لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه). (١)
وأساس ذلك كله والمعوَّل عليه أولاً هو: معرفة معنى اللفظ، والفهم الصحيح له؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه الخطأ في الاستنباط، قال السعدي في ذلك:
(والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهماً جيداً، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وُفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقاً ونوراً، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (٢).
ولهذا يُعتبر فيمن يستنبِط من كتاب الله شروطاً خاصة، أهم هذه الشروط موجزة ما يأتي:
أولاً: صحة الاعتقاد، وسلامة القصد، والبعد عن الأهواء والتعصب.
ثانياً: معرفة التفسير الصحيح من الآية - كما تقدم - والفهم السليم لها.
ثالثاً: معرفة اللغة العربية. إذ الجهل باللغة مورد للخطأ في الاستنباط.
стр. 37
رابعاً: معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط (١)؛ فالجهل بالطرق الصحيحة يؤدي كذلك إلى الخطأ في الاستنباط.
خامساً: الإلمام ببعض العلوم المتمِّمة: كالعلم بأصول الفقه، وما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات، والعلم بأصول التفسير، والفقه، ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية، وعلم الحديث وأصوله، والتمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، وكذا العلم بمقاصد الشريعة، والقواعد الشرعية الكلية، والنظائر، وغير ذلك مما يعين المستنبِط ويفتح ذهنه، وينور بصيرته، إضافة إلى فطرته السليمة والمكتسبة، من صفاء الذهن ونفاذ البصيرة، وحدة الذكاء، والقدرة على النظر والاستدلال (٢).
ويضاف لهذا شروطاً في المعنى المستنبَط كذلك، فحتى يكون الاستنباط صحيحاً لا بد من مراعاة بعض الشروط، من أهمها ما يأتي:
أولاً: سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح.
ثانياً: أن يكون بين المعنى المستنبَط وبين اللفظ ارتباطاً صحيحاً.
ثالثاً: أن يكون مما للرأي فيه مجال.
رابعاً: عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة. (٣)
وبهذا يظهر أنّ المنهج المُتَّبع لبلوغ درجة الاستنباط المحمودة شرعاً هو: العلم
стр. 38
بحدود ألفاظ الآيات، وفهم وجوه معانيها، وأساليبها، ثُم يَستظهر المستنبِط بعد ذلك -برسوخ في علوم اللسان والبيان، وأصول الشرع ومقاصده - ما تقع عليه بصيرته من دقائق المعاني، ومحاسن الإشارات، الأقرب منها فالأقرب إلى معنى الآية، ثمَّ الأقوى منها فالأقوى في الدلالة على مقصده ومراده.
قال ابن جرير: (أولى العبارات أن يُعبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه) (١)، وقال الراغب الأصفهاني: (إن المائل إلى دقيق المحاجَّة هو العاجز عن إقامة الحُجة بالجَلي من الكلام؛ فإنَّ من استطاع أن يُفهِم بالأوضح الذي يفهمه الكثيرون، لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون، وقد أخرج الله تعالى مخاطباته في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق؛ لتَفهم العامة من جلِيها ما يُقنعهم ويُلزمهم الحجة، ويُفهم الخواص من أسرارها ودقائقها). (٢)
وقال ابن القيم: (إذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد). (٣)
وبهذا يظهر أنَّ بذلَ غاية الوسعِ والاجتهاد في تفحصِ معاني الآيات ووجوهها، والغوص في مدلولات ألفاظها ومقاصدها، هو أعظم شرط لنيل المقصود في هذا الباب (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 39
ثانياً: التعريف بالخطيب الشربيني ﵀
اسمه ونشأته:
