← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ﵀: [﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحَقِّ]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ المُفَسِّر قيَّدَها فقال: [في ذلك]، والصوابُ عدَمُ القَيْد حتى وإن كان السبَب هو هذا؛ لأن العِبْرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبب. فما هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه فيما يَقول؟ فسَّرَه اللَّه في القُرآن نفسِه قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] هذا هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه ؛ صِدقٌ في الأَخْبار، وعَدْلٌ في الأحكام، فكلُّ ما قاله اللَّه فهو دائِر بين أَمْرين، إمَّا خبَرٌ وإمَّا حُكْمٌ، فالخَبر أَحقِّيَّته الصِّدْق، والحُكْم أَحقِّيَّته العَدْل، وخَيرُ ما يُفسَّر به القُرآنُ القرآنُ. ولهذا إذا قال قائِل: ما هو الحقُّ في قول اللَّه تعالى؟ نَقول: الحقُّ في قول اللَّه تعالى هو ما ذكَرَه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقوله : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأن الجُمْلة الثانية تَتعَدَّى للغير، فهناك هادٍ ومَهدِيٌّ ومَهدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو اللَّه تعالى، ومَهدِيٌّ وهو الإنسان مثلًا ومَهدِيٌّ إليه، وفيه أيضًا وهو الدِّين. فالسبيل المُوصِّل إلى اللَّه مَهديٌّ إليه؛ هذه هِداية الدَّلالة، ومَهديٌّ فيه هذه هِداية التَّوْفيق؛ لأنك تَقول: دلَلْتُه إلى كذا، وهدَيْتُه في كذا. بمَعنى: جعَلْته عامِلًا فيه. وهذا هو الحِكْمة في أن اللَّه قال في سُورة الفاتِحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ولم يَقُل : إلى الصِّراط المُستقيم؛ لأجل أن يَعُمَّ الهِداية إليه بالدَّلالة إليه وبَيانه.

стр. 37

والثاني: الهِداية فيه بالعمَل به، وهذا مَقصود كلِّ داعٍ يَدعو اللَّه تعالى بالهِداية: أن اللَّه تعالى يَهديه إلى الشيء فيَعرِفه وَيعلَمه، ويَهديه فيه فلا يَضِلُّ عنه. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: (أل) هذه للعَهْد الذِّهْنيِّ، والمُراد سبيل اللَّه ، والدَّليلُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. إِذَنِ: السبيلُ التي يَهدِي اللَّه تعالى إليها هي سبيل اللَّه وهى طريق الحَقِّ. ومن جُمْلة ذلك أنه لم يَجعَلِ الزَّوْجات اللائِي يُظاهَر منهن أزواجهن لم يَجعَلْهنَّ أُمَّهاتٍ، ولم يَجعَل الأدعياء أبناءً، فقال الحقَّ في ذلك، وهَدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجةٌ والابنُ الدَّعِيُّ ليس ابنًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القرآن قد بلَغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البُرهان، وجهُ ذلك أنَّه قدَّم الدليل على المَدلُول بِصُورة لا يَمتَرِي فيها أحَد؛ لقوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أَمْر مَعلوم ولا يَتَنازَع فيه اثنان: أنه ليس للإِنْسان إلَّا قَلْبٌ واحدٌ ما فيه قَلْبان؛ لأن هذين القَلْبَين إنِ اتَّفَقا على أمرٍ واحدٍ صار القَلْب الثاني لا فائِدةَ منه، وإنِ اختَلَفا تَناقَضا في عَيْنٍ واحِدةٍ، فماذا يَصنَع الإنسان هل يَتبَع القلبَ الأيمَنَ أم يَتبَع القلبَ الأَيسرَ؟ ! فيَبقَى محُتارًا؛ لذلك ما جعَل اللَّه تعالى لرَجُل من قَلْبَيْن إلَّا قلبًا واحِدًا فقط؛ لأنه في جِسْم واحِد. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله : ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يُستَفاد منها فائِدة غير أنَّها بيانٌ للواقِع، يُستَفاد: أن الجوف الواحِد لا يَتَناسَب معه إلَّا قَلْب واحِد، وإلَّا لكان القَلْبان

стр. 38

في جَوْفين لا في جوف واحِد، فصار فيها فائِدة غير ما سَبَق، وهي أنها بَيان للواقِع؛ لأن الجوْف الواحِد لا يُمكِن أن يُديرَه إلَّا قلبٌ واحدٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الشيء بالبُرهان الذي يَكون قاطِعًا لا يَمتَرِي فيه أحَد. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المَرأة المُظَاهَر منها ليست أُمًّا؛ لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. يَتَفرَّع على هذه الآيةِ: أنَّ جَعْلها أمًّا في الظِّهار كذِبٌ وزُورٌ ومُنكَر، ولهذا قال اللَّه تعالى في آية الظِّهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فهو مُنكَرٌ لمُخالَفة الشَّرْع، وزُورٌ لمُخالَفة الواقِع والحقيقة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارة أو التَّنْبيه على تَحريم الظِّهار، لقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فإذا كان اللَّهُ تعالى لم يَجْعَل ذلك، فإنه لا يَحِلُّ لنا أن نَجعَلى شيئًا لم يَجعَلْه اللَّه تعالى؛ لأن الأَمْر إلى اللَّهِ تعالى وحدَه. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأبناءَ الأَدْعياء ليسوا بأَبناءٍ حقيقةً ولا شَرْعًا، فهم ليسوا أبناءً قَدَرًا، وليسوا أَبناءً شَرْعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه إذا لم يَكُن الابنُ الدَّعِيُّ ابنًا لا شَرْعًا ولا حقيقةً، فإنه لا يَحتاج إلى قَيْد يُخْرِجه من مَعنى البُنُوَّة؛ لأنه غيرُ داخِل فيها أصلًا حتى نَحتاج إلى قَيْد نُخرِجه به. ويَتَفرَّع على هذه الآيةِ على هذه الفائِدةِ: بيانُ ضَعْفِ قول مَن يَقولُ: إن الاحتِرازَ في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عن ابنِ التَّبَنِّي؛ لأننا نَقول: إنه أَصْلًا لم يَدخُل حتى يُحتاجَ إلى قَيْد يُخرِجه.

стр. 39

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الإنسان قد يَقول قولًا لا يَعتَقِده: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه ليس من الرُّجولة وليس من العَقْل أن يَقول الإنسانُ قولًا بفِيهِ وهو لا يَعتَقِده بقَلْبه، لأن المُراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ التنديدُ بهم والتوبيخُ لهم، كيف تَقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تَعتَرِفون بقُلوبكم بأنه ليس مُوافِقًا للواقِع. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ قولَ اللَّهِ كُلُّه حَقٌّ ليس فيه باطِل؛ لقوله : ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والحقُّ سبَق في كلام اللَّه هو الصِّدْق والعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فهو باعتِبار الخبَر صِدْق، وباعتِبار الحُكْم عَدْل. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كلام اللَّه ليس فيه تَناقُضٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ والتَّناقُض لا يَكون إلَّا في الباطِل، فالحقُّ لا يُمكِن أن يَتَناقَض. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ما وصَف اللَّه به نَفْسَه في كِتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تَحريف أو تَأويل؛ لأننا لو كان خِلاف ظاهِره لكان ظاهِرُه يَدُلُّ على باطِل، وإذا قلنا: إنه على خِلاف الظاهِر لزِم أن يَكون دالًّا على باطِل، فإذا قُلْنا: إن المُراد بآيات الصِّفات خِلافُ الظاهِر صار الظاهِر باطِلًا؛ لأنه خِلافَ المُراد وهذا يُنافِي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو لا يَقولُ إلَّا الحقَّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّه مع ظُهورِ: أن اللَّه يَقول الحقَّ فإن الناس لا يَتَّفِقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، يَعنِي: حتى مع أن اللَّه لا يَقول إلَّا الحقَّ فليس كل أحَدٍ يَهتَدي لذلك، فالهِدَاية بيَدِ اللَّه .

стр. 40

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنه يَجِب على المَرْء أن يَلجَأ إلى ربه في سُؤَاله الهِداية؛ لقوله : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتَأمَّل تَغيير الصِّيغة، حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثُمَّ قال : ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأَجْل أن تَكون الجُمْلة الثانية مُستَقِلَّة برُكْنيها بمُبتدَئِها وخبَرها؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾ هو مُبتدؤُهَا، وجملةُ ﴿يَهْدِى﴾ خبَرُها، فكانت الجُملةُ مُسْتَقِلَّة عن الأولى، لأن ذلك أبلَغُ في بيان أنَّ الهِداية بيَدِ اللَّه . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ طريق الحقِّ واحِد؛ لقوله تعالى: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهُو مُفرَد، وهكذا تَجِد أن السُّبُلَ تَأتي جَمْعًا فيما يُخالِف الحقَّ، قال : ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهنا أَفرَد الصِّراط، أمَّا الصِّراط المُخالِف لصِراط اللَّه تعالى فهو جَمْع، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وإذا جاء طريق الحقِّ مَجموعًا فالمُرادُ تَنوُّع الشرائِع، وكذلك الوليُّ الكافِر: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، لأنَّ سُبُل غير الحقِّ مُتنوِّعة، وكل نَوْع منها عليه طاغوت يَدعو إليه. * * *

