Полный текст (215 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أدري لعلي إن أتيتُه فأصبت منه شيئاً أن يكون فساد قلبي وعملي، فلا يقربه حتى يموت بجهده ذلك.
وبهذا الحديث يقيد إطلاق قوله ﷺ : «إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا» (١) ، وما أشبهه من الأحاديث التي في التنفير عنها، ولذلك كان أنس ﵁ يقول: «اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى» (٢) .
وصحّ أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له» (٣) .
وقال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلاَّ﴾ [الفجر:١٥] يقول سبحانه: ليس كل من كثّرتُ عليه الدنيا أكون قد أكرمتُه، ولا كل من قدّرتها عليه أكون قد أهنته، بل قد أوسعها على أعدائي إملاءً واستدراجاً، وقد أُقدِّرُها على الحواشي
(١) سبق تخريجه (ص ١٣٥) .(٢) قطعة من حديث تقدم (ص ١٤٧) ، وأوله: «يقول الله : إنّ من عبادي ... » ، وبيَّنَّا ضعفه هناك.(٣) لم نجده بهذا اللفظ إلا أن الإمام مسلماً أخرج في «صحيحه»(٢٩٩٩) بلفظ: عن صهيب قال: قال رسولُ الله ﷺ : «عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيراً له» .
وهو عند أحمد (٤/٣٣٢ و٦/١٥، ١٦) ، وابن حبان(٢٨٩٦) ، والطبراني (٧٣١٦، ٧٣١٧) ، والبيهقي (٣/٣٧٥) ، وفي «الشعب»(٩٩٤٩) ، والقضاعي في «مسند الشهاب»(٥٩٦) ، وأبي نعيم في «الحلية» (١/١٥٤) .
وفي الباب عن أنس عند أحمد (٣/١١٧، ١٨٤ و٥/٢٤) ، وابن حبان(٧٢٨) .
وعن سعد عند الطيالسي(٢١١) ، وأحمد (١/١٧٣) ، والبغوي في «شرح السنة»(١٥٤٠) ، والبيهقي (٣/٣٧٥-٣٧٦) بأسانيد حسنة وصحيحة.стр. 142
أوليائي صيانةً وحمايةً وحفظاً (١) .
وفي الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله قسَمَ بينكم أخلاقَكم وأرزاقَكم، وإن الله يعطي الدنيا من أحبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين إلا من أحبّ» (٢) ، وقد يُوسِّعُها على أوليائه كمن أسلفتُ الإشارة بهم، ويُقدِّرُها على خلقٍ من أعدائه كفقر الكفار.
والمؤمن لا بدّ أن يُبتلى تارةً بالسراء ليشكر، وتارةً بالضرّاء ليصبر، فإن الإنسان صبّار شكور، وأما الفاجر فهو كنود يُعدّد المصائب وينسى النعم، وقد قال -تعالى-: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٧] ؛ أي: تدعو النار من أدبر عن الحقّ، فتقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا منافق، إليّ يا فاسق، إليّ يا ظالم، ﴿وجَمَعَ الحواشي
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/٣٧٦- هجر) ، «الوسيط» (٤/٤٨٣) ، «الوجيز» (٢/١٢٠٠) ؛ كلاهما للواحدي، «الكشاف» (٤/٢١٠) ، «تفسير ابن كثير» (٤/٥٤٠) ، «المحرر الوجيز» (١٥/٤٤١) .(٢) أخرجه مرفوعاً وموقوفاً: أحمد (١/٣٨٧) ، والمروزي في «زيادات الزهد»(١١٣٤) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٣١٣) ، وفي «الأدب المفرد»(٢٧٥) ، وأبو داود في «الزهد» (رقم ١٥٧) ، والبزار(٣٥٦٢) ، والشاشي في «مسنده»(٨٧٧) ، والطبراني في «الكبير»(٨٩٩٠) ، والإسماعيلي في «المعجم» (٢/٧٢٦- ٧٢٧ رقم ٣٤٢) ، والدولابي في «الكنى» (١/١٤١) ، والواحدي في «الوسيط» (٤/٤٨٣-٤٨٤) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/١٦٤ و٥/٣٥) ، والحاكم (١/٣٣) -وصححه، ووافقه الذهبي-، والبيهقي في «الشعب» (٦٠٧، ٥٥٢٤) ، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (رقم ٧٢- ط. زغلول) ، والبغوي في «شرح السنة»(٢٠٣٠) ، وابن عدي في «الكامل» (٥/١١٥٨) من طرق عن عبد الله بن مسعود، وأوله: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ... » وفيه زيادة على المذكور.
وقال الدارقطني في «العلل» (٥/٢٧١) : «والصحيح موقوف» .
وعزاه السيوطي في «المعجم الكبير» (١/١٧٢-١٧٣) إلى العسكري في «الأمثال» .
قال أبو عبيدة: نعم، الموقوف على ابن مسعود -وهو عند البخاري، وأبي داود، والمروزي، والطبراني- أصح إسناداً، لكن الموقوف له حكم المرفوع، ويعضده شاهدان آخران، فيهما ما في تتمته من غير هذا القسم، انظرهما في «السلسلة الصحيحة»(٢٧١٤) .
وظفرت بما أخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٥١٩) عن عبيد بن عمير قال: «الدنيا هيّنة على الله، يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» ، وإسناده صحيح.стр. 143
فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] أمسَكَه في الوعاء، ولم يُنفقه في طاعة الله، فلم يؤدّ زكاةً، ولا وصَل رحِماً، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [المعارج: ١٩] ضجوراً شحيحاً جزوعاً من الهلع، وهي شدّة الحرص وقلة الصبر، والمفسرون يقولون: تفسير الهلوع ما بعده، وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج: ٢٠-٢١] إذا أصابه الفقر لا يصبر ولا يحتسب، وإذا أصابه المال منعه من حقِّ الله، ثم استثنى الله من ذلك الموحدين فقال: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] يقيمونها في أوقاتها، لا يَدَعونه آناء الليل والنهار؛ يعني: المكتوبة (١) .
وسُئل عقبة بن عامر ﵁ أهُم الذين يصلّون أبداً؟ قال: لا، ولكنه الذي إذا صلّى لم يلتفت عن يمينه وعن شماله (٢) ،
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ؛ يعني: الزكاة المفروضة، ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [المعارج: ٢٥] ، وهو الذي يسأل، ﴿وَالْمَحْرُوم﴾ [المعارج: ٢٥] الفقير الذي لا يسأل، يتعفّف عن السؤال (٣) . الحواشي
(١) من قوله: أي: «تدعو النار ... » إلى هنا، من: «الوسيط» للواحدي (٤/٣٥٣) بالحرف.(٢) أخرجه ابن وهب في «تفسيره» -ومن طريقه الطبري في «تفسيره» (٢٣/٢٦٨- ٢٦٩) - قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنا حيوة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير: أنه سأل عقبة بن عامر الجهني، وذكره.
وأخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (١٠/٤٠) من طريق حيوة، به.
وأخرجه الواحدي في «الوسيط» (٤/٣٥٣) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد، به.
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/٢٦٦) وعزاه للطبري، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
وهو ليس في مطبوع «تفسير ابن أبي حاتم» ، ولا مطبوع «تفسير ابن المنذر» !
وأبو الخير هو: مَرْثَد بن عبد الله اليزني، ثقة فقيه، وسائر الرواة ثقات مصريون.
وإسناده صحيح.(٣) إلى هنا انتهى نقل المصنف من «الوسيط» مع تصرفه في سياق أثر عقبة، إذ أسنده الواحدي.стр. 144
والحاصل أنه -سبحانه- بيّن أن الإنسان إذا أصابه خير لتَوسِعَةِ الرزق مَنَعَ، وإذا أصابه شرٌّ لضيقِ الرزق جزَعَ، إلا القائمين بالواجبات؛ فإنهم يُبتلون بالخير فلا يمنعون، بل يُعطُون غيرَهم ويحسنون لمن دونهم، ويُبتلون بالشرِّ فلا يَجزعون بل يصبرون، فهم يتواصَوْن بالصبر ويتواصَوْن بالمرحمة، إذا قدَروا رحموا اليتيم والمسكين والضعيف، وإن أُصيبوا صبروا على فرائض الله وأمره، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ؛ أي: امتحناهم بالنعم وبالمصائب (١) .
والفاجرُ إن أُصيب جَزَع، وإن قَدَر ظلم، فهذا التفصيل ونحوه هو الصواب، دون إطلاق الجواب على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا -أيضاً-، وذلك بأن يقال: لا يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنسٍ وجود مالٍ مدّخر، بل لعلها مالٌ يتجدّدُ له في كلِّ يوم من ربحٍ وغيرِه، وهو ينفده أولاً فأولاً، بخلاف التي دعا بها لغيره نفياً وإثباتاً.
ثم رأيت في «مسند أحمد» ما يؤيد هذا، قال أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس قال: دخل رسولُ الله ﷺ على أم سُلَيمٍ فأتته بتمرٍ وسمنٍ، فذكر الحديث. وفيه قول أم سليم له: خادمُك أنس ادعُ له، وفيه أنه ما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا له به. وقال: «اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارِك له فيه» (٢) ، قال أنس: فما من الأنصار إنسانٌ أكثرُ مالاً مني، وذكر أنسٌ أنه لا يملك ذهباً ولا فضةً غير خاتمه. وهذه الفائدة رحلة، وحينئذٍ فلا ينافي ما ورد من دعواته ﷺ المتفق عليها وهي: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً» (٣) . الحواشي
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/٢٦٤- ط. هجر) ، «الوجيز» (٢/١١٣٣) ، «المحرر الوجيز» (١٥/٩٦) ، «اللباب» (١٩/٣٦٥) .(٢) سبق تخريجه (ص ١٤٦) .(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/٢٤٠) ، ووكيع في «الزهد»(١١٩) ، وأحمد (٢/٢٣٢، ٤٤٦، =стр. 145
وقوله ﷺ لعائشةَ ﵂ -كما أخرجه الترمذي وغيرُه مما صحّح الحاكم إسناده-: «يا عائشة! إن أردتِ اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه» (١) .
والمروي في «الترمذي» وغيره عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ الحواشي
(٦٤٧٠) ، ومسلم(١٠٥٥) ، والترمذي(٢٣٦٠) ، وابن ماجه(٤١٣٩) ، والنسائي في الرقاق من «الكبرى» -كما في «تحفة الأشراف» (١٠/٤٤٢) -، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ » (ص ٢٦٨) ، وابن حبان(٦٣٣٤) ، وابن السني في «القناعة» (رقم ٥٩-٦٢) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٨) ، وأبو نعيم في «الأربعين على مذهب المتحققين» (رقم ٧) ، والبيهقي في «السنن» (٢/١٥٠ و٧/٤٦) ، وفي «الشعب»(١٤٥٤) ، وفي «الدلائل» (١/ ٣٣٩ و٦/٨٧) من حديث أبي هريرة.(١) أخرجه بنحوه الترمذي(١٧٨٠) -وقال: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان» . وقال: «وسمعت محمداً يقول: صالح بن حسان منكر الحديث وصالح بن أبي حسَّان الذي روى عنه ابن أبي ذئب: ثقة» -، وأبو يعلى -مختصراً-(٤٦١٠) ، وابن سعد في «الطبقات» (٦/٧٦) ، والحاكم (٤/٣١٢) -وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» -، وابن بشران في «الأمالي» (رقم ١٣٤) ، وابن عدي في «الكامل» (٤/١٣٧٠) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/١٣٩-١٤٠) -، وابن السني في «القناعة» (رقم ٦٤- ٦٦) ، وابن الأعرابي في «الزهد» (رقم ٨٩) ، والبيهقي في «الشعب» (٥/١٥٧ رقم ٦١٨١) -وقال: «تفرد به صالح بن حسَّان، وليس بالقوي» -، والبغوي (١٢/٤٤-٤٥ رقم ٣١١٥) ، وأبو نعيم في «الأربعين على مذهب المتحققين» (رقم ٣٩) ، و «ذكر أخبار أصبهان» (١/٨٩) من حديث عائشة.
وأورده الديلمي(٨٦١٤) .
والحديث مداره على صالح بن حسَّان. قال أحمد عنه: «ليس بشيء» ، وقال ابن أبي حاتم، وابن معين وأبو داود: «ضعيف الحديث» ، وقال النسائي: «متروك الحديث» . انظر: «تهذيب الكمال» (١٣/٣٠-٣١) .
