← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ: فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالع العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

стр. 2

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ. وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ. نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْريَّةِ ٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ * * *

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قَالَ اللَّهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * * * الحمدُ للَّه ربِّ العَالمَينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحَسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بَعد: البَسمَلة تَقدَّم الكلام عليها من حيثُ المَعنى، ومن حيثُ الإعراب، وقُلْنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومَجرور مُتعلِّق بمَحذوف، وأنه يَنبَغي أن يُقدَّر ذلك المَحذوف فِعْلًا خاصًّا مُتأخِّرًا. مثال ذلك: عندما تُريد أن تَقرَأ تَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. يَكون التقديرُ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَقرَأُ، وهو أَحسَنُ من أن تَقول: التَّقديرُ: ابتدائي بسمِ اللَّه الرحمن الرحيم، أو التقديرُ: ابتدِئْ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لأننا إذا قدَّرْناه فِعْلًا خاصًّا كان أدلَّ على المَقصود؛ فإن كلِمة (ابتِداء) عامَّة في كل ما يُبتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنت الفِعْل وقلتَ: بسم اللَّهِ أَقرَأُ، كان أدَلَّ على المَقصود. فنُقدِّره فِعْلًا؛ لأنَّ الأصل في الأعمال هي الأفعال؛ ولهذا تَعمَل بدون شَرْط، وأمَّا ما يَعمَل من الأسماء فإنه لا يَعمَل إلَّا بشروط، كاسْمِ الفاعِل، واسم المَفعول، والمَصدَر، وما أَشبَه ذلك. ونَجعَله مُتأخِّرًا لسبَبين:

стр. 4

السبَب الأوَّل: التَّبرُّك بالبَداءة بسم اللَّه. والسبَب الثاني: الدَّلالة على الحَصْر، لأن تَأخير العامِل يَدُلُّ على الحَصْر، أو بعِبارة أعمَّ: لأن تَأخير ما حَقُّه التقديمُ يَدُلُّ على الحَصْر. إذن: نَقول في البَسْملة: كلَّما جاءت مُتعلِّقة بمحذوف، ويُقدَّر هذا المَحذوفُ فِعْلًا خاصًّا مُتأخِّرًا، أمَّا عندما تُريد أن تَتَوضَّأ، فتُقدِّر: بسم اللَّه أَتَوضَّأ، وعندما يُريد الإنسان أن يَذبَح ذبيحة، يَقول: التقدير: باسْمِ اللَّه أَذبَحُ، وعلى هذا فقِسْ. يَقول المفسر (١): [بسم اللَّه الرحمن الرحيم] وهنا (اسْمِ) مُضاف للَفْظ (اللَّهِ) وهو مُفرَد فيُفيد العموم، ولهذا قَدَّره الشُّرَّاح بأن المَعنى: بكلِّ اسم من أسماء اللَّه تعالى. والاسم مَأخوذ من السُّمُوِّ وهو الارْتِفاع، وقيل: من السِّمة وهي العَلَامة، ولو قيل بأنه مَأخوذ من هذا وهذا لم يَكُن بعيدًا؛ لأنه يُظهِر المُسمَّى فيَكون فيه مَعنَى الارتفاع، ولأنه يُميِّزه فيَكون فيه مَعنَى العلامة. (اللَّه) علَمٌ على ذات اللَّه ، وهو أصل الأَعلام، وأسماء اللَّه تعالى -كما نَعرِف- أعلام وأَوْصاف، لكن أصلها كلِمة (اللَّه)، ولهذا تَأتي الأسماء دائِمًا تبَعًا لها، فهي الأصل، وربما تَأتي لفظ الجلالة تابِعةً لغيرها من الأسماء، مثل ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، فهنا تَأتي (اللَّه) تابِعةً لما قبلها. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مُشتَقَّان من الرحمة، لكن الأوَّل منهما يَدُلُّ على الرحمة باعتِبارها وصفًا للَّه ، والثاني يَدُلُّ على الرحمة باعتِبارها فِعْلًا له، فهو

стр. 5

رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعِل للرحمة، يَعنِي: أنه مع كونه رحيمًا فإنه يَرحَم، وهذا الذي قرَّرْته هو ما قرَّره ابنُ القيِّم ﵀ في الفَرْق بين الرحمن وبين الرحيم (١). وإن كان بعضُ العُلَماء ﵏ يُفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامَّة، والرحيم ذو الرحمة الخاصَّة، وَيقول: إنه يَدُلُّ على ذلك قوله : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، لكن المعنى الذي أَشار إليه ابنُ القَيِّم ﵀ أَبلَغُ وأَحسَنُ؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وَزْن (فَعْلان)، وهذا الوزنُ يَدُلُّ غالِبًا على السَّعة والامتِلاء، فهو واسِع الرحمة، وهو يَرحَم مَن يَشاء، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾. والبسملة آية من كِتاب اللَّه ، تَأتي في مُبتَدَأ كلِّ سورة، إلَّا في سورة (براءَة)، فإنه ليس فيها بَسْملة، وذَكَر أهل العِلْم ﵏ أن سبب سُقوط البَسمَلة في (براءة) أن الصحابة ﵃ أَشْكَلَ عليهم: هل هي من سورة الأَنفال أو هي سُورة مُستَقِلَّة؟ فجعَلوا بينهما فاصِلًا، ولم يَكتُبوا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (٢). وهذا واضِح. لكن أَوْضَحُ منه أنه لو كانت البَسمَلة قد نزَلَتْ بين سورة الأنفال و (براءة) لم يُمكِن أن تَسقُط؛ لأن اللَّه تعالى يَقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، لكن لمَّا أَشْكَل على الصحابة هل (براءة) مُستَقِلَّة، أو من سورة الأَنفال وضَعوا الفاصِل فقط.

стр. 6

الآية (١) * قالَ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. * * * قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ النِّداء هنا للنبيِّ ﷺ بوَصْفه نبيًّا، وقد يُناديه اللَّه بوَصْفه رسولًا، فيُخاطِبه اللَّه بوَصْفه رسولًا في مَقام الرِّسالة، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. و(النبيُّ) مُشتَقٌّ، وأصلها: (النَّبيءُ)، وقيل: أَصلها (النَّبيو) بالواو، فعلى القول الأوَّل يَكون مُشتَقًّا من النَّبَأ، وأُبدِلت الهمزةُ بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يَكون مُشتَقًّا من النَّبْوَة، وهي الارتفاع، ولا شَكَّ أن مَقام النُّبوَّة مَقام رفيع، وأن النبيَّ مخُبِر ومخُبَر أيضًا، فهو فَعيل بمَعنى فاعِل وبمَعنى مَفعول. يَقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، والمُراد به: نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ . يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دُمْ على تَقواهُ]، صَرَفَها المُفَسِّر ﵀ عن ظاهِر لَفْظها؛ لأنَّك إذا أَمَرْتَ أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلبِّس به، فإذا قلت: يا فُلانُ قُمْ. فهل هو قائِم؟ لا، هذا هو الأصل، فالأصل أن الأَمْر إنشاءُ ما لم يَكُن، فإذا قُلتَ: يا فُلانُ قُمْ. أو يا فُلانُ اقْعُدْ؛ فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس مُتَّصِفًا بهذا الوَصْفِ.

стр. 7

فالنبيُّ ﵊ قال اللَّه له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فلو أَخَذْنا بظاهِر العِبارة لكان النبيُّ ﷺ حين تَوجيه الخِطاب إليه لم يَكُن مُتَّقيًا، وهذا أمر لا يُمكِن؛ لذلك يَكون مَعنَى ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دُمْ على تَقواه؛ ومن هنا نَأخُذ أن الأمر بالشيء قد يَكون أمرًا بتَجديده، وقد يَكون أمرًا بالاستِمْرار عليه، وقد يَكون أمرًا بالتَّفصيل لهذا المَأْمورِ به. فمثَلًا: إذا قلت: يا أيُّها المُؤمِنُ آمِنْ. فالمَعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه، وفي قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، الأمر هُنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي: داوِموا عليه، لكن فيه تَفصيل، يَعني: ﴿آمَنُوا﴾ مجُمَل، ثُم قال: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ فصار إِذَنْ تَوْجيه الأَمْر في الأصل إلى مَن لم يَكُن مُتَلَبِّسا به، هذا هو الأصل، وقد يُوجَّه إليه لطلب الاستِمْرار، وقد يُوجَّه إليه لبَيان التَّفصيل، كما في قوله : ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ تَأْتي التَّقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما مَعنَى التَّقوى؟ ومن أين هي مُشتَقَّة؟ نَقول: هي مُشتَقَّة من الوِقاية، ولهذا يَقولون: إن أصل التاء فيها واوٌ، فـ (تَقوَى) بمَعنى: (وَقْوَى)، هذا أَصلُها، وإذا كانت بمَعنى الوِقاية فإن التَّقوى هي أن يَتَّخِذ الإنسان وِقاية من عذاب اللَّه ، ولا وِقايةَ من عذاب اللَّه تعالى إلَّا بفِعْل أَوامِره واجتِناب نَواهيه، وعلى هذا فنَقول: إن المُراد بالتَّقوى فِعْلُ أَوامِر اللَّه ، واجتِناب نَواهِيه.