هو شمس الدين محمد بن أحمد (١) الشربيني، الشافعي، الفقيه، المفسر، المتكلم، النحْوي، الصرفي، يُكنَّى بالخطيب الشربيني، اشتهر بكنيته، ولم تذكر كتب التراجم سنة ميلاده، نشأ في شربين، وهي مدينة بمحافظة الدقهلية في مصر، ثم انتقل إلى القاهرة واستوطنها حتى توفي، حفِظ القرآن في صغره، ونشأ طالباً للعلم شغوفاً به، تخرَّج في جامع الأزهر، ودرَّس فيه، وكان له في الجامع الأزهر زاوية خاصة للتدريس لا يشاركه فيها غيره، تولَّى خطابة الجامع الأزهر، وكانت هذه الوظيفة تعد منصباً رسمياً في مصر لا يناله إلا كبار العلماء. عُرف بالعلم والزهد والورع، وكان يؤثر عدم الشهرة، ولا يكترِث بأشغال الدنيا. (٢)
شيوخه:
أخذ الخطيب ﵀ عن جملة من الشيوخ، وتضَّلع من العلوم على أيديهم فأجازوه بالإفتاء والتدريس، فدرَّس وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلائق كثيرون. (٣)
وممن أخذ عنهم ﵀:
- أحمد البرلسي الملقب بالشيخ عميرة. (٤)
стр. 40
- نور الدين المحلي. (١)
- ناصر الدين اللقاني. (٢)
- جمال الدين السناني. (٣)
- بدر الدين المشهدي. (٤)
- شهاب الدين الرملي. (٥)
стр. 41
- ناصر الدين الطبلاوي. (١) وغيرهم. (٢)
مكانته العلمية وآثاره:
كان الخطيب ﵀ ممن أجمع أهل مِصر على صلاحه وعِلمه وعمله وزهده وورعه، كثير النُّسكِ والعبادةِ، متفرغاً لطلب العلم وتدريسه، كثير التواضع، شديد الحياء. وكان من عادته أن يعتكف من أول رمضان فلا يخرج من الجامع إلا بعد صلاة العيد. كان إذا حجَّ لا يركب إلا بعد تَعبٍ شديدٍ حيث كان يمشي كثيراً وينزل عن الدَّابةِ، وكان أثناء طريق الحج يُكثر من تعليم الناس المناسك، وآداب السفر، ويحثهم على الصلاة، ويعلمهم كيفية القصر والجمع، مكثراً من تلاوة القرآن في الطريق وغيره، كثير الطواف في مكة، وكان يصوم بمكة والسفر أكثر أيامه، وربما يعطي السائل عشاءه ويبيت تلك الليلة طاويًا، وفي غالب لياليه يكتفي بشرب ماء زمزم، وكان لا يكترث بأشغال الدنيا، فلا يسعى إلى شيء فيه رئاسة، ولا يزاحم أحداً على صحبة أحد من الولاة والقضاة، بل ربما لا يعرف أحداً منهم.
وكان كثير الزيارة لقبر رسول الله ﷺ ، يستخير ربه في الروضة الشريفة إذا همَّ بأمر من الأمور، فلم يكتب حرفًا في كتابه «مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ
стр. 42
المنهاج» إلا بعد ذهابه إلى زيارة رسول الله ﷺ ، وصلاة ركعتين بنية الاستخارة في الروضة الشريفة. (١)
مؤلفاته:
خلَّف الخطيب ﵀ آثاراً علمية قيَّمة نمَّت عن فكرٍ دقيق، وسعة علم، ومجاهدة، ومن هذه المؤلفات:
- تفسيره القيّم: السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير. طبع في أربعة مجلدات كبار بمطبعة بولاق ١٢٨٥ هـ، ثم تكرر طبعه، ويعرف بتفسير الخطيب الشربيني.
- الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (٢)، وهو شرح مطول حافل على متن الغاية والتقريب في الفقه الشافعي لأبي شجاع، وقد فرغ من تأليفه سنة ٩٧٢ هـ- طبع في مجلدين بمطبعة بولاق ١٢٩١ هـ ثم تكررت طباعته.
- شرح شواهد القطر. طبع بمصر عام ١٢٨٣ هـ ثم تكرر طبعه.
- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، كتاب في الفقه على المذهب الشافعي، شرح به الخطيب كتاب «منهاج الطالبين» للنووي، وهو شرح متوسط، خال من الحشو والتطويل، حاوٍ للدليل والتعليل، والمعوَّل عليه من كلام الشافعي
стр. 43
والأصحاب والمتأخرين، وقد كُتِب له القبول التام فأقبل الناس على قراءته وكتابته في حياته، طبع بالمطبعة الميمنية بمصر ١٣٠٨ هـ، في أربعة مجلدات ثم تكررت طباعته.
- شرح التنبيه، وهو شرح على كتاب التنبيه في فروع الشافعية لأبى إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (١) الفقيه الشافعي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ.
- شرح منهاج الدين في شعب الإيمان، وهو للشيخ الإمام أبي عبد الله حسين ابن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي (٢)، وهو كتاب جليل في نحو ثلاثة مجلدات، فيه أحكام كثيرة ومسائل فقهية، وغيرها مما يتعلق بأصول الدين.