وأورده الذهبي في «الميزان» (٢/١٥٦) من منكراته، بينما أعله في «التلخيص» بالورّاق! وهو متابع، ولم يعزه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٩٢) إلا للحاكم والبيهقي، وفاته الترمذي، وهو أعلى وأشهر!стр. 146
أنه قال: «إن أغبط أوليائي عندي لَمؤمنٌ خفيفُ الحَاذِ، ذو حظٍّ من الصلاة، أحسنَ عبادةَ ربه، وأطاعَه في السرِّ، وكان غامضاً في الناس لا يُشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً فصبر على ذلك، ثم نفض يده، فقال: عُجّلَتْ منيّتُه، قلّت بواكيه، قلَّ تراثُه» (١) .
وهكذا كان حال السلف فيما يتجدّد لهم من مالٍ (٢) . الحواشي
(١) () أخرجه الطيالسي(١١٣٣) ، والحميدي(٩٠٩) -ومن طريقه الخطابي في «العزلة» (ص ١٢٠) -، ووكيع في «الزهد»(١٣٣) ، وأحمد في «مسنده» (٥/٢٥٢ و٢٥٥) ، وفي «الزهد» له (ص ١١) ، وابن ماجه(٤١١٧) ، والترمذي(٢٣٤٧) ، والروياني في «مسنده» (رقم ١٢٠٥، ١٢١٩) ، وابن الأعرابي في «الزهد» (رقم ١٠٢، ١٠٤، ١٠٥) ، وأبو بكر النجاد في «حديثه» (ق١٤/ب) ، والحاكم (٤/١٢٣) ، وابن عدي (٥/٢٢٣) ، وابن أبي الدنيا في «التواضع والخمول»(١٣) ، والطبراني في «الكبير» (٧٨٢٩، ٧٨٦٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٥) ، والشجري في «أماليه» (٢/٢٠١) ، والبيهقي في «الزهد» (١٩٦-١٩٨) ، والآجري في «الغرباء» (ص ٥٣) ، والنقاش في «فوائد العراقيين» (رقم ٢٠) -ومن طريقه أبو طاهر السلفي في «الفوائد الحسان» (ق ٣/أ) -، والبغوي في «شرح السنة»(٤٠٤٤) من ثلاثة طرق عن أبي أمامة مرفوعاً، وفيها ضعف شديد، ففي الأولى: عبيد الله بن زحر، وعلي بن زيد، وفي الثانية: صدقة بن عبد الله ضعيف جداً، وأيوب بن سليمان مجهول، والثالثة: مسلسلة بالضعفاء، وأشد شيء فيها العلاء بن هلال، منكر الحديث، وفيها هلال بن عمر ضعيف، وأبوه مجهول.
وللحديث شواهد لا يفرح بها سبق الكلام عليها بتفصيل، ولله الحمد والمنّة.
وأورده الدينوري في «المجالسة» (٤/٥٠٩) برقم(١٧٥٦) من كلام ابن سنان العوفي.(٢) أورد كثيراً من أحوالهم في النفقة والكرم جمع، وأفرد ذلك غير واحد بمصنفات طبع منها غير كتاب، مثل: البُرجلاني له «الكرم والجود وسخاء النفوس» ، وأبو هلال العسكري له «فضل العطاء» (قيد التحقيق بقلمي) ، والدارقطني له «المستجاد» ، والحربي له «إكرام الضيف» ، والتنوخي له «المستجاد من فعلات الأجواد» (قيد الطبع بتحقيقي) ، وطبع سابقاً مرتين، ولابن المبرد «المستزاد على المستجاد» ، وطبع له «إتحاف النبلاء بأخبار وأشعار الكرماء والبخلاء» ، و «مراقي الجنان بالسَّخاء وقضاء حوائج الإخوان» ، وللمناوي «الدر المنضود في ذم البخل ومدح الكرم والجود» ، وللمصنِّف «الجواهر المجموعة» ، وطبع -أيضاً- «الكرم والجود والسخا» لأسعد الصاغرجي، و «نوادر الكرام في الجاهلية والإسلام» لإبراهيم زيدان. =стр. 147
قالت أم ذَرَّة -فيما أخرجه ابن سعد-: أُتيت عائشةَ ﵂ بمئة ألفٍ، ففرّقَتْها وهي يومئذٍ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقتِ أن تشتري بدرهمٍ لحماً تفطرين عليه؟! فقالت: لو كنتِ أذكرتني لفعلتُ (١) .
وكان دخْلُ الإمام الليث بن سعد ﵀ في السنة ثمانينَ ألف دينارٍ، الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني في «المستجاد من فعلات الأجواد» (ص ٦٠ رقم ٣٦) : حدثنا عباس ابن عبد السميع الهاشمي: نا أحمد بن الخليل، نا أبو النضر: نا سليمان بن المغيرة، عن هشام بن عروة قال: حدثتنا أم ذرة -وكانت تدخل على أزواج النبي ﷺ - قالت: دخلت على عائشة، وعندها مئة ألف درهم، فجعلت تقسم حتى ما بقي منها شيء، ثم قالت: ... وذكره، وإسناده حسن.
وأخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/٦٧) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/٤٧) من طريق محمد بن خازم: ثنا هشام بن عروة، عن ابن المنكدر، عن أم ذرة بنحوه.
وأخرجه الدارقطني -أيضاً- «في المستجاد من فعلات الأجواد» (ص ٦١ رقم ٣٧) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/١٣) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/٤٧، ٤٧-٤٨، ٤٩) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٩/١٩٢) من طريق هشام بن عروة؛ عن أبيه، «أن معاوية بن أبي سفيان بعث إلى عائشة مرة بمئة ألف،....» وذكره بنحوه بأسانيد، بعضها صحيحة.
وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري في «نسب قريش» (ص ٢٩٥) -ومن طريقه أبو القاسم البغوي في «مسند علي بن الجعد» (رقم ١٦٧٣) - قال: محمد، وأبو بكر، وعمر بنو المنكدر بن عبد الله بن الهُدير بن محرز بن عبد العُزَّى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة، وكان المنكدر خال عائشة، فشكا إليها الحاجة فقالت له: أول شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءتها عشرة آلاف درهم، فبعثت بها إليه، فاشترى المنكدر جارية من العشرة آلاف، فولدت له محمداً وأخويه.
ونحو المذكور: أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (رقم ٧٥٤) ، وأحمد في «الزهد» (ص ١٦٥) ، وابن السني في «القناعة» (رقم ٢٩) .
والخبر في «التذكرة الحمدونية» (٢/٣٠٧) -وفيه أن معاوية هو المرسل! -، و «إحياء علوم الدين» (٣/٣٦٣) ، و «الجواهر المجموعة» (رقم ١٣٩) للسخاوي، و «المحاسن والمساوئ» (ص ١٨٦) -وفيه: «أم ذر» !! -، و «المستجاد» للتنوخي (ص ١٧ رقم ٤- بتحقيقي) .
وانظر: ما ذكرناه في (مقدمة التحقيق) (ص ١٤) .стр. 148
وما وجبت عليه زكاةٌ قطّ، بل كان يُنفِدها أولاً فأولاً، بحيث يعطي الألف دينار دفعةً، والخمس مئة ونحو ذلك (١) .
وأما إمامنا الشافعيُّ ﵀ فإنه قَدِم مرةً من اليمن إلى مكة ومعه عشرون ألف دينارٍ، فضرَب خيمةً خارجاً من مكةَ، وأقام حتى فرّقها كلّها (٢) . الحواشي
(١) المذكور مأخوذ من «الإحياء» (٨/١٨٦-١٨٧- شرحه «إتحاف السادة المتقين» ) بتصرف، وأورد الزّبيدي قصصا ً وحكايات تدلل على غاية جود الليث وكرمه، وقال (٨/١٨٧) :
«وروى محمد بن رمح قال: كان دخل الليث في كل سنة ثمانين ألف دينار، ما أوجب الله عليه زكاة درهم قط. وقال شعيب بن الليث: يستغلُّ أبي في السنة ما بين عشرين ألف دينار إلى خمسة وعشرين ألفاً، تأتي عليه السنة وعليه دين. وقال أبو سعيد بن يونس: وكانت غلّته من قرية قرقشندة على أربعة فراسخ من مصر، وبها كانت ولادته» .
قال أبو عبيدة: وانظر قصصاً في إعطائه وكرمه في:
«المعارف» (ص٥٠٦) لابن قتيبة، و «المجالسة» (٤/٢٧ رقم ١١٧٩- بتحقيقي) ، و «شعب الإيمان» للبيهقي (رقم ١٠٩٤٩، ١٠٩٥٠، ١٠٩٥١، ١٠٩٥٢، ١٠٩٦٠) ، و «تاريخ بغداد» (١٣/٧، ٨) ، و «الحلية» (٧/٣١٩) ، و «وفيات الأعيان» (٤/١٣٠) ، و «المستجاد من فعلات الأجواد» (ص ١٦٢-١٦٣ رقم ٨٨ - بتحقيقي) ، و «تهذيب خالصة الحقائق» (١/٢٥٩) ، و «السير» (٨/١٤٨-١٤٩) ، و «الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية» (١/٢٤٢- ضمن «مجموعة الرسائل المنيرية» ) ، و «الجواهر المجموعة» (ص ٩٤ رقم ١٧٠، ١٧١) للمصنف، و «مراقي الجنان» (ص ٢٥٠- ٢٥٣) لابن عبد الهادي.(٢) اختصر المصنف الخبر، وأسنده مخرِّجوه إلى الربيع قال: سمعتُ الحميدي يقول: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة، بعشرة آلاف دينار، فضرب خباءة في موضع خارج من مكة، ونثر الدنانير على ثوب، ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض ويعطيه، حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس عليه شيء.
أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/١٣٠) : حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم: ثنا عبد الملك بن محمد بن عدي قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: ... فذكره بنحوه.
وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/٤٥١- ٤٥٢- رقم ١٠٩٦٠) ، وفي «مناقب الشافعي» (٢/٢٢٠) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: «قدم الشافعي ... » وذكره بنحوه. =стр. 149
وأرسل إليه أمير المؤمنين هارون الرشيد مرةً بخمسةِ آلاف دينارٍ، فلما وصلت إليه استدعى بالحجَّام فأخذ من شعره، فأعطاه خمسين ديناراً، ثم أخذ رقاعاً فصرَّ من تلك الدنانير صُرراً، ففرقها في القرشيين الذين هم في الحضرة، وصرَّ لمن يعرفه من أهل مكة حتى ما رجع إلى بيته إلا بأقل من مئة دينارٍ (١) .
ولو سردتُ أحوال الصحابة فمَنْ بعدهم من الأئمة والخلفاء والملوك وسائر الناس في ذلك إلى وقتنا هذا لكان شيئاً عجباً (٢) ،
ولكن قد ذكرتُ من ذلك جملةً الحواشي
(١٧٢) ، والمناوي في «مناقب الشافعي» (ص ١٢٠) .
• فائدة: قال البيهقي: «وقال غيره: عن الربيع في هذه الحكاية: وفرق المال كله في قريش، ودخل مكة» .(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص١٦٦-١٦٧) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/١٣١) ، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (٢/٢٢٦) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥١/ ٢٧١) ، وذكره النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (١/٥٧) ، والذهبي في «السير» (١٠/٣٨) ، وابن حجر في «توالي التأنيس» (ص ١٢٣) ، والمناوي في «مناقب الشافعي» (ص ١١٩) .
وانظر: «بلوغ الأماني» (٢٥-٢٦) ، إذ ورد ذكر لمحمد بن الحسن في الخبر في رواية ابن أبي حاتم، والله الموفق والعاصم.(٢) إذ فيها ما يدلل على أنهم أجود من السحاب، وهي شاهد عدل على طبائع وسجايا الصحابة والصالحين، وقد قيل: إن الله خص العرب بالاختيار؛ لتوفّر (الكرم) و (الصدق) فيهم، والأول عماد (المعاملات) ، والثاني عماد (العبادات) . ونحن اليوم نعد إعطاءهم تبذيراً! ولذا أتى على أصحاب هذه الأخبار بضعة قرون، وقلَّ أن قام بعدهم من جرى على طريقتهم، وإذا حلَّلنا نفسية أهل تلك القرون =стр. 150
في كتابي المسمى بـ «الجواهر المجموعة» (١) ، قال ابن عمر ﵄: «لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق به من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بأخرةٍ الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدِنا من أخيه المسلم» (٢) .
وما أحسن قول القائل (٣) : الحواشي
(١) تتمة اسمه: «والنوادر المسموعة» ، وهو مطبوع سنة ١٤٢١هـ عن دار ابن حزم، بتحقيق الأستاذ محمد خير رمضان يوسف في(٤٥٤) صفحة.
