وعلومه الدكتور: إبراهيم بن سعيد الدوسري، ووكيله، وأصحاب الفضيلة أعضاء مجلس القسم، جزاهم الله خير الجزاء. وختاماً: فهذا جهد المقل، وبضاعته المزجاة، وإني لأرجو أن أكون قد وُفِّقت لما قصدت من خير، وأن ينفع الله به، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، ولا أدَّعي فيه الكمال، ولكن حسبي أني بذلت فيه جهدي ووقتي، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وتوفيق من رب كريم، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله تعالى منه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 20

التمهيد أولاً: - تعريف الاستنباط، ونشأته، وعلاقته بالتفسير. - أهميته، وطرق التوصل إليه . ثانياً: التعريف بالخطيب الشربيني: اسمه، ونشأته، شيوخه، مكانته العلمية وآثاره، مذهبه العقدي، والفقهي، وفاته. ثالثاً: التعريف بتفسير"السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير": القيمة العلمية للكتاب، ومنهج الخطيب الشربيني في تفسيره.

стр. 21

أولاً: تعريف الاستنباط: الاستنباط في اللغة هو: الاستخراج والظهور بعد الخفاء، وأصله من النَّبَط، والنَّبَطُ: الماء الذي يَنْبُطُ من قَعر البِئْر إذا حُفِرت، وقد نَبَط ماؤها يَنبِط نَبْطاً ونبوطاً، وأَنبَطْنا الماءَ، أي: استنبطناه، يعني: انتهينا إليه. (١) فالنَّبَطُ: الماء المستنبطُ من الأرض، ومنه قول الشاعر: قريبٌ ثَرَاهُ، ما يَنَالُ عَدُوُّه ... لَه نَبَطَاً، آبِي الهوانِ، قَطُوبُ. (٢) ونبطت الْبِئْر وأنبطتها إِذا استخرجت ماءها. وكل شَيْء أظهرته بعد خفائه فقد أنبطته واستنبطته. واستنبطت من فلَان علماً أَو خَبراً أَو مَالاً إِذا استخرجته مِنْهُ. واستنبطتُ هذا الْأَمر إذا فَكَّرتُ فيهِ فأظهرته. (٣)

стр. 22

وعليه فالاستنباط: الاستخراج (١)؛ إذ النون والباء والطاء في لغة العرب كلمةٌ تدلُّ على استخراج الشيء والانتهاء إليه. واستنبط الفقيه: إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (٢) قال الزجاج (٣): (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر). (٤) وقال ابن جرير (٥): (كلُّ من أخرج شيئاً كان مُستَتِراً عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له). (٦) ومن هذه المعاني اللغوية يتبين ما يأتي: أولاً: أن الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ.

стр. 23

ثانياً: أن في الاستنباط نوعُ اجتهادٍ ومعاناة، دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب (الألف، والسين، والتاء)، فهي تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، فليس المراد مجرد الإنباط بل الاستنباط، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط (١)، وهذا الاجتهاد والعناء في نيل المستنبَط واضحٌ في ما يبذله مستنبِطُ الماء من البئر. قال ابن القيم (٢): (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (٣) ثالثاً: أن الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ. (٤)

стр. 24

قال البغوي (١): (من العِلم ما يُدرَكُ بالتلاوة والرواية، وهو: النصُّ، ومنه ما يُدرَكُ بالاستنباط، وهو: القياس على المعاني المودعةِ في النصوص) (٢)، والقياس نوعٌ من الاستنباط. رابعاً: أنه يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط الحُكم أو الفائدة بعد النظر والتأمل. (٣) أمَّا تعريف الاستنباط في الاصطلاح فقد تفاوتت فيه عبارة العلماء: فعرَّفه النووي (٤) بقوله: (قال العلماء: الاستنباط استخراج ما خفي المراد به من اللفظ). (٥) وقال ابن القيم: (الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه). (٦)

стр. 25

وقال في موضع آخر هو: (استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد) (١) وتعددت التعريفات فيه وتقاربت في كثير منها، والذي يضبطها في جملتها خفاء المستنبَط ودِقّة ملحظِه، كما هو الجامع له في المعنى اللغوي. والذي يعنينا في هذا المقام هو خصوص الاستنباط من القرآن الكريم، ويمكن تعريفه بأنه: استخراج ماخفي من النص القرآني من المعاني والأحكام والفوائد واللطائف بطريق صحيح. (٢) وعليه فيمكن ضبط معنى الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه: استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. (٣) ثانياً: نشأة الاستنباط وعلاقته بالتفسير: ظهر الاستنباط من القرآن الكريم مواكباً لنزول القرآن متزامناً معه لم يتأخر عنه؛ إذ كان للصحابة رضوان الله عليهم استنباطاتهم الدقيقة التي فاقت كل استنباط وفهم، ومن لطيف استنباطاتهم: - استنباط ابن عباس ﵁ أجل رسول الله ﷺ من سورة النصر (٤)

