← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1500

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

السخاوي

Полный текст (215 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 182

فهذا ما فتح الله به في الجمع بين هذين الحديثين. وقد استروح الدّاودي المالكي (١) ﵀ فقال في حديث الدعاء لأنس

стр. 183

أنه يدل على بطلان الحديث الآخر قال: «وكيف يصحُّ ذلك وهو ﷺ يحضُّ على النكاح والتماس الولد» ؟ ! انتهى. والحكم عليه بالبطلانِ مع ما أسلفتُه من طرقه باطلٌ، نعم هو لا يقاوِم حديث

стр. 184

أنسٍ في الصحة، ولو لم يمكن الجمع بينهما بحيث زال التضاد -إن شاء الله- بين الخبرين وأُعمِلا معاً، كان القول بأن أحدَهما كافٍ أصح. ولذلك تعقّب الداوديَّ شيخُنا ﵀ وقال: «إنه لا مُنافاةَ بينهما -يعني بين الحضِّ على النكاح والتماسِ الولد، وبين الدعاء بعدم حصُول الولد والمال معاً- لاحتمال أن يكون وردَ في حصول الأمرين معاً» . قال: «لكن يعكِّر عليه كراهيتُه لغير أنس ما دعا به له ... » (١) ، ثم أجاب عنه بما أسلفتُه معزوّاً إليه. فإن استُشكِل -أيضاً- دعاؤه ﷺ على من لم يؤمن به بكثرةِ المال والولد وطول العمر بمن يشاهَدُ من الكفار والمُقلّين منهما معاً، بحيث يكون أشقى الأشقياءِ، فهو من اجتمع عليه فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة، وهو الذي خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وكذا بمن يهلك قبل الطعن في السنِّ -أيضاً-، والحالُ أن دعاءَه ﷺ مجابٌ، أمكن أن يقال: لعلّه ﷺ لم يقصد حقيقة الدعاء عليهم، إنما أراد منه تنفير من يحبهما معاً من محبيه على الوجه المذموم كما تقدم. ونحوه القول في غالبِ من دعا عليهم ﷺ من الكفار ممن تخلّف دعاؤه فيهم بأنه لم يُرد بذلك إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا. وقد قيل في «عقرى حلقى» : أن ظاهره الدعاء لكنه غير مراد، وكذا قيل في «ويل أمه» و «لا أبا له» ، و «ترِبت يداه» ، و «قاتله الله» ونحو ذلك. ويحتمل أن يقال: لعله أراد قوماً مخصوصين في زمنه ﷺ ، أو يقال بالفرق بين من صدر منه الدعاء عليه بطريق التعيين وبين من اندرج في العموم، لا سيما بعد نزول قولِه -تعالى-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ

стр. 185

فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، فقد صحّ أنه ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: «ربنا لك الحمدُ، اللهم أنج الوليدَ بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيَّاش بن [أبي] ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهمَّ اشْدُدْ وطْأَتَك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (١) يجهرُ بذلِك. وكان يقول في بعض صلاتِه في صلاة الفجر: «اللهمّ العن فلاناً وفلاناً» لأحياء من العرب، حتى أنزل اللهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨] (٢) . ويستأنس له بقول شيخِنا ﵀ في حديث: «أيّما مؤمن سببتُه أو جلدتُه؛ فاجعل ذلك كفارةً له يوم القيامة» (٣) ، ما أظنه يشمل ما وقع منه بطريق

стр. 186

التعميم لغير معيّن، حتى يتناول مَن لم يدرك زمنه ﷺ . بل قال شيخُنا (١) -أيضاً- في قوله ﷺ : «اللهم اجعل فناءَ أمتي قتلاً في سبيلك بالطعن والطاعون» (٢) ، إذ استُشكل بأن أكثر الأمة إنما يموتون بغير الطعن