стр. 8

ومن المَعلوم أننا إذا قُلْنا: فِعْل أَوامِر اللَّه تعالى، (أَوامِر) مُضاف إلى اللَّه تعالى: أن الإنسان سيَنوِي بهذا الفِعْلِ امتِثال أَمْر اللَّه تعالى، وكذلك إذا قُلنا: اجتِنابُ نَهي اللَّه تعالى، فإن الإنسان سيَجتَنِبه؛ لأن اللَّه تعالى نهَى عنه؛ لأن مجُرَّد الفِعْل بدون نِيَّة ليس بتَقوَى، ومُجرَّد التَّرْك بدون نِيَّة ليس بتَقوَى، لكن لمَّا كان الفِعْل والتَّرْك مُضافًا إلى اللَّه تعالى صار لا بُدَّ فيه من نِيَّة. قوله ﵀: [﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يُخالِف شَريعتك]، عَطْف قولِه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ على ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ؛ لأن تَرْك طاعة هؤلاء من تَقوَى اللَّه ، فيَكون عَطْفه على التَّقوى من باب عَطْف الخاصِّ على العامِّ، وهذا كثير في القُرآن والسُّنَّة وكلام العرَب. قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الكافِر هو الذي صرَّح بكُفْره وأَعلَنَه، وأمَّا المُنافِق فهو الذي أَخفَى كُفْره، وأَظهَر أنه مُؤمِن، فمن أين اشتُقَّ الكُفْر أو الكافِر؟ يَقولون: إن الكُفْر في الأصل: السَّتْر، ومنه: (الكُفُرَّة) وهو غِلاف الطَّلْع؛ لأنه يَستُرُه، هذا في الأصل، وسُمِّيَ الذي لا يُؤمِن باللَّه تعالى كافِرًا؛ لأنه سَتَر نِعْمة اللَّه ، وجَحَد شَريعته، فصار بذلك ساتِرًا للحَقِّ، وساتِرًا للنِّعْمة التي أَنعَمَ اللَّه تعالى بها عليه. وأمَّا النِّفاق فإنه مَأخوذ من نافِقاء اليَرْبوع، واليَرْبوع: الدُّويْبة المَعروفة، تَتَّخِذ بيتًا في الأرض وتَحفُر الجُحْر، وتَجعَل له بابًا، وتَجعَل في آخِرِه بابًا مُغلَقًا بشيء من التُّراب، بمَعنَى: أنها تَحفُر فإذا وصَلَتْ إلى مُنتَهى الجُحْر حَفَرَت، إلى أن يَبقَى عليها شيء قليل من طبَقة الأرض، بحيث إذا دفَعه برَأْسه انفَتَح، هذه هي النافِقاء، ويَصنَع ذلك لأَجْل ما إذا فُجِئ من باب الجُحْر خرَج من هذا، فهكذا المُنافِق، إذا خُوطِب

стр. 9

بالإيمان قال: إنه مُؤمِن. فتَخلَّص، كما أنه إذا أَتَى إلى قومه يَقول: إنه كافِر. فيَتخَلَّص من مَلامة هؤلاءِ ومَلامة هَؤلاءِ. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ معلوم أن الرسول ﷺ لا يُمكِن أن يُطيع الكافِر، لكن الذي قد يُمكِن أن يُطيع المُنافِق، لأنَّ المُنافِق لا يُحَسُّ بنِفاقه وكُفْره، ولا يُعلَم عنه، فقد يَغتَرُّ به الإنسان؛ فلهذا قدَّم اللَّه تعالى الكافِرين هنا على المُنافِقين، مع أنه في باب الوعيد يُقدِّم المُنافِقين على الكافِرين، قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال : ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [فيما يُخالِف شَريعتَكَ]، هذا القَيدُ يَقتَضي تَخصيص النَّهي مع أن النَّهيَ مُطلَق ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فما الذي حمَل المُفَسِّر على أن يُقيّده بما يُخالِف الشريعة؟ حمَلَه على ذلك: ١ - أنه لو فُرِض أن الكافِر أو المُنافِق أَمَر بما يُوافِق الشريعة، لكان لِزامًا علينا أن نُطيعه؛ لا لأنه أَمَر، ولكن لأن هذا مُقتَضى الشريعة، هذا وجهٌ. ٢ - ووجهٌ آخَرُ، هو أن يُقال: إن تَقييد المُفَسِّر ﵀ ذلك بيانٌ للواقِع؛ لأن الكافِر والمُنافِق -لِعَداوتهما لشريعة النبيِّ ﷺ لا يُمكِن أن يَأمُرَا إلَّا بما يُخالِف الشريعة، فيَكون هذا القَيْدُ بَيانًا للواقِع، والقيدُ الذي يَكون بيانًا للواقِع لا يُقيِّد، لأنه لا يُراد. وفي ذلك أَمثِلة، منها: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ

стр. 10

وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قَيْد مُبيِّن للواقِع، وليس المَعنى أن هناك رَبًّا لم يَخلُق وربًّا خلَق؛ والأمثِلة في هذا كثير. فهنا يُمكِن أن نَحمِل كلام المُفَسِّر ﵀ في قوله: [فيما يُخالِف شريعتَكَ] على أنه بَيان للواقِع، وهو أن الكافِر والمُنافِق لا يُمكِن أن يَأمُر إلَّا بما يُخَالِف الشَّريعة؛ لأن الكافِر كافِر بها، والمُنافِق أيضًا كافِر بها، لكنه يُظهِر الإيمان. ثُمَّ قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يَكون قَبْلَ كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يَخلُقه]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، هذه الجُمْلةُ مَوضِعها ممَّا قَبْلها في المَعنى تَعليلية، ووجهُ كَونِها تَعليلًا لما قَبْلها أن اللَّه تعالى لمَّا أَمَر نبيَّه ﷺ بالتَّقوى ونهاهُ عن طاعة الكافِرين؛ بيَّن أن هذا الأَمْرَ والنهيَ صادِر عن عِلْم وحِكْمة، وأنه أَعلَم بما يَكيده هؤلاءِ الأعداءُ من الكُفَّار والمُنافِقين، فلا تُطِعْهم؛ فليسوا أهلَ نُصْح لكَ أبدًا. وقوله ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بما يَكون قبل كَوْنه]، وهذا التَّقييدُ غير صحيح؛ لأنه تعالى عليم بما يَكون قبل كَوْنه، وبعد كَوْنه: حالَ كَوْنه مَوجودًا، وبعدَ كَوْنه: حالَ كَوْنه مَعدومًا، فعِلْم اللَّه تعالى يَتعَلَّق بالأشياء في أَحوالها الثلاثِ؛ قبل الوُجود، وحين الوُجود، وبعد العَدَم. أمَّا عِلْم المَخلوق فلا يَتعلَّق بالأشياء في هذه الأَحوالِ كُلِّها: قبلَ الوُجود مَعلوم أنه لا يَعلَمها. وحين الوُجود: لنَفرِضْ أنه يَعلَمها. وبعد العَدَم: قد يَنْساها.

стр. 11

فعِلْم المَخلوق مَحفوف بنَقْصين: جَهْل سابِق، ونِسْيان لاحِق. أمَّا اللَّه فإن عِلْمه كامِل، جُملةً وتَفصيلًا، في جميع الأحوال، قبل الوُجود، وحين الوُجود، وبعدَ العدَم، ولهذا قال مُوسى ﵊: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، فنَفَى عنه الضَّلال الذي هو الجَهْل، والنِّسْيان الذي هو: الذّهول عن الشيءِ بعد عِلْمه. قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إِذَنْ نَقول: عَليمًا بما يَكون قبلَ كَوْنه، وبما يَكون حين كونه، وبما يَكون بعد عدَمه في كل الأحوال. ﴿حَكِيمًا﴾ تَقدَّمَت كثيرًا، وبيَّنَّا أنه مُشتَقُّ من الحِكْمة والحُكْم، وأن حُكْم اللَّه كَوْنيٌّ وشَرْعيٌّ، وأن الحِكْمة نَوعان أيضًا: غائِيَّة وصُورّيَة، والصُّوريَّة ليس المعنى أنها بالصُّورة فقط، لكن كون الشيء على هذه الصورةِ حِكْمة، والغاية منه حِكْمة أُخرى، فإذا كان كذلك فتكون الأقسامُ أَربَعةً: ١ - حُكْم مُشتَمِل على الحِكْمة في صورته وغايَته. ٢ - حُكْم شَرْعيٌّ مُشتَمِل على الحِكْمة في صورته وفي غايَته. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وهنا إِشْكال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾؛ لأن المعروف أن الشيءَ الماضِيَ قد مضَى، ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾، فهل يُفيد أنه الآنَ ليس بعَليم؟ لا؛ لأن (كان) قد تَكون مَسلوبة الزمان، ويُقصَد بها اتِّصاف اسمِها بخبَرها، وتَحقُّق ذلك الاتِّصافِ بدون أن يُلاحَظ الزمَن فيها، وهي كلَّما جاءَت بالنِّسبة إلى اللَّه تعالى وأسمائه وصِفاته، فإنها على هذا البابِ: أنها تُفيد تَحقُّق اتِّصاف المَوْصوف -الذي هو اسمُها- بصِفَته -وهو خَبَرُها-، بقَطْع النَّظَر