стр. 41

الآية (٥) * قالَ اللَّه : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. * * * قال : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في التفسير: [لكن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾] أتَى بالاستِدْراك وفي ظَنِّي أنه لا حاجةَ للاستِدْراك وأن الجُمْلة استِئْنافيَّة لما أَبطَل اللَّه أن يَكون هؤلاء الأدعياءِ أَبناءً أَمَر بأن نَدعُوَهم لآبائهم. وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ لمَّا كانت الآيةُ الثانيةُ غيرَ مُقابِلة لمَّا نَفاه اللَّه تعالى في الأوَّل؛ يَعنِي: ما جعَل أَدْعياءكم أبناءَكم، لكن جعَلهم أبناءَ آبائِهم فادْعوهم لآبائِهم؛ رأى ﵀ أن هذا هو وَجهُ الاستِدْراك: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ لكن جعَلَهم أبناءً لآبائِهم فادْعُوهم لآبائهم. ونَقول: هذا لا حاجةَ إليه، فالجُمْلة استِئْنافيَّة ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ أي: انسُبوهم لآبائِهم فقولوا: يا ابنَ فُلان. وكلمة ﴿لِآبَائِهِمْ﴾ جَمْع أبٍ، وهل المُراد بالجَمْع هنا باعتِبار المَدعوِّين؟ يَعنِي لأن الناس كثيرون أو أن المُراد آباؤُهم بالنِّسبة لكل شَخْص، بمَعنى: أن الإنسان

стр. 42

يُنسَب إلى أبيه وجَدِّه وأبي جَدِّه وهكذا، أو شامِل للأَمْرين؟ الجواب: هو شامِل للأَمْرين فالإنسان يُدعَى إلى أبيه يُقال: فلان ابن فلان ابن فلان، فالرسول ﵊ محُمَّد بن عبد اللَّه بن عبد المُطَّلب، بل إنه ﷺ قال: "أنَّا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (١)، فهو فيما يَظهَر: أنه شامِل يَعنِي: أنه جَمْع باعتِبار أفراد الناس، وجَمْع باعتِبار الآباء؛ لأن الآباء أَبٌ أَدنَى وأَبٌ فوقَه. قال تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ﴿هُوَ﴾ الضميرُ يَعود على المَصدَر المَفهوم من قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ﴾؛ أي: ﴿هُوَ﴾ أي: دُعاؤُهم، وهذا نَظيرُ قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، هو أي: العَدْل المَفْهوم من الفِعْل، فهنا فِي ﴿هُوَ﴾ أي: دُعاؤُهم لآبائِهم. وقوله تعالى: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: [أَعدَل] عند اللَّه تعالى؛ فسَّرها بعضهم باسْمِ الفاعِل: هو قَاسِط عند اللَّه تعالى، يَعنِي: هُو العَدْل عند اللَّه ، وإنما لجَأ إلى ذلك؛ لأن المَعروف أن اسمَ التَّفضيل يَشتَرِك في أصل مَعناه: المُفضَّل والمُفضَّل عليه، فإذا قلت: فُلانٌ أَشجَعُ من فُلَان، فكِلاهما شُجَاع، لكن هذا أَشجَعُ. فهنا إذا جعَلنا اسمَ التفضيل على بابه، وقلنا: دُعَاؤُهم لآبائِهم أَقسَطُ عند اللَّه من دُعائهم لمَن تَبنَّاهُم، صار في دُعائهم لمَن تَبنَّاهم عَدْلٌ، مع أنه لا عَدلَ فيه؛ ولذلك قال بعض المُفسِّرين: إن أَفعَلَ التَّفضيل هنا ﴿أَقْسَطُ﴾ بمَعنى اسم الفاعِل؛ حتى لا يَكونَ في الطرَف الثاني منه شيءٌ؛ وقال بعضُ المُفسِّرين: هو على بابه، واللغة العَرَبية تأتي باسْمِ التَّفضيل دائِمًا فيما ليس في الطرَف الآخَر منه شيء؛ ومنه

стр. 43

قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، مع أنَّ أصحابَ النارِ لا خيرَ في مُستَقرِّهم. وعلى هذا فنَقول: إبقاءُ الآية على ظاهِرها يَكون أَوْلى، فإذا قيل ذلك، فإنه يَرِد علينا سُؤالٌ: لماذا عبَّر بـ (أفعَل) التَّفضيل في طرفٍ ليس في الطرَف الآخَر منه شيءٌ؟ قُلْنا: لبيان أن هذا غاية ما يَكون من العَدْل؛ ويَكون فائِدتها: أن دُعاءَهُم لآبائهم أعدلُ شيءٍ، وهُو غَاية ما يَكون من العَدْل، فاسْمُ التفضيل هنا باعتِبار المعْنَى أَي: أن هذا أَعدَلُ شيء. وكلمة ﴿أَقْسَطُ﴾ اسمُ تَفضيل من الثُّلَاثي؛ لأن اسمَ التَّفضيل لا يُصَاغ إلَّا من الثلاثي؛ قال ابنُ مالِك ﵀ (١): وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِفَا ... . . . . . . . . . . . ثمَّ إن الرُّبَاعيَّ من هذه المادَّةِ ليس بمَعنَى العَدْل، بل بمَعنى الجوْر، فالقاسِط هو الجائِر، والمُقسِط هو العادِل؛ قال اللَّه : ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. إِذَن: يرِدُ علينا إشكالٌ في مَسأَلة ﴿وَأَقْسِطُوا﴾، فهنا ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾. فنَقول في الجواب عنه: إن في هذا دليلًا على صِحَّة مَذهَب الكُوفيين، الذين يَقولون بجَوَاز صياغة اسمِ التَّفضيل من غير الثُّلَاثي، يَقولون: أَقسَطُ من باب الإِقساط يَعنِي: أنَّ ذلك أعدَلُ.

стр. 44

وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعنِي: في حُكْمه؛ لأن حُكْم اللَّه يُضَاف إليه، وهذا نَظير قوله تعالى في الذين يَرمُون المُحصَنات: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فإذَا قذَف رجُلٌ امرأةً بالزِّنا، فهو باعتِبار الواقِع قد يَكون حقًّا أنها زَنَت، وقد يَكون كذِبًا، لكنها في حُكْم اللَّه تعالى كذِبٌ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، ما قال: فأُولئِك هم الكاذِبون؛ لأنَّه قد يَكون حقيقةً باعتِبار الواقِع، لكن في شَرْع اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولهذا يَجِب عليهم حدُّ القَذْفِ إذا لم يَأتوا بأربَعةِ شُهداءَ. وقوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ إن لم تَعلَموا آباءَ هَؤلاءِ الأَدْعياء، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ يَعنِي: ليسوا أبناءَكم، يَعنِي: حتى في الحال التي لا يُعْرف لهذا الرَّجُلِ أبٌ، فإنه لا يَجوز أن يُنسَب إلى غير أبيه، ولكن يَكون أخًا لنا في الدِّين ومَولًى لنا إذا كان قد دخَل في مِلْكنا ثُم حرَّرْناه مثلًا؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ في قصة اختِصام عليٍّ وجعفَرٍ وزيدِ ابن حارثةَ ﵃، قال لزَيدٍ ﵁: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (١). فهو (أخي) في الدِّين، وليس (ابنًا) لي، وهو أيضًا (مَوْلايَ) إذا كنت قد أَعتَقْتُه، ولو لم أَعرِف أباه فهو لا يُنسَب إليَّ. ولهذا تَجِدون العُلَماء ﵏ الذين يَكتُبون أسماءَ الرِّجال، عندما يَنسبون أحَدًا من الموالي إلى مَن أَعتَقَه يَقول: (القُرَشيُّ موْلَاهم) أو: (التَّميميُّ مَوْلاهم)؛

стр. 45

لأنه لو قال: القُرَشيُّ. فقط، يَظُن الظانُّ أنه قرَشيٌّ حقيقةً، فإذَا قال: مَوْلاهم، يَعنِي: أنه نُسِب إليهم، لكونه مَوْلًى لهم، و"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" (١)، حتى إن العُلَماء قالوا في الصدَقة قالوا: إنها تَحرُم على مَوالي بني هاشِمٍ، لأن مَوْلى القَوْم منهم، لكنهم لا يُنسَبون إليهم نسَبًا حقيقيًّا، بل لا بُدَّ من أن يُقَيَّد. قوله : ﴿جُنَاحٌ﴾ هو اسمٌ ليس مُؤخَّرًا، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جارٌّ ومجَرور خبَرهم مُقدَّم. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ يَقول ﵀: [في ذلك] أي: في دُعائهم لغير آبائِهم يَعني: الإنسانُ لو أَخطَأَ فدعَا شخْصًا لغير أبيه فإنه ليس عليه جُناكليس عليه إِثْم؛ لأنَّه أَخطَأ، والخطَأ مَرْفوع عن هذه الأُمَّةِ. وفي قوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ المُفَسِّر يَقول [في ذلك] فكأنَّه خَصَّ الآية، والصَّواب أنها عامة، لأن العِبْرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبَب، فإذا كان السبَب هو دَعوة الإنسان لغير أبيه، فإنه لا يَقتَضِي تخصيص هذا العامِّ بهذه المَسألةِ، لأنَّ العِبْرة -في القاعِدة المُقرَّرة- بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبَب. وهذه القاعِدةُ لها أدِلَّة من القُرآن والسُّنَّة: فمِن القرآن: قوله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا

стр. 46

وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ١ - ٢] فَالسبَب خَاصٌّ، ولكن الحُكْمَ عامٌّ. وكذلك في السُّنَّة: رأَى النبيُّ ﷺ رجُلًا في السفَر قد ظُلِّل عليه وحولَه زِحام من الناس، فقال: "مَا هَذَا؟ " قالوا: صائِم. فقال ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (١)، إلَّا أن قوله ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"، إذا قُلنا: إن العِبْرَة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السبَب، فإنه يُشكِل على هذا أن النبيَّ ﷺ كان يَصوم في السفَر، كما في حديث أبي الدرداءِ ﵁: ما فينا صائِمٌ إلَّا رسول اللَّه ﷺ وعبدُ اللَّه بنُ رواحةَ (٢)؛ فكيف نُجيب عن حديث: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ. . ."، هل النبيُّ ﷺ لم يَفعَل بِرًّا؟ الجواب: كلَّا، نَقول -كما أَشار ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀ إلى هذه المَسأَلةِ: إن العِبْرة بعُموم اللفظ، لكن يُراعَى المَعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ (٣)؛ والمَعنَى هُو المَشَقَّة. فنَقول: إنَّ العِبْرة بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبَب، أي: أنه لا يُخَصُّ هذا الحُكْمُ على هذا الرَّجُلِ بعَيْنه، لكنه عامٌّ في جميع الناس، إلَّا أنه يَجِب أن يُراعَى المعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ العامَّة، وهو المَشقَّة؛ فنَقول: ليسَ البِرُّ

