← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد؛ فإن كتاب "تفسير القرآن العظيم" للحافظ ابن كثير ﵀ من أحسن وأنفع كتب تفسير القرآن، وأوسعها وأكثرها تداولًا وانتشارًا، ولا يزال كتابه مقصد اهتمام للراغبين في معرفة تفسير كتاب الله تعالى بالمأثور عن السلف، من تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين. كما أن كتابه هذا يعد من المراجع المهمة في هذا العلم، وفي غيره من العلوم الأخرى، ومنزلته العلمية عند أهل العلم أعلى وأرفع من أن ينوه بها، فقد وصفه السيوطي فقال: "له في التفسير الذي لم يؤلف على نمطه" وقال الشوكاني في وصفه: "وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها". وقال أحمد شاكر عنه: "فإن تفسير الحافظ ابن كثير من أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري … ". ومما يزيد من القيمة العلمية للكتاب وأهميته منزلة مؤلفه ﵀ فهو من كبار العلماء وأحد الأئمة الحفاظ المبرِّزين. قال ابن قاضي شهبة عنه: "إسماعيل بن عمر بن كثير الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شيخ المفسرين، عمدة المحدثين والمؤرخين مفتي المسلمين … ". وثناء العلماء على هذا الكتاب وعلى مؤلفه أمر مشهور ومعلوم، كله يدل على جلالة هذا التفسير العظيم وعظيم قدره عند الناس. ولذلك فقد رأت دار ابن الجوزي نشر هذا التفسير وطبعه طبعة علمية محققة ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، فكان أول من هيأ الله لنا لتحقيق هذا الكتاب فضيلة الشيخ أبا إسحاق الحويني -حفظه الله ورعاه- سنة ١٤١٢ هـ، فقمنا بإحضار النسخ الخطية للكتاب من مكة والقاهرة والكويت وإستنبول. ثم قام الشيخ -حفظه الله- بضبط النص وتخريج الأحاديث والآثار ودراستها والحكم عليها، وقد صدر منه جزءان، ونسأل الله تعالى أن يعينه على إتمام تحقيق الأجزاء المتبقية منه. ثم لما رأينا أن هذا العمل سوف يستغرق وقتًا طويلًا من الشيخ للمنهج الذي سلكه في التحقيق، ولانشغاله بأعمال الدعوة أشار علينا أن نكلف من نراه من أهل العلم بتحقيق الكتاب على أن يستمر هو بعمله.

стр. 2

فيسر الله لنا فضيلة الشيخ الدكتور حكمت بن بشير بن ياسين، واتفقنا معه على تحقيق الكتاب وطبعه طبعة علمية محققة، وفق المنهج الذي ذكره في مقدمته العلمية. هذا وقد استفدنا من عمل الشيخ أبي إسحاق الحويني -حفظه الله- مما طبعناه سابقًا وفي جزء ثالث سيصدر قريبًا إن شاء الله، فقام فضيلة الشيخ الدكتور حكمت باختصار تخريجات الشيخ لهذه الأجزاء ثم عرضنا العمل على الشيخ أبي إسحاق فوافقنا عليه فجزاه الله خيرًا. وهذه الطبعة كما ترى طبعة تتميز عن الطبعات الأخرى بالعناية اللائقة بها، من حيث الإخراج الفني والألوان وجودة الطباعة والتجليد، وهو عمل لابد منه لهذا السفر العظيم. وأخيرًا: "فلا يكاد كتاب من كتب التراث يخرج إلى الوجود حتى تتناوله أقلام النقد في ترحيب ومبادرة لكي تشارك في تقويمه" (١). فلذلك نود من أهل العلم أن لا يبخلوا علينا بملاحظاتهم، لنتمكن من استدراكها في طبعات قادمة إن شاء الله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الناشر سعد بن فواز الصميل ١/ ٢/ ١٤٣١ هـ _________ (١) انظر: "قطوف أدبية" دراسات نقدية في التراث العربي حول تحقيق التراث، لعبد السلام هارون (ص ٦).

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه؛ أما بعد: فقد سطع علم التفسير منذ نزول القرآن الكريم إذ بيّن النبي ﷺ للصحابة ﵃ ما يحتاجون من بيان، ولما كان الصحابة ﵃ من أعرق القبائل العربية وحظوا بذلك البيان، فقد غدو من أعلم الناس بالتفسير ثم تلاهم تلاميذهم من التابعين الذين أخذوا هذا العلم عن الصحابة، وكتبوه عنهم فحازوا قصب السبق بكتابة التفسير فقد كان بعضهم يكتب التفسير مع عرض القرآن، إذ صحَّ عن مجاهد بن جبر المخزومي أنه عرض القرآن على ابن عباس ﵄ ثلاث عرضات، ويسأله عن كل آية فيجيبه ابن عباس ﵄ ويقول له: اكتب فيكتب (١)، فكانت هذه البداية المبكرة لكتابة التفسير عن ابن عباس ثم تلاه التابعي الجليل سعيد بن جبير الأسدي فقد أمره الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يكتب التفسير، وكتب التفسير وأودعه في ديوان الخليفة (٢)، واعتنى التابعون بإملاء التفسير على تلاميذهم فقد أملى مجاهد التفسير على بعض تلاميذه (٣) وكذلك الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه (٤). وقد انتشر علم التفسير مع انتشار الإسلام في الأرض، وكان التابعون عند فتوحهم البلدان لدخول الناس في دين الله تعالى يرفعون نداء الحق لإقامة الصلاة وقراءة القرآن الكريم والبيان لفهمه والعمل به. إن هذا العلم والعمل أفرز جيلًا من العلماء المفسرين من أتباع التابعين إذ تسلموا قيادة التعليم والإرشاد في أرجاء الخلافة الإسلامية فكان في مكة المكرمة ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار راوي التفسير عن مجاهد، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج صاحب "التفسير"، وسفيان بن عيينة صاحب "التفسير". وكان في المدينة ثلة من المفسرين منهم: الإمام مالك بن أنس أول من صنف التفسير رواية بالإسناد. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم صاحب "التفسير"، ونافع بن أبي نعيم القارئ صاحب "التفسير"، ومصنف كتاب "الوقف والابتداء"، وكتاب "عدد المدني". وكان في القدس عطاء بن أبي مسلم الخراساني صاحب "التفسير". _________ (١) أخرجه الطبري بسند صحيح "التفسير" رقم (١٠٧). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٣٢). (٣) انظر: "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٢/ ١٥٤). (٤) انظر: "جامع العلم وفضله" لابن عبد البر (١/ ٨٩).

стр. 4

وفي حمص علي بن أبي طلحة صاحب الصحيفة الشهيرة في التفسير المروية عن ابن عباس ﵄، وكتاب "الوجوه والنظائر"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ". وفي دمشق عطاء بن دينار الهذلي صاحب "التفسير والمغازي" وأغلب تفسيره رواية عن سعيد بن جبير وجادة، وهارون بن موسى الأعور مصنف "الوجوه والنظائر في القرآن" (١). وكان في اليمن معمر بن راشد صاحب التفسير والمغازي وأغلب تفسيره رواية عن قتادة بن دعامة السدوسي، ومن اليمن أيضًا وهب بن منبه وله تفسير القرآن (٢). وكان في البصرة سعيد بن أبي عروبة راوي التفسير عن قتادة، وعمرو بن عبيد بن باب مصنف التفسير، ومبارك بن فضالة راوي التفسير عن الحسن البصري، وواصل بن عطاء المعتزلي مصنف "معاني القرآن"، ومحمد بن سيف الأزدي صاحب "التفسير"، ومعمر بن المثنى مصنف "مجاز القرآن" (٣). وفي الكوفة سفيان الثوري صاحب "التفسير" (٤)، وعاصم بن أبي النجود المقري صاحب "التفسير"، وجويبر بن سعيد الأزدي صاحب "التفسير" وغالب تفسيره عن الضحاك، ومحمد بن السائب الكلبي مصنف "أحكام القرآن"، و"تفسير الذي نزل في أقوام بعينهم" و"ناسخ القرآن ومنسوخه". وفي بغداد محمد بن إسحاق (ت ١٥٠ هـ) صاحب "التفسير" و"المغازي" (٥)، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وأغلب تفسيره عن قتادة. وفي واسط هشيم بن بشير السلمي صاحب "التفسير". وفي مصر عبد الله بن لهيعة صاحب "التفسير" وغالب تفسيره عن عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير. وفي القيروان يحيى بن سلام صاحب "التفسير" (٦) وكتاب "التصاريف في القرآن" (٧). وفي مرو عبد الله بن المبارك صاحب "التفسير". وفي خراسان الضحاك بن مزاحم صاحب "التفسير" وكتاب "نزول القرآن"، والربيع بن أنس البكري صاحب التفسير وغالب تفسيره يرويه عن أبي العالية. وفي بلخ مقاتل بن سليمان البلخي صاحب "التفسير"، وتفسير "خمسمائة آية في الحلال والحرام" و"الأشباه والنظائر" (٨) وهذه التفاسير خالية مما نسب إليه من التجسيم والتشبيه، وفي بلخ أيضًا: مقاتل بن حيان صاحب "التفسير". _________ (١) منه نسخة خطية في مكتبة تشستربتي "الفهرس الشامل" (١/ ٢٠). (٢) منه نسخة خطية في الهند في مكتبة سالارجنك "الفهرس الشامل" (١/ ١٧)، وقد نسب "تفسير غريب القرآن" لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولم تصح نسبته إليه. (٣) طبع بتحقيق أ. د. محمد فؤاد سزكين. (٤) طبع بتحقيق أ. امتياز عرشي. (٥) وكتاب "المغازي" له علائق بالتفسير وأسباب النزول، ومن أتباع التابعين الذين صنفوا في السير والمغازي أبو معشر نجيح السندي (ت ١٧٠ هـ، ويحيى بن سعيد الأموي ت ١٩٤ هـ). (٦) منه نسخة فريدة في مراكش. (٧) طبع بتحقيق أ. د. هند شلبي. (٨) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة.

стр. 5

وهذا الإنتاج كان من أوائل المؤلفات في هذه العلوم في القرن الثاني الهجري، وقد ساعد على فهم القرآن وتيسير التفسير، إذ كانت التفاسير في هذه الفترة تتكون من قطع وأجزاء وصحف ونسخ تتفاوت أحجامها ما بين الصغير والوسط، إذ لم تبلغ الموسوعات والجوامع التي ظهرت في القرن الثالث الهجري. ومن خلال الاطلاع على الموجود من هذه التفاسير نجدها تنقسم إلى قسمين: • قسم يعتمد على النقل للأثر وأغلب التفاسير من هذا النوع. • والقسم الآخر يقتصر على اللغة العربية فقط وهو قليل كصنيع معمر بن المثنى في (مجاز القرآن) الذي اقتصر على البيان اللغوي معتمدًا على دواوين الشعراء المتقدمين. وقد تعرض مسلك أبي عبيدة لكثير من النقد فأثار الفراء إذ قال: لو حُملَ إلى أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب "المجاز" (١)، ولكن الثروة الشعرية وضروب البلاغة التي تضمنها هذا الكتاب، تعطيه قيمة علمية لغوية وبلاغية وخصوصًا أن أبا عبيدة هو أول من فتح أبواب البلاغة في التفسير على الإطلاق، فله قصب السبق، فقد ذكر أنواعًا من علم المعاني كالاستفهام، والتقرير، والتنبيه، والنهي، والتحذير، والإنكار، والتسوية، والتحقيق، والتوعد، والأمر، والتهديد، والتمني، والإشارة إلى القريب بلفظ البعيد، والتقديم والتأخير، والقلب والتغليب، والالتفات، والحذف، والزيادة، والتوكيد. كما ذكر أنواعًا من علم البيان كالتشبيه، والتمثيل، والاستعارة التصريحية، والاستعارة في الحرف، والاستعارة المكنية، وإجراء لفظ من يعقل على الجماد وما لا يعقل، والمجاز، والمرسل، والكناية، كما ذكر من علم البديع: المشاكلة (٢). وكذلك كتاب "معاني القرآن" (٣) للأخفش (ت ٢١٥ هـ) صنّفه في فترة حياة الإمام الكسائي (ت ١٨٩ هـ) وقد تناول جملةً من ضروب البلاغة، فمن علم المعاني ذكر الاستفهام والمعاني المجازية التي يخرج إليها ومن تلك المعاني: التقرير، والسؤال بمعنى الطلب، والخبر، والإنكار والتوبيخ، والتعظيم والتهويل، ومن علم المعاني أيضًا: التقديم والتأخير، والقلب، والالتفات، والإظهار في مقام الإضمار، والفصل والوصل، وإيجاز الحذف، والإطناب. وتناول ضروبًا من علم البيان كالتشبيه والمثل والاستعارة التصريحية والمجاز المرسل والكناية. كما تناول ضربًا في علم البديع وهو المشاكلة (٤). _________ (١) "معجم الأدباء" (٧/ ١١٧). (٢) وقد استخرج جميع هذه الأنواع فضيلة الدكتور أحمد عبد الواحد في كتابه القيم "الدراسات البيانية في المصنفات الأُول فى معانى القرآن" (ص ٣٢ - ١٢٦). (٣) مطبوع. (٤) ينظر: "الدراسات البيانية في المصنفات الأولى في معاني القرآن" (ص ١٣٥ - ٣٠٥).