стр. 187

والطاعون: «يحتمل أن يكون ﷺ دعا لأمته بطريق التعميم، فاستجاب الله دعاءَه في بعضهم فيكون من العامّ المخصوص، ويحتمل أن يكون أراد ﷺ بلفظ «أمتي» طائفةً مخصوصةً كأصحابه مثلاً، أو صفةً مخصوصةً كالخيار مثلاً، فيكون من العامّ الذي أُريد به الخصوص. والأول قد يوجّه بأنَّ الصَّحابة لم يموتوا كلُّهم بالأمرين ولا بأحدهما فقط، وكذلك الخيار؛ فإنَّ الكثير منهم يموتون بغيرِهما، وقريبٌ من الأول دعاؤه ﷺ للمؤمنين بالمغفرة، مع أنه ثبت بالأدلة القطعية عند أهل السنة أن طائفةً منهم يُعذّبون، ثم يخرجون من النار بالشّفاعة. وفي عكس ذلك دعاؤه ﷺ أن لا يُهلِك أمتَه (١) بالغرق، وأن يرفع عنهم الرّجم من السماء والخسف من الأرض، وأخبر ﷺ أنه أُجيب إليها ثم وقعت بعدُ، فدلّ على أن المراد بنفي ذلك عن الأمة نفيه عن الجميع، وأن وقوعه لبعضهم لا يقدح في صحة الحديث؛ لصلاحيّة اللفظ لإرادة الكلِّ والبعض. وكذا يقال في الحديث المسؤول عنه، وحديث الطاعون (٢) -أيضاً-: اللفظ صالحٌ لإرادة الكلِّ والبعض، فدل الواقع على أن المراد البعض فيهما، كما دلَّ الواقع في حديث الغرق ونحوه على أن المراد الكلّ، ثم إنه ليس المراد بالكلِّ

стр. 188

جميع الأمة من أولها إلى آخرها، وإنما المراد به جميع من يكون موجوداً في عصرٍ من الأعصار في جميع البلاد من الأمة المحمدية، بحيث تنقرض أمة الإجابة ولا يبقى مثلاً من الناس إلا أمة الدعوة. وهذا لا يقع إلا بعد وقوع الآيات ونزول عيسى ابن مريم، وقبض أرواح من يوحّد إذ ذاك من أهل التوحيد، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول لا إله إلا الله، فأولئك تقوم عليهم الساعة، كما ثبت في الحديث الصحيح (١) . وأما ما قبل ذلك فللعلماء فيه اختلافٌ في مسألة: «هل تخلو الأرض من قائم لله بالحجّةِ؟» (٢) ، ليس هذا موضع إيراده. وممن نحى إلى أن المراد بالأمة في حديث الطاعون الصحابة أبو العباس القرطبي في «شرح صحيح مسلم» (٣) ، وتُعقب بأنه قد مات جمع كثيرٌ من الصحابة

стр. 189

بغير الطعن والطاعون، وأُجيب: بأنه إذا ساغ تخصيص عموم الأمة بالصحابة، ساغ تخصيص الصحابة بطائفة منهم، ولكن قد استَبعد التقيُّ ابنُ تيمية أصل الجواب في

стр. 190

حمله على الصحابة فقط، وقال (١) : «متى سلِّم ذلك، تطرَّق إلى كلِّ حديث أضيف إلى الأمة» ، نعم قد جزَم به شيخُنا (٢) . فقال: «والحقُّ أن أصل الدَّعوة للصَّحابة، ولا منْع (٣) من إلحاق غيرهم بهم في الفضل المذكور» ، وأيَّده بما يضيق المحلُّ عن إيراده (٤) . وحديث الغرَق المشار إليه هو في «صحيح مسلم» من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنه ﷺ أقبل ذات يومٍ من العالية، حتى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع ركعتين، وصلّينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً، فسألتُ ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهم بينهم فمنعنيها» (٥) .

стр. 191

وفي الباب عن أنس (١) ، وثوبان (٢) ، وخبّاب بن الأرتّ (٣) ، وابن عباسٍ (٤) ، ومعاذ بن جبل (٥) ، وأبي بصرة الغفاري (٦) ﵃.

стр. 192

ولفظ حديث ثوبان: «وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنةٍ عامةٍ، وأن لا يُسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، وأن لا يُلبِسَهم شيعاً ويذيق بعضَهم بأس بعضٍ، فقال لي: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُردُّ، وإني أعطيتُك لأمتك أن لا أهلكَهم بسنةٍ عامةٍ، وأن لا أُسلِّط عليهم عدوّاً من غيرهم فيستبيح بيضتهم، حتى يكون بعضهم يهلِكُ بعضاً» (١) .