стр. 47

الصِّيامَ في السَّفر إذا أدَّى إلى مِثْل هذه الحالِ، فهل هذا خرَج عن القاعِدة: العِبْرة بعُموم اللَّفْظ؟ لا، لأنه لو خُصَّ الحُكْم بالرَّجُل المُعيَّن لكان خارِجًا عن القاعِدة، لكنه ما خُصَّ به، قيل: إنه عامٌّ لكل مَن صام ولحِقه ما لحِق بهذا الرَّجُلِ، إذَنْ فالحديث لم يَخرُج عن القاعِدة. إذن: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ لا يَختَصُّ فيمن دعا رجُلًا بغير أبيه مخطِئًا، بل هو عامّ، وهذه القاعِدةُ العَظيمة في الشَّريعة الإسلامية سَيَأْتي -إن شاءَ اللَّهُ تعالى- بيانُ ما يَترَتَّب عليها من فوائِدَ. ثُمَّ قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، ظَاهِره العُموم في المأمورات وفي المَنهيَّات، ولكن مَن تَدبَّر النُّصوص وجَد أن هذا خاصٌّ بالمَنهيَّات فقط، أن الإنسان ليس عليه جُناح فيما أَخطَأ به، أمَّا في المأمورات فليس عليه جُنَاح فيما أَخطَأ به، ولكِنَّ هذه المَأموراتِ إذا كان خَطَؤُه مخُلًّا بصِحَّتها فلا بُدَّ من إعادتها على وجهٍ صحيحٍ. فهُنَا بالنِّسبة للمَنهيَّات ليس عليه جُناح ولا تَبِعةٌ ولا أثَر، لكن بالنِّسبة للمَأمورات ليس عليه جُناح فيما أَخطَأَ به إلَّا أنَّه إذا كان هذا الخطَأُ مخُلًّا بصِحَّة المأمور فإنه يَجِب إعادة المأمور على وجه صحيح، انظُرْ إلى الرجُل الأَعرابي الذي صلَّى بغير طُمَأْنينة مُخطِئًا؛ لأنه جاهِل، يَقول: والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أُحسِنُ غير هذا فعَلِّمْني (١). فهل النبيُّ ﵊ ترَكَه أو أَمَره أن يُعيد الصلاة؟

стр. 48

أَمَره أن يُعيد الصلاة؛ فلهذا نَقول: إنه ليس عليه إِثْم في صلاته الأُولى التي أَخَلَّ فيها بواجِب الطُّمَأْنينة؛ لأنه جاهِل، لكن يَجِب عليه أن يُعيد العِبادة على وجهٍ صحيحٍ. وكذلك لو أن أَحَدًا ترَك واجِبًا من واجِبات الحجِّ جاهِلًا، فإنه لا إِثْمَ عليه، لكن عليه إعادةُ ذلك الواجِبِ إذا كان يُمكِن تَدارُكه، فإن لم يُمكِن تَدارُكُه فعليه بدَلُه عند جماهير أهل العِلْم، وهو فِدْية يَذبَحها في مكَّةَ، ويُوَزِّعها على الفُقَراء. وقوله تعالى: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾: (ما) هذه من صِيَغ العُموم تَشمَل كل ما حصَل فيه الخطَأ، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فيه، وهو بعد النهي] أمَّا قَبْل النهي فإنه لا يُؤَاخَذ به الإنسان؛ لأن الحُكْم لم يَتقَرَّر بعد؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]؛ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] لأنه قَبْل تَقرير الحُكْم وثُبوته شَرْعًا، فالأصل البَراءة، وهو ما يُعبِّر عنه الأُصوليُّون بالبَراءة الأَصْلية. وقوله تعالى: ﴿مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لأن المَدار على القَلْب إذ إنه هو الذي يُدبِّر الجوارِح؛ لقول النبيِّ ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١)، وهذا القَلْبُ هو عِبارة عن هذه البَضْعة من اللَّحْم، أو أن المُراد بالقَلْب العَقْل المُفكِّر ومَحلُّها هذه القِطْعة من اللَّحْم الثانية، ولكن أين مَحَلُّ العَقْل؟

стр. 49

الجواب: الصحيحُ أنَّه القَلْب؛ لأن اللَّه تعالى قال في القُرآن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا. . .﴾ [الحج: ٤٦] فخَصَّ القَلْب والعَقْل؛ ولهذا قال الإمامُ أحمدُ ﵀: إن العَقْل في القَلْب، وله اتِّصال بالدِّماغ (١). ولكنني رأَيْت كلامًا لشيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ ﵀ أقرَبَ إلى الواقِع وإلى الطبِّ الحديث يَقول: إن أَصْل التفكير في الدِّماغ فهو المُفكِّر، ثُمَّ القَلْب يُدبِّر ويَأمُر ويَنهَى (٢)؛ فَيَكون للمُخِّ كالسِّكِرْتير للقَلْب يُفكِّر ويَنظُر، ثُمَّ يُرسِل إلى القَلْب، والقَلْب هو الذي يُدبِّر بلا شكٍّ؛ لأن الكِتاب والسُّنَّة يَدُلَّان على أن القَلْب هو الذي يُدبِّر كما في الآية، وكما قال النبيُّ ﵊: "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٣). ولكن الاتِّصال بين المُخِّ والقَلْب سَريع أو بَطيء؟ الجواب: سريع، لا نَتَصوَّر سُرْعته، وهذا من تَمَام عَظَمة الخالِق ، حيث إنَّ هذه المُعدَّات العظِيمة في هذا البدَنِ، مَعامِل وآلات إِلْكترونية وأَشياءُ -سبحان اللَّه العظيم- إذا بحَثَها الإنسان يَجِد ما قاله اللَّه : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. قال ﵀: [﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لمِا كان من قَوْلكم قبل النهيِ ﴿رَحِيمًا﴾ بكُم في ذلك]، قوله: [﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

стр. 50

لمِا كان من قَوْلكم قبل النهي] في هذا نظَرٌ ظاهِرٌ جدًّا، ووجهُه: أنَّه قبل النهي لم يَثبُت الحُكْم، حتَّى يَكون الإنسان مخُالِفًا يُوصَف عدَمُ مُؤَاخذته بالمَغفِرة، لأن المَغفِرة فَرْع عن وجود الذَّنْب، وهنا لا ذَنْبَ قبل أن يَتقرَّرَ الحُكْم. والصواب: أنَّه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فيما وقَع من قولكم بعد النهي على سبيل الخَطَأ، فإن هذا مِن مَغفِرته ورحمتِهِ أنَّه يَرْفعُ الخَطَأ عمَّن فعَله بعد النهي وتقرير الحُكْم. ثُم يقال أيضًا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعود إلى الفِعْل الخطَأ والفِعْل العَمْد، أمَّا الفِعْل الخَطَأ فإن رَفْعَ المُؤَاخَذة به من آثار الرحمة، ولو شاء اللَّه لكان يُؤَاخِذ عِباده، بالجَهْل كما يُؤَاخِذهم بالعَمْد، لكن رحمته سبَقَتْ غضَبَه ، وأمَّا غَفورٌ فإنه يَعود إلى ما فُعِلَ عَمْدًا، فإن من مُقتَضى كون اللَّه تعالى غَفورًا أن يَسعَى الإنسان في أسباب مَغفِرته وذلك بالتَّوْبة ممَّا حصَل منه، فإذا تاب فإن اللَّه تعالى يَتوب عليه ويَغفِر له. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب دَعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يَعنِي: انسُبوهم لآبائهم لَفْظًا وحقيقةً، أمَّا لفظًا، فتَقول: يا فُلان ابنَ فُلان. وأمَّا حقيقة بأن تَعتَقِد أن البُنُوَّة الحقَّ إنما هي للأَبِ الحقيقيِّ الذي وُلد الإنسان من صُلْبه، لا للأبِ الذي ادُّعِي أنَّه أبٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا يَنبَغي أن يُدعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان: الأوَّل: أن يَدَّعِيَ لغير أبيه لَفْظًا وحقيقةَ، فهذا لا يَجوز، بل إن الرسول ﷺ -

стр. 51

قد جعَل ذلك من الكُفْر (١)، فإذا ادَّعى الإنسان إلى غير أبيه وهو يَعلَمه، فان ذلك كُفْر، فإنه كُفْر بكم أن تَرغَبوا عن آبائكم. الثَّاني: أن يَدَّعيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تَثبُت أحكام البُنوَّة إطلاقًا إلى مَن ادَّعى إليه، فهذا نَقول: إنه خِلاف ما أمَر اللَّه تعالى به، ولكن أهل العِلْم يَقولون: إن الإنسان إذا اشتَهرَ به مع عدَم الالتِفات إلى أحكامه ومُقتَضياته، فإنه جائِزٌ، وذكَروا لذلك مِثل المِقداد بنِ الأسوَدِ ﵁، فإن المِقدادَ ابنَ الأسوَد ﵁ ليس أَبوه هو الأسودَ، ولكن الأسودَ كان قد تَبنَّاه (٢) واشتَهَر بهذا، بهذ الكنْيَةِ، واستَمَرَّ عليها حتَّى أَبطَل اللَّه تعالى التَّبَنِّيَ، ولكن بَقِيَ مَشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يَضُرُّ؛ لأنه انتَفَت عنه أحكام التَّبنِّي ولم يَبقَ إلَّا اللَّفْظ، ومع هذا فإن الأفضَل بلا شكٍّ هو أن يُدعَى إلى أبيه، لكن المُشكِل أن الشيءَ إذا اشتَهَر فوَصَفْته بما اشتَهَر به حصَل بهذا التِباسٌ، الآنَ لو قلنا: عن عبدِ الرحمن بنُ صَخْر أن النبيَّ ﷺ قال: كذا وكذا. يُمكِن أن كثيرًا من الناس لا يَدرِي مَن هُو، لكن إذا قلت: عن أَبي هُريرةَ ﵁ كلُّنا يَعرِفه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: في الآية الكريمة دَليل على أن الأعمال تَتَفاضَل عندَ اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعنِي: أبلَغ في العَدْل. ووجه ذلك: أن هذَا الرجُلَ الدَّعِيَّ كوننا نَنسُبه إلى غير أبيه هو باعتِبار أبيه ظُلْم، إِذْ كيف تَنسبه إلى شخص ما أَتَى مِن صُلْبه، وتَحرِم مَن أَتَى من صُلْبه من