стр. 12

عن الزمان، فعليه نَقول: إن الفِعْل هنا مَسلوب الزمان، يَعني: لم يَزَلْ ولا يَزال عَليمًا حكيمًا. وهلِ العِلْم والحِكْمة من الصِّفات الذاتية أو الفِعْلية؟ الجوابُ: من الصِّفات الذاتية؛ لأن اللَّه لم يَزَل ولا يَزال عَليمًا، ولم يَزَل ولا يَزال حَكيمًا. واللَّه تعالى أَعلَمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه ناداه بوَصْف النُّبوَّة مع الأنبياء الذين سِواهُ، يُنادِيهم اللَّه بأسمائهم: ﴿يَامُوسَى﴾ [المائدة: ٢٢] ﴿يَاعِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦]، وما أَشبَهَ ذلك، أمَّا النبيُّ ﷺ ما ناداه إلَّا بوَصْف النُّبوَّة أو الرِّسالة. فإن قلت: أليْس اللَّه قد قال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]؟ فالجوابُ: أن هذا ليس مقامَ نداء خطاب لكنه مقام خبر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وجوبُ التَّقوى على الأُمَّة، فإذا كان الرسول ﵊ يُؤمَر بالتَّقوى فغيرُه من بابِ أَوْلى هذا وجهٌ. وجهٌ آخَرُ: أن الخِطاب المُوجَّه للرسول ﷺ ومُوجَّه له ولأُمَّته ما لم يَقُم دليل على تَخصيصه. وبهذه المُناسَبة فالخِطابات المُوجَّهة للرسول ﵊: إمَّا أن يَقوم دليل على العُموم، بأن يَكون في نفس الخِطاب ما يَدُلُّ على العُموم، أو فيه ما يَدُلُّ على الخُصوص، أو فيه ما لا يَدُلُّ على هذا ولا على هذا. فالذي فيه ما يَدُلُّ على العُموم للعُموم مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ

стр. 13

النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. والَّذي فيه ما يَدُلُّ على الخُصوص مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]. والذي فيه ما لا يَدُلُّ على هذا ولا هذا، مثل هذه الآيةِ، ولكنَّ حُكمَها عامٌّ للنبيِّ ﷺ ولأُمَّتِه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن النبيَّ ﷺ عبدٌ مأمورٌ مُكلَّفٌ، لأَمْره بالتَّقوى، وعدَم إطاعة الكافِرين والمُنافِقين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإنسان مَهما بلَغ من المَرتَبة، فإن التَكاليف لا تَسقُط عنه؛ وعلى هذا فيَتَفرَّع من هذه القاعِدةِ: بيانُ ضَلال أُولئكَ الصوفيةِ الذين يَقولون: إن الإنسان إذا وصَل إلى درجة المُعايَنة سقَطَت عنه التكاليفُ! . قُلنا: لا؛ لأنه لا أحَدَ يَبلُغ مَرتَبة النبيِّ ﵊ عند اللَّه ، ومع ذلك لم تَسقُط عنه التَّكاليفُ. فإن قالوا: إن اللَّه تعالى يَقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، يَعنِي: حتى تَصِل إلى درجة اليَقين، ثُم تمَتَنِع عن العِبادة؟ فالجَوابُ: أن المُراد باليَقين هنا هو الموت، قولهم -أي: أصحاب الجحيم- كما قال تعالى عنهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٧]؛ أَتاهم اليَقينُ، يَعنِي: أنَّهم وصَلوا إلى درجة اليَقين؟ أبدًا، إذ ماتوا على التكذيب ولم يَصِلوا إلى درجة اليَقين، وإذا كان هؤلاء يَقولون: إننا وصَلْنا إلى درجة يَقين يَكونون به من أصحاب الجَحيم، فنحن نُوافِقهم على ذلك.

стр. 14

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريمُ طاعة الكافِرين والمُنافِقين والرُّكونِ إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الكافِر والمُنافِق لا يُمكِن أن يَكون ناصِحًا للمُؤمِنين أبَدًا، ولو كان يُمكِن أن يَكون فيه نُصِح ما نَهَى تعالى عن طاعتهم مُطلَقًا، لأن الناصِح يُطاع. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى، وهُما: العليم والحكيم. وهل عِلْم اللَّه يَشمَل الحاضِر والمُستَقبَل والماضي؟ وهل هو مُتعَلِّق بالواجِب أو بالمُستَحيل أو بالمُمكِن أو بالجميع؟ الجوابُ: إذا لم يُمكِن أن يَكون في السَّموات أو في الأرض آلهِة غير اللَّه تعالى، وكذلك ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فإن هذا من المُستَحيل. ومِثال تَعلُّق عِلْم اللَّه بالواجِبِ كثير جِدًّا، فكُلُّ ما أَخبَر اللَّه تعالى به عن نفسه فهو من العِلْم الواجِب؛ لأن اللَّه تعالى يَجِب له صِفات الكمال، فإذا أَخبَر عن نَفْسه بهذه الصِّفاتِ صار مُتعَلِّقًا بالواجِب. أمَّا المُمكِن فمنه قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]؛ لأن حَمْل الأنثى وغيض الأَرحام وزيادة الأرحام مُمكِن. إِذَنْ: فصار عِلْم اللَّه شامِلًا لكل شيء جُملةً وتَفصيلًا، حاضِرًا ومُستَقبَلًا وماضِيًا واجِبًا ومُمكِنًا وجائِزًا؛ ولهذا يَقول السَّفارينيُّ في عَقيدته:

стр. 15

وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ... بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلي مُطْلَقَا (١) فائِدة: الواجِب عندهم ضِدُّ المُستَحيل والمُمكِن، لأنهم يَقولون على الأشياء ثلاثة أُمور: إمَّا واجِبة -يَعني: لا بد من وُجودها، وليس الواجِب الذي يُثاب فاعِله ويَستَحِقُّ العِقابَ تارِكُه-، بل الواجِب الذي لا بُدَّ منه، والمُستَحيل الذي لا يُمكِن، والمُمكِن الذي هو جائِز الوقوع وعدَمه. * * *

стр. 16

الآية (٢) * قالَ اللَّه : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢]. * * * قوله تعالى: "بِمَا يَعْمَلُونَ" حسب النُّسخة التي عِندي. ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ نَقول في: ﴿اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ﴾ كما قُلنا في ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، يَعنِي: استَمِرَّ على اتِّباعه، واتِّباع ما يُوحَى إلى النبيِّ ﷺ بالنِّسبة للرسول ﷺ يَشمَل: اتِّباعَه بالتَّبليغ، واتِّباعه بالدَّعوة، واتِّباعه بالعمَل؛ لأن النبيَّ ﵊ مأمور بالأمور الثلاث؛ مَأْمور بتَبليغه، وبالدَّعوة إليه، وبالعمَل به. وقوله تعالى: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ الوحيُ في الأصل: الإعلام بسُرعة وخَفاء، والمُراد به هنا: إبلاع النبيِّ ﷺ ما شرَعه اللَّه ؛ سواء كان بواسِطة أو بغير واسِطة. ومعلوم أن إبلاغ اللَّه لنَبيِّه ﷺ الوحيَ لا يَكون ظاهِرًا للناس؛ لأن رسول اللَّه ﷺ ما يُعرَف أنه يُوحَى إليه إلَّا بما يَظهَر من علامات الوَحي، لكن لا نَدرِي كيف يُوحَى إليه لولا أنه أَخبَرنا بذلك. وقوله تعالى: ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسم موصول من صِيَغ العُموم، تَشمَل كلَّ ما يُوحَى إلى النبيِّ ﷺ .

стр. 17

وقوله : "إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا" يُفيد أن هَؤلاءِ الكافِرين والمُنافِقين كانوا يُحاوِلون من النبيِّ ﵊ أن يُخالِف شريعته، ولكن الرسول ﵊ قد لا يَعلَم بذلك؛ ولهذا قال: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا" أي: هَؤلاء الكُفَّار والمُنافِقون ﴿خَبِيرًا﴾. وقوله : ﴿خَبِيرًا﴾ والخَبير مُشتَقٌّ من الخِبرة، وهي: العِلْم ببَواطِن الأمور؛ ولهذا سُمِّيَ صاحِب الحرْث والزَّرْع خَبيرًا، وسُمِّيت المُزارعة مخُابَرة؛ لأن الحَبَّ يُدفَن في الأرض فيَكون باطِنًا غير ظاهِر، فالخَبير هو العَليم ببواطِن الأمور؛ إِذَنِ: الخبير أخَصُّ من العليم، لأن العليم يَشمَل العالِم بظواهِر الأمور وبواطِنها، لكن الخَبير أخصُّ، هو العالِم ببواطِن الأُمور، والعالِم بالبواطِن عالِم بالظواهِر من بابِ أَوْلى. يَقول المُفَسِّر ﵀: [وفي قِراءَة بالفَوقانية]، فيُقال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ مهو، وقوله: "في قِراءَة"، في اصطِلاح المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: "في قِراءة" فهي سَبْعية، وإذا قال: قُرِئ، فهي شاذَّة. وعلى هذا ففي الآية قِراءَتان سبْعيتان، تَجوز القِراءة بكُلٍّ مِنهما، وعندما نَقول: تَجوز. فليس مَعناه أن القِراءة بهذا وبهذا على حدٍّ سَواءٍ، لكنِ المعنى أن القِراءةَ بهما غيرُ مَمنوعة؛ لأن الأفضل أن تَقرَأ بهذه تارةً وبهذه تارةً، فإن اختِلاف القِراءات كاختِلاف العِبادات، وقد ذكَرْنا أن الأفضلَ في العِبادات الوارِدة على وجوهٍ مُتنوِّعةٍ: أن تَأتيَ بهذه مرةً وبهذه مرةً، لأجل أن تَكون قد عمِلت بالسُّنَّة في جميع وجوهها، كذلك في القِراءات الأفضل أن تَأتيَ بهذه مرَّةً وبهذهِ أُخرى بشَرْط أن تَكون عالِمًا بالقِراءة.