стр. 6

وهذا الإنتاج التفسيري انتشر في البلدان وازدانت به المراكز العلمية ففتح آفاقًا عظيمة في القرنين: الثاني والثالث الهجري فظهرت تفاسير نفيسة أفادت ممن تقدم ذكرهم كتفسير ابن أبي شيبة وسُنيد ومحمد بن يوسف الفريابي والإمام أحمد بن حنبل وأبي جعفر الرازي وآدم بن أبي إياس العسقلاني وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. ثم ظهرت كتب في أحكام القرآن منها ما هو مسند للإمام الجهضمي وعنوانه "أحكام القرآن" (١)، وفي علوم القرآن كتاب "فهم القرآن" (٢) للمحاسبي وهو أول كتاب "صنف في علوم القرآن"، تلا ذلك تفسير عبد بن حميد (٣) ثم تفسير الطبري. وظهرت كتب مسندة مساعدة لعلم التفسير مثل كتاب "أسباب النزول" لعلي بن المديني، و"الناسخ والمنسوخ" للقاسم بن سلام (٤)، وأحمد بن حنبل وأبي داود (٥). وفي بداية هذا القرن الثالث الهجري كان الفراء يملي كتاب "معاني القرآن" من حفظه كما صرح الراوي لهذا الكتاب واسمه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السَّمري إذ قال: هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء يرحمه الله عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات وبالجُمع من شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفي شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين (٦). ودخل التفسير في هذا القرن في طور جديد من حيث الموسوعية فإن الإمام الطبري لم يدع كلمة إلا وبينها، وقد نافت عدد رواياته على الستين ألف، وأما تفسير الإمام أحمد فبلغت رواياته مائة وعشرين ألف (٧)، وتفسير بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ) الذي يقع في سبعين جزء (٨)، وبلغت عدد مرويات عبد بن حميد في تفسيره أكثر من ثلاثة آلاف في "الدر المنثور" فقط، وقد جعلت تفسير الطبري في هذا القرن مع أن وفاته كانت سنة (٣١٠ هـ) لأنه أملى تفسيره في سنة (٢٨٣ هـ) إلى سنة (٢٩٠ هـ)؛ أي: مكث سبع سنوات في إملاء التفسير، وكان ذلك في بغداد كما نقل المؤرخون، ومنهم ياقوت الحموي الذي حبر ترجمة حافلة شاملة وافية للإمام الطبري. إضافة إلى هذه التفاسير النفيسة فقد ظهرت كتب الحديث الشريف التي تبوب كتاب "التفسير" مثل: الصحيحين وسنن الترمذي والسنن الكبرى للنسائي وسنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة (٩). كما ظهر في هذا القرن أول مصنف يعتني ببيان مشكل القرآن إذ صنف ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، _________ (١) عندي منه قطعة مخطوطة مصورة من مكتبة جامع الزيتونة وقد أعطيتها لفضيلة أ. د. عامر حسن صبري لتحقيقها وقام بذلك على أحسن وجه، جزاه الله خيرًا. (٢) مطبوع. (٣) توجد قطعة منه في حاشية تفسير ابن أبي حاتم وقد حققت وطبعت. (٤) مطبوع. (٥) وكلا الكتابين مفقود. (٦) "معاني القرآن الكريم" (ص ١). (٧) ينظر تفصيل ذلك في "مقدمة مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير". (٨) "جذوة المقتبس" (ص ٣٥١). (٩) كلها مطبوعة.

стр. 7

كتاب "تأويل مشكل القرآن". وقد صنف أيضًا كتاب "تفسير غريب القرآن" (١) ونقد فيه بعض التفاسير ومنها معاني القرآن للفراء والأخفش، ومجاز القرن لمعمر بن المثنى (٢). وبهذا نستنتج أن ظاهرة النقد للتفاسير برزت جلية في القرن الثالث الهجري. لقد بلغ تطور التفسير في القرآن الثالث مرحلة راقية من الشمول والجمع بين مدرستي الأثر والرأي، وأرى أن كتب المحدثين من الصحاح والجوامع التي جمعت حديث النبي ﷺ وأقوال الصحابة ﵃، ساعدت على إثراء التفسير بروايات غزيرة دونت في كتب "التفسير"، ونقلت التفسير المأثور إلى طور الشمول والكمال؛ لأن في هذا القرن تضمنت كتب "التفسير: الأحاديث النبوية المفسرة وأقوال الصحابة التفسيرية" وكذا أقوال التابعين. والعجيب أن بعض مؤلفات القرن الثالث في التفسير لم نجد لها نسخة بل لم نجد نقلًا أو اقتباسًا عنها! فهل هذه الكتب منسوبة؟ أم هي مندثرة؟ ولا شك أن البحث العلمي هو الذي يأتي بالجواب، فقد عثرنا على بعض النقولات من تفسير ابن ماجه، ومن تفسير الإمام أحمد بن حنبل، والتفسير الكبير للطبراني وتفسير الفريابي، وتفسير عبد بن حميد وغيرها من التفاسير التي ذكرتها وبينت طرق جمع نصوصها في كتابي الموسوم "القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الأجزاء والكتب التراثية". وفي القرن الرابع تطور التصنيف في التفسير فظهرت بعض التفاسير الفقهية مثل: كتب "أحكام القرآن" التي تتسم بالميل للمذهب الفقهي كالإمام الجصاص في كتابه "أحكام القرآن" (٣)، فقد مال للمذهب الحنفي بل نال من الإمام الشافعي، بينما نجد الإمام الطحاوي الحنفي صنف في "أحكام القرآن" (٤) على طريقة المحدثين يرويه بأسانيده إلى الصحابة والتابعين دون النيل من أي أحد من العلماء. وفي القرن نفسه ظهرت بعض التفاسير اتسمت بتحري الحق وعدم التأثر بأحد المذاهب الفقهية، بل سلكت مسلكًا صحيحًا في تتبع الدليل والراوية الصحيحة كتفسير ابن أبي حاتم الرازي (٥). واعتمد في تفسيره على الرواية فقط، وكذا تفسير ابن المنذر (٦) وتفسير القاضي البستي (ت ٣٠٧ هـ) (٧). وقد تضخمت كتب "الناسخ والمنسوخ" المروية بالإسناد مما أثرت علم التفسير مثل كتاب "الناسخ والمنسوخ" للنحاس فإنه أضعاف كتاب أبي عبيد (٨). _________ (١) كلاهما مطبوع. (٢) وللمزيد ينظر مقدمة: "تفسير غريب القرآن" (ص ٤ - ٥)، و"تأويل مختلف الحديث" (٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٥، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١). (٣) مطبوع. (٤) مطبوع. (٥) يوجد نصفه مخطوطًا وقد حقق وتقوم بنشره دار ابن الجوزي. (٦) توجد قطعة منه وقد قام بتحقيقها فضيلة د. سعد السعد. (٧) يوجد نصفه وقد حققه فضيلة د. عوض العمري وفضيلة د. عثمان وقد نالا درجة الدكتوراه من كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٨) كلاهما مطبوع.

стр. 8

وظهرت كتب بعنوان "معاني القرآن" معتمدة على الأثر مثل كتاب النحاس، كما صُنفت مؤلفات في إعراب القرآن منها كتاب "إعراب القرآن" (١) للنحاس، وكان التأليف في الإعراب في هذا القرن مختصرًا على قدر البيان لا يعربون كل كلمة وكل حرف كما في عهدنا الحاضر، وكتب الإعراب تساعد المفسرين في تصنيف تفاسيرهم، وللنحاس أيضًا كتاب "القطع والائتناف" (٢) وقد أفاد كثيرًا من كتاب "التمام في علم الوقف والابتداء" لنافع بن أبي نعيم القاري المدني، وأفاد أيضًا من كتاب "الوقف" ليعقوب بن إسحاق الحضرمي وكلاهما مفقود. وفي هذا القرن بدأ منهج الاختصار للتفاسير يظهر بوضوح، ومن الذين سلكوا هذا المنهج محمد بن عبد الله بن عيسى المعروف بابن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ) في اختصاره لتفسير يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ، وهود بن محكم المتوفى في أواخر القرن الرابع الذي اختصر تفسير يحيى بن سلام أيضًا (٣). وفي هذا القرن كثرت وتوافرت التفاسير المسندة ونافت على المائة والعشرين تفسيرًا فهذا أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) كان يحفظ مائة وعشرين تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها (٤)، وهذه الكثرة فيها الغث والسمين ولهذا انبرى الإمام الناقد ابن أبي حاتم إلى تصنيف تفسير بأصح الأسانيد وهذه الظاهرة لم يسبق إليها وقد أفصح عن سبب تأليفه "الجرح والتعديل" لبيان معاني كلام الله تعالى وسنن المصطفى ﷺ كما صرح في مقدمة الكتاب. وفي هذا القرن انبرى بعض المفسرين للرد على المعتزلة والقدرية والجهمية كالإمام محمد بن علي بن محمد أبي أحمد الكَرَجي (٥) المعروف بالقصاب (ت ٣٦٠ هـ) تقريبًا في كتابه القيم "نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام" ويكاد أن لا يترك تفسير آية إلا ويرد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة، وهو من العلماء الذين برعوا في الردِّ بالأدلة النقلية العقلية. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة بسبب ضعف مؤلفيها كتفسير "شفاء الصدور" لأبي بكر النقاش (ت ٣٥١ هـ) (٦). وقد قلَّ الاهتمام بإيراد الأسانيد وفي بعض التفاسير ظهر فيها قلة إيراد الأسانيد في بعض التفاسير مثل كتاب "بحر العلوم" للسمرقندي، وكتاب "نكت القرآن" للكَرَجي، "ومعاني القرآن" للنحاس، وكان بعضهم يختصر الإسناد فيقتصر على ذكر الطريق وهذا الاختصار غير مخل إذ يعرف من خلال ذكر الطريق درجته من الصحة أو الضعف. وظهر في هذا القرن بعض كتب "الاستدراك أو الردود" وقد انبرى علي بن حمزة البصري (ت ٣٧٥ هـ) في كتابه "التنبيهات على أغاليط الرواة" لنقد أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" (٧). _________ (١) مطبوع. (٢) مطبوع. (٣) وكلا المختصرين مطبوع. (٤) الرسالة المستطرفة (ص ٧٩). (٥) بفتح الكاف والراء وقد حقق كتابه في عدة رسائل في كلية القرآن في الجامعة الإسلامية بتحقيق أصحاب الفضيلة: د. علي بن غازي التويجري ود. إبراهيم بن منصور الجنيدل وأ. د. شايع بن عبده الأسمري. (٦) يحقق في جامعة الإمارات المتحدة. (٧) مقدمة المجاز (ص ١٧).

стр. 9

وفي هذا القرن تطور علم غريب القرآن على يد المفسر أبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت ٣٣٠ هـ) (١) فقد قام بتصنيف كتابه "غريب القرآن" على طراز جديد في الترتيب إذ رتبه على حروف المعجم ألفبائيًا ويعتبر ابن عُزيز أول من فعل ذلك في كتاب "غريب القرآن"؛ لأن من سبقه رتَّبه على سور وآيات القرآن. وفي آخر هذا القرن ضمّن بعض المحدثين في رواياتهم كتاب "التفسير" كصنيع الحاكم في المستدرك فقد تضمن كتاب "التفسير" قرابة ٣٠٠ صفحة من طبعة الهند. ثم دخل القرن الخامس وفيه ازدادت ظاهرة حذف الإسناد بسبب طول الإسناد واختلط الصحيح بالسقيم في كثير من التفاسير كتفسير "العيون والنكت" للماوردي، وتفسير السمعاني (٢)، و"تفسير ضياء القلوب" لسليم بن أيوب الرازي (ت ٤٤٧ هـ) (٣)، وتفسير مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) "الهداية إلى بلوغ النهاية" (٤)، وبعض التفاسير تارة يسوق الراوية بإسناده وغالبًا يحذف الإسناد كتفسير الكفاية للحيري (ت ٣٤٠ هـ) (٥)، وبعض التفاسير حافظت على إيراد الإسناد كصنيع الثعلبي في كتابه "الكشف والبيان"، ومن أهم مزايا هذا التفسير أنه ذكر مصادره في مقدمة تفسير، وهذه المصادر من الكتب العتيقة القديمة في علم القراءات وعلوم القرآن والتفسير وغريب القرآن والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن والوقف والابتداء وغيرها من الكتب النفيسة التي صنفت في القرن الثاني والثالث والرابع وساقها كلها بأسانيده. وأغلبها من قبيل المفقود مما يضفي قيمة علمية، أما ما ورد في هذا الكتاب من الحكايات العجيبة والروايات الغريبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإنه قد اشتهر عنه ذلك لكن لم يشتهر عنه ذكر المصادر العتيقة القديمة والأسانيد القويمة، من أجل ذلك اقترحت تحقيق فحقق والحمد لله (٦). وفي هذا القرن برزت ظاهرة جديدة وهي: تعدد التفاسير للمصنف الواحد كما صنع الواحدي في "الوجيز" و"الأوسط" و"المبسوط" (٧) فصنف ثلاثة تفاسير أحدها مختصر والآخر متوسط والثالث كبير إضافة إلى تصنيف كتاب "أسباب النزول" (٨) وهذا التصنيف فيه تخيير حسب همة ورغبة طالب العلم وفيه تسهيل للمبتدئين وتذكير للمتبصرين. كما ظهرت بعض التفاسير اللغوية الجامعة مثل كتاب "المفردات" (٩) للأصفهاني فإنه من التفاسير اللغوية المعتبرة، ولا يخلو من بعض التأويل بسبب نقله عن بعض الفلاسفة، ولكن تبقى _________ (١) مطبوع. (٢) كلاهما مطبوع. (٣) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية ونال به فضيلة أ. د. ملفي بن ناعم الصاعدي درجة الماجستير. (٤) مطبوع. (٥) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم، وقد حقق منه جزءًا فضيلة الدكتور علي بن غازي التويجري. (٦) مطبوع وحقق في جامعة أُم القرى وهو في طريقه إلى الطبع. (٧) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة. (٨) مطبوع. (٩) مطبوع.