стр. 52

دَعْوته إليه، هذا لا شكَّ أنَّه جَوْر؛ ولهذا قُلْنا فيما تَقدَّم: أن اسم التَّفضيل هنا ليس في الطرَف الآخَر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أيُّ عَدْل في أَنْ تَنْسُب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائِدة التَّفضيل هنا بيان أن هذا الشيءَ قد بلَغ الغاية في العَدْل؛ لهذا جِيء به اسمِ التفضيل ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن ليس له أبٌ فإنه يُدعَى بأُخوَّة الدِّين والولاية في الدِّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، أمَّا كونُهم إخوانَنا في الدِّين فظاهِر، وأمَّا كونهم مواليَ فإن كان عَتيقًا للمَرْء فهو مَوْلًى له بالعِتْق، وإن لم يَكُن عتيقًا له فهو مَوْلًى له في الدِّين، لأن المُؤمِنين كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فهم إخوانُكم ومواليكم. فيَصِحُّ أن تَقول: يا أخي، وأن تَقول: يا ابن أخي؛ والمُفَسِّر ﵀ يَقول: [ومواليكم بنو عَمِّكم]، فجعَل الولاية هنا ولاية النسَب، وليسَتْ ولاية الدِّين، لكن في النفس من هذا شيء، فالولاية إمَّا ولاية دِين، وإمَّا ولاية عِتْق، فأمَّا ولاية العِتْق فواضِح أن العَتيق مَولًى لمَن أَعتَقه، وأمَّا ولاية الدِّين فظاهِر أيضًا أن كل مُؤمِن وليٌّ لأخيه المُؤمِن. أمَّا ولاية النسَب كقوله: [بنو عمِّكم] فهذه إن كانت اللُّغة العربية يَأتي فيها مثل هذا التَّعبيرِ فنحن نَقبَل ذلك، لأن القُرْآن عرَبيٌّ ولا مانِعَ أن يَكون للمَعنى الواحد أو للَّفْظ الواحِد عِدَّة مَعانٍ إذا كانت لا تَناقُضَ بينها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: نفيُ الإِثْم فِي الخطَأ؛ لقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، نَفي الحِنْث في الخطَأ، وأيضًا الحِنْث يَعنِي: الحِنث في اليَمين، إذا حلَف على يَمين أن لا يَفعَل شيئا، ففَعَله جاهِلًا به، مثل حَلَف أن لا يُكلِّم إنسانًا،

стр. 53

فكلَّم شَخْصًا لا يَدرِي أنَّه فلان الذي حلَف على تَرْك تَكليمه، فإنه ليس عليه حِنْث، وكذلك أيضا الطلاق، لو علَّق الطلاق على شيءٍ ففَعَله جاهلًا أنَّه هو الشيء الذي علَّق الطلاق عليه فإِنَّه لا حِنْثَ عليه، وكذلك لو فعَل مُكَفِّرًا جَاهِلًا أنَّه مُكفِّرٌ فإنه لا إِثْمَ عليه، يُؤخَذ هذا كلُّه من العُموم في قوله تعالى: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾. ثُم إن نَفيَ الإِثْم لا يَستَلزِم نَفيَ القضاءِ فيما يَجِب قَضاؤُه، وعلى هذا فتكون الآية في باب المَحذورات لا في باب المَأمورات؛ ولهذا لم يَأذَنِ النَّبيُّ ﷺ للجاهِل الذي كان يُصلِّي ولا يَطمَئِنُّ في الصلاة، جعَله يُعيد مرَّة بعد أُخرى، وبيَّن له (١). إِذَن نَقول: بابُ المأمورات لا يُؤاخَذ الإنسان بتَرْكه إياها، لكن لا يَلزَم من عدَم مُؤَاخَذته بتَرْكها جاهِلًا أن يَسقُط عنه فِعْلُها أو فِعُل بدَلها، والدليل أن النبيَّ ﷺ لَمْ يَعْذُر الجاهِلَ في تَرْك الطُّمَأنينة. وقد سبَق لنا: أنَّه قد يَكون الإنسان مُفرِّطًا في تَرْك السُّؤال فيَلزَمه الإثمُ لتَفْريطه، ثُمَّ هل هذه الآيةُ عامَّةٌ في حقِّ اللَّه تعالى وفي حقِّ الآدَميِّ؟ نَنظُر ونَقول: حتَّى في حقِّ الآدَمي، لأن الآيةَ عامَّةٌ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾، لكن لا يَلزَم من انتِفاء الإِثْم انتِفاءُ الضَّمان في حَقِّ الآدَمي؛ فَلو أن رجُلًا أَكَل طعامَ إنسانٍ جاهِلًا أنَّه طعامُه فهل عليه إثمٌ؟ لا، لكن يَلزَمه ضمانُ الطَّعام؛ لأنه حقُّ آدَميٍّ، أمَّا لو عَلِم أنَّه طعام فلانٍ فإنه يَأثَم مع الضمان. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: سَعَة رحمة اللَّه حيثُ أَسقَط الإِثْم عمَّن كان مُخْطِئًا

стр. 54

﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَدار الأحكام والمُؤاخَذة عليها هُو القَلْب؛ لِقَوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وهذا له شَواهِدُ كثيرةٌ منها قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي الآية الأخرى ﴿بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، ومِنها قولُه تعالى في جزاء الصَّيْد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وبِناءً على ذلك لو أنَّ المُحرِم قَتَل صيدًا غيرَ مُتعَمِّد لا يَأثَم ولا يَضمَن؛ لأنه حَقٌّ للَّه تعالى، واللَّهُ تعالى قد عفا عن حَقِّه. وبه يُعرَف ضَعْف قول مَن قال: إن جزاء الصَّيْد واجِب حتَّى على مَن قتَله خطَأ في حال الإحرام، مع أن الآية صريحة: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. ويَلحَق بذلك ما لو قَصَّ أظفارَه جَاهِلًا وهو محُرِم، أو حلَق رأسَه من بابِ أَوْلى، ويَلحَق به ما لو جامَع زوجته، مثل: لو أنَّ رجُلًا في مُزدَلِفةَ جامَع زوجته وهي في مُزدَلِفةَ جاهِلًا استِنادًا إلى قول النبيِّ ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ" (١)، وهذا يَقَع فليس عليه ليس عليه شيءٌ، لا إِثْم، ولا فَساد نُسُك، ولا قضاءٌ؛ لأنه جاهِل ما تَعمَّد. ولهذا بعض الناس بنَى على ذلك مَسألةً أَغرَبَ من ذلك، إذا وقَف بعرَفةَ ثُمَّ انصَرَف فله أن يُسافِر إلى أهله وفِعْلًا حصَل هذا، منهم مَن يَتوَرَّع، وإذا سافَر وكَّل

стр. 55

أحدًا يَبيت في مِنًى ويَرمِي عنه، ومنهم مَن يَقول: عُدُّوا لي كَمْ من واجِب تَرَكت، وأنا أُعطِي لكم ذبائِحَ عنها. الخُلَاصةُ: الآنَّ أنَّ كُلَّ شيءٍ لا يَتعمَّدُه الإنسانُ بِقَلبه فإِنَّه لا إِثْم عليه فيه، وإذا كان من حَقِّ اللَّه تعالى سقَطَ عنهُ الإثم والضَّمان إِنْ كان ممَّا يُضْمَن أو مِمَّا تَجِب به الكفَّارة، وإذا كان لَحِقّ آدَمي سقَط عنه الإِثْم وَوجَب الضَّمان، إلَّا أنَّه يُسْتَثنَى من هذا مَسألةٌ واحِدة، وهي قَتْل النفس، فإن قَتْل النفس وإن كان خطَأً تَجِب فيه الكفَّارة، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. فأَوجَب اللَّه حقَهُّ وحقَّ العِباد، وذلك لعِظَم قَتْل النَّفْس؛ لأن قَتْل النَّفْس -والعِياذُ باللَّه- عَمْدًا لا تُحِلُّه الكَفَّارة ولا يَنفَع فيه إلَّا التَّوْبة النَّصوح مع استِيفاء الحُقوق؛ ولا أَعلَم شيئًا يُسْتَثْنى منها إلَّا مسألةَ القَتْل، والقَتْل إنما هو لعِظَمه. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات اسمَيْن كريمين من أسماء اللَّه؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما تَضمَّناه من الصِّفة وما تَضمَّناه من الحُكْم أيضًا -وهو الأثَر-؛ لأنَّ الغفور والرحيم مُتعَدِّيانِ يَتعلَّقان بالغير، والقاعِدة في أسماء اللَّه تعالى وصِفاته: أنَّه إذا كان الاسمُ مُتعدِّيًا فإنه يَلزَم الإيمانُ به اسمًا للَّه تعالى، وبما تَضمَّنه من صِفة، وبما يَتَرتَّب عليه من الحُكْم، وبعضُهم يَقول: الأثَر. * * *