стр. 18

ولكن هذا القولَ الذي نَقوله إنما هو في قِراءة الإنسان الخاصَّة، أمَّا قِراءته على العامَّة، فإنه لا يَنبَغي أن يَخرُج عن القِراءة المَوْجودة بين أيديهم، لأن العامِّيَّ لا يُدرِك هذه القِراءاتِ أو لا يُدرِك اختِلاف هذه القِراءاتِ، فإذا قرَأْت القُرآن بغير ما بين يديه، فإنه سيُنْكِر عليك ولكن هذا الإنكارَ ربُّما تُجيب عنه، لكن سيَقَع في نَفْسه شيء من الشَّكِّ، يَقول: إِذَنِ القُرآن ما ضُبِط ما دام أَحَدهم يَقرَأ بهذا وأَحَدهم يَقرَأ بهذا؛ فيَقَع في قَلْبه شيء من الشَّكِّ، ولهذا يَنبَغي لنا أن نُحدِّث الناس بما تُدرِكه عُقولهم، كما في حديث عَليٍّ ﵁: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" (١). فالحاصِل: أن الإنسان -طالِب العِلْم الذي يَعرِف القِراءات- يَنبَغي له أن يَقرَأ أحيانًا بهذه وأحيانًا بهذه، ولكن هل يَجمَع بين القِراءَتَيْن؛ يَعنِي مثلًا هنا أَقول: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا"، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؟ الجوابُ: لا، الأفضَلُ يَأتي بهذا مرَّةً وبهذا مرَّةً؛ لأنك إذا جمَعْت بين القِراءَتَيْن فقد خالَفْت، إذ إن مَن قرَأَها بالتاء لا يَقرَؤُها بالياء، فكيف يَجمَع بينهما؟ ! ولكن بعض أهل العِلْم ﵀ يَقول: لا بأسَ أن تَجمَع بين القِراءَتَيْن، سواء كانت مُنفَصِلةً أو غير مُنفَصِلة، بمعنى أنه يَجوز أن تَقرَأ في القِراءَتَيْن في الآية الواحِدة، أن تَقرَأ بالقِراءَتَيْن في الآية الواحِدة، ويَجوز أن تَقرَأ في آية بقِراءة قارِئ وفي آية أُخرى بقِراءة قارِئٍ آخَرَ؛ وأمَّا الثانية وهي أن تَقرَأ في آية بقِراءة قارِئٍ وفي آية أُخرى بقِراءة قارِئٍ آخَرَ فهي جائزة.

стр. 19

أمَّا الجَمْع بين القِراءَتَيْن في آية واحدة وفي تِلاوة واحِدة فإن في جوازها نظَرًا؛ فمَثَلًا: تَقرَأ: "إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا" على قِراءة أحَدِ القُرَّاء، ثُمَّ تَأتي مثَلًا بقِراءة ثانية تُخالِفه في آية أُخرى فتَقرَأ بها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وجوبُ اتِّباع ما أُنْزِل على النَّبيِّ ﷺ ، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. فإن قلت: هل هذا على العُموم؛ أي: أنه يَجِب اتِّباع ما أُنْزِل على الرسول ﷺ ؛ فيَجِب إِذَنْ أن نَرفَع الأَيدِيَ في الصلاة، ويَجِب أن نُسبِّح أكثرَ من مرَّة؟ فالجَوابُ: أن نَقول: هذا يُستَثنى منه ما قام الدليلُ على أنَّه ليس بواجِب، لكن ما صحَّ عن الرسولِ ﵊ ولو كان غيرَ واجِب يَجِب اعتِقاد مَشروعيته، حتَّى وإن كان غيرَ واجِب الفِعْل؛ فعِندنا اعتِقاد المَشروعية وتَنفيذ هذا المَشروع على حسب ما جاء في الأَدِلَّة إمَّا واجِب وإمَّا مُستَحَبٌّ. وأمَّا اعتِقاد المَشروعية فيما صحَّ فهو واجِب؛ فمثَلًا: يجب عليَّ أن أَعتَقِد مَشروعية مجُافاة العَضُدين عن الجَنْبين في السُّجود، وأن نَعتَقِد مَشروعية الالتِفات في الصلاة عند السلام، لكن فِعْل ذلك يَتوَقَّف على الأدِلَّة التَّفصيلية، إن دلَّت الأدِلَّة على وجوبه فهو واجِب، وإن دلَّتْ على أنَّه مُستَحَبٌّ فهو مُستَحَبٌّ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ثُبوت رسالة النَّبيِّ ﷺ ونُبوَّته؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن للَّه تعالى رُبوبيةً خاصَّةً بالنِّسبة إلى الرسول ﵊؛

стр. 20

لقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد تَقدَّم كثيرًا بأن الرُّبوبية نَوعانِ والعُبودية نوعان: رُبوبية عامَّة ورُبوبية خاصَّة. فمِثال الرُّبوبية العامة: قوله : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الصافات: ٥]. ومثال الرُّبوبية الخاصَّة هذه الآية: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. وقد اجتَمَع النوعان في قوله : ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]. وكذلك العُبودية نَوْعان: عامَّة وخاصَّة. فالعامة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]. والخاصَّة مثل قوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، والمُراد الرسول ﵊. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ عِلمَ اللَّه تعالى شامِلٌ للأُمور الباطِنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحذير الإنسان من المُخالَفة؛ لأن هذا يُوجِب أنَّنا لا نُخَالف اللَّه تعالى ما دُمْنا نَعلَم أنه خَبير بما نَعمَل، فإنه لا يُمكِن أن نُخالِف اللَّه ، مِثْل ما لو قُلْت: اذهَبْ وأنا أَعلَمُ ما تَفعَل. فالمُراد: التهديدُ والتحذيرُ من المُخالَفة، فكلُّ نَصٍّ يُبيِّن اللَّه تعالى فيه أنه يَعلَم ما نَعمَل فهو تَحذير لنا من مخُالَفته. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وجوبُ تَقديم الوحي على الرأي في قوله : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ فإن هذا الخِطابَ مُوجَّهٌ إلى رسول اللَّه ﷺ وإلى أمَّتِه بالأَوْلى،

стр. 21

فيُفيدُ وجوبَ تَقديم الوحي على الرأي. وتقديمُ الرأي على الوَحي لَهُ أقسام: منها ما يَصِل إلى الكُفْر، ومنها ما هو دون ذلك، فالذين يُقدِّمون الرأيَ على الوَحْي مع عِلْمهم بالوَحي مُعتَقِدين أن غير الوحي مُساوٍ له أو أَكمَلُ منه، أو أنَّه يَجوز الحُكْم بالرَّأْي المُخالِف للوَحي مع العِلْم به، هؤلاء يُعتَبرون كُفَّارًا. وفي هذه الأحوالِ الثلاثةِ إذا اعتَقَدوا أن الرأيَ أَكمَلُ وأَنفَعُ من الوَحي، أو أنَّه مساوٍ له، أو أنه يَجوز تَقديمُه على الوحي مع العِلْم به، فهؤُلاء كُفَّارٌ، لأنهم حكَموا بغير ما أَنزَل اللَّه ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وأمَّا مَن قدَّموه بتأويلٍ ظنًّا منهم أن ذلك لا يُخَالِف الوَحيَ، أو أنه طريق يُوصِّلهم إلى الوَحي، فهؤلاء لا يَصِلون إلى درَجة الكُفْر، وذلك مثل كثير من المُتعَصِّبين للمَذاهِب، فإنهم لا يَرَوْن أن هذه المذاهِبَ خارِجةٌ عن الوحي، وإنَّما يَرَوْن أن ذلك طريق إلى العمَل بالوحي، فيَقُولون: هذا إمامُنا أعلَمُ مِنَّا وأفْهَمُ، فنَتَّبعه ونَتَّهِم رأيَنَا بالنسبة إلى رَأْيه، وإلَّا فنحن مُتمسِّكون بشريعة اللَّه ، محُكِّمين لكتاب اللَّه تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ . ونَقول: إنه إذا تَبيَّن لهم الحَقُّ وجَب عليهم اتِّباعُه ولو خالَف مَتبوعهم من الأئِمَّة؛ وذلك لأن الحقَّ لا يُخطِئُ والأئِمَّة يُخِطِئون، ولا يُمكِن أن يُدَّعَى العِصمةُ لأحَدٍ من البشَر إلَّا رسول اللَّه ﷺ ، لا يُمكِن أن يَدَّعِيَ العِصمة إلَّا رجُلٌ ضالٌّ. فالذي يَدَّعي العِصْمة لغير الرُّسُل رجُل ضالٌّ كما يَفعَل الرافِضة بأئِمَّتهم