стр. 26

بدلالة الإشارة، حيث قال: هو أجل رسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر ﵁ فقال: والله لا أعلم منها إلا ما تعلم. (١) قال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد). (٢) - ومنها: استنباط علي، وابن عباس- ﵄ بدلالة الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أن المرأة قد تلد لستة أشهر. (٣) قال ابن كثير (٤) ﵀: (وهو استنباط قوي وصحيح). (٥) ولا غرو فإن بيان السلف لمعاني القرآن في الذروة من الإصابة والبيان، لذا كان استنباطهم أدق استنباطٍ وأصحه وألطفه، وهذا التميز في تفاسير السلف واستنباطاتهم جزءٌ من مقتضى خيريتِهم وتفضيلهم الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ كما أن تميزهم في تناول هذا النوع الدقيق من البيان، لَيُبرِز حرصهم على توفيةِ الآيات حقَّها من المعاني، واستيعاب كُلِّ حق أشار إليه لفظ الآية، ودلَّ عليه معناها، وذاك هو

стр. 27

علم الاستنباط. (١) وعليه فالاستنباط ملازم لتفسير القرآن لم ينفصل عنه، فلا يكاد يوجد من كتب التفسير كتاب يخلو من استنباط، أو ملمحٍ من خفي معنى الآية، ولهذا كان الاستنباط من أوثق علوم القرآن ارتباطاً بعلم التفسير، ولا يتوصل إليه إلا بعد كمال التفسير وتمامه. وكان هذا الارتباط من أول نشأة علم التفسير وظهوره، حتى توالت التفاسير على مر القرون ملازمةً للاستنباط، وممن اعتنى بهذا الجانب: التستري (٢) في تفسيره، وأبو عبد الرحمن السلمي (٣) في (حقائق التفسير)، وأبو القاسم القشيري (٤) في (لطائف الإشارات)، والرازي (٥) في (التفسير

стр. 28

الكبير) بل يكاد يكون الاستنباط من الآيات هو غرضه من تفسيره لولا ما فيه من التفسير. ثم نجِد من العلماء من أفرد علم الاستنباط في مصنَّفات مستقلة مثل: القصاب (١) في (نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام)، ونجم الدين الطوفي (٢) في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية)، والسيوطي (٣) في (الإكليل في استنباط التنزيل)، ومثلهم أيضاً في اعتماد الاستنباط وقصده: ابن العربي (٤) في: (أنوار الفجر في مجالس الذكر)، والكرماني (٥) في (غرائب

стр. 29

التفسير وعجائب التأويل) وابن مظفر الرازي (١) في (حُجَجُ القرآن)، وغيرهم. كما اعتنى المتأخرون بموضوع الاستنباط كعناية أسلافهم، مثل: أحمد بن بدران (٢) في (جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) وغيرها من المصنفات على تنوعٍ في الموضوعات المستنبطة؛ ما بين عقيدة، وفقه، ولغة، وأصول، ورِقاق، وآداب، وغيرها. (٣) وعلى هذا يمكن تلخيص علاقةُ علم الاستنباط بعلم التفسير، وأهم الفروق بينهما فيما يأتي:

стр. 30

أن الاستنباط من أوثق علوم القرآن ارتباطاً بعلم التفسير - كما تقدم - ولا يتوصل إليه إلا بعد كمال التفسير، إذ الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير - الذي هو بيان المعنى - ولكن لشدة ارتباط هذا العلم بعلم التفسير، أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيراً؛ وذلك حين يصل هذا المعنى المستنبَط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، ومن هنا يتوجَّه تسميته تفسيراً؛ لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابنُ عاشور (١): (موضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يُستَنبَطُ منه) (٢)، وقال يصف علم التفسير بأنه: (تفسير ألفاظٍ، أو استنباطُ معانٍ) (٣)، فالاستنباط على هذا قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى مجموع معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر. (٤) وإذا أردنا التفرقة بين علم الاستنباط والتفسير فإن علم الاستنباط يتفق مع التفسير في أنهما بيانٌ للمعنى، ثم يفترقان في ما يأتي: أولاً: في المعنى المُبَيَّن في كلٍّ منهما؛ فللتفسير المعنى الظاهر المباشر اللازم لِلَّفظ، وللاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجلِّ علوم القرآن

стр. 31

الكريم، وألصقها بألفاظه. (١) ثانياً: في كون الاستنباط مشروط بالخفاء فيما يُستنبط، بحيث لا يوجد ما يدل ظاهراً على ارتباط هذا المعنى بالآية قبل استنباطه، بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك. ثالثاً: مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات. رابعاً: التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية. خامساً: الاستنباط يحتاج إلى جهد وقوة ذهن، والتفسير قد يحتاج لذلك عند عدم وضوح المعنى وتطلب البحث عنه، أو عند اختيار أحد الأقوال المذكورة في الآية، وقد لا يحتاج. قال ابن القيم: (والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به). (٢) سادساً: الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد استقر وعُلِم. (٣) وعلى هذا فالاستنباط مغاير للتفسير رغم ما بينهما من ارتباط وثيق، إلا أنه لا يمكن القول بأنهما شيء واحد بل كل مصطلح منهما يدُل على مالا يدُل عليه الآخر كما هو ظاهر.