стр. 56

الآية (٦) قَالَ اللَّهُ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. * * * ثم قال اللَّه : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ﴿النَّبِيُّ﴾ مُبتدَأ، و ﴿أَوْلَى﴾ خبَرٌ، وهي اسمُ تَفضيل من الولاية، أَوْلى بهم. قال: [﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما دعاهم إليه ودَعَتْهم أنفسُهم إلى خِلافه] فحوَّل المَعنى، يَعنِي: أن الرسول ﷺ إذا دعاك إلى شيء ودَعَتْك نفسُك إلى خِلاف هذا الشيءِ، فإن النبيَّ أَوْلى بك من نَفْسك، فأَطِعِ النبيَّ ﷺ ، وخالِفْ نَفْسك، وهذا لا شكَّ أنَّه داخِل في الآية، لكن الآية أعمُّ وأشمَلُ وأدَقُّ، يَعنِي: إذا كان الإنسان يَسعَى لنَفْسه بي فيه الخير، فإنَّ الرسول ﵊ أَوْلى به من نَفْسه، ويَشمَل عِدَّة وُجوهٍ: أوَّلًا: أن الرسول ﵊ بالنِّسْبة للمُؤمِنين أبلَغُ من أنفُسِهم في مُراعاة مَصالحِهم وما يَنفَعهم، وفي دَفْع الضرَر عنهم؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ ترَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ ترَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ" (١)، هذه داخِلة

стр. 57

في جُملة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. ثانيًا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في تَقديمه على أَنفُسِهم؛ ولهذا لا يُمكِن لا يَتِمُّ الإيمان؛ حتَّى يَكون النبيُّ ﷺ أحبَّ إليك من نَفْسك، كما قال عمرُ ﵁: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنَّكَ لأَحَبُّ إليَّ مِن كلِّ شيءٍ إلَّا مِن نَفْسي. فقال ﷺ : "وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ"، فقال: وَمن نَفْسي. قال ﷺ : "الْآنَ يَا عُمَرُ" (١)، فيَجِب على كل مُؤمِن أن يُحِبَّ النبيَّ ﷺ أكثَرَ من مَحبَّته لنَفْسه. ثالثًا: ما أَشار إليه المُفَسِّر ﵀ من أن الرسول ﵊ أَوْلى بك من نَفْسك فيما يَدعوك إليه، وتَدْعوك نَفْسك إليه، فإذا دَعَتْك نَفْسُك إلى شيءٍ يُخالِفُ ما دعاك إليه النبيُّ ﵊، فإنَّ النبيَّ ﷺ أَوْلى بك من نَفْسك. فإِذَنِ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلِمة عامَّة تَشمَل كلَّ ما فيه ولاية وتَولٍّ، فالرَّسول ﵊ أَوْلَى بالمُؤمِنين من أنفسهم، أمَّا غير المُؤمِنين فإن هذا الوَصْفَ لا يَنطَبِق عليهم بالنِّسبة للرسول ﷺ . قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أزواجُ النبيِّ ﷺ أُمَّهات المُؤمِنين، فانظُرْ إلى التَّعبير فهنا ما قال: النبيُّ أبٌ للمُؤمِنين وأزواجهم أُمَّهاتُهُم. بل قال : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فأَبوك ليس أَوْلى بك من نَفْسك، لكن الرسول ﵊ أَوْلى بك من نَفْسك، فهذا أعظَمُ من قوله : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، ومن أَجْل هذه الولايةِ كانت أزواجُه أُمَّهاتٍ لنا من قَبْلهن ومن قَبْلنا، يَعنِي: هُنَّ يَنظُرن إلينا كالنظَر إلى الأبناء، ونحن نَنظُر إليهن كنظَر الأُمَّهات.

стр. 58

ونحن نَعلَم أن أُمَّهات المُؤمِنين ﵅ بالنسبة لأُمَّة محُمَّد ﵊ أُمَّة الإجابة، يَنظُرنَ إلى هذه الأُمَّةِ كما تَنظُر المرأة الأُمُّ إلى أولادها، ونحن يَجِب أن نَنظُر إليهنَّ كما نَنظُرُ إلى الأُمَّهات، لأنهن زوجاتُ مَن هو أَوْلى بنا من أَنفُسِنا، النبيُّ ﵊، فلا جَرَمَ أن يَكُنَّ بمَنزِلة الأُمَّهات في الاحتِرام والتَّقدير والدِّفاع عنهنَّ، وعدَم التَّعرُّض لما وقَع في مخُالَفَتهن، بغَيْرةٍ وغيرها؛ لأن النِّساء الزوجاتِ -كما تَعرِفون- يَكون بينَهُن غَيْرةٌ، فقد تُخطِئ المرأة خطَأً يَحمِلها عليه الغَيْرةُ، والغَيْرة أَمْر يَملِك الإنسانَ ولا يَملِكه، كما أن الغضَب يَملِك الإنسان ولا يَملِكه. فما وقع في مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] مِثل هذا يَجِب علينا أن نُدافِع بقَدْر ما نَستَطيع، فمَنِ اتَّخذوا من مثل هذه القَضيَّةِ، اتَّخَذوا مَنفَذًا للطعن في زوجات النبيِّ ﷺ ، ولا رَيْبَ أن مَن طعَنَ في زوجَات النبيِّ ﷺ فإنه لا يَقتَصِر طَعنُه عَليهنَّ، بل يَشمَل الرسول ﷺ ، أَسألُك: لو أن رجُلًا اتَّخَذ من فواسِقِ النساء زَوْجاتٍ له، هل هذا مَدْح له أو قَدْح؟ قَدْحٌ بلا شكٍّ، فمَن قَدَح في واحِدةٍ من أُمَّهات المُؤمِنين فإن قَدْحه يَتعَدَّى إلى النبيِّ ﵊ بلا شَكٍّ، ولا سيَّما إذا كان القَدْح فيما يَتعَلَّق بالشَّرَف والنزاهة؛ ولهذا الصحيحُ من أقوال أهل العِلْم ﵀ أن مَن رمَى بالزِّنا واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين، فإنَّه يَكون كافِرًا كُفْرًا مُخْرِجًا عنِ المِلَّة. أمَّا عائِشةُ ﵂ إذا رمَاها بما برَّأَها اللَّه تعالى به فلا شكَّ في كُفْره؛ لأنَّه مُكذِّب للقُرآن، وأمَّا غيرُها فإنه إذا قذَف واحِدةً بالزِّنا فإنه مُكذِّب للقُرآن أيضًا من جهة أُخرى يَقول اللَّه : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ

стр. 59

وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] ولا شكَّ أن الزِّنا -والعِياذُ باللَّه- خُبْث، فأنت إذا وصَفْت واحِدة من أُمَّهات المُؤمِنين بالزّنا وإن لم تَكُن عائِشةَ ﵂؛ فقد وصَفْت النبيَّ ﷺ بالخُبْث، نَسأَل اللَّه تعالى العافِية، وحينئذٍ يَكون الإنسان كافِرًا لا شكَّ. والصوابُ -الذي عليه المُحقِّقون من أهل العِلْم ﵏: أنَّ مَن قَذَف واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين فإنه يَكون كافِرًا كُفْرًا مخُرِجًا عن المِلَّة، وكذلك من قذَف غيرَهن من زوجات الأنبياء يَكون كافِرًا؛ للآية التي ذُكِرت: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ. . .﴾ [النور: ٢٦] إلى آخِرها. فما مِن شَكٍّ أن مَن يُكفِّر واحِدة من أُمَّهات المُؤمِنين فهو كافِر؛ لأنه يَلزَم من تكفِيره واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين أن يَكون النبيُّ ﷺ قد استَباح امرأةً كافِرةً، وهذا قَذْفٌ في الرسول ﷺ . إذَنْ: أزواجه أُمَّهاتهم من الناحِيَتين، يَعنِي: أننا لزَوْجات الرسول ﷺ بمَثابةِ الأبناء، وأنهنَّ لنا بمَنزِلة الأُمَّهات، لكن هل هُو في المَحرَميَّة والنظَر والخَلْوة أو في الاحتِرام فقَطْ؟ يَقول المُفَسِّر ﵀: [في حُرْمة نِكاحِهنَّ عليهم] ولا يَكفِي هذا في حُرْمة نكاحِهن عليهم، لا شكَّ أنَّه لا يَحِلُّ لأحَد أن يَتزَوَّج امرأةً بعد وفاة النبيِّ ﷺ من زَوْجاته، ولكِنَّ هذا الاحتِرامَ ليس لهُنَّ فحَسْب، بل حتَّى للرسول ﷺ إكرامًا له؛ ولذلك إذا تُوفِّيَ الرجُل عن المرأة ولو كانت لا تَحيض تَعتَدُّ بأربعة أشهر وعَشْرٍ؛ احتِرامًا للنِّكَاح الأَوَّل إلَّا إذا كانت حامِلًا فعِدَّتُها بالحَمْل. أَقول: إنهن أُمَّهات المُؤمِنين في حُرْمة النِّكَاح وفي وُجوب احتِرامِهن.