وانظر عنه: كتابي «مؤلفات السَّخاوي» (رقم ١٨٢- الطبعة الثانية) ، وهي مزيَّدة ومنقَّحة.
وما أشار إليه مذكور فيه (ص٧٠، وما بعدها) .(٢) أورده المصنف في «الجواهر المجموعة»(١٢٨) دون آخره: «ثم لقد رأيتنا ... » ، ولم يعزه فيه لأحد -أيضاً-، ثم وجدته مسنداً هكذا عند البيهقي في «الشعب» (رقم ١٠٨٧٠) من طريق سعدان ابن نصر -وهو ليس في «جزئه» المشهور المطبوع-: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن نافع، عن ابن عمر. وإسناده صحيح.
• تنبيه مهم: ورد هذا القول عن ابن عمر -أيضاً- ثم قا ل-﵁: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم ... » كما في رواية البيهقي في «الشعب»(١٠٨٧١) -أيضاً-، وقد خرّجت الحديث المذكور في تعليقي على «إعلام الموقعين» (٥/٧٧-٧٨) ، ولله الحمد والمنّة.(٣) أول بيتين في «المناقب والمثالب» (ص٢٣٢ رقم ٧٢٩) منسوبان لحاتم الطائي! وليسا في «ديوانه» ، وهما ليسا له. والصحيح أنهما لبكر بن النّطاح، وهما في «ديوانه»(٢٣٩) ضمن (شعراء مقلّون) و (٢/٤٢١) ضمن (أشعار اللصوص) ، والثاني وقبله آخر في «ثمرات الأوراق»(١٢٦) لأبي دلف العجلي، وهما بلا نسبة في «العقد الفريد» (١/١٩٨- ط. دار الكتب العلمية) ، و «روضة العقلاء»(٢١٣) ، والثاني -غير منسوب أيضاً- في «بقية الخاطريات»(٦١) .
وأول اثنين عند الكلاباذي في «بحر الفوائد» (ص ٣٣١) ، وقبلهما: «أنشدني أبو القاسم الحكيم ﵀ ... » ، وعقبهما في بيان (شرف الفقر) : «وكفاك بفضل بينهما أن ذا المال يحتاج إلى التطهير، ولولا التدنس به لم تطهره الزكاة» .стр. 151
ملأتُ يديَّ من الدُّنيا مراراً ... فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي
ولا وجبَتْ عليّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزكاةُ على جوادِ
بذرتُ المالَ في أرض العطايا ... فأصبحَتِ المكارمُ من حصادي
ولو نلتُ الذي يهواه قلبي ... لوسّعتُ المعاشَ على العباد
ويُستأنَس لما أشرت إليه بكون مال المرء النافع في الحقيقة هو الذي يقدمه بين يديه (١) ،
كما قال ﷺ وقد سأل أصحابَه: «أيكم مال وارثِه أحبّ إليه من ماله؟» . قالوا: يا رسولَ الله! ما منا أحدٌ إلا ومالُه أحب إليه من مال وارثه، فقال رسول الله ﷺ : «اعلموا ما تقولون» . قالوا: ما نعلم إلا ذاك يا رسولَ الله، قال: «ما منكم رجلٌ إلا مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله» . قالوا: كيف يا رسولَ الله؟، قال: «إنما مالُ أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» (٢) .
ونحوه قوله ﷺ لبعض أصحابه: «أمالُك أحب إليك أم مال مواليك؟» ، الحواشي
(١) لا يكون ذلك إلا بترويض النفس، والاستشعار أن الصدقة لا تُنقص المال، بل تزكّيه وتنمّيه. أخرج مسلم (رقم ٢٥٨٨) عن أبي هريرة رفعه: «ما نقصت صدقة من مال» . واعلم أن من جبلّة الإنسان الشح بالمال، فأراد الشرع أن يقلع ذلك بمثل هذه القناعة، ولذا كان بعض السلف يعطي السُّؤال ويقول لهم: «مرحباً بمن يوفّر مالنا لدارنا» نقله القرافي في «الذخيرة» (٣/٥) .
وأخرج ابن خزيمة(٢٤٥٧) ، وأبو عبيد(٩٠٤) ، وابن زنجويه(١٣٣١) ؛ كلاهما في «الأموال» ، والبزار (٩٤٣- زوائده) ، وأحمد (٥/٣٥٠) ، والطبراني في «الأوسط»(١٠٣٨) ، والحاكم (١/٤١٧) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/١٨٧) ، و «الشعب»(٣٤٧٤) من حديث بريدة مرفوعاً: «ما يُخرج رجل صدقته حتى يفُكَّ بها لحيَيْ سبعين شيطاناً» . وإسناده صحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة»(١٢٦٨) .
وورد في الباب موقوفاً على أبي ذر، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/١١١) ، وابن المبارك في «الزهد»(٦٤٩) ، وابن زنجويه(١٣٣٢) ، والبيهقي في «الشعب»(٣٤٧٥) ، والراوي له عنه راشد بن الحارث مجهول، فالإسناد ضعيف. وانظر: «فيض القدير» (٥/٦٤٢، ٦٤٤- ط. دار الكتب العلمية) .(٢) أخرجه بنحوه أحمد (١/٣٨٢) ، والبخاري(٦٤٤٢) - مختصراً، وفي «الأدب المفرد»(١٥٣) ، والنسائي (٦/٢٧٣) ، وأبو يعلى(٥١٦٣) ، والشاشي(٨٣٦) ، وابن حبان(٣٣٣٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/١٢٨) ، والبيهقي (٣/٣٦٨) ، والبغوي(٤٠٥٧) من حديث ابن مسعود.стр. 152
قلت: لا، بل مالي، قال: «فإن لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت فأمضيت، وسائره لمواليك» (١) ،
فقلت: أما والله لئن رجعت لأقلنَّ عددها.
وشاهد ذلك في «الصحيح» ، وهو قوله ﷺ : «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (٢) .
أو تكون الكثرة المدعو بها لأنس هي الكثرة من المواشي، وكذا من الزرع والغرس، الذي قال ﷺ فيه -كما في «صحيح مسلم» وغيرِه- من حديث جابرٍ وغيرِه: «ما من مسلمٍ يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو بهيمة أو شيء -وفي لفظٍ: «أو طائر» - إلا كان له به صدقةً» (٣) . وذلك كان أكثر أموال الأنصار، الحواشي
(١) أخرجه مطولاً البخاري في «الأدب المفرد «(٩٥٣) ، والطبراني في «الكبير» (١٨/٨٧٠) ، والحاكم (٣/٦١٢) ، والبغوي في «معجم الصحابة» (٥/٣ رقم ١٩٦١) ، والبيهقي في «الشعب»(٣٣٣٦) ، والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٤/٥٨) من حديث الحسن البصري، عن قيس بن عاصم المنقري السعدي، وعزاه الهيثمي في «المجمع» (٣/١٠٧) إلى الطبراني، وقال: «وفيه زياد الخصاص وفيه كلام وقد وثق» .
قلت: كذا فيه «الخصاص» ! وصوابه «الجصاص» بفتح أوله وهو جيم، خلافاً لما في مطبوع «المعجم» وغيره، ضبطه ابن ناصر الدين في «التوضيح» (٢/٣٦٥) ، وترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/٤٧٤) ، وتكلم فيه غير واحد.
وفي «مصنف عبد الرزاق» (٤/٣٠ رقم ٦٨٦٨) عن ابن جريج قال: «حُدثت أن رجلاً من بني نهدٍ قال:....» وذكر الحديث.
وأخرجه مختصراً -دون ذِكر موطن الشاهد-: أحمد (٥/٦١) ، والطيالسي(١٠٨٥) ، وابن سعد في «الطبقات» (٧/٣٦) ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»(١١٦٣) ، والبزار في «مسنده» (١٣٧٨- زوائده) من طرق، عن قيس بن عاصم.(٢) أخرجه أحمد (٢/٣٦٨) ، ومسلم(٢٩٥٩) ، وابن حبان (٣٢٤٤، ٣٣٢٨) ، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/٣٢١) ، والبيهقي (٣/٣٦٨) ، وفي «الشعب»(٣٣٣٣) ، وابن عبد البرّ في «التمهيد» (٢/٥) من حديث أبي هريرة.(٣) أخرجه أحمد (٣/١٤٧، ٢٢٩) ، والبخاري (٢٣٢٠، ٦٠١٢) ، ومسلم(١٥٥٣) ، والترمذي(١٣٨٢) ، وأبو يعلى(٢٨٥١) ، والبيهقي (٦/١٣٧) ، والبغوي(١٦٤٩) من حديث أنس بن مالك.стр. 153
الذي قال ﵁ وعنهم-: أنه من أكثرهم مالاً.
ويؤيده قوله -كما مضى قريباً- أنه لا يملك ذهباً ولا فضة غير خاتمه، وكذا يستأنس له بما ورد أنه كان له بستانٌ يحمل في السنة مرتين، وكان فيه رَيحان يجيء منه ريح المسك.
وفي «الأدب المفرد» (١) للبخاري من حديث سِنانٍ، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل علينا (أهل البيت) فدخل يوماً فدعا لنا، فقالت أم سليم: خويدمك! ألا تدعو له؟ قال: «اللهم أكثر مالَه وولدَه، وأطل عمرَه واغفر له» ، فدعا لي بثلاثٍ، فدفنت مئة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعِم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة.
وجاءه قيّمُه في أرضه فقال: يا أبا حمزة عطِشَت أرضك، فتردَّى -أي: لبس رداءَه- ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ما قضى الله له، ثم دعا، فثارت سحابة وغشيَت أرضَه، ومطَرت حتى ملأت صهريجاً (٢) له، وذلك في الصيف فأرسل بعض أهله، فقال: انظروا أين بلغت، فإذا هي لم تَعدُ أرضه (٣) .
وشبيه قصة أنس ﵁ هذه ما صحَّ في «مسلمٍ» من حديث عبيد ابن عُمير الليثي، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «بينما رجل بفلاةٍ من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسقِ حديقة فلانٍ، فتنحى ذلك الحواشي
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (رقم ٦٥٣) ، وقد سبق تخريجه مطولاً بطرقه ورواياته.(٢) كذا جاءت مجوّدة بخط الناسخ أبي الفضل الأعرج، وهي بخط السخاوي في «جواب ... » الملحق بآخر رسالتنا هذه «صهريزة» مجوّدة.(٣) أخرجه بهذا اللفظ: ابن أبي الدنيا في «مجابو الدعوة» (رقم ٧٩) -ومن طريقه اللالكائي في «السنة» (رقم ١١٠- ١١١) ، وابن بشكوال في «المستغيثين بالله تعالى» (رقم ١٩- ط. دار الكتب العلمية، ورقم ٢٠- ط. دار المشكاة) -، والبيهقي في «الدلائل» (٦/١٤٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. وإسناده حسن.
وبنحوه عند ابن سعد (٧/٢١) من طريق ثمامة، عن أنس.стр. 154
السحاب فأفرغ ماءَه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كلَّه، فتتبع الماء، فإذا رجلٌ قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبدَالله! لِم تسألني عن اسمي فقال: إني سمعتُ صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلانٍ لاسمك فما تصنع فيها؟! قال: أما إذا قلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثُلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأردّ فيه ثلثاً» (١) .
والمال الآخر هو النقد المدّخر وغيره، ثم إن مَنْ كره المال؛ إنما كرهه للحساب عليه، فإنه لا تزول قدماه حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (٢) ، ولذا جاء عن ابن عباسٍ ﵄ مرفوعاً: «يا ابن آدم ما تصنع بالدنيا! الحواشي
(١) أخرجه الطيالسي(٢٥٨٧) ، وأحمد (٢/٢٩٦) ، ومسلم(٢٩٨٤) ، وابن حبان(٣٣٥٥) ، وابن منده في «التوحيد» (رقم ٤٧) ، والطبراني في «الدعاء» (٢/١٢٦٢ رقم ٩٨٨) ، والنقاش في «فنون العجائب» رقم (٢٣، ٢٤- بتحقيقي) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/١٣٣) ، و «الشعب» (٣ رقم ٣٤٠٦) ، وأبو نعيم (٣/ ٢٧٥- ٢٧٦) ، وفي «ذكر أخبار أصبهان» (٢/١٩٢) ، واللالكائي في «السنة» (رقم ٣١، ٣٢- الكرامات) ، والقشيري في «الرسالة»(١٦٢) ، وابن حجر في «الأمالي المطلقة»(٧) ، من حديث أبي هريرة.(٢) أخرجه الترمذي(٢٤١٦) ، وأبو يعلى(٥٢٧١) ، والبزار في «البحر الزخار»(١٤٣٥) ، والطبراني في «الكبير»(٩٧٧٢) ، وفي «الصغير» (١/٢٦٩) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/٤٤٠) ، وفي «الموضح» (٢/٣٣) ، وابن عدي في «الكامل» (٢/٣٥٣) ، والبيهقي في «الشعب»(١٧٨٤) ، وفي «الزهد» له(٧١٧) ، والآجري في «أخلاق العلماء»(١١٦) ، وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد» (٣/١٧٦) من حديث عبد الله بن مسعود، وفي إسناده حسين بن قيس الرحبي المعروف بحنش، وهو ضعيف.
وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ إلا من حديث الحسين بن قيس، وحسين يضَعَّف في الحديث من قِبل حفظه» .
وقال البزار عقبه: «وهذا حديث لا نعلمه، يروى عن ابن مسعود إلا من هذا الوجه، وقد تقدم ذكرنا لحسين بن قيس بلينه» .
والحديث حسن بشواهده، ومنها حديث معاذ بن جبل، وحديث أبي برزة الأسلمي.
وانظر تتمة تخريجه في تعليقنا على «المجالسة» (١/٢٩٩ رقم ٧) .стр. 155
حلالُها حساب، وحرامُها عذاب» (١) .
وكون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يومٍ وهو خمس مئةِ عامٍ، وإن كان ورد أنه يُخَفّف على المؤمنين (٢) . الحواشي
(١) أخرجه الديلمي في «الفردوس» (رقم ٨١٩٢) من طريق الدارقطني في «الأفراد» عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: «يا ابن ادم! ما تصنع الدنيا! حلالها حساب، وحرامها عذاب» .
وإسناده واهٍ جداً، فيه عمر بن هارون البلخي، قال ابن مهدي وأحمد والنسائي: «متروك الحديث» ، وقال يحيى: «كذاب خبيث» ، وقال أبو داود: «غير ثقة» ، وقال ابن المديني والدارقطني: «ضعيف جداً» ، وقال صالح جَزَرة: «كذّاب» . وانظر: «الميزان» (٣/٢٢٨) .
وعزاه في «كنز العمال» (٣/٢٣٦ رقم ٦٣٢٥) للحاكم في «تاريخه» عن أبي هاشم الأيلي، عن أنس.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (رقم ١٧) ، ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٧/٣٧١ رقم ١٠٦٢٢) بسند منقطع عن علي موقوفاً بلفظ: «حلالها حساب، وحرامها النار» .
وضعَّفه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» ؛ كما في «إتحاف السادة» للزبيدي (٨/١٢٠ و١٠/٢٥) موقوفاً، وقال عن المرفوع: «لم أجده» !!
وأخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (رقم ٢١١) عن الحسن قوله، وهو الأشبه، ولكن إسناده ضعيف، فيه أبو عباد الزاهد، لا يحل الاحتجاج به؛ كما قال ابن حبان في «المجروحين» (٣/١٥٨) .
وفي الباب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ابن الجوزي في «سيرة عمر» (ص ١٤١) : «عن الحسن: أن عمر أُتي بشربة عسل، فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: «اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها» » .
وذكره الأبياري في «الورع» (ص٢٢) ، وقال قبله: «في قول الصديق أو غيره» .
وأخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة» (٣/٨٠٣-٨٠٤) ، بلفظين آخرين، آخرهما: «..استسقى، فأتي رجل بقدح من زجاج -أو قال: من قوارير- فيه عسل، فقال -أي: عمر-: «ما رأيت كاليوم إناءً أحسن ولا شراباً أحسن» . ثم قال: «شراباً هو أيسر في المسألة من هذا» ؛ فأتي بماء فشرب.
ونحوه في «الزهد» (ص ١١٩) لأحمد، و «الزهد» (رقم ٦١٨) لابن المبارك، و «الزهد» (٩٤، ٩٥) لأبي داود، و «الطبقات الكبرى» (٣/٣١٩) لابن سعد، و «مناقب عمر بن الخطاب» (ص ١٤٢) لابن الجوزي، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (رقم ٦١٨) لعبد بن حميد بأسانيد بعضها حسن.(٢) سبق تخريجه.стр. 156
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: بُعثَ النبي ﷺ وأنا تاجر، فأردت أن تجتمع لي التجارةُ والعبادةُ؛ فلم تجتمعا، فرفضتُ التِّجارة، وأقبلتُ على العبادة.
و [الله] (١) الذي نفس أبي الدرداء بيده! ما أحبُّ أنّ لي اليوم حانوتاً على باب المسجد لا تخطئني فيه صلاة أربحَ فيه كل يوم أربعين ديناراً، وأتصدَّقُ بها كلَّها في سبيل الله .
قيل له: يا أبا الدرداء! وما تكره من ذلك؟ قال: شدة الحساب.
وفي لفظ: أحبُّ أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. رواهما أبو نعيم في «الحلية» (٢) . الحواشي
(١) مثبتة في الهامش بخط السّخاوي ضمن الإلحاق، وهي غير موجودة في «الحلية» .(٢) أخرجه بتمامه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٠٩) .
وأخرج القسم الأول منه إلى قوله (وأقبلت على العبادة) : هناد في «الزهد» (رقم ٦٦٠) ، وابن سعد في «طبقاته» (٧/٣٩١- ٣٩٢) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٧/١٦ و١٣/٣١٦) ، وأحمد في «الزهد»(١٣٨) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٠٩) ، وابن عساكر في «تاريخه» (٤٧/١٠٧، ١٠٧-١٠٨، ١٠٨) .
وأخرج القسم الثاني منه إلى قوله: (وأتصدق بها كلها في سبيل الله) : أحمد في «الزهد» (ص ١٧٠) ، وأبو داود في «الزهد» (رقم ٢٥٥) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٠٩) .
وأخرج القسم الثاني والثالث منه: أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٠٩) ، وابن عساكر في «تاريخه» (٤٧/١٠٨) .
وإسناد القسم الأول: الأعمش عن خيثمة قال: قال أبو الدرداء.
ورواته ثقات، وهو منقطع، ولذا قال ابن عساكر عقبه: «هذا مرسل» .
وإسناد أبي داود للقطعة الثانية: الأعمش عن بعض أصحابه، عن أبي الدرداء.
وهو ضعيف، ولعل المبهم هو خيثمة، إلا أن إسناد أحمد وأبي نعيم (عبد الله بن بُجير، عن أبي عبد رب، عن أبي الدرداء) .
وأبو عبد رب هو الدمشقي الزاهد، مقبول، أي: إذا توبع.
وعبد الله بن بَحِير، كذا الصواب، وليس (ابن بجير) -بالجيم، وثقه ابن معين، واضطرب فيه =стр. 157
وعنده -أيضاً- عن عوف بن مالك ﵁ أنه رأى في المنام قُبَّةً من أدم، ومرجاً أخضرَ، وحول القبة غنم رُبوضٌ تجترّ، وتبعَرُ العجوة. قال: فقلت: لمن هذه القبة؟ فقيل: لعبد الرحمن بن عوف، قال: فانتظرنا حتى خرج، فلما خرج؛ قال لي: يا عوف! هذا الذي أعطانا الله بالقرآن، فلوا أشرفتَ على هذه البنية (١) لرأيت ما لم تَرَ عينُك، ولم تسمع أُذُنك، ولم يخطر على قلبك، أعدَّه اللهُ لأبي الدرداء؛ لأنه كان يدفع الدنيا بالراحتين والنحر (٢) .
ولكن كان سفيان الثوريُّ ﵀ يقول: «لأن أخلف عشرة آلاف درهمٍ الحواشي
(١) كذا مجوّدة بخط السّخاوي، وكذا في أصل «تاريخ دمشق» ، وفي مطبوع «الحلية» : «الثنيَّة» .(٢) من قوله السابق: «وعن أبي الدرداء ... » إلى هنا من إلحاق بخط السخاوي في هامش الأصل، وأثبت في محله «ينظر الورقة» ، وأثبت الهامش مطولاً -وهو من ضمن النماذج المرفقة عن النسخة المعتمدة في التحقيق-، وتممه السخاوي في هامش الورقة التي قبلها، وكتب عقبه بخطه: «يتلوه: ولكن كان سفيان» .
وهذا الخبر، أخرجه أحمد في «الزهد»(١٦٧) -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢١٠) - وابن أبي الدنيا في «المنامات» (رقم ٢٤- ط. ليئة) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/١٥٨) -، وابن عبد البر في «الاستيعاب»(١٦٤٧) ، وابن عساكر (٤٧/١٥٨) ، من طريق ليث بن سعد عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نفير، عن عوف به. وإسناده حسن.
وأبو الزاهرية حُدَير بن كريب: صدوق.
وانظر في (تأويل المرج) كتاب ابن قتيبة «تعبير الرؤيا» (رقم ١٤٨) وتعليقي عليه.стр. 158
يحاسبني اللهُ عليها أحبّ إليَّ مِن أنْ أحتاجَ إلى الناس» (١) .
ونحوه قوله ﷺ : «إنك إن تذرَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس» (٢) .
وكذا قوله لكعب بن مالك حين استشاره في الخروج مِن مالِه كلِّه: «أمسك عليك بعضَ مالِك فهو خيرٌ لك» (٣) . الحواشي
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٨١ و٨/٢٧١) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٤) ، والذهبي في «السير» (٧/٢٤١) من طريق حذيفة بن قتادة المرعشي قال: قال لي سفيان الثوري: ... فذكره.
وأورده الزمخشري في «الكشاف» (١/٢٤٧) عن السلف، وعلل ذلك في رواية لأبي نعيم (٦/٣٨٠) ، فقال: «إن عامة من داخل هؤلاء -أي: الأمراء- إنما دفعهم إلى ذلك العيال والحاجة» .
وكانت له بضاعة مع بعض إخوانه، وكان يقول: «ما كانت العدة -المال المعد- في زمان أصلح منها في هذا الزمان» ، ونحوه ما في «الحث على التجارة» (رقم ١٨) ، وسيأتي قريباً أنه كان يعتبر المال سلاحاً.(٢) أخرجه مالك في «الموطأ»(١٤٩٥) ، والطيالسي(١٩٥) ، والدارمي(٣١٩٦) ، والشافعي في «السنن المأثورة»(٥٣٦) ، وابن أبي شيبة (١١/١٩٩) ، وأحمد ١ (/١٧٩) ، والبخاري (٥٦، ٣٩٧٦، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣) ، ومسلم(١٦٢٨) ، وأبو داود(٢٨٦٤) ، وابن ماجه(٢٧٠٨) ، والترمذي(٢١١٦) ، والنسائي (٦/٢٤١) ، وابن سعد في «الطبقات» (٣/١٤٤) ، والبزار(١٠٨٥) ، والمروزي في «السنة»(١٥٠) ، وابن حبان (٤٢٤٩، ٦٠٢٦) ، وأبو يعلى(٧٤٧) ، وابن أبي عاصم في «السنة»(٣٠٢) ، وفي «الآحاد والمثاني»(٢١٧) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/٣٧٩) ، والبيهقي (٦/٢٦٨) ، والبغوي(١٤٥٩) ، وابن عبد البرّ في «التمهيد» (٨/٣٧٦) من حديث سعد بن أبي وقاص.(٣) أخرجه مطولاً ومختصراً: أحمد في «مسنده» (٣/٤٥٦ و٦/٣٨٩) ، والبخاري (٢٩٥٠، ٣٨٨٩، ٦٦٩٠) ، ومسلم(٢٧٦٩) ، وأبو داود (٣٣١٧، ٣٣١٨) ، والترمذي(٣١٠٢) ، وابن ماجه(١٣٩٣) ، والنسائي (٧/٢٢) ، وفي «الكبرى»(٥٦١٩) ، وعبد الرزاق في «المصنف»(٩٧٤٤) ، وأبو عوانة (٤/٨١) ، وابن حبان(٣٣٧٠) ، والطبري في «تفسيره» (١٢/٦٤-ط. هجر) ، وابن خزيمة(٢٤٤٢) ، والطبراني في «الكبير» ١٩/(٩٦) ، والبيهقي (٢/٣٧٠) من حديث كعب بن مالك.