стр. 22

وهذا ضَلال بيِّنٌ؛ لأن أئِمَّتهم قد يُخطِئون كما يُخطِئ غيرهم، وقد وقَع لعليِّ بن أبي طالب ﵁ وهو إمام الأئِمَّة بالنسبة لأُولئك القومِ أنه أَخطَأَ حين أَعطاه النبيُّ ﵊ حُلَّة من حرير فلَبِسها، فقال: "إِنَّني مَا أَعْطَيْتكَهَا لِتَلْبِسَهَا، وَإِنَّما لِتُعْطِيَهَا لِفَاطِمَةَ" (١)، وكذلك ما هو مَشْهور عنه من: أن المَرأة إذا كانت حامِلًا وتُوُفِّيَ عنها زوجها، فإنَّهَا تَعتَدُّ بأطوَل الأجَلَيْن (٢)، وهذا مخُالِف للسُّنَّة الصحيحة الصريحة (٣). والحاصلُ: أننا نَقول: إن في الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وُجُوبَ تَقديم الوحي على الرأي، وأنه يَجِب الحُكْم بما جاء به الشَّرْع مُطلَقًا، سواءٌ خالَف رأيَ مَتبوعِيك أو لم يُخَالِف. * * *

стр. 23

الآية (٣) * قالَ اللَّه : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]. * * * قالَ المُفَسِّر: [﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في أَمْرك] وكفَى باللَّه وكيلًا حافِظًا لك. والتَّوكُّل بمَعنَى الاعتِماد مع الثِّقة؛ ولهذا فسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتِماد على اللَّه تعالى في جَلْب المَنافِع ودَفْع المَضارِّ مع الثِّقَة باللَّه بأن يَكون القَلْب مُعتَمِدًا على اللَّه تعالى لا على غيره في جَلْب المَنافِع، وفي دَفْع المَضارِّ، مع ثِقَته باللَّه ، يَعنِي: واثِقًا بأن اللَّه تعالى سيَكْفيه؛ ولهذا قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] كافِيه، فإذا صدَقْت اللَّه في أنه سيَكفيكَ، فهذا هو تمَام التَّوكُّل. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جاءَت هذه في القُرآن في عِدَّة مَواضِعَ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣]، وعلى هذا فيَكون التَّوكُّل من العِبادة؛ لأن اللَّه تعالى أَمَر به، وما أَمَر اللَّه تعالى به شَرْعًا فهو من العِبادة، وسيَأتي -إن شاء اللَّه تعالى- في الفوائِد أقسام التَّوكُّل. وقوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الباء يَقول أهل الإعراب: إنها زائِدة؛ لتَحسين اللَّفْظ، وإن لَفْظ الجَلالة هو الفاعِل، والتَّقدير: -وكفَى اللَّه شَهيدًا- وَكيلًا حالٌ من الفاعِل، والمَعنَى: ما أَعظَمَ كِفايةَ اللَّه في هذا الشيءِ! إن كان

стр. 24

﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٦] فما أَعظَمَ كِفايةَ اللَّه تعالى في شَهادته! وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ المَعنَى: ما أَعظَمَ كِفايةَ اللَّه تعالى في وَكالته! . وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [حافِظًا لكَ]، وعلى هذا ففَعيل هنا بمَعنى: فاعِل، وليسَت بمَعنى: مَفعول؛ لأن الوَكيل إذا قلت: وكَّلت هذا الوكيلَ؛ فإن (وكيلًا) بمَعنَى: مَفعول، لأنه مُوكَّل، لكن هنا بمَعنَى: فاعِل أي: أنه حافِظ فالاعتِماد من الإنسان، والحِماية والحِفْظ من اللَّه تعالى. ويَدُلُّ لتَفسير المُفَسِّر ﵀ قوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] [أي: كافِيه]، وسَوْف يَقوم اللَّه بحِفْظه وبتَحقيق ما تَوكَّل به عليه. قال المُفَسِّر ﵀: [وأُمَّته تَبَع له في ذلك كلِّه]، إنما قال هذا، لأن الخِطاب في الآيات مُوجَّه للنبيِّ ﷺ فأُمَّتُه تَبَع له، علِمنا ذلك من أحَد طريقين: الطريق الأوَّل: أن اللَّه أمَرَنا بالتَّأسِّي به، فكلُّ أَمْر مُوجَّه للرسول ﷺ لا يَدُلُّ الدليل على تَخصيصه به، فهو لنا أيضًا نحن مَأمورون باتِّباعه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثانيًا: أنه من المَعروف في الخِطاب أن الخِطاب المُوجَّه إلى المَتبوع خِطاب له ولتابِعه؛ ولهذا يَقول القائِد لضابِط الجيْش: (اذهَبْ إلى المَكان الفُلاني)، هل هو يُريد: اذهَبْ أنت بنَفْسك أم أنت بمَن تَبِعك؟ والجوابُ: أنت بمَن تَبِعك، فالخِطاب في اللغة العربية إذَا وجِّه للمَتبُوع فهو له وللتابع، فصار وَجهُ كون الأُمَّة تبَعًا للرسول ﷺ في هذه الأوامِرِ وما تَضمَّنَتْه من النهي له طريقان:

стр. 25

الطريق الأوَّل: أننا أُمِرنا باتِّباع الرسول ﷺ . والطريق الثاني: أن الخِطاب المُوجَّه للمَتبوع فهو له ولتابِعه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فيها دليل على وُجوب التَّوكّل على اللَّه ، وقد ذكَرْنا في (كتاب التوحيد) أن التَّوكُّل يَنقَسِم إلى أقسام: أَحَدُها: تَوكُّل العِبادة: وهو شُعور الإنسان بافتِقاره إلى المُتوكِّل عليه، وذُله بين يَدَيْه، وهذا لا يَجوز صَرْفه لغير اللَّه ، وصَرْفه لغير اللَّه كُفْر شِرْك؛ لأنه إِشْراك باللَّه تعالى فيما لا يَستَحِقُّه إلَّا اللَّه تعالى، وهو شِرْك أكبَرُ. والثَّاني: الاعتِماد على الغير الذي جعَلْته نائبًا عن نفسك، فهذا جائِز، وقد وقَع حتَّى من الرسول ﵊، فإنه وكَّل عُرْوةَ بنَ الجعْد ﵁ على أن يَشتَرِيَ له أُضحِيَّة (١)، وكان له وكيلٌ في خَيبرَ (٢)، وكذلك وكَّل عليَّ بنَ أبي طالب ﵁ في ذَبْح ما بَقِيَ من الهَدْي (٣)، وهو جائِز ولا إشكالَ فيه، ووكَّل عليَّ بن أبي طالِب ﵁ حين ذهَب إلى تَبوكَ (٤)، أن يَكون خليفةً له في أهله، وموسى ﷺ وَكَّل هارونَ ﷺ حين ذهَب إلى الطور، وقال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢].

стр. 26

إذنْ: هذا جائِز، ولا إشكالَ فيه؛ لوقوعِه من الأنبياء ﵈؛ ولأنه عَقْد من العُقود، والأصل في العُقود الحِلُّ إلَّا ما قام الدليلُ على مَنْعه. الثالِث: أن يَعتَمِد على مَن لا يَصِحُّ الاعتِماد عليه، على قُوَّة سِرِّيَّة، نَعلَم أنه لا أثَرَ لها في هذا الاعتِمادِ، وهذا شِرْك قد يَكون أكبَرَ، وقد يَكون أصغَرَ، مثل: اعتِماد أولئك الذين يَتَوسَّلون بالأموات، ويَعتَقِدون أن في الاعتِماد عليهم خَيرًا، هؤلاء قد يَصِلُّ بهم الأمرُ إلى الشِّرْك الأكبَر؛ وإلَّا فمُجرَّد اعتِمادهم عليهم شِرْكٌ ولا يَحِلُّ. الرابعُ: أن يَعتَمِد على قوة ظاهِرةٍ مُؤثِّرةٍ، لكنه يَعتَمِد عليها لا باعتِبار أنها نائِبةٌ عنه، بل باعتِبار أنها مجُديةٌ له، وأنها مَصدَر سَعادته وفَلاحه ورِزْقه وما أَشبَه ذلك، فهذا مَكروهٌ وقد يَصِل إلى درجة التحريم، كاعتِماد الإنسان على الراتِب وعلى المَعاش من الوزارة التي يَعمَل فيها أو الإدارة أو الرِّئاسة أو ما أَشبَه ذلك، فإنَّ هذا فيه نوع من الشعور بالافتِقار إلى هذا الشيءِ والتَّذلُّل له. ولذَلِك تَجِد الذين ابتُلوا بهذا النوعِ تَجِدهم يُحابُون مَن كانوا يَعتَمِدون عليه، يُحابون كُبَراءَهم من الوزراء وغير ذلك في أَمْر لا يَجوز، أمَّا مجُامَلة في ما هو جائِز فهذا أَمْر لا بأسَ به، لكن محُاباتهم في المُحرَّم هذا لا يَجوز، لكن هذا قد يَقَع؛ لأنهم يَشعُرُونَ أنَّهم يَفتَقِرون إلى هؤُلاء، فهذا أقلّ أحواله الكراهة، والإنسان يَنبَغي له أن يَكون عزيزَ النَّفْس لا يَعتَمِد إلَّا على ربِّه . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كِفاية اللَّه فوق كل كِفايةٍ؛ لقوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ زَعم بعضُ أهل العِلْم ﵏ أن مِثْل هذا التركيبِ يُفيد التَّعجُّب، يَعنِي: ما أعظَمَ كِفايةَ اللَّه تعالى! وهذا ليس ببعيد: أن كون هذه الصِّيغةِ تُحوَّلُ مِن (وكفَى اللَّهُ وَكيلًا) إلى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ لا يَبعُد أن يَكون المُراد