- تقريرات على كتاب المطول في البلاغة للتفتازاني (٣).
- نور السجية في حل ألفاظ الآجرومية. (٤)
- فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك (٥).
стр. 44
- الفتح الرباني في حل ألفاظ تصريف عز الدين الزنجاني (١).
- كتاب شرح البهجة في الفقه لابن الوردي (٢).
- رسالة في البسملة والحمد لله.
- مناسك الحج.
- رسالة في بر الوالدين وصلة الرحم.
- المواعظ الصفية على المنابر العليَّة.
- سواطع الحكم؛ وهو شرح على حكم ابن عطاء الله السكندري (٣). (٤)
стр. 45
عقيدته ومذهبه:
يظهر للناظر في تفسير الخطيب ﵀ واستنباطاته، أنه أشعري العقيدة، لكنه أقرّ منهج السلف في رده على الفرق الضالة، حيث تصدّى لتفنيد آراء المعتزلة (١)، والقدرية (٢)، والجبرية (٣)، وغيرهم من الفِرق عند تفسيره لبعض الآيات. (٤) مُثبتاً لمنهج أهل السنة والجماعة في مواضع النزاع بينهم، ولا يستفيض كغيره من المفسرين في المباحث العقلية، وإنما يكتفي بعرض آراء الفرق، وبيان أن الآية لا تصلح دليلاً لهم مستدلاً بما ظهر من الآية. (٥)
стр. 46
وقد نهج الخطيب منهج الأشاعرة (١) في تأويله لآيات الصفات، فأثبت - كما أثبت الأشاعرة- سبع صفات فقط وهي: الحياة والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام (٢)، والسمع، والبصر. (٣)
وأوَّل صفة الوجه (٤)، والعين (٥)، واليد (٦)، والعلو (٧). وغيرها من صفات الذات.
стр. 47
كما أوَّل الخطيب كذلك الصفات الفعلية التي ينكرها الأشاعرة جملة وتفصيلاً، مثل الإتيان (١)، والمجيء (٢)، والغضب (٣)، والمحبة (٤)، والرضى (٥)، وغيرها من الصفات. (٦)
стр. 48
وأثبت الخطيب ﵀ صفة الاستواء على ضعف في ذلك (١)، كما أثبت الرؤية (٢)، لكنه كسائر الأشاعرة يثبتون رؤية الله ، ويقولون: (نظرٌ لا إلى جهة)، ويرون الجهة مستحيلة في حق الله، فإثباتهم لها مختلف عن إثبات أهل السنة والجماعة؛
стр. 49
إذ يجعلونها رؤية بقوى يحدثها الله تعالى في الأجسام يوم القيامة لا إلى جهة. أما أهل السنَّة فيجعلون الرؤية بالعينين إلى جهة العلو حيث اللهُ جلّ وعلا. (١)
وفي الجملة فقد سار الخطيب على نهج الأشاعرة، وبنى تفسيره وتبعتها استنباطاته على أصولهم، وسأعرض فيما يأتي أمثلة لموافقته بعض أصولهم مجملة، إشارة لها وتنبيهاً عليها، وإلا فالكلام عليها وردّها سيأتي مفصلاً مبسوطاً بمشيئة الله في قسم الدراسة.
فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: التوحيد:
التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التبعيض، والتركيب، والتجزئة (٢)، وعلى هذا أوَّل الخطيب كثيراً من الصفات الفعلية والذاتية - كما تقدم - والتأويل عنده مبني على أصل الأشاعرة في التوحيد، فهو ينكر بعض الصفات كصفة الوجه مثلاً؛ لأنها تؤدي إلى التركيب والتجزئة.! (٣)
وقد تقدم الكلام آنفاً عن تأويله للصفات والتمثيل عليه بما يغني عن إعادته.
стр. 50
ثانياً: الإيمان:
أقرّ أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط. (١)
قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]: (وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه، ولا على ما هو داخل فيه). (٢)
ثالثاً: القرآن:
أثبت أن كلام الله معنى أزلي أبدي قائم بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، ولا يوصف بالخبر ولا بالإنشاء، وقد تقدّم. (٣)
رابعاً: النبوات:
قرّر أنه لا دليل على صدق النبي ﷺ إلا المعجزة. (٤)
стр. 51
كما بالغ في إثبات عصمة الأنبياء وإنكار صدور الذنب منهم، وأوّل بعض الآيات تأويلاً متكلفاً كالحال في تأويل الصفات. (١)
قال عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
(قوله ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة). (٢)
خامساً: القدر:
أثبت نظرية الكسب التي تخبط فيها الأشاعرة في باب القدر (٣)، والتي تؤول إلى القول بالجبر؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد أو تأثير، وتناولها مراراً في تفسيره (٤).