وفي الباب عن أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه، أراد أن يتصدّق بجميع ماله، فقال رسول الله ﷺ : «يجزئك من ذلك الثلث» . أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/٤٨١) ، وعبد الرزاق في «المصنف»(١٦٣٩٧) ، وأحمد (٣/٤٥٢ -٤٥٣) ، والدارمي (١/٣٩٠) ، وأبو داود (٣٣١٩، ٣٣٢٠) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/٣٨٥) ، وابن حبان(٣٣٧١) ، والطبراني في «الكبير»(٤٥٠٩) ، والبيهقي (٤/١٨١) ، والمزي في «تهذيب الكمال» (٦/٣٧٨) . =стр. 159
وقال الثوريُّ مرةً لمن عاتبه في تقليب الدنانير: دعنا عنك فإنه لولا هذه لتمندلَ الناس بنا تمندلاً (١) .
وفي لفظٍ عنه: أنه قال لمن عاتبه على بضاعةٍ له يقلّبها: لولاها لتمندل بي بنو العباس (٢) ، بل جاء عنه أنه قال: المال في هذا الزمان سلاح المؤمن (٣) . الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٧٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٨١) ، وأورده المزي في «تهذيب الكمال» (١/ق٥١٣) ، والذهبي في «السير» (٨/٢٤١) . وانظر: التعليق الآتي.(٢) سبق في الذي قبله، وأخرجه البيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (رقم ٥٤٩، ٥٥٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/٣٦٩، ٣٨١) ، والدينوري في «المجالسة» (رقم ٢٤٢٧-بتحقيقي) ، ولفظه: «أحبُّ أن يكون صاحب العلم في كفاية، لأن الآفات سريعة، وألسنة الناس إليهم أسرع، وإذا احتاج؛ ذلّ. ولولا هذه البضيعة التي معي لَتَمْندَل الملوك بي، وإذا رأيت القارىء يلزم باب الملوك، فاعلم أنه لص» والخبر -مفرقاً ومجموعاً- في «السير» (٧/٢٤١، ٢٥٤ و٨/٢٤١) ، و «تهذيب الكمال» (١/ ق٥١٣- المأمون أو ١١/١٦٨- ط. الرسالة) ، و «العقد الفريد» (٢/٣٣٧) . واللفظ الذي أورده المصنف عند الزمخشري في «الكشاف» (١/٢٤٧) ومنه نقله المصنف.(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٧٨، ٨٥) والخلال في «الحث على التجارة» =стр. 160
ونحوه قولُ سفيان بن عيينةَ ﵀: من كان له مال فليُصْلحه، وفي لفظٍ: فليتجر وليكتسب، فإنكم في زمانٍ من احتاج فيه إلى الناس، فإن أول ما يبذله دِينه (١) .
وكأنَّ السُفيانَين -رحمهما الله- أشارا إلى ما يُروى عنه ﷺ أنه قال: «إذا كان آخر الزمان لا بدَّ للناس فيها من الدراهم والدنانير، يُقيم الرجل بها دينه ودنياه» (٢) . الحواشي
(١٨١) عن سفيان الثوري.
ونقله القرطبي في «تفسيره» (٣/٤٢٠) ، عن الثوري، وقال قبله: «وخلف مئتين، وكان يقول....» .
وانظر في خبر (المئتين) : «الحث على التجارة» (رقم ١٨) للخلال، «الحلية» (٦/٣٨١) ، «تلبيس إبليس» (ص ١٨١) .(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٧١) عن سفيان قوله:
«من كان معه شيء، فقدِر أن يجعله في قرن ثور؛ فليفعل، فإنَّ هذا زمان إذا احتاج الرجل فيه إلى الناس، كان أول ما يبذل دينه» .
وهو عند المزي في «تهذيب الكمال» (١/ق٥١٣) في (ترجمة الثوري) لا (ابن عيينة) ، وكذا في «العقد الفريد» (٢/٣٤١) وأورده الزمخشري في «الكشاف» (١/٢٤٧) ، هكذا:
وكانوا -أي: السلف- يقولون: «اتجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دِيْنُه» .
وقال الزبير بن بكار في «الموفقيات»(١٦٧) : سمعت سفيان بن عيينة وقد قيل له: ما أشد حبك للدراهم؟ قال: «ما أحبّ أن يكون أحد أشد حباً لما ينفعه مني» .(٢) أخرجه بهذا اللفظ: الطبراني في «الكبير» (٢٠/رقم٦٦٠) من طريق بقية عن عبد الجبار الزبيدي، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، قال: رأيت المقدام ... وذكر قصة، وفيها رفع المقدام لهذا اللفظ. =стр. 161
ونحوه: «يأتي على الناس زمانٌ من لم يكن معه أصفر ولا أبيض (١) لم يتهنَّ بالعيش» (٢) . الحواشي
(١) كذا مثبتة بخط الناسخ أبي الفضل الأعرج، وأثبتها السخاوي بخطه في «الجواب» المرفق بآخره: «أحمر» ، وما أثبتناه هو الموجود في مصادر التخريج، وهو كذلك في «المقاصد الحسنة» (ص ٢١٦) .(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٠ رقم ٦٥٩) ، وفي «الأوسط» (٢٢٦٩-ط. الحرمين) ، وفي «الصغير»(٧) ، وفي «مسند الشاميين»(١٤٦١) ، وأبو نعيم في «الحلية» من طريق بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن المقدام بن معدي كرب، به.
وإسناده ضعيف، مداره على أبي بكر بن أبي مريم. =стр. 162
«الدنانير والدراهم خواتيم الله في أرضه ، من جاء بها قُضيت حاجته، ومن لم يجئ بها لم تُقضَ حاجته» (١) إلى غير ذلك، مما ينتشر الكلام بسببه؛ بل يُروى عنه ﷺ أنه قال: «إنما يخشى المؤمنُ الفقرَ؛ مخافة الآفاتِ على دينه» (٢) . الحواشي
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦/٣١٦ رقم ٦٥٠٧) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف، وفيه أحمد بن محمد بن مالك بن أنس، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٦٥) .
ولم يعزه في «كنز العمال» (٣/ ٢٣٨ رقم ٦٣٣٢) إلا للطبراني في «الأوسط» .
وفي الباب نحوه عن وهب بن منبه، أسنده ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٨٠) ، والدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (٢/١١١٧، ١١١٨) ، وهو أشبه، وذكره عنه الذهبي في «السير» (٤/ ٥٤٨) وغيره.(٢) ليس عليه نور النبوة، ولم أظفر بمن عزاه للنبي ﷺ ، بهذا اللفظ ولكني وجدت نحوه، وهذا التفصيل:
أخرج الرافعي في التدوين في «تاريخ قزوين» (١/٤٣٤- ٤٣٥) بسندٍ مظلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله -تعالى- جعل لكل شيء آفة تفسده وأعظم آفة تصيب أمتي حبهم الدنيا وجمعهم الدينار والدرهم، يا أبا هريرة لا خير في كثير، ممن جمعها إلا من سلطه الله على هلكتها في الحق» .
وذكره صاحب الفردوس (رقم ٦١٤- ط. الريان أو ٦٤١- ط. دار الكتب العلمية) ، وذكره الهندي في «الكنز» ولم يعزه إلا للرافعي عن أبي هريرة، ولـ «الفردوس» عن أنس.
وذكره المتقي الهندي -أيضاً- في «الكنز» (رقم ٦٢٥١) بلفظ: «لكل شيء آفة تفسده، وأعظم الآفات آفة تصيب أمتي حبهم الدنيا وحبسهم الدينار والدرهم، يا أبا هريرة لا خير في كثير من جمعها، إلا من سلط الله على هلكتها في الحق» .
وعزاه لإسحاق والديلمي عن أبي هريرة، ولم أظفر به في «زهر الفردوس» ، ولا في مطبوع «مسند إسحاق» (مسند أبي هريرة) ، وانفرادات الديلمي أمارة الضعف. =стр. 163
وكان سعيد بن المسيّب ﵀ يقول: اللهمّ إنك تعلم أني لم أجمع المال إلا لأصون بها حسَبي وديني (١) .
وعن ابن أبي الزناد وقيل له: أتحبّ الدراهم وهي تُدنيك من الدنيا. فقال: هي وإن أدنتني منها لقد صانتني عنها (٢) . الحواشي
(٤٣١٦٩) - ضمن حديث عن أبي هريرة، في آخره: «الموت الأحمر الحاجة بعد الغنى» .(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٥٥) -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٢/١٧٣) - عن عبد الرحمن بن زياد -وهو ابن أنعم الإفريقي، ضعيف- عن يحيى بن سعيد، به.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ١٠٣) عن الليث بن سعد، عن سعيد بن يحيى -كذا- عن سعيد بن المسيب، به، وهو من هذا الطريق عند الدينوري في «المجالسة» (رقم ٢٢١١) ، إلا أن عنده: عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد.
ويحيى بن سعيد: هو ابن قيس الأنصاري، سمع سعيد، ورواه عنه جماعة غير المذكورين.
ثم ظفرت به على الجادة عن الليث به، عند أبي نعيم في «الحلية» (٢/١٧٣) ، والبيهقي في «الشعب» (٢/٩٢ رقم ١٢٥٢) .
وأخرجه من طرق عن الثوري به -أيضاً-: الخلال في «الحث على التجارة» (رقم ٥٢) ، والبيهقي في «الشعب» (رقم ١٢٥٣) ، وابن عبد البر في «الجامع» (٢/١٣) .
وأخرجه الخلال في «الحث على التجارة» (رقم ٥١) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/١٧٣) من طريقين: عن عباد بن عباد، عن يحيى بن سعيد، به.
وإسناده صحيح.
وأورده ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (١/١٦٩) ، والذهبي في «السير» (٤/٢٣٨) ، وابن حمدون في «تذكرته» (٨/٩٨ رقم ٢٢٧) ، والأصبهاني في «سير السلف» (ق ١١٣/ب) ، والمصنف في «الأجوبة المرضية» (٢/٧٤٤- ٧٤٥) .(٢) أخرجه الدينوري في «المجالسة» (رقم ٢٢١٢) -ومن طريقه ابن عساكر (ص ٢٨٢- ترجمة عبد الله بن ذكوان أبي الزناد) أو (٩/ق ١٨٧) -، وأورده الذهبي في «السير» (٥/٤٤٨) ، والمزي =стр. 164
وأورد الزمخشريُّ في «الكشاف» (١) عند قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥] ، شيئاً من هذا.
وروينا في «المجالسة» (٢) عن الثوريِّ -أيضاً- أنه قال: «والله ما وضع رجلٌ يده قط في قصعة رجلٍ إلا ذلَّت له رقبته، وما أعرف موضعاً لعشرة دراهم لا، ولا لسبعٍ ولا لخمسٍ ولا لدرهم» .
وقد مال كثيرٌ من الشافعية إلى تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر (٣) ، الحواشي
(١٦٧) معزواً لابن أبي الزناد! وكذا في «الأجوبة المرضية» (٢/٧٤٥) .(١) انظر: الكشاف (١/٢٤٧) .(٢) انظر: «المجالسة» (٦/٣٣٠ رقم ٢٧٢٢) ، وأخرجه -أيضاً- أبو نعيم في «الحلية» (٧/٥٩) مختصراً، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/٢٤٣) ، وساقه الزمخشري في «ربيع الأبرار» (٤/٣٥٢) مختصراً مقتصراً على آخره.(٣) اعتنى العلماء عناية شديدة في (المفاضلة بين الغنيّ الشاكر والفقير الصابر) ، وألفوا في ذلك المؤلّفات، والخلاف في المسألة ليس بمشهور بين المذاهب المتبوعة، وإنما الميل على حسب المشارب، ولجمع من أرباب المعاني والذوق مصنفات مفردة فيها انتصار ظاهر كتفضيل مطلق الفقر! ومن المخطوطات المحفوظة في مكتبة لا له لي للحارث المحاسبي «الرد على بعض العلماء من الأغبياء حيث احتج بأغنياء الصحابة!» . انظر: «تاريخ سزكين» (١/٦٤٢) .
ولمحمد بن علي المكي: «المفاخرة بين الغني والفقير» محفوظ في مكتبة العباسية بالبصرة، ولابن زبر «تشريف الفقر على الغنى» ، بينما لابن المنذر «تشريف الغني على الفقير» ، ثم ظفرت في «لسان الميزان» (٥/٢٨) أن ابن الأعرابي رد عليه بـ «تشريف الفقير على الغني!» ، وللكلاباذي «شرف الفقر على الغنى» ، ذكره في كتابه «معاني الأخبار» (ص ٣٣١) ، قال: «وقد أفردنا لشرف الفقر وأهله كتاباً جامعاً يشتمل على الأخبار والآثار المروية فيه، والحجج الكثيرة من جهة الخبر والنظر، ومعنى الأخبار التي وردت في الغنى ... » ، وللسرمري: «فضل الفقر على الغنى» وكذا لعلي بن محمد المصري، فيما أفاده كحالة في «معجم المؤلفين» (٧/١٧٩) ، وللطرطوشي: «الكلام في الفقر والغنى» ، ولأبي حيان: =стр. 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = «الفصل بين الغنى والفقر» ولأبي يعلى الفراء: «تفضيل الفقر على الغنى» وهو من المفقودات على حسب ما ذكره الدكتور محمد أبو فارس في كتابه: «القاضي أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية» (ص ٢٤٥) .