стр. 193

وعند ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام من «تفسيره» في هذه الآية من حديث ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ قال: «دعوت اللهَ أن يرفعَ عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوتُ اللهَ أن يرفع عنهم الرَّجم من السماء، والخسفَ من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً ويذيقَ بعضَهم بأس بعضٍ، فرفع الله عنهم الخسف والرَّجم، وأبى أن يرفع الآخَرتَين» (١) . ونحوه عند البخاري عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال رسولُ الله ﷺ : «أعوذُ بوجهك» ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسولُ الله ﷺ : «هاتان أهون وأيسر» (٢) .

стр. 194

ولعبد الرزاق من حديث أُبيِّ بن كعبٍ، في قوله تعالى: ﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرّجم، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الغرق (١) . وبحديث سعدٍ تَعقَّب شيخُنا ﵀ قولَ بعضِ شرّاح «المصابيح» أن جميعَ دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مستجابةٌ، وقال: «إن في قوله غفلة عن الحديث الصحيح، وهو «سألت اللهَ ثلاثاً» وذكرَه» . ونحوه قولُ القاضي عِياض في «الشفا» : «قد أخبر النبي ﷺ أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا، أُعطي بعضَها ومُنِع بعضها» (٢) . انتهى. ويُساعِد شيخَنا من أجاب عن استشكالِ ظاهِر قوله ﷺ : «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ» (٣) بما وقع لكثيرٍ من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا سيما نبينا ﷺ

стр. 195

بقوله: أن المرادَ بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة، فحالهم فيها بينَ الرجاء والخوفِ (١) . وكذا من قال: إن المراد بأنَّ لكلٍّ منهم دعوةً عامةً مستجابةً في أمته، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يُستجاب، ومنها ما لا يُستجاب. وبالجملة فالمقام خطِرٌ، وإذا كان ورَد في حقِّ المسلمين قوله ﷺ : «ما من رجلٍ مسلمٍ دعا اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةٌ، إلا أعطاه بها إحدى خصالٍ ثلاثٍ: إما أن يُعجّل له دعوَته، وإما أن يدّخر له في الآخرةِ، وإما أن يدفعَ عنه من السوء مثلها» (٢) .

стр. 196

وقال ﷺ : والذي نفسي بيده ما أذِن الله لعبدٍ في الدعاء حتى أذِن له في الإجابة» (١) ، فكيف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فضلاً عن نبيّنا ﷺ .

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 198

ولا يدفع ذلك ما ورَد التصريحُ منه بعدم الإجابة فيه، وعلى كلِّ حالٍ فقد استُغْنِيَ بما أبديتُه من الأجوبة عن التقيُّد في ورطةِ هذا، والله الموفق (١) . تمَّ الكتاب بحمد الله وعونِه وحُسن توفيقِه، وذلك على يد الفقير المعترف بالتقصير، أبو الفضل الأعرَج (٢) ، له ولمن دعا له بالمغفرة، ولجميع المسلمين. وكان الفراغُ منه عام ثمانين وثماني مئة، وصلى الله على سيدنا محمد، وآلِه وعترته الطيبين الطاهرين، وسلّم تسليماً أبداً (٣) . *****

стр. 199

جواب في الجمع بين حديثين ، هما: داءه ﷺ لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، وحديث دعائه بذلك على من لم يؤمن به ويصدقه تأليف الشيخ العلامة محمد بن عبد الرحمن السخاوي - رحمه الله تعالى - (٨٣١ - ٩٠٢)