стр. 27

بذلك المُبالَغة في كِفايته . ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. * * *

стр. 28

الآية (٤) * قالَ اللَّه : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. * * * ثُمَّ قال اللَّه : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، ولفظُ الجلالة فاعِل، و ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مَفعول ﴿جَعَلَ﴾ الأوَّل مُؤخَّر، ومَفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و ﴿مِنْ﴾ هنا نَقول: إنها زائِدة من حيثُ الإعراب. فنُعْرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مَفعولٌ به مَنصوبٌ، وعلامة نَصْبه ياءٌ مُقدَّرة على هذه الياءِ التي جُلِبت لماذا؟ جُلِبَت للحَرْف؛ لأن عَمَلَ الأداة الظاهِرة أَقوى من عمَل الأداة الغير ظاهِر؛ مثَلًا: (جعَل) تَنصِب (قَلْبين)، لكن عارَضَها عامِلٌ مُباشِر أَقوى، وهو حرف الجَرِّ، فتقولون: إن الياء هذه ليسَت ياءَ النَّصب، ولكنَّهَا ياءُ حَرْف الجَرِّ الزائِد، وعلى هذا نَقول: علامة نَصْبه ياءٌ مُقدَّرة في مكان الياء المَوجودة التي اجتُلِبَت من أجل حَرْف الجَرِّ الزائِد. قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ﴾ هذا الجَعْلُ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل الذي يُضاف إلى اللَّه تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمين: ١ - جعَل شَرْعِي، بمَعنى: ما شَرَع.

стр. 29

٢ - وجعَل كَوني، بمَعنى: ما خَلَق. مِثال الجَعْل الشرعيِّ: قوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا جَعْل شَرعيٌّ، والدليلُ أنه كونًا واقِعٌ، لكنه شرعًا لم يَجعَل ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وأمَّا الجعْل الكَوْنيُّ فهو كثير، مثل قوله : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]. وفي هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من الجَعْل الكونيِّ، وأكَّدَ اللَّه هذا النفيَ بحَرْف الجَرِّ الزائِد؛ لأن الحروفَ الزوائد من أدوات التوكيد؛ إِذَنْ: محُالٌ أن يَكون في الإنسان الواحِد قَلْبان، ولكن هل هذه الجُمْلةُ مُرادةٌ لذاتها أو مُرادة لغيرها؟ يَرَى المُفَسِّر ﵀ وجماعة من عُلَماء التفسير أنها مُرادةٌ لذاتها، وأنها نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ؛ ولهذا قال رَدًّا على مَن قال مِن الكفار: إن له قَلْبين يَعقِل بكُلِّ منهما؛ أفضَل من عَقْل محُمَّد ﷺ ؛ هذا ما ذهَبَ إليه جماعة من أهل العِلْم. يَعني: أن هذا نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ وهو رجُل من الكُفَّار يَقول: إن له قَلْبين، وإذا كان له قَلْبان كان له عَقْلان، وإذا كان له عَقْلان كان أَفضَلَ من النبيِّ ﷺ ؛ لأنه ما له إلَّا قَلْب واحِد. وذهَبَ بعض المُفسِّرين وعلى رَأْسهم الزُّهريُّ (١) ﵀ إلى أن هذه الجُملةَ ليسَت مَقصودةً لذاتها؛ لأنها أمرٌ مَعلوم؛ لأنه ليس لإنسان قَلْبان، لكنها تَوْطِئة وتمَهيد

стр. 30

لما يَأتي بعدها؛ لأنه ذَكَر في الآية الكريمة ثلاثةَ أشياءَ: ١ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. ٢ - ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. ٣ - ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قَلْبين لرجُل في جَوْفه، فكذلك ليسَتِ الزوجة أُمًّا؛ لأن اللَّه تعالى لم يَجعَل للإنسان أُمَّيْن كما أنه ليس له قَلْبان، وكذلك ليس هناك ابنٌ غير حَقيقيٍّ، ليس للإنسان ابنٌ خُلِق من مائِهِ وابنٌ نُسِب إليه ولم يُخلَق من مائِهِ، بل إن ابنك مَن خُلِق من مائِكَ؛ وهذا ما اختاره ابنُ كثير ﵀ (١). على أن هذه الجُملةَ تَوْطئة؛ لأن انتِفاء القَلْبين في الجوف الواحِد أمرٌ مَعلوم، والقِصَّة التي ذَكَروها يُنظَر في صِحَّتها، وحتى لو صَحَّت، فإن هذا الذي يَقول: إنَّ له قَلْبين. ادِّعاؤه ذلك يَدُلُّ أنه لا قَلبَ له، لأن هذا أمر مُستَحيل. يَقول اللَّه : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْدٌ؟ يُعتبَر قيدًا شَرْطيًّا له مَفهوم، فيُقال: إن له قَلْبينِ خارِج جَوْفه؟ لا، ولكنها لِبَيان الواقِع؛ لأن من المعلوم أن القُلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ لأن قوله : ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يَمشي برِجْلَين؛ لِبَيان الواقِع. وإن كان بعض المُتأخِّرين في قوله : ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾

стр. 31

قال: إنها قَيْد شَرْطي؛ لتَخْرُج الطائِرة المَعروفة؛ لأنها تَطير بغير جَناحَيْها، وقد يُقال: إن هذا ليس بصحيح. أيضًا حتى الطائِرة الآنَ تَطير بجَناحَيْها، لأن النفَّاثاتِ التي تَطير بها في الجناحَيْن، والمَراوِح التي كانت في الأوَّل في نفس الجناحَيْن؛ لكن لا شكَّ أن الطائِرةَ ليست من الأُمَم التي هي أمثالُنا بل هي من صُنْعنا؛ إذَنْ: قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾؛ لِبَيان الواقِع. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ يَقول ﵀: [﴿اللَّائِي﴾ بهَمْزٍ وبِياءٍ وبلا ياءٍ]، يَعنِي: بهَمْز بلا ياء: (اللاءِ)، و (اللائِي) جَمْع (الَّتي) فهي مثل (الَّذين) في الذُّكور جمع (الَّذي). وقوله ﵀: ["تَظَّهَّرون" بلا ألِف قبل الهاء، وبهاءٍ، والتاءُ الثانية في الأصل مُدغَمة في الظاء] "تَظَّهَّرون" هذه قِراءة، يَقول: [بلا ألِفٍ قبل الهاءِ]، و [بهاءٍ] يَعنِي: بألِف قبل الهاءِ، فتكون: "تَظَّاهرون"؛ هذه قِراءتان، والقِراءة المشهورة عندنا هي: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾. فتكون ثلاثة قِراءات: "تَظَّهَّرون"، "تَظَّاهرون"، والثالِثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾. و"تَظَّهَّرون"، "تَظَّاهرون" يَقول: [إن الظاء في الأصل مُدغَمة في الظاء]؛ التاء مُدغَمة في الظاء، وأصلُها: (تَتَظَاهَرون) أو (تَتَظهَّرون) لكن صارت "تَظَّهَّرون"، وأُدغِمَت التاءُ في الظاء. وأمَّا الأَفضَلُ في القِراءة؛ فمنهم مَن يَقرَأ بالقِراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حَرْف والحرْف فيه عَشْر حَسَناتٍ، فعلى هذا القولِ تَكون: "تَظَّاهَرون"؛ لأنها أكثَرُها حُروفًا.