стр. 60

وفيها قراءَة لبَعض السلَف: "وأَزواجُه أُمَّهاتُهم وهو أَبٌ لَهم"، ولكنها قِراءة لا تُعتَبَر من القِراءات السَّبْعية، إلَّا أن بعضَهم قَرَأ بها، ولكنك إذا تَأمَّلت: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وجَدْتَ أنَّه أعظَمُ من الأبِ. قال : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ سيَأتينا -إن شاءَ اللَّه تعالى- في الفوائِد: هل أولادُهنَّ إِخوةٌ للمُؤمِنين وهل إخوانُهنَّ أخوالٌ للمُؤمِنات وهل آباؤُهنَّ آباءٌ للمُؤمِنين؟ وما أَشبَهَ ذلك، يَأتينا هذا -إِن شاءَ اللَّه تعالى- في الفوائِد. قال ﵀: [﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ ذَوُو القَرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في الإِرْث ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ من المُؤمِنين والمُهاجِرين، أي: من الإرث بالإيمان والهِجْرة الذي كان أوَّل الإسلام فَنُسِخ]. قال : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعلِّق بـ ﴿أَوْلَى﴾، أَوْلى من المُؤمِنين والمُهاجِرين، وعلى هذا فإن (مِن) هي الدالَّة على المُفضَّل عليه، فإذا قلت: فُلان أَفضَلُ من فلان، فإن (مِن) هذه لتَعيين المُفضَّل عَليه، وهنا أُولو الأرحام بعضهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين والمُهاجِرين. وقيل: إن (مِنْ)، بَيانيَّة يَعنِي: وأُولو الأرحام من المُؤمِنين والمُهاجِرين بعضُهم أَوْلى ببعض، يَعنِي: أُولو الأرحام سَواءٌ كانوا مُؤمِنينَ فقَطْ أو مُؤْمنينَ مُهاجِرينَ فإن بعضَهم أَوْلى بِبَعض، فإذا قُلْنا: أُولو الأَرْحام بعضُهم أَوْلى ببعض في الإِرْث مِن المُؤمِنين والمُهاجِرين. أو قُلْنا: أُولو الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين. صار المَعنى الأَخير أعمَّ وأشمَلَ. وعلى كلِّ حال: الآيةُ فيها قولان للمُفسِّرين:

стр. 61

القولُ الأوَّلُ: إن هذه ناسِخة للإِرْث الثابِت في أوَّل الإسلام بين المُؤمِنين من الأنصار والمُهاجِرين من المُسلِمين، فكان في الأوَّل جَعَل الرسول بَينهم ﵊ أُخوَّةً، رتَّب أُخوَّةً يَتو ارَثون بها، حتَّى أَنزل اللَّه آيةَ الإِرْث، وجعَل ذَوي الأَرْحام بعضُهم أَوْلى بِبَعض. القول الثاني: يَقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ مِن المُؤمِنين والمُهاجِرين بعضُهم أَوْلى ببعض، وعلى هذا فتكون الآية مُحْكَمة، ليس فيها نَسْخٌ، وتَكون أَعمَّ من الإِرْث أَوْلى ببعضِهم في كل شيءٍ حتَّى في ولاية النكاح وغير ذلك، فهُمْ بعضُهم أَوْلى ببعض. و(أُولُو) بمَعنى: أصحاب، و (الأَرْحام) جَمع رحِمٍ وهو القَرَابة يَعنِي: ولهذا قال المُفَسِّر: [ذَوِي القَرابات] وأن ما اشتَهَر عندنا في عُرْفنا أن الأَرْحام أقَارِبُ الزوجة فهذا غيرُ صحيح، أقارِبُ الزوجة يُسمَّوْن أصهارًا، ومن أَجْل هذا الخطَأِ في المَعنَى صار بعض الناس يَقول: أنتم تَقولون: إن أسباب الإرث ثلاثة: رحِم ونِكاح وولَد، فأينَ الثالِثُ؟ ! فالرحِم والنِّكاحُ واحِد عند هؤلاء. ونَقول: إن فَهْمكم للرحِم فهم خاطِئ، وهذا ما يَرمِي إليه الشَّرْعُ من تَسمية الأشياء بأسمائِها الشرعية حتَّى لا يَحصُل الخطَأ. فالآنَ عندنا كلِمة العَمِّ تُطْلَق على زَوج الأُمِّ، فلو سألَك سائلٌ فإنك تَبنِي أَنت على أنَّه عَمُّه أَخو أبيه! ثُمَّ تَجِد أنَّه أَراد بالعَمِّ زَوجَ أُمِّه، فكلُّ هذه الأشياءِ يَنبَغي لنا أن نُصحِّح كلامنا فيها؛ حتَّى لا يَقَع الخطَأ. وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: مَكتوبه، فهو فِعَال بمَعنَى: مَفعول، وهل المُراد في كِتاب اللَّه تعالى، أي: في الوَحْي أو في كِتاب اللَّه أي: في فَرْض اللَّه تعالى؛

стр. 62

لأن الكَتْب يُطلق بمَعْنى الفَرْض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، يُحتَمَل هذا وهذا. ولكن الأقرَب أنَّ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: في مَكتوبه، أي: فيما كتَبه اللَّه ، ونَقول: إن كان المُراد بكِتاب اللَّه تعالى اللوحَ المَحفوظَ فالأَمْر ظَاهِر؛ لأن اللَّه تعالى كتَب فِي اللَّوْح المَحفوظ مَقاديرَ كلِّ شيءٍ، وإن كان المُرَاد بكِتاب اللَّه هذا القُرآنَ، فإنه مَكتوبٌ بأَيْدي الملائِكة ومَكتوب بأَيْدي المُؤمِنين من بني آدَمَ. قوله : ﴿إِلَّا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لكنْ ﴿إِلَّا﴾] تَقدير (إلَّا) بـ (لكِن)؛ لأن الاستِثْناء هنا مُنقَطِع، وإذا كان الاستِثْناء مُنقَطِعًا فإنه تُقدَّر (إلَّا) بـ (لكِن)، والانقِطاع كما يَكون في الذوات يَكون في المَعاني أيضًا، فقول النَّحوِيِّين: جاء القَوْمُ إلَّا حِمارًا. هذا استِثْناء مُنقَطِع باعتِبار الذوات، القوم يَعنِي: ذواتَهم إلَّا حِمارًا، ومثل هذه الآيةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ استِثناء مُنقَطِع بالمعاني، فالاستِثْنَاء المُنقَطِع يَكون في المَعاني، ويَكون أيضًا في الذوات: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا مُتَّصِل؛ لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من ﴿الْإِنْسَانَ﴾ لكن ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ هذا لا يَدخُل في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾؛ لأن أَوْلياءَنا هؤلاء ليسوا من ذَوي الأرحام، بل بيننا وبينهم مُوالاة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ بوَصية فجائِز. قوله تعالى: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ جَمْع وَليٍّ، والمُراد بالوَليِّ هنا مَن كان بينك وبينه مُوالاة ومُناصَرة كالذي حصَل بين المُهاجِرين والأَنْصار في أوَّل الهِجرة، فإذا كان بينك وبينه مَعروف، تَفعَل فيه مَعروفًا فإن هذا جائِز.

стр. 63

قال المُفَسِّر ﵀: [بوَصيَّة] وخَصَّ المَعروف بالوَصِيَّة، لأن الكلام الآنَ في التَّوارُث، والتَّوارُث ما يَكون إلَّا بعد الموت، كذلك الوَصيَّةُ ما تَكون إلَّا بعد الموت. قال اللَّه : ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ أي: نَسْخ الإِرْث بالإيمان والهِجْرة بإِرْث ذَوِي الأرحام، قال ﵀: [﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ وأُريد بالكِتاب في المَوْضِعين: اللوحُ المَحفوظ]. قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المُشار إليه كون أُولي الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين والمُهاجِرين. قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في اللَّوْح المَحفوظ على كلام المُفَسّر ﵀، وهو ظاهِر في المَسأَلة الأَخيرة، لأن (كان) تَدُلّ على الماضي، وهذا يَدُلُّ على أن الذي في الكِتاب المَحفوظ أن الإِرْث يَكون لذَوِي الأرحام، لكنه كان بالمُوالاة في زمَنٍ غير طويل، أوَّل ما قدِم المُهاجِرون إلى المدينة صاروا يَتَعاقَدون أُخوَّةً بينهم يَثبُت بها الإِرْث، لكنَّ هذا ليس هو الذي كتبَه اللَّه تعالى مُستَقرًّا على عِباده، وإنَّما حصَل ذلك لعارِض وهو ثُبوت الأُخوَّة التامة بين المُهاجِرين والأنصار، وإلَّا فإن الفَرْض المُستَقِرَّ هو ما في الكِتاب المَحفوظ من أن الإِرْث إنما يَكون بالرَّحِم. وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: (ذا) اسمُ إشارةٍ هو الاسم، ﴿مَسْطُوَرًا﴾ خبَرُ ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ و ﴿فِى الْكِتَابِ﴾ جارٌّ ومَجرورٍ مُتعلِّق بمَسطور على أنَّه اسمُ مَفعول، واسمُ المَفعول يَعمَل عمَل فِعْله بالشُّروط السابِقة وهي تامَّة هنا.

стр. 64

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب تَقْديم مَحَبَّة النبيِّ ﷺ على النَّفس؛ لِقَوله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فهو أَوْلى بك من نَفْسك. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِظَم شَفَقة النَّبيِّ ﵊ على أُمَّته؛ لِكَونه أَوْلى بهم من أنفُسهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوبُ طاعة النبيِّ وتَقديمها على طاعة النَّفْس؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يَدخُل فيه هذه المَسأَلةُ: أنَّه إذا أَمَرك بالشيء ودعَتْك نفسُك إلى ضِدِّه فقَدِّمْ ما أَمَر به النَّبِيُّ ﷺ . فصار النبيُّ أَوْلى بالمُؤمِنين من أنفُسهم بالنِّسبة لك وبالنِّسبة له، بالنِّسبة له يَجِب عليك أن تُقدِّم محَبَّته وطاعته على محَبَّة نَفْسك وطاعتها، وبالنِّسبة له هو أَوْلى بك وأَرفَقُ بك وأَشفَقُ عليك من نفسِك. الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: أن زَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّهاتُ المُؤمِنين؛ لِقَولِه تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ما قلنا: أُمَّهاتهم أُمَّة كلها، لأنه قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقد استَدَلَّ بعضُ العُلَماء ﵏ على أن مَن أبْغَضَ عائِشةَ ﵂ فليس بِمُؤمِن؛ لأن اللَّه ذكَر أنَّها أم المُؤمِنين، ولا يُمكِن أن يُبغِض الإنسان أُمَّه، فإذا أَبغَضها فليس بمُؤمِن؛ لأنه لو كان مُؤمِنًا كانت أُمًّا له، ولو كانت أُمًّا له لمَا أَبغَضَها، وهذا استِنْباط جيِّد. واختَلَف العُلَماء ﵏: هل يُسمَّى أقارِبُ زَوْجات الرسول ﵊ بما يَقتَضيه النسَبُ؟ يُسمَّى إخوَةُ زَوجاتِ الرسول ﷺ أَخوالًا للمُؤمِنين أو لا؟