стр. 200

مقدمة التحقيق إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدأن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فهذا جواب عن توفيق بين حديثين، لم أره منشوراً من قبل، وهو في موضوع (المال) ، إذ هو توفيق بين دعائه ﷺ لأنس بكثرة المال، ودعائه ﷺ لبعض أحبابه بقلته. والمادة التي فيه شبيهة مع ما في «السر المكتوم» بل تكاد تكون مختصرة له، فالأحاديث والآثار والأقوال والنقولات متطابقة، ولذا جعلته عقب «السر المكتوم» . وللسخاوي -رحمه الله تعالى- أجوبة متعددة في هذا الموضوع، نشر منها غير واحد في «الأجوبة المرضية فيما سئل عنه من الأحاديث النبوية» (١) . وفيها كثير من النقولات المتشابهة مع ما في «السر المكتوم» ، مع زيادة في أحدها كادت أن تنحصر في القسم الذي نقلته في (توثيق نسبة «السر المكتوم» للسخاوي) . وهذا الجواب -الذي ننشره لأول مرة- خالٍ من عنوان، وهو مذكور في فهارس دار الكتب المصرية، تحت: «جواب في الجمع بين حديثين، هما: دعاؤه لأنس بن مالك بكثرة المال والولد، وحديث دعائه بذلك على من لم يؤمن به

стр. 201

ويصدّقه» ، وهكذا أثبت على طرته بخط متأخر جدا ًعنه، وهذا الجواب من محفوظات دار الكتب المصرية، تحت رقم (٢١٠- مجاميع) في (٦) ورقات، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة (١٩) سطراً، أوله: «الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ... » ، وآخره: « ... والله الموفق، قاله وكتبه محمد السخاوي الشافعي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، آمين» . وهذه النسخة بخط السخاوي المعروف، وقد ألحق بخطه في الهوامش زيادات، ووضع بعدها (صح) . ولا يبعد عندي أن يكون هذا الجواب هو أصل «السر المكتوم» ، ثم بدا له -فيما بعد- أن توسَّع فيه، ولا سيما بعد أن طلب منه الملك الأشرف قايتباي (١) ذلك، ويقوي هذا الاحتمال الوقوف على تأريخ كلٍّ منهما، وهذا ما لم نقف عليه. ثم ظهر لي عكس هذا الاحتمال، وتقوى عندي، ذلك أن السخاوي ﵀ أشار في أول جوابه هذا أنه ألفه بطلب من الملك الأشرف، لكنه أبهمه، ولم يسمِّه، وقال ما نصُّه: «والتمس (أي الملك الأشرف) من المملوك (أي: السخاوي) ، فكتب ذلك باختصار، لكونه فهم أنّ الغرض حين سمَّى القاصد، إنما هو بيان مرتبة الحديث الثاني، ومن أخرجه، ثم تبيَّن له حقيقة المراد، فقال على سبيل الغرض على المشار إليه، لا قصداً للتطويل لديه، غير معترض لما كتبه أولاً في تخريج الحديث ... » . نستفيد من هذا: أن الملك الأشرف طلب اختصاراً لجواب ورد عليه للسخاوي، يريد منه صحة الحديث الثاني -إنْ ثبت- وجواب الجمع فقط، وهذا

стр. 202

يشعر أن «السر المكتوم» ألفه قبل هذا الجواب، ووقف عليه الملك الأشرف، وطلب منه اختصاره، ففعل السخاوي في هذا الجواب، هذا ما بدا لي، والله أعلم بالصواب. * نسخة أخرى لهذا الجواب: وظفرتُ -بعد بحث شديد- في «الفهرس الموجز لمخطوطات مؤسسة علال الفاسي» (٢/١٢٤-١٢٥ رقم ٩٣٢) على نسخة في المؤسسة المذكورة برقم (٤١٧٢) في (٢٦) ورقة! ضمن مجموع (ق ١١-٣٧) بخط مغربي، سمّاه المفهرس هكذا: «جواب عن سؤال حول حديث: «اللهم من أحبني فارزقه الكفاف» » ، ولا أدري هل هو نسخة أخرى من «السر المكتوم» (١) ، أم نسخة أخرى من هذا الجواب، أم جواب آخر للسخاوي في الموضوع نفسه، إذ هذا الموضوع أشغل السخاوي كثيراً، وكان له فيه جهود متعددة. * عملي في التحقيق: ويتلخص عملي في هذا الجواب على ضبط نصه، ودقّة مقابلته على المثبت بخط صاحبه السخاوي، وأحلت في تخريج الأحاديث والآثار وتوثيق النصوص على ما علقته على «السر المكتوم» ، فقد بذلتُ في ذلك -ولله الحمد والمنة- جهداً أرجو الله أن يكون مميزاً، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، والإحسان في العلم والتعلُّم والبحث، وأن يجنبني الخطأ والزلل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتب أبو عبيدة بعد عشاء يوم السبت ١٢/جمادى الآخرة/١٤٢٤هـ