وطبع في هذا الباب مجموعة من الكتب، من مثل: «عقد الدرر والآلئ في بيان فضل الفقر والفقراء وفضل السؤال!!» للبناني، و «المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر» ، للبيركلي (ت ٩٨١هـ) .
ونسب ابن جزَيّ في «القوانين الفقهية» (ص ٤٧١) إلى أكثر الفقهاء أنهم ذهبوا إلى أن الغني أفضل، خلافاً لأكثر الصوفية!
وحكي عن أحمد روايتين، ولذا ذكر هذه المسألة أبو الحسين ولد القاضي أبي يعلى في كتابه «التمام» (٢/٣٠٢-٣٠٥) قال:
«مسألة: الفقير الصابر خير من الغني الشاكر في أصح الروايتين: وفيه رواية ثانية: الغني الشاكر أفضل، وبه قال جماعة منهم ابن قتيبة.
وجه الأوّلة: اختارها أبو إسحاق [ابن] شاقلا، والوالد السعيد، قوله -تعالى-: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] ، فسرها أبو جعفر محمد بن الحسين: يجزون الغرفة، قال: الجنة بما صبروا، قال: على الفقير في الدنيا.
وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» . فقالت عائشة: ولم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً، يا عائشة، لا تردي المسكين، ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقرِّبيهم، فإنَّ الله يقرِّبك يوم القيامة» .
فمن الخبر دليلان:
أحدهما: أنه سأل الله -تعالى- المسكنة في حياته ووفاته، فلولا أنها أعلى منزلة من الغنى لم يسألها.
والثاني: قوله: «يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً» ، وليس هذا إلا لفضيلتهم على الأغنياء، إذ لو لم يكن كذلك لم يستحقوا السبق.
وروى أبو برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفاً، حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا فقراء» .
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قام في أصحابه، فقال: «أي الناس خير؟» . فقال بعضهم: غني يعطي حق نفسه وماله، فقال النبي ﷺ : «نِعْم الرجل هذا، وليس به، ولكن خير الناس مؤمن فقير يعطي على جهد» .
ولأن الله -تعالى- خصّ بالفقير من اصطفاه من أهل صفوته، وجعله كرامة لأهل عقد ولايته، وحظاً لمن ارتضاه من أهل معاملته، وسبباً للإقبال عليه بطاعته، فإن الله به اصطفاه من الدناة والأدنا من =стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ربع أوليائه بالصبر عليه -كذا-، والرضا عليه في العلو على سائر الناس لتكون كل أمورهم ومصالحهم راجعة إليه، ليقوم لهم بها على إرادته وعنايته، ويستخرجها من وجوهها إليهم بقدرته، تنزيهاً لجوارحهم عن الحركات عند وقوع الحاجات والفاقات وعن الملك والدنيا، وتركها لغداء أو عشاء.
ولأن الفقر صفة للحق، يصف الفقراء، والغنى صفة للدنيا تصف الأغنياء، فعلى قدر ميلان القلب إلى الفقر وأهله يكون موصوفاً بالحق والإخلاص، وعلى قدر ميلان القلب إلى الغنى وأهله، يكون موصوفاً بالدنيا والإخلاص -كذا-، وحب الفقر وأهله من أخلاق المرسلين، وإتيان مجالسه من علامات الصالحين، ولا يخضع العبد لله إلا مع الفقر، ولا يصيب الإرادة إلا بمجالسة الفقراء، ولا يرى آثار الحقّ إلا مع الفقراء.
وليس من صفة الفقراء موافقة الأغنياء، ولا من صفة أهل المعرفة موالفة أهل الغفلة، فالفقر دواء النبيين، وجلباب المرسلين، وأعلام الصفوة المختارين، وزين المؤمنين، وتاج المتقين، وجمال العابدين، وسرور الزاهدين، ولذة الصابرين، ولباس الراغبين، ورأس مال الصديقين، وغنيمة العارفين، ومعقل الصالحين، وحصن المطيعين، وعون الورعين، وحطّاط للخطيات، ومكفّر للسيئات، ومعظّم للحسنات، ورافع الدرجات، ومبلغ إلى الغايات. ومطفئ الغضب المحبب عن طريق الله الأعظم، ومخوّف الأغنياء من الضر والعدم، حتى ساءت ظنونهم بربهم، وارتابوا بوافي مواعيده بعد تصديقهم، فعبدوا الدنيا خوفاً من زوالها عنهم، وركنوا إليها بكلَّتهم، فعادوا فيها ووالوا، وأحبوا وأبغضوا» .
قال أبو عبيدة: انتهى ما أورده أبو الحسين من تفضيل الفقراء على الأغنياء، ولي ملاحظات:
الأولى: بالنسبة إلى حديث «اللهم أحيني مسكيناً ... » فهو حسن لغيره، خلافاً لمن ضعّفه، وليس فيه دلالة على فضل الفقر، وهذا البيان، والله الموفق:
ورد هذا الحديث عن أربعة من الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم: أنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت.
أما حديث أنس: فقد أخرجه الترمذي في «الجامع» (رقم ٢٣٥٢) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/١٤١-١٤٢) -، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/١٢) ، و «الشعب» (رقم ١٤٥٣، ١٠٥٠٧) من طريق الحارث بن النعمان الليثي عنه، به.
وعزاه شيخنا الألباني في «الإرواء» (٣/٣٥٩) إلى أبي الحسن الحمامي في «الفوائد المنتقاة» (٩/٢٠٥/٢٥١) ، وأبي نعيم في «الفوائد» (٥/٢١٧/١) .
وعزاه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٢/٢٠٧) للترمذي عن عائشة!! وليس صحيحاً، وإنما هو من مسند أنس، ولعائشة قصة فيه، وقد ورد عند العراقي في الكتاب نفسه: (٣/٢٣٥ و٤/ ١٩٣) من مسند أنس، على الجادة. =стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٩٠١) -ولم يسمّه- وقال: «ليس بالمشهور» ، وقال الذهبي: «لا يُدرى من هو» ، وقال -أيضاً-: «لا تقوم به حجَّة لجهالته» .
وأما يزيد بن سنان، فقد ضعفه علي بن المديني وأحمد بن حنبل، وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى ابن أيوب المَقْبري: «كان مروان بن معاوية يُثبته» ، ولعل كلمة الفصل فيه ما قاله أبو حاتم: «محلُّه الصدق، وكان الغالب عليه الغفلة، يُكتب حديثه، ولا يحتج به» ، فهذا جرح مفسَّر، وهو الغفلة، وليس لتهمة فيه، وعليه فقوله مقدّم على قول النسائي فيه: «متروك» . ومن الجدير بالذكر أن البخاري قال عنه: «مقارب =стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٤٢٥) ، قال: حدثنا عبد الله بن سعد بن يحيى الرّقي: ثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن سنان الرُّهاوي: حدثني أبي، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد، به. =стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠٨) طريقاً أخرى له، أخرجها عبد بن حميد وحسنها! والحق أنها ليست لهذا الحديث، وقد نبه على ذلك في «الإرواء» (٣/٣٦٣) ، ولهذا حذفها من الطبعة الجديدة.
وأما حديث عبادة بن الصامت، فقد أخرجه تمام في «فوائده» -كما في «الآلئ المصنوعة» (٢/٣٢٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٥/ق ١٢٨) -، والطبراني في «الدعاء» (رقم ١٤٢٧) -ومن طريقه الضياء المقدسي في «المختارة» (ق ٦٥/١-٢) - من طريق بقية بن الوليد، عن الهِقْل بن زياد، عن عُبيد بن زياد الأوزاعي، عن جُنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، به.
وفيه بقية، وهو مدلّس تدليس التسوية، فلا بد من التصريح بالسماع بطبقات السند كلها. وقد وقع هذا في سند «المختارة» ، وسائر رواته ثقات، ولهذا قال السخاوي في «المقاصد الحسنة»(١٤٥) : «رجاله موثوقون» ، وأقره الزّبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (٦/٢٨٩) .
قلت: وفيه عُبيد بن زياد الأوزاعي، قال ذهبي العصر المعلِّمي اليماني في تعليقه على «الفوائد المجموعة» (ص ٢٤١) : «مجهول» . وكذا قال شيخنا الألباني في «الإرواء» (٣/٣٦٢) .
ونقل السيوطي في «اللآلئ» (٢/٣٢٥) عن أبي سعيد، عليِّ بن موسى السُّكري الحافظ النيسابوري أنه قال عنه: «شامي، عزيز الحديث، قيل: إنه ثقة» . وقال -أيضاً-: «ووجِدَ بخطّ أبي الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الحافظ: حدثنا محمد بن يوسف بن بشر الهَروي: أخبرني محمد ابن عوف بن سفيان الطائي، قال: عُبيد بن زياد الأوزاعي الذي روى عنه الهِقل بن زياد، سألتُ عنه بدمشق، فلم يعرفوه. قلتُ له: فالحديث الذي رواه هو منكر؟ قال: لا، ما هو منكر، ما ينكر إلا أن يكون النبي ﷺ قال: «اللهم أمتني مسكيناً» » . =стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٤٤) -. وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو متروك، كما قال أحمد والنسائي وابن الجنيد، وبه أعلّه المعلمي في تعليقه على «الفوائد المجموعة»(٢٤١) ، وشيخنا الألباني.
والخلاصة: إن سند الحديث ضعيف جداً.
والحديث بمجموع هذه الطرق يصل إلى مرتبة الحسن لغيره، أما من ضعّفه من السابقين فإما بالنظر إلى سندٍ بخصوصه، أو إلى حديث صحابي بعينه، أو استنكار المتن، وظنّ التعارض بينه وسائر النصوص. وإليك طائفة من أقوال المحدثين في الحكم عليه:
- قال العلائي في «النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح»(٤٥) : «وهو حديث ضعيف، لكن لاينتهي إلى أن يكون موضوعاً» ، وهذا مخالف لما قاله شيخنا الألباني في «الإرواء» (٣/٣٦٢) : «وقد جزم العلائي بصحته» !!
- قال ابن تيمية في «أحاديث القصاص»(١٠١) : «يروى لكنه ضعيف لا يثبت» ، وهذا مخالف لما نقله ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/١٠٩) ، والسيوطي في «الدرر المنتثرة» (رقم ١٠٣) عنه، قالا: «وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية، فقال: إنه كذب، لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المرويّة» ، فإن قول ابن تيمية «يروى» يدلل على أن أصلاً له عنده، وهذا ما صرح به في «مجموع الفتاوى» (١٨/٣٢٦) ، قال:
«هذا الحديث، قد رواه الترمذي، وقد ذكره أبو الفرج في «الموضوعات» وسواء صح لفظه أم لم يصح ... » ثم تكلم عن معناه.
- ونقل العجلوني في «كشف الخفاء» (١/١٨١) عن ابن حجر أنه قال في «التحفة» : «إن الحديث ضعيف، ومعارض بما روي أنه ﷺ استعاذ من المسكنة» .
- وضعّف ابن رجب الحديث في «اختيار الأولى» (ص ١١٣) بقوله: «مع أن في إسناد الحديث ضعفاً» .
- وصحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي، والبيهقي في «الشعب» كما تقدم. وحسّنه الترمذي، فيما نقل ابن حجر، وكذا الزرقاني في «مختصر المقاصد» (رقم ١٥٣) . =стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = - وحكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع! فأسرف، ولذا تعقبه الزركشي، والسيوطي، وغيرهما.
- والصواب فيما ظهر لنا من خلال جمع طرق الحديث أنه حسن لغيره، وهذا أدنى أنواع الحديث الذي يستدل به، ويقبل الاحتجاج، وينسب إلى النبي ﷺ بصيغة الجزم، والله أعلم.
يبقى بعد هذا كله: الكلام على معنى المسكنة الواردة في الحديث، وقد بيّنها جماعة من العلماء، وإليك أقوال بعضهم:
- قال الداودي في «الأموال» (ص ٣٤٨) بعد سياق الحديث: «فإن ثبت هذا في النقل، فمعناه: أن لا يجاوز به الكفاف، أو يريد الاستكانة إلى الله -تعالى-» .
- وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٨/٣٨٢) في شرحه لهذا الحديث:
«فالمسكين المحمود هو: المتواضع الخاشع لله، ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال، وهو جبّار، فالمسكنة خُلُق في النفس، وهو التواضع والخشوع، واللَّين ضد الكبر ... » .
- وذكر ابن الأثير في «النهاية» (٢/٣٨٥) هذا الحديث، وقال في شرحه: «أراد به التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبّارين المتكبرين» ، ثم وجدت هذا المعنى عند الخطابي في «شأن الدعاء» (ص ١٩٤- ١٩٥) .
- وبنحو هذا قال تاج الدين السبكي، فنقل عنه ابنه في «طبقات الشافعية» (٣/١٣٤) ما نصه: «وكان ﵀ يقول في قوله ﷺ : «اللهم أحيني مسكيناً» : إن المراد به استكانةُ القلب، لا المسكنة التي هي أن يجد ما لا يقع موقعاً من كفايته. وذكر ذلك في باب الوصية من «شرح المنهاج» وسمعتُه منه كذا وكذا مرات، لا أُحصي لها عدداً» .
ثم عقّب عليه بما يُؤيّده بكلامٍ بليغٍ حسن، فقال: «وكان ﵀ يشدّد النكير على من يعتقد ذلك، والحق معه ﵁ فإن من جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض، وكان قادراً على تناول ما فيها كلّ لحظةٍ، كيف يوصف بالعدم؟ ونحن لو وجدنا من معه مال جزيل في صندوق من جوانب بيته، لوسمناهُ بسمةِ الغَناءِ المفرط، مع العلم بأنه قد يُسرقُ أو تغتاله غوائلُ الزمانِ، فيُصبح فقيراً، فكيف لا يُسمّى من خزائن الأرض بالنسبة إليه أقرب من الصندوق بالنسبة إلى صاحب البيت؟! وهي في يده بحيث لا تتغيّر، بل هو آمن عليها، بخلاف صاحب الصندوق، فما كان ﷺ فقيراً من المال قط، ولا مسكيناً. نعم، كان أعظم الناس جؤاراً إلى ربه وخضوعاً له، وأشدَّهم في إظهار الافتقار إليه، والتّمسكُن بين يديه» . =стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٨٩٣) من حديث ابن عمر رفعه: «خير الناس مؤمن فقير يُعطي جهده» ، ولم يعزه في «كنز العمال» (٦/٣٤١، ٤٦٩ رقم ١٥٩٤٧، ١٦٥٨٦) إلا له.
الرابعة: لم يذكر أبو الحسين ابن القاضي أبي يعلى سائر أدلة مفضلي الفقر على الغنى، ونقول تتمة لما ساقه:
احتج من فضّل الفقر بعدد من الآيات الكريمة منها قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وقوله -تعالى-: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] ، فالآية الأولى تبين أن الصابرين يجزون بغير حساب، والفقير صابر على الحاجة والشدة والعوز.. والآية الثانية تبين أن سبب ذهاب الطيبات والحسنات في اليوم الآخر هو التمتع بالدنيا، وهو الغنى أو لازمه.
وقد أجاب القرافي عن الاستدلال بالآية الأولى: بأن الأغنياء يساوون الفقراء في الصبر على الإيسار، وبذل المال، ومخالفة الأهواء.
ويجاب عن الاستدلال بالآية الثانية بأنها في الكفار واستمتاعهم في الدنيا على وجه غير مشروع، وبقية الآية واضحة في ذلك: « ... فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ» [الأحقاف: ٢٠] .
واحتجوا -أيضاً- بأن الفقير أيسر حساباً، وأقل سؤالاً: من أين اكتسب؟ وفيما أنفق؟ وقد سبق بيان تخريج الحديث.
وأجاب القرافي عن هذا الاستدلال بقوله: «إن السؤال يقع نعيماً لقوم، وعذاباً لقوم ... فلا يضر الغني الشاكر السؤال، بل ينفعه» . فلا تعني قلة السؤال علو المنزلة، كما لاتعني كثرته نزول الدرجة، فالمهم هو نتيجة الحساب وثمرة السؤال.
واحتجوا -أيضاً- بأن الفقراء أكثر أهل الجنة، ويدخلونها قبل الأغنياء. وأجاب عن ذلك القرافي =стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بقوله: «إن الفقراء أكثر في الدنيا فهم أكثر في الجنة، ولا يلزم من ذلك علو الدرجة، ولا يلزم من سبقهم للدخول أن تكون درجتهم أعلى، أو مساوية» . انظر: «الذخيرة» (١٣/٣٣١-٣٣٣) .
وأورد السرخسي في «شرح الكسب» (ص ١٢٠- ١٢١) مناظرة في المسألة، وجهها على تفضيل (الفقر) على (الغنى) ، قال:
«وحكي أن غنياً وفقيراً تناظرا في هذه المسألة، فقال الغنيّ: الغنيُّ الشاكر أفضل، فإن الله -تعالى- اسْتَقْرَضَ من الأغنياء، فقال : ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، وقال الفقير: إن الله -تعالى- إنما استقرضَ من الأغنياء للفقراءِ، وقد يُستقرضُ من الحبيب وغير الحبيب، ولا يُستقرضُ إلاَّ لأجل الحبيب» ، ثم وجه التفضيل بقوله:
«يوضِّحه أن الغني يحتاج إلى الفقير، والفقيرَ لا يحتاج إلى الغني؛ لأن الغنيّ يلزمه أداء حقّ المال، فلو اجتمع الفقراء عن آخرهم على أن لا يأخذوا شيئاً من ذلك، لم يُجبروا على الأخذ، ويُحمدون شرعاً على الامتناع عن الأخذ، فلا يتمكن الأغنياءُ من إسقاطِ الواجب عليهم عن أنفسهم، والله -تعالى- يُوصلُ إلى الفقراء كفايتهم على حسب ما ضَمِنَ لهم.
فبهذا تبيّن أن الأغنياء هم الذين يحتاجون إلى الفقراء، والفقراء لا يحتاجون إليهم بخلاف ما ظنّه من يعتبرُ الظاهر، ولا يتأمّلُ في المعنى.
فاتَّضح بما قررنا أن الفقيرَ الصابرَ أفضلُ من الغنيِّ الشاكر، وفي كلٍّ خير» انتهى.
ويجاب عليه: بأنه عند احتمال وقوع هذه الصورة الخيالية، يضعُ الغنيُّ زكاتَه في بيت المال، وتبرأ ذمته بذلك تمام البراءة، وكم في الدنيا من فقراء يتلهفون على الفَلْس والدرهم؟! ولا يتعيّن في الزكاة تقديمُها لفقيرِ بلدِ المال. فالصورة هنا خيال في خيال، لا يصح أن تُساق في ترجيح دليل أو استدلال؟!
وأمّا من فضّل الغنى على الفقر، فقد احتج -أيضاً- بمجموعة من النصوص، أسوق أولاً تتمة كلام القاضي أبي الحسين في «التمام» (٢/٣٠٥) . قال:
«ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من غنى يبطر، ومن فقر مترب» . وقال ﵇: «من طلب الدنيا حلالاً واستعفافاً عن المسألة، وسعياً على عياله، وتعطفاً على جاره، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالاً مكاثراً مفاخراً لقي الله وهو عليه غضبان» » . انتهى كلامه.
قال أبوعبيدة: الحديثان -عندي- لم يثبتا، والثاني منهما أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٤/٣٣٠ رقم ٣٤٦٥) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/١١٠ و ٨/٢١٥) ، والبيهقي في «الشعب» (٧/٢٩٨ =стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رقم ١٠٣٧٤) ، والكلاباذي في «معاني الأخبار» (ص ٣٢٨) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو كما قال أبو نعيم على إثره: «غريب من حديث مكحول، لا أعلم له راوياً عنه إلا الحجاج» .
قلت: الحجاج هو ابن فُرافِصة، صدوق عابد يهم، والراوي عنه محمد بن صبيح بن السّماك الواعظ، قال ابن نمير: صدوق، وقال مرة: ليس حديثه بشيء، كذا في «الميزان» (٣/٥٨٤) .
ومكحول لم يسمع أبا هريرة، فهو منقطع. وعزاه العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/٤١٤- مع «إتحاف السادة» ) إلى أبي الشيخ في «الثواب» -أيضاً- وضعفه، ولم يعزه في «كنز العمال» (٤/١٣ رقم ٩٢٥٥) إلا لأبي نعيم في «الحلية» !
وأخرج الديلمي والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/٦٨) من حديث أبي هريرة رفعه: «من طلب مكسبة من باب الحلال، يكفّ بها وجهه عن مسألة الناس وولده وعياله، جاء يوم القيامة مع النبيين والصديقين» هكذا -وأشار بأصبعه السبابة والوسطى-.
وإسناده ضعيف جدّاً، فيه أبو مقاتل حفص بن سلم الفزاري واهٍ بمرة، وكذّبه وكيع بن الجراح.
وضعّفه العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/٨٩) ، وعزاه السيوطي في «الجامع الكبير» (١/٧٩٩) إلى الخطيب والديلمي فقط، وكذا في «إتحاف السادة المتقين» (٥/٤١٤) . وانظر: «زوائد تاريخ بغداد» (٦/٢٦٩- ٢٧٠) .
وأما الحديث الأول، فقد ظفرتُ به عند الخطابي: أورده في «شأن الدعاء» (ص ١٩٤) -دون إسناد- هكذا: «اللهم إني أعوذ بك من فقرٍ مُربٍّ أو مُلبٍّ» .
وقال: «المُلِبُّ: المُقْعِدُ المُلْزِق بالأرض. يقال: أَرَبَّ بالمكان، وأَلَبَّ به، إذا أقام، وهذا كقول الناس: قد لَزِق فلان بالتراب، إذا افتقر. قلت: وليس هذا بخلاف» .
ونحوه في «النهاية» (٢/١٨١) لابن الأثير (مادة: ربب) ، وأورد الحديث هكذا: «اللهم إني أعوذ بك من غنى مبطر، وفقر مُرِبٍّ» . أو قال: «مُلبٍّ» .
وهناك أدلة مبسوطة عند من فضّل (الغنى) عدا ما ذكره أبو الحسين، ونجمل ذلك بقولنا:
وقد احتج من فضل الغنى بعدد من الآيات الكريمة منها قوله -تعالى-: ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] ، وقوله -سبحانه-: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] ، وقوله -جل من قائل-: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ، وقوله : ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] ، فهذه الآيات تبين أن الغنى فضل من الله ونعمة، ووسيلة للإنفاق في سبيل الله، وأن الفقر من الشيطان. وليس هذا فقط، فقد سمى الله المال خيراً في =стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قوله -تعالى-: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠] ، والخير يسعى إليه، ويحرص عليه ... بل إن الآيات الكريمة تقرر أن إيتاء المال والإمداد به من نعم الله على عباده المؤمنين، يؤتيه لهم عندما يقبلون عليه بالعبادة والتوبة والاستغفار ... قال -تعالى-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح: ١٠-١٢] .
واحتجوا -أيضاً- بعدد من الأحاديث النبوية منها نهيه ﷺ عن إضاعة المال، واستعاذته من الفقر، وقوله صلوات الله عليه وسلامه: «نعما المال الصالح للرجل الصالح» ، وسبق تخريجه.
ثم قالوا: إن كل ما يتصور في الفقر من الصبر والرضا يتصور في الغنى بالإيثار، والصبر على بذل المال وإنفاقه والتضحية به. وليس كل ما يتصور في الغنى من القربات يتصور في الفقر.
قال أبو عبيدة: كلٌّ من الطرفين قال حقاً، اللهم إن استثنينا الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يكثر ذكرها في هذه المسألة، وكان ينقص كلٌّ منها العدلَ! والصواب التفصيل.
قال ابن جزي في «القوانين الفقهية» (ص ٤٧٢) : «ولا يصح التفضيل إلا بعد تفصيل، وهو أن من كان يقوم بحقوق الله في الغنى، ولا يقوم بها في الفقر، فالغنى أفضل له اتفاقاً، ومن كان بالعكس فالفقر أفضل له اتفاقاً ... وإنما محل الخلاف فيمن كان يقوم بحقوق الله في الحالتين. والحقوق في الغنى هي أداء الواجبات، والتطوع بالمندوبات، والشكر لله، وعدم الطغيان بالمال. والحقوق في الفقر هي الصبر عليه، وعدم التشوف للزيادة، واليأس مما في أيدي الناس، ولله در غنيّ شاكر، أو فقير صابر، وقليل ما هم» .