стр. 32

ثالثاً: أهمية علم الاستنباط: إن من أعظم العلوم التي اشتغل بها المفسرون بعد علم التفسير: علم الاستنباط من القرآن الكريم، واستخراج الفوائد والمعاني والحِكم من آياته؛ لاتصاله بأشرف العلوم الذي هو كلام الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، فسمَّى الله تعالى الاستنباط علماً، ومدح أهل العلم به، وخصَّ رسوله ﷺ بعلم حقيقة الأمر من الأمن أو الخوف، وما يُنشر منه وما لا يُنشر، كما خصَّ بعلمِه أهلَ الاستنباطِ من أولي الأمر - وهم العلماء - دون غيرهم من أهل العلم. فلولا أن الاستنباط علمٌ معتبَرٌ، وحُجَّةٌ في الشرع، لَمَا أمر اللهُ تعالى عبادَه برَدِّ ما لم يدركوا علمه نَصَّاً إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم. قال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم) (١). وعليه فالاستنباط من أهمِّ أسباب دَرَك العلوم، وله من الأصولِ والضوابط التي تجمع جزئياته، وتَلُمُّ متفرِّقاته، ما يجدر معه بأهل العلم إبرازها وتحديدها،

стр. 33

بعد جمعها ودرسها. (١) قال ابن القيم: (وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم). وقال (والله سبحانه ذمَّ من سمع ظاهراً مجرداً فأذاعه وأفشاه، وحمِد من استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه). (٢) ومما يدل على أهمية علم الاستنباط ما يأتي: أولاً: اعتناء المفسرين به، فقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية فائقة تدل على أهميته، فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير إلا وقد تضمَّن عدداً كبيراً من الاستنباطات. (٣) ثانياً: أن الاستنباط سبيل لإعطاءُ ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لَهَا من المعاني: قال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظَ حقَّه والمعنى حقَّه) (٤)، ومن

стр. 34

حقِّ اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره. (١) ثالثاً: أن الاستنباط سبب لنيل العلم وتحصيله: وقد أشار السعدي (٢) إلى هذا فقال: (لا يكون المتدبر مقتصراً على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحاً على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ. والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه. وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجلّه إيضاحاً، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة). (٣) رابعاً: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر وأغنى من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرف بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سِرٍّ وحُكمٍ نَبَّهت عليهما إشارة الآية، ولم تبينهما العبارة، فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل

стр. 35

أكثرها تؤخذ من جهة المعاني، والاستنباط من النصوص؛ فالألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحاً لكُلِّ زمان ومكان، وتبياناً لِكُلِّ شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية. فعِلم الاستنباط عِلم مبارك، يفيض على الأمة في كل زمان بكلِّ ما تحتاجه من معرفة الحَق المطابق لوقائعها، والمستمد من خيرِ بيان وأصدق كلام، كتاب الله تعالى. (١) طريق الوصول إلى الاستنباط: علم الاستنباط علم عزيز، ليس في مقدور عامة الناس ولا أكثر علمائهم الخوض فيه، وإنما هو شأن القلَّة التي تمكنت منه بعد جهدٍ واجتهاد وفتحٍ من الله وتوفيق. قال الراغب الأصفهاني (٢): (كُلُّ من كان حظُّه في العلوم أوفر، كان نصيبه من علم القرآن أكثر). (٣) وقال ابن القيم في معنى «يستنبطونه»: (أي: يستخرجون حقيقته وتدبيره، بفطنتهم وذكائهم، وإيمانهم، ومعرفتهم بمواطن الأمن والخوف) (٤)، وقال: (ولو رُزق العبد تضلعاً من كتاب الله وسنة رسوله، وفهماً تاماً في النصوص ولوازمها،

стр. 36

لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه). (١) وأساس ذلك كله والمعوَّل عليه أولاً هو: معرفة معنى اللفظ، والفهم الصحيح له؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه الخطأ في الاستنباط، قال السعدي في ذلك: (والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهماً جيداً، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وُفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقاً ونوراً، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (٢). ولهذا يُعتبر فيمن يستنبِط من كتاب الله شروطاً خاصة، أهم هذه الشروط موجزة ما يأتي: أولاً: صحة الاعتقاد، وسلامة القصد، والبعد عن الأهواء والتعصب. ثانياً: معرفة التفسير الصحيح من الآية - كما تقدم - والفهم السليم لها. ثالثاً: معرفة اللغة العربية. إذ الجهل باللغة مورد للخطأ في الاستنباط.