стр. 203

صورة

стр. 204

صورة

стр. 205

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. برزت الإشارة بالإيماءات مع صريح العبارة من علاّمة مطيق منطيق، وفهّامة متحقق بالتدقيق والتحقيق، مارس كثيراً من العلوم، ونافس بفكره الصافي في فنَّيِّ المنطوق والمفهوم، وظهرت سيادتُه وانتشرت رئاسته، واغتبط الملوك ببهجته ونضارته، وارتبط الغنيُّ فضلاً عن الصعلوك بساحته -زاده الله -تعالى- من فضله، وأبقاه لنشر العلم والتنويه بأهله، وختم له بالحسنى، ورفعه إلى المحل الأسنى- إلى استشكال الجمع بين دعائه ﷺ لخادمه سيدنا أنس بن مالك ﵁، حسبما اتفق عليه الشيخان بكثرة المال والولد مع كونه -كما روي من أوجه يرتقي بها إلى الحُسن- دعا بذلك على من لم يُؤمن به ولم يُصدّقه، والتُمس من المملوك الجواب فكتب ذلك باختصار لكونه فهم أن الغرض حين سمى القاصد إنما هو بيان مرتبة الحديث الثاني ومَنْ أخرجه، ثم تبين له حقيقة المراد. فقال على سبيل الغرض على المشار إليه، لا قصداً للتطويل لديه، غير متعرضٍ لما كتبه أولاً في تخريج الحديث: الجواب كما ظهر لي أنه يقال: ليس المالان في الموضعين على حدٍّ سواء، فالذي دعا لخادمه بالكثرةِ منه هو الذي قال فيه ﷺ : «لا خير فيمن لا يُحبُّ المال ليصلَ به رحمه، أو يؤدّي به عن أمانته ويستغني به عن خلق ربه» (١) . والمعنى في هذا كما قال العسكري: إنه لا خير فيمن يُحبُّ المال لغير هذه الخصال، وإنما يحبُّ المؤمنُ -يعني: الكامل- المالَ لهذه الأشياء (٢) ، ونحوه قول سعيد بن المسيّب ﵀: «لا خير فيمن لا يجمع المالَ فيقضي دينَه

стр. 206

ويصل رحمَه، ويكفّ به وجهَه» (١) . ولذلك يروى -كما أخرجه أحمد وابن منيع في «مسنديهما» - من حديث عمرو بن العاصي ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عمرو نعمّا بالمال الصالح للمرء الصالح» -وفي لفظ: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (٢) . وأخرج الديلمي عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «نعم العون على تقوى الله المال» (٣) . وعند الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس ﵄ قال: «قيل يا رسول الله من السيد؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، قالوا: فما في أمتك من سيد؟ قال: بلى، رجل أعطي مالاً حلالاً، ورزق سماحة، وأدنى الفقير، وقلّت شكاته في الناس» (٤) . فمن تكون الدنيا في يديه ويؤدِّي الحقوقَ منها، ويتطوَّع بالأمور المستحبة فيها، ولم تكن عائقة له عن الوصول إلى الله تعالى، ولا لها في قلبه مزيَّة، ولا يفخر بها خصوصاً على من دونه، يكون ذلك زيادة له في الخير. وكم من غنيٍّ مُتَّصفٍ بذلك وأزيد منه مثل سليمان ﵇، وعثمان ابن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة الفياض أحد العشرةِ ﵃. بل قد حُملت خزائنُ الأرض إلى رسول الله ﷺ وإلى صاحبيه أبي بكرٍ وعمرَ ﵄، فأخذوها ووضعوها في مواضعها، وما هربوا منها لكونهم قد استوى عندهم الماء والمال، والذهب والحجر، كما عُرف من سيَرهم وأحوالِهم (٥) .