стр. 65

وهل يُسَمَّى أيضًا آباؤُهنَّ آباءً للمُؤمِنين، وأَبناؤُهن إِخوةً للمُؤمِنين؟ في هذا خِلاف بين أهل العِلْم ﵏، والصحيحُ أنَّه لا يُسمَّى هؤلاءِ بما يُسمَّى نَظِيرُه في النَّسَب؛ لأن هذه الأُمومة خاصَّة بعَلَاقتِهنَّ بالنبيِّ ﷺ ، وأَقارِبُهن ليس لهم عَلاقة برسول اللَّه ﷺ ، فلا يُسَمَّى أحَدٌ من إخوانهن بأَخوال المُؤمِنين، ولا أحَد من آبائِهن بأبِي المُؤمنين، ولا أَحَد من أبنائِهن بأخي المُؤمِنين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرسول ﵊ مَنزِلته بالنِّسْبة للمُؤمِنين أعلى من مَنْزِلة الأُبُوَّةِ؛ لأنه قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وعلى هذا فلا حَاجةَ للقِراءةِ الَّتي قرَأ بها بعضُ السلَف، وهو قوله: "وهُوَ أَبٌ لَهُم"؛ لأن الأُبُوة بل أعلى من الأُبوَّة مُستَفاد من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحريم نِكاح زَوْجات النبيِّ ﷺ بعدَهُ؛ لِكَونِهن أُمَّهات المُؤمِنين، وسيَأتِي في هذه السُّورةِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهذا من حِماية اللَّه تعالى لفِراش النبيِّ ﷺ ، أنَّه حتَّى بعد مَوْته لا أحَدَ يَتزَوَّج أحَدًا من نِسائه. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: نَسْخُ التَّوَارُثِ بِالمُوَالاة؛ لِقَوله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ على أحَد التَّفسيرين: على أَنَّ (مِنْ) دَاخِلةٌ على المُفضَّل عليه. أمَّا إذا جعَلْنا (مِنْ) بَيانيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾، فإنها لا تَدُلُّ على ذلك، وقد تَدُلُّ عليه من باب اللُّزوم لا من باب الدَّلالة المُطابِقة اللَّفْظية.

стр. 66

فإذا لم يُوجَد أحَدٌ من ذَوِي الأرحام هَل يَعود الإِرْث بالمُوَالَاة والمُنَاصَرة؟ أَكثَرُ أهل العِلْم على أنَّه لا يَعود وأن أسباب الإِرْث تَنحَصِر في ثلاثة فقط وهي: النِّكاح، والنَّسَب، والولَد، ولكن شيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ (١) ﵀ يُجَوِّزُ إذا لم يُوجَد إذا لم تُوجَدِ الأسباب الثلاثة المُجمَع عليها يَجوز التَّوارُث بالمُوالاة والمُنَاصَرة، يَقول ﵀: "لأنه لمَّا عُدِم الأرحامُ زال السبَب المانِع من التَّوارُث بالمُوالاة والمُناصَرة"، لكن أكثَر أهل العِلْم ﵏ على خِلاف هذا. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن صِلة الرحِم كما تَكُون في الحياة تَكُون بعد الموت، لأن هذه الأَوْلوية تَكُون في الحياة وفي الموت. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن مَن كان أَقرَبَ من ذَوِي الأرحام فهو أحَقُّ بالإرث؛ وجهُه: أنَّه سبَق لنا قاعِدة في هذا البابِ وهو أنَّه إذا عُلِّق الحُكْم على وَصْف، فكلَّما كان الوصفُ في شيءٍ أقوى كان الحُكْم فيه أَوْلى، فما دام أُولو الأرحام أَوْلى؛ لأنهم ذَوِي أرحام، فمَن كانت رحِمه أَقوَى فهو أَوْلى، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، كما بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢). فأنا لو قُلت لك: إذا رأَيْت فاسِقًا فاجْلِدْه. مثلًا، فهل هذا الأَمرُ بالجلْد هل يَختَلِف باختِلاف الفاسِقين أو أَفسَقِهم أو أَقَلِّهم على حدٍّ سَوَاء؟ يَختَلِف؛ لأن القاعِدة: أنَّه إذا عُلِّق الحُكْم بوَصْف فإنه متى كان الوَصْفُ ذا محَلٍّ أَقوى كان ذلك المَحلُّ في الحُكْم أَوْلى.

стр. 67

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: فضيلة الهِجْرة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾؛ لأن المُهاجِرَ مُؤمِنٌ تَخْصيصهُ بالعَطْف يَدُلُّ على شَرَفه وفَضْله، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] الرُّوح هو جِبريلُ ﵇، وتَخصيصه بالعَطْف وهو من المَلائِكة دليل على شرَفه وتكريمه. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ثُبُوت الإِرْثِ لِذَوِي الأَرْحام، وذَوُو الأرحام في اصطِلاح الفَرضيين: كُلُّ قَرِيب لَيْس بِذِي فَرْض ولا عَصَبة، والعُلَماء ﵏ قدِ اخْتَلفوا فيهم، فمِنهم مَن قال: إنهم لا يَرِثون. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جواز الوَصية لمَن بيْنَك وبينَهُ مُوَالاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ وظاهِر الآية الإطلاق، لكنَّه مُقَيَّد بالنُّصوص الدالَّة على أنَّ الوصِية لا تَزيد على الثُّلُث، ومنه حديث سعد بنُ أبي وقَّاص ﵁ حين عَاده النبيُّ ﵊ مِن وجَعٍ كان به، فلما رآه النبيُّ ﷺ استَغَلَّ الفُرْصة، -أَعنِي: سَعْدًا- وقال: يا رسول اللَّه، إنِّي ذو مال ولا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لي -ومُرادُه: لا يَرِثُني من صُلْبي، وإلَّا فإنَّ له بَني عمٍّ وعصَبة- أَفَأَتَصدَّق بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" قال: فالشَّطْر؟ -يَعنِي: النِّصْف- قال: فالثُّلُث؟ قال: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كثِيرٌ" (١). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإحسَان من المعروف؛ لِقَوله تعالى: ﴿مَعْرُوفًا﴾ يَعنِي: إحسانًا بالوَصِية وعلى هذا فالمَعروف إذا قلت: مُرْ بالمَعروف يَشمَلُ الأمر بالإحسان، ولا شكَّ أن الإحسان مَعروفٌ عند اللَّه تعالى وعند الخَلْقِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: بلاغةُ القُرآن في الاحتِرازِ في مَوْضِع الإيهامِ؛ لأنه لما

стр. 68

قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قد يَتوَهَّم الإنسان أن مَن بينَه وبينَهم مُوَالاة لا يُمكِن أن يَنتَفِع بشيءٍ من ماله، فاحتَرَز بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾؛ ولهذا أمثِلة كثيرة مِثْل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ [الحديد: ١٠]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن اللَّوح المَحفوظ قد كُتِبت فيه الأشياءُ مُستقِرَّة لقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ وهو أَوْلويَّة ذَوِي الأرحام بعضِهم ببعْض، وقد اختَلَف أهل العِلْم ﵏ في الكُتُب التي بأَيْدي الملائِكة هل تُغَيَّر وتُبَدَّل بالزِّيادة والنَّقْص والتَّغيير؟ والصوابُ أن ذلك مُمْكِن، الصحُف التي بأَيْدي المَلائِكة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، أَصْل الكِتاب عند اللَّه تعالى ليس فيه تَغيير ولا تَبديل، لكن الصُّحُف التي بأَيْدي الملائِكة يُمكِن أن يَقَعَ فيها التَّغيير والتَّبديل. مثال ذلك: رجُل فعَل سَيِّئةً تُكتَب فإذا اسْتَغفر مُحِيَت أو إِنْسان فَعَل حسَنةً كصدَقة مثَلًا، ثُم مَنَّ بها إذا مَنَّ بها تُمْحَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهذا ما قرَّره شيخُ الإسلام (١) وغيرُه من المُحقِّقين ﵏ مِن أن ما في أُمِّ الكِتاب ثابِت لا يَتغَيَّر؛ لأنه قد كُتِب فيه استِقرار الأشياء في الأزَل إلى الأَبَد، وأمَّا ما بأَيْدي الملائِكة فهُو الذي يُمكِن أن يَقَع فيه المَحوُ والإثبات.

стр. 69

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَمامُ عِناية اللَّه بشَرْعه وتَقدِيره؛ تُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يَعنِي: ليس الأَمْر أَمْرًا ارتِجاليًّا، بل كلُّه مَكتوبٌ محُكَمٌ عند اللَّه لا الأمور الشَّرْعية ولا الأُمور القدَرية، وهذا من تَمام حِكْمته أنَّ كلَّ شيءٍ محُصَّنٌ عنده مُرتَّبٌ مُنظَّمٌ لا تَغييرَ فيه ولا تَبديلَ. * * *

стр. 70

الآية (٧) * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [واذْكُرْ إِذْ] فتَكون (إِذْ) مَفعولًا لفِعْل مَحذوف تقديره: اذكُرْ، وهذا كثير في القرآن أن تَأتيَ (إِذْ) مَفعولًا لفِعْل مَحذوف يُقدَّر بـ (اذكُرْ)، أي: اذكُرْ للناس إِذْ أخَذْنا، أوِ اذكُرْ لنفسك مُذكِّرًا إيَّاها إذ أَخَذْنا من النَّبيِّين مِيثاقهم. وقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ حين أُخرِجوا من صُلْب آدَمَ كالذَّرِّ جمع ذرَّة وهي أَصغَرُ النَّمْل]؛ لأن اللَّه تعالى استَخْرَج من آدَمَ ذُرِّيَّته أمثالَ الذَّرِّ، وأخَذ عليهم العَهْد والمِيثاق أن يُؤمِنوا به، جاءت في ذلك أَحادِيث بعضُها صحيح وبعضُها حسَن، لكن كونه استَخْرَجهم، وقال: "هؤلاء إلى النار ولا أُبالي، وهؤلاءِ إلى الجَنَّة ولا أُبالي" (١) وهذا صحيح؛ فإنما أَخْذُ المِيثاق والإِشْهاد عليهم هذا هو الذي اختَلَف العُلَماء ﵏ في صِحَّته. وعلى كل حال فهذا مَوضِعُ بَحثِه في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقد بسَط البَحثَ فيه