стр. 37

رابعاً: معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط (١)؛ فالجهل بالطرق الصحيحة يؤدي كذلك إلى الخطأ في الاستنباط. خامساً: الإلمام ببعض العلوم المتمِّمة: كالعلم بأصول الفقه، وما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات، والعلم بأصول التفسير، والفقه، ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية، وعلم الحديث وأصوله، والتمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، وكذا العلم بمقاصد الشريعة، والقواعد الشرعية الكلية، والنظائر، وغير ذلك مما يعين المستنبِط ويفتح ذهنه، وينور بصيرته، إضافة إلى فطرته السليمة والمكتسبة، من صفاء الذهن ونفاذ البصيرة، وحدة الذكاء، والقدرة على النظر والاستدلال (٢). ويضاف لهذا شروطاً في المعنى المستنبَط كذلك، فحتى يكون الاستنباط صحيحاً لا بد من مراعاة بعض الشروط، من أهمها ما يأتي: أولاً: سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح. ثانياً: أن يكون بين المعنى المستنبَط وبين اللفظ ارتباطاً صحيحاً. ثالثاً: أن يكون مما للرأي فيه مجال. رابعاً: عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة. (٣) وبهذا يظهر أنّ المنهج المُتَّبع لبلوغ درجة الاستنباط المحمودة شرعاً هو: العلم

стр. 38

بحدود ألفاظ الآيات، وفهم وجوه معانيها، وأساليبها، ثُم يَستظهر المستنبِط بعد ذلك -برسوخ في علوم اللسان والبيان، وأصول الشرع ومقاصده - ما تقع عليه بصيرته من دقائق المعاني، ومحاسن الإشارات، الأقرب منها فالأقرب إلى معنى الآية، ثمَّ الأقوى منها فالأقوى في الدلالة على مقصده ومراده. قال ابن جرير: (أولى العبارات أن يُعبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه) (١)، وقال الراغب الأصفهاني: (إن المائل إلى دقيق المحاجَّة هو العاجز عن إقامة الحُجة بالجَلي من الكلام؛ فإنَّ من استطاع أن يُفهِم بالأوضح الذي يفهمه الكثيرون، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون، وقد أخرج الله تعالى مخاطباته في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق؛ لتَفهم العامة من جلِيها ما يُقنعهم ويُلزمهم الحجة، ويُفهم الخواص من أسرارها ودقائقها). (٢) وقال ابن القيم: (إذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد). (٣) وبهذا يظهر أنَّ بذلَ غاية الوسعِ والاجتهاد في تفحصِ معاني الآيات ووجوهها، والغوص في مدلولات ألفاظها ومقاصدها، هو أعظم شرط لنيل المقصود في هذا الباب (٤)، والله تعالى أعلم.

стр. 39

ثانياً: التعريف بالخطيب الشربيني ﵀ اسمه ونشأته: هو شمس الدين محمد بن أحمد (١) الشربيني، الشافعي، الفقيه، المفسر، المتكلم، النحْوي، الصرفي، يُكنَّى بالخطيب الشربيني، اشتهر بكنيته، ولم تذكر كتب التراجم سنة ميلاده، نشأ في شربين، وهي مدينة بمحافظة الدقهلية في مصر، ثم انتقل إلى القاهرة واستوطنها حتى توفي، حفِظ القرآن في صغره، ونشأ طالباً للعلم شغوفاً به، تخرَّج في جامع الأزهر، ودرَّس فيه، وكان له في الجامع الأزهر زاوية خاصة للتدريس لا يشاركه فيها غيره، تولَّى خطابة الجامع الأزهر، وكانت هذه الوظيفة تعد منصباً رسمياً في مصر لا يناله إلا كبار العلماء. عُرف بالعلم والزهد والورع، وكان يؤثر عدم الشهرة، ولا يكترِث بأشغال الدنيا. (٢) شيوخه: أخذ الخطيب ﵀ عن جملة من الشيوخ، وتضَّلع من العلوم على أيديهم فأجازوه بالإفتاء والتدريس، فدرَّس وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلائق كثيرون. (٣) وممن أخذ عنهم ﵀: - أحمد البرلسي الملقب بالشيخ عميرة. (٤)

стр. 40

- نور الدين المحلي. (١) - ناصر الدين اللقاني. (٢) - جمال الدين السناني. (٣) - بدر الدين المشهدي. (٤) - شهاب الدين الرملي. (٥)
следующие страницы →