стр. 32

ومن العُلَماء ﵏ مَن يَقول: الأفضَلُ أن تَقرَأ بكلِّ قِراءة، أن تَأخُذ بكُلِّ قِراءة، تَقرَأ بهذه مَرَّة وبهذه مَرَّة؛ وهو الصحيح: بأن تَقرَأ بهذه مرَّة وهذه مرَّة إذا كُنْت تَعرِف؛ لأن كلَّ قِراءة صحَّتْ عن النبيِّ ﷺ ، فيَنبَغي أن تَقرَأ بها لفائِدتَيْن: الفائِدة الأُولى: العمَل بكلا السُّنَّتَيْن. الثانية: حِفْظ هذه القِراءات. ولذلك نحن الآنَ لمَّا كُنَّا نَعتَمِد على القِراءة التي عِندنا ما نَعرِف القِراءة الأخرى، فإذا كان الإنسان إذا قيل للإنسان: يَنبَغي لك أن تَقرَأ بكل قِراءة صحَّت، فإن هذا يَكون فيه حِفْظ للقِراءات؛ ولهذا يَنبَغي للصِّغار مِنَّا -والعادة أن الكِبار صَعْب عليهم الحِفْظ- أن يَحرِصوا على القِراءات، وأن يَتعَلَّموها لأجل أن يَعمَلوا بالسُّنَّة هذه فلا تَبقَى مَهجورة. ومَعنَى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ أي: تَقولون: إنهن عليكم كظُهور أُمَّهاتكم. وهذه صِيغة طلاقٍ في الجاهلية، إذا أَراد الإنسان أن يُطلِّق امرأته طلاقًا بائِنًا قال لها: أنت عَليَّ كظَهْر أُمِّي. فتَطلُق طلاقًا بائِنًا؛ لأن ظَهْر أُمِّه لا محلُّ له بحال من الأحوال، وخُصَّ الظَّهْر؛ لأنه مَحْل الرُّكوب، والإنسان يَركَب زَوْجته؛ لأنها فِراش كما قال الرسول ﵊ (١). فقوله تعالى: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ أي: تَقولون لَهُنَّ: (أنتُن علينا كظَهْر أُمِّنا)، يَقول ﵀: [أي: كالأُمَّهات في تَحريمها بذلك المُعَدِّ في الجاهِلية طلاقًا، وإنَّمَا تَجِب به

стр. 33

الكفَّارة بشَرْطه كما ذُكِر في سورة المُجادَلة]، وأمَّا في الإسلام فليس بطلاق، ولكنه تَحريم تَجِب به الكفَّارة، ولكنه العَوْد لقَوْل اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]. يَقول المُفَسِّر: [يَقول الواحِد مثَلًا لزوجته: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي]، وقد يَقول الواحِد غير هذه العِبارةِ، فتقول: أنتِ عليَّ كظَهْر أُخْتي. ويُمكِن أن يَقول: أنت عليَّ كبَطْن أُمِّي. فالعِبْرة بالمَعنَى لا بالصِّيغة، وقد ذُكِر في كتاب الظِّهار: "هو أن يُشبِّه الرجلُ زوجتَهُ بمَنْ تَحرُم عليه تَحريمًا مُؤبَّدًا بنسَب أو سبَب مُباح"، المُهِمُّ تَحريمًا مُؤبَّدًا، هذا هو الظِّهار عند أهل العِلْم، وفيه الخِلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها أو شبَّهها بما تَحرُم عليه تَحريمًا إلى أَمَد. وفي جملة: ﴿جَعَلَ﴾ المَفعول الأوَّل: ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾ و ﴿اللَّائِي﴾ صِفتها، و ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صِلة المَوْصول، و ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المَفعول الثاني. وقوله تعالى: ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [جَمْع دَعِيٍّ، وهو مَن يَدَّعِي لغَيْر أبيه ابنًا له] أدعياءُ جَمْع دَعِيٍّ، كأَغنياء جمع غَنيٍّ، وأَكفِياء جمع كَفِيٍّ، ولها أمثلة، ودَعِيٌّ: فَعِيل بمَعنى مَفعول، وأصلُها (دَعِيو) بالواو، لكن قُلِبت الواوُ ياءً لعِلَّةٍ تصريفية، إذَنْ: دَعِيٌّ بمَعنى مَدْعُوٍّ، والدعاء في الأصل طلَب الإِقْبال، والمُراد بالدُّعاء هنا النسبة بأن يُنسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فُلان. وليس ابنًا له حقيقةً. وهؤلاءِ الأدعياءُ ما جعَلَهم اللَّه أبناءً لا شَرْعًا ولا قَدَرًا، أمَّا قَدَرًا فواضِح أنهم ليسوا بأبناءٍ قدَرًا، وأمَّا شَرْعًا فهنا نَفَى اللَّه ذلك، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾؛ فإذا كان الأَدْعياء ليسوا أبناءَ لا قَدَرًا ولا شَرْعًا، فإنه لا يَتوجَّه الذِّهْن إليهم شَرْعًا، هذه الكلِمةُ التي أَقولها يَتبيَّنُ بها ضَعْفُ قولِ

стр. 34

مَنْ يَقول في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَقول: إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحتَرَز به عن ابنِ التَّبنِّي؛ لأننا نَقول: ابن التَّبنِّي لا يَدخُل في الابن أَصْلًا. فلا يَذهَب إليه وَهْم حتى نَقول: إنه يَحتاج إلى قَيْد يُحتَرَز به عنه. المُهِمُّ أن الأدعِياء ما جعَلَهم اللَّه أبناءً لا شرْعًا ولا قدَرًا، وكانوا في الجاهِلية يَدعون الإنسان لغير أبيه يَكون هذا الرجُل شريفًا وذا نسَب، وهذا الدَّعِيُّ وَضِيعًا نسَبه عند الناس، ليس بذاك الشيءِ، أو ليس له نسَبٌ معلومٌ فيُدعَى إلى هذا الأبِ؛ من أَجْل رِفْعته فأَبطَل اللَّه ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يَترَتَّب عليها أمور. كلُّ ما يَترَتَّب على النسَب من تَحريم وتحليل وإِرْث ونفَقات وغيرها، كلها ربَّما تَنتَقِل إلى هذا الدَّعِيِّ؛ بسبَب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجُلِ؛ فلذلك مَنَع اللَّه تعالى ذلك شَرْعًا؛ لأن تَسميةَ الشيءِ بشيءٍ أو باسْمٍ بعيدٍ عن حقيقته هذا يُوجِب أن تَنقَلِب الأَوْضاع؛ حتى إن الرسول ﷺ قال: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى تَسْمِيَتِكُمْ عَلَى صَلَاِتكُمُ العِشَاءِ، يَدْعُونَهَا العَتَمَةَ، وَهِي تُعْتِمُ بِإِبِلِهَا، وَإِنَّما هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: الْعِشَاءُ" (١)؛ فكلُّ الأَشْياء التي ربما إذا سُمِّيت باسمٍ آخَرَ ربَّما تَختَلِف أحكامُها، فإن الشَّرْع نهَى عنها. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً] تَفسير لأبناءٍ يَعنِي: ما جعَلَهم أبناءً على وجه الحقيقة [﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: اليَهود والمُنافِقِين] ﴿ذَلِكُمْ﴾،

стр. 35

المُفَسِّر يُريد أن يَكون الخِطاب هنا لليَهود والمُنافِقِين، والصواب أنه عائِد لكل مَن دعا شَخْصًا لغير أبيه من الأدعياء، سَواءٌ كان من المُنافِقين أو من اليَهود أو من المُشرِكين أو من المُسلِمين، فإن هذا قولٌ يَقوله الإنسان بفِيهِ، وليس حقيقةً هو نفسه يَعلَم أن هذا الدَّعيَّ ليس ابْنًا لهذا المَدعُوِّ إليه، فكيف يَقول ما يَعتَقِد أن الأمر بخِلافه؟ وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتَى بضَمير الجَمْع في الخِطاب؛ لأن المُخاطَبِين جماعةٌ، وأن اسْمَ الإشارة يُراعَى به المُشار إليه، والكاف يُراعَى بها المُخاطَب، وهنا المُشار إليه مُفرَد مُذكَّر، وهو دَعْوة الرجُل إلى غير أبيه، والمُخاطَبون جماعة ذُكور. قوله : ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يَعنِي: تَقولونه بأَلْسنَتِكم وأنتم تَعرِفون الحقيقة أنها ليسَتْ كذلك؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: اليَهود والمُنافِقين] وجعَلها بالياء؛ لأنها تفسير لقَوْله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ الكافِ، وهي مجَرورة. قال ﵀: [قالوا: لمَّا تَزوَّج النبيُّ ﷺ زينبَ بِنتَ جَحْش التي كانت امرأةَ زَيْدِ بنِ حارِثةَ الذي تَبنَّاه النبيُّ ﷺ قالوا: تَزوَّج محُمَّد امرأةَ ابنِه، فأَكذَبهم اللَّه تعالى في ذلك]؛ وكلام المُفَسِّر ﵀ بعيدٌ من ظاهِر الآية، إِذْ إن كلام المُفَسِّر ﵀ يَقول: إنه بعد أن تَزوَّج النبيُّ ﷺ زينبَ بِنتَ جَحْش ﵂، وكانت في الأوَّل عند زَيدِ بنِ حارِثةَ ﵁ قالوا هذا القول (١)، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنَّما الآية يَتحَدَّث اللَّه تعالى فيها عن ابن التَّبنِّي، فما تَحدَّث اللَّه تعالى ولا أَشار إلى تَزوُّج الرَّجُل بزوجة ابنِه الذي تَبنَّاه، لكن هذه ستَأتينا في الآيات: أن الآية إنما هي في نِسْبة الإنسان إلى غير أبيه تَبنِّيًا.