стр. 52
قال عند قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ [يونس: ٧٤]: وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد.» (١)
وقال عند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، في ذلك دليل على أنّ للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. (٢)
سادساً: السببية وأفعال المخلوقات:
أنكر تأثير الأسباب في مسبباتها، ومأخذ الأشاعرة هنا هو نفسه مأخذهم في القدر، فعندهم مثلاً: من قال: إن النار تحرق بطبعها، أوهي علة الإحراق فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقاً. (٣)
стр. 53
قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]: «﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: السحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحداً، ومِن: صلة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى». (١)
وقال عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]: (وفائدة هذه الجملة الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، وهو أنه تعالى أمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغيّ والفساد ليكون عذابهم أشدّ، وللتنبيه على أنّ تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى، وأنّ وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته تعالى.) (٢)
وفي أفعال المخلوقات: قال كما قالت الأشعرية: إن العبد فاعل لفعله مجازاً وليس حقيقة، وأن فعل العبد فعل لله لا للعبد؛ لأنهم مع سائر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد، وهم يقولون أن الله فاعل فعل العبد، ففعل الله هو مفعوله، والخلق هو المخلوق. (٣)
وأكثر الكلام حول مسألة خلق الله أفعال العباد، واستنباطها من الآيات ذات الدلالة، حتى تكاد تكون أكثر المسائل العقدية التي تعرّض لها في تفسيره.
стр. 54
قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [الأعراف: ١٢٦]: (ذكر الصبر من قِبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى، وذلك يدل على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه). (١)
وقال عند قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]: احتج أهل السنة بقوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأنه تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً. (٢)
سابعاً: التحسين والتقبيح:
أنكر أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح، بل مرد ذلك إلى الشرع وحده (٣)، على النقيض من قول المعتزلة الذين جعلوا مردّ التحسين والتقبيح إلى العقل فقط. (٤)
قال عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ أي: الأزواج، .. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال. (٥)
стр. 55
وعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]: قال: ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: بالقبائح من الأفعال ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: ما أنكره الشرع، وهو كل ما يكرهه الله تعالى. (١)
وقال عند قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك نفسها ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر حسَّنه الشرع، فلا يقصد أذاها بتفريقها عن ولدها مثلاً، أو عنه إن كانت عاشقة له لقصد الأذى فقط من غير مصلحة، وكذلك ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل والقول. (٢)
وبعد هذه اللمحات الموجزة (٣) عن عقيدته ﵀ التي وافق فيها الأشاعرة في أوضح أصولهم، يظهر سلامة معتقده فيما عدا ذلك، وتأصيله أصول أهل السنة والجماعة، وإبطاله المعتقدات الفاسدة عند الفرق المخالفة، والطوائف الضالة، وتشنيعه على المعتزلة ورده عليهم في كثير من استدلالتهم الباطلة، ورده كذلك على القدرية، والمرجئة، والمجبرة، وغيرهم من الطوائف -كما تقدّم - فرحمه الله وعفا عنَّا وعنه، وسائر علمائنا وهدانا لصراطه المستقيم، إنه سميع مجيب.
стр. 56
أما مذهبه الفقهي فهو شافعي المذهب، ويظهر ذلك جلياً في كتبه، وفي تفسيره لآيات الأحكام؛ إذ كثيراً ما يذكر أقوال أهل العلم، محققاً لها ومرجحاً أحياناً، مع ميله للمذهب الشافعي دون تعصب له. (١)
وفاته
توفي بعد العصر من يوم الخميس الثامن من شعبان سنة سبع وسبعين وتسعمائة ٩٧٧ هـ، الموافق ١٥٧٠ م، بعد حياة علمية زاخرة بالعطاء والعلم، فرحمه الله ورضي عنه وأرضاه. (٢)
стр. 57
ثالثاً: التعريف بتفسير"السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير ":
القيمة العلمية لتفسير السراج المنير، ومنهجه فيه:
لا يخفى على الناظر في هذا التفسير القيمة العلمية لهذا الكتاب ومؤلِفه، فقد جمع فيه الخطيب عدداً من العلوم وضروباً من الفنون، مع دقةٍ في الاختيار، وتحرير، وترجيح، تُبرز سابقة هذا المؤلِف وذائقته، وسلامة منهجه، وقد نصَّ على هذا المنهج في مقدمة تفسيره، وأوضح فيه أنه اقتصر على أصح الأقوال غالباً، وإعراب ما يُحتاج إليه عند السؤال، وترَك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية، وإذا ذكر فيه شيئاً من القراءات فهو من السبع المشهورات، وقد يذكر بعض الأقوال والأعاريب لقوّة مداركها أو لورودها، ولكن بصيغة (قيل) ليُعلم أن المرضي أوّلها.