стр. 10

فوائده تُميزه على الكتب السابقة، فهو من أحسنها وأفضلها وقد رتبه كترتيب ابن عُزيز على حروف المعجم ألفبائيًا. وفي القرن الخامس ازدادت تفاسير المعتزلة وكثر انتشارها ومن أهمها: "التهذيب فى التفسير" للحاكم الجشمي (ت ٤٩٤ هـ) أحد أساطين الاعتزال، والكتاب مخطوط وقد قدم له دراسة د. عدنان زرزور، وله أيضًا "متشابه القرآن" انتصر فيه لمذهبه. وهو شيخ الزمخشري، وحجم تفسير الحاكم أكبر من ضعف تفسير الزمخشري (١)، وقد حشد في تفسيره تفاسير رؤساء المعتزلة كالقاضي أبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار، وأبي مسلم الأصفهاني، وأبي القاسم البلخي، وغيرهم. وفي مطلع هذا القرن ظهر اختصار لتفسير الإمام الطبري للتُجيبي (ت ٤١٩ هـ) وقد اختصره اختصارًا شديدًا، وقد طبع في مجلد لطيف، في حاشية المصحف. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة مثل كتاب "حقائق التفسير" وهو من التفاسير المنحرفة لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي (ت ٤١٢ هـ) قال الذهبي: إنه تحريف وقرمطة (٢). كما ظهرت كتب الاستدراك في علم الوجوه والنظائر مثل كتاب "وجوه القرآن" للدامغاني لأبي عبد الله الحسين بن محمد الحنفي (ت ٤٧٨ هـ)، فقد استدرك ما فات مقاتل بن سليمان في كتابه "الوجوه والنظائر" (٣). كما ظهرت في هذا القرن بعض تفاسير المتكلمين كتفسير ابن فورك محمد بن الحسن الأصبهاني (ت ٤٠٦ هـ) (٤). وظهر أيضًا التفسير الإشاري أوسع مما في القرن الثالث وذلك في كتاب "لطائف الإشارات" لأبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥ هـ) (٥)، وله التيسير في علم التفسير ومنه عدة نسخ خطية عديدة. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير ترد على التعصب المذهبي بتعصب مذهبي أيضًا كما في أحكام القرآن للكياالهراسي فقد ردَّ على الجصاص في "أحكام القرآن" (٦) في انتقاده للشافعي ومدرسته، وتعصب في الوقت نفسه للمدرسة الشافعية، والعجيب أن الكياالهراسي نقل جلَّ الكتاب عن الجصاص بنصه وفصه، ولم يتعقبه في كثير من المسائل المهمة التي لا تتعلق في الخلاف بين الحنفية والشافعية، ومن تلك المسائل المهمة: إنكار السحر، والنيل من معاوية بن أبي سفيان ﵁. وفي هذا القرن برزت ظاهرة جمع النصوص التفسيرية كما قام الإمام البيهقي بجمع نصوص _________ (١) الحاكم الجشمي (ص ٤٨٠). (٢) ينظر: "مقدمة شيخ الإسلام" (ص ٩٢، ٩٣) تحقيق د. عدنان زرزور، والكتاب مطبوع. (٣) كلاهما مطبوع. (٤) حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. (٥) طبع بتحقيق د. إبراهيم بسيوني في ستة مجلدات. (٦) كلاهما مطبوع.

стр. 11

تفسيرية في أحكام القرآن عن الإمام الشافعي (١)، وهذه النصوص كلها آثار يرويها بسنده إلى الشافعي، ويرويها الشافعي عن السلف. كما ظهر في هذا القرن مؤلفات تفسيرية أُفردت لتفسير جزء أو سورة كصنيع أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي (ت ٤٨٦ هـ) إذ فسر سورة التكوير، وتوجد منه نسخ في جامعة إسلامبول، وبعضهم يفرد تفسيرًا لجزء كصنيع أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار (ت ٤٨٣ هـ) فقد صنف "حدائق التفسير لجزء عمّ"، وهذه التفاسير ورد ذكر نسخها الخطية في الفهرس الشامل للتراث. ثم دخل القرن السادس وظهر فيه منهج مبتكر في التفسير كصنيع الزمخشري فقد سلك منهجًا جديدًا في عرض التفسير جذب فيه ألباب العلماء والمتعلمين والمثقفين قديمًا وحديثًا إذ استخدم ضروب البلاغة من البديع والبيان والمعاني، واستفاد من مدرستي الرأي والأثر، وصاغ ما أفاده بأسلوب جزل وقول فصل، وباختصار دون تطويل في إيراد خلاف المفسرين، وهذا الذي ذكرته فيما لا يصطدم مع الاعتزال الذي رفع رايته، أما إذا تعارض التفسير مع مذهبه الاعتزالي فإنه يلوي التفسير ويثور على مخالفيه ويشكك بالأثر بل ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تنسف تأويلات المعتزلة من جذورها، وبهذا فقد رسخ الزمخشري آراء المعتزلة في هذا القرن. وفي هذا القرن ظهر ابتكار في نظم المتشابه اللفظي فصنف علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (٥٥٨ - ٦٤٣ هـ) كتابًا منظومًا بعنوان "هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب" وقد طبع مع شرحه بعنوان: "التسهيل في ما يشتبه على القارئ من أي تنزيل". وفي هذا القرن برزت بعض التفاسير التي تعتمد على تصفية واختصار وتنقية تفسير سابق كصنيع الإمام البغوي فقد اختصره من كتاب "الكشاف والبيان" للثعلبي، وحاول أن ينقّيه من الحكايات العجيبة والأحاديث الموضوعة، وحذف الكثير من الروايات الإسرائيلية ولكن بقي فيه مئات الإسرائيليات مما يدل على غزارة الإسرائيليات في تفسير الثعلبي. وفي آخر هذا القرن بدأ الفخر الرازي بتصنيف تفسيره المبتكر، فقد صرح في آخر تفسير سورة البقرة أنه تمَّ يوم الخميس في المعسكر المتاخم للقرية المسماة بأرصف سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفي آخر تفسير سورة آل عمران ورد أنه تمَّ يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ثم فسر بعض السور في مطلع القرن السابع في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة اثنتين وستمائة في بلد غزنين -أي: بلد غزنة كما صرح ياقوت الحموي (٢) -. ولم يتمه واختلف في الذي أتمه وذهب يحيى المعلمي بأن تلميذه قاضي القضاة أحمد بن خليل الخوبي (ت ٦٣٧ هـ) هو الذي أتمه، وقد سبقه في ذلك ابن أبي أُصيبعة في عيون الأنباء (٣) وقد عاصر الشيخ والتلميذ وقيل: إن الذي أتمه أحمد بن محمد القمولي كما في طبقات السبكي (٤) وسواء أتمه الخوبي أو القمولي فإن ظاهرة إكمال التفسير بدأت في هذا القرن السابع (٥). _________ (١) مطبوع. (٢) "معجم البلدان" (٤/ ٢٠١). (٣) (٢/ ٢٩). (٤) "الطبقات الكبرى" (٥/ ٣٥). (٥) مجموع فيه عدة كتب ليحيى المعلمي ومنها بحث حول تفسير الرازي (ص ١٠٥ - ١١٠).

стр. 12

ولقد اتسم تفسير الرازي بمنهج جديد في التفسير وهو الاعتناء بإيراد تناسب الآيات والسور والتركيز على الآيات الكونية بالاستفادة من علم الفلك والطب والهندسة والفلسفة، والاعتماد على علم أصول الفقه، ويعتبر من رواد علم التناسب بين السور وبين الآيات، وأن اهتمامه بتفسير الآيات الكونية يشكل عرضًا مبتكرًا لتوحيد الربوبية. وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير المقتصرة على تفسير آية كالبسملة وآية الكرسي وغيرها، أو تفسير سورة كسورة الفاتحة وغيرها، أو تفسير جزء من القرآن كتفسير جزء عمّ أو جزء تبارك، وهي تفاسير أغلبها خطيّة مذكورة في الفهرس الشامل. وفي القرن السابع ظهر نقد يؤكد على أهمية التفسير الأثري وتقديمه على التفسير اللغوي إذ حُذر من التسارع إلى اللغة العربية قبل النظر إلى الأثر، ومن هؤلاء الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره، وابن الأثير في جامع الأصول في الجزء الثاني في مطلع قسم التفسير، وشيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وفي كتابه مقدمة في أصول التفسير نقد بعض التفاسير كالزمخشري والثعلبي. وتكررت ظاهرة الاختصار فقد اختصر العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) تفسير النكت والعيون للماوردي. كما ظهرت كثرة المختصرات فقد اختصر الملك الصالح أبو الفتح محمد بن محمد بن قراسلان الأرتقي (ت ٦١٩ هـ) كتاب "أسباب النزول" للواحدي في كتابه "أسباب نزول الآي" منه نسخة فريدة في إمبروز يانا تقع في ١٥٤ ورقة كتبت ٧٨٢ هـ (٢). وكذلك قام أحمد بن محمود النعماني الذي كان حيًا في سنة (٦٢٦ هـ) باختصار كتاب "الموجز في التفسير" لأسعد بن محمود أبي الفضائل العجلي الأصبهاني (ت ٦ هـ) فقد اختصره في كتاب "الموجز من موجز التفسير" (٣). وفي هذا القرن ظهر تفسير الكواشي الموصلي الموسوم بتبصرة المتذكرة وتذكرة المتبصر، وقد اهتم اهتمامًا بالغًا في علم الوقف والابتداء في كتابه هذا (٤)، وصنع كالواحدي في تفاسيره الثلاثة، فألف ثلاثة تفاسير المختصر والمتوسط والمطول كالوجيز والوسيط والمبسوط. وفي هذا القرن برزت ظاهرة الجمع من تفسيرين أو أكثر كما صنع ابن الأثير في كتابه "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" جمع فيه بين تفسير الثعلبي والزمخشري (٥). وكذا صنع البيضاوي في تفسيره "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" فقد جمع أغلب تفسيره من _________ (١) "مجموع الفتاوى" (١/ ٣٥٥، ٣٥٦). (٢) ينظر: "الفهرس الشامل" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣). (٣) وتوجد منه نسخة فريدة في تشتستربتي في ١٧٧ ورقة بخط يده، أما الأصل فمنه نسخة يتيمة في مكتبة الوزيري بطهران في (٢٢٠) ورقة. ينظر: "الفهرس الشامل" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣). (٤) وقد حققه فضيلة الدكتور عبد الله بن نافع العمري ونال به درجة الماجستير من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية. (٥) "معجم المفسرين" (ص ٤٦٢).

стр. 13

الكشاف ثم من كتاب مفاتح الغيب للفخر الرازي ومن تفسير الراغب الأصفهاني. وأضاف عليها بعض الآثار واللطائف والنكات والاستنباطات، وأغلبها من الكتب المذكورة بعد الكشاف. وكذا صنع النسفي (ت ٧٠١ هـ) في تفسيره "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" حيث جمع بين الكشاف وتفسير البيضاوي وحذف الاعتزاليات والتفاسير الموضوعة. كما ظهرت تفسير آية أو سورة أو تفسير جزء كما سبق في القرن السادس. وفي هذا القرن اعتنى بعض المفسرين ببيان المشكل كالعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) فصنف كتاب "فوائد في مشكل القرآن" أجاب فيه على إشكالات قد ترد على بعض الآيات. وجلُّ هذه الإشكالات لغوية أو نحوية أو بلاغية (١). وفي هذا القرن صنف أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ) كتاب "تتمة البيان لما أشكل من متشابه القرآن" (٢)، وله أيضًا تفسير آية الإسراء وهو مطبوع. وقد ظهر في هذا القرن بعض التفاسير المنحرفة كتفسير محيي الدين بن عربي (ت ٦٣٨ هـ) إذ شحن تفسيره بالمجازفات والخرافات. وفي مطلع القرن الثامن ولد الحافظ ابن كثير وحظي بنشأة علمية راقية، أهلته أن يكون أحد مشاهير علماء ذلك القرن، كما سيأتي في قسم الدراسة. وقبل الدخول في قسم الدراسة أذكر الخطة ومنهج التحقيق، أما الخطة فقد جعلتها في مقدمة وقسمين وفهارس، أما المقدمة فقد توجتها بنبذة عن بداية نشأة تصنيف التفسير، وعن تطوره إلى زمن الحافظ ابن كثير، وذكرت فيها الخطة، ومنهج التحقيق، وأسباب تحقيق الكتاب، أما القسم الأول فيتضمن دراسة عن الحافظ ابن كثير ومنهجه والقيمة العلمية للكتاب، وأما القسم الثاني فيشمل تحقيق النص. • وأما منهج التحقيق فهو كما يلي: ١ - الاعتماد على نسخة آيا صوفيا وسيأتي أسباب ذلك في وصف النسخ الخطية. ٢ - ضبط النص بالمقابلة بين الأصل والنسخ المساعدة وهي نسخة شستربتي ونسخة الحرم المكي والحميدية والمحمودية، وقد اعتمد على غير هذه النسخ عند الحاجة، ولا أُكثر من ذكر الفروق إلا ما له أهمية ولعدم إثقال الحواشي، فلم أذكر الاختلاف بين النسخ في عبارات الثناء على الله تعالى كلفظ ، ، والصلاة على الرسول، والترضي على الصحابة ﵃. وقد رمزت لهذه النسخ الرموز الآتية: أ - نسخة آيا صوفيا الكاملة: الأصل. ب - نسخة تشسشربتي العتيقة: عش. ت - نسخة الحرم المكي العتيقة: عم. _________ (١) وفي دار الكتب في القاهرة نسخة بعنوان "كشف الإشكالات عن بعض الآيات"، "الفهرس الشامل" (١/ ٢٥٦). (٢) ومنه نسخة في الظاهرية كتبت في عهد المؤلف، "الفهرس الشامل" (١/ ٢٥٧).