стр. 36

قال ﵀: [﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحَقِّ]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ المُفَسِّر قيَّدَها فقال: [في ذلك]، والصوابُ عدَمُ القَيْد حتى وإن كان السبَب هو هذا؛ لأن العِبْرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبب. فما هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه فيما يَقول؟ فسَّرَه اللَّه في القُرآن نفسِه قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] هذا هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه ؛ صِدقٌ في الأَخْبار، وعَدْلٌ في الأحكام، فكلُّ ما قاله اللَّه فهو دائِر بين أَمْرين، إمَّا خبَرٌ وإمَّا حُكْمٌ، فالخَبر أَحقِّيَّته الصِّدْق، والحُكْم أَحقِّيَّته العَدْل، وخَيرُ ما يُفسَّر به القُرآنُ القرآنُ. ولهذا إذا قال قائِل: ما هو الحقُّ في قول اللَّه تعالى؟ نَقول: الحقُّ في قول اللَّه تعالى هو ما ذكَرَه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقوله : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأن الجُمْلة الثانية تَتعَدَّى للغير، فهناك هادٍ ومَهدِيٌّ ومَهدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو اللَّه تعالى، ومَهدِيٌّ وهو الإنسان مثلًا ومَهدِيٌّ إليه، وفيه أيضًا وهو الدِّين. فالسبيل المُوصِّل إلى اللَّه مَهديٌّ إليه؛ هذه هِداية الدَّلالة، ومَهديٌّ فيه هذه هِداية التَّوْفيق؛ لأنك تَقول: دلَلْتُه إلى كذا، وهدَيْتُه في كذا. بمَعنى: جعَلْته عامِلًا فيه. وهذا هو الحِكْمة في أن اللَّه قال في سُورة الفاتِحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ولم يَقُل : إلى الصِّراط المُستقيم؛ لأجل أن يَعُمَّ الهِداية إليه بالدَّلالة إليه وبَيانه.

стр. 37

والثاني: الهِداية فيه بالعمَل به، وهذا مَقصود كلِّ داعٍ يَدعو اللَّه تعالى بالهِداية: أن اللَّه تعالى يَهديه إلى الشيء فيَعرِفه وَيعلَمه، ويَهديه فيه فلا يَضِلُّ عنه. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: (أل) هذه للعَهْد الذِّهْنيِّ، والمُراد سبيل اللَّه ، والدَّليلُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. إِذَنِ: السبيلُ التي يَهدِي اللَّه تعالى إليها هي سبيل اللَّه وهى طريق الحَقِّ. ومن جُمْلة ذلك أنه لم يَجعَلِ الزَّوْجات اللائِي يُظاهَر منهن أزواجهن لم يَجعَلْهنَّ أُمَّهاتٍ، ولم يَجعَل الأدعياء أبناءً، فقال الحقَّ في ذلك، وهَدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجةٌ والابنُ الدَّعِيُّ ليس ابنًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القرآن قد بلَغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البُرهان، وجهُ ذلك أنَّه قدَّم الدليل على المَدلُول بِصُورة لا يَمتَرِي فيها أحَد؛ لقوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أَمْر مَعلوم ولا يَتَنازَع فيه اثنان: أنه ليس للإِنْسان إلَّا قَلْبٌ واحدٌ ما فيه قَلْبان؛ لأن هذين القَلْبَين إنِ اتَّفَقا على أمرٍ واحدٍ صار القَلْب الثاني لا فائِدةَ منه، وإنِ اختَلَفا تَناقَضا في عَيْنٍ واحِدةٍ، فماذا يَصنَع الإنسان هل يَتبَع القلبَ الأيمَنَ أم يَتبَع القلبَ الأَيسرَ؟ ! فيَبقَى محُتارًا؛ لذلك ما جعَل اللَّه تعالى لرَجُل من قَلْبَيْن إلَّا قلبًا واحِدًا فقط؛ لأنه في جِسْم واحِد. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله : ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يُستَفاد منها فائِدة غير أنَّها بيانٌ للواقِع، يُستَفاد: أن الجوف الواحِد لا يَتَناسَب معه إلَّا قَلْب واحِد، وإلَّا لكان القَلْبان

стр. 38

في جَوْفين لا في جوف واحِد، فصار فيها فائِدة غير ما سَبَق، وهي أنها بَيان للواقِع؛ لأن الجوْف الواحِد لا يُمكِن أن يُديرَه إلَّا قلبٌ واحدٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الشيء بالبُرهان الذي يَكون قاطِعًا لا يَمتَرِي فيه أحَد. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المَرأة المُظَاهَر منها ليست أُمًّا؛ لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. يَتَفرَّع على هذه الآيةِ: أنَّ جَعْلها أمًّا في الظِّهار كذِبٌ وزُورٌ ومُنكَر، ولهذا قال اللَّه تعالى في آية الظِّهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فهو مُنكَرٌ لمُخالَفة الشَّرْع، وزُورٌ لمُخالَفة الواقِع والحقيقة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارة أو التَّنْبيه على تَحريم الظِّهار، لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فإذا كان اللَّهُ تعالى لم يَجْعَل ذلك، فإنه لا يَحِلُّ لنا أن نَجعَلى شيئًا لم يَجعَلْه اللَّه تعالى؛ لأن الأَمْر إلى اللَّهِ تعالى وحدَه. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأبناءَ الأَدْعياء ليسوا بأَبناءٍ حقيقةً ولا شَرْعًا، فهم ليسوا أبناءً قَدَرًا، وليسوا أَبناءً شَرْعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه إذا لم يَكُن الابنُ الدَّعِيُّ ابنًا لا شَرْعًا ولا حقيقةً، فإنه لا يَحتاج إلى قَيْد يُخْرِجه من مَعنى البُنُوَّة؛ لأنه غيرُ داخِل فيها أصلًا حتى نَحتاج إلى قَيْد نُخرِجه به. ويَتَفرَّع على هذه الآيةِ على هذه الفائِدةِ: بيانُ ضَعْفِ قول مَن يَقولُ: إن الاحتِرازَ في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عن ابنِ التَّبَنِّي؛ لأننا نَقول: إنه أَصْلًا لم يَدخُل حتى يُحتاجَ إلى قَيْد يُخرِجه.

стр. 39

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الإنسان قد يَقول قولًا لا يَعتَقِده: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه ليس من الرُّجولة وليس من العَقْل أن يَقول الإنسانُ قولًا بفِيهِ وهو لا يَعتَقِده بقَلْبه، لأن المُراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ التنديدُ بهم والتوبيخُ لهم، كيف تَقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تَعتَرِفون بقُلوبكم بأنه ليس مُوافِقًا للواقِع. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ قولَ اللَّهِ كُلُّه حَقٌّ ليس فيه باطِل؛ لقوله : ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والحقُّ سبَق في كلام اللَّه هو الصِّدْق والعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فهو باعتِبار الخبَر صِدْق، وباعتِبار الحُكْم عَدْل. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كلام اللَّه ليس فيه تَناقُضٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ والتَّناقُض لا يَكون إلَّا في الباطِل، فالحقُّ لا يُمكِن أن يَتَناقَض. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ما وصَف اللَّه به نَفْسَه في كِتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تَحريف أو تَأويل؛ لأننا لو كان خِلاف ظاهِره لكان ظاهِرُه يَدُلُّ على باطِل، وإذا قلنا: إنه على خِلاف الظاهِر لزِم أن يَكون دالًّا على باطِل، فإذا قُلْنا: إن المُراد بآيات الصِّفات خِلافُ الظاهِر صار الظاهِر باطِلًا؛ لأنه خِلافَ المُراد وهذا يُنافِي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو لا يَقولُ إلَّا الحقَّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّه مع ظُهورِ: أن اللَّه يَقول الحقَّ فإن الناس لا يَتَّفِقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، يَعنِي: حتى مع أن اللَّه لا يَقول إلَّا الحقَّ فليس كل أحَدٍ يَهتَدي لذلك، فالهِدَاية بيَدِ اللَّه .

стр. 40

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنه يَجِب على المَرْء أن يَلجَأ إلى ربه في سُؤَاله الهِداية؛ لقوله : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتَأمَّل تَغيير الصِّيغة، حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثُمَّ قال : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأَجْل أن تَكون الجُمْلة الثانية مُستَقِلَّة برُكْنيها بمُبتدَئِها وخبَرها؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾ هو مُبتدؤُهَا، وجملةُ ﴿يَهْدِى﴾ خبَرُها، فكانت الجُملةُ مُسْتَقِلَّة عن الأولى، لأن ذلك أبلَغُ في بيان أنَّ الهِداية بيَدِ اللَّه . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ طريق الحقِّ واحِد؛ لقوله تعالى: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهُو مُفرَد، وهكذا تَجِد أن السُّبُلَ تَأتي جَمْعًا فيما يُخالِف الحقَّ، قال : ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهنا أَفرَد الصِّراط، أمَّا الصِّراط المُخالِف لصِراط اللَّه تعالى فهو جَمْع، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وإذا جاء طريق الحقِّ مَجموعًا فالمُرادُ تَنوُّع الشرائِع، وكذلك الوليُّ الكافِر: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، لأنَّ سُبُل غير الحقِّ مُتنوِّعة، وكل نَوْع منها عليه طاغوت يَدعو إليه. * * *
следующие страницы →