كما أشار إلى هذا المنهج في خاتمة تفسيره فقال: (فدونك تفسيراً كأنه سبيكة عسجد (١)، أو درٌ مُنضَّد، جمع من التفاسير معظمها، ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها، محرّر الدلائل في هذا الفنّ، مظهراً لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جنّ، فإذا ظفرت بفائدة شاردة فادعُ لي بالتجاوز والمغفرة، أو بزلة قلم أو لسان، فافتح لها باب التجاوز والمعذرة) (٢)
стр. 58
كما أن الخطيب تغلِب عليه علوم العربية وقد بدا أثر ذلك واضحاً في تفسيره، كما يُعدُّ موسوعة في الفقه، جمع كثيراً من الأقوال والمذاهب الفقهية، ولاغرو فالخطيب ﵀ مُفسِّر فقيهٌ نحْوي.
وفي الجملة فالكتاب غزير العلم جمُّ الفوائد، يجمع بين التفسير بالدراية والرواية، إلا أنه غلَب عليه جانب الرأي، كما يظهر ذلك للناظر فيه.
منهجه في التفسير:
نهج الخطيب ﵀ في تفسيره منهجاً وسطاً بين الإطناب والإيجاز، اعتنى فيه بكل ما يتعلق بعلوم القرآن الكريم، وتركزت عنايته فيه على ما يأتي:
١ - عنايته بالأسلوب الموضوعي في التفسير حيث بدا ذلك واضحاً في تفسيره.
٢ - تفسيره للبسملة في كل سورة بنمط جديد يتناسب مع موضوع السورة ومقاصدها وأهدافها حسبما يتراءى له.
٣ - منهجه في بيان أسماء السور، حيث ذكر أسماء أُخَر لتسعة عشر سورة، منها ما يذكر أسمائها الأخرى دون تعليق عليها، ومنها ما يلتمِس الحكمة من تسميتها بهذه الأسماء، أما باقي سور القرآن الكريم فقد وقف عند أسمائها المذكورة في المصحف.
٤ - إطالته في ذكر أسباب النزول معزوةً في الغالب إلى قائليها، وأحياناً لا يعزوها.
٥ - يُورد أقوال العلماء في الأحرف المقطعة في أوائل السور دون ترجيح قول على آخر، أو بيان رأيه فيها، رغم أنه أورد مسائل متعلقة بهذه الأحرف ثم بيّن رأيه فيها.
٦ - اهتمامه الملحوظ بذكر المناسبات بين السور والآيات.
стр. 59
٧ - عنايته بذكر القراءات السبع المشهورة، كما أورد بعض القراءات الشاذة أحياناً مع التنبيه عليها.
٨ - اهتمامه بالتفسير بالمأثور، فنقل عن ابن جرير الطبري، والبغوي، وابن كثير (١)، كما نقل كثيراً من أقوال الصحابة والتابعين، أمثال: عائشة، وعلي، وأبو هريرة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبدالله، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. (٢)
٩ - اعتماده في تفسيره على تفاسير من سبقه كالبيضاوي (٣)، والرازي، والزمخشري (٤)، وغيرهم.
стр. 60
١٠ - اهتمامه بالأحكام الفقهية دون توسع، فلا يُسهِب في عرض ومناقشة الاختلافات بين المذاهب الفقهية إلا ما ندر، ولا يذكر من المسائل الفقهية غيرما يُعين على فهم المراد من الآية.