стр. 71

شارِحُ (الطحاوِية) (١)، فمَن أَراد أن يَرجع إليه فلْيَرجِعْ. أمَّا في هذه الآيةِ فلا يَتعيَّن أن يَكون الِميثاق ما أخَذه اللَّه تعالى على بني آدَمَ حين استَخْرَجهم من صُلْبه، بل إن المِيثاق عهد بين الإنسان وبين ربه في كل نِعْمة أَنعَم اللَّه تعالى بها عليه أن يُؤدِّيَ هذه النِّعْمةَ على ما أَمَرَه به ربُّه، كل نِعمة؛ لأن هذا من شُكْرها، فإذا أَنعَم اللَّه عليك النِّعْمة بالعِلْم صار الواجِبُ عليك عهدًا بينَك وبينَ اللَّه أن تُبيِّنه، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكتُمُوَنَهُ﴾ وإِذْ أَنعَم اللَّه تعالى على إنسان بالنُّبوَّة، والنُّبوَّة بعد محُمَّد ﷺ مُتعذِّرة، لكن إذا أَنعَم اللَّه تعالى على عَبْده بالنُّبوَّة وجَب عليه أن يُبلِّغ، مِيثاق غَليظ ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وفي أهل العِلْم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولم يَقُل: مِيثاقًا غليظًا؛ لأن المِيثاق على الأنبياء أعظَمُ وأغلَظُ. قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾: (منك) عَطْفًا على ﴿النَّبِيِّينَ﴾ بإعادة الجارِّ ﴿وَمِنْكَ﴾، وإنَّما أُعيد الجارُّ إمَّا لأن الضمير مُتَّصِل ولا بُدَّ فيه من أن يَظهَر الجارُّ، أن يَظهَر العامِل؛ لأن الضمير المتصِل لا بُدَّ له أن يَكون عامِله ظاهِرًا، ولا يَأتي مُنفَصِلًا العامِل إلَّا شذوذًا بعد (إلَّا)، أو يُقال أيضًا -وهو يُقال من حيث المَعنَى-: أُعيد حَرْف الجرِّ للتأكيد بالنسبة إلى هؤلاء الخَمسة قال : ﴿وَمِنْكَ﴾ وتَخصيصهم بالذِّكْر بعد العُموم يَدُلُّ على فَضْلهم ولا شكَّ فيها. قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ منك ومن نُوع عَلَيْهِ ﵇، وبين محُمَّد ﷺ

стр. 72

ونوحٍ ﵇ أنبياءُ آخَرون من أُولي العَزْم، ولكنَّ اللَّه بدَأَ بآخِر واحِد منهم وأَوَّل واحِد، فبدَأ بالطرَفين، ثُم جاء بالوسَط ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. ونوحٌ ﵇ هو أوَّلُ رسول أَرسَله اللَّه إلى أهل الأرض؛ لأن الصحيح أن آدَمَ نبيٌّ، لكنه ليس برَسولٍ، فأوَّلُ الرُّسُل نوح ﵊ كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وفي حديث الشَّفاعة الطويلِ: أن الناس يَأتون إلى نُوحٍ ﵇ ويَقولون: أنت أوَّلُ رسول بعثَه اللَّه تعالى إلى أهل الأرض (١). وليس نُوحٌ أَفضَلَ من إبراهيمَ ولا من مُوسى ﵉، لكن -كما قُلت- قدَّمه؛ ليَتلاقَى الطرَفان الآخِرُ والأوَّلُ، وقدَّم محُمَّدًا ﵊، لأن الرسول ﵊ أشرَفُ الرُّسُل. والترتيب: بالنِّسبة لإبراهيمَ ومُوسى وعِيسى الثلاثة رُتِّبوا بالزمَن والفَضْل، وأمَّا نُوحٌ ومُحمَّد ﷺ فبَدَأ بالطرَف الأخير، لأنه أشرَفُ، ثُمَّ بالطرَف الأوَّل. قوله : ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إبراهيم ولم يَذكُر أباه، ومُوسى ولم يَذكُر أباه، وعِيسى وذكَر أُمَّه؛ لبَيان الآية والمُعجِزة في عيسى ﵊ أنَّه خُلِق من أُمٍّ بلا أَبٍ، وخُلِقت حوَّاءُ من أبٍ بلا أُمٍّ، وخُلِق آدَمُ من غير أُمٍّ ولا أبٍ، وخُلِق الناس من أبٍ وأُمٍّ، نعَم، كل هذا يُستَدَلُّ به على أن الطبيعة لا شأنَّ لها في التَّكوين والخَلْق، وإلَّا لكانت على وَتيرة واحِدة.

стр. 73

قال: [﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ شديدًا بالوفاء بما حُمِّلوه وهو اليمين باللَّه تعالى ثُم أخَذَ اللَّهُ تعالى المِيثاق] المِيثاق العَهْد، لكن المُفَسِّر يَقول: [وهو اليمين باللَّه، كأنه يُشير إلى قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ولكن هذا فيه نظَر. والصوابُ: أن العهد الذي أُخِذ على الرُّسُل هو أن يُبلِّغوا الرِّسالة ويَقوم أيضًا بالإيمان بما يَجِب الإيمان به من بابِ أَوْلى؛ لأنهم إذا أُرسِلوا إلى غيرهم فلأنفُسِهم أَوْلى، فيَشمَل أو فيَكون قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ فَردًا من أفراد هذا العهدِ والمِيثاق. فإن قال قائِل: بعض العُلَماء ﵏ مثل ابنِ عَقيل والقُرطُبيِّ (١) يَقولون: المُفاضَلة من جهة الرِّسالة أو النُّبوَّة. فتقولون: لا يَنبَغي للإنسان أن يَذكُر هذا، لكن إذا ذكَر المُفاضَلة فإنما تَكُون من جهة بعض المُميِّزات التي تَكون في الأنبياء من شِدَّة العزيمة والصبر وغيرهما، فما الجَوابُ عن ذلك؟ فالجوابُ: يُمكِن أن يَكون قصدُهم أنَّه يَخشَى أن المُفضَّل عليه يَقعَ في نفس الإنسان تَنقُّصًا له؛ ولهذا الرسولُ ﷺ نَهَى أن نُفضِّل بين الأنبياء قال ﵊: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" (٢) فإذا كان هناك مثَلًا محَذور فيُعْرَض عنه، أمَّا إذا كان يُريد

стр. 74

أن يُبيِّن مدَى قُوَّتهم في تبليغ الدَّعْوة وصَبرهم عليها وكثرة أَتباعهم وما اصطِفاهم اللَّه به، فقد صرَّح اللَّه بذلك فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. وهل هذا المِيثاقُ هو الأوَّلُ أو غيره؟ اختَلَف المُفسِّرون فيه: فقال بعضهم: إنه هو المِيثاق الأوَّل، وإنَّما أُعيد من أَجْل الوَصْف، وهو قوله تعالى: ﴿غَلِيظًا﴾، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وقال آخَرون: إنه غير الأوَّل؛ لأن القاعِدة أن الاسم إذا تَكرَّر فإن كان بلفظ المَعرِفة فالغالِب أن الثانيَ هو الأوَّل، وإن كان بلَفْظ النكِرة فالغالِب أن الثانيَ غير الأوَّل، هذا الغالِب وليس دائِمًا، فإنك ترَى قوله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ جاء مُعرَّفًا بـ (أل)، والإحسان الثاني قطعًا غير الإحسان الأوَّل، لكن الأكثَر أنَّه إذا أُعيد الاسم مُنكَّرًا صار غير الأوَّل، وإن أُعيد مُعرَّفًا صار الأوَّل، فهنا أُعيد المِيثاق مُنكَّرًا قال: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾، فيَكون المِيثاق الثاني غيرَ الِميثاق الأوَّل. ووجهُ المُغايرة: يَقول: إن المِيثاق الأوَّل هو المِيثاق الذي أُخِذ على جميع بني آدَمَ، والِميثاق الثاني هو المِيثاق الخاصُّ بالرُّسُل بما حُمِّلوه من القِيام بعِبادة اللَّه وتَبليغ شريعته والدَّعوة إليه. وأمَّا إذا قُلْنا: إن المِيثاق الثانيَ هو الأوَّل، فتكون فائِدة إعادته هو وَصْفَه بالغِلَظ، يَعنِي: أنَّه مِيثاق شديد أشَدُّ من الميثاق الذي أُخِذ على غيرهم.

стр. 75

ولكن ذَكَر الميثاق العامِّ من باب التَّنويه به بالنسبة لهؤلاء الأنبياءِ ﵈؛ ولهذا عقَّبه بقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِم﴾ يَقول: ثُم أَخَذ الميثاق؛ ليَسأَل الصادِقين عن صِدْقهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: عِظَم المَسؤُولية على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجهُ ذلك أن اللَّه تعالى خصَّصَهم بأَخْذ المِيثاق. ويُسْتَفاد منها فَرْعًا على هذه الفائِدةِ: عِظَم المَسؤُولية على أهل العِلْم؛ لأنَّهم ورَثة الأنبياء ﵈. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليها شُكْرًا خاصًّا غير النِّعْمة العامَّة، كقوله : ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾، فإن الإضافة هنا تَدُلُّ على التخصيص، المِيثاقَ الخاصَّ بهم، فكُلُّ مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليه فيها عَهْدًا أن يَقوم بهذه النِّعْمةِ. وبهذا التَّقريرِ نَسْلَم ممَّا ذكَره المُفَسِّر ﵀ من أن المِيثاق هنا يُرَاد به المِيثاق الذي أُخِذ عليهم من ظَهْر أبيهم آدَمَ ﵇، إذا أَنعَم اللَّه تعالى عليك بنِعْمة فإن هذا عَهْد أَعْطاك فأَعْطِه، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. وذكَرَ اللَّه هذا العَهْدَ في سورة المائِدة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
следующие страницы →