стр. 14

ث - نسخة آيا صوفيا العتيقة الناقصة: عف. ج - نسخة الحرم المكي: ح. ح - نسخة المحمودية: مح. خ - نسخة الحميدية: حم (١). ٣ - لم أذكر أرقام اللوحات لأن الأصل وقع فيه خطأ في الترقيم. ٤ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني مع عزوها إلى سورها وبيان رقم الآية. ٥ - تخريج الأحاديث: بما أن الهدف من التخريج في تحقيق تفسير ابن كثير هو الوصول إلى درجة الحديث فقد كان الضابط للتخريج هو معرفة صحة الحديث أو ضعفه (٢). وراعيت في التخريج ذكر السند والمتن غالبًا، فإذا وقفت على السند والمتن فإني أنصُّ على ذلك بقولي على سبيل المثال: أخرجه البخاري بسنده ومتنه، وفي هذا التخريج زيادة توثيق وتحقيق. وبالنسبة للتخريج من مسند الإمام أحمد فقد كان من عدة طبعات فإذا ذكرت الجزء الأول والصفحة فقط فهو من الطبعة القديمة الميمنية، وإذا ذكرت رقم الحديث فقط فهو من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وإذا ذكرت الجزء والصفحة والرقم فهو من طبعة الرسالة بإشراف معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله. وقد ذكرت الحكم على الحديث بالاعتماد على أقوال النقاد المعتبرين من المتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين. ٦ - تخريج الآثار تخريجًا يوصل إلى درجة الحكم، وقد اعتنيت بذلك عناية خاصة لأهمية الحكم على الآثار، وقد استفدت من مقدمتي للتفسير الصحيح وأضفت الأحكام في الأسانيد التي لم ترد في التفسير الصحيح، وأعتبر هذا التخريج من المميزات التي تفردت بها هذه الطبعة عن جميع الطبعات السابقة. _________ (١) وأما رموز النسخ التي اعتمدها فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري في الجزء الأول فهي كما يلي: النسخة الأولى: ورمزت لها بحرف "أ"، النسخة الثّانية: ورمزت لها بحرف "ب"، النسخة الثّالثة: ورمزت لها بحرف "جـ"، النسخة الرَّابعة: ورمزتُ لها بحرف "د"، النسخة الخامسة: ورمزت لها بحرف "ز"، النسخة السادسة: رمزت لها برمز "ر"، النسخة السابعة: ورمزت لها بالرمز "س"، النسخة الثامنة: ورمزت لها بالرمز "ش". النسخة التاسعة: ورمزت لها بالرمز "ص"، النسخة العاشرة: ورمزت لها بالرمز "ط"، النسخة الحادية عشرة: ورمزت لها بالرمز "ع"، النسخة الثانية عَشْرَةَ: ورمزت لها بالرمز "ف"، النسخة الثالثة عَشْرة: ورمزت لها بالرمز "ق"، النسخة الرَّابعة عشرة: ورمزت لها بالرمز "ك"، النسخة الخامسة عشرة: ورمزت لها بالرمز "ل"، النسخة السادسة عشرة: ورمزت لها بالرمز "م"، النسخة السابعة عشرة، ورمزت لها بالرمز "ن"، النسخة الثامنة عشرة: ورمزتُ لها بالرمز "هـ"، النسخة التّاسعة عشرة: ورمزت لها بالرمز "و"، والنسخة العشرون: ورمزت لها بالرمز "ى". (٢) وعلى هذا المنهج اختصرت الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم الذي قام بتحقيقه فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري. فقد اختصرت التخريج وجعلت الهدف هو الحكم على الحديث، وقد حكمتُ على الأسانيد التي لم يذكر لها حكمًا وجعلتها بين معقوفين للتمييز.

стр. 15

٧ - الاستفادة من مصادر المؤلف لتحرير النص. ٨ - الاختصار في العزو إلى المصادر: إذا كان المصدر من كتب التفسير التي تكرر كثيرًا ومرتبة على سور المصحف فإني لا أذكر الصفحة والجزء كما في تفسير عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم وغيره، وكذلك في النقل من تقريب التقريب لأنه مرتب على حروف المعجم، وأحيانأ أذكر الجزء والصفحة والطبعة لبيان الفوائد في التحقيق ولأُبرهن أن الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير الطبري بالمعنى، فيكون ما كتبه من حفظه أو قد يكون اعتمد على نسخة غير النسخ الخطية التي اعتمدها معالي أ. د. التركي والأستاذ أحمد شاكر، وهذا الأمر بعيد الاحتمال. ٩ - عزو الشعر إلى الدواوين. ١٠ - بيان القراءات المتواترة والشاذة. ١١ - التعليق على بعض الروايات، وإذا كانت الرواية من الإسرائيليات نبَّهت على ذلك غالبًا. ١٢ - بيان الغريب، وإذا لم أذكر المصدر في بيان الغريب فهو غالبًا من كتاب "النهاية" لابن الأثير أو "حاشية السندي على مسند الإمام أحمد" نقلًا من المسند المطبوع بإشراف معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. ١٣ - ضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والبلدان ونحو ذلك، مع ضبط ما يشكل من كلمات في الروايات وغيرها. ١٤ - عزو أقوال المفسرين إلى مصادرها. ١٥ - عمل الفهارس الفنية التي تساعد القارئ في البحث، وهي كما يلي: فهرس الآيات المستشهد بها. فهرس الأحاديث. فهرس الآثار. فهرس الأعلام. فهرس مصادر الحافظ ابن كثير. فهرس الشعر. فهرس الأمثال. فهرس البلدان. فهرس المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات. وهذه الفهارس ستكون في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.

стр. 16

أسباب تحقيق الكتاب لقد درَّست تفسير ابن كثير مدة عشرين سنة، وفي هذه الفترة كان كثير من الزملاء الأساتذة وكثير من الطلاب الذين درّستهم في الدراسات العليا وفي كلية القرآن الكريم وكلية الحديث الشريف، يقترحون عليَّ تحقيق الكتاب والحكم على أحاديثه وآثاره، ثم ازداد هذا الاقتراح حينما نشرت كتابي "التفسير الصحيح"، كما طلب مني الشيخ الفاضل سعد الصميل مدير عام دار ابن الجوزي سنة (١٤١٥ هـ) أن أقوم بتحقيق الكتاب ولكني اعتذرت لانشغالي ببعض المهام العلمية، وفي سنة (١٤٢٦ هـ) أعاد عليَّ الاقتراح أن أُحقق التفسير بالاعتماد على نسخ خطية قديمة قيّمة حصل عليها، وأن يطبع الكتاب بطراز متميز. ولما انتهيت من تلك المهام العلمية رأيت أن أقوم بهذه المهمة مستعينًا بالله تعالى واستجبت لذلك الطلب، وجمعت ما كتبته من التعليقات والتخريجات والدراسات حول تفسير ابن كثير، وكان من أسباب تحقيق هذا الكتاب أن الآثار الواردة فيه تبلغ ألوف الروايات لم يحكم عليها المحققون. ومن الأسباب المهمة التي تشجع على إعادة تحقيق الكتاب وقوع بعض الأخطاء في جميع الطبعات بسبب التأثر بالطبعات السابقة، فيتكرر الخطأ في الطبعات اللاحقة بالاعتماد على الطبعات السابقة، وهذه بعض النماذج التي وقفت عليها: ١ - في تفسير سورة النساء آية [٩٥] عند قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقد سقط تفسير ابن عباس ﵄ وهو قوله: "أهل العذر". ٢ - وكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة] فقد ذكر الحافظ رواية عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" ثم ذكر رواية أصح بلفظ: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وفي جميع الطبعات وردت الروايتان بلفظ: "كلمة حق" وهو خطأ في الرواية الأولى وصحيح في الثانية. ٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] نقل الحافظ ابن كثير عن الإمام أحمد رواية من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وقد صُحفت في جميع الطبعات إلى: عبد الله بن عمرو. ٤ - وفي تفسير سورة التوبة آية [٣٢، ٣٣] وقع تصحيف في كل الطبعات في اسم رجل ورد باسم: ابن حذيفة فصُحف إلى: أبي حذيفة كما في (ص ٤٠) في الحاشية رقم (٤)، والرواية في المسند وردت بدون تصحيف (المسند ٣٩/ ٣٦ - ح ٢٣٨١٤).

стр. 17

٥ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة] نقل الحافظ ابن كثير رواية الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعزّى" فقلت: يا رسول الله إن كنت لا أظن حين أنزل الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ أن ذلك تام. كذا في جميع الطبعات، والصحيح: تامًّا، كما في صحيح مسلم. ٦ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، ورد شعر ثم ذكر بعده لفظ: (كما قال الآخر) كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات وهو خطأ، والصواب أن يقال: كما قال الشاعر أو الراجز، والسبب في ذكر الآخر أنه التبس مع ما يليه لأنه قال: (قال الآخر) ثم ذكر له شعرًا. ٧ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]، ذكر الحافظ ابن كثير رواية من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن عزرة، وقد حُرفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى: عاصم بن أبي النجود عن عروة. ٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد: ١١] وردت رواية الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال يعني: "ولي السلطان يكون عليه الحرس" فقد ورد في جميع الطبعات بلفظ: "الشيطان" إلا في طبعة الحلبي. ٩ - وكذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد] فقد أخرج الإمام أحمد حديثًا بسنده عن أبي أيوب ﵁ مرفوعًا: (أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والختان) فورد في النسخ الخطية وجميع الطبعات بلفظ: (الحناء) بدل: (الختان)، وهو تصحيف. ١٠ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم]، ذكر الحافظ ابن كثير رواية من طريق الربيع بن أنس عن كعب، كذا في النسخ الخطية وجميع الطبعات، والصواب: من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، وهو طريق مشهور يتكرر كثيرًا جدًا في كتب التفسير بالمأثور. ١١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا﴾ [الحجر: ٢]، نقل الحافظ رواية عن الطبري من طريق ابن أبي جروة العبدي عن ابن عباس وأنس بن مالك، وقد صُحفت في النسخ الخطية وجميع الطبعات إلى "ابن أبي فروة". ١٢ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وردت رواية الطبري بسند من طريق حُديد أبي الخطاب، وقد صحف إلى جرير أبي الخطاب في كل الطبعات والتصويب من النسخة الأم ومن طبعة تفسير الطبري المحققة. وهذه من مزايا هذه النسخة المعتمدة في التحقيق لتفسير ابن كثير.

стр. 18

• ومن الأسباب أيصًا أن النسخة المعتمدة تفرّدت ببعض المزايا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف] فقد ورد في تفسير ابن مسعود ﵁ بلفظ: "ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كان تحالما ليجربا علمه" فقد ورد في كثير من النسخ الخطية وتبعتها جميع الطبعات بلفظ: "ليجربا عليه" والصواب ما أثبت كما في التخريج من المصادر الأصلية القديمة، وينظر أيضًا في سورة الرعد آية [٣٨، ٣٩] رواية الإمام أحمد عن أبي أيوب ﵁، وسورة التوبة آية [٣٣] في آخرها رواية الإمام مسلم.

стр. 19

الفصل الأول ترجمة مختصرة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى إن الشذرات المذكورة في المقدمة من النشاط العلمي في تصنيف التفسير تفصح عن الجهود التي بذلت في القرون السبعة الأولى الهجرية، وتتجلى فيها الهمم العالية لأرباب الأقلام التي حبَّرت تلك الكتب التي استفاد منها الحافظ ابن كثير مباشرة أو بواسطة كما استفاد من غيرها؛ لأن تفسيره اشتمل على أكثر من مائتين وخمسين مصدرًا. وقد ساعد الحافظ ابن كثير على هذه الاستفادة من ذلك النشاط العلمي موقع بلده بين أربع حضارات عريقة إذ تقع بلاد الشام بين العراق ومصر والجزيرة العربية وتركيا مركز الدولة العثمانية. لقد أطلَّ الحافظ ابن كثير من نافذة دمشق إلى تلك الحضارات المجاورة واطلع على التفاسير المذكورة سابقًا فانتقى منها اللباب وجمع منها ما لذّ وطاب، وأتى بالعجب العجاب، وأكبر دليل على ذلك قبول الأُمة لكتبه عامة وتفسيره خاصة. هذا التفسير الذي طار في كل مطار وكثر قصّاده في الأقطار، وارتشف من رحيقه طلاب العلم الكبار والصغار، حتى بلغت طبعاته العشرات لفترة عشرات السنوات، منذ سنة (١٣٠٠ هـ) طبعة بولاق في مصر وإلى عامنا هذا في هذه الطبعة الجديدة، ويستنتج من كثرة الطبعات إقبال القراء على هذا الكتاب وكثرة اقتنائهم له، ولا شك أن هذا الإقبال والقبول يدل على القيمة العلمية للكتاب، ونجاح مؤلفه في منهجه في التفسير. وقبل التعرف على منهجه والقيمة العلمية أذكر ترجمة مختصرة للحافظ رحمه الله تعالى. فمن هو الحافظ ابن كثير؟ هو فقيه المفسرين ومفسر المحدثين، وأديب المؤرخين وخطيب الشاميين، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (١). وصفه الإمام الذهبي: بالإمام الفقيه المحدث الأوحد البارع (٢). ووصفه الحافظ ابن حجر فيما نقله عن الإمام الذهبي بقوله: الإمام المفتي المحدث البارع فقيه متفنن محدث متقن مفسر (٣). _________ (١) ينظر: "البداية والنهاية" (٤/ ٣٣، ٣٤)؛ و"تاريخ ابن قاضي شهبة" (٣/ ٤١٦)؛ و"طبقات المفسرين" للسيوطي، رقم (١٦١). (٢) "المعجم المختص" (ل ٢٤ ب) صورة في الجامعة الإسلامية عن المكتبة الناصرية برقم (١٥٢). (٣) "الدرر الكامنة" (١/ ٥٧٤).