стр. 207

على أنه ﷺ لم يقتصر في الدعاء لأنس ﵁ بالإكثار فقط، بل ضم إليه الدعاء بالبركة الذي صدوره منه ﷺ يشمل عدم الافتتنان به، بحيث يزول محذوره، إذ الدنيا بلاء وفتنة (١) . ففي الأحاديث الإلهية يقول الله : «ابن آدم ما خلقت هذه الدنيا إلا محنة» (٢) ، ولهذا قال ﷺ : «إنَّ الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون» (٣) . وقال أيضاً: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وأنهما مهلكاكم فانظروا كيف تعملون» (٤) . وقال -أيضاً-: «لكل أمة فتنة، وفتنةُ أمتي المال» (٥) . وكذا يشمل عدم نفادها من بين يديه، واحتياجه إلى اللئام ممن يفخر ويزهو بها عليه (٦) . قال ﷺ لجرير ﵁: «يا جرير إني أحذِّرك الدُّنيا، وحلاوةَ رضاعها، ومرارة فطامها» (٧) . ولا شك أن من فاز بشمول البركة في ماله كان ممن يغبط على نواله. قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلَّطه على هلكته في الحق، ... » (٨) .

стр. 208

وأما المال الذي دعا بالكثرة منه على من لم يُؤمن به، وكذا الذي دعا بالتقلُّل منه لمحبِّيه، فهو المباين لما تقدَّم بكل طريق في الحقوق الواجبة، وكذا المستحبة، بل هو المعنيُّ بقوله ﷺ : «وربَّ متخوضٍ في مال الله ورسوله ﷺ ؛ له النار يوم القيامة» (١) . ولو اتفق صدور صِلةٍ أو نحوها من الكافر فيه كان حظه منه ما خُوِّل فيه من صحَّةٍ، ومالٍ، وشبههما. وقد قال ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة» (٢) . وقال -أيضاً-: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بمَ أخذ المال، أمِن حلالٍ أم من حرام» (٣) . وإلى قريب من هذا الجواب أشار شيخُنا ﵀، فإنه قال في «فتح الباري» (٤) : «فإن قيل: كيف دعا لأنس، وهو خادمه بما كرهه لغيره؟! فيحتمل أن يكون مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قِبَل ذلك ضررٌ، لأن المعنى في كراهية اجتماع المال والولد إنما هو لما يُخشى في ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا تُؤمن معها الهلكة» انتهى كلام شيخِنا. ويتأيّد بقول أنس ﵁: «أنه ﷺ ما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا له به» (٥) . وإلى الفرق بين المالين -الذين أحدهما: وبالٌ، والآخر: نوالٌ- أشار ﷺ

стр. 209

بقوله: «إن المكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة» ، وفي رواية: «هم الأخسرون» (١) . وفي لفظٍ: «هلك المُثرُون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا -فحثى بين يديه وعن يمينه وعن شماله- وقليلٌ ما هم» (٢) . وأيضاً فالناس مُختلفون، فمنهم من تُصلِحه الدنيا ويصلُح عليها، ولا يزدادُ بها إلا فضلاً وتواضعاً، كما نشاهده في أفرادٍ. وقد كان قيس بن سعد الأنصاري ﵄ يقول: اللهم ارزقني مالاً وفِعالاً، فإنه لا يَصلح المالُ إلا بالفِعال، ولا الفِعالُ إلا بالمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه (٣) . وهذا هو الذي قال فيه ﷺ : «إن الجود من شيمةِ أهل ذلك البيت» (٤) . ويُروى عن الحسن والحسين أنهما قالا لعبد الله بن جعفر ﵃: إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله قد عوَّدني أن يتفضّل عليَّ، وعوّدتُه أن أتفضّل على عباده، فأخاف أن أقطعَ العادةَ فيقطع عني (٥) . وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أنت مِتلافٌ، فقال: مَنْعُ الجودِ سُوءُ الظنِّ بالمعبود (٦) . وقال أكثم بن صيفي حكيم العرب: «ذلِّلوا أخلاقَكم للمطالِب، وقودوها للمحامل، وعلِّموها المكارم، ولا تقيموا على خُلقٍ تذمَّونه من غيركم، وصِلوا من