١١ - لا يذكر من الأحاديث في الغالب إلا صحيحها، وحسنها، ولذلك نجده يتعقب الزمخشري، والبيضاوي في ذكرهما للحديث الموضوع الطويل في فضائل السور سورة، سورة، كما يُنبّه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئاً منها في تفسيره. (١)
١٢ - اهتمامه بتوظيف القاعدة النحوية في استنباط المعاني المرادة من الآيات، فيذكر وجوه الإعراب المحتملة، وينزل الآية على اختلاف الأعاريب، وقد يُرجح واحداً منها ويُدلل على رجحانه، وقد يشرح القاعدة النحوية دون تنزيلها على المعاني القرآنية، ولكنه التزم بما شرطه على نفسه في مقدمة تفسيره، فلم يُقحم نفسه فيما لا يعني المفسر من ذكر الأعاريب التي لا تمت للتفسير بصلة. (٢)
١٣ - اتخذ منهجاً وسطاً في تفسيره العلمي للآيات الكونية، فيذكر ما ورد فيها من آثار، ويعتمد على الدلالات اللغوية في بيان المراد منها، كما يذكر أقوال العلماء فيها لكنه مُقِلّ في ذلك.
١٤ - لم يخْل تفسيره من ذكر بعض القصص الإسرائيلي، يمر على بعضها مع غرابتها من غير تعقيب لها بتصحيح أو تضعيف، وغالب ذلك فيما يحتمل الصدق والكذب من أخبار بني إسرائيل، وليس فيه طعن في عصمة الأنبياء، ومنها ما يتعقبه بما يدل على
стр. 61
ضعفه، أو بطلانه، خاصة في القصص الإسرائيلي المخِلِّ بعصمة الأنبياء التي يتكلف فيها الأشاعرة. (١)
١٥ - يقول بجواز النسخ عقلاً، وجوازه شرعاً، ويردُّ على من ينكره.
١٦ - يُكثر من المواعظ والرِقاق والترغيب والترهيب، ومن يقرأ في تفسيره يلحظ عنايته بهذا الجانب بأسلوب رصين قريب إلى النفس، من غير مبالغة أو تنفير.
١٧ - يستطرد أحياناً في ذكر المواعظ والحكم الصوفية، لكنه لا يُفسر الآيات تفسيراً إشارياً بمثل الفلسفة الصوفية.
١٨ - دعاؤه عند انتهائه من تفسير بعض الآيات، وكذلك عند الانتهاء من تفسير السورة. (٢)
стр. 62
الباب الأول:
منهج الخطيب الشربيني في الاستنباط
من خلال تفسيره "السراج المنير
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.
الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره.
الفصل الثالث: أساليب الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره، ومميزاته.
الفصل الرابع: مصادر الاستنباط عند الخطيب الشربيني.
стр. 63
الفصل الأول:
أقسام الاستنباط عند الخطيب الشربيني في تفسيره .
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.
المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
стр. 64
المبحث الأول:
الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط .
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.
المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية.
المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية.
المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية.
المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية.
المطلب السادس: الاستنباطات التربوية السلوكية.
стр. 65
المبحث الأول:
الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الخطيب، ومن أبرز هذه الموضوعات عناية وظهوراً في استنباطاته ما يأتي:
المطلب الأول: الاستنباطات في علوم القرآن .
ظهرت عناية الخطيب بعلوم القرآن ومباحثه جليةً في تفسيره واستنباطاته، خاصة فيما يتعلق بمناسبات الألفاظ (١)، وقصص القرآن (٢)، وإعجازه، ومعاني التكرار في ألفاظه، ومنطوقه ومفهومه، وأسرار تقديمه وتأخيره، وخصوصه وعمومه، وفي جواز النسخ، ومرسوم الخط وكتابته، على تفاوت بين هذه المباحث في كثرة طرقه لها وقِلته.
وتأتي استنباطاته في علوم القرآن في المرتبة الخامسة من حيث الاستنباطات الأكثر وروداً عنده (٣).
والأمثلة في هذا الباب كثيرة جداً، وسأكتفي بذكر بعض الأمثلة الموجزة لكل موضوع منها، وبسط ذلك في قسم الدراسة.
стр. 66
ومن الأمثلة على استنباطاته في علوم القرآن:
أولاً: في مناسبات الألفاظ:
- عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
قال الخطيب ﵀: (ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، وهو يوم القيامة، وخُص بالذكر: لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا لله تعالى ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾) [غافر: ١٦]. (١)
ثانياً: في أسرار التقديم والتأخير في القرآن .
- عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
قال الخطيب ﵀: (فإن قيل: لم قدّمت العبادة على الاستعانة، أجيب: لتتوافق رؤوس الآي، وليعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وأيضاً لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك فرحاً واعترافاً منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أنّ العبادة أيضاً مما لا تتم ولا تتيسر له إلا بمعونة منه تعالى وتوفيق). (٢)
ثالثاً: في فوائد التكرار في القرآن الكريم:
- عند قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]
قال الخطيب ﵀: فإن قيل: ما فائدة تكرير هذه الآية مرّة ثانية؟
стр. 67
أجيب: بأنّ فيها فوائد: منها: أنّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأوّل؛ لأن الكلام الأوّل فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل.
ومنها: أنه ذَكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله، وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها
ومنها: أنّ تكرير هذه القصة للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وبيان ما أخذ به آل فرعون.
ومنها: أنّ الأولى لسببية الكفر، والثانية لسببية التغيير، والنقمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم. (١)
رابعاً: في جواز وقوع النسخ في القرآن:
- عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]
قال الخطيب ﵀: (الآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص (أن) وما يتضمنها بالأمور المحتملة؛ وذلك لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في عصر غيره). (٢)
стр. 68
خامساً: في قصص القرآن:
- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
قال الخطيب ﵀: (فائدة هذه القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وحثُّهم على التوكل والاستسلام للقضاء فإنّ الموت إذا لم يكن منه بُد، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله تعالى). (١)
سادساً: في المنطوق والمفهوم:
- عند قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران ٨٦ - ٨٧]
قال الخطيب ﵀: (دلَّت هذه الآية بمنطوقها على جواز لعن القوم
المذكورين، وبمفهومها على نفي جواز لعن غيرهم من الكفار الذين لم يكفروا بعد إيمانهم). (٢)
سابعاً: في الخصوص والعموم:
- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ٩٨]
قال الخطيب ﵀: (تخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أنّ كفرهم أقبح، وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما). (٣)
إلى غير ذلك من المباحث التي يطول حصرها، والتمثيل عليها، وتكفي الإشارة فيما مضى إلى جزء منها.
стр. 69
المطلب الثاني: الاستنباطات العقدية:
اهتم الخطيب بالاستنباط في جانب العقيدة، وأولى هذه الاستنباطات مزيد عناية وتفصيل على غيرها، فهي أكثر موضوعات الاستنباط وروداً عنده؛ إذ تأتي في المرتبة الأولى من بين مجموع استنباطاته (١)، ولهذا كان حظها من الدراسة بالتفصيل والرد أكثر من غيرها، خاصة فيما يستدعي التنبيه على مذهبه الأشعري المخالف لمذهب أهل السنة.
ويلحظ الناظر في هذه الاستنباطات إضافة إلى كثرتها، تكرارها مراراً، فلا يكاد يمر بآية فيها ملمح عقدي، أو فائدة يمكن أن يستنبط منها رد على المخالف، إلا ونبَّه عليها مستعيناً في غالبها بنقولاته عمن سبقه من الأئمة، خاصة كبار متكلمي الأشاعرة كالرازي وغيره، فيستغل كل مناسبة لتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره.
ويمكن تقسيم استنباطاته في مسائل العقيدة إلى قسمين:
القسم الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة، وهي على نوعين:
النوع الأول: تقرير مسائل على عقيدته الأشعرية:
كما هو معلوم أن عقيدة المفسر ذات تأثير كبير على تفسيره، ومن ثمَّ استنباطاته، إذ غالباً ما ينهج كل مفسر تنزيل الآيات على ما يوافق مذهبه وعقيدته، وقد عُني الخطيب ﵀ بتقرير عقيدة الأشاعرة في تفسيره عند كل مناسبة.
стр. 70
ومن الأمثلة على ذلك:
- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]
قال الخطيب ﵀: (دلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده، إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب). (١)
- وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]
قال الخطيب ﵀: (في ذلك دليل على أنّ للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة). (٢)
النوع الثاني: تقرير مسائل على عقيدة أهل السنة والجماعة:
ومن الأمثلة على ذلك:
- عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]
قال الخطيب ﵀: (﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: هيئت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، وجعلت عدّة ... لعذابهم، وفي ذلك دليل على أنّ النار مخلوقة معدّة لهم الآن). (٣)
- وعند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]
قال الخطيب ﵀: (﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: من الطاعة والتدبير، وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مكلفون، مُدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء). (٤)
القسم الثاني: استنباطات فيها تقرير لمسائل عقدية على مذهب أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم
وفيه تقرير أصول عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، ومناقشة مخالفيهم من أهل الفرق والضلال، بتبيين باطلهم، ورد مزاعمهم عليهم داحضة، بنصوص القرآن والسنة المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة، وتأويلاتهم الباطلة.