стр. 20

* ولادته ونشأته وعائلته: ولد الحافظ ابن كثير في مطلع القرن الثامن سنة (٧٠١ هـ) على الراجح (١) في منطقة بُصرى قرب دمشق، وقد نشأ في عائلة علمية مرموقة، إذ اتسمت عائلة الحافظ ابن كثير بقيادة المنابر ورفع لواء العلم، فقد تسلم أبوه أحد منابر العلم إذ كان خطيبًا (٢)، ومن أعضاء عائلته الذين تأثر بهم: أخوه الأكبر عبد الوهاب الذي أخذ عنه الحافظ وحظي برعايته والاستفادة من علمه بعد وفاة أبيه، وخصوصًا أن أباه قد توفي مبكرًا سنة (٧٠٣ هـ) وعمر الحافظ سنتان. ومن عائلته زوجته الصالحة زينب بنت يوسف المزي وكانت حافظة للقرآن الكريم، قرأت القرآن على أُمها عائشة بنت صديق زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وأُمها قرأت على الشيخة الصالحة العابدة الناسكة فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية (٣). * طلبه للعلم: قضى الحافظ ابن كثير ست سنوات في بُصرى ثم انتقل إلى دمشق سنة (٧٠٧ هـ)، وقد بدأ الحافظ طلبه للعلم بحفظ القرآن الكريم وأتمَّ حفظه ولم يتجاوز العاشرة من عمره، إذ ختم القرآن الكريم في سنة إحدى عشرة وسبعمائة على الشيخ المقرئ المحدث أبي عبد الله محمد بن حسين بن غيلان الحنبلي (ت ٧٣٠ هـ)، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تأريخه، ووصفه بالشيخ الصالح العابد الناسك الخاشع إمام مسجد السلالين (٤). ثم أخذ عن الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش ابن اللباد (ت ٧٢٤ هـ) فقرأ عليه شيئًا من القراءات (٥). ويعتبر حفظ القرآن دعامة أساسية لمن يريد أن يلج باب التفسير وخاصة في تفسير القرآن بالقرآن حيث يسهل عليه استحضار الآيات التي تفسر بعضها بعضًا، ويعرف ما تقدم تفسيره فيسهل عليه الوقوف على تكرار بعض الألفاظ والآيات بسهولة، كما يسهل عليه سياق الروايات حيث يرتب الروايات التي سمعها أو كتبها حسب علاقتها بالآي القرآني، فمتى ما أراد مراجعتها فباستحضاره الآية يستطيع أن يستحضر الروايات المتعلقة بها. والعجيب أن الحافظ ابن كثير ترجم للحافظ برهان الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ) ووصفه بقوله: شيخنا العلامة برهان الدين الحافظ الكبير الدمياطي، حامل لواء هذا الفن -أعني صناعة الحديث وعلم اللغة- في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الإسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن _________ (١) إن تحديد سنة مولد الحافظ ابن كثير اختلف فيه الذين ترجموا له إلى عصرنا الحاضر فمنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٠ هـ)، وبعضهم جعله في سنة (٧٠١ هـ)، وبعضهم قال: إنه في (٧٠٢ هـ)، ومنهم من قال: إنه في سنة (٧٠٣ هـ)، والقول الفيصل ما قاله الحافظ ابن كثير عن نفسه فهو أدرى من غيره على الإطلاق فقد صرح أنه ولد سنة (٧٠١ هـ) بل كتب ذلك بخط يده كما وجدته في ثبت النذرومي "الأعلام للزركلي" (١/ ٣٢٠). (٢) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ٣١ - ٣٣). (٣) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ٧٢). (٤) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ١١٨). (٥) ينظر: المصدر السابق.

стр. 21

التأليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق (١). فإذا ثبت ذلك أنه شيخه فيدل أنه قد أخذ علم الحديث الشريف مبكرًا جدًا وهو في سن الرابعة من عمره. ويكون بذلك قد بدأ بتعلم القرآن الكريم والسنة المشرفة مبكرًا جدًا ليمتلأ قلبه بالنور والهداية، إنها بداية عظيمة وانطلاقة حكيمة حظي بها الحافظ بتدبير من الله تعالى لتهيئة هذا الحافظ لمهمة عظيمة كما سيأتي ذكره في أعماله ومصنفاته. وفي العقد الثاني من عمره أخذ ينهل مبكرًا من كبار علماء دمشق في شتى العلوم ومنها أنه تدرب على الكتابة بالأخذ عن الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي، فقد وصفه في تاريخه بقوله: الكاتب الفاضل المعروف بابن البصيص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه، وقد أقام يُكتِّب الناس خمسين سنة، وأنا ممن كتب عليه أثابه الله. اهـ. وقد ذكره ضمن الذين ماتوا سنة (٧١٦ هـ)، وقد يكون هذا التدريب في العقد الأول من عمره (٢). وكذلك في هذه الفترة من عمره أخذ عن الشيخ عيسى بن المطعم (ت ٧١٩ هـ) الذي اشتهر بسماعه لصحيح البخاري (٣). كما سمع مبكرًا أيضًا سنة (٧٢٤ هـ) صحيح مسلم من الوزير العالم محمد بن محمد الغرناطي الأندلسي في تسعة مجالس على الشيخ العلامة نجم الدين العسقلاني (٤)، وسمع سنن الدارقطني من الشيخ الحافظ أبي زكريا محيي الدين يحيى بن الفاضل جمال الدين الشيباني الشافعي (ت ٧٢٤ هـ) (٥). وقد واكب هذه القراءة والحفظ للقرآن والسنة سلوك عملي يتحرك في شخصية الحافظ ابن كثير منذ صغره، حيث أدرك شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وحظي بالتفقه عليه، وتأثر بشخصيته وعلمه وعمله، وكان معجبًا بمقدمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، ولهذا توّج بها مقدمة تفسيره، ولم ينسبها إلى شيخ الإسلام ليستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس لأن البعض كان لا يعرف حقيقة شيخ الإسلام ابن تيمية بل كان التشويش حول شيخ الإسلام يعتري أسماع بعضهم، ومن هنا تتجلى شخصية الحافظ ابن كثير منذ ريعان شبابه لأنه تأثر بذلك الإمام المجدد. قال الحافظ ابن حجر: وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن لسببه (٦)، وخصوصًا عندما أفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، كما حظي بملازمة الحافظ المزي وقرأ عليه "تهذيب الكمال" وصاهره على ابنته (٧). وقد أخذ أيضًا عن كبار شيوخ الشام آنذاك كالحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، وابن الشحنة (ت ٧٢٠ هـ)، والفزاري (ت ٧٢٩ هـ)، وابن قاضي شهبة (ت ٧٢٦ هـ)، والإمام الأصولي شمس الدين _________ (١) "البداية والنهاية" (١٤/ ٤٠). (٢) "البداية والنهاية" (١٤/ ٧٥ - ٧٩). (٣) ينظر: "معجم الشيوخ" للإمام الذهبي (ل ١٠٩). (٤) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ١٤٩). (٥) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ١١٥). (٦) "الدرر الكامنة" (١/ ٣٧٤). (٧) ينظر: المصدر السابق.

стр. 22

محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني (ت ٧٤٩ هـ)، وغيرهم كثير، وقد سرد ذكرهم في البداية والنهاية حسب تاريخ وفياتهم. إضافة إلى أولئك فقد رافق جمعًا من الفقهاء في رحلته إلى الحج (١)، ولا شك أن هذه الرحلة زادته اطلاعًا على الفتاوى وخصوصًا ما يخص المناسك. إن هذه المسيرة والمصابرة في طلب العلم والجثو على الركب بين أيدي العلماء الأكابر أعطى الحافظ ابن كثير علمًا غزيرًا، وفهمًا كبيرًا، وعلومًا كريمة، وفهومًا حكيمة جعلته يتربع الكراسي العلمية في أشهر جوامع الشام كالجامع الأموي، وجامع تنكز، ومسجد ابن هشام، كما قام بالتدريس في المدرسة النجيبية والعزية والنورية، ثم بلغ مرتبة كبار النقاد الحفاظ إذ تولى مشيخة أُم الصالح والمشيخة التنكزية بعد الإمام الحافظ الذهبي (٢). وتتجلى جوانب أخرى من شخصية الحافظ ابن كثير بالنظر في إنتاجه العلمي من المصنفات المتميزة في موضوعاتها النافعة، ومنهجيتها البارعة، ومحتوياتها الماتعة، وموسوعيتها الجامعة، وعلى سبيل المثال في تفسيره نرى القيمة العلمية العالية، وكذا بقية كتبه فكتابه جامع المسانيد حاول فيه جمع حديث الرسول ﷺ ، وكتابه البداية النهاية أرخ فيه من بدء الخلق إلى زمانه ويعتبر من التواريخ المعتمدة والمعتبرة في منهجه وموسوعته وقوة مصادره وسهولة أسلوبه، إن هذا الإنتاج الكثير والتنوع المنير ذاع صيته في الآفاق وكثر قصاده حتى بلغت كتبه بلاد خراسان وتبريز وقصده طلاب العلم من تلك البلاد (٣)، وهذا ينطق ويفصح عن مقام مؤلفه العلمي ويظهر مكانته المرموقة. وإذا تفحصنا مؤلفات الحافظ ابن كثير نراها ذات طابع موسوعي في كثير من مؤلفاته كالتفسير، والسيرة النبوية، وجامع المسانيد، والبداية والنهاية، وطبقات الفقهاء الشافعيين وغيرها، ولقد أدرك الحافظ خطورة الهجوم على العلوم بتدمير وإحراق وإغراق الكتب، كهجوم التتار والحملات الصليبية والخلافات المذهبية، لذا انبرى لحفظ الكثير من الكتب في بطون تلك الموسوعات النفيسة. أما عن عدد مؤلفات الحافظ ابن كثير فقد أحصاها ووصفها فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله بن صالح الفالح فلا داعي لسردها وقد ذكر (٦٩) مؤلفًا (٤). _________ (١) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ١٥٤). (٢) ينظر: "ذيل تذكرة الحفاظ" (ص ٥٨، ٥٩). (٣) ينظر: "البداية والنهاية" (١٤/ ٢٩٤). (٤) "حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم" (ص ٤٠ - ٦٣).

стр. 23

الفصل الثاني دراسة مختصرة للتفسير المبحث الأول منهج الحافظ ابن كثير في التفسير سلك الحافظ ابن كثير منهجًا علميًا دقيقًا في إيراد التفسير فتناول جميع ضروب البيان، وأذكرها مرتبةً حسب أهميتها، وهي كما يلي: أولًا: تفسير القرآن بالقرآن: حرص الحافظ ابن كثير أن يصدر تفسيره بالبيان القرآني، وهو منهج مثالي قد رسمه الإمام الشافعي في كتابه القيم "الرسالة" وجعله البيان الأول من أنواع البيان، وتبعه أفذاذ المفسرين وأكّد على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته الشهيرة في أصول التفسير، وقد توّج بها الحافظ ابن كثير مقدمة تفسيره، وأخذ بهذا المنهج في بداية كل تفسيره فكلما وجد آية مبيّنة للآية التي يريد تفسيرها فإنه يوردها ويصرح بها، بل ويذكر مرادفاتها ليوضح المعنى بالآيات القرآنية، وقد يشير إلى تفسير القرآن بالقرآن ولا يصرح كما في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء] فقال الحافظ: وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات. اهـ. فهذه إشارة إلى الآيات التي فيها الإطلاق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، وفي هذا تنشيط للقارئ بأن يبحث عن هذه الآيات. وتفسير القرآن بالقرآن له أهميته وقيمته العلمية، وتتجلى فيما يلي: ١ - أهميته في أمر التدبر فكلما جال النظر والفكر في تفسير القرآن بالقرآن زاد تدبرًا وتأثرًا. ٢ - أجمع العلماء على أنه أحسن طرق التفسير، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاه الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان ومن بعدهم. ٣ - السهولة وخصوصًا في البيان المتصل، لأنك تجد تفسير الآية في لاحقها في آية أو في بضع آيات. ٤ - يضع الحد الفيصل للخلاف في تفسير بعض القضايا، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