стр. 210

رغِب إليكم، وتحلّوا بالجود يُلبسكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل فتستعجلوا الفقرَ» (١) . ومنهم دنيء الأصل، رديء الطباع، واثق بما في يديْه، فهذا لا يُصلحُه المال، ولا يصلح عليه. كما يُروى عن أنس وعمرَ وغيرهما من الصحابة -رضوان الله عليهم-، عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله : «إن من عِبادي من لا يَصلح إيمانُه إلا بالغنى، ولو أفقرتُه لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي من لا يَصلح إيمانُه إلا بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك» (٢) ... الحديث. على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا -أيضاً-، وذلك بأن يقال: لا يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنسٍ وجود مال مدّخر، بل لعلها مالٌ يتجدّدُ له في كلِّ يوم من ربحٍ وغيرِه، وهو ينفده أوَّلاً فأوَّلاً، بخلاف التي دعا بها لغيره نفياً وإثباتاً. أو يكون المدعو بها لأنس هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، الذي قال ﷺ فيه -كما في «صحيح مسلم» وغيرِه- من حديث جابرٍ وغيرِه: «ما من مسلمٍ يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو بهيمة أو شيء -وفي لفظٍ: «أو طائر» - إلا كان له به صدقةً» (٣) . وذلك كان أكثر أموال الأنصار، الذي قال ﵁ وعنهم-: أنه من أكثرهم مالاً. ويستأنس له بما ورد أنه كان له بستانٌ يحمل في السنة مرتين، وكان فيه رَيحان يجيء منه ريح المسك.

стр. 211

وجاءه قيّمُه في أرضه فقال: يا أبا حمزة عطِشَت أرضك، فتردَّى -أي: لبس رداءَه- ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ما قضى الله له، ثم دعا فثارت سحابة فجاءت وغشيَت أرضَه، ومطَرت حتى ملأت صهريزة له، وذلك في الصيف فأرسل بعض أهله، فقال: انظروا أين بلغت، فإذا هي لم تَعدُ أرضه (١) . والمال الآخر، هو: النقد المدّخر وغيره، ثم إن من كره المال إنما كرهه للحساب عليه، وكون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يومٍ، وهو خمس مئةِ عامٍ (٢) ، ولكن كان سفيان الثوريُّ ﵀ يقول: لأن أخلف عشرة آلاف درهمٍ يحاسبني اللهُ عليها أحبُّ إليَّ من أن أحتاجَ إلى الناس (٣) ، ونحوه قوله ﷺ : «إنك إن تذرَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس» (٤) . وقال الثوريُّ مرةً لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك فإنه لولا هذه لتمندلَ الناس بنا تمندلاً (٥) . بل جاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن (٦) . ونحوه قولُ ابن عيينةَ ﵀: من كان له مال فليُصْلحه، فإنكم في زمانٍ مَنْ احتاج فيه إلى الناس؛ فإنَّ أول ما يبذله دِينه (٧) . وكأنَّ السُفيانَين رحمهما الله أشارا إلى ما يُروى عنه ﷺ أنه قال: «إذا كان آخر الزمان لا بدَّ للناس فيها من الدراهم والدنانير، يُقيم الرجل فيها دينه

стр. 212

ودنياه» (١) . ونحوه: «يأتي على الناس زمانٌ من لم يكن معه أصفر ولا أحمر (٢) لم يتهنَّ بالعيش» (٣) . «الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه، من جاء بها قُضيت حاجته، ومن لم يجىء بها لم تُقضَ حاجته» (٤) . إلى غير ذلك، مما ينتشر الكلامُ بسببه. بل يُروى عنه ﷺ أنه قال: «إنما يخشى المؤمنُ الفقرَ؛ مخافةَ الآفات على دينه» (٥) . وكان سعيد بن المسيّب ﵀ يقول: اللهمّ إنك تعلم أني لم أجمع المال إلا لأصون بها حسَبي وديني (٦) . وعن ابن أبي الزناد وقيل له: أتحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟! فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها (٧) . وقد جنح إمامنا الشافعي ﵁ إلى تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر (٨) ، فهذا ما فتح الله به في الجمع بين هذين الحديثين. وقد استروح الدّاودي المالكي (٩) ﵀ فقال في حديث الدعاء