وهذا التفصيل هو الصواب. قال ابن القيم في «بدائع الفوائد» (٣/١٦٢) : «وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل عديدة من مسائل التفضيل» قال: «فأجاب فيها بالتفصيل الشافي ... » وذكر مسألتنا، وقال: «فأجاب بما يشفي الصدور، فقال: أفضلهما أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى، استويا في الدرجة» .
قال أبو عبيدة: وفصّل ابن القيم هذا الإجمال في مجموعة من كتبه، مثل: «المدارج» (٢/ ٤٤٢) ، و «طريق الهجرتين» (ص ٦٢٦) ، و «عدة الصابرين» (ص ١٢٥، ١٤٢، ١٤٦، ٢٣٠) من (الباب العشرين) حتى (الباب الرابع والعشرين) ، وهو الأخير من الكتاب، ولا يتسع المقام للبسط أكثر من هذا، ولكني سأقتصر على زبد من كلامه فيها ذكره لأمثلة تؤكد ما رجحناه من أن (التفضيل في التفصيل) ، قال -رحمه الله تعالى-:
«مَثلُ الدنيا مثلُ البحر، الذي لا بد للخلق كلهم من ركوبه، ليقطعوه إلى الساحل الذي فيه =стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = دورهم وأوطانهم ومستقرهم، ولا يمكن قطعه إلاَّ في سفينة النجاة. فأرسل الله رسله لتعرف الأممُ اتخاذ سفن النجاة، وتأمرهم بعملها وركوبها، وهي: طاعة رسله، وعبادته وحده، وإخلاص العمل له، والتشمير للآخرة وإرادتها، والسعي لها.
فنهض الموفَّقون وركبوا السفينة، ورغبوا عن خوض البحر، لما علموا أنه لا يُقطع خوضاً ولا سباحة. وأما الحمقاء، فاستصعبوا عمل السفينة وآلاتها والركوب فيها، وقالوا: نخوض البحر، فإذا عجزنا قطعناه سباحة -وهم أهل الدنيا- فخاضوه، فلما عجزوا عن الخوض أخذوا في السباحة حتى أدركهم الغرق. ونجا أصحاب السفينة، كما نجوا مع نوح ﵇ وغرق أهل الأرض.
ومثالها: مثال إناء مملوء عسلاً، رآه الذباب، فأقبل نحوه، فبعضه قعد على حافة الإناء، وجعل يتناول من العسل، حتى أخذ حاجته ثم طار. وبعضه حمله الشَّرَه فرمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه، فلم يدعه انغماسه فيه أن يتهنَّأ به إلاَّ قليلاً، حتى هلك في وسطه.
ومثل الدنيا مثل حبّ نثر على وجه الأرض، وجعلت كل حبة في فخ، وجعل حول ذلك الحَب حَبٌّ ليس في فخاخ، فجاءت الطير، فمنها من قنع بالجوانب ولم يرم نفسه في وسط الحب، فأخذ حاجته ومضى، ومنها من حمله الشَّره على اقتحام معظم الحب، فما استتم اللقط إلاَّ وهو يصيح من أخذه الفخ له» . وقال -رحمه الله تعالى-:
«وقد خلق الله الغنى والفقر ليبتلي بهما عباده أيهم أحسن عملاً، وجعلهما سبباً للطاعة والمعصية، والثواب والعقاب، قال -تعالى-: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] » . وقال بعد كلام:
« ... فالذهب، والفضة، والمساكن، والملابس، والمراكب، والزروع، والثمار، والحيوان، والنساء، والبنون، وغير ذلك، كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان، ليختبر خلقه أيهم أطوع له وأرضى، فهو الأحسن عملاً.
وهذا هو الحق الذي خلق به وله السماوات والأرض وما بينهما، وغايته الثواب والعقاب، وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزَّه الله نفسه عنه، وأخبر أنه يتعالى عنه. فقال عزَّ من قائل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] .
والمقصود أنه -سبحانه- جعل الغنى والفقر ابتلاء وامتحاناً للشكر والصبر، والصدق والكذب، والإخلاص والشرك. قال -تعالى-: ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم﴾ [المائدة: ٤٨] ، وقال : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] . =стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والمال إن لم ينفع صاحبه ضرَّه ولا بد. وكذلك العلم والملك والقدرة، كل ذلك إن لم ينفعه ضرَّه، فإن هذه الأمور وسائلُ المقاصد يتوسَّل بها إليها في الخير والشر، فإن عطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة توسل بها إلى أضدادها. فأربح الناس من جعلها وسائل إلى الله والدار الآخرة، وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده. وأخسر الناس من توسَّل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة، فخسر الدنيا والآخرة ... » . وقال -أيضاً- بعد كلام طويل:
«ومسألة المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر مسألة كثر فيها النزاع بين الأغنياء والفقراء، واحتجَّت كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار. ولذلك يظهر للمتأمل تكافؤ الطائفتين، فإن كلاًّ منهما أدلت بحجج لا تُدفع. والحق لايعارضُ بعضه بعضاً، بل يجب اتباع موجب الدليل أين كان.
وقد أكثر الناس في المسألة من الجانبين، وصنفوا فيها من الطرفين، وتكلم الفقهاء والفقراء والأغنياء والصوفية وأهل الحديث والتفسير، لشمول معناها وحقيقتها للناس كلهم، وحكوا عن الإمام أحمد فيها روايتين، ذكرهما أبو الحسين في كتاب «التمام» فقال: مسألة الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر في أصح الروايتين. وفيه رواية ثانية: الغني الشاكر أفضل. وبها قال جماعة، منهم ابن قتيبة. ووجّه الأولى واختارها أبو إسحاق بن شاقلا، والوالد السعيد.
والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله -تعالى-.
فإن فُرض استواؤهما في التقوى: استويا في الفضل.
فإن الله -سبحانه- لم يفضِّل بالفقر والغنى، كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضَّل بالتقوى، كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... ﴾ [الحجرات: ١٣] .
والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر.
وكلٌّ من الغني والفقير لا بدَّ له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم، كان أفضل.
فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتم، وشكر الغني أتم، فأيهما أفضل؟
قيل: أتقاهما لله في وظيفته ومقتضى حاله.
ولا يصحُّ التفضيل بغير هذا ألبتة.
فإن الغني قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره. وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغني في شكره.
فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل؛ ولا هذا بفقره أفضل. ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس؛ لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما. =стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل. فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين، كما قال -تعالى- في الأثر الإلهي: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه. وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه» . فأيُّ الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل، كان أفضل.
فإن قيل: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمس مئة عام» .
قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلو المنزلة وإن سبقوهم بالدخول؛ فقد يتأخر الغني والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع، كسبق الفقير الخفيف في المضائق وغيرها، وتأخر صاحب الأحمال بعده.
فإن قيل: إن النبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردَّها وقال: «ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً ... » .
قيل: احتجّ بحال رسول الله ﷺ كل واحدة من الطائفتين.
والتحقيق أن الله جمع له بين كليهما على أتم الوجوه. وكان سيد الأغنياء الشاكرين، وسيد الفقراء الصابرين.
فحصل له الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه.
فمن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك؛ فكان أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر» . وقال -أيضاً- بعد كلام طويل جداً ما نصه:
«وأي غنيّ أعظمُ مِن غنى من عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض، وعرض عليه أن يجعل له الصفا ذهباً، وخُيِّر بين أن يكون ملكاً نبياً وبين أن يكون عبداً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً. ومع هذا فجُبيت إليه أموال جزيرة العرب واليمن، فأنفقها كلها ولم يستأثر منها بشيء، بل تحمَّل عيال المسلمين ودَيْنهم.
فإذا احتجَّ الغني الشاكر بحاله ﷺ ، لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يفعل فعله.
كما أن الفقير الصابر إذا احتجَّ بحاله ﷺ ، لم يمكنه ذلك إلاَّ بعد أن يصبر صبره، ويترك الدنيا اختياراً لا اضطراراً.
فرسول الله ﷺ وفَّى كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقها وعبوديتها. وأيضاً فإن الله -سبحانه- أغنى به الفقراء، فما نالت أمَّته الغنى إلا به. وأغنى الناس من صار غيره به غنياً» . وتكلَّم -أيضاً- على الآفات التي تعترض كلاً من (الفقير) و (الغني) ، فقال: =стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = «وسرُّ المسألة: أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر، وطريق الغنى والسَّعَة في الغالب طريق عطب.
فإن اتَّقى الله في ماله، ووصل به رحمه، واخرج منه حق الله -وليس مقصوراً على الزكاة، بل من حقه إشباع الجائع، وكسوة العاري، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج والمضطر- فطريقه طريق غنيمة، وهي فوق السلامة.
ومَثَل صاحب الفقر كمثل مريض قد حُبِس بمرضه عن أغراضه، فهو يُثاب على حسن صبره على حبسه. وأما الغني فخطره عظيم في جمعه وكسبه وصرفه. فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من وجهه وصرفه في حقه، كان أنفع له.
فالفقير كالمتعبِّد المنقطع عن الناس، والغني المنفق في وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد.
والمقصود بهذا الفصل، أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به ﷺ من الأغنياء الشاكرين، وأحقُّ الناس به أعلمهم بسنته، وأتبعهم لها، وبالله التوفيق» .
قال أبو عبيدة: ونختم كلامنا على هذه المسألة بملاحظات:
الأولى: كلام ابن تيمية في (التفضيل) هو (التفصيل) . نقله عنه تلميذه البار ابن القيم، وتقدم ذلك عنه، ونحيل الأخ القارئ على «مجموع الفتاوى» (١١/٢١، ٦٩، ١١٩-١٢١، ١٩٥) ، و (١٤/ ٣٠٥-٣٠٦) ، فانظره فإنه مفيد.
الثانية: أخرج أبو نعيم في «الحلية» (٧/٢٨٣) أثراً فيه بيان الخلاف في هذه المسألة، وهو أقدم ما وقفت عليه فيها، مع التنويه إلى أنّ ابن تيمية قال في «مجموع الفتاوى» (١١/١١٩) : «وأما الصحابة والتابعون فلم يُنقل عنهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر» .
أخرج ابن المبارك في «الزهد» (رقم ٥٦٤) ، وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» (ص ٢٧٣) ، وابن الأعرابي في «الزهد» (رقم ٩٠) بسنده إلى الفضل بن ثور قال: قلت لأبي سعيد
-يعني: الحسن البصري-: رجلان طلب أحدهما الدنيا بحلالها، فوصل بها رحمه، وقدم فيها لنفسه، ورجل رفض الدنيا؟ قال: أحبهما إليّ الذي رفض الدنيا. قلت: يا أبا سعيد هذا طلبها بحلالها، فأصابها، فوصل بها رحمه، وقدم فيها لنفسه. قال: أحبهما إليَّ الذي جانبها.
وأسند أبو نعيم في «الحلية» (٧/٢٨٣) : «عن عمر بن السكن قال: كنتُ عند سفيان بن عيينة، فقام إليه رجل من أهل بغداد فقال: يا أبا محمد! أخبرني عن قول مطرِّف: لأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن ابتلى فأصبر، أهو أحبُّ إليك أم قول أخيه أبي العلاء: اللهم رضيتُ لنفسي ما رضيتَ لي؟
قال: فسكت سكتة ثم قال: قول مطرِّف أحبُّ إلي. فقال الرجل: كيف وقد رضي هذا لنفسه ما =стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٤٢٧) وغيره، قال:
«مدح ﷺ المال في حق من صرفه في جهات القُربات؛ لأنه صار وسيلة إلى القُرب من الله، ولأن الصدقات تكفر الخطيئات، وترفع الدرجات. فمدح المال بـ «نِعم» : الحاوية للمدح العام لما ذكرته، وما جاء من ذم الدنيا ومتاعها وزينتها وزخرفها، فإنما جاء لأنه شاغل عن طاعة الله، مُلْهٍ عن ذكر الله وشكره، حاملٌ على الطغيان في أغلب الأحيان. فلذلك غلب ذم الدُّنيا ومتاعها لغلبة أدائها إلى ذلك. وندر مدحها لندرة من يصرفها في مصارفها. وقد جعل الله إنفاق ذلك قربة إليه ومُزلفاً لديه فقال: ﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩] ، وقال: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] » . =следующие страницы →