стр. 24

(٧)﴾ [الضحى] يفسرها قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكذلك تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فهو الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص]، وكلا المسألتين فيهما خلاف طويل قل من يصل إلى القول الراجح فيهما. ٥ - يفتح آفاقًا لمن ينشد التفسير ويكون مستنده فيها قويًا، وذلك في التفسير الموضوعي والتحليلي والفقهي. من أجل ذلك فإن الحافظ ابن كثير حرص على هذا المنهج العلمي. ثانيًا: التفسير النبوي: اعتنى الحافظ بالبيان النبوي حسب منهج شيخه ابن تيمية وإمامه الشافعي، ولو أحصينا الأحاديث التي سردها الحافظ ابن كثير في تفسيره لبلغت ألوف الأحاديث، ولا غرابة من ذلك فقد تميز التفسير النبوي في أهميته الكبرى في التفسير، ومن معالم أهميته ما يلي: ١ - أنه وحي يوحى، فكما أن القرآن وحي فكذلك البيان النبوي وحي. ٢ - أن النبي ﷺ مكلف من عند الله أن يبين لصحابته ما يحتاجونه من البيان، وكان يبين لهم على قدر الحاجة؛ لأنهم لا يحتاجون تفسير كل آية فهم من أعرق القبائل العربية. ٣ - دقة فهم النبي ﷺ لتفسير القرآن، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدارس جبريل في كل رمضان، من حيث التنزيل واللفظ والتلاوة والبيان والناسخ والمنسوخ، فيكون قد دارس جبريل القرآن أربعًا وعشرين مرة. ٤ - الغزارة التي وردت من هذا النوع كثيرة ولم تحص، وما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد علمهن إياه جبريل ﵇) فضعيف ولا يصح ومنكر، وردَّ الطبري على من قال هذا القول، ووصفه بالغباء، وضعفه أيضًا الحافظ ابن كثير في المقدمة، واعلم أن هذه الروايات التفسيرية المرفوعة وما في حكم الرفع تبلغ المئات. ٥ - أن الحديث الشريف الواحد قد يُبيِّن عشرات الآيات، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] هو الإسلام كما بينه رسول الله ﷺ ، وورد ذكر الصراط المستقيم في القرآن عشرات الآيات، فيكون قد بيَّن تفسير جميع تلك الآيات. ٦ - أن بعض الآيات لا يمكن أن تُفهم بدون البيان النبوي، مثاله في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة]. يقول الشوكاني ﵀ عن هذه الآيات: قال مكي: (هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابًا ومعنًى وحكمًا. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في

стр. 25

تفسيرها، وذلك في كتابه ﵀ -يعني في كتاب مكي- قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضًا. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابًا ونظمًا وحكمًا). ا هـ (١). ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي إسحاق الزجاج: (هذا الموضع من أصعب ما في القرآن إعرابًا)، قال الشهاب السمين: (ولقد صدق والله فيما قال). وقال السخاوي: لم أر أحدًا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها. وقال الواحدي: وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنى وإعرابًا (٢). ولكن بالرجوع إلى الرواية النبوية الشريفة يفهم المعنى، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا من الذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (٣)، واستنادًا على هذا الحديث يكون اختيار وجه الإعراب، فيزول الإشكال باختيار ذلك الوجه من الإعراب. ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]. فإن بيانه من الحديث المتفق عليه الذي سيأتي ذكره عند تفسير هذه الآيات، فقد بيّن ذلك الحديث سبب قول موسى لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ … ﴾ وهذه الأحاديث قد يسبقها تفسير قرآني ويلحقها بيان الصحابة ﵃. منهجه في إيراد الأحاديث الشريفة: يعتني الحافظ ابن كثير بإيراد الأحاديث الشريفة من مسند الإمام أحمد والكتب الستة والموطأ وغيرها من الكتب المسندة، ويعتمد على الأحاديث الصحيحة، وأحيانًا يسوق حديثًا واحدًا أو أكثر لبيان الآية. وأحيانًا يأتي بعشرات الأحاديث في تفسير آية واحدة، فعلى سبيل المثال أطال الحافظ ابن كثير النفس في سرد روايات الإسراء والمعراج، وقد يستغرب القارئ من هذه الإطالة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب. فالحافظ ابن كثير له في ذلك مآرب سديدة وغايات رشيدة، فمن المعروف أن قصة الإسراء والمعراج دارت بها الألسن وكثرت فيها الحكايات والروايات فأراد الحافظ ابن كثير أن يفرق بين الصحيح والسقيم، وأن يكشف علل الروايات الضعيفة، فساق روايات صحيحة متواترة وروايات ضعيفة متناثرة، وذلك من كتب الصحيحين والسنن والمسانيد _________ (١) "فتح القدير" (٢/ ٨٦). (٢) "فتح الباري" (٥/ ٤١٠). (٣) المصدر السابق.

стр. 26

والتفاسير وغيرها فما كان في الصحيح لم يحكم عليه وما كان في غيره فإنه يحكم عليه عن طريق الإسناد أو عن طريق بيان نكارة المتن، فإذا لم يذكر ذلك فإنه يردفه بالشواهد. وهذه الصناعة من مآربه فهو حينما يتقصى الروايات فإنه يريد أن يجمع جزئيات قصة الإسراء والمعراج لأنها متفرقة ومنثورة في عشرات الروايات وبذلك تظهر القصة متكاملة بجزئياتها، ومغربلةً بنقد أسانيدها ومتونها. وأحيانًا يذكر عدة روايات متشابهة ليبين الغريب، وأما ما عرضه من طرق كثيرة مروية عن جمع من الصحابة ليبرهن التواتر الوارد في هذه القصة، إنه منهج دقيق في النقد. وهكذا فلو تتبعنا مواطن سرد الأحاديث وكثرة إيرادها نجد لذلك منهجًا علميًا دقيقًا، وأحيانًا يصنع ذلك لتشنيف الأسماع، ولفت الأنظار إلى أهمية ذلك الموضوع الذي تناولته تلك الأحاديث مثل موضوع: الكبائر، والإنفاق في سبيل الله تعالى ونحوه. وقد يقال: إنه يسوق بعض الأحاديث الضعيفة، فإن ذلك له أسبابه فإنه إما ليؤكد أنه ضعيف الإسناد وأن الرأي الذي يستشهد به هو مرجوح، أو أنه يذكر الضعيف ثم يذكر له الشواهد ليبرهن على تقويته، وأحيانًا يسوق الحديث الضعيف لأن بعض العلماء قد استشهد به كما في تفسير سورة الإسراء آية [١٦]. ثالثًا: تفسير الصحابة ﵃: بما أن الصحابة ﵃ هم أعرف الناس في التفسير بعد النبي ﷺ فقد اعتمد الحافظ على تفاسيرهم، وأكثر النقل عنهم حتى بلغت النقول عنهم ألوف الروايات، فعلى سبيل المثال نقل عن ابن عباس ﵄ (١٧١٦) أثرًا (١)، ومن أوجه أهمية تفسير الصحابي: ١ - أن أقوالهم في أسباب النزول لها حكم الرفع، وكذلك أقوالهم في الأمور الغيبية غير الإسرائيليات لها حكم الرفع. ٢ - أنهم من أعرق القبائل العربية وقد نزل القرآن بلغتهم، فلهم قدرةٌ على فهم القرآن واستنباط الأحكام. ٣ - حجية قول الصحابي في التفسير وخصوصًا إذا لم يعارضه صحابي آخر أعلم منه في التفسير، وهذه الحجية متفاوتة بتفاوت علمهم بالتفسير، ففي المرتبة الأولى: الخلفاء الأربعة، والمرتبة الثانية: المكثرون كابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين. ومما يدل على تفاوت الصحابة في التفسير: إدخال عمر بن الخطاب لابن عباس ﵄ مع أشياخ بدر في مجلسه، وسؤاله عن مطلع سورة النصر كما سيأتي في تفسيرها. ٤ - بعض هؤلاء الصحابة بل الكثير منهم حظي بكتابة الوحي، وهذا يساعد على بيان الناسخ والمنسوخ وبيان المشكل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، والمكي والمدني، وكتابة القرآن الكريم وقت نزوله يعين على فهمه. _________ (١) حسب إحصائية فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه القيم "تفسير التابعين".

стр. 27

٥ - قوة استنباط الصحابة كما سنري رأي ابن عباس في تفسير سورة النصر. ٦ - أن النبي ﷺ قد دعا لبعض هؤلاء كما دعا لعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ﵃. ٧ - خلو تفاسيرهم من التأويل المذموم. ٨ - قوة منجهيتهم ومنها النقد المبكر والتثبت من الرواية. فنرى قوة النقد عند الصحابة، في نقدهم للآخرين من التابعين أو من صغار الصحابة، وهذا المنهج أثرى علم التفسير بالتحذير من الرواة الضعفاء، وتصحيح أخطاء التلاميذ المفسرين بتمييز الضعفاء وبعض الروايات الغريبة والمرجوحة. فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي -كان يعتني بقراءة كتب أهل الكتاب- يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله. وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة الكهف آية [٦٠]. وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فأجاب سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم قرابة (١). وقال معاوية بن أبي سفيان لكعب الأحبار: أنت الذي قلت أن ذي القرنين ربط فرسه بالثريا؟ وقال ابن عباس: كذبت اليهود بأن إسحاق هو الذبيح. وقال ابن عباس: إذا جاءنا الثبت عن أبي الحسن لم نعدل به. وإضافة إلى اهتمام الحافظ ابن كثير وعنايته بإيراد تفاسير الصحابة فقد تفنن في إيراد أقوال الصحابة، فهو تارة يسوق قول الصحابي مسندًا مختصرًا بذكر الطريق كطريق الضحاك عن ابن عباس، وطريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وطريق العوفي عن ابن عباس، وذلك لبيان نقد السند، وقد حكم على هذه الطرق وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمته النفيسة لكتابه القيم (العجاب في بيان الأسباب) فقد حبَّر تلك القطعة النقدية التي لا يستغني عنها طالب العلم وخصوصًا المتخصص في علم التفسير. وأحيانًا يذكر طريقًا ضعيفًا عن الصحابي ثم يردفه بشاهد من الشعر الأصيل كما فعل في مطلع تفسير سورة الأنفال فقد ساق طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: "الأنفال": الغنائم، ثم ساق الشعر عن لَبِيد ﵁: إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثي وعجل وبهذا فقد سلك مسلكًا ذكيًا في اختصار السند وذكر الطريق كي يتبين درجته من الصحة، وهذا في غاية الإتقان والبيان. _________ (١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، عند تفسير هذه الآية.

стр. 28

رابعًا: تفسير التابعين: إن طبقة التابعين من المفسرين أخذت التفسير عن الصحابة ﵃ فقد روى التفسير عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح كلهم رووا عن ابن عباس ﵄، وكذلك أخذ أبو العالية عن أُبي بن كعب، كما أخذ كل من مسروق ومُرّة الهمداني وعَبيدة السلماني عن ابن مسعود ﵁، وقوة تفاسيرهم تأتي بعد الصحابة ﵃ ولهذا اعتمد الحافظ ابن كثير على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم، وذلك للقيمة العلمية لأقوالهم، ومن وجوه القيمة العلمية ما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم … ". ٢ - أن التابعين لهم روايات في أسباب النزول لها حكم الرفع، وذلك إذا جاءت روايات بأسانيد ثابتة عن أكثر من تابعي فإنها تقوي بعضها بعضًا ويكون لها حكم الرفع. ٣ - إذا وردت الرواية الضعيفة عن الصحابي فإن الرواية الصحيحة عن التابعي تقويها وتكون كالشاهد لها، وخصوصًا إذا كان التابعي تلميذًا لذلك الصحابي. ٤ - غزارة أقوالهم في التفسير: ففي تفسير الطبري توجد (١٨٨٥٤) رواية، ذكرها فضيلة د. محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه تفسير التابعين، وهو أفضل من كتب في دراسة منهج التابعين المفسرين. ٥ - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (طالعت مائة كتاب في التفسير لم أجد فيه تأويلًا عن الصحابة والتابعين). خامسًا: التفسير اللغوي: إن الاستفادة من المصادر السابقة أغنت الحافظ ابن كثير لأن أغلب الاستفادة من التفسير اللغوي في مجال غريب القرآن، وقد تناولت المصادر السابقة كثيرًا من غريب القرآن يروي بعضه عن النبي ﷺ ويروي كثيرًا منه عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأغلبهم من قبائل عربية عريقة أو من علماء لهم دراية عظيمة باللغة العربية، ومع هذا فإن الحافظ ابن كثير أثرى تفسيره بالبيان اللغوي، مستشهدًا بالشعر العربي نقلًا من دواوين الشعر الأصيلة، أو أنه يفسر مضمنًا أساليب الأعراب فيجعله كالملح في الطعام في تذوقه وفي قلته وعند الحاجة دون إفراط أو تفريط، كما سنرى في تفسير البسملة في بيان لفظ الجلالة الله فقد نقل أقوال أساطين اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وبرهن على أنه مشتق واستشهد بالشعر وهكذا في ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] وتفسير سورة الفاتحة كما سيأتي في بداية تفسيره. وقد كان منهج الحافظ ابن كثير فيما تقدم في غاية الدقة إذ راعى ضوابط التفسير اللغوي، فهو لا يتسارع إلى اللغة قبل الأثر، فقد حذر من ذلك كبار المفسرين: قال الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره في سياق كلامه عن ضوابط التفسير اللغوي وهو يحذر: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه،

стр. 29

ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي … والنقل والسماع لابدّ له منه في ظاهر التفسير أولًا، لِيُتَقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع. وقد ذكر مثل هذا التنبيه المحدث ابن الأثير الجزري في كتابه "جامع الأصول" في بداية الجزء الثاني وفيه كتاب "التفسير". وقد يُلاحظ أن الحافظ ابن كثير لا يهتم بالإعراب واللغة كاهتمامه بالرواية، وهذا صحيح فإن الرواية هي أساس التفسير وتحت لوائها ينضوي علم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفسير النبوي، وتفاسير الصحابة والتابعين، ثم يثني باللغة والإعراب ويجعلها كالملح في الطعام، ويحتاج القارئ إلى تذوق ذلك حتى يرى هذا الاهتمام الثاني، فهو أحيانًا يسوق التفسير معتمدًا على الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] قال الحافظ: تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. اهـ. فهذه الصياغة مبنية على الإعراب بأنه منصوب على الإغراء، ويستنبط من ذلك أن الحافظ ابن كثير لم يترك التفسير اللغوي بل اعتمده بعد الأثر. إضافة لذلك فإن كثيرًا من غريب القرآن يأخذه من المفسرين من الصحابة ﵃ والتابعين ﵏. هذا بالنسبة لمنهج الحافظ ابن كثير في جمعه بين ضروب البيان، وإضافة إلى ذلك فقد كان من منهجه تحرّي المصادر التي يرجع إليها، فكان إذا رجع إلى نسخة ضعيفة فإنه يصرح بذلك وهذا من الأمانة العلمية، فقد نقل رواية من كتاب مغازي الأموي ضعَّف إسنادها ثم قال: كذا كتبته من نسخة مغلوطة، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ … ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧] تحت عنوان: ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊، وهو الصحيح المقطوع به.