стр. 213

لأنس: أنه يدل على بطلان الحديث الآخر، قال: وكيف يصحُّ ذلك وهو ﷺ يحضُّ على النكاح والتماس الولد؟! ولذلك تعقّب الداوديَّ شيخُنا (١) -رحمَهما الله- وقال: «إنه لا مُنافاةَ بينهما، يعني بين الحضِّ على النكاح والتماسِ الولد، وبين الدعاء بعدم حصُول الولد والمال معاً، لاحتمال أن يكون وردَ في حصول الأمرين معاً» . قال: لكن يعكر عليه كراهيتُه لغير أنس ما دعا به له، ثم أجاب عنه بما أسلفتُه معزوّاً إليه. فإن استُشكِل دعاؤه ﷺ على من لم يؤمن به بكثرةِ المال والولد بمن يشاهَدُ من الكفار المُقلّين منهما معاً، والحالُ أن دعاءَه ﷺ مجابٌ، أُمكِنَ أن يقال: لعلّه ﷺ لم يقصد حقيقة الدعاء عليهم، إنما أراد منه تنفير من يحبهما معاً من محبيه على الوجه المذموم كما تقدم. ونحوه القول في غالبِ من دعا عليهم ﷺ من الكفار، ممن تخلّف دعاؤه فيهم، بأنه لم يُرِدْ بذلك إهلاكَهم، وإنما أراد ردعَهم؛ ليتوبوا. وقد قيل في (عقرى) و (حلقى) أن ظاهره الدعاء لكنه غير مراد، وكذا قيل في (ويل أمه) و (لا أبا له) ، و (ترِبت يداه) ، و (قاتله الله) ونحو ذلك. ويحتمل أن يقال: لعله أراد قوماً مخصوصين في زمنه ﷺ أو يقال بالفرق بين من صدر منه الدعاء عليه بطريق التعيين، وبين من اندرج في العموم، لا سيما بعد نزول قولِه -تعالى-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] ، فقد صحّ أنه ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على

стр. 214

أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: «اللهم أنج الوليدَ بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن [أبي] (١) ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهمَّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها [عليهم] سنين كسني يوسف» (٢) يجهرُ بذلِك. وكان يقول في بعض صلاتِه في صلاة الفجر: «اللهمّ العن فلاناً وفلاناً» لأحياء من العرب، حتى أنزل اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (٣) . ويستأنس له بقول شيخِنا (٤) ﵀ في حديث: «أيّما مؤمن سببتُه أو جلدتُه، فاجعل ذلك كفارةً له يوم القيامة» (٥) : «ما أظنه يشمل ما وقع منه بطريق التعميم لغير معيّن، حتى يتناول مَن لم يدرك زمنه ﷺ » . انتهى. على أنه قد جاء في «صحيح مسلم» من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنَه ﷺ أقبل ذات يومٍ من العالية حتى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع ركعتين، وصلّينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال: «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً، فسألتُ ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهم بينهم فمنعنيها» (٦) .

стр. 215

وفي الباب عن أنس (١) ، وثوبان (٢) ، وخبّاب بن الأرتّ (٣) ، وابن عباسٍ (٤) ، ومعاذ بن جبل (٥) ، وأبي بصرة الغفاري (٦) ﵃. وبه تَعقَّب شيخُنا (٧) ﵀ قولَ بعض شرّاح «المصابيح» أن جميعَ دعوات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مستجابةٌ، وقال: «إن في قوله غفلة عن الحديث الصحيح، وهو «سألت اللهَ ثلاثاً» (٨) ... » وذكرَه. ويُساعِد شيخَنا من أجاب مَنِ استشكل ظاهِر قولِه ﷺ : «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ» (٩) بما وقع لكثيرٍ من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا سيما نبينا ﷺ بقوله: إن المرادَ بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة. وكذا مَنْ قال أن المراد بأنَّ لكلٍّ منهم دعوةً عامةً مستجابةً في أمته، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعواتُ الخاصة فمنها ما يُستجاب، ومنها ما لا يُستجاب. وبالجملة فالمقام خطِرٌ، وما قلتُه أوّلاً من الاحتمالات أنسب، وآخرها أحسنها، وليس المسؤول بأعلم من السائل، والله الموفق. قاله وكتبه محمد السخاوي الشافعي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، آمين. *****