стр. 71
ومن الأمثلة على ذلك:
- عند قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]
قال الخطيب ﵀: (﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دين الإسلام، وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد). (١)
- وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله تعالى خالق أفعال العباد جميعها خيرها وشرّها؛ لأنه تعالى بيَّن باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجنّ والإنس للنار، ولا مزيد على بيان الله تعالى؛ ولأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار، فلما عمل بما يوجب عليه دخول النار به علم أنّ له من يضطرّه إلى ذلك العمل الموجب لدخول النار وهو الله تعالى). (٢)
стр. 72
المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية .
اعتنى الخطيب ﵀ بالاستنباط في أصول الفقه، وتميَّز بدقة هذه الاستنباطات وقوّتها، وتأتي استنباطاته الأصولية في المرتبة الرابعة (١) من إجمالي مجموع الاستنباطات عنده.
ومن أمثلة الاستنباطات الأصولية عند الخطيب:
- عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع؛ لأن الملائكة بيَّنوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة) (٢).
- وعند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]
قال الخطيب ﵀: (الآية تدل على أن الأمر للوجوب؛ لأن تارك الأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العذاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك). (٣)
- وعند قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف ٢٠]
قال الخطيب ﵀: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات) (٤).
стр. 73
المطلب الرابع: الاستنباطات الفقهية:
استنبط الخطيب ﵀ كثيراً من الأحكام في الفقه والقواعد الفقهية، مما ينُمُّ عن غزارة علمه وسعة فقهه، وقد جاءت استنباطاته الفقهية في المرتبة الثانية من حيث الاستنباطات الأكثر وروداً عنده (١).
ويمكن تقسيم استنباطاته الفقهية إلى قسمين:
القسم الأول: استنباطات فقهية كلية، وهي ما يعرف بالقواعد الفقهية .
ومن أمثلة استنباطاته في القواعد الفقهية:
حجية سد الذرائع:
- عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قال الخطيب ﵀: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ أي: اعتداءً وظلماً ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جهلاً منهم بالله وبما يجب أن يذكر به، وفيه دليل على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدّي إلى الشرّ شر). (٢)
стр. 74
الأصل في الأشياء الإباحة:
- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]
قال الخطيب ﵀: (دلّت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع
التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأنّ الاستفهام في من للإنكار). (١)
القسم الثاني: استنباطات لمسائل فقهية فرعية متنوعة، وهذا هو الأغلب في استنباطات الخطيب الفقهية .
ومن أمثلة هذه الاستنباطات:
- عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]
قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على أنّ المرأة لا تزوّج نفسها؛ إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الوليّ فائدة، ولا يعارض ذلك بإسناد النكاح إليهنّ؛ لأنه إنما أسند إليهن لتوقف النكاح على إذنهنّ) (٢).
- وعند قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب ٥٢]
قال الخطيب ﵀: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين، ومن الأمة ما عدا ما بين السرة والركبة) (٣).
стр. 75
المطلب الخامس: الاستنباطات اللغوية .
برزت ذائقة الخطيب وظهرت جلية في تفسيره، واستنباطاته اللغوية والبلاغية، حيث برع في علوم اللغة والبلاغة وفنون المعاني، وتميز في جانب النحو والإعراب، فنجده يعتني بالقواعد اللغوية، ويُوجه ويُرجح أحياناً، معتمداً على حصيلته اللغوية، وإجادته للعربية.
وتأتي استنباطاته اللغوية في المرتبة السادسة من بين مجموع الاستنباطات، وهي الاستنباطات الأقل وروداً عنده؛ إذ بلغت ثمانية استنباطات.
ومن أمثلة الاستنباطات اللغوية عند الخطيب:
عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]
قال الخطيب ﵀: (فإن قيل: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ أجيب: بأنّ عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر تحسيناً للكلام وتنشيطاً للسامع، فيكون أكثر إصغاءً للكلام فتعدِل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس فيهما). (١)