стр. 30

المبحث الثاني منهج الحافظ في الترجيح عند سياق الاختلاف بين المفسرين فإن الحافظ ابن كثير ينبري إلى دراستها وينتقي أقواها ويرجح أعلاها بالأدلة الثابتة والاعتماد على القواعد الراسخة. فقد اطلعت على ترجيحاته كلها ورأيتها منتظمة في الوجوه والقواعد التالية (١). ١ - الترجيح بالنظائر من الآيات، مثاله: في سورة البقرة آية (٦). ٢ - إذا أثبت الحديث وكان نصًّا في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره، مثاله: في تفسير سورة آل عمران آية (١٨٠). ٣ - إذا صحَّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه، كما في سورة النساء الآية رقم (٢٤). ٤ - استدلاله بالشعر، كما في سورة النساء الآية رقم (٣). ٥ - دلالة سياق الكلام، كما في سورة النساء الآية (١٥٩). ٦ - أن يكون القول هو المتبادر إلى الأذهان، كما سورة الأنفال في الآية رقم (٤٣). ٧ - أن يكون المعنى هو المستفيض عن سلف الأُمة، كما في سورة البقرة الآية رقم (٧٤). ٨ - أن يكون القول لأكثر المفسرين، كما في سورة البقرة الآية رقم (٣). ٩ - أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة ﵃، كما في سورة البقرة الآية (٩٤). ١٠ - إذا وقع اللفظ بين التقييد والإطلاق فإنه يحمل على إطلاقه، كما في سورة آل عمران الآية (١٤٥). ١١ - تقديم العموم على الخصوص، كما في سورة النساء الآية (١٩). ١٢ - الأصل في آيات القرآن الإحكام لا النسخ، كما في سورة الأنعام الآية (١٤٥). ١٣ - تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار، كما في سورة النساء الآية رقم (٤٣). ١٤ - الأصل في النظم أن يُحمل على ترتيبه، كما في سورة التوبة الآية رقم (٥٥). ١٥ - حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التأكيد، كما في سورة الأعراف الآية رقم (٨٦). _________ (١) وقد درس هذه الترجيحات فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي وفضيلة الدكتور آدم عثمان علي، في رسالتيهما لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: ترجيحات الحافظ ابن كثير في التفسير. وقد أخذت معظمها من رسالة فضيلة د. آدم.

стр. 31

أما أساليب الحافظ ابن كثير لاستعراض الترجيح فهي كما في الألفاظ التالية (١): أولًا: الترجيح بلفظ صريح: ١ - الصحيح. ٢ - الظاهر. ٣ - الصواب. ٤ - الحق. ٥ - يتعين كذا. ٦ - الواقع كذا. ٧ - الراجح كذا. وقد يؤكد بعض هذه الألفاظ بنحو قوله: الصحيح الذي لا شكَّ فيه، أو المقطوع به، أو الحق الذي لا مرية فيه، أو الصواب الذي لا شكَّ فيه، أو لا مرية فيه، أو الحق الذي لا محيد عنه، أو المشهور الصحيح. ثانيًا: الترجيح بأفعال التفضيل: ١ - الأظهر. ٢ - الأولى. ٣ - الأصح. ٤ - الأقرب. ٥ - الأشبه. ٦ - الأقوى. ٧ - الأرجح. ٨ - الأمشى على الظاهر. ٩ - الأنسب. ١٠ - الأجود. ثالثًا: ذكر القول ببعض أوصاف المدح: أكثر ما كان الإمام ابن كثير يمتدح به القول: بأنه حسن، وذلك في نحو عَشْرِ مسائل، أو القول: (إنه جيد)، وقد يقول: (حسن قوي). وقد يصفه بالحسن والقوة والظهور، أو بالحسن والجودة والقوة، أو يصفه بالحسن والجودة، وبالحسن والتوجه، أو بالجودة والقوة. _________ (١) هذه الأساليب منقولة باختصار من كتاب "ترجيحات الحافظ ابن كثير" لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد العزيز العواجي (ص ٣٠ - ٣٢).

стр. 32

رابعًا: تأييد اختيار يذكره: أكثر الإمام ابن كثير من ذكر اختيارات ابن جرير خاصة، وقلما ذكر اختيار غيره، وقد ينقل اختيار ابن جرير ويوافقه بقوله: (فأصاب)، أو (لا شك أن هذا اللائق)، ونحو ذلك. خامسًا: تضعيف مقابله: أكثر الإمام ابن كثير من تضعيف الأقوال، وإنما يدخل في هذا الباب ما ذكر فيه قولًا وضعف مقابله، أو أقوالًا وضعفها إلا واحدًا. سادسًا: البدء بالمختار ثم إيراد الأقوال أو عكسه: أكثر ما كان يرجح به ابن كثير من الأساليب هو البدء بالمختار على سبيل ارتضائه وتقريره ثم يذكر غيره من الأقوال محكية بالقول. وقد يذكر الخلاف ثم يقول: (والمعنى -أو- المقصود كذا).

стр. 33

المبحث الثالث القيمة العلمية للتفسير تتجلى القيمة العلمية لتفسير الحافظ ابن كثير في كثير من المسائل أهمها ما يلي: ١ - جودة المنهج والتزامه به، فقد التزم بمنهج علمي راقٍ كما تقدم في دراسة منهجه. ٢ - سلامة التفسير من التأويل والتحريف في مسائل العقيدة. ٣ - شهرة الكتاب: لقد انتشرت نسخه الخطية التي تقارب المائة نسخة، كما انتشرت طبعاته وتحقيقاته. ٤ - كثرة الدراسات التي قام بها الباحثون وأثره فيمن بعده: فقد تزاحمت أقلام الباحثين وعكف عليه الدارسون، ومن أهم الدراسات ما يلي: أ - الإمام ابن كثير المفسر: للدكتور مطر بن أحمد الزهراني -رسالة ماجستير- جامعة أُم القرى. ب - منهج ابن كثير في التفسير: للدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم -رسالة ماجستير- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض. ج - ابن كثير ومنهجه في التفسير: تأليف الدكتور إسماعيل سالم عبد العال -مطبوع في القاهرة- مكتبة الملك فيصل الإسلامية. د - حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم: للدكتور محمد بن عبد الله صالح الفالح - طبعة الرياض - مكتبة دار البيان. هـ - ابن كثير الدمشقي: للدكتور محمد الزحيلي - دار القلم - دمشق. وقام البعض بالشرح ومن أهم الشروح ما يلي: أ - البدر المنير الملخص من تفسير ابن كثير (وهو تلخيص تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت ٧٧٤ هـ) للكازروني (عفيف الدين سعيد بن محمد بن مسعود، ت ٧٥٨ هـ). منه نسخة في مكتبة نور عثمانية ٢٥ (٣٨٤) في تركيا (١). ب - العلم الغزير في تفسير ابن كثير (وهي حاشية على تفسير ابن كثير، ت ٧٧٤ هـ) للزرعي (إسماعيل "خطيب جامع الديلع"). منه نسخة في مدينة تريم ٥٢ (٢٥٩) في حضرموت (٢). _________ (١) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١). (٢) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١).

стр. 34

٥ - غزارة مصادره وأصالتها: أما مصادره فقد أحصاها فضيلة الدكتور إسماعيل سالم عبد العال وبلغت (٢٤١) مصدرًا وقد رتبها حسب العلوم والموضوعات، وهذه المصادر من الكتب الأمهات في علم التفسير والحديث والفقه والتاريخ والعقيدة وغيرها. ٦ - كثرة المختصرات لتفسير ابن كثير، وهي كما يلي: أ - عمدة التفسير: للأستاذ أحمد محمد شاكر. ب - تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير: للشيخ محمد نسيب الرفاعي. ج - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد علي الصابوني. د - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد كريم راجح. هـ - لباب التفسير من ابن كثير: للدكتور عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ. و - فتح القدير تهذيب تفسير ابن كثير: لمحمد أحمد كنعان. ز - المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير: بإشراف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري. وكل هذه المختصرات مطبوعة. وقد لاحظ بعض الدارسين للتفسير بعض المآخذ لكنها ليست بمآخذ وقد أجبت عليها كما يلي: الإجابة عن المآخذ التي نسبت إلى الحافظ ابن كثير في التفسير ذكر فضيلة د. إسماعيل عبد العال في دراسته لتفسير ابن كثير ﵀ جملة من المسائل ظنَّ أنها من المآخذ على ابن كثير ﵀، ومنها بعض الروايات المنكرة في متنها، والإسرائيليات التي أوردها الحافظ ابن كثير وسكت عنها، ومنها ما يلي: ذكر ابن كثير ﵀ رواية عن ابن أبي حاتم قال فيها: "حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس]. فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام: ائتني بكيس. فجاء بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة". ولم يعلق ابن كثير على هذه الرواية كما اعتاد أن يفعل مع الروايات الغريبة فكيف يطمس هذا البيض والحمص في عهد عمر بن عبد العزيز العادل وخامس الخلفاء الراشدين؟! ثم عدم معرفة عمر بن عبد العزيز للطمس شيء لا نقبله بسهولة. فلعل هذه الرواية مختلقة ومكذوبة على عمر ﵁ (١). ا هـ. _________ (١) ينظر: "ابن كثير ومنهجه في التفسير" (ص ٤١٣).

стр. 35

ولو أعطى الدكتور هذه المسائل مزيدًا من البحث لوجدها مسائل منهجية سلكها الحافظ ابن كثير فإن الروايات المنكرة في متنها ساقها بالإسناد وسمى الرجال فكأنه يشير بأصابع الاتهام إلى موطن الإنكار حينما يسمي رجال الإسناد، وما ذكره فضيلته فيه بتر للإسناد فقد حذف الراوي الضعيف، فالرواية رواها ابن أبي حاتم: عن إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس، به. والراوي الضعيف هو أبو معشر، واسمه: نجيح بن عبد الرحمن السندي (١). ثم ذكر فضيلته مسألة أخرى فقال: وفي نفس الآية ذكر ابن كثير أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] فسره ابن جريج بقوله: "يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يومًا". ولم يعقب ابن كثير على الروايتين. والفرق بينهما كالفرق بين طفل يقال عنه: إنه ولد منذ أربعين يومًا. ويقال عنه أيضًا: إنه ولد منذ أربعين سنة. ولا شك أنه فرق صارخ (٢). والجواب ما ذكره الحافظ عن ابن جريج ومحمد بن كعب واضح أنه من الإسرائيليات لأن الراويين مشهوران برواية الإسرائيليات وكفى. وقال فضيلته: وذكر محمد بن إسحاق أن إسافا ونائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما. ولم ينتقد ابن كثير هذه الرواية على ما فيها من ضعف، إذ كيف يقتنع المرء بأن إسافا ونائلة كانا بشرين قد مسخا. وما الدليل على ذلك؟ وفي أي كتاب صحيح موثوق به ذكر هذا؟ فليأتوا بآثارة من علم إن كانوا صادقين (٣). ا هـ. والجواب: أن هذه الرواية ضعفها جلي لا يخفى لأنه مروي عن ابن إسحاق ولم يروه عن أحد، وهو معروف أيضًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره لا يؤخذ إلا بالوحي عن النبي ﷺ ، وبين ابن إسحاق والنبي ﷺ ثلاثة رواة على الأقل. وقد ذكر فضيلته أيضًا رواية إسرائيلية عن وهب بن منبه ساقها الحافظ ابن كثير ولم ينبه عليها (٤) ا هـ. أقول: إن ذكر وهب بن منبه يغني عن التنبيه؛ لأنه كان مولعًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره من أخطاء أخرى شبيهة بما سبق. ثم ذكر أخطاء عامة -حسب ظنه-، ومنها: النسخ، وذكر مثالًا ثم قال: إنها وجهة نظر وليس خطأ مؤكدًا. _________ (١) ينظر: "تقريب التهذيب" (ص ٥٥٩). (٢) المصدر السابق (ص ٤٣٢). (٣) المصدر السابق (ص ٤٣٣). (٤) المصدر السابق (ص ٤٣٥).

стр. 36

وقوله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسط، والبر. لكن هذه الدعوة مرفوضة لأن الآية لا تنسخ حكمًا إسلاميًا، وإنما يقبل النسخ للحكم الذي شرعه الله في الإسلام أو شرعه رسول الله ﷺ ، ثم شرع بعده في موضوعه حكمًا آخر يخالفه ويناقضه. لكنا نستطيع -مع هذا- أن نقول: إنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا (١). ا هـ. والجواب: أن فضيلته صرّح بأنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا، وكذلك فإن الحافظ ابن كثير استدل بحديث متفق عليه عن سالم بن عبد الله بن عمر أن زيدًا بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. وتبقى قصة العتبي التي ساقها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وقد وفّى الشيخ الفاضل سامي بن محمد السلامة هذه القصة حقها في تحقيقه لتفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وبرهن على بطلانها ناقلًا أقوال العلماء المعتبرين من المتقدمين والمعاصرين، ثم أضاف فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الفالح أن الحافظ ابن كثير لم يستحسن ذلك، ووضح معتقده الذي يأبى مثل تلك القصة (٢). وأضيف على ما ذكره أن هذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي. وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي … فذكرها (٣). وأما ما ذكر أنه يستطرد في إيراد سرد الأحاديث الشريفة الكثيرة، وأنه يستشهد ببعض الروايات الضعيفة، وأنه لا يعتني بالإعراب فقد أجبت عن ذلك في مبحث منهج الحافظ ابن كثير، في البيان النبوي واللغوي. _________ (١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية [٥]. (٢) حياة ابن كثير في كتابه "تفسير القرآن العظيم" (ص ٣١ - ٣٣). (٣) ينظر: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" (ص ٣٣٧، ٣٣٨).

стр. 37

المبحث الرابع وصف النسخ الخطية لقد أتحفني مدير عام دار ابن الجوزي الأستاذ الفاضل: سعد الصميل حفظه الله بعدة نسخ، ووصفها كما يلي: ١ - نسخة تشستربتي برقم (٣٤٣٠) وتبدأ من بداية التفسير إلى سورة البقرة آية [٢١٨] وعليها تعليقات بخط المؤلف، وقد كتبت في عهد المؤلف بخط الكاتب أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب بن عبد الله المقدسي (ت ٧٧٦ هـ) (١)، وتقع في (٢٢٤) ورقة. ٢ - نسخة ولي الدين جار الله، منها مجلدان: أحدهما برقم (٥) [٦٨] بخط الكاتب علي بن يعقوب بن عبد الله وانتهى من نسخها (١٣ رجب سنة ٧٩٩ هـ)، وتبدأ من تفسير سورة القصص إلى آخر سورة الحجرات، ومجلد آخر برقم (٤) [٦٦] كتب سنة (٨٣٧ هـ). ٣ - نسخة الحرم المكي العتيقة برقم (٩١) يوجد منها المجلد الثالث: يبدأ من بداية سورة الأعراف إلى نهاية تفسير سورة التوبة، كتب سنة (٧٨٠ هـ) ويقع في (٢٢٨) ورقة. ٤ - نسخة الحرم المكي العتيقة الأخرى يوجد منها أربع مجلدات: المجلد الرابع: يبدأ من أول تفسير سورة الأنعام، وينتهي بسورة الأنفال آية [٦٠]، ويقع في (٢٣٠) ورقة. المجلد الثامن: يبدأ من تفسير سورة سبأ وينتهي بتفسير سورة فصلت كتب سنة (٧٦٩ هـ) ويقع في (١٧٨) ورقة، وفي آخره تعليق ينصّ أن المجلد مقابل على نسخة المؤلف، وهي بخط الكاتب محمد بن بهاء الدين بن عبد الله الشجاعي. المجلد التاسع: يبدأ بتفسير سورة الشورى وينتهي بتفسير سورة الطلاق، ويقع في (٢٧٥) ورقة، وقد كتبه الكاتب محمد بن أحمد بن معمر المقري البغدادي سنة ٧٥٩ هـ، وهذا المجلد من أقدم النسخ المعاصرة للمؤلف. المجلد العاشر: ويبدأ بسورة التحريم وينتهي بنهاية التفسير، ويقع في (٢٣٨) ورقة. ٥ - نسخة آياصوفيا برقم (١٢٢) وتبدأ من أول التفسير إلى نهاية تفسير سورة آل عمران كتبت سنة (٨٠٦ هـ)، وتقع في (٤١٨) ورقة. ٦ - نسخة المحمودية (الأولى): وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٧) مجلدات: _________ (١) ينظر: "الدرر الكامنة" (١/ ٢٤٤).

стр. 38

المجلد الأول: برقم (٢٨٠) ويبدأ من أول القرآن إلى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [٤١] من سورة المائدة، ويقع في (٤٧٩) ورقة. المجلد الثاني: برقم (٢٨١) ويبدأ من تفسير أول القرآن إلى آل عمران، ويقع في (٣٥٩) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). المجلد الثالث: برقم (٢٨٢) وببدأ من تفسير أول القرآن إلى بعض سورة آل عمران، ويقع في (١٩٩) ورقة. المجلد الرابع: برقم (٢٨٣) ويبدأ من تفسير سورة آل عمران وينتهي إلى سورة الأعراف، ويقع في (١٧٢) ورقة. المجلد الخامس: برقم (٢٨٤) ويبدأ من تفسير سورة النساء إلى بعض سورة الأنعام، ويقع في (٢٣٧) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). المجلد السادس: برقم (٢٨٥) ويبدأ من تفسير سورة الأحزاب إلى آخر سورة الذاريات، ويقع في (٢٤٨) ورقة. ٧ - نسخة المحمودية الثانية وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، وتقع في (٤) مجلدات: المجلد الأول: برقم (١٩٢) ويبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة التوبة، ويقع في (٢٣٠) ورقة. المجلد الثاني: برقم (١٩٤) ويبدأ من سورة الأنفال إلى آخر سورة الشعراء، ويقع في (١٩٩) ورقة. المجلد الثالث: برقم (١٩٥) ويبدأ من أول سورة النمل إلى بعض الذاريات إلى جزء ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾، ويقع في (٢٨١) ورقة. المجلد الرابع: برقم (١٩٧) ويبدأ من آية [١٣٧] من سورة الأنعام إلى بداية الإسراء، ويقع في (٢٥٢) ورقة كتب في شهر ذي القعدة سنة (١٣٤٩ هـ). ٨ - نسخة الحميدية برقم (٤٣) تقع في مجلدين وهي كاملة كُتبت سنة (١١٦٤ هـ - ١٢ شعبان)، وتقع في (١٠٤٤) ورقة. ٩ - نسخة آياصوفيا الكاملة برقم (١٢٤) بخط الكاتب محمد الشاذلي بن الشيخ جاد الكريم الشافعي الأشعري بدأ بنسخه يوم الأحد ١٣ جمادي الثانية سنة (١٠٨٢ هـ). وانتهى من نسخه يوم الثلاثاء (١٠ جمادي الأولى سنة ١٠٨٤ هـ) كما في آخر المجلد الثاني، وقد ورد في المجلد الأول فيه تمليك: من كتب الفقير بحصر محمد عيسى بن الشيخ عفان عُفي عنهما من كتب أفقر الورى عثمان عُفي [عنهما] (١)، وختم فيه نص: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم توقيع لم أعرف قراءته لأنه مدمج. _________ (١) لعله سقط لفظ: عنه.

стр. 39

وهي نسخة خزائنية سلطانية موقوفة إذ ورد في آخر الكتاب ما نصه: قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم والخاقان المعظم مالك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان بن السلطان الغازي: محمود خان (١)، وقفًا صحيحًا شرعيًا لمن طالع وتلا وأكرمه الله تعالى بالرفق والحسنى. حرره الفقير أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. ا هـ (٢). وتحت هذا النص ختم لكاتب الوقف: أحمد شيخ زادة وهذا نصه: يارب ربو وتوفيق تمنا كند أحمد (٣). وتقع هذه النسخة في مجلدين: الأول: يقع في (٥٨٠) ورقة من بداية التفسير إلى آخر سورة النحل، والمجلد الثاني: يقع في (٥٤٥) ورقة من بداية تفسير سورة الإسراء إلى آخر تفسير القرآن. وتوجد بعض التصحيحات كما في ل (٢٢٠ أ) ول (١٢٠ ب) ول (٣٦٠ أ) ول (٢٢٨ أ) وغيرها إلا أنها قليلة. من أجل ذلك جعلت هذه النسخة هي الأصل، وخصوصًا أني لم أفلح بنسخة دار الكتب المصرية التي أعتبرها من أقوى النسخ حسب النسخ المذكورة. وكنت أتوقع أن أحصل على نسخ أخرى كنسخة دار الكتب المصرية ولكن بلغني عن طريق الأستاذ سعد الصميل أنه حاول أن يصورها ولكن فوجئ أن النسخة الخطية لا توجد في دار الكتب ومكانها فارغ!! وقد انتشرت النسخ الخطية للتفسير في أنحاء العالم وقد ورد ذكرها في فهارس المكتبات كما في الفهرس الشامل، وسأذكر منه غير النسخ المذكورة وأسوقها كما وردت في هذا الفهرس، وهي كما يلي: ١ - نسخة متحف طوبقبوسراي تقع في (٧) مجلدات: أحدها برقم (١/ ٥٤٥) [٢/ ٥٦ - ٢٠٣٥ a]، يقع في (٣١٢) ورقة كتب في عصر المؤلف سنة ٧٦٧ هـ. ومجلد آخر برقم (١/ ٤٥٦) [٤/ ٥٦ - ٢٠٣٧ a] ، ويقع في (٢٥٥) ورقة وكتب سنة (٨٩٦ هـ). ومجلد آخر برقم (١/ ٥٤٥٩) [٥٦١٣ - ٢٠٣٦ a]، ويقع في (٣٤٣) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري. _________ (١) هو السلطان الرابع والعشرين من الخلفاء العثمانيين واسم أبيه مصطفى الثاني واسم أُمه صالحة سلطان، ولد في الثالث من محرم (١١٠٨ هـ) واستلم الخلافة في (١٨ أو ١٩ ربيع الأول سنة ١١٤٣ هـ وتوفي في ٢٧ صفر سنة ١١٦٨ هـ). انظر: "سلاطين العثمانيين" باللغة التركية بالخط العربي وليس اللاتيني طبعة اسطنبول. (٢) أحمد شيخ زادة له ترجمة مختصرة في كتاب "سجل عثماني باللغة التركية" (١/ ١٧). (٣) وقد رأيت هذا الختم في مخطوطات كثيرة في المكتبة السليمانية ضمن كتب آيا صوفيا وقد سألت بعض القدماء من الموظفين المختصين عن هذا الختم فعرفوه فأخبروني بأن ختم أحمد شيخ زادة المفتش المشهور في أوقاف الحرمين الشريفين في اسطنبول.

стр. 40

ومجلد آخر برقم (١/ ٥٤٦) [k ٢٠٣٨٥٩١]، ويقع في (٣١٩) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري. وآخر برقم (١/ ٥٤٦) [٢٠٣٨ k ٥٩٢]، ويقع في (٥٦٣) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري. وآخر برقم (١/ ٥٦) [٢٠٣٤ a]، ويقع في (٣٥٢) ورقة كتب سنة (٨٦١ هـ). وآخر برقم (١/ ٥٤٦) [٥٩٣ - ٢٠٤٠ k]، ويقع في (٢٢٦) ورقة بدون تاريخ نسخ. ٢ - نسخة الأزهرية برقم (١/ ٢١٨) [(١٦٨) ٢٩٤٠] كتبت سنة (٨٢٥ هـ) وتقع في في (٧) أجزاء: الجزء الأول يقع في (٣١١) ورقة. الجزء الثاني يقع في (٣٣٠) ورقة. الجزء الثالث يقع في (٣٢٨) ورقة. الجزء الرابع يقع في (٣٢٢) ورقة. الجزء الخامس يقع في (٣٢٨) ورقة. الجزء السادس يقع في (٢٧٩) ورقة. الجزء السابع يقع في (٢٩٧) ورقة. ونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٨) [(١٢٣) ١٩٦٥] كتب سنة (٨٣٤ هـ) أو قبل ذلك، وتقع في (٣٤٤) ورقة من سورة الأنعام إلى سورة التوبة. ونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٨) [(٤١) ٦٥٩]، الجزء الأول يقع في (٣٤٥) ورقة. ونسخة أخرى برقم (١/ ٢١٩) [(١٧٣٠٩ الجوهري ٤١٧٧٤)] تقع في (١٩٨) ورقة من سورة الكهف إلى آخر سورة النور. ٣ - نسخة دار الكتب المصرية - القاهرة - برقم (١/ ٣٧) [١] تقع في سبعة أجزاء، وأخرى برقم (١/ ٣٧) [٢] تقع في أربعة أجزاء، وأخرى برقم (١/ ٣٧) [٨٥] تقع في جزء واحد برقم (٢). ٤ - نسخة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦٤٤] تقع في (٢٣٠) ورقة كتب في القرن التاسع الهجري. ومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٤] يقع في (٣٣٠) ورقة في سنة (١٢٠٠ هـ) من سورة (ص) إلى آخر القرآن. ومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٢] يقع في (٢٣٦) ورقة كتب من الآية [٢] من سورة النساء إلى آخر سورة الأعراف. ومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦١٣] يقع في (٢٠٥) ورقة من سورة الفاتحة إلى آخر سورة آل عمران. ومجلد آخر برقم (٢/ ٧٢ - ٧٥) [٣٦٤٣] يقع في (١٢٠) ورقة من أول سورة الطلاق إلى سورة البروج.
следующие страницы →